عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد
عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد
عظة للقديس كيرلس عمود الدين
عظة 142
عشاء الرب
(تأسيس سر الإفخارستيا)
لوقا17:22ـ22
” ثم تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه واقتسموها بينكم، لأني أقول لكم إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتى ملكوت الله، وأخذ خبزًا وشكر وكسَّر وأعطاهم قائلاً: هذا هو جسدي الذي يُبذل عنكم. اصنعوا هذا لذكرى. وكذلك الكأس أيضًا بعد العشاء قائلاً: هذه الكأس هى للعهد الجديد بدمى الذي يُسفك عنكم، ولكن هوذا يد الذي يسلمني هي معي على المائدة، وابن الإنسان ماضٍ كما هو محتوم، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي يُسلِّمه!”.
إنه أمر يملأنا بكل بركة أن نصير شركاء المسيح بالذهن وبالحواس، لأنه يحلّ فينا، أولاً، بالروح القدس، فنصير نحن مسكنه، بحسب ما قاله فى القديم أحد الأنبياء القديسين: ” لأني سأسكن فيهم وأقودهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لى شعبًا ” (حز27:37س).
لكنه هو أيضًا يحلّ داخلنا بطريقة أخرى بواسطة مشاركتنا فى قربان التقدمات غير الدموية التى نحتفل بها فى الكنائس؛ إذ قد تسلّمنا منه النموذج الخلاصى للطقس مثلما يرينا بوضوح الإنجيلى المبارك في النص الذي قرأناه منذ قليل، فهو يخبرنا أنه: ” تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه اقتسموها بينكم “. وبتقديمه الشكر ـ الذي يُقصد به التحدث مع الله الآب فى صيغة صلاة، فإنه يعنى بالنسبة لنا أنه ـ إن جاز القول ـ يشارك ويساهم مع الآب فى مسرته الصالحة فى منحه لنا البركة المحيّية التى أُسبغت علينا حينئذ، لأن كل نعمة وكل موهبة تامة تأتى إلينا من الآب بالابن فى الروح القدس. وإذن فهذا العمل كان نموذجًا لنا لكي نستخدمه فى الصلاة التى ينبغى أن تُقدم، كلما بدأنا أن نضع أمامه نعمة “التقدمة السرية المحيية”[1]، وتبعًا لذلك فإننا اعتدنا أن نفعل هذا، لأننا إذ نقدم أولاً تشكراتنا، مقدمين تسابيحنا لله الآب ومعه الابن والروح القدس، فإننا نقترب هكذا من الموائد المقدسة مؤمنين أن ننال حياة وبركة؛ روحيًا وجسديًا، لأننا نستقبل فى داخلنا كلمة الاب الذي صار إنسانًا لأجلنا، والذي هو الحياة ومعطى الحياة.
لذلك فلنسأل على قدر استطاعتنا، ما هو الرأى الذي نعتقد به عن هذا السر؟ لأنه واجب علينا أن نكون “ مستعدين لمجاوبة كل من يسألنا عن سبب الرجاء الذي فينا” كما يقول الحكيم بطرس (1بط15:3). لأن ” إله الكل خلق كل الأشياء للخلود، وبدايات العالم كانت حياة، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم ” (حكمة24:2)، فقد كانت تلك الحيَّة المتمردة هى التى قادت الإنسان الأول إلى تعدّى الوصية وإلى العصيان، والتى بواسطتها سقط تحت اللعنة الإلهية، وفى شبكة الموت، فقد قيل له: ” لأنك تراب وإلى التراب تعود ” (تك19:3). فهل كان من الصواب أن ذلك الذي خُلق للحياة والخلود، يصير مائتًا ومحكومًا عليه بالموت بدون أية إمكانية للهروب؟ هل ينبغى أن يكون حسد إبليس أكثر قوة وثباتًا من إرادة الله؟ ليس الأمر هكذا؛ بل إن حسد إبليس قد أخفق تمامًا؛ ورحمة الخالق قد فاقت النتائج الشريرة لخبثه. فقد أعطى الله معونة لأولئك الذين على الأرض. فماذا إذن كانت الطريقة التى ساعدهم بها؟ إنها طريقة عظيمة بالحق ورائعة وجديرة بالله، نعم، جديرة لأقصى درجة بالعقل الأعلى (بالله). لأن الله الآب هو حياة بطبيعته؛ ولكونه هو وحده حياة، فقد جعل الابن الذي هو أيضًا حياة، أن يضيء ويشرق. لأنه لا يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك مع ذاك الذي هو الكلمة الذي صدر جوهريًا من الحياة، لأنه يلزم ـ أقول يلزم ـ أن يكون هو نفسه أيضًا حياة، لكونه هو الذي نبع من الحياة، نبع من ذاك الذي وَلَده.
لذلك فإن الله الآب يُعطى الحياة لكل الأشياء بالابن فى الروح القدس؛ وكل ما يوجد ويتنفس فى السماء وعلى الأرض، إنما يأخذ وجوده وحياته من الله الآب بالابن فى الروح القدس. لذلك، لا طبيعة الملائكة ولا أى شئ آخر مهما كان، ممّا هو مخلوق، ولا أى شئ جاء من عدم الموجود إلى الوجود، يمتلك حياة (فى ذاته) كثمرة لطبيعته الخاصة؛ بينما على العكس، فالحياة تنشأ ـ كما قلت ـ من الجوهر الذي يفوق الكلّ، وهو أمر خاص به وحده أن تكون له القدرة على إعطاء حياة، وذلك بسبب أنه هو بالطبيعة الحياة.
إذن، فكيف يمكن للإنسان على الأرض، الذي هو ملتحف بالموت أن يعود إلى عدم الفساد (عدم الفناء)؟. أجيب بأنه يلزم لهذا الجسد المائت أن يُصيّر شريكًا للقوة المحيّية التى تأتى من الله. لكن قوة الله الآب المحيّية هى الكلمة الوحيد الجنس، وهو الذي أرسله لنا (الآب) كمخلص ومحرر. أما كيف أرسله لنا، فهذا ما يخبرنا به بوضوح يوحنا الإنجيلى المبارك عندما يقول: ” والكلمة صار جسدًا وحل فينا” (يو14:1). لكنه صار جسدًا دون أن يخضع لأى تغيّر أو تحوّل إلى ما لم يكونه، ودون أن يتوقف عن أن يكون هو الكلمة ـ لأنه لا يعرف ما معنى أن يعانى ظل تغيير، بل بالحرى بكونه وُلِدَ بالجسد من امرأة وأخذ لنفسه ذلك الجسد منها، لكيما إذ قد غرس نفسه فينا باتحاد لا يقبل الانفصال، يمكنه أن يرفعنا فوق سلطان الموت والانحلال كليهما معًا. وبولس هو الشاهد لنا، حيث يقول عنه وعنا: ” فإذ قد تشارك الأولاد فى اللحم والدم اشترك هو أيضًا كذلك فيهما، لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أى إبليس، ويُعتق أولئك الذي خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية، لأنه حقًا ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم، من ثمّ كان ينبغى أن يشبه إخوته فى كل شئ ” أى يشبهنا (عب14:2ـ17). لأنه صار مثلنا، وكسى ذاته بجسدنا، لكيما بإقامته إياه (الجسد) من الموت، يعد ـ من الآن فصاعدًا ـ طريقًا يمكن به للجسد الذي وُضع (أُذل) حتى الموت، أن يعود من جديد إلى عدم الفساد (عدم الفناء). لأننا متحدون به مثلما كنا أيضًا متحدين بآدم، عندما جلب على نفسه عقوبة الموت. وبولس يشهد لهذا، إذ كتب هكذا فى أحد المرات:” فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات” (1كو21:15) ويقول أيضًا: “ لأنه كما فى آدم يموت الجميع، هكذا فى المسيح سَيُحيا الجميع” (1كو22:15). لذلك فإن الكلمة، إذ وحَّد مع ذاته ذلك الجسد الذي كان خاضعًا للموت، فلكونه الله والحياة، فقد طرد منه الفساد (الانحلال)، وجعله أيضًا يصير مصدر الحياة؛ لأنه هكذا ينبغى أن يكون جسد ذاك الذي هو الحياة.
ولا تكونوا غير مصدقين لما قلته، بل بالحري اقبلوا الكلمة بإيمان بعد أن جمعتُ براهين من أمثلةٍٍ قليلة. عندما تطرحون قطعة خبز فى خمر أو زيت أو أى سائل آخر، فستجدون أنها صارت تحمل خاصية ذلك السائل الخاص، وعندما يوضع الحديد فى النار، فإنه يصير ممتلئًا بكل فاعليتها؛ وبينما هو بالطبيعة حديد، لكنه يعمل بقوة النار. وهكذا كلمة الله المحيى، إذ قد وحَّد نفسه بجسده الخاص بطريقة معروفة لديه (فقط)، فقد منحه قوة إعطاء الحياة. وهو نفسه يؤكد لنا هذا بقوله: ” الحق أقول لكم من يؤمن بى فله حياة أبدية، أنا هو خبز الحياة ” (يو47:6،48) وأيضًا: ” أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء، إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطى هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم. الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير، لأن جسدى مأكلٌ حقٌ، ودمى مشربٌ حقٌ، من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فىَّ وأنا فيه. كما أرسلني الآب الحي وأنا حي بالآب، فمن يأكلنى فهو يحيا بى” (يو53،51:6ـ57). لذلك عندما نأكل الجسد المقدس الذي للمسيح مخلصنا جميعًا، ونشرب دمه الثمين، تكون لنا حياة فينا، بكوننا جُعلنا واحدًا معه، كائنين فيه ومقتنين له أيضًا فينا.
لا تدعو أحدًا من أولئك الذين اعتادوا عدم التصديق أن يقول: ” إذن، حيث إن كلمة الله لكونه بالطبيعة الحياة، وهو يقيم أيضًا فينا، فهل جسد كل واحد منّا سيُمنح أيضًا القوة لإعطاء الحياة؟ من يقول ذلك فليعلم بالأحرى أنه شئ مختلف تمامًا، بين أن يكون الابن فينا بمشاركة نسبية، وبين أن يصير هو نفسه جسدًا؛ أى أن يجعل ذلك الجسد الذي أُخذ من العذراء القديسة خاصًا له (أى يجعله جسده الخاص). لأنه لا يُقال عنه إنه صار متجسدًا، أو صار جسدًا، بوجوده فينا، بل بالحري فإن هذا حدث مرة واحدة عندما صار إنسانًا دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. لذلك فإن جسد الكلمة كان هو ذاك الذي اتخذه لنفسه من العذراء القديسة وجعله واحدًا معه؛ أما كيف أو بأية طريقة حدث هذا، فهو أمر آخر لا يمكننا أن نخبر به، لأنه أمر غير قابل للشرح ويفوق تمامًا قدرات العقل، وكيفية هذا الاتحاد هى معروفة له هو وحده فقط.
لذلك، كان يليق به أن يكون فينا إلهيًا بالروح القدس، وكذلك أيضًا ـ إن جاز القول ـ يمتزج بأجسادنا بواسطة جسده المقدس ودمه الثمين، اللذين نقتنيهما أيضًا كإفخارستيا معطية للحياة فى هيئة الخبز والخمر، إذ، لئلا نرتعب برؤيتنا جسدًا ودمًا (بصورة حسية) فعلية، موضوعين على الموائد المقدسة فى كنائسنا، فإن الله إذ وضع (أنزل) ذاته إلى مستوى ضعفاتنا، فإنه يسكب فى الأشياء الموضوعة أمامنا قوة الحياة، ويحوّلها إلى فاعلية جسده، لكيما نأخذها لشركة معطية للحياة، وكى يوجد فينا جسد (ذاك الذي هو) الحياة، كبذرة تنتج حياة. ولا تشك فى أن هذا حقيقى، حيث إنه هو نفسه قال بوضوح: ” هذا هو جسدى، هذا هو دمى“، بل بالحري إقبل كلمة المخلص بإيمان، لأنه هو لكونه الحق، فلا يمكنه أن يكذب. وهكذا سوف تكرِّمه، لأنه كما يقول يوحنا الحكيم جدًا: “من قِبل شهادته فقد ختم أن الله صادق، لأن الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله” (يو34،33:3). لأن كلام الله هو طبعًا صادق ولا يمكن أبدًا أن يكون كاذبًا؛ لأنه وإن كنا لا نفهم بأية طريقة يعمل الله مثل هذه الأعمال، لكن هو نفسه يعرف طريقة (عمل) أعماله. لأنه عندما لم يفهم نيقوديموس كلمات الرب المختصة بالمعمودية المقدسة وقال بجهل: ” كيف يمكن أن يكون هذا؟” (يو9:3)، فإنه سمع المسيح يجيب قائلاً: ” الحق أقول لك إننا إنما نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا ولستم تقبلون شهادتنا، إن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون، فكيف تؤمنون إن قلت لكم السماويات؟ ” (يو11:3،12) لأنه كيف يمكن لإنسان أن يعرف تلك الأشياء التى تعلو على قدرات إدراكنا وعقلنا؟ لذلك، فلنكرّم سرّنا الإلهي هذا، بالإيمان….
(ممجدين المخلص) الذي به ومعه يليق لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الهدور آمين.
3 هذا التعبير يستخدمه الآباء كثيرًا عن الإفخارستيا .
عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد
” وجاء يوم الفطير الذي ينبغي أن يُذبح فيه الفصح، فأرسل بطرس ويوحنا قائلاً اِذهبا وأعدا لنا الفصح لنأكل، فقالا له أين تريد أن نعد؟ فقال لهما إذا دخلتما المدينة يستقبلكما إنسان حاملٌ جرة ماء، اتبعاه إلى البيت حيث يدخل وقولا لرب البيت يقول لك المعلم أين الغرفة التى آكل فيها الفصح مع تلاميذى؟ فيريكما عِلِّيَّة كبيرة مفروشة؛ هناك أعدا، فانطلقا ووجدا كما قال لهما. فأعدا الفصح”.
ولما كانت الساعة جلس للأكل والاثنا عشر رسولاً معه، وقال لهم: شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم. لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله”.
إن الناموس بظلاله سبق فأشار منذ القديم إلى سر المسيح؛ والمسيح نفسه يشهد عن هذا عندما قال لليهود: ” لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوننى لأنه هو كتب عنى ” (يو46:5)، ففى كل موضع (فى الناموس) توضح الظلال والمثالات لنا، المسيح مذبوحًا لأجلنا “كالحمل” الذي بلا عيب حقًا، كما توضحه مقدِّسًا إيانا بواسطة دمه المعطى الحياة..، وبالإضافة إلى ذلك فإننا نجد كلمات الأنبياء القديسين فى توافق تام مع كلمات موسى الحكيم جدًا، كما يقول بولس ” لكن لما جاء ملء الزمان ” (غل4:4)، الزمان الذي كان فيه كلمة الله الوحيد على وشك أن يخلى ذاته، وأن يحتمل الولادة بالجسد من امرأة ويخضع للناموس، بحسب القياس المناسب للطبيعة البشرية، وبعد ذلك قدم نفسه ذبيحة لأجلنا، مثل الحمل الذي بلا عيب حقًا، فى اليوم الرابع عشر من الشهر الأول. وهذا العيد كان يُدعى ” الفصح” (بصخة Pascha) وهى كلمة باللغة العبرية وتعنى العبور، لأنهم هكذا يفسرونها ويقولون إن هذا هو معناها.
إذن يجب أن نشرح ما هو هذا الشيء الذي نعبر منه وما هو البلد الذي نسير نحوه، وبأى طريقة نحقق مسيرتنا، فإنه كما أن إسرائيل قد أُنقذ من طغيان المصريين وفك عنقه من نير العبودية وصار حُرًا، وإذ هرب من عنف الطاغية، فإنه عبر بأقدام جافة ـ بطريقة عجيبة يعجز اللسان عن وصفها ـ وسط البحر، وارتحل تجاه الأرض الموعود بها؛ هكذا نحن أيضًا الذين قبلنا الخلاص الذي فى المسيح، يجب علينا ألاّ نرضى بالبقاء بعد فى أخطائنا السابقة، وألاّ نستمر فى طرقنا الشريرة بل بشجاعة نعبر بحر اضطراب هذا العالم الباطل، وعواصفه. وهكذا فإننا نعبر من محبة الجسد إلى التعفف؛ من جهلنا السابق إلى معرفة الله الحقيقية؛ من الشر إلى الفضيلة؛ ونعبر بالرجاء من لوم الخطية إلى أمجاد البر؛ ومن الموت إلى عدم الفساد. لذلك فإن العيد الذي حمل فيه عمانوئيل صليب الخلاص لأجلنا يُسمى الفصح.
لكن لننظر إلى الذي هو الحق والذي لا يزال يُكرّم بالرموز التى كانت تشير إليه، وهو لا يزال يسمح للظلال بأن تكون صادقة، إذ يقول النص: “ولما جاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يُذبح فيه الفصح “، فأرسل للمدينة تلميذين مختارين من الرسل القديسين، وهما بطرس ويوحنا قائلاً : “سوف يستقبلكما إنسان حامل جرة ماء، اتبعاه إلى البيت حيث يدخل، وقولا لرب البيت: يقول لك المعلم أين الغرفة التى آكل فيها الفصح مع تلاميذى؟“. لكن ربما يقول أحدهم، لماذا لم يذكر لهما بوضوح اسم الرجل الذي أرسلهما إليه؟ لأنه لم يقل: عندما تمضون إلى فلان أو فلان ـ وهناك أعدا الفصح فى بيته، لكن فقط أعطاهما علامة ـ ” إنسان حامل جرة ماء“. فبماذا نجيب على هذا الكلام؟ انظروا! فإن يهوذا الخائن كان قد سبق فوعد اليهود أن يسلمه لهم، وكان مستمرًا فى صحبته (للمسيح) يرقب فرصة ليسلمه، وبينما كان لا يزال يعلن الحب الواجب من التلميذ لمعلمه فإنه قد سمح للشيطان أن يدخل قلبه، وكان يتمخض بجريمة القتل ضد المسيح مخلصنا جميعًا. لذلك أعطى المسيح علامة (للتلميذين) لكي يمنعه من معرفة من هو ذاك الشخص، فيسرع يهوذا ليخبر أولئك الذين استأجروه. لذلك قال: “يستقبلكما إنسان حامل جرة ماء“.
أو ربما يتكلم المسيح هكذا ليشير بهذا إلى سر مهم، لأنه حيث تدخل المياه ـ أى المعمودية المقدسة ـ فهناك يسكن المسيح، كيف أو بأية طريقة؟ ذلك لأنها تحررنا من كل نجاسة، ونُغسل بواسطتها من أدناس الخطية، ولكي نصير أيضًا هيكلاً مقدسًا لله وشركاء فى طبيعته الإلهية بشركة الروح القدس. لذلك فلكي يستريح المسيح ويقيم فينا، فلنقبل المياه الخلاصية معترفين أيضًا بالإيمان الذي يبرر الأثيم. ولكى يرفعنا عاليًا لكى ما نُحسب عِلِّيَّة، لأن أولئك الذين يسكن فيهم المسيح بالإيمان لهم ذهن مرتفع عاليًا، يبغض الزحف على التراب، ويرفض الالتصاق بالأرض، وفى كل شئ يطلب ما هو سامٍ فى الفضيلة، لأنه مكتوب:” لأن أعزاء الله قد ارتفعوا عاليًا (فوق الأرض)” (مز9:46س)، لأن ليس لهم هنا مدينة باقية لكنهم يطلبون العتيدة (انظر عب14:13)، وبينما هم يسيرون على الأرض، فإنهم يفكرون فى تلك الأمور التى فوق، وسيرتهم (مدينتهم) هى فى السماء (انظر فى20:3).
يمكننا أيضًا أن نلاحظ أمرًا صحيحًا وعجيبًا، يحدث دائمًا بيننا؛ وأعنى به أن من يقدرون حياتهم الجسدانية كثيرًا، عادةً يكونون منتفخين وقلوبهم مملوءة من الكبرياء الملعونة والمكروهة من الله؛ لكن مع ذلك ربما يؤتى بهم إلى الانكسار (فيما بعد) وهم لا يزالون على الأرض؛ بينما أولئك المساكين بالروح ينالون الرفعة بواسطة الكرامة والمجد اللذين يأتيان من الله. كما يكتب تلميذ المسيح قائلاً: ” ليفتخر الأخ المتضع بارتفاعه، وأما الغنى فباتضاعه لأنه كزهر العشب يزول ” (يع9:1،10). لذلك لا يخطئ من يقول إن نفس كل قديس هي ” عِلِّيَّة “.
بعد ذلك لما أعدّ التلاميذ الفصح، أكل المسيح معهم، ولكونه طويل الأناة مع الخائن، فإنه تفضل بقبوله على مائدة الفصح بدافع شفقته المملوءة حبًا وغير المتناهية؛ لأن يهوذا كان قد صار خائنًا إذ أن الشيطان كان ساكنًا فيه. وقال المسيح أيضًا لرسله القديسين: ” شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم“. لنفحص المغزى العميق لهذا التعبير، ولنفتش عن المعنى المختفي فيه، وما الذي كان يقصده المخلّص.
لذلك حيث إننى سبق أن قلت إن التلميذ الطمّاع كان يطلب فرصة ليسلمه، ولكي لا يسلمه لقاتليه قبل عيد الفصح، فإن المخلّص لم يعلن لا عن البيت ولا عن الشخص الذي سيحتفل عنده بالعيد، ولكى يشرح لهم سبب عدم رغبته فى أن يصرّح له علانية باسم من سيذهب عنده، قال لهم: ” شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم“؛ وكأنه يقول: إننى اجتهدت بكل حذر لكى أتمكن من الإفلات من خبث الخائن، لكيلا احتمل آلامى قبل وقتها.
” ولكنى لا آكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله“. وبهذا الكلام أيضًا ينطق المسيح بحقيقة عميقة وسرية، لكن هو نفسه يكشف معناها لنا لأن من عادته أن يطلق اسم “ملكوت السماوات” على ” التبرير بالإيمان”، وعلى التطهير الذي يتم بالمعمودية المقدسة وشركة الروح القدس وعلى تقديم العبادة الروحية التى صارت الآن ممكنة بالدخول فى وصايا الإنجيل. لكن هذه الأشياء هى الوسائط التى تجعلنا شركاء فى المواعيد وفى المُلك مع المسيح؛ لذلك يقول: لن اقترب من مثل هذا الفصح بعد ذلك، أي ذلك الفصح الذي يتكون من أكل رمزى ـ لأن حملاً من القطيع ذُبح ليكون مثالاً للحمل الحقيقى (ويكمل) ” حتى يكمل فى ملكوت الله “، أى إلى حين مجيء الوقت الذي فيه يُكرز بملكوت السماوات. لأن هذا يتحقق فينا نحن الذين نكرّم العبادة التى هى أعلى من الناموس والتى هي الفصح الحقيقي، فالذي يُقدِّس الذين هم فى المسيح ليس خروفًا من القطيع، بل بالحرى المسيح نفسه (هو الذي يقدسهم)، الذي جُعِلَ “ذبيحة مقدسة” لأجلنا، “بتقديم قرابين” غير دموية، وتقديم “الشكر” السرى، الذي فيه ننال “البركة” ونُعطَى الحياة بالحياة[2]. لأنه هو صار لنا الخبز الحي الذي نزل من السماء والذي يعطى الحياة للعالم (انظر يو33:6، 50)، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان، مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.
[1] يوصى القديس كيرلس الكبير أن تُقرأ هذه العظة يوم الخميس فى أسبوع السر، ويقصد الأسبوع الذي تحقق فيه سر الخلاص بتأسيس الإفخارستيا والصلب والقيامة.
[2] هذه الفقرة الهامة هى باللغة اليونانية كما يلي:
إن الكلمة `Ierougšw ” يخدم فى خدمة مقدسة”، هذه الكلمة هى كلمة رسولية واردة فى رومية16:15 (ƒerourgoàvta to euaggšlion) وتُرجمت فى طبعة دار الكتاب المقدس “مباشرًا لإنجيل الله ككاهن ” وترجمتها الدقيقة ” خادمًا فى الخدمة الكهنوتية لإنجيل الله ” . وكذلك الكلمة eÙlog…a = ” البركة ” كانت تُطلق فى العصور الأولى بصفة ثابتة على الإفخارستيا المقدسة بالاستناد إلى كورنثوس الأولى 16:10 ” كأس البركة to pot»rion thj eÙlog…aj”. إن استخدام هذه الكلمات يظهر العلاقة الوثيقة التكاملية بين الحياة الليتورجية للمسيحيين الأُول وبين فهمهم للكتب المقدسة. (هذه الملاحظات لمترجم النص الإنجليزى لتفسير إنجيل لوقا Payne Smith سنة 1859).
خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد
إنه أمر يملأنا بكل بركة أن نصير شركاء المسيح بالذهن وبالحواس معًا، لأنه يحل فينا، أولاً، بالروح القدس، فنصير نحن مسكنه، بحسب ما قاله في القديم أحد الأنبياء القديسين: ” لأني سأسكن فيهم وأقودهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا” (حز27:37س).
لكنه هو أيضًا يحلُّ داخلنا بطريقة أخرى بواسطة مشاركتنا في قربان التقدمات غير الدموية التي نحتفل بها في الكنائس؛ إذ قد تسلَّمنا منه النموذج الخلاصي للطقس مثلما يرينا بوضوح الإنجيلي المبارك في النص الذي قرأناه منذ قليل، فهو يخبرنا أنه: ” تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه اقتسموها بينكم“. وبتقديمه الشكر ـ الذي يُقصد به التحدث مع الله الآب في صيغة صلاة، فإنه يعنى بالنسبة لنا أنه ـ إن جاز القول ـ يشارك ويساهم مع الآب في مسرته الصالحة في منحه لنا البركة المحيية التي أُسبغت علينا حينئذ، لأن كل نعمة وكل موهبة تامة تأتى إلينا من الآب بالابن في الروح القدس. وإذن فهذا العمل كان نموذجًا لنا لكي نستخدمه في الصلاة التي ينبغي أن تُقدَّم، كلما بدأنا أن نضع أمامه نعمة “التقدمة السريَّة المحيية”[1]، وتبعًا لذلك فإننا اعتدنا أن نفعل هذا، لأننا إذ نُقدِّم أولاً تشكُّرَاتنا، مُقدِّمين تسابيحنا لله الآب ومعه الابن والروح القدس، فإننا نقترب هكذا من الموائد المقدسة مؤمنين أن ننال حياة وبركة؛ روحيًّا وجسديًّا، لأننا نستقبل في داخلنا كلمة الآب الذي صار إنسانًا لأجلنا، والذي هو الحياة ومعطي الحياة.
لذلك فلنسأل على قدر استطاعتنا، ما هو الرأي الذي نعتقد به عن هذا السر؟ لأنه واجب علينا أن نكون “ مستعدين لمجاوبة كل من يسألنا عن سبب الرجاء الذي فينا” كما يقول الحكيم بطرس (1بط15:3). لأن ” إله الكل خلق كل الأشياء للخلود، وبدايات العالم كانت حياة، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم” (حكمة24:2)، فقد كانت تلك الحيَّة المتمرِّدة هي التي قادت الإنسان الأول إلى تعدِّى الوصيَّة وإلى العصيان، والتي بواسطتها سقط تحت اللعنة الإلهية، وفى شبكة الموت، فقد قيل له: ” لأنك تراب وإلى التراب تعود” (تك19:3). فهل كان من الصواب أنَّ ذلك الذي خُلق للحياة والخلود، يصير مائتًا ومحكومًا عليه بالموت بدون أية إمكانية للهروب؟ هل ينبغي أن يكون حسد إبليس أكثر حصانة وثباتًا من إرادة الله؟ ليس الأمر هكذا؛ بل إن حسد إبليس قد أخفق تمامًا؛ ورحمة الخالق قد فاقت النتائج الشريرة لخبثه، فقد أعطى الله معونة لأولئك الذين على الأرض. فماذا إذن كانت الطريقة التي ساعدهم بها؟ إنها طريقة عظيمة بالحق ورائعة وجديرة بالله، نعم، جديرة لأقصى درجة بالعقل الأعلى (بالله)، لأن الله الآب هو حياة بطبيعته؛ ولكونه هو وحده حياة، فقد جعل الابن الذي هو نفسه أيضًا حياة، أن يضيء ويشرق، لأنه لا يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك مع ذاك الذي هو الكلمة الذي صدر جوهريًا من الحياة، لأنه يلزم ـ أقول يلزم ـ أن يكون هو نفسه أيضًا حياة، لكونه هو ذاك الذي نبع من الحياة، نبع من ذاك الذي ولده.
عشاء الرب – إنجيل لوقا 22 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
لذلك فإن الله الآب يعطى الحياة لكل الأشياء بالابن في الروح القدس؛ وكل ما يوجد ويتنفس في السماء وعلى الأرض، إنما يأخذ وجوده وحياته من الله الآب بالابن في الروح القدس. لذلك، لا طبيعة الملائكة ولا أي شيء آخر مهما كان، ممَّا هو مخلوق، ولا أي شيء جاء من عدم الوجود إلى الوجود، يمتلك حياة (في ذاته) كثمرة لطبيعته الخاصة؛ بينما على العكس، فالحياة تنشأ ـ كما قلت ـ من الجوهر الذي يفوق الكل، وهو أمر خاص به وحده أن تكون له القدرة على إعطاء حياة، وذلك بسبب أنه هو بالطبيعة الحياة.
إذن، فكيف يمكن للإنسان على الأرض، الذي هو ملتحف بالموت أن يعود إلى عدم الفساد (عدم الانحلال). أجيب بأنه يلزم لهذا الجسد المائت أن يصير شريكًا للقوة المحيية التي تأتى من الله. لكن قوة الله الآب المحيية هي الكلمة الوحيد الجنس، وهو الذي أرسله لنا (الآب) كمخلِّص ومحرِّر. أمَّا كيف أرسله لنا، فهذا ما يخبرنا به بوضوح يوحنا الإنجيلي المبارَك عندما يقول: ” والكلمة صار جسدًا وحل فينا” (يو14:1). لكنه صار جسدًا دون أن يخضع لأيِّ تغيُّر أو تحول إلى ما لم يكونه، ودون أن يتوقف عن أن يكون هو الكلمة ـ لأنه لا يعرف ما معنى أن يعاني ظل تغيير، بل بالحري بكونه وُلِدَ بالجسد من امرأة وأخذ لنفسه ذلك الجسد منها، لكيما إذ قد غرس نفسه فينا باتحاد لا يقبل الانفصال، يمكنه أن يرفعنا فوق سلطان الموت والانحلال كليهما معًا. وبولس هو الشاهد لنا، حيث يقول عنه وعنا: ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضًا كذلك فيهما، لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس، ويُعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية، لأنه حقًّا ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم، من ثمَّ كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء” أي يُشبهنا (عب14:2ـ17). لأنه صار مثلنا، وكسى ذاته بجسدنا، لكيما بإقامته إياه (الجسد) من الموت، يُعِد ـ من الآن فصاعدًا ـ طريقًا يمكن به للجسد الذي وُضع (أُذل) حتى الموت، أن يعود من جديد إلى عدم الفساد (الانحلال). لأننا متَّحِدون به مثلما كنا أيضًا متَّحدين بآدم، عندما جلب على نفسه عقوبة الموت. وبولس يشهد لهذا، إذ كتب هكذا في أحد المرات: “ فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات” (1كو21:15) ويقول أيضًا: “ لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيا الجميع” (1كو22:15). لذلك فإن الكلمة، إذ وحَّد مع ذاته ذلك الجسد الذي كان خاضعًا للموت، فلكونه الله والحياة، فقد طرد منه الفساد (الانحلال)، وجعله أيضًا يصير هو مصدر الحياة؛ لأنه هكذا ينبغي أن يكون جسد (ذاك الذي هو) الحياة.
ولا تكونوا غير مصدِّقين لما قلته، بل بالحري اقبلوا الكلمة بإيمان بعد أن جمعتُ براهين من أمثلةٍٍ قليلة. عندما تطرحون قطعة خبز في خمر أو زيت أو أي سائل آخر، فستجدون أنها صارت تحمل خاصية ذلك السائل الخاص، وعندما يوضع الحديد في النار، فإنه يصير ممتلئًا بكل فاعليتها؛ وبينما هو بالطبيعة حديد، لكنه يعمل بقوة النار. وهكذا كلمة الله المحيى، إذ قد وحَّد نفسه بجسده الخاص بطريقة معروفة لديه (فقط)، فقد منحه قوة إعطاء الحياة. وهو نفسه يؤكد لنا هذا بقوله: ” الحق أقول لكم من يؤمن بي فله حياة أبدية، أنا هو خبز الحياة” (يو47:6و48) وأيضًا: ” أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء، إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم. الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير، لأن جسدي مأكلٌ حقٌ، ودمي مشربٌ حقٌ، من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه. كما أرسلني الآب الحي وأنا حي بالآب، فمن يأكلني فهو يحيا بي” (يو53،51:6ـ57). لذلك عندما نأكل الجسد المقدس الذي للمسيح مخلِّصنا جميعًا، ونشرب دمه الثمين، تكون لنا حياة فينا، بكوننا جُعلنا واحدًا معه، كائنين فيه ومقتَنين له أيضًا فينا.
لا تدعو أحدًا من أولئك الذين اعتادوا عدم التصديق أن يقول: ” إذن، حيث إن كلمة الله لكونه بالطبيعة الحياة، وهو يقيم أيضًا فينا، فهل جسد كل واحد منَّا سيُمنح أيضًا القوة لإعطاء الحياة؟ من يقول ذلك فليعلم بالأحرى أنه شيء مختلف تمامًا، بين أن يكون الابن فينا بمشاركة نسبيَّة، وبين أن يصير هو نفسه جسدًا؛ أي أن يجعل ذلك الجسد الذي أُخِذ من العذراء القديسة خاصًّا له (أي يجعله جسده الخاص). لأنه لا يُقال عنه إنه صار متجسِّدًا، أو صار جسدًا، بوجوده فينا، بل بالحري فإن هذا حدث مرَّة واحدة عندما صار إنسانًا دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. لذلك فإن جسد الكلمة كان هو ذاك الذي اتَّخذه لنفسه من العذراء القديسة وجعله واحدًا معه؛ أمَّا كيف أو بأية طريقة حدث هذا، فهو أمر آخر لا يمكننا أن نخبر به، لأنه أمر غير قابل للشرح ويفوق تمامًا قدرات العقل، وكيفية هذا الاتحاد هي معروفة له هو وحده فقط.
لذلك، كان يليق به أن يكون فينا إلهيًّا بالروح القدس، وكذلك أيضًا ـ إن جاز القول ـ يمتزج بأجسادنا بواسطة جسده المقدس ودمه الثمين، اللذين نقتنيهما أيضًا كإفخارستيا مُعطِية للحياة في هيئة الخبز والخمر، إذ، لئلا نرتعب برؤيتنا جسدًا ودمًا (بصورة حِسِّيَّة) فِعلِيَّة، موضوعين على الموائد المقدسة في كنائسنا، فإن الله إذ وضع (أنزل) ذاته إلى مستوى ضعفاتنا، فإنه يسكب في الأشياء الموضوعة أمامنا قوة الحياة، ويُحوِّلها إلى فاعلية جسده، لكيما نأخذها لشركة معطية للحياة، وكي يوجد فينا جسد (ذاك الذي هو) الحياة، كبذرة تنتج حياة. ولا تشك في أنَّ هذا حقيقي، حيث إنه هو نفسه قال بوضوح: ” هذا هو جسدي، هذا هو دمي“، بل بالحري اقبَل كلمة المخلِّص بإيمان، لأنه هو لكونه الحق، فلا يمكنه أن يكذب. وهكذا سوف تكرِّمه، لأنه كما يقول يوحنا الحكيم جدًّا: ” مَن قِبل شهادته فقد ختم أن الله صادق، لأن الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله” (يو34،33:3). لأن كلام الله هو طبعًا صادق ولا يمكن أبدًا أن يكون كاذبًا؛ لأنه وإن كنا لا نفهم بأية طريقة يعمل الله مثل هذه الأعمال، لكن هو نفسه يعرف طريقة (عمل) أعماله. لأنه عندما لم يفهم نيقوديموس كلمات الرب المختصَّة بالمعمودية المقدسة وقال بجهل: ” كيف يمكن أن يكون هذا؟” (يو9:3)، فإنه سمع المسيح يجيب قائلاً: ” الحق أقول لك إننا إنما نتكلم بما نَعلَم ونشهد بما رأينا ولستم تقبلون شهادتنا، إن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون، فكيف تؤمنون إن قلت لكم السماويات؟” (يو11:3و12)، لأنه كيف يمكن لإنسان أن يعرف تلك الأشياء التي تعلو على قدرات إدراكنا وعقلنا؟ لذلك، فلنكرِّم سرّنا الإلهي هذا، بالإيمان.
أما يهوذا الخائن، الذي كان يأكل معه، فقد توبخ بتلك الكلمات التي قالها المسيح: ” ولكن هوذا يد الذي يسلِّمني هي معي على المائدة“. لأنه ربما تخيَّل في حماقته العظيمة، أو ربما بالأحرى لكونه امتلأ بكبرياء إبليس، أنه يمكنه أن يخدع المسيح، مع أنه الإله. لكن كما قلت، إنه أُدين لكونه بالإجمال شريرًا ومبغضًا لله وخائنًا؛ ومع هذا فقد سمح له الرب وتنازل ودعاه إلى المائدة، وقد حُسب أهلاً للُّطف الإلهي حتى النهاية؛ لكن بهذا صارت عقوبته أكثر شدة. لأن المسيح قال عنه في موضع ما بصوت المرنم: ” لو كان عدو يُعيِّرني لاحتملتُ، ولو كان الذي يكرهني يتكلم علىَّ بكبرياء لاختبأتُ منه، بل أنت إنسان عديلي، أليفي وصديقي، الذي معه كانت تحلو لنا العشرة، إلى بيت الرب كنا نذهب باتفاق” (مز12:54ـ14س). لذلك، فبحسب كلمات المخلص: ويل له! لأن المسيح ـ في الحقيقة ـ بذل نفسه عوضًا عنا، بحسب مشيئة الله الآب الصالحة، لكيما يخلِّصنا من كل شيء. أما الإنسان الذي خان مخلِّص ومنقذ الكل وسلَّمه إلى أيدي القتلة، فسيكون نصيبه الدينونة، التي هي العقاب المناسب لإبليس. لأن ذنبه ليس ضد واحد مثلنا، بل ضد رب الكل؛ الذي به ومعه يليق لله الآب التسبيح والسلطان، مع الروح القدس، إلى دهر الدهور. آمين.
3 هذا التعبير “التقدمة المحيية ” (باليونانية δωροφορίας) يستخدمه الآباء كثيرًا عن الإفخارستيا .
عشاء الرب – إنجيل لوقا 22 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
سنجيب على هذا السؤال من ثلاثة جوانب: 1-موقع العشاء الاخير الزمني بالنسبة لفصح اليهود. 2-خصائص العشاء الاخير الفصحية. 3-كيف فهم مسيحيو العهد الجديد هذا العشاء كعشاء فصحي[1].
أولاً/ موقع العشاء الاخير الزمني بالنسبة لفصح اليهود: عند الشفق الذي يُنهي غروب 14 نيسان ويبدأ معه 15 نيسان يُذبح الحمل الفصحي اليهودي ويُرش دمه على عتبات المنازل. وعندما صارت الحملان تُذبح في الهيكل (بدأ هذا قبل أيام المسيح)، كان الذبح يبدأ بعدة ساعات قبل غروب 14 نيسان. بعد غروب 14 نيسان يبدأ يوم 15 نيسان في التقويم اليهودي، فيُحمّص الحمل المذبوح ويؤكل مع خبز فطير وأعشاب مرّة.
مع بداية 15 نيسان يبدأ أسبوع من عيد الفطير. وقبل أيام يسوع ب600 سنة تمّ دمج هذين العيدين معاً بصورة صارت الإشارات الإنجيلية إلى عيد الفصح أو عيد الفطير غير واضحة تماماً لتحديد تاريخ أي منهما. تتفق الأناجيل الأربعة في أن العشاء الاخير حدث يوم الخميس، وأن الصلب حدث يوم الجمعة. إنما يوجد عدم تطابق في تاريخ عيد الفصح اليهودي في أسبوع الآلام بين الأناجيل الإزائية وبين إنجيل يوحنا. إختصاراً لهذه النقطة سنستعرض هذين التاريخين في الجدول التالي:
كتابياً، لا يوجد تناقض حقيقي بين هذين التاريخين. يمكن مراجعة مناقشة هذه النقطة كتابياً في المرجع السابق المذكور. تاريخ يوحنا هو الأصح. وليتورجيا الكنيسة الأرثوذكسية تتبنّى تاريخ يوحنا.
ثانياً/ خصائص العشاء الاخير الفصحية: توجد خصائص فصحية واضحة في العشاء الاخير[2]. من هذه الخصائص بإختصار:
حدث العشاء الاخير في أورشليم (مر14: 13 وموازياته؛ يو18: 1). كان يسوع يمضي ليلته في الأسبوع الاخير في بيت عنيا (مر11: 11 وموازياته)، بينما تناول العشاء الاخير في أورشليم (المزدحمة بموسم الحج أثناء الفصح. قُدّر عدد الناس أكثر من 100000 نسمة)، كي يحافظ على قاعدة الفصح القائلة يجب تناول الفصح في أورشليم.
حدث مع الاثني عشر (مر14: 17؛ مت26: 20) حتى يتفق مع قاعدة الفصح في أنه على الأقل عشرة أشخاص يجب أن يشاركوا فيه.
اتكأوا إلى المائدة (مر14: 18 وموازياته؛ يو13: 21 و23). يتكأ الآكلون في مناسبات معينة (حفلة، عيد، زفاف). وفي العشاء الفصحي يتكئ المشاركون دلالة على التحرر من العبودية (إحتفالاً).
كسر الخبز (مر14: 22؛ مت26: 26). مر14: 22 يذكر وجبة فيها كُسر الخبز بعد تقديم صحنٍ. عادة الفصح هو الوجبة الوحيدة في السنة التي يُقدّم فيها صحنٌ يسبق كسر الخبز.
شرب الخمر (مر14: 23 وموازياته). شرب الخمر يحدث فقط في المناسبات (ختان، خطبة، زفاف،، أحزان)، وفي الأعياد (الفصح، العنصرة، عيد المظال).
توكيل يهوذا بالتبرّع للفقراء (يو13: 29). إفترض التلاميذ أن يسوع قد فوّض يهوذا (يو13: 26) بإعطاء شيء للفقراء، “وكان ليلاً” (يو13: 30). من الصعب الإفتراض أن يسوع قد إعتاد على التصدّق للفقراء ليلاً إلا إذا كان العشاء الاخير عشاءاً فصحياً حيث كان من المعتاد القيام بهذا.
إختتام العشاء الاخير بالتسبيح (مر14: 26؛ مت26: 30). التسبيح يخصّ العشاء الفصحي وهو مختلف عن الشكر في نهاية كل وجبة.
عدم العودة إلى بيت عنيا بعد العشاء: عاد يسوع إلى جبل الزيتون (مر14: 26 وموازياته)، إلى بستان شرقي وادي قدرون (يو18: 1)، لأنه يجب تمضية ليلة الفصح في أورشليم التي كانت تضم أيام يسوع بيت فاجي وبيت عنيا ووادي قدرون وبستان جثسيماني.
تفسير الخبز والخمر: فسّر يسوع معنى الخبز والخمر في العشاء الاخير. وتفسير عناصر الوجبة جزء راسخ من الطقس الفصحي. إذ يفسّر ربّ العائلة عناصر الوجبة الفصحية (الحمل، الفطير، الأعشاب المرّة). هنا أعطى يسوع تفسيراً جديداً، تفسيره هو، لعناصر العشاء الاخير بطريقة جديدة تشير إلى ذبيحته وإلى كونه الحمل الفصحي.
ثالثاً/ كيف فهم مسيحيو العهد الجديد هذا العشاء كعشاء فصحي: ذكر بولس تقليداً مسلّماً إليه (يعود ربما إلى الثلاثينات) لعشاء اخير حدث قبل موت يسوع (1 كور11: 23-25). وطلب من قرّائه أن ينقّوا الخميرة العتيقة بمقدار ما هم فطيرٌ، “لأن فصحنا ايضاً، المسيح، قد ذُبح لأجلنا” (1 كور5: 7). فالمسيح قام من الأموات وصار “باكورة الراقدين” (15: 20). إذاً، موت يسوع وقيامته في ذهن بولس مرتبطان برمزية الأيام الإفتتاحية لموسم الفصح/ الفطير.
لهذا فالعشاء الاخير ليسوع قد فهمه المسيحيون لاهوتياً كعشاء فصحي، وربطوا موت يسوع بتضحية الحمل الفصحي، فصار يسوع هو الحمل الفصحي (1 بطر1: 19). ورؤيا يوحنا (5: 6-14) تصوّر المسيح، في إطار ليتورجي من الصلوات والبخور، كحملٍ مذبوحٍ، دمه أشترى الناس من كل قبيلة لله. (مرقس14: 12-16) يقدّم العشاء الاخير كعشاء فصحي. و(لوقا22: 15) يفسّر مرقس عندما بدأ يسوع العشاء بالقول إنه إشتهى أن يأكل هذا الفصح مع تلاميذه قبل آلامه.
ومن الواضح أنه في هذا العشاء الفصحي إن الكلمات الملفوظة بالإشارة إلى الخبز والخمر تعطي جسد يسوع ودمه المكان المركزي الرئيسي المخصّص عادة للحمل المضحّى به في الهيكل. هذا الحمل لم يُذكر قد لدى العشاء الاخير في الأناجيل، لأن يسوع هو الحمل الفصحي هنا. أما يوحنا فقد قدّم رؤية ليسوع على أنه الحمل الفصحي. فيسوع هو “حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو1: 29 و36)، و”دم يسوع المسيح إبنه يطهرنا من كل خطية” (1 يو1: 7)، و”هو كفارة خطايانا” (1 يو2: 2).
والجنود لا يكسرون عظماً ليسوع (يو19: 33)، مكملّين وصفاً كتابياً للحمل الفصحي (خر12: 10، 46؛ العدد9: 12). وتُستعمل الزوفى لرفع إسفنجة مملوءة خلاً إلى شفتي يسوع (يو19: 29) كما أُستعملت الزوفى لرش دم الحمل الفصحي على عتبات بيوت الإسرائيليين (خر12: 22). هكذا كان العشاء الاخير عشاءاً فصحياً، كان يسوع فيه هو الحمل الفصحي، إذ قدّم جسده ودمه للمؤمنين به لينالوا الخلاص.
والأناجيل الإزائية فهمت هذا العشاء كعشاء فصحي إنما لم تراعٍ التاريخ الزمني بالنسبة لفصح اليهود، مشيرة إلى أن يسوع قد أقام فصحه الخاص به، فصحاً جديداً، لكي يلغي الفصح اليهودي. بينما كان العشاء الاخير عشاءاً فصحياً لدى يوحنا، حيث كان فيه يسوع هو الحمل الفصحي الذي ذُبح على الصليب عندما كانت حملان اليهود الفصحية تُذبح في الهيكل. هكذا تتفق الأناجيل الأربعة في اللاهوت الفصحي الواحد نفسه[3].
[1] راجع الدراسة المفصلة في الدراسات الكتابية في الجزء الثالث من شرح الذهبي الفم لإنجيل متى.
[2] Joachim Jeremias: the Eucharistic word of Jesus. The MacMillan Company, New York, 1955. P.14.
[3] نوّهت في الحاشية 112 ص128-129 من كتابي “يا يسوعاه!” بالخلاف في الغرب حول العشاء السري. الإختلاف بين الأناجيل حول تاريخ الفصح سطحي. فهم جميعاً متفقون على وقوع العشاء يوم الخميس والصلب يوم الجمعة والقيامة يوم الاحد. والبعض كالنص هنا وملحق معجم الكتاب الفرنسي يقولون إن يسوع لم يأكل الفصح اليهودي. B.J. الرصينة تقول إن يسوع قدّم موعد أكله الفصح يوماً واحداً وأكل الخروف الفصحي فأنهى فصح اليهود.
ثم أسّس سر الشكر (الحاشية على لوقا22: 17). شرح إنجيل مرقس الذي ترجمه من اليونانية الأب أفرام كرياكوس يوافق ذلك. حديثاً الكسندر Men الروسي اليهودي الأصل قال بتقديم الموعد وأكل الخروف. ويذهب إلى أن الذهبي الفم قال بتقديم الموعد. لم يقل ذلك صراحة ولكنه أعتبر عشاء الخميس فصحاً ومساء الجمعة فصحاً. (اسبيرو جبور).
هل كان العشاء الاخير للرب يسوع عشاءاً فصحياً أم عادياً؟ – د. عدنان طرابلسي
هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه ؟ والرد على الخلاف الظاهري بين البشائر الإزائية وبشارة القديس يوحنا
هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه ؟
هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه ؟ والرد على الخلاف الظاهري بين البشائر الإزائية وبشارة القديس يوحنا
1- وليمة عشاء الرب مساء الخميس هل كانت هي وليمة الفصح؟
التقليد الأرثوذكسي الذي تسير عليه الكنيسة القبطية منذ أيام الرسل، وكما تسلَّمته من السيد المسيح، هو أن تقديس سر الإفخارستيا يكون بالخبز المختمر. وهذا على أساس أن السيد المسيح أسس سر الإفخارستيا في اليوم السابق للفصح، أي قبل أن يحل ميعاد أكل الفطير.
ولكي يفهم القارىء موضوع الفصح اليهودي والفطير وعلاقتهما بسر الإفخارستيا ينبغي أن يعرف الآتي:
حينما أراد الله أن يخلِّص شعب إسرائيل من العبودية في مصر، أمرهم – بفم موسى النبي – أن تَذبح كل عائلة خروفاً حَوْليًّا (أي ابن سنة)، ليكون دمه علامة الخلاص (فداء) لكل بكر في كل بيت. على أن يُمسح بدمه باب البيت: القائمتين والعتبة العليا حتى إذا نظر الملاك المُهْلكُ علامةَ الدم يعبر عن البيت، لأن الأمر كان قد صدر من الرب أن يضرب الملاك المهلك كل بكر في أرض مصر، كعقاب لمصر بسبب تشديد العبودية على شعبه إسرائيل.
أمَّا الخروف فيُذبح في الغروب، عشية اليوم الرابع عشر (اكتمال البدر) من الشهر الأول نيسان (ميعاد خروج شعب إسرائيل من مصر)، ثم يؤكل لحمه مشوياً بالنار فقط، ولا يُكسر منه عَظْمُه، ولا يبيتُ منه شيءٌ للصباح، ويؤكل على أعشاب مرَّة (تذكيراً بالمرارة التي عاناها شعب إسرائيل في العبودية).
وفي هذا اليوم – أي الرابع عشر من نيسان – يُرفع الخمير من كل بيت (يُعزل من البيوت). حتى إذا جاء المساء – ميعاد ذبح الخروف – لا يكون خمير في إسرائيل كلها (تعبيراً عن بدء حياة جديدة مع خلاص جديد، والتخلُّص من حياة قديمة).
ويُخْبزُ الفطير في ذلك اليوم ليؤكل على خروف الفصح. أمَّا معنى الفطير فهو كما يقول الكتاب: » لا تأكل عليه خميراً. سبعة أيام تأكل عليه فطيراً، خبز المشقة، لأنك بعجلة خرجت من
أرض مصر، لكي تذكر يوم خروجك من أرض مصر كل أيام حياتك. «(تث 3:16)
وتُحسب أيام الفطير أنها عيد قائم بذاته يبدأ من 15 نيسان حتى 21 منه مساءً. وعيد الفطير مقدَّس،يبدأ اليوم الأول منه بمحفل مقدَّس، وينتهي بمحفل مقدَّس، لا يُعمل فيهما عمل ما.
أمَّا خروف الفصح فيؤكل بعجلة، والأشخاص وقوفٌ، يؤكل رأسه مع أكارعه وجوفه، والباقي إلى الصباح يُحرق بالنار، يأكلونه وقوفاً وأحقاؤهم مشدودة وأحذيتهم في أرجلهم وعصيُّهم في أيديهم، يأكلونه بعجلة، فهو فصح للرب.
الآن يظهر بوضوح أنه لو كان عشاء الرب الذي أسس فيه سر الإفخارستيا كان هو نفسه يوم الفصح الذي يُذبح فيه الخروف مساءً، لأصبح من المحتم أن يكون الخبز المستعمل في تقديس الأسرار فطيراً، لأنه يستحيل أكل الفصح على خبز مختمر.
الكنائس الأرثوذكسية (لا خلقيدونية وخلقيدونية) عموماً تقول إنها بموجب التقليد المسلَّم لها من الرسل، تقدِّس على خبز مختمر منذ القرن الأول مع إيمانها إيماناً راسخاً أن الرب أسس سر الإفخارستيا في اليوم السابق للفصح، وكانت وليمته تسمَّى «وليمة قدَّاس الفصح»([1])، لأن الكنيسة تؤمن عن يقين تقليدي وكتابي أن الرب صُلب يوم الفصح في ميعاد ذبح الخروف فصار بذلك هو الفصح المسيحي الجديد: » هذا هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم. «(يو 29:1)
أمَّا الكنيسة الغربية – أي الرومانية الكاثوليكية – فقد ظلت تحافظ على هذا التقليد حتى القرن الحادي عشر([2])، ولكنها بعد ذلك رأت أن تغيِّر تقليدها مستخدمة الفطير بدل الخبز المختمر، مستندةً في ذلك على قراءة الأناجيل الثلاثة مرقس ومتى ولوقا التي تشير قراءاتها بحسب الظاهر إلى أن عشاء الخمسين كان وقت الفصح 14/15 نيسان. وبذلك بدأ انشقاق في التقليد السرائري بين الشرق الأرثوذكسي والغرب الكاثوليكي، وبدأ موضوع القراءات الإنجيلية يدخل في صراع في مواجهة التقليد.
وقبل أن نخوض في الموضوع ونكشف أصالة التقليد الأرثوذكسي، ينبغي أولاً وقبل كل شيء أن ننبِّه ذهن القارىء أن سر الإفخارستيا بدأت الكنيسة تمارسه بالخبز المختمر منذ حلول الروح القدس يوم الخميس. أمَّا الأناجيل والرسائل فحينما بُدِىء في كتابتها، كان ذلك بعد ممارسة الإفخارستيا بحوالي عشر سنوات!! أي أن الأناجيل إنما بدأت تسجِّل عن الإفخارستيا من واقع ما هو جارٍ أمام أصحاب هذه الأناجيل والرسائل. فلو كان هناك أي مفارقة بين إفخارستية الرب في عشاء الخميس، كأن تكون مثلاً على فطير، وبين التقديس على الخبز المختمر الجاري على أيدي الرسل مرقس وبولس ومتى ولوقا ويوحنا، لكانت قد أصبحت موضوع شرح وتعليق بلا نزاع!
2 – القراءات الإنجيلية وكيف تثبت جميعها أن الرب صُلب في ميعاد الفصح. وأن الإفخارستيا كانت قبل الفصح بيومٍ كامل …؟
قبل أن نعرض للقراءات يهمنا أن يفرِّق القارىء بين قراءة لا تثبتها الحوادث الملابسة لها، وبين قراءة تثبتها الحوادث المرادفة لها وتشير إليها تكراراً، فالقراءة الأُولى تثير الانتباه من جهة احتمال عدم وضوح في الترجمة، أمَّا القراءة التي تشير إليها الحوادث من كل جهة فهي قراءة ذات ترجمة محصَّنة.
هذا ما سنواجهه من جهة القراءات في الأناجيل الأربعة، فإنجيل يوحنا أورد زمن إقامة سر عشاء الرب أنه قبل الفصح مساءً (أي 13/14 نيسان)، بوضوح شديد، وحدَّده تحديداً واضحاً. ثم عاد في عدة مواضع أخرى وأشار بوضوح شديد أيضاً إلى أن ميعاد صلب المسيح كان في وقت الفصح تماماً (أي 14/15 نيسان)، بحيث لم يَدَعْ القديس يوحنا أية فرصة للشك في ميعاد العشاء الذي أقامه الرب قبل الفصح بيوم كامل، ولا في ميعاد الصلب الذي تمَّ في وقت ذبح خروف الفصح.
أمَّا في الأناجيل الثلاثة الأخرى: مرقس ومتى ولوقا، فلا نجد الأمر كذلك، بل نجد أن رواية العشاء كلها ترد كخبر، مجرد خبر يتعلَّق كله بمنطوق كلمة واحدة هي كلمة » أول «= prîtV» بروتي «(وفي اليوم » الأول «من الفطير). ثم لا نجد بعد ذلك في أيٍّ من هذه الأناجيل الثلاثة أية محاولة إيجابية من الكاتب يُظهر أو يُعلِّق فيها على زمن العشاء أو على زمن الصليب بالنسبة للفصح اليهودي.
ولأنه معروف أن كلاًّ من متى الرسول ولوقا الإنجيلي أخذ روايته من جهة عشاء الرب من إنجيل مرقس، ومعروف أيضاً أن مرقس الرسول كان يرجع في رواية بعض الحوادث التي لم يشترك فيها إلى مصدر يترجم له من العبرانية والأرامية إلى اليونانية، لذلك اتجهت أنظار علماء الكتاب المقدَّس إلى إنجيل مرقس وبالأخص إلى كلمة » اليوم الأول من الفطير «التي تحدد زمن عشاء الرب كأنه واقع في الفصح. وفعلاً وجدوا أن لا الأصل العبري يفيد هذا المعنى ولا حتى الترجمة اليونانية. وهذا سنأتي إلى شرحه في حينه.
3 – البراهين الكتابية التي تؤيد أن عشاء الرب كان قبل الفصح بيوم، وأن صلب المسيح هو الذي تمَّ في ميعاد ذبح خروف الفصح.
أولاً: قراءة إنجيل يوحنا:
أ – » أمَّا يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى، فحين كان العشاء … «(يو 13: 1و2)
هنا يورد يوحنا الرسول الخبر مدعَّماً بالزمن عن قصد، لأنه يشاء أن يعرِّفنا بميعاد العشاء بالنسبة للفصح.
ب – » ثم قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا … فصنعوا له هناك عشاءً … وفي الغد(أي قبل الفصح بخمسة أيام) سمع الجمع الكثير الذي جاء إلى العيد أن يسوع آتٍ إلى أورشليم، فأخذوا سعوف النخل وخرجوا للقائه (أحد الخوص). «(يو 12: 1و2و12و13)
إذاً، من هذه الرواية يُفهم ضمناً أن يسوع كان في بيت عنيا يوم السبت، وكان قد تبقَّى على الفصح ستة أيام، وبذلك أيضاً يكون عشاء الرب يوم الخميس قبل الفصح بيومٍ كامل بالضرورة!!
ج – » ثم جاءوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية وكان صبح. ولم يدخلوا هم إلى دار الولاية لكي لا يتنجَّسوا فيأكلون الفصح. «(يو 28:18)
إذاً، من هذه الرواية يُفهم أن المسيح حُوكم وصُلب في اليوم الذي سيُذبح فيه الفصح مساءً أي يوم الجمعة.
وبذلك يكون عشاء الرب قبل الفصح بيوم كامل – أي يوم الخميس.
د – » ثم إذ كان استعداد، فلكي لا تبقى الأجساد على الصليب (بعد غروب الشمس، أي عند بدء يوم آخر) في السبت، لأن يوم ذلك السبت كان عظيماً، سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويُرفعوا. «(يو 31:19)
من هذه الآية يتبيَّن لنا من قول يوحنا الرسول أن » ذلك السبت كان عظيماً « أن يوم السبت (الذي يبدأ بعد غروب الشمس) كان هو عيد الفصح. فالسبت الوحيد الذي يُدعى عظيماً هو السبت الذي يقع فيه عيد الفصح.
إذاً، فالسيد المسيح صُلب قبل غروب الشمس، أي قبل بدء يوم السبت، أي يوم الجمعة.
وبذلك يكون عشاء الرب يوم الخميس قبل الفصح بيومٍ كامل.
هـ – » فلما سمع بيلاطس هذا القول أخرج يسوع وجلس على كرسي الولاية … وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة. «(يو 19: 13و14)
ومن هذا القول يتبيَّن بوضوح أن يوم الجمعة الذي هو يوم الاستعداد أصلاً بالنسبة للسبت، صار أيضاً استعداداً للفصح الذي يُذبح فيه خروف الفصح.
معنى هذا أن السيد المسيح صُلب يوم الجمعة، وهو يوم ذبح الفصح. وعليه يكون عشاء الرب قبل الفصح بيومٍ كامل.
ثانياً: قراءة أناجيل البشيرين الثلاثة: مرقس ومتى ولوقا:
أ – إنجيل القديس مرقس:
+ » وفي اليوم الأول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح قال له تلاميذه: أين تريد أن نمضي ونعدَّ لتأكل الفصح … فأعدَّا الفصح. ولمَّا كان المساء جاء مع الاثني عشر. وفيما هم متَّكئون يأكلون … «(مر 14: 12-18)
ب – إنجيل القديس متى:
+ » وفي أول أيام الفطير تقدَّم التلاميذ إلى يسوع … «(مت 17:26)
ج – إنجيل القديس لوقا:
+ » وجاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يُذبح فيه الفصح، فأرسل بطرس ويوحنا قائلاً: اذهبا وأعدَّا لنا الفصح لنأكل … «(لو 22: 7و8)
قد يفهم القارىء من هذه القراءات أن المسيح أكل الفصح مع تلاميذه، وكان هذا هو عشاء الرب الذي أسس فيه سر الإفخارستيا، هذا بحسب المنطوق اللفظي أو الحرفي لرواية الأناجيل الثلاثة.
ولكن لو دققنا في الأناجيل الثلاثة، فإننا لا نجد أية إشارة أخرى في مضمون الحوادث تسند هذا المفهوم المتأتي من كلمة «في اليوم الأول من الفطير» حسب إنجيل مرقس، أو في «أول أيام الفطير»حسب إنجيل متى، أو «ولمَّا جاء يوم الفطير» حسب إنجيل لوقا (الذي أخذ بالمفهوم الظاهري من الترجمة اليونانية، والتي لا تفيد هنا أكثر من » لمَّا اقترب يوم الفطير «.
أصل الكلمةفي المفهوم العبري واليوناني أيضاً:
لو دققنا في مفهوم هذه الآية بحسب ترجمتها الحالية، نجد فيها التباساً واضحاً يخلُّ بالمعنى العام: » وفي اليوم الأول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح. «(مر 12:14)
الواقع أن » في اليوم الأول من الفطير «لا يمكن أن «يُذبح فيه الفصح»، لأن هذا اليوم يكون حسب الطقس اليهودي هو عيد الفصح نفسه، وهو ثاني يوم بعد ذبح خروف الفصح، لأن الخروف يُذبح قبل الغروب والفصح يؤكل بعد الغروب، وغروب الشمس هو الحد الفاصل بين يوم ويوم آخر حسب الطقس اليهودي. لأن أول أيام الفطير هو 15/16 نيسان، وذبح خروف الفصح يكون في 14/ 15 نيسان.
+ » وفي الشهر الأول، في اليوم الرابع عشر من الشهر فصحٌ للرب (ذبح الخروف). وفي اليوم“الخامس عشر” (أكل الفصح وأول أيام الفطير السبعة) من هذا الشهر عيدٌ، سبعة أياميؤكل فطير. في اليوم الأول محفلٌ مقدَّس، عملاً ما من الشغل لا تعملوا. «(عد 28: 16- 18)
إذاً يتحتم على قارىء الآية أن يُعيد النظر في الترجمة الأصلية من العبرية وفي الترجمة من اليونانية أيضاً.
وهذا ما قام به مؤخراً العالِم الألماني » كولسن Chwolson «وهو أول مَنْ انتبه إلى عدم دقة الترجمة، وأفاض في شرحه في كتابه المعروف بالألمانية بـ » وليمة الفصح «“Passamahl” صفحة 180 وما بعدها. وقد أثبت أن الترجمة اليونانية لم توضِّح القصد العبري تماماً. فالتعبير » اليوم الأول من الفطير «هو في الأصل العبري byum kmy dpsh وقراءتها بالعبرية تكون » بيوم قمي دبصح «ومعناها الحرفي: » وقبل يوم الفصح «أو «يوم قبل الفصح».
وقد جاء العالِم اليهودي المتنصِّر “يواكيم إرميا” (سنة 1964)، ووافق على هذا التصحيح في كتابه عن الإفخارستيا (صفحة 18)، ولكنه صحَّح لكولسون كلمة dpsh (فصح) بـ dptyry أي الفطير. فأصبحت الترجمة الجديدة التي ينبغي أن تكون عليه الآية في الطبعة الجديدة للكتاب المقدَّس هي: » وقبل يوم الفطير حين كانوا يذبحون الفصح «
والمعنى هنا هو: «وقبل يوم (خبز) الفطير الذي هو يوم ذبح الفصح»، فإذا كان خبز الفطير يوم الجمعة يكون ذبح خروف الفصح يوم الجمعة أيضاً، ويكون بالتالي اليوم الذي قبل الفطير هو يوم الخميس.
والحقيقة أن الكلمة اليونانية » prîtV بروتي «(مر 12:14)، تُفيد هذا المعنى أيضاً أي » قبل «[3]) وهذا مما جعل القديس لوقا يكتبها في إنجيله: » ولمَّا جاء «أي » اقترب! «[4])
وبذلك تكون قراءة الأناجيل الثلاثة متفقة مع قراءة إنجيل يوحنا، إذ يكون المعنى «وقبل يوم الفطير»الذي يُذبح فيه الفصح، هو اليوم الذي قبل الفصح وقبل خبيز الفطير، حيث الجملة الموصِّلة هنا: «الذي يُذبح فيه الفصح» لا تعود إلى أول يوم من عيد الفطير بل إلى اليوم الذي يُنزع فيه الخمير ويُخبز الفطير.
وبذلك يكون الكلام واضحاً جداً: أن الرسول يشير إلى اليوم الذي قبل الفصح فعلاً: أي قبل يوم الجمعة 14/15 نيسان، وهو يوم الخميس 13/14 نيسان، بحسب إنجيل يوحنا.
4 – الرد على القول بـ «فأعدَّا الفصح» (مر 16:14) والقول بـ «شهوةً اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم.»(لو 15:22)
حينما يقول الكتاب: » أين تريد أن نمضي ونعدَّ لتأكل الفصح … فأعدَّا الفصح « هنا الإعداد للفصح بمعنى الاستعداد ليوم الفصح، لأن أموراً كثيرة ينبغي أن تُرتَّب قبل ذلك اليوم. لأن الإعداد للفصح عملية معقَّدة عند اليهود، ويستحيل أن تتم في نصف نهار.
أو كيف يسافر بطرس ويوحنا من بيت عنيا إلى أورشليم ويبحثا عن بيت مرقس، ثم في نفس الصباح يقومان بشراء الخروف الذي يتحتَّم أن يُذبح في الهيكل، ثم يقومان بعملية تنظيفه وشيِّه في فرن خاص بشروط خاصة، لأن الطقس يحتِّم أن يُشوَى الخروف صحيحاً بأكمله حتى جوفه وأكارعه، وذلك بأن تخترق عصا رمان من الفم حتى المخرج ويصير شَيُّهُ دون أن يلامس تراب الفرن، مع مطالب العيد الأخرى من أعشاب مرَّة وأطباق مأكولات يحتِّمها الطقس؟
إن كلمة (» وأعدَّا «الفصح) هي في الواقع طقسية، وتُفيد الانتهاء من الترتيبات الخاصة بيوم«الاستعداد للفصح»، حيث تتم في كل ساعة من ساعاته عملية معينة. لذلك فإن كلمة «أعدَّا»الفصح لا تعني أنهما ذبحا الخروف وهيَّآه للأكل في ساعة من الزمان، فهذا غير معقول، وإنما يعني أنهما أكملا الترتيبات اللازمة للفصح، لأن مساء الخميس هو في الواقع بداية » يوم الاستعداد الكبير «للفصح الذي هو يوم الجمعة، وقد جعل منه السيد المسيح استعداداً آخر جديداً إذ أعدَّ فيه نفسه لذبيحة الصليب.
فكان مساء الخميس يوم استعلان للفصح الأبدي، وكان عشاء الخميس هو هو يوم ما قبل الصليب، حيث الصليب هو هو الفصح الحقيقي المزمع تقديمه على الصليب يوم الجمعة.
وعلى أساس ما أضمر المسيح أن يكمله في عشاء الخميس من استعلان الذبيحة وتقديم نفسه لتلاميذه وللكنيسة حملاً مذبوحاً لأجل حياة العالم ولمغفرة خطايا كثيرين، وعلى أساس ما كان يعلَمه المسيح من حوادث الجمعة العنيفة الدامية، وجسده أمام عينيه ممزَّق ودمه مسكوب على الأرض بأيدي الكهنة ورؤساء الكهنة قال: » شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم «(لو 15:22).
ومعلوم يقيناً أن المسيح لا يشتهي أكلاً ولا يشتهي عيداً، ولكنه كان يشتهي، منذ البدء وقبل أن يتجسَّد، أن يؤسس فصحاً جديداً. «هذا الفصح» يكون الأكل والشرب منه أكلاً وشرباً حقيقياً (¢lhqîj أليثوس): » جسدي مأكلٌ حقٌّ ودمي مشربٌ حقٌّ «(يو 55:6)، حيث كلمة » حقيقي «هنا ¢lhqîj تُفيد أكلاً وشرباً إلهياً من خلال أكل وشرب مادي.
وهذا هو مضمون » السر «في عشاء الرب الذي أصبح به » هذا العشاء «» فصحاً حقيقياً « جديراً بأن يُشتهى بالحقيقة!! حيث صار الخبز والخمر لحمَ ودمَ حملِ الله، فصحِ الدهور والأبدية، الذي يرفع خطية العالم.
ومرة أخرى نقول: إنه يقيناً لم يكن المسيح يشتهي أن يأكل لحم خراف ولا كان يود أن يستمتع بذكريات مصر وسيناء مع تلاميذه، بل اشتهى أن يكشف لهم سر الفصح الكبير، فصح العالم كله، » مُشتهى الأمم « الفصح السماوي الجديد حيث كان حمل الله يُجرَى الاستعدادُ لذبحه في السماء كما على الأرض. فالمسيح اشتهى شهوةً أن يطعمهم لحمه السماوي بيديه قبل أن يذبحه اليهود بأيديهم.
وهل توجد شهوة عنده أو حب له أعظم من هذا أن يذبح نفسه من أجل أحبائه، ألم يقل هو نفسه هذا (يو 13:15)؟ والآن لقد اشتهى أن يكسر بينهم الخبز السري النازل من السماء، الذي طالما حدَّثهم عنه، حتى عند أكل الخبز تنفتح عيونهم ويعرفوه، قبل أن يتألم!!
اشتهى شهوةً أن يَسْفُك دمه ويسقيهم منه قوة الحياة التي للعهد الجديد، ليبقى حيًّا فيهم بقوة قيامته فيكون لهم حياة أبدية في أنفسهم، حتى يقوموا ويلحقوا به في السماء ليكمل معهم الفصح الأبدي في ملكوت الآب، ويجلسوا معه على مائدته!
هذه كانت شهوة المسيح التي اشتهاها لنا!!! … » شهوةً اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم، لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يُكمَل في ملكوت الله «(لو 22: 15و16)، حتى يكمل الخروج الأخير من العالم لشعبه ويدخلوا الملكوت معه!
ويرى العالِم L. von Sybel في مقال له بعنوان: Das Letzte Mahl Jesu [في مجموعة الدراسات اللاهوتية والنقدية – ليبزج، رقم 95 (1923- 1929)، ص 119] إن ما سجَّله القديس لوقا في إنجيله الوارد في أصحاح 22: 15و16، والمذكور أعلاه، هو في الحقيقة تقليد كنسي كان قائماً في الكنيسة وقت تسجيل القديس لوقا لإنجيله. ويقوم هذا التقليد([5]) على أساس أن الرب قال هذا على أكل الخبز (الفصحي)، وليس على أكل خروف الفصح.
وجاء العالِم Bultmann وأثبت هذا الرأي أيضاً في كتابه:
The History of the Synoptic Tradition, Oxford, 1963, p. 266.
وجاء أيضاً العالِم الفرنسي A. Loisy وتحيَّز بثقة إلى هذا الرأي.
وهكذا وجدنا أن التقليد القائم في الكنيسة الأرثوذكسية اليوم، تنحاز له الأبحاث اللاهوتية العميقة، وأنه كفيلٌ بأن يُستظهر على كل نقد، لأنه في الحقيقة منبع قائم بذاته سابق على تسجيل الأناجيل وعلى كل الرسائل، وخصوصاً من جهة سر الإفخارستيا … فالرسل أقاموا سر الإفخارستيا بعد حلول الروح القدس مباشرةً، بحسب ما تسلَّموه من الرب، وقبل أن تُسجَّل كلمة واحدة في كافة الأناجيل أو الرسائل!
ومن جهة القراءات أيضاً، فإنه توجد بعض إشارات عابرة في كتب الأبوكريفا التي يرجع تاريخها إلى القرون الأولى، تحدِّد بوضوح ميعاد الصلب بالنسبة لعيد الفطير، وقد جاءت عفواً. ففي كتاب الأبوكريفا المدعو » إنجيل بطرس «5:2 يقول: [إن محاكمة الرب وصلبه تمَّت قبل أول يوم من عيد الفطير]([6]).
وهذا القول – وإن كنَّا لا نعتمد عليه – إلاَّ أنه يشير إلى التقليد السائد في ذلك الزمان عن ميعاد الصليب بالنسبة للفصح اليهودي، فهذا القول يوضِّح أن الكنيسة كانت على دراية أكيدة من أن المسيح صُلب في ميعاد الفصح تماماً، وأن عشاء الرب كان قبل الفصح، وبالتالي فإن التقديس يكون على الخبز وليس على الفطير.
وكانت هذه الوليمة السابقة على يوم الفصح تسمَّى: » قدَّاس الفصح. «[7])
5 – البراهين الأخرى
عدا القراءات التي جاءت في إنجيل يوحنا بوضوح، نقدِّم الآن البراهين الأخرى المترتبة على القراءات والتي تشير كلها إلى أن عشاء الرب لم يكن فصحاً يهودياً، وأن المسيح صُلب في ميعاد ذبح الخروف:
أولاً: ينبغي أن نهتم بالفارق بين مفهوم الفطير ومفهوم الخبز في الإفخارستيا، فلا ينبغي أن يُؤخذ بخفة، لأن المعنى الذي يحمله كبيرٌ، فالفطير له علاقة معنوية ينبغي أن تبقى في حدود الفصح اليهودي فقط.
لأن الفطير في الفصح – بحسب الكتاب – يمثِّل «خبز الشقاء»، وبالعبرية: Lehem Oni »لِحِمْ عُنِي «ومعناه » خبز عناء « وترجمته اليونانية ¥rtoj kakèsewj (تث 3:16)، لأنه رُفع من المعجنة قبل أن يختمر أو قبل أن توضع فيه خميرة بسبب السرعة والعجلة للخلاص من العبودية والشقاء: » لا تأكل عليه خميراً.
سبعة أيام تأكل عليه فطيراً، خبز المشقة، لأنك بعجلة خرجت من أرض مصر،لكي تذكر يوم خروجك من أرض مصر كل أيام حياتك. «(تث 3:16)
ولكن الآن ونحن في الإفخارستيا، التي هي الفصح الحقيقي، الجديد، نحن لا نأكل » لِحِمُ عُنِي «أي » خبز الشقاء «بل خبز البركة، الخبز الحي النازل من السماء، وليس ذاك الآتي من مصر.
فجسد المسيح لا يمكن أكله على هيئة فطير، أي خبز عناء، لأنه ليس أرضياً بل هو سماويٌّ ومؤدٍّ إلى السماء، فهو خبز الراحة الحقيقية واسمه » خبز البركة والشكر «و » ترياق الخلود « أي دواء عدم الموت، بل وعدم الشقاء، بل وعدم الحزن أو الكآبة أو التنهد أو حتى المرض. فالذي يأكله لا يجوع ولا يموت، فهو إذاً خبز الفرح والسرور والشفاء، وليس خبز المذلة والضيق والشقاء.
لذلك فإن موقف الطقس الأرثوذكسي من وليمة الفصح اليهودي موقف سليم، إذ لم يجعلها منطلقاً ولا أساساً للإفخارستيا، لأنه كيف يُعلَن الجسد المقدَّس في خبز عناء وشقاء؟
ثانياً: مرقس الرسول يقول في إنجيله: » أخذ يسوع خبزاً ¥rton وبارك وكسر «(مر 22:14)، ولم يقل » أخذ فطيراً ¥zumon. «[8])
والتقليد المسلَّم للكنيسة القبطية على يدي مرقس الرسول نفسه وهو إنجيلي، حدَّد أن يكون خبز الإفخارستيا خبزاً لا فطيراً، فتواتر الطقس الأرثوذكسي منذ منتصف القرن الأول، وهو يقوم عملياً على أساس تقديم خبز لا فطير في الإفخارستيا، جعل قراءة إنجيل مرقس الرسول وبقية الأناجيل فيما يختص بكلمة الخبز الواردة بوضوح ¥rtoj وليس فطيراً ¥zumoj تشير إلى أن الإفخارستيا أقامها المسيح فعلاً بخبز مختمر وليس فطير.
فالتقليد يشدِّد ويحدِّد من قصد الكلمة الواردة في الأناجيل. لأن الاعتراضات التي يقدِّمها بعض العلماء على كلمة ¥rtoj الواردة في الأناجيل أنها قد تفيد أيضاً خبز الفطير – قياساً على ما جاء في الأسفار قديماً من احتمال ذكر كلمة » خبز «بدل » فطير «للاختصار، نقول إن هذه الاعتراضات قائمة على أساس مجرد قراءة الكلمة. ولكن بعد وقوف التقليد الأرثوذكسي من هذه الكلمة باستخدامه الخبز المختمر عملياً منذ القرن الأول المسيحي، أصبحت احتمالات القراءة الأخرى مستبعدة.
ثالثاً: الإفخارستيا، كما ظهرت في أول صورة لها في الكنيسة الأُولى في سفر الأعمال، ظهرت باستخدام الخبز لا الفطير، دون أي إشارة إلى طقس الفصح. فلم نقرأ مرة واحدة عن إقامة إفخارستيا بطقس الفصح أو بالفطير في كل الأخبار الواردة في الإفخارستيا المعبَّر عنها بكسر الخبز.
وهذه هي صورة أول إفخارستيا بعد يوم الخمسين مباشرةً:
+ » وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات. «(أع 42:2)
وهذه الآية كلها تصوير لخدمة قدَّاس كامل. فالتعليم أولاً، ثم الاجتماع معاً حول المائدة (الشركة هنا كلمة طقسية: koinwn…a كينونيا)، وكسر الخبز (تعبير سفر أعمال الرسل عن سر الإفخارستيا)، والصلوات (أي تلك التي تُتلى بعد التناول).
فلو كانت الإفخارستيا قد أسسها الرب من خلال طقس الفصح أو انطباقاً عليه، لكانت إقامتها تستلزم دائماً خبز الفطير، كما وكان يتحتم أن يأخذ صورة سنوية، أو لكان زمن إقامتها السنوي يُعتبر أساساً.
ولكن الواقع أن تكرار إقامة الإفخارستيا في الكنيسة الأُولى منذ أول يوم كان على الخبز، وبدون أي قيد زمني، وفي أي وقت من النهار (وهذا مهم للغاية)، هذا كله يشير إلى أن تأسيسها كان حرًّا من أي طقس سابق، وأنها كانت من خلال وليمة شركة ومحبة حرَّة غير مرتبطة بطقس الفصح اليهودي.
رابعاً: في رواية العشاء السري في الأناجيل الثلاثة مرقس ومتى ولوقا، ثم الرواية الواردة عن الإفخارستيا في رسالة القديس بولس الرسول الأُولى إلى كورنثوس، لا نجد أية إشارة إلى طقس فصحي على الإطلاق، فلا ذكر لخروف الفصح ولا لأعشاب مرَّة ولا لأكل بعجلة ولا لحديث الفصح التقليدي Heggadah.
بل على العكس، فإن الإنجيليين الأربعة يوضِّحون أنه اتكأ والإثنا عشر وابتدأوا يأكلون، فالاتكاء هنا يشير إلى أنها كانت ليست وليمة فصح حيث يأكل فيها الجميع، وهم وقوف، متمنطقين، وعلى عجلةٍ، وإنما كانت وليمة عشاء حدَّد المسيح طقسها وروحها كبداية وأصل.
أمَّا اعتراضات بعض العلماء (وهم من أعاظم العلماء في الإفخارستيا) بخصوص الإفخارستيا التي كانت تقيمها الكنيسة الأُولى، أنها كانت تكراراً للولائم العادية التي كان يقيمها المسيح مع تلاميذه وأنها لم تكن تكراراً للعشاء الأخير([9])، فهو قول مرفوض، لأن الكنيسة تؤمن بإفخارستيا واحدة، أُقيمت مرَّة، وهي هي التي تُقام كل مرة، لأن الذي يقيمها هو المسيح وبحضور تلاميذه وملائكته وقديسيه مع شعب كل كنيسة. فحضور الرب في كل إفخارستيا، وكون كل إفخارستيا هي نفس جسد المسيح ودمه، يُنهي على كل ثنائية في شكل الإفخارستيا وجوهرها.
ثم إنه في قول المسيح – في تقليد بولس الرسول الذي سجَّله عن الرب نفسه: » فإنكم كلما أكلتمهذا الخبز وشربتم هذه الكأس تُخبرون بموت الرب إلى أن يجيء «(1كو 26:11)، تفيد كلمة (» هذا «الخبز) وكلمة (» هذه «الكأس)، أنه خبز واحد وأنها كأس واحدة لطقس واحد قد تعيَّن إلى الأبد، فكل إفخارستيا قامت وستقوم هي «هذا» الخبز نفسه و «هذه» الكأس عينها لهذا الطقس ذاته الذي أقامه المسيح مساء الخميس!
خامساً: إن كل أوصاف » عشاء الرب «كما جاءت في الأناجيل وفي رسالة كورنثوس الأُولى، تتنافى مع أوصاف طقس الفصح اليهودي كما جاء في العهد القديم وفي كل كتب اليهود الطقسية سواء كانت » المِشْناه «أو غيرها.
( أ ) ففي وليمة الفصح لا يُكسر (الفطير) إلاَّ بعد العشاء الرسمي؛ في حين أن الخبز في عشاء الرب ذُكر أن الرب قسَّمه قبل العشاء([10]).
(ب) في وليمة الفصح وحينما يأتي ميعاد (الفطير)، وهو يكون في نهاية العشاء، لا تُقال عليه البركة قبل الكسر، بل بحسب الطقس اليهودي يُكسر أولاً ثم تُقرأ عليه البركة؛ في حين أن الذي ذُكر في إنجيل القديس مرقس هو أنه بارك أولاً ثم كسر، وكذلك بقية الأناجيل([11]).
(ج) في وليمة الفصح لا يوجد كأس تتوزع على جميع الحاضرين، بل كل واحد يكون له كأسه وتكون له صحفته؛ بعكس ما جاء في الأناجيل أن المسيح بارك كأساً واحدة وأعطاها للتلاميذ ليشربوا منها كلهم([12]).
( د ) وكذلك يُفهم أيضاً أنه كان يوجد صحفة واحدة يغمس فيها الجميع (مر 20:14).
(هـ) في وليمة الفصح يتحتَّم توزيع أربع كؤوس أثناء الوليمة، لم يُذكر منها في الأناجيل إلاَّ كأس واحدة؛ أمَّا في إنجيل لوقا فقد كُشف عن وجود كأس آخرى في بداية العشاء قبل كسر الخبز، وهذا غريب عن طقس الفصح جملةً – وقد رفض المسيح أن يشرب منها باعتبار أنها مجرَّد كأس للشرب من نتاج الكرمة وحسب، أي لا يدخل في مضمون تأسيسه للسر المقدَّس القائم على كأس واحدة تحوي دم العهد الجديد. وهذا معروف – حسب الطقس القبطي – أنه ذاق منها ثم أعطاها للتلاميذ بعد البركة.
سادساً: ومما يزيد وضوح حقيقة أن عشاء الرب لم يكن ليلة الفصح، ما جاء في إنجيل القديس مرقس بخصوص تصميم رؤساء الكهنة أن لا يُقبض على المسيح في يوم العيد: » وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يمسكونه بمكر ويقتلونه، ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب.«(مر 14: 1و2)
وهذا يوضِّح أن المسألة تختص بقرار صدر من السنهدرين أن لا يُقبض عليه في العيد، ليس فقط لاعتبارات الخوف من ثورة يقوم بها الشعب ضد السلطة الدينية ولكن أيضاً بسبب اعتبارات طقسية هامة. إذ لا يجوز عمل ذلك في العيد بحسب الشريعة.
لذلك كيف يُحتمل بعد ذلك أن يُقال أن المسيح قُبض عليه مساء العيد وحوكم يوم العيد نفسه وتمَّ الصلب أيضاً يوم العيد؟ ([13])
إذاً، يكون الطقس الأرثوذكسي في الجانب الأقوى، من حيث ظروف الحوادث الإنجيلية ومن جهة الشريعة اليهودية أيضاً. فالمسيح أسَّس الإفخارستيا قبل الفصح، وقُبض عليه قبل عيد الفصح، وحوكم قبل عيد الفصح، وتمَّ صلبه مع ذبح الخروف!
إن هذا يتمشَّى ليس مع الشريعة فحسب، بل ومع كافة النبوات أن المسيح هو الفصح الجديد » الواحد الذي يموت عن الشعب حتى لا تهلك الأمة كلها «(راجع يو 50:11) بحسب نبوَّة رئيس الكهنة العفوية.
سابعاً: جاء في إنجيل القديس يوحنا: » لكم عادة أن أُطلق لكم واحداً في الفصح، أفتريدون أن أُطلق لكم ملك اليهود؟ فصرخوا أيضاً جميعهم قائلين: ليس هذا بل باراباس. وكان باراباس لصًّا. «(يو 18: 39و40)
وأصل هذه العادة هو اهتمام الطقس اليهودي بفك قيد مسجون واحد في العيد تعبيراً عن أن الفصح هو بمثابة فك قيود شعب إسرائيل من مصر!! فكان السنهدرين يتكفَّل بذبح خروف خاص كفصح رمزي عام إكراماً لهذا المسجون.
إذاً، فواضح أن إطلاق سراح باراباس اللص، ليأكل الفصح مع اليهود، هو برهان أن المسيح حوكم وصُلب يوم ذبح الفصح، وبذلك يكون عشاء الرب قد سبق الفصح بيوم كامل.
ثامناً: لقد أورد بولس الرسول في رسالته الأُولى لكورنثوس إشارة واضحة جداً، إنما على المستوى الميستيكي أي الروحي التأملي: أن المسيح صُلب في ميعاد ذبح الخروف وصار هو فصحنا الجديد: » لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا. «(1كو 7:5)
وبما أن الخروف لا يُدعى فصحاً إلاَّ إذا ذُبح في ميعاد الفصح، لذلك فإن ذبيحة المسيح لا يمكن تسميتها فصحاً إلاَّ إذا كانت قد قُدِّمت في ميعاد الفصح تماماً، أي من الساعة السادسة من النهار (أي الثانية عشرة ظهراً) حتى الساعة التاسعة من النهار (الثالثة بعد الظهر)([14]).
وهذا ما تمَّ بالفعل. بل وإن الإفخارستيا، أي سر عشاء الرب، قُدِّم على أساس أن المسيح سيكون هو خروف الفصح، بعكس ما يحاوله بعض العلماء أن يركِّزوا على عشاء الرب أنه هو الفصح. هذا لا يجوز من وجهة المنطق الروحي الدقيق، فالإفخارستيا لا يمكن أن تكون فصحاً إلاَّ إذا كان المسيح فصحاً!!، فلأن المسيح علم يقيناً أن ساعته قد جاءت وعلم يقيناً أنه سيُسلَّم ويُصلب في الفصح، قدَّم جسده مُسْبَقاً مكسوراً بالنية والإرادة الأزلية ومشورة الآب، باعتباره أنه هو لحم الفصح السماوي، وقدَّم دمه بروح أزلي متجاوزاً الزمن، باعتباره أنه هو دم الفصح المنجِّي من الهلاك والموت الأبدي.
إذاً، لولا يقين المسيح بأنه سيُقدَّم في الفصح ذبيحة إلهية لأجل خلاص العالم ما كان جعل عشاء الخميس ذبيحة سرية على مستوى الفصح، أي » جسد ودم «!
تاسعاً: كذلك أورد بولس الرسول إشارة في غاية العمق الروحي من جهة المضمون الطقسي لا يدركها إلاَّ الدارسون للطقس القديم. فهو يقول في رسالته الأُولى إلى كورنثوس: » ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين «(1كو 20:15). هنا كلمة «باكورة» “Bikkurim” كلمة طقسية تتبع في فهمها وشرحها الطقس الذي انحدرت منه إلينا. فما هو طقس » الباكورة « وما هو ميعادها؟
معروف في طقس الباكورة أنها أوائل حصيد القمح (الحبة التي كانت قد وقعت في الأرض وماتت)، تُقدَّم كحزمة فريك وذلك في غد السبت الذي يتبع الفصح – أي 16 نيسان – كما جاء في سفر اللاويين:
+ » في الشهر الأول (نيسان) في الرابع عشر من الشهر، بين العشاءين (الغروب والمساء) فصحٌ للرب. وفي اليوم الخامس عشر من هذا الشهر عيد الفطير للرب سبعة أيام … تأتون بحزمة أول حصيدكم إلى الكاهن، فيردِّد الحزمة أمام الرب للرضا عنكم في غد السبت يردِّدها الكاهن، … ثم تحسبون لكم من غد السبت السابع من يوم إتيانكم بحزمة الترديد سبعة أسابيع تكون كاملة إلى غد السبت تحسبون خمسين يوماً، ثم تقرِّبون تقدمة جديدة للرب. « (لا 23: 5-6 و9-16)
إذاً، فالقديس بولس الرسول بعد أن ألمح إلى 14 نيسان أن المسيح هو فصحنا الذي ذُبح لأجلنا، عاد وألمح في صورة مبدعة إلى 16 نيسان بقوله أن المسيح صار أيضاً باكورة الراقدين، أي أن المسيح قام من الأموات في يوم تقدمة الباكورة. وبما أن الباكورة تُقدَّم في غد السبت (أي يوم الأحد) بعد الفصح، إذاً، فبولس الرسول بقوله أن المسيح كان باكورة الراقدين، فهو يعني تماماً قيامة المسيح يوم الأحد، وبالتالي يشير ويؤكِّد الإشارة إلى أنه مات يوم الجمعة 14 نيسان في ميعاد ذبح الفصح!!
ففي الإشارة الأُولى التي يقول فيها إن المسيح فصحنا، يشير إلى المسيح باعتباره حمل الفصح المذبوح في 14 نيسان، وفي الإشارة الثانية التي يقول فيها إنه باكورة الراقدين يشير إلى المسيح باعتباره حبة الحنطة التي كانت قد وقعت وماتت ثم قامت، وتم ترديدها أمام الله في غد السبت (الأحد) 16 نيسان!!
عاشراً: قول بولس الرسول عن ميعاد الإفخارستيا: » في الليلة التي أُسلم فيها أخذ خبزاً … «(1كو 23:11)، يشير إشارة ضمنية ولكن ذات اعتبار خاص، أنها لم تكن ليلة الفصح، وإلاَّ كان ذكر أن ذلك تم في ليلة الفصح. فإغفال بولس الرسول للفصح نهائياً يشير إلى أنها لم تكن ليلة الفصح.
حادي عشر: تقول الشريعة بكل وضوح وتأكيد إن من بدء أكل الفصح في العشاء، أي بعد غروب شمس اليوم الثالث عشر من نيسان بما يساوي دقيقتين (بتوقيتنا الزمني الحالي) ومنذ بدء أكل الفطير في نفس وقت الفصح، يُحسب سبعة أيام لا يكون فيها عمل من الأعمال: » عملاً ما من الشغل لا تعملوا « وعلى وجه الخصوص اليوم الأول الذي يبدأ بعد غروب 13 نيسان مباشرةً، وكذلك يوم 21 اليوم الأخير، فإنهما محسوبان محفلاً مقدَّساً للرب، وعليهما تشديد وعقوبة في الناموس:
+ » لا يُعمل فيهما عمل ما إلاَّ ما تأكله كل نفس، فذلك وحده يُعمل منكم. «(خر 16:12)
فكيف يُجيز القائلون بأن الإفخارستيا – أي عشاء الرب – كانت هي وليمة الفصح وكانت هي أول أيام الفطير؟ ويكون قد حدث فيها الآتي:
1- » وخرج (يسوع) مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون، حيث كان بستان دخله هو وتلاميذه «(يو 1:18). فهل يمكن أن تكون هذه ليلة الفصح؟
2- » فأخذ يهوذا الجند وخدَّاماً من عند رؤساء الكهنة والفريسيين، جاءوا إلى هناك بمشاعل، ومصابيح، وسلاح! «(يو 3:18)، ويقول إنجيل لوقا إنه كان معهم «رؤساء الكهنة
والشيوخ» (لو 52:22)، وحتى التلاميذ حملوا معهم سيفين!! » فقالوا يا رب هوذا هنا سيفان!! «(لو 38:22). بل وضرب بطرس عبد رئيس الكهنة بالسيف: » وضرب واحدٌ منهم عبد رئيس الكهنة فقطع أُذنه اليمنى «(لو 50:22). فهل يمكن أن تكون هذه ليلة الفصح؟
3- وهل يمكن أن ينعقد السنهدرين ليلة الفصح، وينشغل في المحاكمة حتى الصباح! حتى صياح الديك الثالث!! وقانون السنهدرين واضح وصريح أنه لا يجلس أحد للحكم يوم العيد([15])؟؟
4- وهل يمكن أن يستمر صباح يوم عيد الفصح في المحاكمة؟ » ولمَّا كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب: رؤساء الكهنة والكتبة وأصعدوه إلى مجمعهم!! «(لو 66:22)
5- وهل يمكن في عيد الفصح المحسوب محفلاً مقدَّساً أن يمزق رئيس الكهنة – أثناء المحاكمة – ثيابه: » فمزَّق رئيس الكهنة ثيابه؟ «(مر 63:14)
6- وهل يمكن أن يشترك اليهود شعباً وشيوخاً وكتبةً وفريسيين مع الرومان في المحاكمة يوم عيد الفصح؟
7- وكيف يمكن أن يأتي سمعان القيرواني من حقله البعيد عن المدينة (من الشغل) يوم عيد الفصح ظهراً؟ وكل المسموح به للمشي لا يزيد عن 880 متراً فقط والتي لا تكفيه أن يخرج من باب أورشليم؟
8- وهل يجوز الحكم بصلب إنسان يهودي يوم عيد الفصح بحسب شريعة اليهود؟
9- وكيف يجوز ليوسف الرامي، وهو مشير بين اليهود، أن يشتري يوم الفصح كتاناً من السوق ليكفِّن يسوع، وأي سوق هذا الذي يفتح أبوابه يوم فصح اليهود؟
10- وكيف يتم إنزال جسد ميت من على صليب (علامة اللعنة) ثم حمله ثم دفنه ثم دحرجة الحجر على القبر يوم عيد الفصح؟
إذاً، هذا كله تمًّ يوم ذبح خروف الفصح وليس يوم عيد الفصح!
عشاء الخميس قبل الفصح في أقوال آباء الكنيسة
1– القديس يوستينوس الشهيد (100-165م)([16]):
[لقد أخذتموه (يوستين يوجِّه الكلام إلى تريفو اليهودي) وأسلمتموه في يوم الفصح].
™n ¹mšrv toà p£sca sunel£bete aÙtÒn.
ويعلِّق على هذه العبارة العالِم أويسترلي Oesterley في كتابه » الخلفية اليهودية لليتورجيا المسيحية «بقوله: [إن بهذه العبارة يتضح أن يوستين يعتقد أن العشاء الأخير يتحتَّم أن يكون قد حدث في يوم الخميس فيما قبل الساعة السادسة]، أن الوليمة التي في أثنائها أو بعدها قد تمَّت الإفخارستيا من غير الممكن اعتبارها وليمة الفصح.
2– أبوليناري أسقف هيرابوليس (سنة 165م)([17]):
وقد دار في أيامه نقاش حاد عن ميعاد أكل العشاء الأخير، أي تأسيس الإفخارستيا. فأوضح ببراهين كثيرة أن المسيح لم يأكل الفصح في ميعاد الفصح، وأثبت صحة تقليد إنجيل يوحنا، واعتبر الذين يقولون إن المسيح أكل الفصح في 14 نيسان وصُلب في 15 نيسان » جهلة «و» محبي العراك. «[18])
3– العلاَّمة هيبوليتس أسقف روما (170-236م):
[في الوقت حيث كان يتألم المسيح (أسبوع الآلام) لم يأكل فصح الناموس، لأنه هو كان الفصح الذي أُعلن عنه منذ القديم والذي أُكمل في ذلك اليوم المحدد.]([19])
4– القديس أناتوليوس أسقف لاودكية (تنيَّح سنة 282م)([20]):
[اليوم الرابع عشر من الشهر القمري الأول، تقدَّس بتسليم الرب، وهذا متوافق في كل شيء مع الإيمان الجامع.]([21])
5– القديس بطرس خاتم الشهداء بابا الإسكندرية الـ 17 (300-311م):
[إلاَّ أنه بعد خدمته الجهارية لم يأكل الخروف، لأنه هو نفسه تألم كحمل في عيد الفصح، كما يعلِّمنا يوحنا البشير واللاهوتي في إنجيله، حيث يقول هكذا: » حينئذ اقتادوا يسوع من عند قيافا إلى قاعة الحكم. وكان الوقت باكراً، ولم يدخلوا قاعة الحكم خشية أن يتنجَّسوا، فيمتنعوا عن أكل الفصح «(يو 28:18 – الترجمة حسب النص). وبعد ذلك بقليل يقول إنجيل يوحنا: » فلما سمع بيلاطس هذا الكلام أخرج يسوع وجلس على منصة القضاء في الموضع المدعو البلاط وبالعبرانية جباثا. وكان استعداد الفصح، وكان نحو الساعة السادسة «(يو 19: 13و14 – الترجمة حسب النص)، كما أوضحت الكتب الصحيحة، ونفس النسخة التي كُتبت بيدي البشير نفسه، وقد حُفظت بنعمة إلهية في الكنيسة المقدَّسة بأفسس، وهي الآن هناك يُجلُّها المؤمنون. ونفس البشير يقول: » ثم إذ كان يوم الاستعداد، فلئلا تبقى الأجساد على الصليب في السبت لأن ذلك السبت كان عظيماً، سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويمضي بهم. «(يو 31:19 – الترجمة حسب النص)
في هذا اليوم، إذاً، الذي كان اليهود فيه على وشك أن يأكلوا الفصح في المساء، صُلب ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح، ليكون ذبيحة للذين يُشاركون بالإيمان في السر المختص به، حسبما كتب المغبوط بولس: » لأن المسيح فصحنا قد ذُبح لأجلنا «(1كو 7:5). وليس كما انساق البعض عن جهل يؤكِّدون بتصميم أنه أُسلم بعد أن أكل الفصح، الأمر الذي لم نتعلَّمه لا من البشيرين القديسين، كما أنه لم يسلِّمنا هذا أي رسول من الرسل هذا.
لذلك، ففي الوقت الذي كان فيه ربنا وإلهنا يسوع المسيح يتألم من أجلنا بالجسد، لم يأكل من الفصح الطقسي. ولكن كما قلت كان هو الحَمَل الحقيقي، الذي قُدِّم ذبيحة لأجلنا في عيد الفصح الرمزي، في يوم الاستعداد، أعني اليوم الرابع عشر من الشهر الأول.
الفصح الرمزي، إذاً، لم يعد قائماً. لأن الفصح الحقيقي قد صار حاضراً: » لأن المسيح فصحنا قد ذُبح لأجلنا «كما ذكرنا من قبل. وكما علَّم بذلك بولس الرسول الإناء المختار.]([22])
6– القديس أثناسيوس الرسولي بابا الإسكندرية الـ 20 (295-373):
[لا نذبح بعد (يوم الفصح) خروفاً مادياً وإنما ربنا يسوع المسيح الحمل الحقيقي الذي ذُبِح]
(الرسالة الفصحية الأُولى)
واضح هنا أن ذبح المسيح (الصليب) كان في نفس الميعاد للفصح القديم. وهكذا ألغى الفصح الحقيقي الفصح القديم وكل ما يتعلَّق به.
7– العلاَّمة كلِمندس الإسكندري (150-215م):
أورد هذا الموضوع بتطويل وتوضيح كامل مثبتاً أن المسيح صُلب في الرابع عشر من نيسان في ميعاد ذبح خروف الفصح القديم، وأن الإفخارستيا كانت قبل الفصح([23]).
وبالاختصار نجد أكثر العلماء تضلُّعاً في التقليد العبري وجميع الآباء الأقباط والباباوات بصفة عامة يتكلَّمون عن المسيح الفصح الحقيقي الذي ذُبح لأجلنا، وأنه حل محل الفصح الرمزي القديم إحلالاً دقيقاً شمل كل الصفات حتى الظاهرية، وبالتالي التاريخية، على أساس أن المسيح ذُبح في ميعاد الفصح اليهودي تماماً.
وبهذا يكون العشاء السري قد تأسس قبل الفصح، وتكون الوليمة بالتالي وليمة يوم ما قبل الفصح.
كما تسوق إلينا أحدث أبحاث العلماء الفلكيين ما يثبت هذه الحقيقة التاريخية المختصة بزمن وتاريخ صلب المسيح، ومنها يتبين أنه كان في يوم الفصح، كما أن الإفخارستيا لم تكن وليمة فصح:
[نقلت وكالة الأنباء المسيحية RNS في نيويورك خبراً مفاده أن عالمين بريطانيين توصَّلا بعد أبحاث طويلة إلى تحديد يوم صلب المسيح، وهو يوم الجمعة 3 أبريل.
وهذان العالمان متخصصان في الأبحاث الفلكية في جامعة أكسفورد، الأول اسمه البروفيسور كولين ج. همفري Colin J. Humphreys، والثاني اسمه و. جرايم وادينجتون W. Graeme Waddington وقد نشرا بحثهما في مجلة المؤسسة العلمية الأمريكية Journal of the Amer. Scient. Affil. في عدد مارس 1985، وبنيا هذا البحث على حسابات فلكية دقيقة وتفاسير متعددة للكتاب المقدس.
وقد اقتبسا في بحثهما من كتابات القديس البابا كيرلس الإسكندري (بابا الإسكندرية الـ 24 في عداد بابوات وبطاركة الكنيسة القبطية)، ومن وثائق كتبها بيلاطس البنطي الوالي الروماني، والذي في عهده صُلب المسيح، ذُكر فيها أن القمر تحوَّل لونه إلى الأحمر الدموي أثناء عملية الصلب. ويقول العلماء أن مثل هذا التغيُّر في اللون يمكن أن يحدث في حالة واحدة فقط وهي خسوف القمر نتيجة لكسوف الشمس.
وقال هذان العالمان أنه بمراجعة الحسابات الفلكية فإن المرة الوحيدة التي رُئي فيها خسوف للقمر في منطقة أورشليم وفي الفترة ما بين عامي 26-36م (وهي المدة التي من المؤكَّد أن يكون المسيح قد صُلب خلالها) كانت في يوم الجمعة 3 أبريل عام 33م. ويذكر الإنجيل أن المسيح بدأ خدمته وهو في عمر 30 سنة وأن خدمته حتى الصليب استمرت 3 سنوات ونصف.
ويقول البروفيسوران همفري ووادينجتون أن لهذا التاريخ أهمية ليست بقليلة. وهما يعتقدان في صحة هذا التاريخ نسبة إلى عمر المسيح (المتفق عليه) وقت الصلب، وكذلك بالنسبة لتاريخ وطبيعة العشاء الأخير الذي أكله المسيح مع تلاميذه قبل الصلب.
فقد أعلنا بأن عملية الصَلْب تمَّت في يوم عيد الفصح عند اليهود أو اليوم السابق لهذا اليوم الذي كان ينبغي فيه على اليهود بحسب طقوسهم أن يذبحوا خروف الفصح. وهذا يتفق مع إيمان الكنيسة بأن المسيح كان هو الفصح الحقيقي الذي سيكفِّر حقاً عن خطايا البشرية.
وفي الوقت نفسه أعلن هذان العالمان أن العشاء الأخير للمسيح مع تلاميذه كان وليمة من ولائم الفصح في الليلة التي تسبق عادةً الليلة التي يأكل فيها اليهود خروف الفصح.]([24])
([1]) W.H. Frere, The Anaphora or Great Eucharistic Prayer. p. 7.
([2]) انظر كتاب: «أسرار الكنيسة السبعة» للمتنيح الأرشيدياكون حبيب جرجس، صفحة 113.
([3])Liddell and Scott, Greek-English Lexicon, Oxford, 1972, p. 702.
([4]) انظر المراجع الأجنبية التي أوردها المتنيح الأرشيدياكون حبيب جرجس في كتابه: «أسرار الكنيسة السبعة» – صفحة 122.
([5]) هذا التقليد كان منذ أيام القديس لوقا الإنجيلي. وهو أن الكنيسة في ليلة عيد الفصح المسيحي من كل سنة (عيد القيامة) تظل تصلِّي صائمةً حتى بعد منتصف الليل، في انتظار عودة المسيح، حسب الاعتقاد السائد أن المسيح سيحضر في عيد القيامة في منتصف الليل ليكمل الفصح في ملكوت الله الذي سيُستعلن حسب وعده بمجيئه. فإذا لم يحضر حتى أول صياح الديك (الساعة الثالثة صباحاً)، يُقيمون الإفخارستيا باعتبار أنه سيشترك معهم كالعادة، في انتظار سنة أخرى.
([6]) M. R. James, The Apocryphal New Test., Oxford, 1924, p. 91.
([9])Joachim Jeremias, The Eucharistic Words of Jesus, pp. 66, 67, citing E. Schwartz, Willhausen, Lietzmann, Schlatter.
([10]) M. Goguel, L’Eucharistie, des origines Justin; J. Lightfoot, Exercitations of Matt. 26.26.
([11])M. Haller; F. Spitta; K. G. Goetz, cited by J. Jeremias, op.cit., p. 68.
([12])Bultmann, Tradition, p. 264; Finegan, ـberlieferung. p. 66; Billerbeck, I. 989.
([13]) Wellhausen, Evang. Marci, p. 108; Schwartz; C. G. Montefiore; M. Dibelius, From Tradition to Gospel, p. 191; T. Preiss, Life in Christ, p. 82.
([14]) بحسب توقيت يوسيفوس المؤرخ “من 3-5 بعد الظهر”، أمَّا بحسب توقيت فيلو الفيلسوف اليهودي “فمن الظهر حتى الغروب”.
([15]) Sanh, 4. I; b. Sanh. 35a.
([16]( Justin Martyr, Dialogue with Trypho, 111, ANF I, 254.
والقديس يوستينوس الشهيد من المدافعين المسيحيين الأوائل، وُلد في نابْلُس بفلسطين من أبوين وثنيين، وبعد بحث عن الحق دام طويلاً اعتنق المسيحية عام 130م، وعلَّم الإيمان المسيحي في أفسس حيث التقى برجل يهودي «تريفو» عام 135م. ثم رحل إلى روما وكتب هناك رده على محاجاة تريفو اليهودي، كما كتب دفاعاً عن الإيمان أمام الإمبراطور ماركوس أوريليوس ثم استشهد عام 165م.
([17]) وهو أبوليناريوس كلوديوس المدافع عن الإيمان أمام ماركوس أوريليوس (حوالي عام 172م)، وكتب مقالات عن الإيمان وعن الحق وعن القيامة، وتعيِّد له الكنيسة في 8 يونيه. وطبعاً هو غير أبوليناريوس المبتدع (310- 390م) أسقف لاوديكية الذي حُرم.
([18])Apollinarius of Hierapolis, De Pascha, PG V, 1297= PG XCII, 80, cited by Oesterley, op.cit., p. 162.
([19])ANF, vol. V, p. 240, I.
([20]) هو أصلاً مواطن مصري من الإسكندرية، أسَّس فيها مدرسة فلسفية مشهورة وكان عضواً في مجلس السناتو الروماني لعلو ثقافته. أُقيم أسقفاً مساعداً لأسقف قيصرية فلسطين، ثم أسقفاً لمدينة لاودكية عام 268م.