إعداد التلاميذ – إنجيل لوقا 22 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إعداد التلاميذ – إنجيل لوقا 22 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إعداد التلاميذ – إنجيل لوقا 22 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو35:22ـ38): ” ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : حِينَ أَرْسَلْتُكُمْ بِلاَ كِيسٍ وَلاَ مِزْوَدٍ وَلاَ أَحْذِيَةٍ هَلْ أَعْوَزَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالُوا: لاَ. فَقَالَ لَهُمْ : لَكِنِ الآنَ مَنْ لَهُ كِيسٌ فَلْيَأْخُذْهُ وَمِزْوَدٌ كَذَلِكَ. وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفاً. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضًا هَذَا الْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ. لأَنَّ مَا هُوَ مِنْ جِهَتِي لَهُ انْقِضَاءٌ. فَقَالُوا: يَا رَبُّ هُوَذَا هُنَا سَيْفَانِ. فَقَالَ لَهُمْ: يَكْفِي! “.

 

          غرس موسى المبارك خوف الله في بنى إسرائيل بقوله لهم: ” مخوف هو الوقوع في يدي الله الحي، لأن إلهنا نار آكلة” (انظر تث24:4،عب31:10)، كما قال نبي آخر عنه: ” إن غضبه يأكل الرؤساء، والصخور تذوب منه” (ناحوم6:1س)، وبالأكثر يقول عنه داود المبارك في موضع ما من المزامير: ” أنت مخوف، فمن يقف قدامك حال غضبك” (مز7:75س). لأنه ما هي قوة الإنسان، أو كيف يمكن لأية قوة مخلوقة مهما كانت أن تقف مقابل قوة الله الإله القدير التي لا تُقهر؟ ولكن غضبه لا ينزل إطلاقًا على الرجُل البار، لأن الله لا يمكن أن يظلم، إنما غضبه بالأحرى على أولئك الذين خطاياهم عديدة وغير محتملة، وشرورهم تفوق الحدود .

 

          وكَمَثَل لما قلناه، فلنأخذ ما حدث مع جموع اليهود بعد أن قام المسيح من الأموات وصعد إلى السماء. إن الله الآب أرسل لهم ابنه يدعوهم إلى خدمة أسمى من الناموس، وإلى معرفة كل صلاح، وهو أرسله ليحرِّرهم من كل إثم، ويخلِّصهم من وصمة الخطية، وليأتي بهم إلى تبنِّي البنين، وإلى المجد، وإلى الكرامة، وإلى شركة الروح القدس، وإلى الحياة التي لا تفنى، إلى مجد لا ينتهي، وإلى ملكوت السموات. ومع أنه كان من واجبهم أن يسرعوا بلهفة إلى هذه النعمة ويكرموا بتسابيح الشكر لمن أتى ليساعدهم، وأن يَقبلوا بفرح النعمة التي بالإيمان، إلاَّ أنهم في الواقع لم يفعلوا شيئًا من هذا، بل فعلوا العكس تمامًا، لأنهم قاموا ضده، واعتبروه كلا شيء بعدم طاعتهم، وحتى آياته الإلهية كانوا يغارون منها، وبعد أن عملوا وقالوا كل شيء رديء عليه، فإنهم صلبوه في النهاية. وهكذا صار نصيبهم أن يقاسوا تلك الأمور التي صرَّح بها جماعة الأنبياء القديسين من قبل، فإن واحدًا منهم يقول: “سيطرحهم الله بعيدًا لأنهم لم يسمعوا له، فيكونون تائهين بين الأمم” (هو17:9س)، وأيضًا: ” لأن أورشليم مرفوضة ويهوذا قد سقطت، وألسنتهم تنطق بالإثم، وهم لا يطيعون الرب، لذلك فإن مجدهم ينخفض وخزي وجوههم يقف ضدهم” (إش8:3و9س). وفى موضع آخر يخاطبهم الله الذي فوق الكل هكذا: ” والآن من أجل عملكم هذه الأعمال يقول الرب وقد كلمتكم مُبكرًا ومكلمًا فلم تسمعوا ودعوتكم فلم تُجيبوا، اصنعوا بالبيت الذي دُعي باسمي عليه الذي أنتم مُتكلون عليه وبالموضع الذي أعطيتكم وآبائكم إياه كما صنعت بشيلوه وأطرحكم من أمامي كما طرحت كل أخوتكم كل نسل افرايم ” (إر13:7ـ15). لأنهم سُلِّموا ـ كما قلت ـ إلى خراب، وتشتَّتوا في الأرض كلها، والتهمت النيران هيكلهم، وسُبى جميع اليهود.

 

          كان هذا هو الحال الذي سبق المسيح وأعلنه للتلاميذ، أما عن المناسبة التي جعلته يتكلم عن هذا الموضوع هو تحذيره المُسبَق لبطرس العجيب أنه سوف ينكره ثلاث مرات، وبالتحديد في وقت القبض عليه، عندما أحضره جنود بيلاطس وخدام اليهود إلى رؤساء الكهنة للمحاكمة، فهناك أنكره بطرس، وعند ذكر القبض عليه وإحضاره أمام قيافا كان من الطبيعي أن يتبع هذا الإشارة إلى ما كان سيحدث بعد ذلك أي إلى آلامه على الصليب، عندئذ أشار وتنبأ عن الحرب التي كانت ستندلع على اليهود، والتي انتشرت مثل نهر بعنف لا يُحتمل على كل أرضهم. وبخصوص هذا يقول: ” حين أرسلتكم بلا كيس ولا مذود ولا أحذية، هل أعوزكم شيء؟ فقالوا لا” لأن المخلِّص أرسل رسله القديسين وأوصاهم أن يكرزوا لسكان كل قرية ومدينة بإنجيل ملكوت السموات، وأن يشفوا كل ضعف وكل مرض في الشعب، ومنَعَهم من أن يشغلوا أنفسهم بالأمور التي تخص الجسد، بل بالأحرى ألاَّ يحملوا كيسًا ولا أي شيء يعوقهم، بل أن يضعوا كل اتكالهم فيما يخص طعامهم، عليه. وهذا ما فعلوه، فجعلوا أنفسهم مثالاً للسلوك الرسولي الممدوح. ويقول “ولكن الآن من له كيس فليأخذه ومزود كذلك” (لو36:22). أخبرني إذن، هل كان هذا بسبب أنَّ الرب غيَّر كلامه فابتكر أفكارًا أكثر نفعًا لهم؟ وهل كان من الأفضل في الظروف الأولى أن يكون لهم كيس ومزود ؟ وإن كان لا، فما الداعي إلى هذا التغيير المفاجئ؟ وما هو احتياج الرسل القديسين للكيس وللمزود ؟ أيَّة إجابة نعطيها عن ذلك؟ إن القول كما يبدو ظاهريًّا يشير للتلاميذ، ولكنه في الواقع ينطبق على اليهود، فهؤلاء هم الذين كان المسيح يوجه إليهم الخطاب، لأنه لم يقل إنه ينبغي على الرسل القديسين أن يأخذوا كيسًا ومزودًا، ولكن من له كيس مزود فليأخذه، ويعنى بذلك أنَّ مَن له ممتلكات خاصة في إقليم اليهودية، فعليه أن يجمع كل شيء ويهرب، حتى يمكنه بأي طريقة أن ينجِّى نفسه. أما من ليس له الوسائط لتجهيز نفسه للرحيل، بسبب شدة فقره، فيلزمه أن يبقى في الأرض. فيقول إن مثل هذا: ” فليبع ثوبه ويشتر سيفًا“، لأن السؤال لهؤلاء الذين سوف يبقون في الأرض لن يكون، إن كانوا يمتلكون شيئًا أم لا، بل بالحري يكون السؤال هو هل يمكنهم الإبقاء على حياتهم، لأن الحرب سوف تحل بهم بعنف لا يُحتمل، حتى لا يستطيع أحد أن يقف ضدها.

 

          وبعد ذلك يخبرهم عن سبب المصيبة ويخبرهم عن ضيقة عظيمة جدًّا لا نجاة منها سوف تحل بهم قائلاً إنه بحسب الكتب: “ سوف يُحصى مع الأثمة“. وهو يقصد هنا بوضوح تعليقه على الصليب مع اللصين اللذين صُلبا معه. وهكذا سوف يحتمل عقاب الأثمة، وعندما يبلغ التدبير هذا الحد، سوف يكون الانقضاء. لأنه بالفعل احتمل آلامه المخلِّصة لأجلنا، وهكذا ـ وإلى هذا الحد ـ قد كمل شرَّ اليهود المتجاسر، وهذا هو اكتمال غضبهم الشديد الجامح. ولكن بعد الآلام على الصليب، صارت جميع الأيدي بلا قوة، لأن: ” العدو لا يرغمه، وابن الإثم لا يمكنه أن يؤذيه فيما بعد” (مز22:88س). وذلك لأنه قام وداس الموت، وصعد إلى السموات، وجلس عن يمين الله الآب، وسوف يأتي بعد ذلك ليس في حالة وضيعة كما جاء سابقًا، ولا بقياس الطبيعة البشرية، إنما في مجد الآب، مع الملائكة القديسين كحرَّاسًا له يحفُّون به؛ وسوف يجلس أيضًا على عرش مجده، ليدين المسكونة بالعدل كما هو مكتوب (انظر إش4:11). وكما يقول النبي: ” سينظرون إلى الذي طعنوه ” (زك10:12). فالذي سَخَرتْ منه هذه المخلوقات البائسة عندما رأوه معلَّقًا على الصليب الثمين، سوف ينظروه وهو مُكلَّل بالمجد الإلهي، وبسبب شرهم نحوه، سوف يسقطون في هاوية الهلاك. إن قوله: “ ما هو من جهتي له انقضاء“، أي ما يتصل بمُعاناتي للموت في الجسد، وبعد هذا سوف تحدث تلك الأشياء التي تنبأ عنها الأنبياء القديسون في القديم عن أولئك الذين قتلوه.

          وبخصوص التنبؤ عن هذه الأشياء، فالمخلِّص كان يتكلم عما كان وشيكًا أن يحدث لبلاد اليهود. لكن التلاميذ الإلهيين لم يفهموا المعنى العميق ِلما قيل، بل ظنوا بالحري أنه يقصد أنَّ السيوف ضرورية بسبب الهجوم الوشيك أن يعمله التلميذ الذي خانه وأولئك الذين اجتمعوا للقبض عليه، لذلك قالوا: ” يا رب هوذا هنا سيفان “. وماذا كانت إجابة السيد؟ يكفي. لاحظ كيف أنه سخر من قولهم، إذ كان يعرف جيدًا أنَّ التلاميذ إذ لم يفهموا معنى ما قيل، فإنهم ظنُّوا أنه يوجد احتياج للسيوف بسبب الهجوم الوشيك أن يحدث عليه هو نفسه. أما هو، وقد ثبَّت نظره على تلك الأمور المزمع أن تقع وشيكًا على اليهود بسبب سلوكهم الشرير تجاهه، فإن المخلِّص ـ كما قلتُ ـ سخر من قولهم وقال: “يكفي”. نعم بالحق، هل يكفي سيفان لاحتمال وطأة الحرب العظيمة والوشيكة أن تحدث لهم، هذه التي لم تكن تنفع فيها آلاف السيوف؟ إن كبرياء اليهود جعلهم يقاومون مقاومة عنيفة ضد قوات أغسطس قيصر، ولكنهم لم ينتفعوا شيئًا، لأنهم قد حوصروا بقوة فتَّاكة، وقاسوا كل بؤس، كما يقول إشعياء النبي: ” ما قضى به الإله القدوس من يبطله؟ ويده عندما تُرفَع من يردها ” (إش27:14س). لذلك ليتنا نحترس لئلا نثير غضب الله، لأنه أمر مخيف هو الوقوع في يديه. أما الذين يؤمنون بالمسيح فهو رحيم بهم أي أولئك الذين يُسبِّحونه، والذين يدعونه فاديًا لهم ومخلِّصًا، وهم الذين يخدمونه خدمة روحية بكل سلوك فاضل. لأننا إن تصرفنا وتكلمنا هكذا، فإن المسيح سيجعلنا خاصته، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور، آمين.

 

إعداد التلاميذ – إنجيل لوقا 22 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من هو الأعظم؟ – إنجيل لوقا 22 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من هو الأعظم؟ – إنجيل لوقا 22 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من هو الأعظم؟ – إنجيل لوقا 22 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو24:22ـ30): “ وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ أَيْضًا مُشَاجَرَةٌ مَنْ مِنْهُمْ يُظَنُّ أَنَّهُ يَكُونُ أَكْبَرَ. فَقَالَ لَهُمْ: مُلُوكُ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ وَالْمُتَسَلِّطُونَ عَلَيْهِمْ يُدْعَوْنَ مُحْسِنِينَ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَيْسَ هَكَذَا بَلِ الْكَبِيرُ فِيكُمْ لِيَكُنْ كَالأَصْغَرِ وَالْمُتَقَدِّمُ كَالْخَادِمِ. لأَنْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ ؟ أَلَّذِي يَتَّكِئُ أَمِ الَّذِي يَخْدِمُ؟ أَلَيْسَ الَّذِي يَتَّكِئُ؟ وَلَكِنِّي أَنَا بَيْنَكُمْ كَالَّذِي يَخْدِمُ. أَنْتُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعِي فِي تَجَارِبِي. وَأَنَا أَجْعَلُ لَكُمْ كَمَا جَعَلَ لِي أَبِي مَلَكُوتًا. لِتَأْكُلُوا وَتَشْرَبُوا عَلَى مَائِدَتِي فِي مَلَكُوتِي وَتَجْلِسُوا عَلَى كَرَاسِيَّ تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاِثْنَيْ عَشَرَ “.

 

          ينادينا أحد الرسل الأطهار قائلاً: ” اسهروا واصحوا” (انظر1تس6:5)؛ لأن شبكة الخطية منتشرة منصوبة في كل مكان، والشيطان يجعلنا فريسة له بطرق متنوعة، مقيِّدًا إيانا بأهواء عديدة، وهكذا يؤدِّي بنا إلى ذهن مرفوض. لذلك فأولئك الذين لا يرتضون عن طيب خاطر أن يخضعوا لسلطانه، ينبغي أن يستيقظوا، لأنهم بهذا سينالون النصرة بمعونة المسيح، الذي يهتم بنفوسهم ويُخلِّصهم من كل هوى، لكيما يُمكِّنهم بذهن سليم ونشيط أن يركضوا في الطريق المملوء ربحًا والجدير بالمديح الخاص بنمط الحياة الذي يسرّه. والدروس الموضوعة أمامنا تعلن لنا مرة أخرى، كم عظيمة هي رحمته من نحونا! لأن التلاميذ استسلموا لإحدى الضعفات البشرية، وكانوا يتشاجرون مع بعضهم البعض، مَن منهم يكون الأعظم وأعلا من الباقين؛ فربما أنَّ الذين كانوا يشغلون المركز الثاني بينهم، كانوا لا يريدون أن يفسحوا مجالاً لأصحاب المركز الأول. لكن حتى هذا حدث بينهم وتمَّ تسجيله لمنفعتنا، إذ أنَّ ما حدث للرسل الأطهار يمكن أن يكون سببًا للتواضع فيما بيننا. لأن المسيح يزجر في الحال هذا الداء، ومثل طبيب قوي قطع الهوى الذي نشأ بينهم بوصية حاسمة وخارقة إلى العمق.

 

          والآن، فإن هذا الطموح الباطل والأحمق قد ظهر فيهم بسبب محبة المجد الباطل غير النافعة النابعة من الكبرياء، لأن مجرد رغبة المرء في أن يتفوَّق على الآخرين، وأن يُصارع لأجل هذه الغاية، يجعل الإنسان عرضة للَّوم بعدل، وإن كانت من ناحية أخرى لا تخلو تمامًا ممَّا يستحق المديح. لأن كون الإنسان يسمو في الفضيلة، فهذا أمر جدير بكل اعتبار، لكن يلزم لأولئك الذين يبلغونه أن يكونوا ذوي عقل متَّضِع، وأن يكون لهم شعور التواضع هذا لكي يُستبعد كل تفكير في التفوُّق وذلك بسبب المحبة للإخوة، وهذا هو ما يريدنا المبارك بولس أن نكون عليه، إذ يكتب هكذا قائلاً: ” مُقدِّمين بعضكم بعضًا في الكرامة” (رو10:12). لأن هذا الشعور هو لائق تمامًا بالقدِّيسين، ويجعلهم متألِّقين بالمجد، ويجعل تقوانا من نحو الله جديرة بكرامة أكثر: فهي تُمزِّق شبكة خبث الشيطان وتكسر فخاخه المتنوِّعة وتنقذنا من شراك الفساد. وفي النهاية تكمِّلنا على مثال المسيح مخلِّصنا جميعًا. اسمع كيف يضع الرب أمامنا نفسه كنموذج للفكر المتضع وكإرادة غير منشغلة بالمجد الباطل، فيقول لنا:    ” تعلموا منِّي لأنِّي وديع ومتواضع القلب” (مت29:11) وهنا، في الفقرة التي قُرئت علينا للتو يقول: ” لأن من هو الأكبر، الذي يتكئ على المائدة أم الذي يخدم؟ أليس الذي يتكئ؟ ولكن أنا في وسطكم كالذي يخدم“. فعندما يتحدث المسيح هكذا، فمن يمكنه أن يكون عنيدًا هكذا وغير مطيع حتى لا يهتم بأن يطرد عنه كل رغبة في المجد الباطل، ويُبعِد عن فكره محبة الكرامة الفارغة؟ لأن ذاك الذي تخدمه المخلوقات العاقلة والكائنات المقدسة، والذي يُسبِّحه السارافيم وتتَّجه إليه خدمات (صلوات) الكون كله، والذي هو مساوٍ لله الآب في عرشه وملكوته، إذ أخذ مكان العبد، فإنه غسل أرجل الرسل القديسين. وعلاوة على ذلك، فهو بطريقة أخرى يأخذ وظيفة العبد، بسبب التدبير في الجسد. ويشهد لهذا بولس المبارك عندما يكتب قائلاً: ” وأقول إن يسوع المسيح قد صار خادم الختان حتى يُثبِّت مواعيد الآباء، وأما الأمم فمجَّدوا الله من أجل الرحمة” (رو9،8:15). إذن فالذي تُقدَّم له الخدمة صار خادمًا، ورب المجد افتقر لأجلنا “ تاركًا لنا مثالاً“، كما هو مكتوب (1بط21:2).

 

          لذلك ليتنا نتحاشى محبة المجد الباطل، ونخلِّص أنفسنا من اللوم المرتبط بشهوة الرئاسة، لأننا بتصرُّفنا هكذا نصير مشابهين له هو، الذي أخلى ذاته لأجلنا، بينما التشامخ وعجرفة العقل يجعلاننا نشبه تمامًا رؤساء الأمم الذين يميلون للغطرسة دائمًا، وهذه السمة محبَّبة لديهم بل ربما مناسبة لهم.

 

          ويقول ” لأنهم يُدعَون محسنين “. أي إنَّ مرؤوسيهم يتملَّقونهم ويدعونهم محسنين. ولكونهم خارج نطاق النواميس المقدسة، وغير خاضعين لمشيئة الرب، لذلك فهم ضحايا لهذه الأمراض. لكن الأمر لا ينبغي أن يكون هكذا معنا، بل بالحري ليكن مجدنا هو في التواضع، وفخرنا هو في عدم محبة المجد (الباطل)، ولتكن شهوتنا هي في تلك الأشياء التي تُسرّ الله وترضيه، واضعين في أذهاننا ما يقوله لنا الحكيم: ” بقدر ما تتعظَّم، أخفض ذاتك بالأكثر، فتنال حظوة عند الرب” (ابن سيراخ19:3). لأنه يرذل المستكبرين، ويعتبر المتعجرفين كأعداء له، أمَّا الودعاء ومتواضعو القلب فيكلِّلهم بالكرامات.

 

          لذلك يدفع المخلِّص عن رسله القديسين داء المجد الباطل، لكنهم (التلاميذ) ربما يفكرون بينهم وبين أنفسهم ـ ويقولون: “ماذا ستكون مكافأة الأمانة، إذن؟ أو ما المنفعة التي ينالها الذين تعبوا في تلمذتهم له، عندما تداهمهم التجارب من حين لآخر؟ لذلك فلكي يُثبِّتهم في رجاء البركات المذخّرة ويطرد من أذهانهم كل تكاسل في المساعي الفاضلة، بل أن يختاروا بالأحرى أن يتبعوه بجدٍّ وحماس، ويُسرُّوا بالأتعاب لأجله، ويعتبروا هذا العمل سبب ربح، وسبيلاً للفرح ووسيلة للمجد الأبدي، (لأجل كل هذه)، يقول لهم بالضرورة: ” أنتم الذين ثبتوا معي في تجاربي؛ وأنا أجعل لكم، كما جعل لي أبي ملكوتًا، لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي، وتجلسوا على اثني عشر كرسيًّا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر“. أرجو أن تلاحظوا أنه لم يتخلَّ بعد عن حدود البشرية، بل الآن يحدِّد نفسه داخل هذه الحدود (البشرية)، لأنه لم يكن بعد قد احتمل الصليب الثمين؛ لأنه يتكلم كواحد منا: ولكنه بعد القيامة من الأموات كشف مجده، إذ أنه قال لهم: ” دُفع إلىَّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض” (مت18:28). لذلك ـ كما قلت ـ فهو يتكلم بطريقة بشرية، لكونه لم يرتفع بعد فوق قياس تواضعه. لهذا السبب فهو يقول:   ” كما جعل لي أبى عهدًا لمملكة هكذا أنا أيضًا سوف أجعل معكم عهدًا لتأكلوا وتشربوا دائمًا على مائدتي في ملكوتي“. فهل سيكون الحال أنه بعد القيامة من الأموات، عندما يحين الوقت الذي فيه سنكون مع المسيح، ينعم علينا بمشابهة جسده المُمجَّد، هل معنى هذا أنه حتى بعد أن نكون قد لبسنا عدم الفساد، أقول هل سنكون في حاجة آنذاك ـ من جديد ـ لطعام وموائد؟ أليس من الحماقة التامة أن نقول أو نرغب في أن نتخيَّل شيئًا من هذا القبيل؟ لأنه عندما نكون قد خلعنا الفساد، فما هو القوت الجسدي الذي سنكون في احتياج إليه؟ فإن كان الأمر هكذا، فما هو معنى العبارة: ” لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي“؟ أجيب إنه مرَّة أخرى يعلن لنا الأمور الروحية من خلال أمور الحياة العادية. فأولئك الذين يستمتعون بأعظم الكرامات مع الملوك الأرضيين يشتركون في الوليمة معهم ويأكلون في صحبتهم، وهذا أمر يعتبرونه قمَّة المجد، وكذلك يوجد آخرون يعتبرهم أصحاب السلطان أنهم جديرون بالكرامة، ومع ذلك لا يسمحون لهم أن يأكلوا معهم على نفس المائدة. ولذلك، فلكي يُبيِّن (الرب) أنهم سينعمون معه بأعلى الكرامات، فإنه يستخدم مثالاً مأخوذًا من الحياة العادية، فيقول لهم: وأنا أجعل معكم عهدًا (عهد ملكوت) لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي، وتجلسوا أيضًا على اثني عشر كرسيًا تدينون أسباط إسرائيل.

 

          كيف وبأية طريقة (يفعل ذلك)؟ إنه يقصد أنَّ التلاميذ الذين هم من الجنس الإسرائيلي، حصلوا على أقصى الأمجاد مع المسيح ـ مخلِّص الكل، لأنهم بالإيمان والثبات أمسكوا بالهبة، الذين نسعى نحن أيضًا للاقتداء بهم، لأنه هكذا سيقبلنا المخلِّص ورب الكل في ملكوته، الذي به ومعه يليق التسبيح والسلطان لله الآب، مع الروح القدس، إلى دهر الدهور. آمين.

من هو الأعظم؟ – إنجيل لوقا 22 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عشاء الرب – إنجيل لوقا 22 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عشاء الرب – إنجيل لوقا 22 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عشاء الرب – إنجيل لوقا 22 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو17:22ـ22): “ ثُمَّ تَنَاوَلَ كَأْسًا وَشَكَرَ وَقَالَ: خُذُوا هَذِهِ وَاقْتَسِمُوهَا بَيْنَكُمْ. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ حَتَّى يَأْتِيَ مَلَكُوتُ اللهِ. وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي. وَكَذَلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلاً: هَذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ. وَلَكِنْ هُوَذَا يَدُ الَّذِي يُسَلِّمُنِي هِيَ مَعِي عَلَى الْمَائِدَةِ. وَابْنُ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَحْتُومٌ وَلَكِنْ وَيْلٌ لِذَلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي يُسَلِّمُهُ!“.

 

          إنه أمر يملأنا بكل بركة أن نصير شركاء المسيح بالذهن وبالحواس معًا، لأنه يحل فينا، أولاً، بالروح القدس، فنصير نحن مسكنه، بحسب ما قاله في القديم أحد الأنبياء القديسين: ” لأني سأسكن فيهم وأقودهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا” (حز27:37س).

 

          لكنه هو أيضًا يحلُّ داخلنا بطريقة أخرى بواسطة مشاركتنا في قربان التقدمات غير الدموية التي نحتفل بها في الكنائس؛ إذ قد تسلَّمنا منه النموذج الخلاصي للطقس مثلما يرينا بوضوح الإنجيلي المبارك في النص الذي قرأناه منذ قليل، فهو يخبرنا أنه: ” تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه اقتسموها بينكم“. وبتقديمه الشكر ـ الذي يُقصد به التحدث مع الله الآب في صيغة صلاة، فإنه يعنى بالنسبة لنا أنه ـ إن جاز القول ـ يشارك ويساهم مع الآب في مسرته الصالحة في منحه لنا البركة المحيية التي أُسبغت علينا حينئذ، لأن كل نعمة وكل موهبة تامة تأتى إلينا من الآب بالابن في الروح القدس. وإذن فهذا العمل كان نموذجًا لنا لكي نستخدمه في الصلاة التي ينبغي أن تُقدَّم، كلما بدأنا أن نضع أمامه نعمة “التقدمة السريَّة المحيية”[1]، وتبعًا لذلك فإننا اعتدنا أن نفعل هذا، لأننا إذ نُقدِّم أولاً تشكُّرَاتنا، مُقدِّمين تسابيحنا لله الآب ومعه الابن والروح القدس، فإننا نقترب هكذا من الموائد المقدسة مؤمنين أن ننال حياة وبركة؛ روحيًّا وجسديًّا، لأننا نستقبل في داخلنا كلمة الآب الذي صار إنسانًا لأجلنا، والذي هو الحياة ومعطي الحياة.

 

          لذلك فلنسأل على قدر استطاعتنا، ما هو الرأي الذي نعتقد به عن هذا السر؟ لأنه واجب علينا أن نكون “ مستعدين لمجاوبة كل من يسألنا عن سبب الرجاء الذي فينا” كما يقول الحكيم بطرس (1بط15:3). لأن ” إله الكل خلق كل الأشياء للخلود، وبدايات العالم كانت حياة، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم” (حكمة24:2)، فقد كانت تلك الحيَّة المتمرِّدة هي التي قادت الإنسان الأول إلى تعدِّى الوصيَّة وإلى العصيان، والتي بواسطتها سقط تحت اللعنة الإلهية، وفى شبكة الموت، فقد قيل له: ” لأنك تراب وإلى التراب تعود” (تك19:3). فهل كان من الصواب أنَّ ذلك الذي خُلق للحياة والخلود، يصير مائتًا ومحكومًا عليه بالموت بدون أية إمكانية للهروب؟ هل ينبغي أن يكون حسد إبليس أكثر حصانة وثباتًا من إرادة الله؟ ليس الأمر هكذا؛ بل إن حسد إبليس قد أخفق تمامًا؛ ورحمة الخالق قد فاقت النتائج الشريرة لخبثه، فقد أعطى الله معونة لأولئك الذين على الأرض. فماذا إذن كانت الطريقة التي ساعدهم بها؟ إنها طريقة عظيمة بالحق ورائعة وجديرة بالله، نعم، جديرة لأقصى درجة بالعقل الأعلى (بالله)، لأن الله الآب هو حياة بطبيعته؛ ولكونه هو وحده حياة، فقد جعل الابن الذي هو نفسه أيضًا حياة، أن يضيء ويشرق، لأنه لا يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك مع ذاك الذي هو الكلمة الذي صدر جوهريًا من الحياة، لأنه يلزم ـ أقول يلزم ـ أن يكون هو نفسه أيضًا حياة، لكونه هو ذاك الذي نبع من الحياة، نبع من ذاك الذي ولده.

عشاء الرب – إنجيل لوقا 22 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

          لذلك فإن الله الآب يعطى الحياة لكل الأشياء بالابن في الروح القدس؛ وكل ما يوجد ويتنفس في السماء وعلى الأرض، إنما يأخذ وجوده وحياته من الله الآب بالابن في الروح القدس. لذلك، لا طبيعة الملائكة ولا أي شيء آخر مهما كان، ممَّا هو مخلوق، ولا أي شيء جاء من عدم الوجود إلى الوجود، يمتلك حياة (في ذاته) كثمرة لطبيعته الخاصة؛ بينما على العكس، فالحياة تنشأ ـ كما قلت ـ من الجوهر الذي يفوق الكل، وهو أمر خاص به وحده أن تكون له القدرة على إعطاء حياة، وذلك بسبب أنه هو بالطبيعة الحياة.

 

          إذن، فكيف يمكن للإنسان على الأرض، الذي هو ملتحف بالموت أن يعود إلى عدم الفساد (عدم الانحلال). أجيب بأنه يلزم لهذا الجسد المائت أن يصير شريكًا للقوة المحيية التي تأتى من الله. لكن قوة الله الآب المحيية هي الكلمة الوحيد الجنس، وهو الذي أرسله لنا (الآب) كمخلِّص ومحرِّر. أمَّا كيف أرسله لنا، فهذا ما يخبرنا به بوضوح يوحنا الإنجيلي المبارَك عندما يقول: ” والكلمة صار جسدًا وحل فينا” (يو14:1). لكنه صار جسدًا دون أن يخضع لأيِّ تغيُّر أو تحول إلى ما لم يكونه، ودون أن يتوقف عن أن يكون هو الكلمة ـ لأنه لا يعرف ما معنى أن يعاني ظل تغيير، بل بالحري بكونه وُلِدَ بالجسد من امرأة وأخذ لنفسه ذلك الجسد منها، لكيما إذ قد غرس نفسه فينا باتحاد لا يقبل الانفصال، يمكنه أن يرفعنا فوق سلطان الموت والانحلال كليهما معًا. وبولس هو الشاهد لنا، حيث يقول عنه وعنا: ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضًا كذلك فيهما، لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس، ويُعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية، لأنه حقًّا ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم، من ثمَّ كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء” أي يُشبهنا (عب14:2ـ17). لأنه صار مثلنا، وكسى ذاته بجسدنا، لكيما بإقامته إياه (الجسد) من الموت، يُعِد ـ من الآن فصاعدًا ـ طريقًا يمكن به للجسد الذي وُضع (أُذل) حتى الموت، أن يعود من جديد إلى عدم الفساد (الانحلال). لأننا متَّحِدون به مثلما كنا أيضًا متَّحدين بآدم، عندما جلب على نفسه عقوبة الموت. وبولس يشهد لهذا، إذ كتب هكذا في أحد المرات: “ فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات” (1كو21:15) ويقول أيضًا: “ لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيا الجميع” (1كو22:15). لذلك فإن الكلمة، إذ وحَّد مع ذاته ذلك الجسد الذي كان خاضعًا للموت، فلكونه الله والحياة، فقد طرد منه الفساد (الانحلال)، وجعله أيضًا يصير هو مصدر الحياة؛ لأنه هكذا ينبغي أن يكون جسد (ذاك الذي هو) الحياة.

 

          ولا تكونوا غير مصدِّقين لما قلته، بل بالحري اقبلوا الكلمة بإيمان بعد أن جمعتُ براهين من أمثلةٍٍ قليلة. عندما تطرحون قطعة خبز في خمر أو زيت أو أي سائل آخر، فستجدون أنها صارت تحمل خاصية ذلك السائل الخاص، وعندما يوضع الحديد في النار، فإنه يصير ممتلئًا بكل فاعليتها؛ وبينما هو بالطبيعة حديد، لكنه يعمل بقوة النار. وهكذا كلمة الله المحيى، إذ قد وحَّد نفسه بجسده الخاص بطريقة معروفة لديه (فقط)، فقد منحه قوة إعطاء الحياة. وهو نفسه يؤكد لنا هذا بقوله: ” الحق أقول لكم من يؤمن بي فله حياة أبدية، أنا هو خبز الحياة” (يو47:6و48) وأيضًا: ” أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء، إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم. الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير، لأن جسدي مأكلٌ حقٌ، ودمي مشربٌ حقٌ، من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه. كما أرسلني الآب الحي وأنا حي بالآب، فمن يأكلني فهو يحيا بي” (يو53،51:6ـ57). لذلك عندما نأكل الجسد المقدس الذي للمسيح مخلِّصنا جميعًا، ونشرب دمه الثمين، تكون لنا حياة فينا، بكوننا جُعلنا واحدًا معه، كائنين فيه ومقتَنين له أيضًا فينا.

 

          لا تدعو أحدًا من أولئك الذين اعتادوا عدم التصديق أن يقول: ” إذن، حيث إن كلمة الله لكونه بالطبيعة الحياة، وهو يقيم أيضًا فينا، فهل جسد كل واحد منَّا سيُمنح أيضًا القوة لإعطاء الحياة؟ من يقول ذلك فليعلم بالأحرى أنه شيء مختلف تمامًا، بين أن يكون الابن فينا بمشاركة نسبيَّة، وبين أن يصير هو نفسه جسدًا؛ أي أن يجعل ذلك الجسد الذي أُخِذ من العذراء القديسة خاصًّا له (أي يجعله جسده الخاص). لأنه لا يُقال عنه إنه صار متجسِّدًا، أو صار جسدًا، بوجوده فينا، بل بالحري فإن هذا حدث مرَّة واحدة عندما صار إنسانًا دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. لذلك فإن جسد الكلمة كان هو ذاك الذي اتَّخذه لنفسه من العذراء القديسة وجعله واحدًا معه؛ أمَّا كيف أو بأية طريقة حدث هذا، فهو أمر آخر لا يمكننا أن نخبر به، لأنه أمر غير قابل للشرح ويفوق تمامًا قدرات العقل، وكيفية هذا الاتحاد هي معروفة له هو وحده فقط.

 

          لذلك، كان يليق به أن يكون فينا إلهيًّا بالروح القدس، وكذلك أيضًا ـ إن جاز القول ـ يمتزج بأجسادنا بواسطة جسده المقدس ودمه الثمين، اللذين نقتنيهما أيضًا كإفخارستيا مُعطِية للحياة في هيئة الخبز والخمر، إذ، لئلا نرتعب برؤيتنا جسدًا ودمًا (بصورة حِسِّيَّة) فِعلِيَّة، موضوعين على الموائد المقدسة في كنائسنا، فإن الله إذ وضع (أنزل) ذاته إلى مستوى ضعفاتنا، فإنه يسكب في الأشياء الموضوعة أمامنا قوة الحياة، ويُحوِّلها إلى فاعلية جسده، لكيما نأخذها لشركة معطية للحياة، وكي يوجد فينا جسد (ذاك الذي هو) الحياة، كبذرة تنتج حياة. ولا تشك في أنَّ هذا حقيقي، حيث إنه هو نفسه قال بوضوح: ” هذا هو جسدي، هذا هو دمي“، بل بالحري اقبَل كلمة المخلِّص بإيمان، لأنه هو لكونه الحق، فلا يمكنه أن يكذب. وهكذا سوف تكرِّمه، لأنه كما يقول يوحنا الحكيم جدًّا: ” مَن قِبل شهادته فقد ختم أن الله صادق، لأن الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله” (يو34،33:3). لأن كلام الله هو طبعًا صادق ولا يمكن أبدًا أن يكون كاذبًا؛ لأنه وإن كنا لا نفهم بأية طريقة يعمل الله مثل هذه الأعمال، لكن هو نفسه يعرف طريقة (عمل) أعماله. لأنه عندما لم يفهم نيقوديموس كلمات الرب المختصَّة بالمعمودية المقدسة وقال بجهل: ” كيف يمكن أن يكون هذا؟” (يو9:3)، فإنه سمع المسيح يجيب قائلاً: ” الحق أقول لك إننا إنما نتكلم بما نَعلَم ونشهد بما رأينا ولستم تقبلون شهادتنا، إن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون، فكيف تؤمنون إن قلت لكم السماويات؟” (يو11:3و12)، لأنه كيف يمكن لإنسان أن يعرف تلك الأشياء التي تعلو على قدرات إدراكنا وعقلنا؟ لذلك، فلنكرِّم سرّنا الإلهي هذا، بالإيمان.

 

          أما يهوذا الخائن، الذي كان يأكل معه، فقد توبخ بتلك الكلمات التي قالها المسيح: ” ولكن هوذا يد الذي يسلِّمني هي معي على المائدة“. لأنه ربما تخيَّل في حماقته العظيمة، أو ربما بالأحرى لكونه امتلأ بكبرياء إبليس، أنه يمكنه أن يخدع المسيح، مع أنه الإله. لكن كما قلت، إنه أُدين لكونه بالإجمال شريرًا ومبغضًا لله وخائنًا؛ ومع هذا فقد سمح له الرب وتنازل ودعاه إلى المائدة، وقد حُسب أهلاً للُّطف الإلهي حتى النهاية؛ لكن بهذا صارت عقوبته أكثر شدة. لأن المسيح قال عنه في موضع ما بصوت المرنم: ” لو كان عدو يُعيِّرني لاحتملتُ، ولو كان الذي يكرهني يتكلم علىَّ بكبرياء لاختبأتُ منه، بل أنت إنسان عديلي، أليفي وصديقي، الذي معه كانت تحلو لنا العشرة، إلى بيت الرب كنا نذهب باتفاق” (مز12:54ـ14س). لذلك، فبحسب كلمات المخلص: ويل له! لأن المسيح ـ في الحقيقة ـ بذل نفسه عوضًا عنا، بحسب مشيئة الله الآب الصالحة، لكيما يخلِّصنا من كل شيء. أما الإنسان الذي خان مخلِّص ومنقذ الكل وسلَّمه إلى أيدي القتلة، فسيكون نصيبه الدينونة، التي هي العقاب المناسب لإبليس. لأن ذنبه ليس ضد واحد مثلنا، بل ضد رب الكل؛ الذي به ومعه يليق لله الآب التسبيح والسلطان، مع الروح القدس، إلى دهر الدهور. آمين.

 

3 هذا التعبير “التقدمة المحيية ” (باليونانية δωροφορίας) يستخدمه الآباء كثيرًا عن الإفخارستيا .

عشاء الرب – إنجيل لوقا 22 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الإعداد للفصح – إنجيل لوقا 22 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الإعداد للفصح – إنجيل لوقا 22 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الإعداد للفصح – إنجيل لوقا 22 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو7:22ـ16): “ وَجَاءَ يَوْمُ الْفَطِيرِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْبَحَ فِيهِ الْفِصْحُ. فَأَرْسَلَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا قَائِلاً: اذْهَبَا وَأَعِدَّا لَنَا الْفِصْحَ لِنَأْكُلَ. فَقَالاَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ؟. فَقَالَ لَهُمَا: إِذَا دَخَلْتُمَا الْمَدِينَةَ يَسْتَقْبِلُكُمَا إِنْسَانٌ حَامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ. اِتْبَعَاهُ إِلَى الْبَيْتِ حَيْثُ يَدْخُلُ. وَقُولاَ لِرَبِّ الْبَيْتِ: يَقُولُ لَكَ الْمُعَلِّمُ: أَيْنَ الْمَنْزِلُ حَيْثُ آكُلُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي؟. فَذَاكَ يُرِيكُمَا عِلِّيَّةً كَبِيرَةً مَفْرُوشَةً. هُنَاكَ أَعِدَّا. فَانْطَلَقَا وَوَجَدَا كَمَا قَالَ لَهُمَا فَأَعَدَّا الْفِصْحَ.  وَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ اتَّكَأَ وَالاِثْنَا عَشَرَ رَسُولاً مَعَهُ. وَقَالَ لَهُمْ: شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هَذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَ بْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ آكُلُ مِنْهُ بَعْدُ حَتَّى يُكْمَلَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ “.

 

          إن الناموس بظلاله سبق فأشار منذ القديم إلى سرِّ المسيح؛ والمسيح نفسه يشهد عن هذا عندما قال لليهود: ” لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني” (يو46:5)، ففي كل موضع (في الناموس) تُوضِّح الظلال والمثالات لنا، المسيح مذبوحًا لأجلنا “كالحمل” الذي بلا عيب حقًا، كما تُوضِّحه مقدِّسًا إيانا بواسطة دمه المعطى الحياة..، وبالإضافة إلى ذلك فإننا نجد كلمات الأنبياء القديسين في توافق تام مع كلمات موسى الحكيم جدًّا، كما يقول بولس ” لكن لما جاء ملء الزمان” (غل4:4)، الزمان الذي كان فيه كلمة الله الوحيد على وشك أن يخلى ذاته، وأن يحتمل الولادة بالجسد من امرأة ويخضع للناموس، بحسب القياس المناسب للطبيعة البشرية، وبعد ذلك قدَّم نفسه ذبيحة لأجلنا، مثل الحمل الذي بلا عيب حقًّا، في اليوم الرابع عشر من الشهر الأول. وهذا العيد كان يُدعى ” الفصح” (بصخة Pascha) وهى كلمة باللغة العبرية وتعنى العبور، لأنهم هكذا يفسرونها ويقولون إن هذا هو معناها.

 

          إذن يجب أن نشرح ما هو هذا الشيء الذي نعبُر منه وما هو البلد الذي نسير نحوه، وبأيِّ طريقة نُحقِّق مسيرتنا، فإنه كما أنَّ إسرائيل قد أُنقذ من طغيان المصريين وفك عنقه من نير العبودية وصار حُرًّا، وإذ هرب من عنف الطاغية، فإنه عبر بأقدام جافة ـ بطريقة عجيبة يعجز اللسان عن وصفها ـ وسط البحر، وارتحل تجاه الأرض الموعود بها؛ هكذا نحن أيضًا الذين قبلنا الخلاص الذي في المسيح، يجب علينا ألاَّ نَرضى بالبقاء بعد في أخطائنا السابقة، وألاَّ نستمر في طرقنا الشريرة بل بشجاعة نَعبُر بحر اضطراب هذا العالم الباطل، وعواصفه. وهكذا فإننا نعبر من محبة الجسد إلى التعفف؛ من جهلنا السابق إلى معرفة الله الحقيقية؛ من الشر إلى الفضيلة؛ ونعبر بالرجاء من لوم الخطية إلى أمجاد البر؛ ومن الموت إلى عدم الفساد. لذلك فإن العيد الذي حمل فيه عمانوئيل صليب الخلاص لأجلنا يُسمى الفصح.

 

          لكن لننظر إلى الذي هو الحق والذي لا يزال يُكرَّم بالرموز التي كانت تشير إليه، وهو لا يزال يسمح للظلال بأن تكون صادقة، إذ يقول النص: “ولما جاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يُذبح فيه الفصح“، فأرسل للمدينة تلميذين مختارين من الرسل القديسين، وهما بطرس ويوحنا قائلاً: ” سوف يستقبلكما إنسان حامل جرة ماء، اتبعاه إلى البيت حيث يدخل، وقولا لرب البيت: يقول لك المعلم أين الغرفة التي آكل فيها الفصح مع تلاميذي؟“. لكن ربما يقول أحدهم، لماذا لم يذكر لهما بوضوح اسم الرجل الذي أرسلهما إليه؟ لأنه لم يقل: عندما تمضون إلى فلان أو فلان ـ وهناك أعدا الفصح في بيته، لكن فقط أعطاهما علامة ـ ” إنسان حامل جرة ماء“. فبماذا نجيب على هذا الكلام؟ انظروا! فإن يهوذا الخائن كان قد سبق فوعد اليهود أن يُسلِّمه لهم، وكان مستمرًّا في صحبته (للمسيح) يرقب فرصة ليسلمه، وبينما كان لا يزال يعلن الحب الواجب من التلميذ لمعلمه فإنه قد سمح للشيطان أن يدخل قلبه، وكان يتمخَّض بجريمة القتل ضد المسيح مخلِّصنا جميعًا. لذلك أعطى المسيح علامة (للتلميذين) لكي يمنعه من معرفة من هو ذاك الشخص، فيسرع يهوذا ليخبر أولئك الذين استأجروه. لذلك قال: ” يستقبلكما إنسان حامل جرة ماء“.

 

          أو ربما يتكلم المسيح هكذا ليشير بهذا إلى سر مهم، لأنه حيث تدخل المياه ـ أي المعمودية المقدسة ـ فهناك يسكن المسيح، كيف أو بأية طريقة؟ ذلك لأنها تُحرِّرنا من كل نجاسة، ونُغسل بواسطتها من أدناس الخطية، ولكي نصير أيضًا هيكلاً مقدسًا لله وشركاء في طبيعته الإلهية بشركة الروح القدس. لذلك فلكي يستريح المسيح ويقيم فينا، فلنقبل المياه الخلاصية معترفين أيضًا بالإيمان الذي يُبرِّر الأثيم. ولكي يرفعنا عاليًا لكي ما نُحسب عِلِّيَّة، لأن أولئك الذين يسكن فيهم المسيح بالإيمان لهم ذهن مرتفع عاليًا، يبغض الزحف على التراب، ويرفض الالتصاق بالأرض، وفى كل شيء يطلب ما هو سامٍ في الفضيلة، لأنه مكتوب: ” لأن أعزَّاء الله قد ارتفعوا عاليًا (فوق الأرض)” (مز9:46س)، لأن ليس لهم هنا مدينة باقية لكنهم يطلبون العتيدة (انظر عب14:13)، وبينما هم يسيرون على الأرض، فإنهم يفكرون في تلك الأمور التي فوق، وسيرتهم (مدينتهم) هي في السماء (انظر فى20:3).

 

          يمكننا أيضًا أن نلاحظ أمرًا صحيحًا وعجيبًا، يحدث دائمًا بيننا؛ وأعنى به أنَّ من يُقدِّرون حياتهم الجسدانية كثيرًا، عادةً يكونون منتفخين وقلوبهم مملوءة من الكبرياء الملعونة والمكروهة من الله؛ لكن مع ذلك ربما يؤتى بهم إلى الانكسار (فيما بعد) وهم لا يزالون على الأرض؛ بينما أولئك المساكين بالروح ينالون الرفعة بواسطة الكرامة والمجد اللذين يأتيان من الله. كما يكتب تلميذ المسيح قائلاً: ” ليفتخر الأخ المتضع بارتفاعه، وأما الغنى فباتضاعه لأنه كزهر العشب يزول” (يع9:1و10). لذلك لا يخطئ من يقول إن نفس كل قديس هي “عِلِّيَّة”.

 

          بعد ذلك لمَّا أعد التلاميذ الفصح، أكل المسيح معهم، ولكونه طويل الأناة مع الخائن، فإنه تفضَّل بقبوله على المائدة (معه) بدافع شفقته المملوءة حبًّا وغير المتناهية؛ لأن يهوذا كان قد صار خائنًا إذ أنَّ الشيطان كان ساكنًا فيه. وقال المسيح أيضًا لرسله القديسين: ” شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم“. لنفحص المغزى العميق لهذا التعبير، ولنفتش عن المعنى المختفي فيه، وما الذي كان يقصده المخلِّص.

 

          لذلك حيث إنني سبق أن قلتُ إنَّ التلميذ الطماع كان يطلب فرصة ليسلمه، ولكي لا يسلمه لقاتليه قبل عيد الفصح، فإن المخلِّص لم يعلن لا عن البيت ولا عن الشخص الذي سيحتفل عنده بالعيد، ولكي يشرح لهم سبب عدم رغبته في أن يصرِّح له علانية باسم من سيذهب عنده، قال لهم: ” شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم“؛ وكأنه يقول: إنني اجتهدت بكل حذر لكي أتمكَّن من الإفلات من خبث الخائن، لكيلا أحتمل آلامي قبل وقتها.

 

          ” ولكني لا آكل منه بعد حتى يكمل في ملكوت الله“. وبهذا الكلام أيضًا ينطق المسيح بحقيقة عميقة وسرية، لكن هو نفسه يكشف معناها لنا لأن من عادته أن يُطلِق اسم “ملكوت السموات” على ” التبرير بالإيمان”، وعلى التطهير الذي يتم بالمعمودية المقدسة وشركة الروح القدس وعلى تقديم العبادة الروحية التي صارت الآن ممكنة بالدخول في وصايا الإنجيل. لكن هذه الأشياء هي الوسائط التي تجعلنا شركاء في المواعيد وفى المُلك مع المسيح؛ لذلك يقول: لن اقترب من مثل هذا الفصح بعد ذلك، أي ذلك الفصح الذي يتكوَّن من أكل رمزي ـ لأن حملاً من القطيع ذُبح ليكون مثالاً للحمل الحقيقي (ويكمل) “حتى يكمل في ملكوت الله”، أي إلى حين مجيء الوقت الذي فيه يُكرَز بملكوت السموات، لأن هذا يتحقق فينا نحن الذين نكرم العبادة التي هي أعلا من الناموس والتي هي الفصح الحقيقي، فالذي يُقدِّس الذين هم في المسيح ليس خروفًا من القطيع، بل بالحري المسيح نفسه (هو الذي يقدسهم)، الذي جُعِلَ “ذبيحة مقدسة” لأجلنا، “بتقديم قرابين” غير دموية، وتقديم “الشكر” السِرِّي، الذي فيه ننال “البركة” ونُعطَى الحياة بالحياة[1]. لأنه هو صار لنا الخبز الحي الذي نزل من السماء والذي يُعطِي الحياة للعالم (انظر يو33:6و50)، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان، مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

[1] هذه الفقرة الهامة هى باللغة اليونانية كما يلى  :

¢g…wj ƒerourgoÝmenoj di¦ tÁj mustikÁj eÙlog…aj، kaq’ ¿n eÙlogoÚmeqa kaˆ zwopoioÚmeqa.

إن الكلمة `Ierougšw ” يخدم في خدمة مقدسة”، هذه الكلمة هى كلمة رسولية واردة في رومية16:15 (ƒerourgoàvta to euaggšlion) وتُرجمت في طبعة دار الكتاب المقدس “مباشرًا لإنجيل الله ككاهن ” وترجمتها الدقيقة ” خادمًا في الخدمة الكهنوتية لإنجيل الله “. وكذلك الكلمة eÙlog…a = ” البركة ” كانت تُطلق في العصور الأولى بصفة ثابتة على الإفخارستيا المقدسة بالاستناد إلى كورنثوس الأولى 16:10 ” كأس البركة to pot»rion thj eÙlog…aj”. إنَّ استخدام هذه الكلمات يظهر العلاقة الوثيقة التكاملية بين الحياة الليتورجية للمسيحيين الأُول وبين فهمهم للكتب المقدسة. (هذه الملاحظات لمُتـرجِم النص الإنجليزي لتفسير إنجيل لوقا Payne Smith سنة 1859).

 

الإعداد للفصح – إنجيل لوقا 22 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

خيانة يهوذا – إنجيل لوقا 21 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

خيانة يهوذا – إنجيل لوقا 21 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

خيانة يهوذا – إنجيل لوقا 21 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

خيانة يهوذا لتسليم المسيح

(تُقرأ يوم خميس السر) [1]

(لو37:21، 38): “ وَكَانَ فِي النَّهَارِ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ وَفِي اللَّيْلِ يَخْرُجُ وَيَبِيتُ فِي الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ. وَكَانَ كُلُّ الشَّعْبِ يُبَكِّرُونَ إِلَيْهِ فِي الْهَيْكَلِ لِيَسْمَعُوهُ “.

 

(لو1:22ـ6): ” وَقَرُبَ عِيدُ الْفَطِيرِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْفِصْحُ. وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَطْلُبُونَ كَيْفَ يَقْتُلُونَهُ لأَنَّهُمْ خَافُوا الشَّعْبَ.  فَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِي يَهُوذَا الَّذِي يُدْعَى الإِسْخَرْيُوطِيَّ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الاِثْنَيْ عَشَرَ. فَمَضَى وَتَكَلَّمَ مَعَ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ الْجُنْدِ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ إِلَيْهِمْ. فَفَرِحُوا وَعَاهَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً. فَوَاعَدَهُمْ. وَكَانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِمْ خِلْوًا مِنْ جَمْعٍ “.

 

          إن جَمْع اليهود سويًّا مع رئيسهم وقفوا ضد مجد المسيح وصارعوا ضد رب الكل، لكن يمكن لأي إنسان أن يُدرِك أنهم أعدوا فخَّهم ضد نفوسهم ذاتها، لأنهم حفروا لأنفسهم حُفَر هلاك، وكما يقول المرنم: ” تورَّطَت الأمم في الحفرة التي عملوها، في الفخ الذي أخفوه وقعت أقدامهم” (مز15:9س). لأن المخلِّص ورب الكل، مع أنَّ يمينه مقتدرة وقوَّته تهزم الموت والفساد معًا، لكنه أخضع ذاته طواعية باتخاذه الجسد ليذوق الموت لأجل حياة الكل، لكيما يوقف الفساد ويبطل خطية العالم، ويخلِّص الذين كانوا في قبضة العدو من طغيانه غير المحتمل. لكن ربما تخيَّلت تلك الحيَّة المتمرِّدة أنها قد سادت حتى على المسيح نفسه لكونه ـ كما قلت ـ عانى الموت في الجسد لأجلنا، كما تطلَّب التدبير (الإلهي)، ولكن ذلك الكائن التعيس قد خاب أمله.

          إذن دعنا نرى كيف أخطأ الهدف وقذف (سهمه) بعيدًا عن الهدف حينما تآمر على المسيح وسلَّمه لأيدي أولئك الذين قتلوه. يقول (الكتاب): ” وكان في النهار يعلِّم في الهيكل وفى الليالي يَخرج ويبيت في الجبل الذي يُدعى جبل الزيتون “. ومن الواضح أنَّ ما كان يعلِّمه هي أشياء تفوق الخدمة الناموسية، لأنه قد حان الوقت الذي ينبغي أن يتغيَّر فيه الظل إلى الحقيقة، وهم كانوا يسمعونه بسرور، لأنهم كثيرًا ما تعجَّبوا منه: ” لأن كلامه كان بسلطان” (لو32:4)، لأنه لم يحدِّث الناس كمثل واحد من الأنبياء القديسين أو كموسى معلِّم الأقداس قائلاً: ” هكذا قال الرب…“، بل لكونه هو نفسه الذى تكلم منذ القديم بواسطة موسى والأنبياء، ولكونه رب الكل، فإنه حوَّل بسلطانٍ إلهي ما كان ممثلاً في الرمز وضعف الحرف إلى عبادة روحية، ” لأن الناموس لم يُكمِل شيئًا” (عب19:7).

 

          وكما قلت، كان يقضى الليالي في جبل الزيتون، متحاشيًا أصوات الصخب التى كانت في المدينة، لكي في هذا الأمر أيضًا يكون مثالاً لنا، لأنه يجب على الذين يرغبون أن يحيوا حياة هادئة مطمئنة، أي مملوءة راحة، أن يتحاشوا على قدر المستطاع الازدحام والصخب.

 

          لكن دعنا نرى خط سير خبث إبليس، وماذا كانت نتيجة خططه الماكرة ضد المسيح. فإنه قد زرع الحسد ضد المسيح في رؤساء مجمع اليهود، والذي وصل إلى حد القتل، لأن هذا الداء (الحسد) يُؤدِّي عادةً إلى جريمة القتل، فمثل هذه النتيجة كانت هي النهاية الطبيعية لهذه الرذيلة؛ فهذا ما حدث مع قايين وهابيل، وهكذا كان هذا واضحًا في حالة يوسف وإخوته. ولذلك فإن بولس الإلهى يجعل هذه الخطايا ـ مرتبطة معًا وقريبة إحداها للأخرى، لأنه يتكلم عن البعض قائلاً: ” مشحونين حسدًا وقتلاً” (رو29:1). لذلك طلب (اليهود) أن يقتلوا يسوع بتحريض الشيطان الذي غرس هذا الشر فيهم، والذي كان هو قائدهم في مؤامراتهم الشريرة، لأنه هو نفسه مخترِع القتل وأصل الخطية وينبوع كل شر. وماذا كانت الحيلة التى اخترعتها هذه الحية المتعدِّدة الرؤوس؟ يقول النص: ” فدخل الشيطان في يهوذا الذي يُدعى الإسخريوطي وهو من جملة الاثنى عشر“. لماذا لم يدخل الشيطان في الطوباوي بطرس أو في يعقوب أو يوحنا أو أي واحد آخر مِن بقية الرسل بل في يهوذا الإسخريوطي (بالذات)؟ أيّ موضع وجده الشيطان فيه؟ فهو لم يستطع أن يقترب إلى أحد من بين كل الذين ذكرناهم هنا، لأن قلبهم كان ثابتًا ومحبتهم للمسيح كانت غير متزعزعة، لكنه وجد له مكانًا في الخائن، لأن داء الطمع المُر قد قهره وتسلَّط عليه، (هذا الداء) الذى يقول عنه بولس الطوباوي إنه     ” أصل كل الشرور” (1تى10:6)، لأنه عندما سكبتْ امرأة طيبًا على المخلِّص ذات مرة، كان وحده من بين كل (التلاميذ) الذى وبَّخها قائلاً: ” لماذا هذا الإتلاف؟ لأنه كان يمكن أن يُباع هذا بكثير ويُعطى للفقراء“. لكن الإنجيلى الحكيم تكلَّم ـ إن جاز القول ـ ضد كلماته الزائفة، إذ أضاف في الحال قوله: ” قال هذا ليس لأنه كان يبالي بالفقراء بل لأنه كان سارقًا وكان الصندوق عنده وكان يحمل ما يُلقَى فيه” (يو6:12). والشيطان لكونه ماهرًا في عمل الشر، عندما يستحوذ على نفس أي إنسان، فإنه لا يهاجمه بواسطة الرذائل عمومًا، بل بالحرى يبحث عن الهَوَى الخاص الذي ينغلب منه (ذلك الشخص)، وبواسطة ذلك الهوى يجعله فريسة له. لذلك فلأن الشيطان عرف أنَّ يهوذا طمَّاع، فإنه اقتاده إلى الفريسيين والرؤساء، ووعدهم أنه سيخون معلمه. وهم قد دفعوا ثمن الخيانة، أو بالحرى ثمن هلاكهم بمال مقدس. آه! أيَّة دموع يمكن أن تكفى سواء على الذى خان يسوع مقابل أجر، أو لمن استأجروه فدفعوا ثمن جريمة قتل بمال مقدس! أيَّة ظلمة قد أتت على نفس الذى قِبل الرشوة! لأجل فضة قليلة خسر السماء وفقد إكليل الخلود وكرامة الرسولية المحبوبة، وحسبانه ضمن عداد الاثني عشر، الذين قال لهم المسيح في موضعٍ ما: ” أنتم نور العالم” (مت14:5). إنه لم يهتم بأن يكون نورًا للعالم، بل نسي المسيح الذي قال:” أنتم الذين تبعتموني في تجاربي، متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده، تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر كرسيًا وتدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر” (مت28:19). لكنه لم يُرد أن يملك مع المسيح. يا لارتباك الضلال الذى أعمى ذهن هذا الإنسان الطمَّاع ! فإنه سلَّم للموت من هو أقوى من الموت. ألم تعلم أنه أقام لعازر من القبر في اليوم الرابع، وأنه بإشارة منه أقام ابن الأرملة وابنة رئيس المجمع؟ ألم تسمعه يقول لليهود فيما يخص جسده : ” انقضوا هذا الهيكل وفى ثلاثة أيام أقيمه ثانية؟” (يو19:2). هل نسيت كلماته: ” أنا هو القيامة والحياة“؟ (يو25:11). فماذا كان إذن سبب مثل هذا الجنون المطلق؟ يخبرنا الإنجيلي إذ يقول: ” فدخله الشيطان“، إذ قد جعل شهوة الطمع مَعْبَرًا وبابًا له. فإن ” التقوى مع القناعة تجارة عظيمة“، وكما يقول الكتاب المقدس: ” لأننا لم ندخل العالم بشيء، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء” (1تى6:6و7). ” وأما الذين يريدون أن يكونوا أغنياء فيسقطون في تجربة وفخ وشهوات كثيرة غبية ومضرَّة، تُغرق الناس في العطب والهلاك” (1تى9:6). والتلميذ الذى صار خائنًا هو برهان واضح على ذلك، إذ قد هلك لأجل قليل من الشواقل.

 

          وماذا يقول المرء عمَّن استأجروه؟ الذين سقطوا في نفس العطب والهلاك معه، إنهم كانوا ضحايا لسُكْرٍ مماثل، مع أنهم كانوا يملكون شهرة في معرفة الناموس وكلام الأنبياء القديسين. كان من واجبهم أن يعرفوا معنى ما سبق أن قيل منذ القديم، الذي كان قد تقرَّر سابقًا من قِبَل الله بخصوصهم. لأن من بين هذه الكلمات أقوال مثل هذه: ” على الرعاة الأردياء اشتعل غضبى وأنا سأفتقد الخراف” (زك3:10س)، لأن الرعاة الأشرار هلكوا بطريقة شائنة، أما دعوة أولئك الذين كانوا مطيعين لأجل الخلاص، فقد كانت نوعًا من الافتقاد، لأن بقية مِن إسرائيل قد خلُصت. وكما لو كانوا بالفعل قد سقطوا في الخراب، لهذا كانوا يولولون ويبكون، فإن النبي يقول إنه سمع ” صوت ولولة الرعاة لأن فخرهم خرب، صوت زمجرة الأسود، لأن كبرياء الأردن خربت” (زك3:11س). يُطلق النبي لقب الأُسود على كبرياء الأردن ويشير بهم (أي بالأسود) إلى رؤساء المجمع اليهودي الذين بسبب المجازاة العادلة على شرِّهم ضد المسيح، ولولوا مع آبائهم وأبنائهم، لأنهم فنوا كما بنارٍ وسيفٍ، بينما هيكل أورشليم قد أُحرق أيضًا، وكل مدن اليهودية حل بها الخراب والدمار التام.

 

          كان هذا هو مصيرهم، أمَّا المسيح فهو يخلِّصنا بإرادته الرحيمة، الذى به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

[1] يوصى القديس كيرلس أن تُقرأ هذه العظة يوم خميس العهد الذي تمَّ فيه تأسيس سر الشكر، ولذلك يسميه خميس السر.

 

خيانة يهوذا – إنجيل لوقا 21 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

خراب الهيكل ونهاية العالم والمجيء الثاني – إنجيل لوقا 21 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

خراب الهيكل ونهاية العالم والمجيء الثاني – إنجيل لوقا 21 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

خراب الهيكل ونهاية العالم والمجيء الثاني – إنجيل لوقا 21 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو5:21ـ13): “ وَإِذْ كَانَ قَوْمٌ يَقُولُونَ عَنِ الْهَيْكَلِ إِنَّهُ مُزَيَّنٌ بِحِجَارَةٍ حَسَنَةٍ وَتُحَفٍ قَالَ: هَذِهِ الَّتِي تَرَوْنَهَا سَتَأْتِي أَيَّامٌ لاَ يُتْرَكُ فِيهَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ. فَسَأَلُوهُ: يَا مُعَلِّمُ مَتَى يَكُونُ هَذَا ومَا هِيَ الْعَلاَمَةُ عِنْدَمَا يَصِيرُ هَذَا؟. فَقَالَ: انْظُرُوا! لاَ تَضِلُّوا. فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: إِنِّي أَنَا هُوَ وَالزَّمَانُ قَدْ قَرُبَ. فَلاَ تَذْهَبُوا وَرَاءَهُمْ. فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِحُرُوبٍ وَقَلاَقِلٍ فَلاَ تَجْزَعُوا لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَوَّلاً وَلَكِنْ لاَ يَكُونُ الْمُنْتَهَى سَرِيعاً. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ. وَتَكُونُ زَلاَزِلُ عَظِيمَةٌ فِي أَمَاكِنَ وَمَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ. وَتَكُونُ مَخَاوِفُ وَعَلاَمَاتٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ. وَقَبْلَ هَذَا كُلِّهِ يُلْقُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعٍ وَسُجُونٍ وَتُسَاقُونَ أَمَامَ مُلُوكٍ وَوُلاَةٍ لأَجْلِ اسْمِي. فَيَؤُولُ ذَلِكَ لَكُمْ شَهَادَةً “.

 

          لقد تسلمنا من المسيح معرفة الأشياء التى كانت مزمعة أن تحدث، لأنه هو نفسه الذى ينير خفايا الظلام ويعرف الخفايا (1كو5:4)، والمُذَّخر فيه جميع كنوز الحكمة وخفايا المعرفة (انظر كو3:2)، وهو يُغيِّر الأوقات والأزمنة ويعيد تشكيل الخليقة إلى ما كانت عليه في البداية. لأن الخليقة التى لم تكن موجودة قد جاءت بواسطته إلى الوجود بحسب إرادة الله الآب، لأنه هو قوة الله الحية وحكمته الذاتية، وأيضًا بواسطته ستتغير (الخليقة) بسهولة إلى ما هو أفضل، لأن تلميذه يقول: ” لكننا ننتظر سموات جديدة وأرضًا جديدة ” (2بط13:3).

 

          والآن فإن سبب هذا الاستطراد، هو من جهة بسبب السؤال الذى وُجِّه إلى المسيح مخلِّصنا جميعًا، من جهة الهيكل والأشياء التى فيه، ومن الجهة الأخرى للإجابة على هذا السؤال. لأن البعض منهم أروه الأعمال العظيمة التى كانت في الهيكل، وجمال التقدمات (أي التُحَف على الجدران)، منتظرين منه أنه سيبدي إعجابه بالمشهد مثلهم، مع أنه هو الله والسماء هي عرشه. لكنه لم يُعطِ أى اهتمام ـ إن جاز القول ـ أيًّا كان بهذه المباني الأرضية، إذ هي أشياء تافهة، بل هي لا شيء على الإطلاق، بالمقارنة بالمنازل التي هي فوق؛ وإذ استبعد الحديث عنها (المباني الأرضية)، فقد تحوَّل بالأحرى إلى ما هو ضرورى لمنفعتهم. لأنه سبق فحذَّرهم أنه مهما كان الهيكل يستحق أن ينال كل إعجاب منهم، إلاَّ أنه حينما يحين وقته، فإنه سيُدمَّر من أساساته، إذ يُهدم أرضًا بقوة الرومان، وتُحرق كل أورشليم بالنار، وتُجازَى بعدلٍ لأجل قتلها الرب، لأنه بعد صلب المخلِّص، كانت هذه الأشياء هى نصيبهم الذى كابدوه.

 

          لكنهم لم يفهموا معنى ما قيل، بل بالحري ظنوا أنَّ الكلمات التي قالها تشير إلى انقضاء العالم، لذلك سألوه: ” متى يكون هذا وما هى العلامة عندما يصير هذا؟ ” فماذا كان جواب المسيح إذن؟ إنه استجاب لرأي الذين سألوه، وإذ يغفل مؤقتًا ما كان يقوله عن حصار أورشليم، فإنه يشرح ما سيحدث عند انقضاء العالم، فيحذرهم ويشهد قائلاً: ” انظروا لا تضلوا، فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين إنِّي أنا هو والزمان قد قرب، فلا تذهبوا وراءهم“. لأنه قبل مجيء المسيح مخلِّصنا من السماء، سيظهر مسحاء كذبة وأنبياء كذبة، مُدَّعين كذبًا   ” قائلين أنا هو” (أي كل منهم يَدَّعي أنه المسيح)، وسوف يأتون إلى العالم كمثل زوابع دخان منبعثة من نار على وشك الاشتعال. ويقول: ” فلا تذهبوا وراءهم“. لأن كلمة الله الوحيد الجنس ارتضى أن يأخذ لنفسه شبهنا وأن يحتمل الولادة بالجسد من امرأة لكيما يخلِّص كل من هم تحت السماء. وكان هذا بالنسبة له إخلاءً لذاته واتضاعًا، لأن ما هو قدر الإنسانية بالمقارنة بالجلال والمجد الإلهى الفائق؟ لذلك فكشخص وضع ذاته حتى الإخلاء، فإنه فضَّل أن يبقى غير معروف، حتى أوصى رسله الأطهار قبل صليبه الثمين، بأن لا يُظهِروه (مت9:17). لأنه من الضروري أن تبقى طريقة تدبيره في الجسد مخفية، حتى إذا احتمل الصليب الثمين لأجلنا كإنسان، فإنه يلاشي الموت ويطرد عنا جميعًا طغيان الشيطان، لأنه كما يقول بولس: ” الحكمة التى كانت في المسيح، التي لم يَعلَمها أحد من عظماء هذا الدهر، لأنهم لو عرفوا لَمَا صلبوا رب المجد” (1كو8:2). لذلك كان يلزم أن يظل غير معروف خلال الفترة التى سبقت آلامه. أما مجيئه الثاني من السماء فلن يحدث بطريقة خفية كما حدث مجيئه الأول، بل سيكون مُبهِرًا ومُرعبًا، لأنه سينزل بمجد الله الآب ومعه الملائكة القديسون محيطون به، ليدين العالم بالعدل. ولأجل هذا يقول: عندما يقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة فلا تذهبوا وراءهم .

 

          وقد أعطاهم علامات واضحة وجليَّة عن الزمان الذى فيه يقترب انقضاء العالم، فيقول: ” لأنه ستكون حروب وقلاقل ومجاعات وأوبئة في كل مكان، وتكون مخاوف وعلامات عظيمة من السماء “، وكما يقول إنجيلى آخر: ” لأن كل النجوم تسقط وقوات السموات تتزعزع ” (انظر مت29:24).

 

          لكن المخلِّص يضع في وسط الكلام ما يشير إلى سبي أورشليم لأنه يخلط الأحداث ببعضها في كل من جزئي الرواية. ويقول: ” وقبل هذا كله يلقون أيديهم عليكم ويطردونكم ويسلمونكم إلى مجامع وسجون وتُساقون أمام ملوك وولاة لأجل اسمى، فيؤول ذلك لكم شهادة“. لأنه قبل أزمنة الانقضاء، سُبِيَت أرض اليهود، واجتاحتها حشود الجيوش الرومانية، وأُحرق الهيكل، وأُطيح بحكومتهم الوطنية، وتوقَّفت سُبُل العبادة الناموسية، لأنه لم تعد بعد ذبائح تُقدم، إذ أنَّ الهيكل كان قد دُمِّر، وكما قلت فإن وطن اليهود مع أورشليم ذاتها قد صار قفرًا تمامًا. وقبل أن تحدث هذه الأشياء، قام اليهود باضطهاد التلاميذ المبارَكين، فقد سُجنوا وكان لهم نصيب في مِحَن لا تُحتَمَل، وسِيقُوا أمام قضاة وأُرسَلوا أمام ملوك، لأن بولس قد أُرسل إلى روما إلى قيصر. لكن هذه الأمور التى أتت عليهم كانت شهادة لهم، حتى يحصلوا بواسطتها على مجد الاستشهاد.

 

          وهو يصرخ قائلاً: ” لا تهتموا من قَبْل لكي تحتجُّوا لأنِّي أُعطيكم فمًا وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها” (عدد14و15). ولكي يزيل منهم كل دوافع الجبن البشري قال لهم ” إنهم سوف يُسلَّمون من الإخوة والأقرباء والأصدقاء” (عدد16)، لكنه وَعَدَهم أنه بالتأكيد وبالتمام سينجِّيهم قائلاً: ” ولكن شعرة من رؤوسكم لا تهلك ” (عدد18).

          وأيضًا لكيما يجعل تنبُّؤه أكثر وضوحًا وتأكيدًا، ويجعل زمن سبي أورشليم أكثر جلاءً، فإنه يقول لهم: ” ومتى رأيتم أورشليم محاطة بجيوش فحينئذ اعلموا أنه اقترب خرابها” (عدد20).

 

          وبعد ذلك ينقل كلامه من هذا الموضوع إلى وقت انقضاء العالم، ” وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم، وعلى الأرض كرب أمم بِحَيْرَة، والبحر والأمواج تضج، والناس يغشى عليهم من خوف وانتظار ما يأتي على المسكونة، لأن قوات السموات تتزعزع ” (عدد25و26). لأنه بسبب أنَّ الخليقة تبدأ في التغيُّر ـ إن جاز القول ـ وتجلب على سكان الأرض أهوالاً لا تُطاق، فإنه سيكون هناك ضيق مُرعب، ونفوس ترحل بالموت، لأن الخوف المريع الذى يفوق الاحتمال الخاص بالأمور المزمعة أن تحدث سيكون كافيًا لإهلاك كثيرين.

 

          ثم يقول: ” وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتيًا في سحابة بقوة ومجد كثير” (عدد27). لذلك فالمسيح لن يأتي في الخفاء أو في غموض، بل كإله ورب بمجد يليق بألوهيته، وسيحوِّل كل الأشياء نحو الأفضل، لأنه سوف يُجدِّد الخليقة ويعيد تشكيل طبيعة الإنسان إلى ما كانت عليه في البداءة. ثم يقول: ” ومتى ابتدأت هذه تكون فانتصبوا وارفعوا رؤوسكم لأن نجاتكم تقترب” (عدد28). لأن الموتى سيقومون، وهذا الجسد الأرضي والعاجز سيخلع عنه الفساد وسيلبس عدم الفساد بعطية المسيح الذى يمنح الذين يؤمنون به أن يتشكَّلوا على مثال جسده المجيد، لذلك فكما قال تلميذه: ” ولكن سيأتي كلص في الليل يوم الرب الذى فيه تزول السموات فجأة بضجيج، وتنحل العناصر محترقة، وتحترق الأرض والمصنوعات التى فيها“، ثم يضيف قوله ” فبما أنَّ هذه كلها تنحل، أيَّ أُناس يجب أن تكونوا أنتم في سيرة مقدسة وتقوى؟” (2بط10:3و11). والمسيح نفسه يقول أيضًا: ” اسهروا إذن وتضرعوا في كل حين لكي تُحسبوا أهلاً للنجاة من جميع هذا المزمع أن يكون وتقفوا قدام ابن الإنسان” (لو36:21).      ” لأننا جميعًا سوف نقف أمام كرسي المسيح لنعطي حسابًا عن كل ما صنعناه” (انظر رو10:14)، ولأن المسيح صالح ومحب للبشر، فإنه سيُظهِر رحمة لأولئك الذين يحبونه، الذى به ومعه يليق التسبيح والسلطان لله الآب مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

 

خراب الهيكل ونهاية العالم والمجيء الثاني – إنجيل لوقا 21 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المرأة صاحبة الفلسين – إنجيل لوقا 21 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المرأة صاحبة الفلسين – إنجيل لوقا 21 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المرأة صاحبة الفلسين – إنجيل لوقا 21 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو1:21ـ4): “ وَتَطَلَّعَ فَرَأَى الأَغْنِيَاءَ يُلْقُونَ قَرَابِينَهُمْ فِي الْخِزَانَةِ. وَرَأَى أَيْضًا أَرْمَلَةً مِسْكِينَةً أَلْقَتْ هُنَاكَ فَلْسَيْنِ. فَقَالَ: بِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ هَذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنَ الْجَمِيعِ. لأَنَّ هَؤُلاَءِ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا فِي قَرَابِينِ اللهِ وَأَمَّا هَذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ الْمَعِيشَةِ الَّتِي لَهَا “.

 

          اليوم ينفتح أمامنا منظر من مناظر التقوى، مع يسوع كحَكَم قانوني للمباريات، والذي بقرار عادل يُوزِّع الأوسمة والنياشين للذين دعوا للمشاركة في السباق. والأشخاص الذين تُقدمِّهم لنا هذه المباريات ليحوزوا على إعجابنا، ليسوا هم عازفى قيثارات ولا هم مصارعين مهرة، ولا هم أيضًا ممن اعتادوا أن ينالوا المجد بواسطة أصوات المزمار الرخيمة، بل هم بالأحرى من أولئك الذين تفضَّل مخلِّص الكل وتنازل وكرَّمهم بسبب أنه يحب البر. إن أكثر صفوة مكرَّمة بين هؤلاء والمُفضَّلون عن كل الآخرين، هم أولئك الرحماء وذوو العطف الذين يشهد لهم المخلِّص نفسه بقوله: “طوبى للرحماء لأنهم يُرحمون” (مت7:5).

 

          هؤلاء كان المسيح يراقبهم وهم يلقون قرابينهم في الخزانة، لأننا هكذا سمعنا الإنجيلى القديس يُعلن لنا ذلك هنا. لكن أي فم سيكفي لأولئك الذين يُسبِّحون إله الكل! وكما يقول الكتاب ” مجد الرب إخفاء الكلمة” (أم2:25س)، لأنه يستحيل أن نُسبِّح لطفه الفائق وعظمة محبته للبشرية التى لا تُقارن كما يحق لهما، فهو ينسب لنفسه ويحسبه كقرابين، كل ما نفعله للإخوة الذين أضناهم الفقر، لأنه قال: ” الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتى هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتم” (مت40:25)، ومكتوب: “ من يُحسن إلى الفقير يُقرض الرب “. وعن هذا يُعبِّر أحد القديسين عن إعجابه، بطريقة جميلة جدًّا بقوله في أحد المواضع، بل بالأحرى يقول لكل بني البشر: ” إن كنت بارًا فماذا تعطيه؟ أو ماذا يأخذه من يدك؟ لرجلٍ مثلك شرّك، ولابن آدم برّك” (أى7:35و8). لذلك كما قلتُ (من قبل) إن أعمالنا وأفعالنا تُعمل لمن هم رفقاؤنا وإخوتنا، ولكن الله يأخذها لنفسه لأنه محب للبشر، ويحسبها كثمر روحي، وذلك لكيما تكون له فرصة ليُظهر رحمة لأولئك الذين اعتادوا التصرُّف هكذا، ولكي يعتقهم من كل خطية، لأنه مكتوب: ” الرحمة تفتخر على الحكم ” (يع13:2).

 

          لذلك ـ لو سمحتم ـ ليتنا نراقب جهاد الرحماء ونرى ما هى طبيعته، ولمن بالأساس يُخصِّص المخلِّص استحساناته ومدحه بواسطة قراره المقدس والإلهي. لقد تقدَّم بعض الأغنياء وهم جالبين معهم عطاياهم التى جهَّزوها وألقوا قرابينهم في الخزانة، ولكونهم يمتلكون ثروة كبيرة وغنى وافرًا، فإن العطايا التى قدَّمها كل واحد ـ كما يبدو ـ كانت كبيرة في حد ذاتها، ولكنها من الناحية الأخرى صغيرة لا تتناسب مع دخل مقدِّميها. ثم جاءت بعدهم امرأة منضغطة في فقر مدقع لا يُحتمل، والتى كل رجاء معيشتها يكمن في عطف المحسنين، ومن الفتات كانت تجمع بصعوبة ومشقة مؤونة ضئيلة وتافهة تكفى بالكاد لقوت اليوم، وأخيرًا (بعد كل الأغنياء) قدَّمت هذه المرأة فلسين، لأنه لم يكن في مقدورها أن تُقدِّم أكثر من هذا، وإن جاز القول – فإنها جرَّدت نفسها من كل ما لديها، وغادرت الرواق المقدس بيدين خاويتين. يا لهذا العمل العجيب والمدهش! المرأة التى على الدوام تطلب من الآخرين صدقة، تقرض الله، جاعلة حتى الفقر في حد ذاته مثمرًا لإكرام الله. لذلك فقد فازت على الآخرين وتكلَّلت من قِبل الله بجزاء عادل.

المرأة صاحبة الفلسين – إنجيل لوقا 21 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

          لكن ربما يضايق هذا الكلام بعضًا من الأغنياء، ولذلك سنوجِّه لهم ملاحظات قليلة. أنت تبتهج أيها الغني بوفرة ممتلكاتك، نصيبك خصب أكثر ممَّا تتطلبه احتياجاتك الضرورية. أنت تحصد حقولاً ومقاطعات، ولك حقول كروم كثيرة وواسعة وبساتين محمَّلة بما لذَّ وطاب حتى فَقَدَت مذاقها بسبب التأخُّر وضياع موسم جمعها، ولك معاصر وبيادر ومواشي لا حصر لها، وبيت جميل مبني بثمن عظيم وفيه مخازن كثيرة وملابس منسوجة بألوانٍ مختلفة، وأخيرًا أنت لا تُقدِّم بما يتناسب مع دخلك؛ حتى إنك عندما تعطي، فلن تفقد قط سوى القليل جدًّا من غناك الوافر. أمَّا تلك المرأة فقد قدَّمت فلسين، وهى لم تكن تمتلك شيئًا أكثر مما قدمته؛ إذ لم يعد يتبقَ لديها شيء بعد الفلسين، وخرجت من الخزانة بيدين فارغتين، ولكنهما يدين سخيتين، فقد قدمت كل ما تملكه. ألا يحق لها لأجل ذلك أن تفوز بالإكليل؟ ألم تكن تحق لها الأفضلية بمقتضى قرار مقدس؟ أما تفوَّقَت هي على سخائك (أيها الغني)، على الأقل من جهة استعدادها؟

 

          إن الحكيم بولس يكتب أيضًا شيئًا من هذا القبيل: ” لأنه إن كان النشاط موجودًا فهو مقبول على حسب ما للإنسان لا على حسب ما ليس له ” (2كو12:8). ليس فقط يمكن للغني أن ينال نعمة لدى الله بتقديم خيرات للإخوة ـ لأن مخلِّص الكل سيقبل تقدمته ـ بل حتى من يمتلك القليل جدًّا يمكنه أيضًا أن ينال نعمة الله بتقديمه القليل الذى له، وأيضًا لن يعاني أيَّة خسارة لأجل هذا (الذى قدَّمه)، لأن العالِم بكل شيء سيمتدح استعداده (للعطاء)، وسيَقبَل نيَّته (الحسنة)، وسيجعله معادلاً للغنى، أو بالأحرى سيكلِّله بكرامة أكثر وجاهة وامتيازًا.

 

          وهذا أيضًا يستحق أن يثير إعجابنا وانتباهنا، إنَّ الجموع التي كانت صاعدة إلى الهيكل، كان البعض منها يقدِّم عجولاً مسَّمنة، والبعض يقدم غنمًا وبخورًا ولبانًا وأشياء أخرى غيرها لا غنى عنها لتقديم الذبائح التى يأمر بها الناموس بطريقة لائقة، لكن نظرة المخلِّص لم تكن مركَّزة على هؤلاء، بقدر ما كانت مثبَّتة على من يُقدِّمون قرابينهم في الخزانة، أي على من كانوا محسنين وشفوقين، لأنه يقبل الرائحة الطيبة للعبادة الروحية، لكنه يغض نظره عما يُعمل في رموز وظلال، لأنه عرف أنَّ الرموز لا تفيد وأن الظل ضعيف، لذلك فهو يكرم الإحسان إلى الفقير، وإذ يعرف هذا أحد الرسل، فإنه يكتب قائلاً: ” الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هى هذه، افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم” (يع27:1).

          ونحن نجد أيضًا أنَّ الوصية التي أعطاها موسى تحثنا على محبة الفقير، وتنهضنا إلى عمل الإحسان، لأن الله الذى وضع أمامنا طريق السلوك الإنجيلى، هو نفسه الذى حدَّد منذ القديم الوصية لموسى، لم يكن إلهًا غيره، إنه هو نفس الإله الوحيد من حيث إنه إله لا يتغير، لأنه يقول بفم أحد الأنبياء القديسين: ” أنا الذى أتكلم إليكم، قريب” (إش6:52س). لذلك فهو تكلم هكذا بواسطة موسى قائلاً:   ” إن كان فيك فقير أحد من إخوتك في أحد أبوابك في أرضك التي يعطيك الرب إلهك، فلا تُحوِّل[1] قلبك ولا تقبض يدك عن أخيك المحتاج، بل افتح يدك له بسعة وأقرضه مقدار ما يحتاج إليه، وبحسب ما ينقصه” (تث7:15و8س). أنتم تسمعونه يدعو صدقتهم قرضًا، لأن الله هو الذي يَقبلها وسوف يُعوِّضها ليس بما يساويها، بل بالأحرى بكيل فائض، لأنه يقول: ” كيلاً جيدًا ملبدًا مهزوزًا فائضًا يعطون في أحضانكم ” (لو38:16). وكما يقول الحكيم بولس: ” يحب الله المعطي بسرور ” (2كو7:9). وكون أنه من الصواب أن نكون محسنين للإخوة وليس بخلاء، وليس كمسألة إلزامية بل بدافع من المحبة أكثر من كونه مراعاة للوجوه وبمودَّة متبادلة لا لوم فيها، فإنه حتى ناموس العهد القديم يُوضِّحه بقوله: ” ولا تحزن في قلبك عندما تعطيه، لأنه بسبب هذا الأمر يباركك الرب إلهك في كل أعمالك وجميع ما تمتد إليه يدك” (تث10:15س). ولذلك يقول بولس الرسول:    ” المُعطي فليعطِ بسخاء، المدبِّر فباجتهاد، الراحم فبسرور ” (رو8:12)، لأن المحبة التى نظهرها للفقير ليست غير مثمرة، بل هى دَين يُرَّد بزيادة.

 

          لذلك ينبغى لنا أن نكون مجتهدين في إتمام هذا الواجب بكوننا متيقِّنين أنه لو وزَّعنا بيد سخيَّة، فإننا سننفع أنفسنا، لأنه هكذا يعلِّمنا أيضًا بولس الطوباوي قائلاً: ” هذا وإنَّ من يزرع بالشح فبالشح أيضًا يحصد، ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضًا يحصد، كل واحد كما ينوى بقلبه ” (2كو6:9و7). وكما لو كان يقطع الكسل من جهاداتنا الصالحة، فإن الرسول يضيف في الحال هذه الكلمات: ” والله قادر أن يزيدكم كل نعمة، لكى تكونوا ولكم كل اكتفاء كل حين في كل شيء تزدادون في كل عمل صالح. كما هو مكتوب، فرَّق أعطى المساكين، برّه يبقى إلى الأبد” (2كو8:9و9). لأن الذى يُظهِر رحمة للفقير، لن يُتخلَّى عنه أبدًا، بل بالأحرى سيُحسب أهلاً للغفران من المسيح مخلِّصنا الذي به ومعه يليق التسبيح والسلطان لله الآب مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

[1] لابد أنَّ القديس كيرلس قرأ ¢posteyeij والتى تعني يُحوِّل بدلاً من ¢postšrxeij والتى تعنى يُقسَّي.

المرأة صاحبة الفلسين – إنجيل لوقا 21 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المسيح وداود – معلمي الناموس – إنجيل لوقا 20 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المسيح وداود – معلمي الناموس – إنجيل لوقا 20 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المسيح وداود – معلمي الناموس – إنجيل لوقا 20 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو41:20ـ47): “ وَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ يَقُولُونَ إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ. وَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَقُولُ فِي كِتَابِ الْمَزَامِيرِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي. حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَإِذًا دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبّاً. فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟. وَفِيمَا كَانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يَسْمَعُونَ قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: احْذَرُوا مِنَ الْكَتَبَةِ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ الْمَشْيَ بِالطَّيَالِسَةِ وَيُحِبُّونَ التَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ وَالْمُتَّكَآتِ الأُولَى فِي الْوَلاَئِمِ. اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ وَلِعِلَّةٍ يُطِيلُونَ الصَّلَوَاتِ. هَؤُلاَءِ يَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ! “.

 

          أولئك الذين يُحبون التعلُّم ويميلون للاستماع، يَقبلون بفرح كلمة الله النافعة، ويحفظونها ويخبئونها في خزانة قلبهم مثل بذرة حياة. وما هى نتيجة فعلهم هذا؟ إنَّ النور الإلهي يشرق عليهم، ويحظون بمعرفة صحيحة لا تخطئ ‎للوصايا المقدسة، وهذه تسرع بهم إلى الحياة، كما يعلِّمنا الابن نفسه حيث يقول لله الآب السماوي: “وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو3:17).

 

          لذلك، أقول لكم، أُُنظروا إلى ذاك الذي هو المانح لنا كل حكمة وفهم، أي المسيح، وهو يحاول أن يغرس هذه البركة العظيمة التى لا تُقدَّر في أولئك الذين ـ قبل كل شيء ـ هم رؤساء اليهود، أقصد الكتبة والفريسيين، لأنه كان من الصواب ـ إذ هم رعاة ومعلمو وقادة الشعب ـ أن لا يخفى عليهم سرّه، الذي أعلنه ناموس موسى منذ القديم، وهو يصفه (السر) بالرمز وبالظل بطرق متعددة، والذي علمه جماعة الأنبياء القديسين العظماء الأماجد. لأجل هذا السبب فإن المسيح يُدعى مُكمِّل الناموس والأنبياء (انظر رو4:10).

 

          لهذا السبب، فإن المخلِّص سألهم قائلاً: “ كيف يقولون إن المسيح ابن داود، وداود نفسه يقول في كتاب المزامير: قال الرب لربى اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك. فإذن داود يدعوه ربًّا، فكيف يكون ابنه؟” إن الإيمان هو بدء الفهم، لأنه يقول: “ إن لم تؤمنوا فلن تفهموا” (إش9:7س)، ولكن فحص الحقائق الهامة يؤدِّي إلى الخلاص. إننا نعترف بأن عمانوئيل هو ابن داود وهو ربّه أيضًا، إن كان أحد يريد أن يتعلم ما هي الطريقة التي يفهم بها هذا الإيمان، فإنه يجب عليه بالضرورة أن يلجأ إلى فحص سر المسيح، فحصًا دقيقًا وبلا لوم. (هذا السر) الذي كان مكتومًا منذ تأسيس العالم ولكن أُظهِر في الأزمنة الأخيرة (انظر رو16: 25و26؛ و1بط20:1).

 

          لم يجب الفريسيون على سؤال المسيح؛ وقد فعلوا هذا بخبث، أو بالأحرى ضد أنفسهم، لئلا إذا ما نخسهم السؤال تشرق عليهم كلمة الخلاص، لأنهم لم يكونوا يريدون أن يعرفوا الحق، ولكن إذ كانوا يريدون بِشرِّهم أن يستولوا لأنفسهم على ميراث الرب، فإنهم أنكروا الوارث، أو بالأحرى قتلوه بِشرِّهم. لأنه بسبب حب السلطة والطمع في المال، وبسبب أرباحهم الدنيئة، فإنهم رفضوا الإيمان، لأنهم في إحدى المرات تناولوا حجارة ليرجموه، وعندما سألهم عن سبب عنفهم أجابوا بحماقة: ” لسنا نرجمك لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا” (يو33:10). وفى مناسبة أخرى دعوه سامريًّا وشريب خمر وسكيرًا وابن النجار، وهم يقصدون بهذه الأوصاف أنه شخص حقير ووضيع المولد. ولا تتعجب من هذا، فإنهم تجاسروا أن يُشنِّعوا بميلاده بالجسد من العذراء القديسة بقولهم بصورة غامضة ولكن بمرارة: ” نحن لم نولد من زنا” (يو41:8).

 

          ولكي ينزع المسيح منهم عادة التفكير والكلام عليه بازدراء واحتقار فإنه سألهم قائلاً: ” كيف يقولون إن المسيح ابن داود؟” ولكنهم كما نوَّهت لكم للتو، التزموا الصمت بدوافع ماكرة، وبهذا حكموا على أنفسهم بأنهم غير مستحقين للحياة الأبدية ولا لمعرفة الحق.

 

          ونحن أيضًا نضع أمام فريسيِّي الأيام الأخيرة[1] سؤالاً مشابهًا، دع هؤلاء ـ الذين ينكرون أنَّ هذا الذي وُلِد من العذراء القديسة هو الابن الحقيقى لله الآب وهو نفسه الله، ويقسمون المسيح الواحد إلى ابنين؛ أقول دعهم يشرحون لنا بأى طريقة يكون ابن داود هو ربه، وكيف أنه وهو إنسان تَكُون ربوبيته إلهية، لأن الجلوس عن يمين الآب هو تأكيد للمجد الفائق وعربون له، لأن الذين يشاركون نفس العرش هم متساوون في الكرامة، والذين يُتوَّجون بكرامات متساوية يُفهم طبعًا أن يكونوا متساوين في الطبيعة. فالجلوس مع الله لا يمكن أن يعني شيئًا آخر سوى السلطان المُهيمِن، كما أنَّ العرش يكشف لنا أنَّ له السلطان على كل شئ، وأيضًا له الرفعة الكاملة بحق جوهره. كيف إذن يكون ابن داود هو رب داود ويجلس أيضًا عن يمين الله الآب وعلى عرش الألوهة؟ أليس هذا هو بحسب كلمة السر الحقيقية: أي إنَّ الكلمة وهو الله، ومولود من نفس جوهر الله الآب، وهو مماثل له ومساوٍ له؛ صار جسدًا، أى صار إنسانًا كاملاً، لكن بدون أن يترك الامتياز الذي لا يُقارَن الخاص بالكرامات الإلهية، وهو لا يزال مستمرًا بالحري في الحالة التي كان فيها منذ الأزل، وهو لا يزال إلهًا مع أنه صار جسدًا وفى الشكل مثلنا. لذلك فهو رب داود بحسب مجده الإلهي وبحسب طبيعته وربوبيته الكاملة؛ ولكنه ابن داود بحسب الجسد.

 

          لذلك أقول إنه كان من واجب رؤساء اليهود الذين يفتخرون كثيرًا بمعرفتهم بالشرائع الإلهية، ألاَّ يَدَعوا كلمات الأنبياء القديسين تفوت عليهم، لأن المبارك إشعياء يقول: ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا ويدعون اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا” (إش14:7س، مت23:1). أما الكلمة فكان معنا كإله عندما أخذ شبهنا، ولم يحتقر الحالة الوضيعة التى للجنس البشرى، كى يخلِّص جميع من هم تحت السماء. ومكتوب أيضًا ” وأنتِ يا بيت لحم بيت أفراته، لستِ الصغرى بين ألوف يهوذا، لأن منكِ يخرج الذي يكون رأسًا (متسلِّطًا) على إسرائيل” (مى2:5س)، لأن بيت لحم كانت صغيرة بالفعل ومن جهة كثافة اليهود فيها، فقد كان سكانها قليلين جدًّا، ومع ذلك خرج منها المسيح ـ لمَّا وُلد فيها من العذراء القديسة ـ لا كمن هو خاضع لظلال الناموس، بل بالحري كسيد للناموس والأنبياء.

 

          لذلك فنحن لم نتبع جهالة الناس ولا حداثة كلامهم الأحمق؛ لئلا نسقط معهم في ذهن مرفوض، بل نُشرك أنفسناً بالحري في التعاليم النقية التي للرسل القديسين والبشيرين الذين أوضحوا لنا في كل مكان، أنَّ المسيح مخلِّص الكل هو في نفس الوقت ابن داود وربه بالطريقة التى وصفتها لكم منذ قليل.

 

          لذلك فإنه يوجد رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة (أف5:4)، رب واحد قد اشترانا، ” لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب، بل بدم نفسه” كما هو مكتوب (1بط18:1)، حتى نعبده، وبه ومعه نعبد الله الآب، لأن لنا فيه وبواسطته قدومًا إلى الآب (انظر أف18:2).

 

          ولكن كما قلت لكم، فإن رؤساء اليهود لم يراعوا الحق على الإطلاق، وإذا أراد أحد أن يعرف ما هو سبب كرههم الفظيع للتعلُّم، فليسمع السبب منِّي: إنه تصميمهم عن ألاَّ يتخلوا عن محبة المديح المغروسة فيهم، ولا أن يهجروا شهوتهم الملعونة للربح. والمخلِّص نفسه وبَّخهم مرة بقوله: ” كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدًا بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه” (يو44:5). لقد كان من واجبهم أن يطلبوا المجد الذي من الله لا المجد الذي من الناس، لأن مجد الناس وقتي ويتلاشى مثل الحلم.

          ولذلك، فللفائدة، من أجل أن يحفظ جماعة التلاميذ القديسين أنقياء من مثل هذه الأخطاء الشائنة، فإنه يشهد لهم قائلاً: ” احذروا من الكتبة والفريسيين“. أى لا تُعرِّضوا أنفسكم لأن تكونوا فريسة لرذائلهم، ولا أن تكونوا شركاءهم في استخفافهم بالله. فماذا كانت عادتهم؟ فقد كانوا يسيرون في الطرق وهم متزيِّنون حسنًا، ويجلبون لأنفسهم كرامة طنَّانة، حتى ينالوا مديح أولئك الذين ينظرونهم. وبينما هم أشرار وقلبهم ممتلئ من عدم الاستقامة، فإنهم ينسبون لأنفسهم ـ كـذبًا ـ سمعة التقوى، والأخلاق الحسنة التى لا وجود لها فيهم في الواقع. فإنهم يجتهدون أن يطيلوا صلواتهم بكلمات كثيرة مفترضين أنه ربما لو لم يستعملوا كلمات كثيرة، فإن الله لن يعلم ما هى طلباتهم. وأمَّا مخلِّص الجميع، فإنه لم يسمح للذين يعبدونه أن يفعلوا مثل ذلك، فيقول: ” حينما تصلون لا تُكرِّروا الكلام باطلاً كالأمم، لأنهم يظنون أنه بكثرة كلامهم يُستجاب لهم ” (مت7:6)، ولكنه أوصاهم أن يكونوا متواضعين غير محبِّين للافتخار، وأن لا يعطوا أي اعتبار لحب المجد الباطل، ولكن أن يطلبوا بالأحرى الكرامة التى تأتي من فوق من الله. وبهذا فإنه يودع فيهم معرفة سرِّه؛ وهكذا فإنه يُجهِّز الذين سوف يُرشدون الآخرين لأن يحوزوا معرفة صحيحة وبلا لوم للتعاليم المقدسة، وهكذا فهو يجعلهم يعرفون كيف أنَّ ابن داود هو أيضًا رب داود، الذين معهم (مع الرسل) نحن نضع أنفسنا أيضًا، إذ يضئ علينا الله الآب بنور إلهي في المسيح، الذي به ومعه يليق التسبيح والسلطان لله الآب مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

[1] يقصد أتباع نسطور.

 

المسيح وداود – معلمي الناموس – إنجيل لوقا 20 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

قيامة الأموات – إنجيل لوقا 20 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

قيامة الأموات – إنجيل لوقا 20 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

قيامة الأموات – إنجيل لوقا 20 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو27:20ـ38): ” وَحَضَرَ قَوْمٌ مِنَ الصَّدُّوقِيِّينَ الَّذِينَ يُقَاوِمُونَ أَمْرَ الْقِيَامَةِ وَسَأَلُوهُ: يَا مُعَلِّمُ كَتَبَ لَنَا مُوسَى: إِنْ مَاتَ لأَحَدٍ أَخٌ وَلَهُ امْرَأَةٌ وَمَاتَ بِغَيْرِ وَلَدٍ يَأْخُذُ أَخُوهُ الْمَرْأَةَ وَيُقِيمُ نَسْلاً لأَخِيهِ. فَكَانَ سَبْعَةُ إِخْوَةٍ. وَأَخَذَ الأَوَّلُ امْرَأَةً وَمَاتَ بِغَيْرِ وَلَدٍ. فَأَخَذَ الثَّانِي الْمَرْأَةَ وَمَاتَ بِغَيْرِ وَلَدٍ. ثُمَّ أَخَذَهَا الثَّالِثُ وَهَكَذَا السَّبْعَةُ. وَلَمْ يَتْرُكُوا وَلَدًا وَمَاتُوا. وَآخِرَ الْكُلِّ مَاتَتِ الْمَرْأَةُ أَيْضًا. فَفِي الْقِيَامَةِ لِمَنْ مِنْهُمْ تَكُونُ زَوْجَةً؟ لأَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةً لِلسَّبْعَةِ!. فَأَجَابَ يَسُوعُ: أَبْنَاءُ هَذَا الدَّهْرِ يُزَوِّجُونَ وَيُزَوَّجُونَ. وَلَكِنَّ الَّذِينَ حُسِبُوا أَهْلاً لِلْحُصُولِ عَلَى ذَلِكَ الدَّهْرِ وَالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ. إِذْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَمُوتُوا أَيْضًا لأَنَّهُمْ مِثْلُ الْمَلاَئِكَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ إِذْ هُمْ أَبْنَاءُ الْقِيَامَةِ. وَأَمَّا أَنَّ الْمَوْتَى يَقُومُونَ فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ مُوسَى أَيْضًا فِي أَمْرِ الْعُلَّيْقَةِ كَمَا يَقُولُ: اَلرَّبُّ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ. وَلَيْسَ هُوَ إِلَهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلَهُ أَحْيَاءٍ لأَنَّ الْجَمِيعَ عِنْدَهُ أَحْيَاءٌ “.

 

          الجهالة يصحبها التهوُّر عادة، وهى تؤدى بالناس إلى أن يُعلِّقوا أهمية كبرى على أوهامهم البائسة، وهكذا فإن أولئك الذين هم ضحايا لهذا الداء، عندهم فكرة عظيمة عن أنفسهم ويتصورون أنهم يملكون معرفة لا يستطيع أحد أن يُنكرها. ويبدو أنهم قد نسوا قول سليمان: ” لا تكن حكيمًا في عيني نفسك” (أم7:3)، أي بحسب حُكمك الشخصي، وأيضًا إن الحكمة التى لا تُمحَّص تضل الطريق. فإنه ليس بالضرورة أن تكون آراؤنا صحيحة عن كل تعليم نعتقد به، إذ ربما يحدث أن نحيد عن الطريق الصحيح فنخطئ، ونسقط في ما هو غير مناسب، ولكن، أظن أنه من الصواب إذا مارسنا حكمًا نزيهًا وبلا تحيُّز، وبغير استسلام لاندفاع العواطف، فإننا يجب أن نحب الحق ونسعى إليه باشتياق.

          أما الصدوقيون الأغبياء، فإنهم لا يعطون احترامًا لمثل هذه الأفكار. كان الصدوقيون شيعة من اليهود، وقد أوضح لنا لوقا ما هو رأيهم الذي كانوا يفكرون به من جهة قيامة الأموات، فيكتب في أعمال الرسل: ” لأن الصدوقيين يقولون إنه ليس قيامة ولا ملاك ولا روح، وأما الفريسيون فيقرون بكل ذلك” (أع8:23). لذلك، قد حضر قوم منهم إلى المسيح مخلِّصنا جميعًا ـ الذي هو الحياة والقيامة ـ وحاولوا أن يدحضوا (عقيدة) القيامة؛ ولأنهم قوم ممتلئون بالخزى وغير مؤمنين، فإنهم اخترعوا قصة مفعمة بالجهالة ومملوءة بالافتراضات السخيفة، محاولين بخبث أن يلغوا رجاء العالم كله. إننا نؤكد أنَّ رجاء العالم كله هو القيامة من الأموات، الذين صار المسيح هو البكر والباكورة[1] بالنسبة لهم، ولذلك فإن الحكيم بولس أيضًا إذ يجعل قيامتنا معتمِدة على قيامته فإنه يقول: ” إن كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح قد قام” (1كو16:15)، ثم يضيف إلى ذلك أيضًا، كما لو كان يمتد بالفكر المضاد إلى نهايته: ” إن كان المسيح قد قام من الأموات، فكيف يقول قوم بينكم أن ليس قيامة من الأموات؟” (1كو12:15)، والذين يقولون هذا كانوا هم الصدوقيون الذين نتكلم عنهم الآن.

          ولكن دعنا نفحص ـ إن أردتم ـ هذه الرواية المزيَّفة التي بلا معنى التي صاغوها. يقولون كان سبعة إخوة وصاروا على التوالى أزواجًا لامرأة واحدة بحسب متطلّبات ناموس موسى، ثم ماتت هى أيضًا بدون أولاد، ففى القيامة لمن منهم تكون زوجة؟ إن السؤال الذي يطرحونه، هو بلا معنى، كما أنه لا يتوافق بأي حال مع الكتب الموحَى بها، وإجابة مخلِّصنا فيها تكفي تمامًا لإثبات حماقة روايتهم. وتجعلنا نرفض خيالهم المزيَّف، كما نرفض الفكرة التى تأسَّس عليها.

 

          وأظن أنه من الصواب أن نتَّهمهم بأنهم يقاومون ـ بغباء، الكتب الموحى بها، وأن نُوضِّح أنهم قد جانبوا الصواب تمامًا وابتعدوا عن المعنى الذي تعلِّمه الكتب المقدسة. تعالوا ودعونا نرى ماذا قالت جماعة الأنبياء القديسين بخصوص هذا الموضوع، وما هي التصريحات التي أعلنها رب الجنود بواسطتهم. إنه يقول عن أولئك الراقدين: “من يد الهاوية أُخلِّصهم، من الموت أفديهم، أين قوَّتك يا موت؟ أين شوكتكِ يا هاوية” (هو14:13س). أما بخصوص المقصود بقوة الموت وبشوكته أيضًا، فإن المبارك بولس قد علَّمه لنا بقوله: “ أما شوكة الموت فهي الخطية، وقوة الخطية هي الناموس ” (1كو56:15)، لأنه يقارن الموت بالعقرب، الذي شوكته هي الخطية، لأنه بسمه يقتل النفس، ويقول إن الناموس هو قوَّة الخطية. ويتعرض (القديس بولس) هو نفسه ثانية في موضع آخر ويقول: ” لم أعرف الخطية إلاَّ بالناموس” (رو7:7)، ” إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعدٍّ” (رو15:4). ولهذا السبب فإن المسيح أخرج أولئك الذين يؤمنون به من تحت سيادة الناموس الذي يدين، وقد أبطل أيضًا شوكة الموت، أي الخطية، وإذ قد أبطل الخطية، فإن الموت بالتالي ـ كنتيجة حتمية ـ قد بطل، لأنه نتج عنها وبسببها دخل الموت إلى العالم.

          وكما إنَّ الله قد أعطى الوعد: ” أُخلِّصهم من يد الهاوية ومن الموت أفديهم“، هكذا أيضًا فإن الأنبياء القديسين يتوافقون مع الأحكام الصادرة من فوق، لأنهم يكلموننا، ليس ” برؤيا قلبهم، ولا من مشيئة إنسان، ولكن من فم الله” (انظر إر26:23) كما هو مكتوب، طالما أنَّ الروح القدس هو الذي يتكلَّم فيهم (انظر 2بط21:1) هو الذي يُعلن في كل أمر ما هو حكم الله وما هى مشيئته المقتدرة وغير القابلة للتغيير. لذلك يقول لنا إشعياء النبى: ” تحيا أمواتك، وأولئك الذين في القبر سيقومون، والذين في الأرض سيبتهجون، لأن طلَّك هو شفاء لهم” (إش19:26س). وأنا أعتقد أنَّ النبي يقصد بالطلِّ قوة الروح القدس المحيية، وذلك التأثير الذي يلاشي الموت، لأنه قوَّة الله وقوَّة الحياة.

 

          ويقول أيضًا داود المبارك في موضع ما في المزامير عن كل ما على الأرض: ” تنزع روحهم فيموتون وإلى ترابهم يعودون، تُرسِل روحك فيُخلقون وتجدد وجه الأرض” (مز29:103س). هل تسمع أنَّ نعمة الروح القدس العاملة والمحيية سوف تُجدِّد وجه الأرض، ويقصد بوجه الأرض جمالها، ويُفهم بذلك أنَّ جمال الطبيعة البشرية سوف يكون على غير فساد، لأنه مكتوب: ” يُزرع في فساد ويُقام في عدم فساد، يُزرع في ضعف ويُقام في قوة، يُزرع في هوان ويُقام في مجد” (1كو42:15و43). ومرة أخرى فإن النبى إشعياء يؤكد لنا أنَّ الموت الذي دخل بسبب الخطية لا يحتفظ بقوَّته على ساكني الأرض إلى الأبد، ولكنه يتلاشى بقيامة المسيح من بين الأموات، وهو الذي يُجدِّد العالم ويعيد تشكيله إلى ما كان عليه في البداءة، كما هو مكتوب: ” لأن الله خلق جميع الأشياء لعدم فساد” (حكمة14:1). فالنبى إشعياء يقول: ” يبلع الموت بعد أن قوى جدًّا، ويمسح الرب الدموع عن كل الوجوه، وينزع عار الشعب عن كل الأرض” (إش8:25س). والآن هو يُسمِّي الخطية عار الشعب، وهذه عندما تُبطل، فإن الموت أيضًا يُبطل معها، والفساد يتلاشى، وإذ يأتى به إلى نهاية، فإنه ينزع الدموع من الجميع، والنوح أيضًا ينتهي، فلا يكون للناس سبب فيما بعد يجعلهم يبكون وينوحون.

 

          هذا يكفي لبحثنا بخصوص تفنيد كُفر اليهود. ولكن دعنا نرى أيضًا ماذا قال المسيح لهم: أبناء هذا الدهر يُزوِّجون ويُزوَّجون، أما أولئك الذين عاشوا حياة كريمة ومختارة وممتلئة من كل سمو، وقد حُسبوا أهلاً أن يبلغوا قيامة مجيدة ورائعة، فهم بالضرورة يرتفعون فوق الحياة التى يحياها أبناء هذا الدهر، لأنهم سيعيشون كما يليق بقديسين قريبين لله، فهم يكونون مثل الملائكة وهم أبناء الله. وحيث إنه يكون قد انتُزع منهم كل شهوة جسدية، ولم يعد يوجد موضع باقٍ فيهم للذة الجسدية، فإنهم يشبهون الملائكة القديسين، وهم يُكملون خدمة روحانية وليست مادية ـ كما يليق بالأرواح المقدسة، وفى نفس الوقت يكونون مستحقين لمِثل هذا المجد الذي تتنعم به الملائكة.

 

          وقد أظهر المخلِّص أيضًا جهل الصدوقيين العظيم بأن استشهد لهم بمعلم أقداسهم موسى، الذي كان مطلعًا جيدًا على أمر القيامة من الأموات. فإنه يضع أمامنا الله الذي يقول من العليقة: ” أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب” (خر6:3). ولكن لمن يكون إلهًا إذا كان بحسب ادعائهم إنَّ هؤلاء لم يعودوا أحياء؟ فهو إله أحياء. لذلك فبالتأكيد ـ وبكل ما في الكلمة من معنى ـ سوف يقومون عندما تقيمهم يمينه المقتدرة، وليس هم فقط، بل أيضًا جميع الذين على الأرض.

          أما القوم الذين لا يؤمنون بأن هذا سوف يحدث، فإنه يليق بهم جهالة الصدوقيين، وهم لا يستحقون على الإطلاق (أن يُحسبوا ضمن) أولئك الذين يُحبون المسيح. أما نحن فنؤمن بالقائل: ” أنا هو القيامة والحياة” (يو25:11). لأنه سوف يقيم الأموات “ في لحظة، في طرفة عين، عند البوق الأخير، فإنه سيبوَّق، والأموات في المسيح سوف يقومون في عدم فساد، ونحن نتغير” (1كو52:15)، لأن المسيح مخلِّصنا جميعًا سوف ينقلنا إلى عدم فساد وإلى مجد وإلى حياة غير مضمحلة، هذا الذي به ومعه يليق التسبيح والسلطان لله الآب مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

[1] بناء على قول الرسول ” المسيح قام من الأموات وصار باكورة الراقدين ” (1كو20:15).

قيامة الأموات – إنجيل لوقا 20 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

دفع الجزية لقيصر – إنجيل لوقا 20 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

دفع الجزية لقيصر – إنجيل لوقا 20 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

دفع الجزية لقيصر – إنجيل لوقا 20 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو19:20ـ26): ” فَطَلَبَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ أَنْ يُلْقُوا الأَيَادِيَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَلَكِنَّهُمْ خَافُوا الشَّعْبَ لأَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ قَالَ هَذَا الْمَثَلَ عَلَيْهِمْ. فَرَاقَبُوهُ وَأَرْسَلُوا جَوَاسِيسَ يَتَرَاءَوْنَ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ لِكَيْ يُمْسِكُوهُ بِكَلِمَةٍ حَتَّى يُسَلِّمُوهُ إِلَى حُكْمِ الْوَالِي وَسُلْطَانِهِ. فَسَأَلُوهُ: يَا مُعَلِّمُ نَعْلَمُ أَنَّكَ بِالاِسْتِقَامَةِ تَتَكَلَّمُ وَتُعَلِّمُ وَلاَ تَقْبَلُ الْوُجُوهَ بَلْ بِالْحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ. أَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعْطِيَ جِزْيَةً لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟. فَشَعَرَ بِمَكْرِهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي؟. أَرُونِي دِينَارًا. لِمَنِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟ فَأَجَابُوا: لِقَيْصَرَ. فَقَالَ لَهُمْ: أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ. فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ بِكَلِمَةٍ قُدَّامَ الشَّعْبِ وَتَعَجَّبُوا مِنْ جَوَابِهِ وَسَكَتُوا “.

 

          ها مرة أخرى تشتعل عُصبة الفريسيين بغضب غير مكبوح، وهم يُصوِّبون قوس حسدهم ويُصرُّون بأسنانهم على هذا الذي يدعوهم إلى الحياة، وهاهم يهاجمون بوحشية هذا الذي يسعى أن يُخلِّص، والذي أخلى نفسه من مجد الألوهية العالي جدًّا ونزل إلى حالتنا، وها هم يتآمرون على موته، هذا الذي صار إنسانًا لكي يُبطِل الموت. والسبب الوحيد الذي منع جسارتهم الوقحة يُوضِّحه لنا الإنجيلي الحكيم بقوله: ” إنهم خافوا الشعب“. لقد فهم أنه لا توجد عندهم أى مشاعر تقوى نحو الله يمكن أن تضبطهم. والوصية التى أُعطِيَت بواسطة موسى والتى تقول بوضوح:” لا تقتل البريء والبار” (خر3:23) لا تضع لجامًا يمنع عنفهم، إذ هم يراعون مخافة الناس أكثر من مخافة الله.

          ولكن ما هو السبب الذي جعلهم يفسحون مجالاً لمثل هذا الغضب الشديد والعنيف؟ يقول (الكتاب): ” إنهم عرفوا أنه قال هذا المثل عليهم“. وما هو المثل؟ واضح أنه المثل الذي أظهر فيه أنهم بسبب كونهم كرَّامين أشرار وغير أمناء، فإنهم استهزءوا بالأنبياء القديسين وذبحوهم، هؤلاء الذين أُرسلوا إليهم من الله لكي يحثُّوهم على إكرامه بأن يعطوا ثمارًا روحية وافرة، وبالمِثل فإنهم هكذا عملوا بالابن نفسه رب الكرم، لأنهم قتلوه أيضًا قائلين: ” هذا هو الوارث هلمُّوا نقتله لكي يصير لنا الميراث“. ولكنهم أخطئوا وأثاروا غضب الله عليهم، وقاوموا الشرائع التى من فوق وجلبوا على أنفسهم الغضب الإلهى، وبسبب أنهم أشرار، فقد هلكوا هلاكًا رديًّا ورُفضوا من أن يكونوا كرَّامين، وأُعطىَ الكرم لآخرين. كان هذا هو السبب الذي من أجله تذمَّروا ضد المسيح، ومع ذلك، ألم يكن من واجبهم أن يهربوا من الغضب وأن يتجنَّبوا شراكه، بعد أن عرَّفهم المسيح بما سوف يحدث؟

 

          لقد كان الطريق أمامهم ممهَّدًا وسهلاً لكي يفعلوا هذا. كان عليهم أن يقبلوا الذي يدعوهم إلى الخلاص، وأن يكرِّموا بالإيمان ذاك الذي يُبرِّر الفاجر، الذي يغفر ويحل من كل إثم، وبنعمته التى لا تذكر الشر، يُخلِّص أولئك الواقعين في شراك الخطايا.

 

          أما هؤلاء القوم المجترئون القساة، إذ كانوا متأهِّبين للشر فقط، فلم يبدوا أية رغبة نحو التوبة والرجوع، ولكن بذهنهم المملوء بمكر الشيطان، لجأوا إلى المكائد الشريرة. لقد أخذوا يحيكون شراكًا للمسيح ويخترعون مصيدة ليجدوا علة ضده، ويجمعون حججًا ليتهموه كذبًا، وفى مرارة حقدهم بدأوا يُجهِّزون الكلمات الكاذبة التى نطقوها ضده أمام بيلاطس.

 

          هؤلاء الناس ينتحلون لأنفسهم سمعة الصلاح ويتظاهرون بأنهم أبرار، كمن يستعير قناعًا، بينما هم في الحقيقة أشرار عادمو الأخلاق، وقلبهم ممتلئ من المرارة والإثم وكل كلام كذب. لقد تظاهروا بأنهم أبرار ولطفاء، وتخيَّلوا أنه يمكنهم أن يخدعوا هذا الذي يعرف الأسرار والخفايا، وذلك عندما أضمروا هدفًا معيَّنًا في الفكر والقلب، بينما هم ينطقون بكلمات مخالفة تمامًا لقصدهم، كلمات تخفى وراءها مكرهم الشرير. ربما يكونون قد نسوا الله الذي يقول: ” من ذا الذي يخفى قصده ويغلق على كلماته في قلبه ويظن أنه يخبأها عنِّي؟” (أى3:42س). كما يقول سليمان: ” الهاوية والهلاك مكشوفان أمام الرب، كم بالحري أفكار الناس” (أم11:15س). ولكنك تقترب من المسيح مخلِّص الجميع كما لو كان مجرد إنسان عادي، لذلك فإنك تظن أنك يمكنك أن تخدعه، كان هذا هو سبب تصرفك الأحمق، لكن كان من الأفضل أن تفكر مليًا أن الكلمة وهو الله قد صار في هيئة بشرية مثلنا، وقد تبرهن بالمعجزات الإلهية والفائقة الوصف وبواسطة مجده الإلهى أنه ليس مجرد إنسان فقط مثلك بل هو إله، كما أظهَرَت ذلك أعماله المجيدة. لقد كان في المظهر إنسانًا مثلنا، ولكنه وهب النظر للعميان، أقام الموتى من قبورهم، وأمر أولئك الذين قد اضمحلوا (بالموت) أن يسرعوا إلى الحياة. لقد انتهر البحار وظهر للتلاميذ ماشيًا على الأمواج حينما كانوا يبحرون في بحيرة طبرية، لقد كان في مقدورهم أن يروا من الحقائق الفعلية أنه لم يكن مجرد إنسان، بل بالأحرى هو إله كما أنه إنسان أيضًا.

          ولكنهم لم يقبلوا هذا (الإيمان) في قلوبهم، كيف يمكنهم هذا؟ بل إنهم اقتربوا منه وجرَّبوه مُخفين عنه غرضهم المخادع. وهاهم يخاطبونه بكلمات رقيقة، وهم مثل وحوش كاسرة في ثياب حملان. إن مثل هؤلاء هم الذين يوبخهم داود النبى بقوله: “كلماتهم ألين من الزيت وهى سيوف مسلولة” (مز21:54س)، وأيضًا ” لسانهم يخترق مثل طرف سهم حاد، كلمات فمهم خادعة، يتكلم بالسلام لقريبه وفى قلبه يضمر عداوة” (إر8:9س) ولكن ماذا يقولون؟ ” يا مُعلِّم، نعلم أنك بالاستقامة تتكلم وتُعلِّم ولا تقبل الوجوه، بل بالحق تُعلِّم طريق الله، أيجوز أن نعطي جزية لقيصر أم لا؟” آه من مكرهم الدنس! لأن إله الجميع أراد لبني إسرائيل أن يُعفوا من تسلُّط البشر عليهم، ولكن لأنهم داسوا تحت أقدامهم الوصايا الإلهية، واحتقروا تمامًا الأوامر التى أُعطِيَت لهم، ولجأوا إلى المكائد والحيل، فإنهم سقطوا تحت يد أولئك الذين تسلَّطوا عليهم في ذلك الوقت، الذين فرضوا عليهم الجزية والضريبة ونير العبودية القاسي. وإن النبي إرميا يرثى أورشليم كما لو كانت بالفعل قد عانت من هذا المصير بقوله: ” كيف جلست المدينة الكثيرة الشعب وحيدة، السيدة في البلدان صارت تحت الجزية!” (مراثى1:1س).

 

          لذلك فقد كان هدفهم من هذا (كما يقول الإنجيل)، ” أن يُسلِّموه إلى حُكم الوالي“، لأنهم توقعوا أن يسمعوه يقول: ” بالتأكيد إنه لا يجوز أن تُعطى جزية لقيصر”. ولكن كيف تغلَّب المسيح على مكرهم؟ قال لهم: ” أرونى دينارًا“، ولما أروه إياه سأل أيضًا: ” لمن الصورة والكتابة التى عليه؟” فأجابوا وقالوا: “لقيصر”، وبماذا أجاب المسيح على ذلك؟ “ قال لهم، أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله“، لأن الحُكَّام القائمين على حكم الشعوب، من عملهم أن يفرضوا ضريبة من المال على رعاياهم، أما الله فلا يبغى شيئًا من الأشياء القابلة للفساد، الزائلة، ولكن يريد بالأحرى، الطاعة والخضوع، يريد الإيمان والمحبة والرائحة الحلوة التى للأعمال الحسنة. كان من الواجب على بنى إسرائيل أن يُقدِّموا هذه الأشياء للرب، ولكنهم كانوا مهملين ويزدرون بهذه الأمور ويحتقرونها، كما كانوا مستعدين أن يذهبوا بأنفسهم إلى كل ما هو وضيع.

 

          لذلك فقد تعجبوا من إجابته، وكان هذا أمام جميع الشعب، أي أمام شهود كثيرين، ومع ذلك ـ وكأنهم قد تناسوا هذه الأمور ـ فعندما قادوا يسوع إلى بيلاطس فإنهم أتوا بنفس هذا الاتهام عليه، لأنهم قالوا: ” وجدنا هذا الرجل يُفسد الأمة ويمنع أن تُعطى جزية لقيصر” (لو2:23). إنك تتعجب من إجابته، ولا يمكنك أن تخدعه، لقد رجعتَ خازيًا، وكيف جعلتَ شرّك نفسه نقطة اتهام ضده؟ ماذا قال المُخلِّص عنهم بصوت المرنم: ” لأنهم بلا سبب أخفوا لي هلاك شبكتهم، بلا سبب عيَّروا نفسي، لتأتهم التهلكة وهم لا يعلمون، ولتمسكهم الشبكة التى أخفوها لي وليقعوا في فخهم نفسه” (مز7:34و8س). إنهم حقًّا سقطوا، إذ لما سلموا يسوع إلى بيلاطس فإنهم هم أنفسهم سلموا أنفسهم للهلاك، وأهلكهم العدو الرومانى بالنار والسيف وأحرق كل أرضهم، حتى الهيكل المجيد الذي كان بينهم (صار خرابًا).

          كان هذا مجازاة تصرفهم الأثيم نحو المسيح، فلنتحاش بحرص هذه الخطايا، وأن نُكرم بالإيمان كلمة الله، الذي من أجلنا صار إنسانًا، وأن نكون مجتهدين في تعظيمه بتسابيح لا تنقطع، الذي به ومعه يليق التسبيح والسلطان لله الآب مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

دفع الجزية لقيصر – إنجيل لوقا 20 ج4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version