عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

 

عظة للقديس كيرلس عمود الدين

عظة 142

عشاء الرب

(تأسيس سر الإفخارستيا)

لوقا17:22ـ22

” ثم تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه واقتسموها بينكم، لأني أقول لكم إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتى ملكوت الله، وأخذ خبزًا وشكر وكسَّر وأعطاهم قائلاً: هذا هو جسدي الذي يُبذل عنكم. اصنعوا هذا لذكرى. وكذلك الكأس أيضًا بعد العشاء قائلاً: هذه الكأس هى للعهد الجديد بدمى الذي يُسفك عنكم، ولكن هوذا يد الذي يسلمني هي معي على المائدة، وابن الإنسان ماضٍ كما هو محتوم، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي يُسلِّمه!”.

 

          إنه أمر يملأنا بكل بركة أن نصير شركاء المسيح بالذهن وبالحواس، لأنه يحلّ فينا، أولاً، بالروح القدس، فنصير نحن مسكنه، بحسب ما قاله فى القديم أحد الأنبياء القديسين: ” لأني سأسكن فيهم وأقودهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لى شعبًا ” (حز27:37س).

 

          لكنه هو أيضًا يحلّ داخلنا بطريقة أخرى بواسطة مشاركتنا فى قربان التقدمات غير الدموية التى نحتفل بها فى الكنائس؛ إذ قد تسلّمنا منه النموذج الخلاصى للطقس مثلما يرينا بوضوح الإنجيلى المبارك في النص الذي قرأناه منذ قليل، فهو يخبرنا أنه: ” تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه اقتسموها بينكم “. وبتقديمه الشكر ـ الذي يُقصد به التحدث مع الله الآب فى صيغة صلاة، فإنه يعنى بالنسبة لنا أنه ـ إن جاز القول ـ يشارك ويساهم مع الآب فى مسرته الصالحة فى منحه لنا البركة المحيّية التى أُسبغت علينا حينئذ، لأن كل نعمة وكل موهبة تامة تأتى إلينا من الآب بالابن فى الروح القدس. وإذن فهذا العمل كان نموذجًا لنا لكي نستخدمه فى الصلاة التى ينبغى أن تُقدم، كلما بدأنا أن نضع أمامه نعمة “التقدمة السرية المحيية”[1]، وتبعًا لذلك فإننا اعتدنا أن نفعل هذا، لأننا إذ نقدم أولاً تشكراتنا، مقدمين تسابيحنا لله الآب ومعه الابن والروح القدس، فإننا نقترب هكذا من الموائد المقدسة مؤمنين أن ننال حياة وبركة؛ روحيًا وجسديًا، لأننا نستقبل فى داخلنا كلمة الاب الذي صار إنسانًا لأجلنا، والذي هو الحياة ومعطى الحياة.

 

          لذلك فلنسأل على قدر استطاعتنا، ما هو الرأى الذي نعتقد به عن هذا السر؟ لأنه واجب علينا أن نكون “ مستعدين لمجاوبة كل من يسألنا عن سبب الرجاء الذي فينا” كما يقول الحكيم بطرس (1بط15:3). لأن ” إله الكل خلق كل الأشياء للخلود، وبدايات العالم كانت حياة، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم ” (حكمة24:2)، فقد كانت تلك الحيَّة المتمردة هى التى قادت الإنسان الأول إلى تعدّى الوصية وإلى العصيان، والتى بواسطتها سقط تحت اللعنة الإلهية، وفى شبكة الموت، فقد قيل له: ” لأنك تراب وإلى التراب تعود ” (تك19:3). فهل كان من الصواب أن ذلك الذي خُلق للحياة والخلود، يصير مائتًا ومحكومًا عليه بالموت بدون أية إمكانية للهروب؟ هل ينبغى أن يكون حسد إبليس أكثر قوة وثباتًا من إرادة الله؟ ليس الأمر هكذا؛ بل إن حسد إبليس قد أخفق تمامًا؛ ورحمة الخالق قد فاقت النتائج الشريرة لخبثه. فقد أعطى الله معونة لأولئك الذين على الأرض. فماذا إذن كانت الطريقة التى ساعدهم بها؟ إنها طريقة عظيمة بالحق ورائعة وجديرة بالله، نعم، جديرة لأقصى درجة بالعقل الأعلى (بالله). لأن الله الآب هو حياة بطبيعته؛ ولكونه هو وحده حياة، فقد جعل الابن الذي هو أيضًا حياة، أن يضيء ويشرق. لأنه لا يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك مع ذاك الذي هو الكلمة الذي صدر جوهريًا من الحياة، لأنه يلزم ـ أقول يلزم ـ أن يكون هو نفسه أيضًا حياة، لكونه هو الذي نبع من الحياة، نبع من ذاك الذي وَلَده.

 

          لذلك فإن الله الآب يُعطى الحياة لكل الأشياء بالابن فى الروح القدس؛ وكل ما يوجد ويتنفس فى السماء وعلى الأرض، إنما يأخذ وجوده وحياته من الله الآب بالابن فى الروح القدس. لذلك، لا طبيعة الملائكة ولا أى شئ آخر مهما كان، ممّا هو مخلوق، ولا أى شئ جاء من عدم الموجود إلى الوجود، يمتلك حياة (فى ذاته) كثمرة لطبيعته الخاصة؛ بينما على العكس، فالحياة تنشأ ـ كما قلت ـ من الجوهر الذي يفوق الكلّ، وهو أمر خاص به وحده أن تكون له القدرة على إعطاء حياة، وذلك بسبب أنه هو بالطبيعة الحياة.

 

          إذن، فكيف يمكن للإنسان على الأرض، الذي هو ملتحف بالموت أن يعود إلى عدم الفساد (عدم الفناء)؟. أجيب بأنه يلزم لهذا الجسد المائت أن يُصيّر شريكًا للقوة المحيّية التى تأتى من الله. لكن قوة الله الآب المحيّية هى الكلمة الوحيد الجنس، وهو الذي أرسله لنا (الآب) كمخلص ومحرر. أما كيف أرسله لنا، فهذا ما يخبرنا به بوضوح يوحنا الإنجيلى المبارك عندما يقول: ” والكلمة صار جسدًا وحل فينا” (يو14:1). لكنه صار جسدًا دون أن يخضع لأى تغيّر أو تحوّل إلى ما لم يكونه، ودون أن يتوقف عن أن يكون هو الكلمة ـ لأنه لا يعرف ما معنى أن يعانى ظل تغيير، بل بالحرى بكونه وُلِدَ بالجسد من امرأة وأخذ لنفسه ذلك الجسد منها، لكيما إذ قد غرس نفسه فينا باتحاد لا يقبل الانفصال، يمكنه أن يرفعنا فوق سلطان الموت والانحلال كليهما معًا. وبولس هو الشاهد لنا، حيث يقول عنه وعنا: ” فإذ قد تشارك الأولاد فى اللحم والدم اشترك هو أيضًا كذلك فيهما، لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أى إبليس، ويُعتق أولئك الذي خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية، لأنه حقًا ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم، من ثمّ كان ينبغى أن يشبه إخوته فى كل شئ ” أى يشبهنا (عب14:2ـ17). لأنه صار مثلنا، وكسى ذاته بجسدنا، لكيما بإقامته إياه (الجسد) من الموت، يعد ـ من الآن فصاعدًا ـ طريقًا يمكن به للجسد الذي وُضع (أُذل) حتى الموت، أن يعود من جديد إلى عدم الفساد (عدم الفناء). لأننا متحدون به مثلما كنا أيضًا متحدين بآدم، عندما جلب على نفسه عقوبة الموت. وبولس يشهد لهذا، إذ كتب هكذا فى أحد المرات:” فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات” (1كو21:15) ويقول أيضًا: “ لأنه كما فى آدم يموت الجميع، هكذا فى المسيح سَيُحيا الجميع” (1كو22:15). لذلك فإن الكلمة، إذ وحَّد مع ذاته ذلك الجسد الذي كان خاضعًا للموت، فلكونه الله والحياة، فقد طرد منه الفساد (الانحلال)، وجعله أيضًا يصير مصدر الحياة؛ لأنه هكذا ينبغى أن يكون جسد ذاك الذي هو الحياة.

 

          ولا تكونوا غير مصدقين لما قلته، بل بالحري اقبلوا الكلمة بإيمان بعد أن جمعتُ براهين من أمثلةٍٍ قليلة. عندما تطرحون قطعة خبز فى خمر أو زيت أو أى سائل آخر، فستجدون أنها صارت تحمل خاصية ذلك السائل الخاص، وعندما يوضع الحديد فى النار، فإنه يصير ممتلئًا بكل فاعليتها؛ وبينما هو بالطبيعة حديد، لكنه يعمل بقوة النار. وهكذا كلمة الله المحيى، إذ قد وحَّد نفسه بجسده الخاص بطريقة معروفة لديه (فقط)، فقد منحه قوة إعطاء الحياة. وهو نفسه يؤكد لنا هذا بقوله: ” الحق أقول لكم من يؤمن بى فله حياة أبدية، أنا هو خبز الحياة ” (يو47:6،48) وأيضًا: ” أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء، إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطى هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم. الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير، لأن جسدى مأكلٌ حقٌ، ودمى مشربٌ حقٌ، من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فىَّ وأنا فيه. كما أرسلني الآب الحي وأنا حي بالآب، فمن يأكلنى فهو يحيا بى” (يو53،51:6ـ57). لذلك عندما نأكل الجسد المقدس الذي للمسيح مخلصنا جميعًا، ونشرب دمه الثمين، تكون لنا حياة فينا، بكوننا جُعلنا واحدًا معه، كائنين فيه ومقتنين له أيضًا فينا.

 

          لا تدعو أحدًا من أولئك الذين اعتادوا عدم التصديق أن يقول: ” إذن، حيث إن كلمة الله لكونه بالطبيعة الحياة، وهو يقيم أيضًا فينا، فهل جسد كل واحد منّا سيُمنح أيضًا القوة لإعطاء الحياة؟ من يقول ذلك فليعلم بالأحرى أنه شئ مختلف تمامًا، بين أن يكون الابن فينا بمشاركة نسبية، وبين أن يصير هو نفسه جسدًا؛ أى أن يجعل ذلك الجسد الذي أُخذ من العذراء القديسة خاصًا له (أى يجعله جسده الخاص). لأنه لا يُقال عنه إنه صار متجسدًا، أو صار جسدًا، بوجوده فينا، بل بالحري فإن هذا حدث مرة واحدة عندما صار إنسانًا دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. لذلك فإن جسد الكلمة كان هو ذاك الذي اتخذه لنفسه من العذراء القديسة وجعله واحدًا معه؛ أما كيف أو بأية طريقة حدث هذا، فهو أمر آخر لا يمكننا أن نخبر به، لأنه أمر غير قابل للشرح ويفوق تمامًا قدرات العقل، وكيفية هذا الاتحاد هى معروفة له هو وحده فقط.

 

          لذلك، كان يليق به أن يكون فينا إلهيًا بالروح القدس، وكذلك أيضًا ـ إن جاز القول ـ يمتزج بأجسادنا بواسطة جسده المقدس ودمه الثمين، اللذين نقتنيهما أيضًا كإفخارستيا معطية للحياة فى هيئة الخبز والخمر، إذ، لئلا نرتعب برؤيتنا جسدًا ودمًا (بصورة حسية) فعلية، موضوعين على الموائد المقدسة فى كنائسنا، فإن الله إذ وضع (أنزل) ذاته إلى مستوى ضعفاتنا، فإنه يسكب فى الأشياء الموضوعة أمامنا قوة الحياة، ويحوّلها إلى فاعلية جسده، لكيما نأخذها لشركة معطية للحياة، وكى يوجد فينا جسد (ذاك الذي هو) الحياة، كبذرة تنتج حياة. ولا تشك فى أن هذا حقيقى، حيث إنه هو نفسه قال بوضوح: ” هذا هو جسدى، هذا هو دمى“، بل بالحري إقبل كلمة المخلص بإيمان، لأنه هو لكونه الحق، فلا يمكنه أن يكذب. وهكذا سوف تكرِّمه، لأنه كما يقول يوحنا الحكيم جدًا: “من قِبل شهادته فقد ختم أن الله صادق، لأن الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله” (يو34،33:3). لأن كلام الله هو طبعًا صادق ولا يمكن أبدًا أن يكون كاذبًا؛ لأنه وإن كنا لا نفهم بأية طريقة يعمل الله مثل هذه الأعمال، لكن هو نفسه يعرف طريقة (عمل) أعماله. لأنه عندما لم يفهم نيقوديموس كلمات الرب المختصة بالمعمودية المقدسة وقال بجهل: ” كيف يمكن أن يكون هذا؟” (يو9:3)، فإنه سمع المسيح يجيب قائلاً: ” الحق أقول لك إننا إنما نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا ولستم تقبلون شهادتنا، إن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون، فكيف تؤمنون إن قلت لكم السماويات؟ ” (يو11:3،12) لأنه كيف يمكن لإنسان أن يعرف تلك الأشياء التى تعلو على قدرات إدراكنا وعقلنا؟ لذلك، فلنكرّم سرّنا الإلهي هذا، بالإيمان….

          (ممجدين المخلص) الذي به ومعه يليق لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الهدور آمين.

 

3 هذا التعبير يستخدمه الآباء كثيرًا عن الإفخارستيا .

 

عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

 

عظة للقديس كيرلس عمود الدين

عظة 141

تُقرأ يوم الخميس فى أسبوع السر[1]

لوقا7:22ـ16

” وجاء يوم الفطير الذي ينبغي أن يُذبح فيه الفصح، فأرسل بطرس ويوحنا قائلاً اِذهبا وأعدا لنا الفصح لنأكل، فقالا له أين تريد أن نعد؟ فقال لهما إذا دخلتما المدينة يستقبلكما إنسان حاملٌ جرة ماء، اتبعاه إلى البيت حيث يدخل وقولا لرب البيت يقول لك المعلم أين الغرفة التى آكل فيها الفصح مع تلاميذى؟ فيريكما عِلِّيَّة كبيرة مفروشة؛ هناك أعدا، فانطلقا ووجدا كما قال لهما. فأعدا الفصح”.

        ولما كانت الساعة جلس للأكل والاثنا عشر رسولاً معه، وقال لهم: شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم. لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله”.

 

          إن الناموس بظلاله سبق فأشار منذ القديم إلى سر المسيح؛ والمسيح نفسه يشهد عن هذا عندما قال لليهود: ” لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوننى لأنه هو كتب عنى ” (يو46:5)، ففى كل موضع (فى الناموس) توضح الظلال والمثالات لنا، المسيح مذبوحًا لأجلنا “كالحمل” الذي بلا عيب حقًا، كما توضحه مقدِّسًا إيانا بواسطة دمه المعطى الحياة..، وبالإضافة إلى ذلك فإننا نجد كلمات الأنبياء القديسين فى توافق تام مع كلمات موسى الحكيم جدًا، كما يقول بولس ” لكن لما جاء ملء الزمان ” (غل4:4)، الزمان الذي كان فيه كلمة الله الوحيد على وشك أن يخلى ذاته، وأن يحتمل الولادة بالجسد من امرأة ويخضع للناموس، بحسب القياس المناسب للطبيعة البشرية، وبعد ذلك قدم نفسه ذبيحة لأجلنا، مثل الحمل الذي بلا عيب حقًا، فى اليوم الرابع عشر من الشهر الأول. وهذا العيد كان يُدعى ” الفصح” (بصخة Pascha) وهى كلمة باللغة العبرية وتعنى العبور، لأنهم هكذا يفسرونها ويقولون إن هذا هو معناها.

          إذن يجب أن نشرح ما هو هذا الشيء الذي نعبر منه وما هو البلد الذي نسير نحوه، وبأى طريقة نحقق مسيرتنا، فإنه كما أن إسرائيل قد أُنقذ من طغيان المصريين وفك عنقه من نير العبودية وصار حُرًا، وإذ هرب من عنف الطاغية، فإنه عبر بأقدام جافة ـ بطريقة عجيبة يعجز اللسان عن وصفها ـ وسط البحر، وارتحل تجاه الأرض الموعود بها؛ هكذا نحن أيضًا الذين قبلنا الخلاص الذي فى المسيح، يجب علينا ألاّ نرضى بالبقاء بعد فى أخطائنا السابقة، وألاّ نستمر فى طرقنا الشريرة بل بشجاعة نعبر بحر اضطراب هذا العالم الباطل، وعواصفه. وهكذا فإننا نعبر من محبة الجسد إلى التعفف؛ من جهلنا السابق إلى معرفة الله الحقيقية؛ من الشر إلى الفضيلة؛ ونعبر بالرجاء من لوم الخطية إلى أمجاد البر؛ ومن الموت إلى عدم الفساد. لذلك فإن العيد الذي حمل فيه عمانوئيل صليب الخلاص لأجلنا يُسمى الفصح.

          لكن لننظر إلى الذي هو الحق والذي لا يزال يُكرّم بالرموز التى كانت تشير إليه، وهو لا يزال يسمح للظلال بأن تكون صادقة، إذ يقول النص: “ولما جاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يُذبح فيه الفصح “، فأرسل للمدينة تلميذين مختارين من الرسل القديسين، وهما بطرس ويوحنا قائلاً : “سوف يستقبلكما إنسان حامل جرة ماء، اتبعاه إلى البيت حيث يدخل، وقولا لرب البيت: يقول لك المعلم أين الغرفة التى آكل فيها الفصح مع تلاميذى؟“. لكن ربما يقول أحدهم، لماذا لم يذكر لهما بوضوح اسم الرجل الذي أرسلهما إليه؟ لأنه لم يقل: عندما تمضون إلى فلان أو فلان ـ وهناك أعدا الفصح فى بيته، لكن فقط أعطاهما علامة ـ ” إنسان حامل جرة ماء“. فبماذا نجيب على هذا الكلام؟ انظروا! فإن يهوذا الخائن كان قد سبق فوعد اليهود أن يسلمه لهم، وكان مستمرًا فى صحبته (للمسيح) يرقب فرصة ليسلمه، وبينما كان لا يزال يعلن الحب الواجب من التلميذ لمعلمه فإنه قد سمح للشيطان أن يدخل قلبه، وكان يتمخض بجريمة القتل ضد المسيح مخلصنا جميعًا. لذلك أعطى المسيح علامة (للتلميذين) لكي يمنعه من معرفة من هو ذاك الشخص، فيسرع يهوذا ليخبر أولئك الذين استأجروه. لذلك قال: “يستقبلكما إنسان حامل جرة ماء“.

          أو ربما يتكلم المسيح هكذا ليشير بهذا إلى سر مهم، لأنه حيث تدخل المياه ـ أى المعمودية المقدسة ـ فهناك يسكن المسيح، كيف أو بأية طريقة؟ ذلك لأنها تحررنا من كل نجاسة، ونُغسل بواسطتها من أدناس الخطية، ولكي نصير أيضًا هيكلاً مقدسًا لله وشركاء فى طبيعته الإلهية بشركة الروح القدس. لذلك فلكي يستريح المسيح ويقيم فينا، فلنقبل المياه الخلاصية معترفين أيضًا بالإيمان الذي يبرر الأثيم. ولكى يرفعنا عاليًا لكى ما نُحسب عِلِّيَّة، لأن أولئك الذين يسكن فيهم المسيح بالإيمان لهم ذهن مرتفع عاليًا، يبغض الزحف على التراب، ويرفض الالتصاق بالأرض، وفى كل شئ يطلب ما هو سامٍ فى الفضيلة، لأنه مكتوب:” لأن أعزاء الله قد ارتفعوا عاليًا (فوق الأرض)” (مز9:46س)، لأن ليس لهم هنا مدينة باقية لكنهم يطلبون العتيدة (انظر عب14:13)، وبينما هم يسيرون على الأرض، فإنهم يفكرون فى تلك الأمور التى فوق، وسيرتهم (مدينتهم) هى فى السماء (انظر فى20:3).

          يمكننا أيضًا أن نلاحظ أمرًا صحيحًا وعجيبًا، يحدث دائمًا بيننا؛ وأعنى به أن من يقدرون حياتهم الجسدانية كثيرًا، عادةً يكونون منتفخين وقلوبهم مملوءة من الكبرياء الملعونة والمكروهة من الله؛ لكن مع ذلك ربما يؤتى بهم إلى الانكسار (فيما بعد) وهم لا يزالون على الأرض؛ بينما أولئك المساكين بالروح ينالون الرفعة بواسطة الكرامة والمجد اللذين يأتيان من الله. كما يكتب تلميذ المسيح قائلاً: ” ليفتخر الأخ المتضع بارتفاعه، وأما الغنى فباتضاعه لأنه كزهر العشب يزول ” (يع9:1،10). لذلك لا يخطئ من يقول إن نفس كل قديس هي ” عِلِّيَّة “.

          بعد ذلك لما أعدّ التلاميذ الفصح، أكل المسيح معهم، ولكونه طويل الأناة مع الخائن، فإنه تفضل بقبوله على مائدة الفصح بدافع شفقته المملوءة حبًا وغير المتناهية؛ لأن يهوذا كان قد صار خائنًا إذ أن الشيطان كان ساكنًا فيه. وقال المسيح أيضًا لرسله القديسين: ” شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم“. لنفحص المغزى العميق لهذا التعبير، ولنفتش عن المعنى المختفي فيه، وما الذي كان يقصده المخلّص.

لذلك حيث إننى سبق أن قلت إن التلميذ الطمّاع كان يطلب فرصة ليسلمه، ولكي لا يسلمه لقاتليه قبل عيد الفصح، فإن المخلّص لم يعلن لا عن البيت ولا عن الشخص الذي سيحتفل عنده بالعيد، ولكى يشرح لهم سبب عدم رغبته فى أن يصرّح له علانية باسم من سيذهب عنده، قال لهم: ” شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم“؛ وكأنه يقول: إننى اجتهدت بكل حذر لكى أتمكن من الإفلات من خبث الخائن، لكيلا احتمل آلامى قبل وقتها.

          ” ولكنى لا آكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله“. وبهذا الكلام أيضًا ينطق المسيح بحقيقة عميقة وسرية، لكن هو نفسه يكشف معناها لنا لأن من عادته أن يطلق اسم “ملكوت السماوات” على ” التبرير بالإيمان”، وعلى التطهير الذي يتم بالمعمودية المقدسة وشركة الروح القدس وعلى تقديم العبادة الروحية التى صارت الآن ممكنة بالدخول فى وصايا الإنجيل. لكن هذه الأشياء هى الوسائط التى تجعلنا شركاء فى المواعيد وفى المُلك مع المسيح؛ لذلك يقول: لن اقترب من مثل هذا الفصح بعد ذلك، أي ذلك الفصح الذي يتكون من أكل رمزى ـ لأن حملاً من القطيع ذُبح ليكون مثالاً للحمل الحقيقى (ويكمل) ” حتى يكمل فى ملكوت الله “، أى إلى حين مجيء الوقت الذي فيه يُكرز بملكوت السماوات. لأن هذا يتحقق فينا نحن الذين نكرّم العبادة التى هى أعلى من الناموس والتى هي الفصح الحقيقي، فالذي يُقدِّس الذين هم فى المسيح ليس خروفًا من القطيع، بل بالحرى المسيح نفسه (هو الذي يقدسهم)، الذي جُعِلَ “ذبيحة مقدسة” لأجلنا، “بتقديم قرابين” غير دموية، وتقديم “الشكر” السرى، الذي فيه ننال “البركة” ونُعطَى الحياة بالحياة[2]. لأنه هو صار لنا الخبز الحي الذي نزل من السماء والذي يعطى الحياة للعالم (انظر يو33:6، 50)، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان، مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

[1] يوصى القديس كيرلس الكبير أن تُقرأ هذه العظة يوم الخميس فى أسبوع السر، ويقصد الأسبوع الذي تحقق فيه سر الخلاص بتأسيس الإفخارستيا والصلب والقيامة.

[2] هذه الفقرة الهامة هى باللغة اليونانية كما يلي:

¢g…wj ƒerourgoÝmenoj di¦ tÁj mustikÁj eÙlog…aj, kaq’ ¿n eÙlogoÚmeqa kaˆ zwopoioÚmeqa.

إن الكلمة `Ierougšw ” يخدم فى خدمة مقدسة”،  هذه الكلمة هى كلمة رسولية واردة فى رومية16:15 (ƒerourgoàvta to euaggšlion) وتُرجمت فى طبعة دار الكتاب المقدس “مباشرًا لإنجيل الله ككاهن ” وترجمتها الدقيقة ” خادمًا فى الخدمة الكهنوتية لإنجيل الله ” . وكذلك الكلمة eÙlog…a = ” البركة ” كانت تُطلق فى العصور الأولى بصفة ثابتة على الإفخارستيا المقدسة بالاستناد إلى كورنثوس الأولى 16:10 ” كأس البركة to pot»rion thj eÙlog…aj”. إن استخدام هذه الكلمات يظهر العلاقة الوثيقة التكاملية بين الحياة الليتورجية للمسيحيين الأُول وبين فهمهم للكتب المقدسة. (هذه الملاحظات لمترجم النص الإنجليزى لتفسير إنجيل لوقا Payne Smith سنة 1859).

 

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

عشاء الرب – إنجيل لوقا 22 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عشاء الرب – إنجيل لوقا 22 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عشاء الرب – إنجيل لوقا 22 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو17:22ـ22): “ ثُمَّ تَنَاوَلَ كَأْسًا وَشَكَرَ وَقَالَ: خُذُوا هَذِهِ وَاقْتَسِمُوهَا بَيْنَكُمْ. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ حَتَّى يَأْتِيَ مَلَكُوتُ اللهِ. وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي. وَكَذَلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلاً: هَذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ. وَلَكِنْ هُوَذَا يَدُ الَّذِي يُسَلِّمُنِي هِيَ مَعِي عَلَى الْمَائِدَةِ. وَابْنُ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَحْتُومٌ وَلَكِنْ وَيْلٌ لِذَلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي يُسَلِّمُهُ!“.

 

          إنه أمر يملأنا بكل بركة أن نصير شركاء المسيح بالذهن وبالحواس معًا، لأنه يحل فينا، أولاً، بالروح القدس، فنصير نحن مسكنه، بحسب ما قاله في القديم أحد الأنبياء القديسين: ” لأني سأسكن فيهم وأقودهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا” (حز27:37س).

 

          لكنه هو أيضًا يحلُّ داخلنا بطريقة أخرى بواسطة مشاركتنا في قربان التقدمات غير الدموية التي نحتفل بها في الكنائس؛ إذ قد تسلَّمنا منه النموذج الخلاصي للطقس مثلما يرينا بوضوح الإنجيلي المبارك في النص الذي قرأناه منذ قليل، فهو يخبرنا أنه: ” تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه اقتسموها بينكم“. وبتقديمه الشكر ـ الذي يُقصد به التحدث مع الله الآب في صيغة صلاة، فإنه يعنى بالنسبة لنا أنه ـ إن جاز القول ـ يشارك ويساهم مع الآب في مسرته الصالحة في منحه لنا البركة المحيية التي أُسبغت علينا حينئذ، لأن كل نعمة وكل موهبة تامة تأتى إلينا من الآب بالابن في الروح القدس. وإذن فهذا العمل كان نموذجًا لنا لكي نستخدمه في الصلاة التي ينبغي أن تُقدَّم، كلما بدأنا أن نضع أمامه نعمة “التقدمة السريَّة المحيية”[1]، وتبعًا لذلك فإننا اعتدنا أن نفعل هذا، لأننا إذ نُقدِّم أولاً تشكُّرَاتنا، مُقدِّمين تسابيحنا لله الآب ومعه الابن والروح القدس، فإننا نقترب هكذا من الموائد المقدسة مؤمنين أن ننال حياة وبركة؛ روحيًّا وجسديًّا، لأننا نستقبل في داخلنا كلمة الآب الذي صار إنسانًا لأجلنا، والذي هو الحياة ومعطي الحياة.

 

          لذلك فلنسأل على قدر استطاعتنا، ما هو الرأي الذي نعتقد به عن هذا السر؟ لأنه واجب علينا أن نكون “ مستعدين لمجاوبة كل من يسألنا عن سبب الرجاء الذي فينا” كما يقول الحكيم بطرس (1بط15:3). لأن ” إله الكل خلق كل الأشياء للخلود، وبدايات العالم كانت حياة، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم” (حكمة24:2)، فقد كانت تلك الحيَّة المتمرِّدة هي التي قادت الإنسان الأول إلى تعدِّى الوصيَّة وإلى العصيان، والتي بواسطتها سقط تحت اللعنة الإلهية، وفى شبكة الموت، فقد قيل له: ” لأنك تراب وإلى التراب تعود” (تك19:3). فهل كان من الصواب أنَّ ذلك الذي خُلق للحياة والخلود، يصير مائتًا ومحكومًا عليه بالموت بدون أية إمكانية للهروب؟ هل ينبغي أن يكون حسد إبليس أكثر حصانة وثباتًا من إرادة الله؟ ليس الأمر هكذا؛ بل إن حسد إبليس قد أخفق تمامًا؛ ورحمة الخالق قد فاقت النتائج الشريرة لخبثه، فقد أعطى الله معونة لأولئك الذين على الأرض. فماذا إذن كانت الطريقة التي ساعدهم بها؟ إنها طريقة عظيمة بالحق ورائعة وجديرة بالله، نعم، جديرة لأقصى درجة بالعقل الأعلى (بالله)، لأن الله الآب هو حياة بطبيعته؛ ولكونه هو وحده حياة، فقد جعل الابن الذي هو نفسه أيضًا حياة، أن يضيء ويشرق، لأنه لا يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك مع ذاك الذي هو الكلمة الذي صدر جوهريًا من الحياة، لأنه يلزم ـ أقول يلزم ـ أن يكون هو نفسه أيضًا حياة، لكونه هو ذاك الذي نبع من الحياة، نبع من ذاك الذي ولده.

عشاء الرب – إنجيل لوقا 22 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

          لذلك فإن الله الآب يعطى الحياة لكل الأشياء بالابن في الروح القدس؛ وكل ما يوجد ويتنفس في السماء وعلى الأرض، إنما يأخذ وجوده وحياته من الله الآب بالابن في الروح القدس. لذلك، لا طبيعة الملائكة ولا أي شيء آخر مهما كان، ممَّا هو مخلوق، ولا أي شيء جاء من عدم الوجود إلى الوجود، يمتلك حياة (في ذاته) كثمرة لطبيعته الخاصة؛ بينما على العكس، فالحياة تنشأ ـ كما قلت ـ من الجوهر الذي يفوق الكل، وهو أمر خاص به وحده أن تكون له القدرة على إعطاء حياة، وذلك بسبب أنه هو بالطبيعة الحياة.

 

          إذن، فكيف يمكن للإنسان على الأرض، الذي هو ملتحف بالموت أن يعود إلى عدم الفساد (عدم الانحلال). أجيب بأنه يلزم لهذا الجسد المائت أن يصير شريكًا للقوة المحيية التي تأتى من الله. لكن قوة الله الآب المحيية هي الكلمة الوحيد الجنس، وهو الذي أرسله لنا (الآب) كمخلِّص ومحرِّر. أمَّا كيف أرسله لنا، فهذا ما يخبرنا به بوضوح يوحنا الإنجيلي المبارَك عندما يقول: ” والكلمة صار جسدًا وحل فينا” (يو14:1). لكنه صار جسدًا دون أن يخضع لأيِّ تغيُّر أو تحول إلى ما لم يكونه، ودون أن يتوقف عن أن يكون هو الكلمة ـ لأنه لا يعرف ما معنى أن يعاني ظل تغيير، بل بالحري بكونه وُلِدَ بالجسد من امرأة وأخذ لنفسه ذلك الجسد منها، لكيما إذ قد غرس نفسه فينا باتحاد لا يقبل الانفصال، يمكنه أن يرفعنا فوق سلطان الموت والانحلال كليهما معًا. وبولس هو الشاهد لنا، حيث يقول عنه وعنا: ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضًا كذلك فيهما، لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس، ويُعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية، لأنه حقًّا ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم، من ثمَّ كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء” أي يُشبهنا (عب14:2ـ17). لأنه صار مثلنا، وكسى ذاته بجسدنا، لكيما بإقامته إياه (الجسد) من الموت، يُعِد ـ من الآن فصاعدًا ـ طريقًا يمكن به للجسد الذي وُضع (أُذل) حتى الموت، أن يعود من جديد إلى عدم الفساد (الانحلال). لأننا متَّحِدون به مثلما كنا أيضًا متَّحدين بآدم، عندما جلب على نفسه عقوبة الموت. وبولس يشهد لهذا، إذ كتب هكذا في أحد المرات: “ فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات” (1كو21:15) ويقول أيضًا: “ لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيا الجميع” (1كو22:15). لذلك فإن الكلمة، إذ وحَّد مع ذاته ذلك الجسد الذي كان خاضعًا للموت، فلكونه الله والحياة، فقد طرد منه الفساد (الانحلال)، وجعله أيضًا يصير هو مصدر الحياة؛ لأنه هكذا ينبغي أن يكون جسد (ذاك الذي هو) الحياة.

 

          ولا تكونوا غير مصدِّقين لما قلته، بل بالحري اقبلوا الكلمة بإيمان بعد أن جمعتُ براهين من أمثلةٍٍ قليلة. عندما تطرحون قطعة خبز في خمر أو زيت أو أي سائل آخر، فستجدون أنها صارت تحمل خاصية ذلك السائل الخاص، وعندما يوضع الحديد في النار، فإنه يصير ممتلئًا بكل فاعليتها؛ وبينما هو بالطبيعة حديد، لكنه يعمل بقوة النار. وهكذا كلمة الله المحيى، إذ قد وحَّد نفسه بجسده الخاص بطريقة معروفة لديه (فقط)، فقد منحه قوة إعطاء الحياة. وهو نفسه يؤكد لنا هذا بقوله: ” الحق أقول لكم من يؤمن بي فله حياة أبدية، أنا هو خبز الحياة” (يو47:6و48) وأيضًا: ” أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء، إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم. الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير، لأن جسدي مأكلٌ حقٌ، ودمي مشربٌ حقٌ، من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه. كما أرسلني الآب الحي وأنا حي بالآب، فمن يأكلني فهو يحيا بي” (يو53،51:6ـ57). لذلك عندما نأكل الجسد المقدس الذي للمسيح مخلِّصنا جميعًا، ونشرب دمه الثمين، تكون لنا حياة فينا، بكوننا جُعلنا واحدًا معه، كائنين فيه ومقتَنين له أيضًا فينا.

 

          لا تدعو أحدًا من أولئك الذين اعتادوا عدم التصديق أن يقول: ” إذن، حيث إن كلمة الله لكونه بالطبيعة الحياة، وهو يقيم أيضًا فينا، فهل جسد كل واحد منَّا سيُمنح أيضًا القوة لإعطاء الحياة؟ من يقول ذلك فليعلم بالأحرى أنه شيء مختلف تمامًا، بين أن يكون الابن فينا بمشاركة نسبيَّة، وبين أن يصير هو نفسه جسدًا؛ أي أن يجعل ذلك الجسد الذي أُخِذ من العذراء القديسة خاصًّا له (أي يجعله جسده الخاص). لأنه لا يُقال عنه إنه صار متجسِّدًا، أو صار جسدًا، بوجوده فينا، بل بالحري فإن هذا حدث مرَّة واحدة عندما صار إنسانًا دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. لذلك فإن جسد الكلمة كان هو ذاك الذي اتَّخذه لنفسه من العذراء القديسة وجعله واحدًا معه؛ أمَّا كيف أو بأية طريقة حدث هذا، فهو أمر آخر لا يمكننا أن نخبر به، لأنه أمر غير قابل للشرح ويفوق تمامًا قدرات العقل، وكيفية هذا الاتحاد هي معروفة له هو وحده فقط.

 

          لذلك، كان يليق به أن يكون فينا إلهيًّا بالروح القدس، وكذلك أيضًا ـ إن جاز القول ـ يمتزج بأجسادنا بواسطة جسده المقدس ودمه الثمين، اللذين نقتنيهما أيضًا كإفخارستيا مُعطِية للحياة في هيئة الخبز والخمر، إذ، لئلا نرتعب برؤيتنا جسدًا ودمًا (بصورة حِسِّيَّة) فِعلِيَّة، موضوعين على الموائد المقدسة في كنائسنا، فإن الله إذ وضع (أنزل) ذاته إلى مستوى ضعفاتنا، فإنه يسكب في الأشياء الموضوعة أمامنا قوة الحياة، ويُحوِّلها إلى فاعلية جسده، لكيما نأخذها لشركة معطية للحياة، وكي يوجد فينا جسد (ذاك الذي هو) الحياة، كبذرة تنتج حياة. ولا تشك في أنَّ هذا حقيقي، حيث إنه هو نفسه قال بوضوح: ” هذا هو جسدي، هذا هو دمي“، بل بالحري اقبَل كلمة المخلِّص بإيمان، لأنه هو لكونه الحق، فلا يمكنه أن يكذب. وهكذا سوف تكرِّمه، لأنه كما يقول يوحنا الحكيم جدًّا: ” مَن قِبل شهادته فقد ختم أن الله صادق، لأن الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله” (يو34،33:3). لأن كلام الله هو طبعًا صادق ولا يمكن أبدًا أن يكون كاذبًا؛ لأنه وإن كنا لا نفهم بأية طريقة يعمل الله مثل هذه الأعمال، لكن هو نفسه يعرف طريقة (عمل) أعماله. لأنه عندما لم يفهم نيقوديموس كلمات الرب المختصَّة بالمعمودية المقدسة وقال بجهل: ” كيف يمكن أن يكون هذا؟” (يو9:3)، فإنه سمع المسيح يجيب قائلاً: ” الحق أقول لك إننا إنما نتكلم بما نَعلَم ونشهد بما رأينا ولستم تقبلون شهادتنا، إن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون، فكيف تؤمنون إن قلت لكم السماويات؟” (يو11:3و12)، لأنه كيف يمكن لإنسان أن يعرف تلك الأشياء التي تعلو على قدرات إدراكنا وعقلنا؟ لذلك، فلنكرِّم سرّنا الإلهي هذا، بالإيمان.

 

          أما يهوذا الخائن، الذي كان يأكل معه، فقد توبخ بتلك الكلمات التي قالها المسيح: ” ولكن هوذا يد الذي يسلِّمني هي معي على المائدة“. لأنه ربما تخيَّل في حماقته العظيمة، أو ربما بالأحرى لكونه امتلأ بكبرياء إبليس، أنه يمكنه أن يخدع المسيح، مع أنه الإله. لكن كما قلت، إنه أُدين لكونه بالإجمال شريرًا ومبغضًا لله وخائنًا؛ ومع هذا فقد سمح له الرب وتنازل ودعاه إلى المائدة، وقد حُسب أهلاً للُّطف الإلهي حتى النهاية؛ لكن بهذا صارت عقوبته أكثر شدة. لأن المسيح قال عنه في موضع ما بصوت المرنم: ” لو كان عدو يُعيِّرني لاحتملتُ، ولو كان الذي يكرهني يتكلم علىَّ بكبرياء لاختبأتُ منه، بل أنت إنسان عديلي، أليفي وصديقي، الذي معه كانت تحلو لنا العشرة، إلى بيت الرب كنا نذهب باتفاق” (مز12:54ـ14س). لذلك، فبحسب كلمات المخلص: ويل له! لأن المسيح ـ في الحقيقة ـ بذل نفسه عوضًا عنا، بحسب مشيئة الله الآب الصالحة، لكيما يخلِّصنا من كل شيء. أما الإنسان الذي خان مخلِّص ومنقذ الكل وسلَّمه إلى أيدي القتلة، فسيكون نصيبه الدينونة، التي هي العقاب المناسب لإبليس. لأن ذنبه ليس ضد واحد مثلنا، بل ضد رب الكل؛ الذي به ومعه يليق لله الآب التسبيح والسلطان، مع الروح القدس، إلى دهر الدهور. آمين.

 

3 هذا التعبير “التقدمة المحيية ” (باليونانية δωροφορίας) يستخدمه الآباء كثيرًا عن الإفخارستيا .

عشاء الرب – إنجيل لوقا 22 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من هو يهوذا الاسخريوطي ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

من هو يهوذا الاسخريوطي ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

من هو يهوذا الاسخريوطي ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

من هو يهوذا الاسخريوطي ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

1 – يهوذا – شخصيته وخيانته للمسيح:

كان يهوذا الاسخريوطي أحد تلاميذ المسيح الأثنى عشر، ويعني أسمه ” يهوذا “، أنه يهودي أو من سبط يهوذا، ولقبه ” الاسخريوطي ” يعني أنه رجل من قريوت المذكورة في (ار48 :24و؛عا2: 2)، والتي يحتمل أنها كانت تقع في جنوبي اليهودية حيث توجد ” خرابة القريتين “. ويذكره العهد الجديد في أغلب المرات بمسلم الرب يسوع المسيح: ” ويهوذا الاسخريوطي الذي أسلمه ” (مت10 :4؛ ومر3 :19). ” ويهوذا الاسخريوطي الذي صار مسلما أيضا ” (لو6 :16).

وأنه كان معروفاً منذ اختيار الرب له أنه سيسلمه: ” أجابهم يسوع أليس أني أنا اخترتكم الاثني عشر وواحد منكم شيطان قال عن يهوذا سمعان الاسخريوطي . لأن هذا كان مزمعا أن يسلمه ” (يو6 :70و71). وذلك بناء على علم الرب وتدبيره السابق ” لان الذين سبق فعرفهم سبق فعيّنهم ” (رو8 :29).

كما يصفه الكتاب بأنه كان ” مزمعاً أن يسلم الرب “، بل وكان سارقاً للصندوق: ” فأخذت مريم منا من طيب ناردين خالص كثير الثمن ودهنت قدمي يسوع ومسحت قدميه بشعرها. فامتلأ البيت من رائحة الطيب. فقال واحد من تلاميذه وهو يهوذا سمعان الاسخريوطي المزمع أن يسلمه لماذا لم يبع هذا الطيب بثلاث مئة دينار ويعط للفقراء. قال هذا ليس لأنه كان يبالي بالفقراء بل لأنه كان سارقا وكان الصندوق عنده وكان يحمل ما يلقى فيه ” (يو12 :4-6).

وأنه تأمر مع رؤساء الكهنة وباع لهم المسيح: ” حينئذ ذهب واحد من الاثني عشر الذي يدعى يهوذا الاسخريوطي إلى رؤساء الكهنة ” (مت26 :14). ” ليسلمه إليهم ” (مر14 :10). وأثناء العشاء كشف عنه الرب بشكل غير مباشر لكل التلاميذ، وحذره التحذير الأخير بأنه، المسيح، سيسلم ويصلب سواء قام هو بتسليمه أم لا، فهذا هو ما حتمته المشورة الإلهية وما هو مكتوب في كتب الأنبياء.

كما حذره من المصير الذي ينتظره في حالة قيامه بتسليم الرب وخيانته له: ” وفيما هم يأكلون قال الحق أقول لكم أن واحداً منكم يسلمني. فحزنوا جدا وابتدأ كل واحد منهم يقول له هل أنا هو يا رب. فأجاب وقال. الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني. أن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه. ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد ” (مت26 :22-24).

ثم يقول الكتاب: ” فدخل الشيطان في يهوذا الذي يدعى الاسخريوطي وهو من جملة الاثني عشر ” (لو22 :3). ” فحين كان العشاء وقد ألقى الشيطان في قلب يهوذا سمعان الاسخريوطي أن يسلمه … لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح وشهد وقال الحق الحق أقول لكم أن واحدا منكم سيسلمني. فكان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم محتارون في من قال عنه. وكان متكئا في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه.

فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه. فاتكأ ذاك على صدر يسوع وقال له يا سيد من هو. أجاب يسوع هو ذاك الذي اغمس أنا اللقمة وأعطيه. فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الإسخريوطي. فبعد اللقمة دخله الشيطان. فقال له يسوع ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة … فذاك لما اخذ اللقمة خرج للوقت. وكان ليلا. فلما خرج قال يسوع الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه (يو13 :2و22-31).

هذا ما ذكره الكتاب عنه. وهنا يتبين لنا شخصيته الشريرة التي كان يعلمها الرب قبل اختياره، بل وبعلمه السابق، ولكن يبدو أنه انضم للمسيح كيهودي مخلص كان ينتظر المسيح المنتظر ولكن شخصيته بدأت تتطور بتطور الأحداث ومن خلال علاقته بالمسيح وأفكاره الخاصة كيهودي غيور على أمته ومستقبلها حتى وصل إلى الدرجة الحرجة الكافية لأن تدفعه أن يقوم بما عمله.

من هو يهوذا الاسخريوطي ؟ – القمص عبد المسيح بسيط

ويبدو أن دوافعه الشخصية كانت تغلب عليه كثيراً فقد ” كان أميناً  للصندوق، إلا أنه تجاهل تحذيرات الرب يسوع المسيح من الطمع والرياء (مت 6: 20،لو 12: 1 – 3)، واستغل الأموال لحسابه ولتغطية جشعه، وتظاهر بالغيرة على الصندوق.

وبعد أن قبض على الرب يسوع المسيح ندم ، وبدأ يشعر بالذنب، وفي يأسه المتزايد بسبب طرد رؤساء الكهنة والشيوخ له، ” طرح الفضة في الهيكل وانصرف، ثم مضى وخنق نفسه ” (مت27 :5)، واشترى رؤساء الكهنة بالفضة حقل الفخاري الذي سمي فيما بعد ” حقل الدم ” فتحققت نبوة زكريا (11: 12 – 14). ويوضح لنا سفر الأعمال كيفية موته بعد أن شنق نفسه فيقول: ” وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها ” (أع1 :16-20). وتم فيه قول الكتاب: ” لأنه مكتوب في سفر المزامير لتصر داره خرابا ولا يكن فيها ساكن وليأخذ وظيفته آخر ” (أع1 :20).

2 –  يهوذا – ما دار حوله من نظريات عبر التاريخ:

دارت حول يهوذا الاسخريوطي العديد من الأفكار والنظريات عبر التاريخ بين من يقول بهلاكه الأبدي حسب تحذير الرب يسوع له، ومن يبرئه، ومن يقول بغفران المسيح له كما غفر لصالبيه ولبطرس الذي أنكره، وبين من قال أنه فعل ذلك خدمة للمسيح .. الخ ونلخص هذه النظريات بحسب ما وردت في عدة دوائر معارف وقواميس كتابية، وخاصة دائرة المعارف الكتابية التي لخصت ما جاء في كل هذه الموسوعات:

(1) انضمامه للرسل ليسلم المسيح: دار حوار طويل وجدل كثير، ليس حول روايات الأناجيل عن يهوذا فحسب، بل وأيضاً، حول شخصيته والمشاكل المتعلقة بها. فكون ” يهوذا ” مسلم يسوع واحداً من الاثني عشر المختارين، قد أعطي لأعداء المسيحية فرصة لمهاجمتها منذ العصور الأولى كما ذكر أوريجانوس. كما أن صعوبة الوصول إلى حل حاسم، قد أدى بالبعض إلى اعتبار يهوذا الاسخريوطي مجرد تجسيد للروح اليهودية. ولكن هذا الرأي، على أي حال، يقلل من القيمة التاريخية لكثير من الفصول الكتابية.

وهناك نظريات مختلفة لتفسير الموضوع، مثل أن يهوذا الاسخريوطي انضم لجماعة الرسل بهدف محدد، هو تسليم يسوع. ويفسرون هدف هذا الاتجاه على وجهين، هدفهما السمو بشخصية يهوذا وإبرائه من تهمة دوافع الخيانة.

(أ) فيقول أحد الجانبين إن يهوذا الاسخريوطي كان وطنياً غيوراً، ورأى في يسوع عدواً لأمته وعقيدتها الأصيلة، ولذلك أسلمه من أجل صالح أمته، ولا يتفق هذا الرأي مع طرد رؤساء الكهنة ليهوذا (مت 27: 3 – 10).

(ب) أما الاتجاه الآخر فقد اعتبر يهوذا الاسخريوطي نفسه خادماً أميناً للمسيحية إذ أنه توجه إلى التسليم ليتعجل عمل المسيح ويدفعه إلى إظهار قوته المعجزية بدعوة ملائكة الله من السماء لمعونته (مت 26: 53). أما انتحاره فيرجع إلى يأسه، لفشل يسوع في تحقيق توقعاته. ولقد راقت هذه النظرية – في العصور القديمة – للغنوسيين القاينيين، كما سنبين في الفصول التالية، وفي العصر الحديث ” لدى كوينسي والأسقف هويتلي، لكن العبارات التي استخدمها الرب يسوع المسيح وطريقة رفضه لتصرف يهوذا (يو17: 12) تجعل مثل هذا الرأي بلا قيمة.

(2) سبق تعيين يهوذا الاسخريوطي ليكون مسلمه: هناك رأي آخر يقول أن يهوذا سبق تعيينه ليكون مسلمه، وأن الرب يسوع كان عالماً منذ البداية بأنه سيموت بالصليب، وقد اختار يهوذا الاسخريوطي لأنه عرف أنه هو الذي سيسلمه، وهكذا تتحقق المقاصد الإلهية (مت 26: 54).

والذين يتمسكون بهذا الرأي يبنونه على علم يسوع بكل شيء كما في يوحنا (2: 24) لأن الرب يسوع ” كان يعرف الجميع “. وكذلك يوحنا (6: 64) ” لأن يسوع من البدء علم من هم الذين لا يؤمنون ومن هو الذي يسلمه “، كذلك يوحنا (18: 4) ” وهو عالم بكل ما يأتي عليه “.

ولكننا إذا أخذنا هذه النصوص حرفياً، يكون معنى هذا تطبيق عقيدة قضاء الله السابق بطريقة متزمتة أكثر مما يجب، وبهذا يكون يهوذا مجرد آلة أو وسيلة في يد قوة أعلى منه، وهو ما يجعل مناشدة الرب يسوع المسيح وتحذيراته له بلا معنى، كما أنه ينفي وجود المسئولية الشخصية والإحساس بالذنب، وهو ما كان يريد الرب أن يثيره وييقظه في قلوب سامعيه.

ولقد كتب يوحنا الرسول بعد وقوع الأحداث، ولكننا كما رأينا، كان في كلمات ربنا وضوح متزايد في التنبؤ بتسليمه. إن علم ربنا يسوع المسيح بكل شيء كان أعظم من مجرد معرفة متنبيء يدعي استطلاع المستقبل. لقد كان علمه بكل شيء هو علم من عرف، من ناحية، مقاصد أبيه السرمدي من نحو الناس، ومن الناحية الأخرى، كان ينفذ إلى أعمق أعماق الشخصية البشرية ويرى ما فيها من مشاعر ودوافع وميول خفية.

(3) تسليمه للرب يسوع المسيح كان نتيجة تطور تدريجي: ونظراً لأن الإنسان حر الإرادة فأننا نرى أن تسليم يهوذا الاسخريوطي للرب يسوع، كان نتيجة تطور تدريجي داخل نفسه، يبدو أكثر واقعية. فقد كان يهوذا الاسخريوطي الوحيد بين التلاميذ من المناطق الجنوبية، ولذلك فاختلافه في المزاج والنظرة الاجتماعية، بالإضافة إلى ما يمكن أن تؤدي إليه من اتجاهات دنيئة، قد يفسر جزئياً عدم وجود التعاطف الصادق بين يهوذا الاسخريوطي وبقية التلاميذ، وإن كان هذا لا يبرر مطلقاً خيانته التي حدثت فيما بعد.

لقد كانت له كفاءة خاصة في إدارة الأعمال، ولذلك اختير أميناً للصندوق، ولكن قلبه لم يكن منذ البداية نقياً، فقد كان يقوم بمسئوليته بدون أمانة، وامتد سرطان الجشع هذا من الأمور المادية إلى الأمور الروحية، فلم تحدث لأحد من التلاميذ خيبة أمل نتيجة انتهاء الحلم بمملكة أرضية ذات مجد وبهاء مثلما حدث ليهوذا الاسخريوطي .

ولم تكن ربط المحبة التي جذب بها يسوع قلوب التلاميذ الآخرين، وكذلك التعاليم التي بها سما بأرواحهم فوق الأمور الأرضية، لم تكن إلا قيوداً أثارت أنانية يهوذا الاسخريوطي . ولأنه كان مكبلاً بأطماعه، ولخيبة أماله، ثارت فيه الغيرة والحقد والكراهية، ولم تكن كراهية إنسان قوي بل كراهية إنسان ضعيف أساساً، فبدلاً من أن ينفصل صراحة عن سيده، بقى في الظاهر واحداً من أتباعه، كما أن تفكيره المستمر في توبيخات سيده، جعل الباب مفتوحاً أمام الشيطان ” فدخله الشيطان “، فهو إذاً كان قد علم الصلاح ولكنه لم يفعله  (يو13: 17).

كما كان أيضاً ضعيفاً في تنفيذ خططه الدنيئة، لقد حمله هذا التردد – أكثر من حقده الشيطاني الخبيث – على أن ينتظر في العليه حتى اللحظة الأخيرة، مما دفع يسوع لأن يقول له: ” ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة ” (يو13: 27).

وبهذا التفكير الضعيف حاول أن يلقي باللوم على رؤساء الكهنة والشيوخ (مت27: 3و4)، لقد حاول أن يبرئ نفسه ليس أمام يسوع البار الذي أسلمه، بل أمام شركائه في الجريمة. ولأن العالم الذي – بأنانيته – اتخذه إلهاً له، تخلى عنه أخيراً، مضى وخنق نفسه. إنها النهاية التعيسة لإنسان اعتنق بكل طاقاته روح المساومة والأطماع الذاتية، فلم يزن النتائج القاتلة التي قادته إليها تلك الدوافع الرديئة. ومن ثم يقول القديس أغسطينوس:

  ” أنه لا يستحق الرحمة ، ولذا لم يشرق في قلبه نور ليجعله يسرع ليطلب العفو من الذي خانه “.

  ومن ثم فقد كان لابد أن يتحقق فيه ما سبق أن أعلنه له الرب يسوع المسيح: ”  أن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه. ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد ” (مت26 :22-24).

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

يهوذا الاسخريوطي من هو؟ – القمص عبد المسيح بسيط

“الداخلية” تطارد صاحب صورة سيلفي العشاء الأخير لـ”المسيح” على “فيس بوك” (صورة)

“الداخلية” تطارد صاحب صورة سيلفي العشاء الأخير لـ”المسيح” على “فيس بوك”

“الداخلية” تطارد صاحب صورة سيلفي العشاء الأخير لـ”المسيح” على “فيس بوك”

“الداخلية” تطارد صاحب صورة “سيلفى” العشاء الأخير لـ”المسيح” على “فيس بوك” (صورة)

قال المستشار نجيب جبرائيل، رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الانسان، أنه أجرى اتصالات هاتفية بكلاً من، قيادات وزارة الداخلية ومديرية امن السويس ومحافظة السويس، لمعرفة وضع الصورة الساخرة من المسيحيين “صورة العشاء الرباني” وبها السيد المسيح يقوم بتصوير نفسه والتلاميذ “سيلفي”.

وأشار جبرائيل فى بيان له اليوم :” أن هذه الصورة اثارت استياء الملايين من جموع الاقباط واعتبروا ذلك ازدراء صارخاً للدين المسيحي، مشيرا إلى أن قيادات وزارة الداخلية تقوم بالبحث عن الشخص الذي وضع هذه الصورة على الموقع الرسمي لمحافظة السويس.

وأضاف جبرائيل، أنه يرجح أن أيدي إخوانية تخترق ديوان محافظة السويس هي التي وضعت هذه الصورة لتثير فتنة طائفية في مصر.

إقرأ أيضا: 

هل كان العشاء الاخير للرب يسوع عشاءاً فصحياً أم عادياً؟ – د. عدنان طرابلسي

هل كان العشاء الاخير للرب يسوع عشاءاً فصحياً أم عادياً؟ – د. عدنان طرابلسي

هل كان العشاء الاخير للرب يسوع عشاءاً فصحياً أم عادياً؟ – د. عدنان طرابلسي

راجع أيضًا: هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه؟ والرد على الخلاف الظاهري بين البشائر الإزائية وبشارة القديس يوحنا

سنجيب على هذا السؤال من ثلاثة جوانب: 1-موقع العشاء الاخير الزمني بالنسبة لفصح اليهود. 2-خصائص العشاء الاخير الفصحية. 3-كيف فهم مسيحيو العهد الجديد هذا العشاء كعشاء فصحي[1].

أولاً/ موقع العشاء الاخير الزمني بالنسبة لفصح اليهود: عند الشفق الذي يُنهي غروب 14 نيسان ويبدأ معه 15 نيسان يُذبح الحمل الفصحي اليهودي ويُرش دمه على عتبات المنازل. وعندما صارت الحملان تُذبح في الهيكل (بدأ هذا قبل أيام المسيح)، كان الذبح يبدأ بعدة ساعات قبل غروب 14 نيسان. بعد غروب 14 نيسان يبدأ يوم 15 نيسان في التقويم اليهودي، فيُحمّص الحمل المذبوح ويؤكل مع خبز فطير وأعشاب مرّة.

مع بداية 15 نيسان يبدأ أسبوع من عيد الفطير. وقبل أيام يسوع ب600 سنة تمّ دمج هذين العيدين معاً بصورة صارت الإشارات الإنجيلية إلى عيد الفصح أو عيد الفطير غير واضحة تماماً لتحديد تاريخ أي منهما. تتفق الأناجيل الأربعة في أن العشاء الاخير حدث يوم الخميس، وأن الصلب حدث يوم الجمعة. إنما يوجد عدم تطابق في تاريخ عيد الفصح اليهودي في أسبوع الآلام بين الأناجيل الإزائية وبين إنجيل يوحنا. إختصاراً لهذه النقطة سنستعرض هذين التاريخين في الجدول التالي:

اليوم              الخميس (العشاء الاخير)       الجمعة (الصلب)        السبت       
الإزائية           14 نيسان (الفصح اليهودي)    15 نيسان (الفطير)    16 نيسان
إنجيل يوحنا     13 نيسان                          14 نيسان(الفصح)     15 نيسان(الفطير)

كتابياً، لا يوجد تناقض حقيقي بين هذين التاريخين. يمكن مراجعة مناقشة هذه النقطة كتابياً في المرجع السابق المذكور. تاريخ يوحنا هو الأصح. وليتورجيا الكنيسة الأرثوذكسية تتبنّى تاريخ يوحنا.

ثانياً/ خصائص العشاء الاخير الفصحية: توجد خصائص فصحية واضحة في العشاء الاخير[2]. من هذه الخصائص بإختصار:

  • حدث العشاء الاخير في أورشليم (مر14: 13 وموازياته؛ يو18: 1). كان يسوع يمضي ليلته في الأسبوع الاخير في بيت عنيا (مر11: 11 وموازياته)، بينما تناول العشاء الاخير في أورشليم (المزدحمة بموسم الحج أثناء الفصح. قُدّر عدد الناس أكثر من 100000 نسمة)، كي يحافظ على قاعدة الفصح القائلة يجب تناول الفصح في أورشليم.
  • حدث ليلاً (1 كور11: 23؛ يو13: 30؛ مر14: 17؛ مت26: 20). الفصح وحده يؤكل ليلاً.
  • حدث مع الاثني عشر (مر14: 17؛ مت26: 20) حتى يتفق مع قاعدة الفصح في أنه على الأقل عشرة أشخاص يجب أن يشاركوا فيه.
  • اتكأوا إلى المائدة (مر14: 18 وموازياته؛ يو13: 21 و23). يتكأ الآكلون في مناسبات معينة (حفلة، عيد، زفاف). وفي العشاء الفصحي يتكئ المشاركون دلالة على التحرر من العبودية (إحتفالاً).
  • كسر الخبز (مر14: 22؛ مت26: 26). مر14: 22 يذكر وجبة فيها كُسر الخبز بعد تقديم صحنٍ. عادة الفصح هو الوجبة الوحيدة في السنة التي يُقدّم فيها صحنٌ يسبق كسر الخبز.
  • شرب الخمر (مر14: 23 وموازياته). شرب الخمر يحدث فقط في المناسبات (ختان، خطبة، زفاف،، أحزان)، وفي الأعياد (الفصح، العنصرة، عيد المظال).
  • توكيل يهوذا بالتبرّع للفقراء (يو13: 29). إفترض التلاميذ أن يسوع قد فوّض يهوذا (يو13: 26) بإعطاء شيء للفقراء، “وكان ليلاً” (يو13: 30). من الصعب الإفتراض أن يسوع قد إعتاد على التصدّق للفقراء ليلاً إلا إذا كان العشاء الاخير عشاءاً فصحياً حيث كان من المعتاد القيام بهذا.
  • إختتام العشاء الاخير بالتسبيح (مر14: 26؛ مت26: 30). التسبيح يخصّ العشاء الفصحي وهو مختلف عن الشكر في نهاية كل وجبة.
  • عدم العودة إلى بيت عنيا بعد العشاء: عاد يسوع إلى جبل الزيتون (مر14: 26 وموازياته)، إلى بستان شرقي وادي قدرون (يو18: 1)، لأنه يجب تمضية ليلة الفصح في أورشليم التي كانت تضم أيام يسوع بيت فاجي وبيت عنيا ووادي قدرون وبستان جثسيماني.
  • تفسير الخبز والخمر: فسّر يسوع معنى الخبز والخمر في العشاء الاخير. وتفسير عناصر الوجبة جزء راسخ من الطقس الفصحي. إذ يفسّر ربّ العائلة عناصر الوجبة الفصحية (الحمل، الفطير، الأعشاب المرّة). هنا أعطى يسوع تفسيراً جديداً، تفسيره هو، لعناصر العشاء الاخير بطريقة جديدة تشير إلى ذبيحته وإلى كونه الحمل الفصحي.

ثالثاً/ كيف فهم مسيحيو العهد الجديد هذا العشاء كعشاء فصحي: ذكر بولس تقليداً مسلّماً إليه (يعود ربما إلى الثلاثينات) لعشاء اخير حدث قبل موت يسوع (1 كور11: 23-25). وطلب من قرّائه أن ينقّوا الخميرة العتيقة بمقدار ما هم فطيرٌ، “لأن فصحنا ايضاً، المسيح، قد ذُبح لأجلنا” (1 كور5: 7). فالمسيح قام من الأموات وصار “باكورة الراقدين” (15: 20). إذاً، موت يسوع وقيامته في ذهن بولس مرتبطان برمزية الأيام الإفتتاحية لموسم الفصح/ الفطير.

لهذا فالعشاء الاخير ليسوع قد فهمه المسيحيون لاهوتياً كعشاء فصحي، وربطوا موت يسوع بتضحية الحمل الفصحي، فصار يسوع هو الحمل الفصحي (1 بطر1: 19). ورؤيا يوحنا (5: 6-14) تصوّر المسيح، في إطار ليتورجي من الصلوات والبخور، كحملٍ مذبوحٍ، دمه أشترى الناس من كل قبيلة لله. (مرقس14: 12-16) يقدّم العشاء الاخير كعشاء فصحي. و(لوقا22: 15) يفسّر مرقس عندما بدأ يسوع العشاء بالقول إنه إشتهى أن يأكل هذا الفصح مع تلاميذه قبل آلامه.

ومن الواضح أنه في هذا العشاء الفصحي إن الكلمات الملفوظة بالإشارة إلى الخبز والخمر تعطي جسد يسوع ودمه المكان المركزي الرئيسي المخصّص عادة للحمل المضحّى به في الهيكل. هذا الحمل لم يُذكر قد لدى العشاء الاخير في الأناجيل، لأن يسوع هو الحمل الفصحي هنا. أما يوحنا فقد قدّم رؤية ليسوع على أنه الحمل الفصحي. فيسوع هو “حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو1: 29 و36)، و”دم يسوع المسيح إبنه يطهرنا من كل خطية” (1 يو1: 7)، و”هو كفارة خطايانا” (1 يو2: 2).

والجنود لا يكسرون عظماً ليسوع  (يو19: 33)، مكملّين وصفاً كتابياً للحمل الفصحي (خر12: 10، 46؛ العدد9: 12). وتُستعمل الزوفى لرفع إسفنجة مملوءة خلاً إلى شفتي يسوع (يو19: 29) كما أُستعملت الزوفى لرش دم الحمل الفصحي على عتبات بيوت الإسرائيليين (خر12: 22). هكذا كان العشاء الاخير عشاءاً فصحياً، كان يسوع فيه هو الحمل الفصحي، إذ قدّم جسده ودمه للمؤمنين به لينالوا الخلاص.

والأناجيل الإزائية فهمت هذا العشاء كعشاء فصحي إنما لم تراعٍ التاريخ الزمني بالنسبة لفصح اليهود، مشيرة إلى أن يسوع قد أقام فصحه الخاص به، فصحاً جديداً، لكي يلغي الفصح اليهودي. بينما كان العشاء الاخير عشاءاً فصحياً لدى يوحنا، حيث كان فيه يسوع هو الحمل الفصحي الذي ذُبح على الصليب عندما كانت حملان اليهود الفصحية تُذبح في الهيكل. هكذا تتفق الأناجيل الأربعة في اللاهوت الفصحي الواحد نفسه[3].

 

[1] راجع الدراسة المفصلة في الدراسات الكتابية في الجزء الثالث من شرح الذهبي الفم لإنجيل متى.

[2] Joachim  Jeremias: the Eucharistic word of Jesus. The MacMillan Company, New York, 1955. P.14.

[3] نوّهت في الحاشية 112 ص128-129 من كتابي “يا يسوعاه!” بالخلاف في الغرب حول العشاء السري. الإختلاف بين الأناجيل حول تاريخ الفصح سطحي. فهم جميعاً متفقون على وقوع العشاء يوم الخميس والصلب يوم الجمعة والقيامة يوم الاحد. والبعض كالنص هنا وملحق معجم الكتاب الفرنسي يقولون إن يسوع لم يأكل الفصح اليهودي. B.J. الرصينة تقول إن يسوع قدّم موعد أكله الفصح يوماً واحداً وأكل الخروف الفصحي فأنهى فصح اليهود.

ثم أسّس سر الشكر (الحاشية على لوقا22: 17). شرح إنجيل مرقس الذي ترجمه من اليونانية الأب أفرام كرياكوس يوافق ذلك. حديثاً الكسندر Men الروسي اليهودي الأصل قال بتقديم الموعد وأكل الخروف. ويذهب إلى أن الذهبي الفم قال بتقديم الموعد. لم يقل ذلك صراحة ولكنه أعتبر عشاء الخميس فصحاً ومساء الجمعة فصحاً. (اسبيرو جبور).

هل كان العشاء الاخير للرب يسوع عشاءاً فصحياً أم عادياً؟ – د. عدنان طرابلسي

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

Exit mobile version