الجهالة يصحبها التهوُّر عادة، وهى تؤدى بالناس إلى أن يُعلِّقوا أهمية كبرى على أوهامهم البائسة، وهكذا فإن أولئك الذين هم ضحايا لهذا الداء، عندهم فكرة عظيمة عن أنفسهم ويتصورون أنهم يملكون معرفة لا يستطيع أحد أن يُنكرها. ويبدو أنهم قد نسوا قول سليمان: ” لا تكن حكيمًا في عيني نفسك” (أم7:3)، أي بحسب حُكمك الشخصي، وأيضًا إن الحكمة التى لا تُمحَّص تضل الطريق. فإنه ليس بالضرورة أن تكون آراؤنا صحيحة عن كل تعليم نعتقد به، إذ ربما يحدث أن نحيد عن الطريق الصحيح فنخطئ، ونسقط في ما هو غير مناسب، ولكن، أظن أنه من الصواب إذا مارسنا حكمًا نزيهًا وبلا تحيُّز، وبغير استسلام لاندفاع العواطف، فإننا يجب أن نحب الحق ونسعى إليه باشتياق.
أما الصدوقيون الأغبياء، فإنهم لا يعطون احترامًا لمثل هذه الأفكار. كان الصدوقيون شيعة من اليهود، وقد أوضح لنا لوقا ما هو رأيهم الذي كانوا يفكرون به من جهة قيامة الأموات، فيكتب في أعمال الرسل: ” لأن الصدوقيين يقولون إنه ليس قيامة ولا ملاك ولا روح، وأما الفريسيون فيقرون بكل ذلك” (أع8:23). لذلك، قد حضر قوم منهم إلى المسيح مخلِّصنا جميعًا ـ الذي هو الحياة والقيامة ـ وحاولوا أن يدحضوا (عقيدة) القيامة؛ ولأنهم قوم ممتلئون بالخزى وغير مؤمنين، فإنهم اخترعوا قصة مفعمة بالجهالة ومملوءة بالافتراضات السخيفة، محاولين بخبث أن يلغوا رجاء العالم كله. إننا نؤكد أنَّ رجاء العالم كله هو القيامة من الأموات، الذين صار المسيح هو البكر والباكورة[1] بالنسبة لهم، ولذلك فإن الحكيم بولس أيضًا إذ يجعل قيامتنا معتمِدة على قيامته فإنه يقول: ” إن كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح قد قام” (1كو16:15)، ثم يضيف إلى ذلك أيضًا، كما لو كان يمتد بالفكر المضاد إلى نهايته: ” إن كان المسيح قد قام من الأموات، فكيف يقول قوم بينكم أن ليس قيامة من الأموات؟” (1كو12:15)، والذين يقولون هذا كانوا هم الصدوقيون الذين نتكلم عنهم الآن.
ولكن دعنا نفحص ـ إن أردتم ـ هذه الرواية المزيَّفة التي بلا معنى التي صاغوها. يقولون كان سبعة إخوة وصاروا على التوالى أزواجًا لامرأة واحدة بحسب متطلّبات ناموس موسى، ثم ماتت هى أيضًا بدون أولاد، ففى القيامة لمن منهم تكون زوجة؟ إن السؤال الذي يطرحونه، هو بلا معنى، كما أنه لا يتوافق بأي حال مع الكتب الموحَى بها، وإجابة مخلِّصنا فيها تكفي تمامًا لإثبات حماقة روايتهم. وتجعلنا نرفض خيالهم المزيَّف، كما نرفض الفكرة التى تأسَّس عليها.
وأظن أنه من الصواب أن نتَّهمهم بأنهم يقاومون ـ بغباء، الكتب الموحى بها، وأن نُوضِّح أنهم قد جانبوا الصواب تمامًا وابتعدوا عن المعنى الذي تعلِّمه الكتب المقدسة. تعالوا ودعونا نرى ماذا قالت جماعة الأنبياء القديسين بخصوص هذا الموضوع، وما هي التصريحات التي أعلنها رب الجنود بواسطتهم. إنه يقول عن أولئك الراقدين: “من يد الهاوية أُخلِّصهم، من الموت أفديهم، أين قوَّتك يا موت؟ أين شوكتكِ يا هاوية” (هو14:13س). أما بخصوص المقصود بقوة الموت وبشوكته أيضًا، فإن المبارك بولس قد علَّمه لنا بقوله: “ أما شوكة الموت فهي الخطية، وقوة الخطية هي الناموس ” (1كو56:15)، لأنه يقارن الموت بالعقرب، الذي شوكته هي الخطية، لأنه بسمه يقتل النفس، ويقول إن الناموس هو قوَّة الخطية. ويتعرض (القديس بولس) هو نفسه ثانية في موضع آخر ويقول: ” لم أعرف الخطية إلاَّ بالناموس” (رو7:7)، ” إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعدٍّ” (رو15:4). ولهذا السبب فإن المسيح أخرج أولئك الذين يؤمنون به من تحت سيادة الناموس الذي يدين، وقد أبطل أيضًا شوكة الموت، أي الخطية، وإذ قد أبطل الخطية، فإن الموت بالتالي ـ كنتيجة حتمية ـ قد بطل، لأنه نتج عنها وبسببها دخل الموت إلى العالم.
وكما إنَّ الله قد أعطى الوعد: ” أُخلِّصهم من يد الهاوية ومن الموت أفديهم“، هكذا أيضًا فإن الأنبياء القديسين يتوافقون مع الأحكام الصادرة من فوق، لأنهم يكلموننا، ليس ” برؤيا قلبهم، ولا من مشيئة إنسان، ولكن من فم الله” (انظر إر26:23) كما هو مكتوب، طالما أنَّ الروح القدس هو الذي يتكلَّم فيهم (انظر 2بط21:1) هو الذي يُعلن في كل أمر ما هو حكم الله وما هى مشيئته المقتدرة وغير القابلة للتغيير. لذلك يقول لنا إشعياء النبى: ” تحيا أمواتك، وأولئك الذين في القبر سيقومون، والذين في الأرض سيبتهجون، لأن طلَّك هو شفاء لهم” (إش19:26س). وأنا أعتقد أنَّ النبي يقصد بالطلِّ قوة الروح القدس المحيية، وذلك التأثير الذي يلاشي الموت، لأنه قوَّة الله وقوَّة الحياة.
ويقول أيضًا داود المبارك في موضع ما في المزامير عن كل ما على الأرض: ” تنزع روحهم فيموتون وإلى ترابهم يعودون، تُرسِل روحك فيُخلقون وتجدد وجه الأرض” (مز29:103س). هل تسمع أنَّ نعمة الروح القدس العاملة والمحيية سوف تُجدِّد وجه الأرض، ويقصد بوجه الأرض جمالها، ويُفهم بذلك أنَّ جمال الطبيعة البشرية سوف يكون على غير فساد، لأنه مكتوب: ” يُزرع في فساد ويُقام في عدم فساد، يُزرع في ضعف ويُقام في قوة، يُزرع في هوان ويُقام في مجد” (1كو42:15و43). ومرة أخرى فإن النبى إشعياء يؤكد لنا أنَّ الموت الذي دخل بسبب الخطية لا يحتفظ بقوَّته على ساكني الأرض إلى الأبد، ولكنه يتلاشى بقيامة المسيح من بين الأموات، وهو الذي يُجدِّد العالم ويعيد تشكيله إلى ما كان عليه في البداءة، كما هو مكتوب: ” لأن الله خلق جميع الأشياء لعدم فساد” (حكمة14:1). فالنبى إشعياء يقول: ” يبلع الموت بعد أن قوى جدًّا، ويمسح الرب الدموع عن كل الوجوه، وينزع عار الشعب عن كل الأرض” (إش8:25س). والآن هو يُسمِّي الخطية عار الشعب، وهذه عندما تُبطل، فإن الموت أيضًا يُبطل معها، والفساد يتلاشى، وإذ يأتى به إلى نهاية، فإنه ينزع الدموع من الجميع، والنوح أيضًا ينتهي، فلا يكون للناس سبب فيما بعد يجعلهم يبكون وينوحون.
هذا يكفي لبحثنا بخصوص تفنيد كُفر اليهود. ولكن دعنا نرى أيضًا ماذا قال المسيح لهم: أبناء هذا الدهر يُزوِّجون ويُزوَّجون، أما أولئك الذين عاشوا حياة كريمة ومختارة وممتلئة من كل سمو، وقد حُسبوا أهلاً أن يبلغوا قيامة مجيدة ورائعة، فهم بالضرورة يرتفعون فوق الحياة التى يحياها أبناء هذا الدهر، لأنهم سيعيشون كما يليق بقديسين قريبين لله، فهم يكونون مثل الملائكة وهم أبناء الله. وحيث إنه يكون قد انتُزع منهم كل شهوة جسدية، ولم يعد يوجد موضع باقٍ فيهم للذة الجسدية، فإنهم يشبهون الملائكة القديسين، وهم يُكملون خدمة روحانية وليست مادية ـ كما يليق بالأرواح المقدسة، وفى نفس الوقت يكونون مستحقين لمِثل هذا المجد الذي تتنعم به الملائكة.
وقد أظهر المخلِّص أيضًا جهل الصدوقيين العظيم بأن استشهد لهم بمعلم أقداسهم موسى، الذي كان مطلعًا جيدًا على أمر القيامة من الأموات. فإنه يضع أمامنا الله الذي يقول من العليقة: ” أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب” (خر6:3). ولكن لمن يكون إلهًا إذا كان بحسب ادعائهم إنَّ هؤلاء لم يعودوا أحياء؟ فهو إله أحياء. لذلك فبالتأكيد ـ وبكل ما في الكلمة من معنى ـ سوف يقومون عندما تقيمهم يمينه المقتدرة، وليس هم فقط، بل أيضًا جميع الذين على الأرض.
أما القوم الذين لا يؤمنون بأن هذا سوف يحدث، فإنه يليق بهم جهالة الصدوقيين، وهم لا يستحقون على الإطلاق (أن يُحسبوا ضمن) أولئك الذين يُحبون المسيح. أما نحن فنؤمن بالقائل: ” أنا هو القيامة والحياة” (يو25:11). لأنه سوف يقيم الأموات “ في لحظة، في طرفة عين، عند البوق الأخير، فإنه سيبوَّق، والأموات في المسيح سوف يقومون في عدم فساد، ونحن نتغير” (1كو52:15)، لأن المسيح مخلِّصنا جميعًا سوف ينقلنا إلى عدم فساد وإلى مجد وإلى حياة غير مضمحلة، هذا الذي به ومعه يليق التسبيح والسلطان لله الآب مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.
[1] بناء على قول الرسول ” المسيح قام من الأموات وصار باكورة الراقدين ” (1كو20:15).
قيامة الأموات – إنجيل لوقا 20 ج5 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد
يؤكد واقع الحياة على أن تاريخ الإنسان كله من لحظة السقوط وما تبعه من نتائج، ليس سوى مسيرة مستمرة نحو الحياة الأخروية. وهذا أيضًا هو جوهر الحياة المسيحية، فهو مُرتبط إرتباطًا وثيقًا برجاء القيامة العامة.
وهنا نطرح أمرين أساسيين يتعلقان:
بما نعرفه
وما نترجاه
ما نعرفه وتأكدنا منه بشهود كثيرين هو قيامة المسيح، وما نترجاه هو قيامتنا نحن، هذا الرجاء لا يمكن أن ينفصل أبدًا عن قيامة المسيح التي تمهد للقيامة العامة. إن الحياة بعد الموت هي من الموضوعات الأساسية التي تشترك فيها جميع الديانات. والآراء التي تناولت هذا الموضوع كثيرة ومتباينة، ولا يوجد إتفاق فيما بينها حول طبيعة حياة الإنسان بعد الموت.
أما على المستوى المسيحي بصفة خاصة تُعد مسألة الإختبار الشخصي للقيامة من المسائل المرتبطة بالإيمان الخاص بعقيدة الحياة بعد الموت، هذا هو إرثنا المسيحي، فهو مرتبط بقيامة المسيح من بين الأموات كباكورة للراقدين[1].
إلاّ أن الأمر ليس كذلك في الديانات الأخرى، فبعض الديانات الشرقية تؤمن حتى اليوم بأن وجود الإنسان في هذه الحياة يُعتبر نوع من الإنحدار، نتج عن سقوط جزء من عالم النفس في الإطار الجسدي وفي سجن هذا العالم، وبناء على ذلك فإن ما ينتظره ويترجاه ويصارع من أجله، ويرغب في تحقيقه، هو فقط الصعود مرة أخرى إلى الغبطة الأولى إلى الحياة الأبدية.
وليس هناك رأي واحد مشترك عند القدماء حول مصير الإنسان بعد الموت، بل هناك أراء عديدة ومتباينة. وإذا إستثنينا المدرسة الأفلاطونية والتي تحمل رؤية خاصة بخلود النفس وخلاصها أو تحريرها من سجن الجسد، وإنتقالها إلى عالم الروح بعد الموت، فنجد أن هناك أراء كثيرة حول هذا الموضوع. لكن الرأي السائد بشكل عام لدى القدماء، هو أن حياة الإنسان تنتهي بموته.
وفي العهد القديم، كان هناك مَن يؤمن بأن الإنسان عندما يموت ينضم إلى أبائه. وحتى ذلك الحين كان هناك كثيرين ممن تحدثوا عن حياة الجماعة وليس الشخص. تلك الجماعة التي تحتوي الجميع، والجميع كانوا مُتضامنين فيما بينهم في احتضانهم للفرد[2].
لكننا في الكنيسة نتبع مسيرة تبدأ في الإنسان يسوع المسيح الذي يحتضن الكنيسة بل والعالم كله. فحتى عصر المسيح، كان هناك رفضًا لفكرة القيامة، وخير مثال لذلك الصدوقيون الذين كانوا يمثلون كهنة ذلك العصر، وحافظي التقليد، فهؤلاء لم يؤمنوا بالقيامة.
ولذلك فالسؤال الذي طرحه بعض الصدوقيين على المسيح ـ والخاص بموضوع الزوجة التي كان لها سبعة أزواج وماتوا جميعًا، فلمن تكون في القيامة؟ كان سؤالاً يحمل في حقيقة الأمر نوايا غير مستقيمة، فهم لم يؤمنون بالقيامة، فلماذا السؤال إذًا؟ ورغم هذا فقد أجاب المسيح وكانت إجابته واضحة جدًا وبدليل كتابي، لأنها قيلت قبل قيامته وتعكس في نفس الوقت رؤية إسرائيليين آخرين مثل الفريسيين الذين كانوا يؤمنون بالقيامة، يقول الكتاب:
” أنا هو إله إبراهيم وإسحق ويعقوب ” لكن الله، هو إله أحياء وليس أله أموات، ولأنه أله حي ومحييّ، ولأنه هو إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، فتكون النتيجة أن هؤلاء أحياء. هكذا كانت إجابته على الصدوقيين، وهي تتوافق مع إيمان أولئك الذين يؤمنون بالقيامة (انظر مر18:12ـ27).
أيضًا حين قُبض على القديس بولس وذهبوا به إلى أورشليم ليحاكم هناك، وكان المجمع الذي حوكم أمامه يقف بكامله ضده. فكما يخبرنا سفر الأعمال (1:23ـ10)، فإن القديس بولس انتهز فرصة وجود خلاف بين الصدوقيين والفريسيين، فقام وقال ” أيها الرجال الأخوة أنا فريسي إبن فريسي. على رجاء قيامة الأموات أنا أحاكم ” (أع6:23). وعندئذٍ حدثت منازعة فيما بينهم، ونسوا موضوع محاكمة بولس.
إحتاج الأمر بعد ذلك زمنًا طويلاً حتى يختفي أو ينتهي مجمع الكهنة (من الصدوقيين)، ويسود العلمانيون والفريسيون، لكي يُضاف إلى قانون الإيمان اليهودي، مصطلح الإيمان بقيامة الأموات “مَنْ لا يؤمن بالقيامة يكون مقطوعًا”. هكذا تطور الأمر تاريخيًا ودينياُ لدى اليهود[3]. وهذا يختلف تمامًا عما تؤمن به المسيحية.
ولم يكن لدى الرسل حين كانوا يتكلمون عن القيامة أي تبنّي للفكر اليوناني بشأن النفس الإنسانية باعتبارها خالدة، فنفس الإنسان هي الحياة، والحياة تُدين بوجودها للنفس، لكن بلا إنفصال، فالإنسان وحدة واحدة لا تنقسم ” من أراد أن يخلص نفسة يهلكها. ومن يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلّصها ” (مر35:8). هكذا قال المسيح له المجد. النفس في الإنجيل، هي حياة الإنسان، هي النسمة التي أعطاها الله للإنسان، وهكذا يصير الإنسان خالدًا بنعمة الله فقط.
ويتضح هنا الفارق الكبير بين الرؤية المسيحية للنفس، والفكر اليوناني. حيث يرى أفلاطون أن الخلود هو في داخلك، وأنك أنت الذي تختار الطريق الذي تسير فيه بإرادتك وحدك. وهذا يختلف تمامًا عن الإيمان بأن النسمة التي فيك، وإمكانية الحياة إلى الأبد، هي من الله. لأن المنطق الذي يتبناه الفكر اليوناني بشأن النفس، يعني أن لك نفس جوهر الله، بينما الفكر المسيحي يؤمن بأن وجودك يعتمد أولاً وأخيرًا على محبة الله المعطي حياة.
إذًا حين يحيا الإنسان بعيدًا عن الله، فمن الطبيعي أن ينتهي أو يتلاشى، ولكنه لن ينتهي لأن الله وضع الموت في الطريق، وهو ما يتمثل في إنفصال النفس عن الجسد بشكل مؤقت. فإن لم يحدث هذا الإنفصال، لبقى الإنسان خالدًا في الخطية، وفي البغضة، والحسد، وفي كل الشرور الأخرى.
ويشرح سفر التكوين موقف الإنسان بعد السقوط، فهو لم يبتعد فقط عن الله، بل إختلّت أيضًا علاقته الشخصية مع الإنسان الآخر شريكه في الإنسانية. تجدر الإشارة هنا إلى أن آدم قبل السقوط قال عن حواء “هذه الآن عظم من عظامي”، أما بعد السقوط فقد تحدث عنها باعتبارها كيان منفصل وقال “المرأة التي أعطيتني إياها”، هذا يعني أن العلاقة الصحيحة كانت قد انقضت، وتغيرّت تمامًا. إلاّ أن الله لم يرد لهذه الحالة أن تدوم، فوضع حلاً مؤقتًا تمثّل في الموت.
وترك الإمكانية للإنسان أن يدخل الحياة الحقيقية، يدخل في علاقة شركة مع الله مرة أخرى. فالمسيح اتخذ جسدًا لكي يعلن محبة الله الفائقة نحو الإنسان، ولكي يهزم الموت ويبطل سلطانه، ويزيل العائق الذي دخل لكي يحرم الإنسان من الشركة مع الله ولا يُمكّنه من التواصل مع شريكه في الإنسانية. تجسد لكي يدوس الموت ويقوم حيًا، هذا هو هدف التجسد، عودة الإنسان إلى وضعه الإنساني الحقيقي، والتأكيد على أن الإنسان يمكنه أن يحيا حياة أبدية.
فحتى مجئ المسيح، لم يكن ممكنًا له، حتى إن أراد، أن يقترب، من الله، إذ أن الموت كان قد فصله عن الحياة، فصار عبدًا للموت، وللخطية، وللشيطان، أما بالمسيح فقد صارت له الإمكانية أن يحيا الحياة الحقيقة، لأن الطبيعة الإنسانية تغيرّت، وهذا ما يتضح في قيامة المسيح الذي غلب الموت إلى الأبد[4].
الإيمان بالقيامة:
إن كيفية حدوث قيامة المسيح لم توصف في أي من الأناجيل، ولا في أي موضع من العهد الجديد. الذي نعرفه فقط هو أمرين:
1ـ أن القبر وُجد فارغًا، هذا ما تقوله لنا الأناجيل الأربعة. هكذا وجدته حاملات الطيب، ثم بعد ذلك تأكد بطرس ويوحنا وبعض التلاميذ الآخرين من هذه الحقيقة.
2ـ ظهورات المسيح بعد القيامة. فبالنسبة للقبر الفارغ كان هناك بعض الإدعاءات التي روَّجها اليهود ليشككوا في القيامة، منها ما ورد بإنجيل القديس متى، حيث بدأ اليهود يقولون ” إن تلاميذه أتوا ونحن نيام وسرقوا الجسد “. وهنا يلاحظ القديس يوحنا ذهبي الفم ملاحظة صحيحة ودقيقة فيقول: [ طالما أنهم كانوا نيامًا فكيف رأوا التلاميذ وهم يسرقون الجسد؟ ]. أما الحدث الذي لا يحتمل ولا يقبل أي شك هو ظهورات المسيح القائم من الأموات.
هذا هو إيماننا، إيمان الرسل، وإيمان الآباء، الذي يؤكد على حقيقة القيامة. وماذا تعني القيامة؟ القيامة لا تعني فقط أن القبر وُجد فارغًا، هذه كانت علامة أو إشارة، أما الدليل على القيامة ومحتوى القيامة فهو أن المسيح قام حيًا بعد موته وقد رآه كثيرون بأعينهم، ولدينا سجل بظهورات المسيح بعد القيامة، بحسب ما ورد في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس الإصحاح الخامس عشر. وهو عبارة عن نص قد وجده الرسول بولس في الكنيسة، ولم يُعده بنفسه، ويحتوي على الشهادات القديمة عن القيامة[5].
يقول ” فإنني سلّمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب وأنه ظهر لصفا ثم للأثني عشر ثم بعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمائة شخص أكثرهم باق إلى الآن .. ” (1كو3:1ـ6). الأمر هنا مُتعلق بحدث حقيقي وليس مصادفةً، بل سبقته وعود، ونبؤات كثيرة في الكتاب المقدس وبصفة خاصة في العهد القديم. وصَاحَبه دليل منظور أن المسيح مات ودُفن.
فلكي يقوم كان ينبغي أولاً أن يُدفن، وهذا ما قد حدث، ولكي يؤكد على قيامته يذكر بولس الرسول الدليل بأنه ظهر لصفا، ثم للأثني عشر تلميذ، ثم لأكثر من خمسمائة شخص أكثرهم باق وهؤلاء يستطيعوا أن يؤكدوا على رؤيتهم له حيًا بعد قيامته.
وكأنه يقول إن مَن يتشكك عليه أن يتوجه لهؤلاء بالسؤال ليتأكد من حقيقة القيامة. ومن المعروف أن اليهود كانوا يتمسكون بتطبيق القانون، حيث إنهم لم يؤمنوا بشئ إلاّ إذا كان هناك على الأقل شاهدين، وهكذا كانت إشارة الرسول بولس إلى أكثر من خمسمائة شاهد تأكيدًا على حقيقة القيامة. ولأنهم لم تكن شهادة النساء لها مصداقية بالنسبة لهم، لذلك لم يحمل هذا السجل أسماء أي من النساء، فلم يقل أنه ظهر لمريم المجدلية ولا لسالومي[6].
أيضًا عندما يتحدث العهد الجديد عن القيامة فهو لا يتحدث عن قيامة البشر جميعًا، بل عن قيامة المسيحيين، وبصفة خاصة يتحدث عن أن المسيحيين سيكونون بالقرب من الله بواسطة القيامة، كما يتحدث عن ما ينبغي عليهم أن يفعلوا من أجل هذا من الآن. ما كتبه الرسول بولس كتبه لمجموعة من المسيحيين من أهل كورنثوس لا يؤمنون بالقيامة، ولم يكن واضحًا أنهم يؤمنون بخلود النفس، بل أن البعض منهم قد أعطى معنى مختلف للقيامة، وهو أن القيامة هى أن يقوم الشخص من خطيئته ويتحرر من أسر الخطيئة، ويكتسب حياة أخلاقية جديدة، وسلوكًا جديدًا.
بمعنى أن الموت ليس سوى سقوط الإنسان في الخطيئة، وما القيامة إلاّ التحرر منها. وهذا يُناقض الحقيقة، إذ أن المسيح قام حقًا وقهر الموت وأبطل سلطانه. وفي هذا السياق يقول القديس يوحنا ذهبي الفم [ إن هذا الكلام ـ أى ما كان يؤمن به البعض من أهل كورنثوس ـ معناه أن المسيح قد أخطأ، وإن كان قد أخطأ، فكيف يقول ” مَن منكم يُبكتني على خطية ” (يو46:8)، وكيف يموت من أجل الخطاة إن كان هو في الخطية؟ لأن الذي يموت من أجل الخطاة ينبغي أن يكون هو نفسه بلا خطية، كذلك إن كان قد أخطأ، فكيف يموت من أجل خطاه آخرين.
فإن كان قد مات من أجل خطايا الآخرين، فإنه يكون قد مات وهو بلا خطية. وإن كان قد مات وهو بلا خطية، فإنه لا يكون قد مات موت الخطية، لأنه كيف يكون قد مات موت الخطية، وهو بلا خطية؟ لكنه مات بالجسد، وإن كان قد مات بالجسد، حينئذٍ تكون القيامة بالجسد ][7]. وهذا ما أوضحه الرسول بولس بقوله إنه ” مات من أجل خطايانا حسب الكتب ” (1كو1:15). وقد أضاف ” حسب الكتب” لكي يضفي مصداقية على كلامه، لأن الكتب تكرز بموت الجسد في كل موضع. مثل ” ثقبوا يديّ ورجلّي ” (مز16:22)، وأيضًا ” فينظروا إلى الذي طعنوه وينوحون ” (زك10:12).
ولذلك يقول القديس بولس ” ولكن إن كان المسيح يكرز به أنه قام من الأموات فكيف يقول قوم بينكم إنه ليس قيامة أموات؟ ” (1كو12:15). هنا الرسول بولس يُبرهن على حقيقة القيامة من الأموات من خلال قيامة المسيح، وذلك بعدما برهن على قيامة المسيح بطرق كثيرة؛ إذ يوضح أن الأنبياء أيضًا تنبأوا عن هذه القيامة والتي أثبتها المسيح نفسه بظهوراته بعد قيامته من الموت. وحتى لا يقولوا إن الأمر لا يتعلق بقيامة المسيح، فهي حقيقة لا شك فيها وهي واضحة للجميع، وقد سبق التنبؤ عنها، وشهد بها الكثيرون من خلال ظهورات المسيح بعد القيامة.
حيث إن هؤلاء يرون أن قيامة المسيح لا تؤكد حقيقة قيامة البشر. لذلك فقد أوضح الرسول بولس أنه إن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام (1كو13:15). لأنه لمن كانت الباكورة الأولى، إن لم تكن لأولئك الذين قاموا؟ إن قيامتنا مرتبطة بقيامة المسيح والدليل على ذلك أنه إذا لم يكن في تدبيره أن يقيم الجسد، فلماذا أخذ جسدًا؟ المسيح لم يكن محتاجًا لذلك لكنه تأنس من أجلنا وقام من أجلنا. ولذلك يقول ذهبي الفم إن عدم الإيمان بالقيامة يؤدي إلى رفض خطة الله من أجل خلاص البشر[8].
كيف يقوم الأموات؟
والواقع أن هذا النص المُشار إليه يطرح موضوعين هامين وهما:
حقيقة القيامة
كيف تكون القيامة؟
فيما يتعلق بالقيامة فقد أراد أن يؤكد أن قيامة البشر هي حقيقة. ولكي يؤكد عليها انطلق من حدث تاريخي حقيقي، من قيامة المسيح من الموت. ولذلك فقد، أورد القديس بولس شهادات كثيرة على قيامة المسيح، لكي يخبرنا أنه كما قام المسيح، سنقوم نحن أيضًا فالقيامة كما يقول الآباء هي “خلق جديد“، وليس مجرد تجديد.
وبقيامة المسيح ودخوله إلى الحياة الأبدية الجديدة، لم يعد الإنسان هو ما كان عليه أدم الأول، بل صار ما هو عليه أدم الجديد (المسيح) بعد القيامة. هذا هو البرهان اللاهوتي الذي أورده القديس بولس، والذي لخّصه في عبارة “كما في أدم يموت الجميع هكذا في المسيح يحيا الجميع”. فالطريق الذي تبعه آدم، قاد البشر إلى الموت، بينما المسيح فتح الطريق إلى الحياة الأبدية.
الأمر الثاني هو كيف تكون القيامة؟ وهذه النقطة في الحقيقة تُعد الأكثر صعوبة، فالرسول بولس يقول: ” لكن يقول قائل كيف يُقام الأموات وبأي جسم يأتون ” (اكو35:15). وقد أفرد نصف الإصحاح تقريبًا لمناقشة هذا الأمر بطرح سؤالين كانا موضع إستفسار في ذلك الوقت. وقد واجه الرسول بولس هذه الإستفسارات كتساؤلات متوقعة، وربما كانت لديه الخبرة للرد على التساؤلات الشفاهية وبصفة خاصة التي كان يطرحها اليونانيون الذين كان لهم موقفًا سلبيًا من الجسد، باعتباره سجن للنفس.
وقد كان من الممكن أن يقبلوا فكرة الخلود، ولكن ليس للجسد. فمن وجهة نظرهم كيف يقوم المرء ومعه سجنه؟ لذلك بدأ القديس بولس يتحدث بوضوح من خلال أمثلة من حياتنا الإنسانية، ولم يكن أمامه طريقة أخرى لشرح كيفية قيامة الأموات إلا هذه الطريقة. والمثل الأول الذي ذكره كان قد أستخدمه المسيح نفسه بحسب ما ورد بإنجيل يوحنا، وهو مَثل الحبة التي إن لم تمت لن تأتي بثمر.
وبحسب فكر ذلك العصر، فإن ما يبذره المرء، هو حبة مجردة، ومع هذا تُخرِج نباتًا سواء كان قمحًا، أو ذرة، أو شجرة كاملة. الله هو الذي يضع في هذه الحبة المجردة القوة لكي تخرج نباتًا مكتملاً. ما يريد أن يقوله القديس بولس، أن هناك قوانين إلهية في حقل الزراعة، بمعنى أن في داخل الحبة المجردة توجد قوة معطاة من الله. وشيء مثل هذا يحدث في الكون كله، في النجوم، والشمس، والقمر، فكل منها له إشراقة مختلفة. وهذا يعني أن كل ما في الخليقة مرتبط بأمرين:
قوة الله التي تُعطى حياة للأشياء.
إرادة الله التي تجعل الأشياء مختلفة فيما بينها.
فليس هناك شكلاً متماثلاً للأشياء، بل إن جميع الأشكال مختلفة. إذًا فالإجابة على كيف يقوم الأموات، تتلخص في أنهم يقومون بالقوة الإلهية. وليس في هذا شيئًا غريبًا، فالذي خلقه منذ البدء، يسهل عليه تجديده مرة أخرى. إن ما يبدو غريبًا وغير مفهوم هو أن الجسد الذي يموت ويتحلل، يقوم ثانيةً. بيد أن هذه الغرابة تزول إذا فكّر المرء في قوة الله التي خلقت هذا الجسد. فكما خلقه الله من العدم، يمكنه أن يعيد خلقه مرة أخرى.
هكذا يقول القديس غريغوريوس النيسي: [ بما أن الكائنات لم تُخلق من مادة كانت موجودة سابقًا، بل أتت إلى الوجود بواسطة الإرادة الإلهية، فهذا يعني إن إمكانية إعادة الإنسان للحياة مرة أخرى، بالشكل الذي كان عليه، هي أيسر بكثير من إعطاء كيان وجوهر لشئ لم يكن موجودًا من البداية ][9].
نأتي للأمر الثاني وهو بأي جسم يأتون. يتحدث الرسول بولس في هذه النقطة عن “الجسم الروحاني”، وهذا يُعد تعبير لا معنى له بالنسبة لليونانيين. لأن الجسد لا يمكن أن يكون روحًا، والروح لا يمكن أن يكون له جسدًا. ولكن هذا التعبير له معنى في الإطار الكتابي، لأن الكتاب يستخدم لكلمة جسم تعبير ساركس (σάρξ)، وليس سوما (σώμα). فالجسد هو كل الإنسان هو كل الكيوننه الإنسانية في تواصلها مع كل العالم.
أي كياننا في علاقته مع الآخرين، ومع العالم بشكل عام، ومع أي شئ آخر. وبهذا المعنى يتضح ماذا يريد أن يقول القديس بولس بتعبير (σώμα) “جسم روحي”. أن هذا هو جسد القيامة، الجسد الروحي. وتعبير الروح هنا ليس هو الهواء أو الريح، بل هو الحقيقة الجديدة، وهذه الحقيقة هي التي تُقرب الإنسان من الله، هي التي تجعله يشبه الله (في قداسته وكماله)، هذا الروح هو الذي ينشئ الإنسان الجديد، فنصير لحمًا من لحمه وعظمًا من عظامه. وهكذا يقوم الإنسان متحررًا من الفساد والموت. إذًا فنحن متأكدون من أمرين:
أننا سنقوم حتمًا.
أننا سنتغير إلى عدم الفساد، وعدم الموت، إلى الحياة الحقيقة، وسنكون مثل المسيح.
ما نود التأكيد عليه هنا أن رجاءنا في القيامة، يستند إلى شهادة حية لأناس قد رأوا المسيح القائم من الأموات. وهذا الإيمان قد انتقل من جيل إلى جيل وقد صار إختبارًا شخصيًا يجتازه المؤمنون في حياتهم اليومية، مُقرين بأنهم غرباء على الأرض، ومنتظرين المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها هو الله. هذه هي مفاعيل القيامة التي تحققت في حياة الكثيرين، بعد أن تأكدت بشهود كثيرين أيضًا.
هكذا سُلّم الإيمان بالقيامة، كما تسلمه الرسل، وهذا ما سبق وأشار إليه الرسول بولس في بداية حديثه، إذ يقول ” فإنني سلّمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دُفن وأنه قام في اليوم الثالث ” (1كو1:15). هذا الرجاء يتجسد في الحضور الحي للمسيح داخل الكنيسة، والذي يُمثل تعبيرًا آخر عن قيامته.
وكل الأمور الأخرى، مثل المحبة كقانون عملي للحياة، أو الإيمان، أو أي حقيقة مسيحية أخرى، تستند على الإيمان بالقيامة. نحن لا نتكلم بالطبع بإحساس العبد الذي يعيش الحياة المسيحية خوفًا من الجحيم، بل نتكلم بإحساس الابن الذي لا يسعى نحو المكافأة ولا يخاف العقاب، بل يستند على الرجاء، رجاء الحياة مع المسيح. وهو رجاء يمكن تحقيقه في هذا العالم، لكنه سيكتمل في الدهر الآتي.
ولذلك فإن المجيء الثاني للمسيح، هو تلك اللحظة التي فيها ينتظر الإنسان رؤية المسيح القائم من الأموات.تيأتي