شفاء عبد قائد المئة – إنجيل لوقا 7 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

شفاء عبد قائد المئة – إنجيل لوقا 7 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

شفاء عبد قائد المئة – إنجيل لوقا 7 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو7: 1ـ10) ” وَلَمَّا أَكْمَلَ أَقْوَالَهُ كُلَّهَا فِي مَسَامِعِ الشَّعْبِ دَخَلَ كَفْر َنَاحُومَ. وَكَانَ عَبْدٌ لِقَائِدِ مِئَةٍ، مَرِيضًا مُشْرِفًا عَلَى الْمَوْتِ، وَكَانَ عَزِيزًا عِنْدَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ عَنْ يَسُوعَ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ شُيُوخَ الْيَهُودِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَشْفِيَ عَبْدَهُ. فَلَمَّا جَاءُوا إِلَى يَسُوعَ طَلَبُوا إِلَيْهِ بِاجْتِهَادٍ قَائِلِينَ: إِنَّهُ مُسْتَحِق أَنْ يُفْعَلَ لَهُ هذَا، لأَنَّهُ يُحِبُّ أُمَّتَنَا، وَهُوَ بَنَى لَنَا الْمَجْمَعَ.  فَذَهَبَ يَسُوعُ مَعَهُمْ. وَإِذْ كَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ عَنِ الْبَيْتِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَائِدُ الْمِئَةِ أَصْدِقَاءَ يَقُولُ لَهُ: يَا سَيِّدُ، لاَ تَتْعَبْ. لأَنِّي لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي. لِذلِكَ لَمْ أَحْسِبْ نَفْسِي أَهْلاً أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ. لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَيَبْرَأَ غُلاَمِي. لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ مُرَتَّبٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ، لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي. وَأَقُولُ لِهذَا: اذْهَبْ! فَيَذْهَبُ، وَلآخَرَ: ائْتِ! فَيَأْتِي، وَلِعَبْدِي: افْعَلْ هذَا! فَيَفْعَلُ.  وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ هذَا تَعَجَّبَ مِنْهُ، وَالْتَفَتَ إِلَى الْجَمْعِ الَّذِي يَتْبَعُهُ وَقَالَ: أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا! وَرَجَعَ الْمُرْسَلُونَ إِلَى الْبَيْتِ، فَوَجَدُوا الْعَبْدَ الْمَرِيضَ قَدْ صَحَّ “.

إن الإنجيلي الحكيم يملأ عقولنا بدروس مقدسة ويسعى أن يلقى ضوءًا كثيرًا على ما يثبِّت إيماننا، فإن هذا هو موضوع أخباره التي يبشرنا بها بخصوص المسيح، ولذلك فإنه بطريقة مناسبة جدًّا نراه في إحدى المرات يقدِّم المسيح وهو يعلِّم الرسل القديسين أمورًا أعلى من الخدمة التي يفرضها الناموس، ويوضح لهم طريقًا جديدًا عن التصرف الذي يليق بالقديسين والذي لم يسلكه القدماء. وفي مرة أخرى يعرض لنا بطريقة جميلة جدًّا إظهار قوته الإلهية لكي يعرف بكل طريقة أن كلمة الآب الوحيد هو الله نفسه رغم أنه صار جسدًا، أي صار إنسانًا ويحمل كل الأشياء بكلمة قدرته (انظر عب1: 3)، ويتبرهن لنا ذلك من فحص ما هو مكتوب عنه.

وحينما أشبع الرسل القديسين بالتعاليم الكاملة جدًّا، ووضع أمامهم مائدة من الوصايا الإنجيلية ومزج لهم الخمر التي تفرح قلب الإنسان، وأخبرهم بوضوح تام عن الوسائل التي ينتصرون بها ويصيرون مستحقين للمديح، فإنه بعد ذلك ينحدر إلى كفر ناحوم وهناك أيضًا يعمل عملاً عظيمًا وعجيبًا، جديرًا بعظمة جلاله. هناك تحرك مسرح مجيد باندهاش عظيم، وكان المتفرجون فيه هم الملائكة والناس. لأن بينما إسرائيل ينال توبيخًا وهو لا يفهم كما أنه غير مستعد للإيمان نجد جمع الوثنيين مستعدًّا عمومًا للفهم والإيمان حتى أننا نرى المسيح يرفض بعدل عبده إسرائيل بينما هو يَقبل ويُكرم ويُكلل بنعمته أولئك الذين منذ القديم عبدوا المخلوق دون الخالق، والذين كانوا في الكآبة والظلمة وليست لهم معرفة الله، وأحنوا رقبة ذهنهم المستعبد إلى شر الشياطين.

إذًا فما هو الذي حدث، أو ماذا كانت المعجزة؟ كان هناك رجل تقي متميز بسمو سلوكه، وكان قائدًا لمائة من الجنود، وكان ساكنًا في وسط شعب كفر ناحوم وكان له عبد مخلص قد سقط مريضًا، وكما لو كان قد وصل إلى أبواب الموت وكل المظاهر تُبين أنه كان الآن قُرب النَفَس الأخير، وكان هذا العبد عزيزًا عنده، حتى أنه حزن حزنًا شديدًا. فأي علاج إذًا يمكن أن يجده لِما حدث، أو أية مساعدة يستطيع أن يحصل عليها لذاك الذي يرقد مريضًا؟ يقول الإنجيل: إنه سمع عن أمور يسوع، وهكذا يُرسل إليه ويطلب منه كمن يطلب من الله أمورًا تفوق طبيعة الإنسان وقدرته لأنه يطلب أن ذلك العبد الملقى مطروحًا في المرحلة الأخيرة من المرض، ينقذ من رباطات الموت. ومن أين إذًا عرف يسوع، وهو لم يكن بعد في عداد الذين آمنوا به؟ لأنه حتى ذلك الوقت كان واحدًا من الجماهير التي تسير في الضلال. ويقول الإنجيل إنه سمع الأمور الخاصة بيسوع، وحيث إنه بالتأكيد لم يسمع تعليمه الشخصي بالمرة ولا عرف كتابات موسى، ولا بحث في الكتب الإلهية، فإنه يمكن أن يكون قد وصل إلى الإيمان به فقط من مجرد سماعه ما يُشاع عنه، ولكنه إذ كان متيقنًا تمامًا أنه بمجرد فعل إرادته يستطيع أن يُتمِّم ما سأله منه فإنه يرسل مندوبين عنه من شيوخ اليهود.

وعند وصولهم إلى يسوع قدموا له طلبهم قائلين ” إنه مستحق أن يُفعل له هذا” يا لهذا الأمر العجيب! فإن أولئك الذين يشتمون مجد المسيح يسألونه أن يصنع آية! أولئك الذين رفضوا أن يؤمنوا به يسألونه أن يعرض أمام الناس الذين لم يؤمنوا بعد، يعرض أمامهم أعمالاً تقود إلى الإيمان. أخبرني بأي صفة تقترب بطلبك، هل أنت تعرف وتؤمن أنه يستطيع أن يعمل أشياء هي خاصة بالله؟ هل أنت مقتنع تمامًا أنه أمر يخص الجوهر الفائق، الذي هو فوق الكل (الله) أنه يستطيع أن يُحيي، وأن يخلِّص الناس من فخاخ الموت؟ إن كان كذلك فكيف تقول حينما ترى يسوع يصنع المعجزات “هذا الإنسان يخرج الشياطين ببعلزبول رئيس الشياطين” (مت12: 24)، وحينما شفى ذلك الرجل الأعمى من بطن أمه بأعجوبة وحصل على النور قلتم له: ” أعط مجدًّا لله، نحن نعلم أن هذا الإنسان خاطئ” (يو9: 24) فهل أنت إذًا تسأل هذا الخاطئ كما تُسميه أن يعمل عملاً إلهيًّا؟ أليس هذا جنونًا وغباوة تامة؟ ألا يكون أولئك الذين لم يكونوا قد آمنوا حتى الآن أفضل من أولئك الذين قد تعلموا من الناموس والأنبياء؟

أتريد أن ترى الحقيقة وأن هذا هو واقع الحال فعلاً، لاحظ ما يأتي: بَدَأ المخلِّص الآن يسير في طريقه إلى العبد المريض لكي يشفيه، ولكن قائد المئة أرسل إليه يقول: ” لا تتعب نفسك، بل قد كلمة فيبرأ غلامي“. لاحظوا إذًا أن شيوخ اليهود هؤلاء توسلوا إلى يسوع أن يذهب إلى بيت الذي طلب مساعدته، على اعتبار أنه لا يوجد طريقة أخرى لإقامة الذي كان مريضًا إلا بالذهاب إلى جواره، بينما الآخر، أي قائد المئة آمن أنه يستطيع أن يفعل ذلك حتى من مسافة بعيدة، وأن يُتمم الشفاء لمجرد ميل إرادته، إنه طلب الكلمة المخلِّصة والموافقة الحبيَّة والنطق الكلي القدرة، ولذلك فبعدل نال عبارة فائقة الجدارة، لأن يسوع قال: ” الحق أقول لكم إني لم أجد ولا في إسرائيل إيمانًا عظيمًا كهذا“. إذًا فالبرهان والتوضيح يأتي في الحال مما قد قلناه الآن، وشفى في نفس تلك الساعة ذلك الذي كان قبل قليل فريسة للموت، لأن الذي أراد إبطال ما كان حادثًا هو الله.

وكما قلت في بداية هذا الحديث فإن إسرائيل سقط من علاقته مع الله، وبدلاً منه دعا الله الأمم وأُدخِلوا، لأن لهم قلب أكثر استعدادًا للإيمان به، وهو الأمر المطلوب عن حق. وعن هذا يشهد المرنِّم الإلهي أيضًا حيث يقول عنه مرة: “ تميل أُذنك بسبب استعداد قلبهم” (مز9: 17س). وفي موضع آخر يقول ” كثُرت أمراضهم وبعد ذلك مضوا بسرعة” (مز15: 4س)، لأن كثيرة هي الخطايا المنسوبة لهم، والتي يعطيها بلطف اسم أمراض، لأنهم كانوا تائهين في الضلال ومذنبين بجرائم رديئة ليس بطريقة واحدة بل بطرق كثيرة، ولكنهم مضوا بسرعة إلى الإيمان، أي لم يكونوا مبطئين في قبول أوامر المسيح، بل بكل استعداد قبلوا الإيمان، ولذلك أُمسِكوا في شبكة المسيح. هو يعلمهم حيث يقول بواسطة أحد الأنبياء القديسين ” لأجل هذا انتظروني يقول الرب إلى يوم أقوم لأشهد، لأن حُكمي هو لجماعات الأمم” (صف3: 8س)، لأنه حينما قام المسيح من الموت، منح لأولئك الذين كانوا في الضلال ذلك الأمر الذي هو لأجل سعادتهم وخلاصهم، فقد أمر الرسل القديسين قائلاً: ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به” (مت28: 19).

لذلك فبالقرار المقدس والحكيم العادل لمخلصنا جميعًا المسيح، أكرم الأمم، ولكننا نرى إسرائيل مرفوضًا من محبته وعطفه، لأن ما هو الذي يقوله رئيس رعاة الجميع لهم بواسطة أحد الأنبياء القديسين؟ ” قد أعلنتُ يقول الرب أني لا أرعاكم، من يمُت فليمُت، ومن يضعف فليضعف والبقية فليأكل بعضها لحم بعض” (زك11: 9)، وأيضًا    ” الله قد رفضهم لأنهم لم يسمعوا له فيكونون تائهين بين الأمم” (هو9: 17)، وأيضًا بصوت حزقيال النبي “هكذا يقول الرب: إني سأُبددهم بين الأمم وأُذريهم في الأراضي كلها” (حز12: 15)، وخذوا النتيجة الواقعية للأمور لإقناعكم وللإيمان بما هو مكتوب هنا، لأنهم متشردون وغرباء في كل أرض ومدينة، وهم لا يحفظون العبادة المرسومة من الناموس في نقاوتها ولا يخضعون ليقبلوا مجد وسمو الحياة الإنجيلية، بينما نحن الذين قد قبلنا الإيمان فإننا مواطنون مع القديسين ونُدعى أبناء أورشليم العليا في السماء، بنعمة الله التي تُكللنا، ونحن نؤكد أنه هو (المسيح) تكميل الناموس والأنبياء، ونعترف بمجده ونعجب به في صنعه للمعجزات، الذي به وله مع الله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

شفاء عبد قائد المئة – إنجيل لوقا 7 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المسيح الطبيب الحقيقي – أسعد عبد السيد

المسيح الطبيب الحقيقي – أسعد عبد السيد

المسيح الطبيب الحقيقي – أسعد عبد السيد

المسيح الطبيب الحقيقي – أسعد عبد السيد

مقدمة:

تقدم الكنيسة من خلال قراءاتها، المسيح الطبيب الشافى، فى عديد من المناسات، وتكرر هذا حتى يصبح (المسيح) لكل المؤمنين هو طبيبهم الحقيقى، شافى نفوسهم. فعلى سبيل المثال: فى الأحد الخامس من الصوم الكبير (أحد المخلع) تقدمه كشافى لمريض بركة بيت حسدا (يو1:5ـ18)؛ وفى الأحد الأول من شهر بابة (معجزة شفاء المفلوج ـ مر1:2ـ12) تعلمنا أن الإيمان هام وضرورى لمقابلة المسيح الشافى؛ وهكذا من خلال القراءات العديدية التالية نتحدث عن المسيح الطبيب الشافى

1 ـ معجزات الشفاء :

حسب الشواهد الإنجيلية فى قراءات الكنيسة، هناك 6 شواهد سنتحدث عنها توضح أن حضور المسيح وحده، يخلص الإنسان ويشفيه. ولقد أوضح ذلك القديس مقاريوس بقوله إنه : [ لا يستطيع العلم ولا يستطيع غنى هذا العالم أن يشفى نفس الإنسان بل حضور المسيح فقط ][1]. والقديس كيرلس عمود الدين فى عظاته على إنجيل لوقا يؤكد على دور المعجزة فى العمل الخلاصى الذى جاء المسيح ليتممه فالمعجزة أحيانًا تحوّل إلى الإيمان أولئك الذين لم يؤمنوا بالكلمة [2].

(يو1:5ـ18) شفاء مريض بركة بيت حسدا :

يقول القديس أمبروسيوس : [ بسبب أولئك الذين لا يؤمنون كان الماء يتحرك كعلامة تدل على أن الملاك قد نزل. كانت عندهم علامة أما أنتم عندكم إيمان، لأولئك نزل ملاك ولكم أُرسل الروح القدس، لأجل أولئك تحركت المخلوقات، ولأجلكم رب المخلوقات المسيح نفسه يعمل ][3].

(مر1:2ـ12) مفلوج يحمله أربعة :

المعجزة هنا توضح شدة إيمان الشعب بقوة قوة الشفاء الإعجازى التى للمسيح، فبقدر الإيمان يكون الشفاء. لقد أكد المسيح فى المعجزة أن المرض ليس أصلاً من طبيعة الإنسان المخلوق على صورة الله، ولكن لما أخطأ الإنسان نحو الله فقدت طبيعته العناية الحافظة من سلبيات الحياة وأصبح معرض للأمراض. وهنا نرى إيمان المشلول فى إلحاحه على الأربعة الذين حملوه وقدموه للمسيح ، وقوة المسيح فى الشفاء لدرجة اعتبارها أنها قوة خلق جديدة.

(مت5:8ـ13) شفاء عبد قائد المئة :

المسيح يعبّر هنا عن أعمال رحمته الإلهية وعن مشاعر تحننه، فكان انطلاقه نحو بيت قائد المئة ليس عن عجز فى شفاء العبد من بعيد وإنما ليعطينا مثالاً فى الاتضاع[4] فنتمثل به.

(مت21:15ـ28) المرأة الكنعانية :

إن ما صنعته الكنعانية أثبت أن فى قول الرب ” لا تعطوا القدس للكلاب” يعنى أنه ليس عن كل الكلاب يُمنع القدس، فهنا كلاب ناطقة اغتصبت القدس من يد القدوس. إن إيمان المرأة القوى اخترق حدود إسرائيل وملك إسرائيل “ابن داود” وأثبتت أنها على مستوى البنين، حيث كانت حجتها أقوى من طلبها “إن فاض القدس عن المقدسين صار من حق الجائعين”، فهى بذلك ترمز إلى حق الأمم أن يصلوا إلى مستوى حق البنين. إن صمت المسيح هو الذى جعلها تتجرأ وتصرخ وتناديه بلقبه “ابن داود”.

(مت18:9ـ21) شفاء نازفة الدم:

المسيح فى هذا الحادث المفاجئ الذى قطع عليه المسير ـ حيث كان فى طريقه لإقامة ابنة يايرس ـ لا يراجع ولا يعاتب بل يلاطف ويقف، وكأنه كان سائراً فى الطريق لأجل تلك المرأة وليس لإقامة ابنة يايرس. يقول القديس كيرلس: [ حينما فقدت المرأة اليائسة كل رجاء فى البشر … لجأت إلى الطبيب الذى من فوق، من السماء باعتباره هو الذى يستطيع بسهولة وبدون جهد ان يحقق تلك الأشياء التى تفوق قوتنا، وأى شئ يقدره مهما كان فهو يتممه، ولا يوجد ما يستطيع مقاومته… لأنها ربما فكرت داخل نفسها أنه إن كان هو أقوى من الموت، وهو محطم الفساد، فكم بالأكثر يستطيع أيضاً أن يشفيها من المرض الذى أصابها ويغلق بقوته الفائقة ينابيع نزف دمها !.

لذلك اقتربت منه ولمست هدب ثوبه ] [5]. [ولكن هذه المعجزة ] يواصل القديس كيرلس حديثه [ هى موضوع مناسب لإعجابنا، لأن تلك المرأة أُنقذت ، إذ تحررت من حالة من المعاناة مُرة جدًا وغير قابلة للشفاء، وبذلك فنحن نحصل على يقين أكيد أن عمانوئيل هو الله نفسه … لأن كل كائن مخلوق مهما كان، يمنح قوة سواء للشفاء أو ما يماثل ذلك، لا يملك هذه القوة فى ذاته، بل كشيء مُعطى له من الله. لأن المخلوق كل الأشياء هى مُعطاة له، وتتم فيه، ولكن من ذاته لا يستطيع أن يفعل شيئًا. لذلك، كإله قال ” علمت أن قوة قد خرجت منى ” ][6].

2 ـ إقامة الموتى :

(مت18:9ـ26) إقامة ابنة يايرس:

يوجّه القديس كيرلس أنظارنا إلى المسيح وذلك بأن يسأل يايرس عن ماذا يظن فى ذاك الذى يقدم إليه التوسل بإقامة ابنته. فيؤكد القديس كيرلس: [ أن المسيح يملك سلطاناً كاملاً، فهو رب الحياة، وبقرار إرادته الكلية يتمم كل ما يريد. إذ بقوله إنها نائمة يؤكد أنه ليس هناك موت ، وهذا هو السبب الذى يجعلنا نحن الذين لنا رجاء ثابت فى قيامة الموتى، أن نسميهم “الراقدين” لأنهم سيقومون فى المسيح. لأنهم سيقومون فى المسيح، وكما يقول بولس المبارك ” وهم يحيون معه” (رو8:6)] [7].

 

[ والطريقة التى أجرى بها المسيح المعجزة وبحسب رأى القديس كيرلس هى طريقة جديرة بالله. فكما يقول الإنجيل، أمسك بيد الفتاة وقال، يا صبية قومى، فقامت فى الحال. يالقوة هذه الكلمة، وقدرة الأوامر التى لا يستطيع شئ أن يقاومها! ويا لهذه اللمسة المعطية للحياة، من يده، تلك اللمسة التى تبيد الموت، والفساد ][8].

(لو11:7ـ17) إقامة ابن أرملة نايين:

 المسيح هنا يتقدم بدون أن يسأله أحد ويلمس النعش فيتوقف سير الحاملين ويقول للشاب قم فقام. وهكذا أُستعلن المسيح كحامل لسلطان الله على الإقامة من الموت. يقول القديس كيرلس: [ كان الإنسان المسيت فى طريقه للدفن وكان أصدقاء كثيرون يشيعونه إلى قبره. ولكن هناك يقابله الحياة والقيامة وأعنى المسيح نفسه، لأنه هو محطة الموت والفساد. هو الذى ” به نحيا ونتحرك ونُوجد ” (أع28:17). هو الذى أعاد طبيعة الإنسان إلى ما كانت عليه أصلاً.

فهو الذى حرر جسدنا المشحون بالموت من رباطات الموت. لقد تحنن على المرأة ، ولكى يوقف دموعها أمر قائلاً ” لا تبكى ” وفى الحال أبطل سبب بكائها، كيف وبأية وسيلة؟ إنه لمس النعش وبواسطة نطق كلمته الإلهية جعل الذى يرقد ميتًا فى النعش يعود إلى الحياة، لأنه قال: ” أيها الشاب لك أقول قم ” وفى الحال حدث ما أمر به … ويقول الإنجيل ” فجلس الميت وبدا يتكلم فدفعه إلى أمه] [9].

 

3 ـ إخراج الشياطين :

(مت22:12ـ28) مجنون أعمى وأخرس :

[ يقول الكتاب ” أحضروا إليه إنسانًا به شيطان أخرس “. والشياطين الخرساء يصعب على القديسين أن ينتهروها، كما أنها أكثر عنادًا من الأنواع الأخرى، وهى وقحة جدًا، ولكن لا يصعب شئ على إرادة المسيح الكلية القدرة، والذى هو مخلصنا كلنا. فللحال أطلق الرجل، الذى أحضروه إليه، حرًا من الروح النجس الشرير، ومن كان لسانه من قبل مغلقًا بواسطة باب ومزلاج، اندفع مرة أخرى إلى الكلام المعتاد. لأن الإنجيل قال عنه إنه أخرس، كما لو كان بدون لسان، أى بلا نطق، ولم يكن سبب الخرس نقص طبيعى ولكن بسبب عمل الشيطان ] [10].

 فالمسيح هنا يقف كخالق، تجاه الشيطان العدو والمقتحم، وهو بإخراجه الشياطين يُعلن عن مجئ ملكوت الله على الأرض وبين الناس. فهو الأقوى الذى ربط الشيطان ونزع سلاحه “الخطية”، هذا السلاح بصليبه. يقول القديس كيرلس [ إن إصبع الله (مت18:12) يقصد بها الروح القدس، لأن الابن يُسمّى يد الله الآب وذراعه، فالآب يعمل كل الأشياء بالابن، وبالمثل فإن الابن يعمل كل شئ بالروح.

فكما أن الأصبع يمتد إلى اليد، كشيء ليس غريبًا عنها ولكن يختص بها بالطبيعة، هكذا أيضًا الروح القدس، لكونه مساوى فى الجوهر فهو مرتبط فى وحدانية مع الابن رغم أنه ينبثق من الله الآب لأن الابن يعمل كل شئ بالروح المساوى. وهنا المسيح يقول عن قصد إنه يخرج الشياطين بأصبع الله متكلمًا، كإنسان، لأن اليهود بسبب ضعف وغباء ذهنهم لن يحتملوه إذا قال ” إنى بروحى الخاص أخرج الشياطين ” ][11].

 

4 ـ غفران الخطايا :

(لو28:7ـ35) محب للعشارين والخطاة :

[ دُعى المسيح من احد الفريسيين ولأن المسيح شغوف ومحب للبشر “يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون ” (1تى4:2)، وافق ومنحه ما طلب منه. وإذ دخل اتكأ على المائدة، وفى الحال دخلت امرأة مدنسة بالخطايا مثل واحد لا يفيق من الخمر والسكر، وإذ شعرت بذنوبها وتعدياتها قدمت توسلات للمسيح القادر أن يطهرها ويحررها من كل خطية وينقذها من خطاياها السابقة ” لأنه لا يذكر الخطايا والتعديات ” (عب12:8).

وقد فعلت هذا وهى تغسل قدميه بدموعها وتدهنهما بالطيب وتمسحهما بشعر رأسها. مثل هذه المرأة التى كانت فاسقة وزانية ـ وهى خطية يصعب إزالتها ـ لم تفقد طريق الخلاص، لأنها هربت لاجئة إلى الذى يعرف كيف يخلص ويستطيع أن يرفع من أعماق النجاسة ] [12].

 ويسأل القديس كيرلس مَن يلوم المسيح لسيره مع الخطاة والعشارين قائلاً: [ هل أنت تفعل ذلك لئلا يتأثر ـ المسيح ـ بنجاستهم ؟ هل أنت جاهل تماماً بالأسرار الخاصة به ؟ وهى أن الكلمة إذ هو الله صار منا، أى تجسد لأجلنا، وأن الآب أرسله ليخلص به العالم، لأن الذى يريد أن يخلص الناس فإنه يكون معهم ويحثهم ويؤثر عليهم ليتغيروا ويختاروا الطريق المؤدى إلى الحياة الأبدية] [13].

ويواصل القديس كيرلس حديثه ويقول: [ لا تنزعج إذًا حينما تفكر فى عظم خطاياك السابقة، بل بالحرى اعلم أن نعمة الله التى تبرر الخاطى وتفك الشرير هى أعظم. فالإيمان بالمسيح هو عربون لنا لهذه البركات العظيمة، إنه هو الطريق الذى يقود للحياة، وهو الذى يرفعنا إلى ميراث القديسين، والذى يجعلنا أعضاء ملكوت المسيح][14] .

(لو36:7ـ50) المرأة الخاطئة : (الحب يوازن الإيمان)

إن دعوة المسيح إلى التوبة تعنى فى الأساس تغيير الداخل، فالمريض الذى يحتاج إلى شفاء، والميت الذى يحتاج إلى قيامة، والخاطئ الذى يحتاج إلى توبة، يجد لدى المسيح احتياجه كطبيب حقيقى. وكثيراً ما كشف المسيح إن علة مرض النفس والخطية هو محبة الذات، لذلك أصبح إنكار الذات هو أول محاولة لتغيير الإنسان، فالمسيح الذى جاء ليحمل عن الخطاة خطاياهم ويشفى كل مرض وضعف فى الشعب مازال يشفى فى يومنا هذا .

 

[1] عظات القديس مقاريوس الكبير ـ عظة 45 ص334.

[2] تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس : ترجمة ونشر مركز دراسات الآباء 1990 ج1 عظة 23 ص140.

3 Nicene and Post – Nicene Fathers vol.10- On the mysteries.

[4] القديس أمبروسيوس In Heb. Hom32:7.

[5] تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس عظة 45 ج1 ص263.

6 المرجع السابق : ص 264ـ265.

[7] المرجع السابق عظة 46 ج1 ص269.

8 المرجع السابق ص 269.

[9] المرجع السابق عظة36 ج1 ص191.

10 تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس عظة 80 ج3 ص 65ـ66.

[11] تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس عظة81 ج3 ص70.

12 أنظر تفسير إنجيل للقديس كيرلس ج1 ص 219ـ220.

[13] تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس عظة39 ج1 ص215.

[14] المرجع السابق ص224.

المسيح الطبيب الحقيقي

Exit mobile version