المعمدان والمسيح – إنجيل لوقا 7 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المعمدان والمسيح – إنجيل لوقا 7 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المعمدان والمسيح – إنجيل لوقا 7 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو 7: 31- 35) ” ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ: فَبِمَنْ أُشَبِّهُ أُنَاسَ هذَا الْجِيلِ؟ وَمَاذَا يُشْبِهُونَ؟ يُشْبِهُونَ أَوْلاَدًا جَالِسِينَ فِي السُّوقِ يُنَادُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَقُولُونَ: زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا. نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَبْكُوا. لأَنَّهُ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ لاَ يَأْكُلُ خُبْزًا وَلاَ يَشْرَبُ خَمْرًا، فَتَقُولُونَ: بِهِ شَيْطَانٌ. جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَتَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ. وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ جَمِيعِ بَنِيهَا“.

الذين لهم عقل سليم يفحصون كل شيء، ويرفضون ما هو زائف، لكنهم يقبلون ويمدحون ما هو بلا لوم. وهذا أيضًا ما يطلبه منا بولس الحكيم، حيث كتب قائلاً: ” كونوا حكماء، امتحنوا كل شيء، تمسَّكوا بالحسن، امتنعوا عن كل شبه شر” (1تس5: 21). لذلك وكما قلت ينبغي لنا نحن أيضًا أن نفحص بتدقيق، وبعين العقل المميِّزة كل ما يُفعل، ونبحث في طبيعة الأفعال، لكي نوافق على ما هو بلا لوم بينما نرفض ما هو زائف. ولكن إذا لم نميز بين الأشياء فإننا نتعرض لخطورة إصدار حكم رديء على أشياء مستحقة للمدح جدًّا، وأن نحسب ما هو شرير أنه لائق للإطراء والتصفيق، وعندئذ تنطبق علينا كلمات النبي: “ويل للقائلين للشر خيرًا وللخير شرًا، الجاعلين الظلام نورًا والنور ظلامًا، الجاعلين المُر حلو والحلو مرًّا” (إش5: 20). هكذا كانت صفة الإسرائيليين وخاصة أولئك الذين كانوا رؤساء لهم، أي الكتبة والفريسيين الذين عنهم قال المسيح “ بماذا أشبه أناس هذا الجيل؟“.

ربما كان هناك نوع من اللعب بين أولاد اليهود أو شيء من هذا النوع بمجموعة من الشباب كانت تقسم إلى قسمين، وكانوا يلعبون ويخلطون الأمور بعضها ببعض، وكانوا ينتقلون سريعًا من حالة إلى أخرى مما هو مفرح إلى ما هو محزن، وكان بعضهم يلعب على آلات الموسيقى بينما البعض الآخر كانوا ينوحون. فالنائحون لم يكونوا يشاركون فرح أولئك الذين يلعبون الموسيقى ويُهللون، ولا أيضًا أصحاب الآلات الموسيقية كانوا يشتركون في حزن أولئك الذين يبكون، وأخيرًا لاموا بعضهم بعضًا لعجزهم عن التعاطف مع بعضهم البعض أي على غياب الشعور المشترك لأن فريقًا منهم يقول      ” زمَّرنا لكم فلم ترقصوا” فيرد عليهم الفريق الآخر ” نحنا لكم فلم تبكوا“.

لذلك فالمسيح يُعلِن أن الجمهور اليهودي وقادتهم كانوا في حالة من الشعور شبيهة بهذه، لأنه يقول ” جاء يوحنا المعمدان لا يأكل خبزًا ولا يشرب خمرًا فيقولون، به شيطان، جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فيقولون هوذا إنسان أكول وشريب خمر ومُحب للعشارين والخطاة“. أيها الفريسي الغبي بأي طريقة إذًا يمكن أن تُربح إلى الإيمان، وأنت هكذا تلوم كل الأشياء بلا تفريق، ولا تعتبر أي شيء مستحقًا للمديح؟ فالمعمدان المبارك كان سابقًا للمخلص، مناديًا قائلاً    “ توبوا لأنه قد اقترب ملكوت الله” (مت3: 2)، لأنه كان رجلاً يستحق أن ينال الثقة، وهو قادر على الإقناع، حتى أنهم هم أنفسهم شهدوا له أن حياته كانت نبيلة وجديرة بالإعجاب. فهو قد سكن في البراري وكان يرتدي ثيابًا فقيرة وخشنة وبالكاد كان يُلبِّي ضرورات جسده بالجراد والعسل البري. وأنتم قد خرجتم لتروه كشخص قديس، وقد وصل إلى كمال كل فضيلة، فهل تجرؤ أيها الفريسي بعد ذلك أن تتكلم رديئًا عن فِعل هذا الشخص وهو شخص ينبغي بالحرى أن يحسب مُستحقًا لكل إعجاب؟ هل تقول إن به شيطان وهو الذي كان بالأصوام يميت قانون الخطية الذي في أعضائنا الجسدية المحارب ضد ناموس ذهننا؟ (انظر رو7: 23)، وهل هناك ما هو أعظم من حياة التعفف؟ لأنه كونه قادرًا أن ينتهر بحكمة تلك اللذات التي تقود إلى الشر وأن يعيش حياة زهد وتعفف، فكيف لا يكون هذا عظيمًا وباهرًا؟

 

إن المعمدان المبارك كان مكرسًا كلية في تقواه نحو المسيح، ولم يكن يوجد فيه أقل اعتبار للشهوات الجسدية، أو لأمور هذا العالم، لذلك فهو إذ تخلى تمامًا عن ارتباكات هذا العالم الباطلة وغير النافعة فإنه عمل في أمر واحد بكل اهتمام وهو أن يُتمِّم بلا لوم الخدمة التي أؤتمن عليها. لأنه قد أُمِرَ أن يكرز قائلاً ” أعدوا طريق الرب” (إش40: 3). أخبرني هل أنت تظن أن هذا الإنسان به شيطان، وهو إنسان ليس للشيطان سلطان عليه، وهو ليس أسيرًا لأي شهوة شريرة، وهو قد قفز فوق كل شراك حب الجسد الوضيع، وهو قد أمر جموع الشياطين أن تسكت، وقاوم هجماتهم برجولة؟ فإنه في الحقيقة لم يكن ليصل لهذا المجد وتلك الفضيلة إلا بواسطة المسيح، الذي هو مُمجَّد ومرتفع جدًّا فوق الشيطان، الذي يجرِّب القديسين ويصر بأسنانه على نجاحهم. ألا تخجل إذًا من أن تشتم واحدًا قد وصل إلى مثل هذا الصبر العظيم والاحتمال الكبير، وله حول رأسه أكاليل من الفضيلة الرجولية؟ هل تُحرِّك لسانك ضده وتتجاسر بوقاحة أن تفتري عليه، بأن تقول إنه إنسان مجنون، وتافه وليس مالكًا لقواه العقلية؟

 

ثم دعونا نرى، مَن هو على الناحية الأخرى، وما يبدو كأنه يتبع طريقًا مختلفًا عن سلوك المعمدان، فالمسيح لم يكن في البرية، بل بالحرى جعل مسكنه في المدينة بصحبة رسله القديسين، هو لم يأكل جرادًا وعسلاً بريًّا، وثيابه لم تكن من وبر الإبل، ولم يكن له منطقة من جلد على حقويه. وطريقة حياته بالحري كانت كالطريقة المعتادة في المدن، ولم يكن فيها خشونة مثل تلك التي كان يمارسها المعمدان القديس. فهل أنت إذًا تمدحه على الأقل، وهل توافق على سهولة طريقته، واختلاطه بحرية مع الآخرين، وعدم اهتمامه بالمرة من جهة طعامه؟ لا أظن، فإن ميلك إلى النقد القاسي يمتد حتى إلى المسيح. فأنت تقول أيها الفريسي “هوذا إنسان أكول، وشريب خمر، محب للعشارين والخطاة”، فهل بسبب أنه تصادف أنك رأيت يسوع يأكل مثل الناس، فهو يبدو لك أنه شريب خمر وأكول؟ كيف يمكنك أن تُثبت ذلك لأنه حينما قامت مرَّة مريم ومرثا باستقباله في بيت عنيا، وكانت واحدة منهما منشغلة بخدمة كثيرة، فإننا نرى المسيح يمنع المبالغة والزيادة، ويدعو إلى ما هو ضروري فقط، لأنه قال “ مرثا مرثا أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة ولكن الحاجة إلى أشياء قليلة، أو إلى واحد” (انظر لو10: 41). وهكذا كان هو دائمًا وفي كل مكان.

ولكن هل أنت تتهم المسيح بسبب أنه كان يمشي مع العشارين والخطاة؟ وهل هذا هو سبب استيائك؟ ولكن أي ضرر يمكن أن نتخيله أصاب المسيح من ترحيبه أن يكون مع الخطاة؟ فهو لم يكن معرّضًا بأن يتأثر بخطاياهم لأنه كان فوق كل خطية تمامًا. حتى أنه قال مرة ” رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء” (يو14: 30)، وفي مرة أخرى قال “ من منكم يبكتني على خطية؟” (يو8: 46). لذلك فهو لا يمكن أن يتلوث من أي ناحية بوجوده مع الخطاة.

ولكنك تقول أيها الفريسي، إن ناموس موسى أمر أننا ” لا ينبغي أن نتكلم مع الأشرار”. دعونا إذًا ندرس موضوع الناموس، ودعونا نرى لأي سبب منع الإسرائيليين أن يتحدثوا مع الأشرار، ويختلطوا مع الخادعين. والآن فإن الحقيقة بالتأكيد هي، أن ناموس موسى أمر بهذه الأشياء، ليس لكي تتفاخر بنفسك على الآخرين، وتجعل الوصية سببًا للانتفاخ، بل بالحرى بسبب أن ذهنك ضعيف وأنت منجذب إلى الحماقة، وبسبب أن قلبك يجري بإرادته وراء اللذات الشريرة فإن الناموس يحفظك من الرغبة في أن تكون مع أولئك الذين حياتهم تستحق اللوم، لئلا تصير مثلهم في ذهنك وتُقتنَص بغباوة في فخهم      ” لأن المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة” (1كو15: 23). لذلك فأنت قد استلمت الوصية كحارس لضعفك، فلو أنك كنت قد تأسَّست في الفضيلة، ولو كان عقلك ثابتًا في مخافة الله لَمَا كان الناموس يمنعك من أن تتحدث حديثًا نافعًا مع أولئك الذين هم ضعفاء، وذلك لكي ما يصيروا متمثلين بتقواك ويتعلموا أن يتشبهوا بأعمالك، حتى أنهم إذ يسيرون في خطوات غيرتك، يمكن أن يتقدموا إلى ما هو أكثر فضلاً وسموًا. لذلك فلا تتخيل تخيلات متكبرة، إذ أنه حتى في وصية موسى أنت متهم بالضعف.

أنت تلوم المسيح لسيره مع الخطاة والعشارين: هل أنت تفعل ذلك لئلا يتأثر بنجاستهم؟ لذلك أخبرني هل أنت تتخيل أنه يشترك أيضًا في ضعفك؟ هل أنت جاهل تمامًا بالأسرار الخاصة به؟ وهي أن الكلمة إذ هو الله صار معنا، أي تجسد لأجلنا، وأن الآب أرسله “ لا ليدين العالم، بل ليخلص به العالم” (يو3: 17). لأن مَن يدين، هو الذي يتحاشى صحبة مثل هؤلاء الذين لا زالوا في خطاياهم، أما الذي يريد أن يخلّص فإنه يكون معهم ويحثهم ويؤثر عليهم ليتغيروا من مسالكهم المشينة، وأن يختاروا الطريق المؤدي إلى الحياة الأبدية بدلاً من طريق الشر. إنه لم “ يأتِ ليدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة” (لو5: 32)، وكما قال هو نفسه ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى “. لذلك فلماذا تلومه على محبته للإنسان هكذا وتنتقده على لطفه الإلهي؟ لماذا توبخه على كونه شفوقًا بنا، وشافيًا لمرضنا؟

 

إن كل إنسان يمدح الأطباء، ليس حينما يتحاشون الاختلاط بالمرضى، بل حينما يكونون معهم دائمًا، وبوسائل فهمهم الخاص يعودون بهم بالتدريج إلى الصحة التامة. وإذا كان يسوع هو طبيب النفوس والأرواح، فلماذا تلومه لتخليصه الخطاة؟ إنه لا يمكن أن يتلوث، حتى لو أكل مع الخطاة، لأن الشمس الساطعة ترسل أشعتها وتدخل إلى كل شيء تحت السماء، ويحدث إذًا أن القاذورات تتعرض لتأثيرها، أما الشمس التي ترسل إشعاعها فهي لا تتلوث بالمرة رغم أنها تسطع على مواد كريهة جدًّا. إن ربنا يسوع المسيح هو شمس البر، ولا يستطيع إنسان شرير مهما كان أن يُلوِّثه حتى لو كان قريبًا بجواره ويأكل معه.

 

هذا ما نقوله فيما يخص المسيح مخلصنا جميعًا. ولكن مع ذلك ربما يعترض البعض ويقول أليست أيضًا كرازة الإنجيل الجديدة والمخلِّصة توصينا بوضوح أن نبتعد عن الاتصال بالناس غير الطاهرين؟ لأن بولس الحكيم جدًّا كتب أيضًا للبعض “ كتبتُ إليكم في الرسالة أن لا تخالطوا الزناة، إن كان أحد مدعوًا أخًا زانيًا أو سكيرًا أو خاطفًا أو عابد وثن فلا تؤاكلوا مثل هذا” (1كو5: 9، 11). لذلك فقد كان مناسبًا للمسيح أن يكون مثالاً لنا في هذا السلوك. لقد فقدتَ مقياسك الذي تقيس به أيها الأخ المحبوب! وأنتَ ترغب أن تنافس كرامة سيدك العالية، وأنتَ تمسك بما يفوق طبيعتك جدًّا، فلاحظ ضعف ذهنك، فإن المسيح إله أما أنت فإنسان تتسلط عليك اللذات الجسدية وذهنك ينخدع بسهولة للضلال، ويصير فريسة سهلة للخطايا. ومع ذلك فإذا شعرتَ بثقة في قدرتك الشجاعة أن تسير في سلوك بلا لوم، وأيضًا أن تعظ الآخرين، فمع ذلك ليس هناك ما يستطيع أن يمنعك من أن تشتهي أن تكون مع الأشرار ومحبي الخطية، فإن نصائح الرجال الروحانيين كثيرًا ما أفادت أولئك الذين في الخطية. وبالعكس فإن كنتَ أنت نفسك لا تخلص بسهولة حتى حينما تحفظ نفسك بعيدًا من رفقة الشر، فإنك يجب أن تكون حريصًا في هذه الناحية. تذكر كاتب كتاب الأمثال الذي يقول ” المساير الحكماء يصير حكيمًا، ورفيق الجُهال يُضر” (أم13: 20). وأيضًا يقول داود المبارك ” مع الرجل الكامل تكون كاملاً، ومع الطاهر تكون طاهرًا ومع الأعوج تكون ملتويًا” (مز18: 25، 26).

 

فلكي تنجو مثل الظبي من الشباك” (انظر أم6: 5س)، وتهرب من الناس الأشرار، فابتعد عن أولئك الذين لا يستطيعون أن يمتنعوا عن النجاسة، وتوسل إلى المسيح أن يطهر أي شيء فاسد فيك، ويعينك في كل ضعفاتك البشرية لأن الكلمة الذي جاء من الله هو إله، رغم أنه صار جسدًا، أي صار إنسانًا، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

المعمدان والمسيح – إنجيل لوقا 7 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المعمدان والمسيح – عظة 8، 9، 10 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المعمدان والمسيح – عظة 8، 9، 10 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المعمدان والمسيح – عظة 8، 9، 10 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عظة (8، 9)

(لو 3: 10ـ 14) ” وَسَأَلَهُ الْجُمُوعُ قائِلِينَ: فَمَاذَا نَفْعَلُ؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: مَنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيُعْطِ مَنْ لَيْسَ لَهُ، وَمَنْ لَهُ طَعَامٌ فَلْيَفْعَلْ هكَذَا. وَجَاءَ عَشَّارُونَ أَيْضًا لِيَعْتَمِدُوا فَقَالُوا لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، مَاذَا نَفْعَلُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: لاَ تَسْتَوْفُوا أَكْثَرَ مِمَّا فُرِضَ لَكُمْ. وَسَأَلَهُ جُنْدِيُّونَ أَيْضًا قَائِلِينَ: وَمَاذَا نَفْعَلُ نَحْنُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: لاَ تَظْلِمُوا أَحَدًا، وَلاَ تَشُوا بِأَحَدٍ، وَاكْتَفُوا بِعَلاَئِفِكُمْ “.

إن لوقا المغبوط قد قدم ثلاث أنواع من الناس يسألون يوحنا المعمدان وهم الجموع، والعشارون وثالثاً الجنود، وكما أن الطبيب الماهر يقدم لكل نوع من المرض العلاج المناسب والملائم له، هكذا أيضًا المعمدان قد أعطى لكل طريقة في الحياة مشورة نافعة ولائقة طالبًا من الجموع في طريق توبتهم أن يمارسوا الرحمة المتبادلة. والعشارون يمنعهم من الطمع ومن أخذ ما هو أكثر من المفروض، وبحكمة عظيمة يخبر الجنود ألاَّ يظلموا أحداً وأن يكتفوا بأجورهم. 

 

عظة (10)

المعمدان والمسيح

(لو 3: 15ـ 17) ” وَإِذْ كَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظِرُ، وَالْجَمِيعُ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ الْمَسِيحُ، أَجَابَ يُوحَنَّا الْجَمِيعَ قِائِلاً: أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ، وَلكِنْ يَأْتِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ الْقَمْحَ إِلَى مَخْزَنِهِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ “.

من المسلّم به أن ” الأب البار يربي أولاده حسنًا جدًا“. لأن أولئك الذين يكتسون بمجد البـِر الذي بواسطة المسيح ويعرفون وصاياه المقدسة، سوف يدربون أولاده في الإيمان بتقوى وبطريقة ممتازة، إذ يعطونهم ليس الخبز المادي الأرضي بل الخبز الذي من فوق، أي من السماء. وهذا الخبز يذكره المرنم العجيب حيث يقول ” خبز يسند قلب الإنسان، وخمر تفرح قلب الإنسان” (مز104: 15). لذلك تعالوا بنا الآن لنسند قلوبنا، وليكن إيماننا بالمسيح يقينيًا وذلك بفهمنا لمعنى هذه الكتابات الإنجيلية التي قُرئت علينا الآن فهمًا صحيحًا فيقول الإنجيل: “إذ كان الشعب ينتظر والجميع يفكرون في قلوبهم عن يوحنا ألعلَّه المسيح” أجابهم بالكلمات التي قرأناها حالاً.

لقد لاحظوا بإعجاب جمال طريقة حياة يوحنا الذي لا يقارن، ولمعان سلوكه، وتقواه الفائقة التي لا تجارى، لأنه كان عظيمًا جدًّا ومثيرًا للإعجاب حتى أن الجمهور اليهودي بدأوا يفكرون عنه هل هو المسيح نفسه الذي وصفه الناموس لهم في ظلال وسبق الأنبياء القديسين فأخبروا عنه. ولأن البعض تجرأوا أن يُفكروا هكذا لذلك نرى المعمدان يقطع ظنونهم في الحال مقدمًا كعبد، الكرامة التي تليق بالسيد وناسبًا المجد لذلك الذي يفوق الكل أي المسيح، لأنه كان يعرف أن المسيح أمين لأولئك الذين يخدمونه، وما يعترف به يوحنا إنما هو الحق تمامًا لأن المسافة التي تفصل بين الله والإنسان تفوق القياس. لذلك فهو يقول “أنتم أنفسكم تشهدون لي أني قلت لست أنا المسيح، بل إنِّي مُرسَل قدامه” (يو3: 28). ولكن أين سنجد القديس المعمدان يتكلم هكذا؟ هذا نجده في إنجيل يوحنا الذي كتب عنه هكذا “وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل الكتبة والفريسيون في أورشليم ليسألوه إن كان هو المسيح؟ فاعترف ولم ينكر وأقر أني لست أنا المسيح. ولكنني مُرسل أمامه” (يو1: 19). لذلك فإنه عظيم بالحقيقة ومثير للإعجاب هو يوحنا السابق للمسيح الذي ظهر كنور الفجر قبل ظهور نور المخلص الساطع، وهو المقدمة لنور النهار الروحي. وهو جميل كنجم الصبح ويدعى مصباح الله الآب (انظر إش62: 1).

وبعد أن أعلن عن نفسه أنه ليس هو المسيح، فإنه الآن يقدم براهين ـ ينبغي أن نتناولها بالضرورة ـ ومن هذه البراهين يمكن أن نعرف المسافة الشاسعة جدًّا التي تفصل بين الله والإنسان، بين العبد والرب، بين الذي يخدم وذاك الذي تُقدم له الخدمة، بين الذي يتقدم كخادم والذي يضئ ساطعًا بالكرامة الإلهية. والآن ما هو البرهان؟

أولاً: يقول المعمدان: “أنا أعمدكم بماء، ولكن يأتي بعدي من هو أقوى مني الذي لست مستحقًّا أن أنحني وأحل سيور حذائه”.

وكما قلت فإن الاختلاف لا يمكن مقارنته، والعلو لا يمكن قياسه، وذلك لأن المعمدان المبارك، وهو عظيم جدًّا في الفضيلة يُعلن أنه غير مستحق حتى أن يلمس حذاءه. إن إعلان المعمدان هذا هو حق وصدق، لأنه إن كانت القوات العقلية في السماء: الرئاسات والعروش، والربوبيات، والسيرافيم المقدسين أنفسهم الذين يقفون حول العرش الإلهي وهم رتبة الخدام، كل هؤلاء يباركونه بتسابيح بلا انقطاع كرب الكل، فهل يستحق ساكن الأرض حتى أن يقترب من الله؟ فرغم أنه يحب الإنسان وهو حليم لطيف لكن ينبغي أن نعترف بضعف طبيعتنا.

وبعد هذا يقدم المعمدان برهانًا ثانيًا قائلاً أنا أعمدكم بماء، أما هو فسيعمدكم بالروح القدس ونار.

وهذا أيضًا له أهمية عظيمة لكي يبرهن ويوضّح أن يسوع هو الله والرب. لأن هذه هي الخاصية الوحيدة والمميزة للجوهر الذي يفوق الكل[1]. وهي أن يكون في استطاعته أن يمنح للناس سكنى الروح القدس، ويجعل أولئك الذين يقتربون منه شركاء للطبيعة الإلهية. وهذه الخاصية موجودة في المسيح لا كشيء اكتسبه أو انتقل إليه من آخر، بل كخاصيته التي يملكها وهي التي تخص جوهره وهي أن يعمِّد بالروح القدس. إذًا فالكلمة، الذي صار إنسانًا يتضح أنه الله، ومن جوهر الآب، ولكن ربما يعترض على هذا (التعليم) أولئك الذين يقسمون المسيح الواحد إلى ابنين، وأنا أعني بهم أولئك الذين يقول عنهم الكتاب: إنَّهم “نفسانيون، ومعتزلون، ولا روح لهم” (يه19:1)، فيعترضون بالقول إن الذي يعمِّد بالروح هو كلمة الله وليس هو الذي من نسل داود. فأي جواب نقدم على هذا؟ نعم! ونحن أيضًا نؤكد، بدون أن نخاف أي تناقض، أن الكلمة لكونه إله يعطي من ملئه الروح القدس لأولئك الذين يستحقونه، ولكنه لا يزال يفعل هذا حتى حينما صار إنسانًا، لكونه الابن الوحيد مع الجسد المتحد به بطريقة تعلو على الفحص وتفوق الفهم. ولذلك فإن المعمدان المبارك بعد أن قال أولاً ” لست مستحقاً أن أنحني وأحل سيور حذائه“، أضاف بعدها مباشرة “هو سيعمدكم بالروح القدس ونار“. وهو هنا يستعمل لفظ الحذاء ليعني به القدمين، لأن ليس أحد له عقل يقظ يمكن أن يقول إنَّ الكلمة حينما كان بدون جسد ولم يكن قد صار مثلنا بعد يمكن أن يكون له قدمان وحذاء. ولكن صار له هذا فقط حينما صار إنسانًا، لكنه استمّر إلهًا كما هو. وحينما صار في الجسد عمل الأعمال اللائقة باللاهوت وذلك بأن أعطى الروح لأولئك الذين يؤمنون به لأنه هو نفسه بشخصه الواحد هو إله وإنسان في نفس الوقت.

لكنه يعترض[2]قائلاً: إن الكلمة عمل أعمال اللاهوت بواسطة ذلك الذي هو من نسل داود. فإن كنت تجادل هكذا فنحن سنرد عليك بكلمات يوحنا نفسه لأنه قال لليهود: “ يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي وأنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي، الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًّا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس، وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله” (يو1: 30، 33، 34). انظروا إذًا كيف يدعوه إنسانًا بكل وضوح إذ يقول: “رجُل قدامي” وأنه كان قبله لأنه بكل وضوح يسبقه بطبيعته الإلهية والتي بمقتضاها أيضًا قال هو نفسه بكل وضوح لليهود ” الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” (لو8: 58). ثم يقول يوحنا أيضًا إن الروح أتى عليه من السماء، فهل هم يدّعون أن الروح أتى على كلمة الله حينما كان مجردًا وبدون جسد؟ وهل يعتبرون الذي يعطي الروح (أي كلمة الله)، أنه يحصل على روحه الخاص؟ أم بالحري فإن المعنى أنه قد حصل على الروح في طبيعته البشرية، وأنه في طبيعته الإلهية يعمِّد بالروح القدس؟ لأنه هو نفسه فريد ووحيد وحده، وهو بالحقيقة ابن الله الآب كما شهد عنه المعمدان المبارك متعلمًا من الله وقائلاً: ” وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله“.

وهل تريدون برهانًا ثالثًا، بالإضافة إلى ما سبق؟ انظروا أنه يقول: ” رفشه في يده، ويجمع القمح إلى المخزن وأما التبن، فيحرقه بنار لا تطفأ“. لأنه يقارن أولئك الذين على الأرض بسنابل القمح أو بالحرى ببيدر الدراسة والقمح الذي فيه. لأن كل واحد منا ينمو مثل سنبلة القمح. والرب حينما كان يكلِّم الرسل القديسين عمل مقارنة مماثلة عن حالتنا، إذ قال: ” الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده” (لو10: 2)، لذلك فنحن الذين على الأرض نُدعى سنابل قمح ونسمَّى بالحصاد. وهذا الحصاد هو مِلكٌ لله فوق الكل لأنه هو رب الكل. ولكن انظروا! فإن المعمدان المبارك يقول إنَّ البيدر يخص المسيح إذ هو ملك له، ولذلك فهو الذي ينقيه إذ يزيل ويفصل التبن من القمح لأن القمح يشير إلى الأبرار الذين لهم إيمان ثابت وراسخ. أما التبن فيشير إلى ضعاف الفكر والذين يُغوى قلبهم بسهولة. وهم خائفون وجبناء ويُحمَلون بأي ريح، ويقول إنَّ القمح حينئذ يُجمع في المخزن أي يحسب مستحقًّا للأمان في يد الله ومستحقًّا للرحمة والحماية والحب، أما التبن فيُحرق في النار كمادة لا نفع لها.

لذلك فبكل طريقة يمكن أن نلاحظ ونعرف أن الله، حتى حينما صار إنسانًا فإنه مع ذلك استمر كما هو ابنًا واحدًا لأنه يمارس الأعمال التي تخص اللاهوت، إذ هو يملك جلال ومجد اللاهوت بغير انفصال. فإن كنا نؤمن هكذا فسيكلِّلنا بنعمته، الذي به وله مع الله الآب المجد والسلطان مع الروح القدس إلى الدهر الدهور آمين.

[1] أي جوهر الله.

[2] غالباً يقصد بالمعترض نسطور.

المعمدان والمسيح – عظة 8، 9، 10 – إنجيل لوقا 3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version