تعاليم البابا ديسقوروس الخريستولوجية

تعاليم البابا ديسقوروس الخريستولوجية

تعاليم البابا ديسقوروس الخريستولوجية

تعاليم البابا ديسقوروس

يحتفظ لنا زكريا ’الخطيب‘ (Rhetor) بقصة عن البابا ديسقوروس ملخصها أن يوحنا رئيس موظفي البوابة (silentarii) * حاول أن يقنع البابا ديسقوروس بقبول تعريف الإيمان الخلقيدوني ليستعيد كرسيه مرة أخرى، ولكن البابا ديسقوروس أجابه بقوله “ليرى ديسقوروس يديه مقطوعة والدم يتساقط على تلك الورقة قبل أن يفعل ’شيئاً مثل هذا‘”.[1]

فهل كان هذا الرفض يعني أن البابا ديسقوروس يتمسك بأي من المواقف الإيمانية التي شجبها تعريف الإيمان الخلقيدوني؟. وكان تعريف الإيمان كما ذكرنا قد رفض خمسة مواقف (إيمانية)، فهل كان البابا ديسقوروس يتمسك بأي من تلك المواقف؟. وعلى الرغم من أن البابا ديسقوروس لم يترك لنا ورائه كثيراً من الكتابات، إلا أن لدينا ما يكفي من عباراته المكتوبة والمنطوقة[2] التي يمكننا الاعتماد عليها للتحقق من توجهه الفكري اللاهوتي.

 من الواضح أن البابا ديسقوروس كان يعارض عبارة “طبيعتين بعد الإتحاد” وكذلك عبارة “في طبيعتين”. وبالنسبة للأنطاكيين، كانت عبارة “طبيعتين بعد الإتحاد” تعبر عن مفهومهم أن الله الابن الهيبوستاسيس الأزلي، ويسوع الإنسان الهيبوستاسيس المخلوق، قد اتحدا في بروسوبون واحد، ومن المحتمل أن يكون البابا ديسقوروس والقادة الذين على شاكلته لم يروا غير تلك الفكرة عينها في عبارة “في طبيعتين”.

ولم يبرر مجمع خلقيدونية استخدامه لهذه العبارة الأخيرة بواسطة الحوار اللاهوتي حول القضية المثارة، ولكن كل ما فعله ـ كما رأينا ـ أنه أقحم تلك العبارة اعتماداً على مرجعية طومس ليو وتحت ذريعة الهرطقة الأوطيخية. ومن هنا نرى أن رفض البابا ديسقوروس لعبارة “في طبيعتين” لم يكن يتضمن أي مواقف إيمانية رفضها تعريف الإيمان الخلقيدوني، ولكنه فقط يتضمن طلب التعديل في صياغة التعريف.

وكانت العباراتان اللتان أقرهما البابا ديسقوروس هي عبارة “من طبيعتين” وعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، وبالإضافة إلى ذلك كان البابا ديسقوروس يستطيع أيضاً أن يؤكد مع مجمع خلقيدونية أن المسيح هو هيبوستاسيس واحد وبروسوبون واحد، وأن اتحاد الطبيعتين كان اتحاداً هيبوستاسياً.

وعلى الرغم من تمسك البابا ديسقوروس بعبارة “من طبيعتين”، إلا أنه لم يقر بعبارة “طبيعتين قبل وطبيعة واحدة بعد، الاتحاد” التي رأها كل من البابا ليو والبابا تيموثاؤس إيلوروس والبطريرك ساويروس الأنطاكي عند أوطيخا، لأن البابا ديسقوروس ـ كما ذكرنا[3] ـ قد أكد بوضوح أنه يقبل عبارة “من طبيعتين بعد الإتحاد”.

وهكذا كانت عبارة “من طبيعتين” تعني بالنسبة للبابا ديسقوروس الوجود المستمر للاهوت والناسوت في المسيح الواحد حتى بعد الإتحاد، وأنه لم تُفقد أو تضمحل إحدى الطبيعتين نتيجة للإتحاد، ولكن إتحادهما كان حميماً وحقيقياً جداً حتى إنه عند الإشارة إلى الرب المتجسد لا يكون صحيحاً أن نقول أنه يُعترف به كائناً “في طبيعتين” أو أنه “طبيعتين بعد الإتحاد”؛ ولكننا ينبغي فقط أن نقول عنه في كل لحظة من حياته أنه (أي المسيح) “من طبيعتين”. وهكذا كان المسيح بالنسبة للبابا ديسقوروس يتألف من طبيعتين.

وفي الواقع كانت النقطة الفاصلة بين البابا ديسقوروس ومجمع خلقيدونية تقع في حرفي الجر ’من‘ و ’في‘ (المستخدمين قبل لفظة طبيعتين)، فبينما أصر المجمع على استخدام حرف الجر ’في‘ لم يكن البابا ديسقوروس يقبل إلا حرف الجر ’من‘ فقط.

ولم يكن موقف البابا ديسقوروس هذا يتضمن أي تعليم خريستولوجي عن الامتصاص أو الابتلاع (أي ابتلاع الطبيعة البشرية في الطبيعة الإلهية)، لأن البابا ديسقوروس ـ كما ذكرنا سابقاً ـ أقر بصورة قاطعة في مجمع خلقيدونية أنه يعارض ’الاختلاط‘ و’الانقسام‘ و’التغيير‘ و’الامتزاج‘ (في اتحاد الطبيعتين)، وفي الحقيقة كان البابا ديسقوروس قد استبق تعريف الإيمان الخلقيدوني في ذكره لهذه الكلمات الأربعة الشهيرة.

ويتضح من كلمات البابا ديسقوروس هذه أنه في معارضته لعبارة “في طبيعتين” أو “طبيعتين بعد الإتحاد” لم يكن إهتمامه على الإطلاق أن يؤكد موقفاً لاهوتياً يتجاهل أو يقلل من كمال وحقيقة ناسوت المسيح.

وهناك عرض واضح لوجهة نظر البابا ديسقوروس بالنسبة لإعادة الوحدة عام 433م في خطاباته المرسلة إلى دُمنوس بطريرك أنطاكيا. ويُظهر البابا ديسقوروس في هذه الخطابات أنه يعتبر ’إعادة الوحدة‘ حدثاً تم بواسطته قبول الأنطاكيين غير المشروط لمجمع أفسس عام 431م وقراراته، وعلى هذا الأساس يناشد البابا ديسقوروس، بطريرك أنطاكيا أن يحترم بنود الاتفاق التي توصل إليها البابا كيرلس بطريرك السكندرية ويوحنا بطريرك أنطاكيا قبل إعادة الوحدة عام 433م.

وهذه في الحقيقة كانت وجهة النظر التي أكدها البابا ديسقوروس في مجمع عام 449م، وكان هذا هو موقف الجانب السكندري الذي ورثه البابا ديسقوروس ليس من أحد غير البابا كيرلس نفسه. وهكذا كان البابا ديسقوروس يقف على أسس راسخة في موقفه الذي اتخذه في النزاع مع الجانب الأنطاكي قبل مجمع عام 449م.

وفي معارضته لصيغة “طبيعتين بعد الإتحاد”[4] ذكر البابا ديسقوروس عبارة في مجمع خلقيدونية كنا قد أشرنا إليها من قبل،[5] إذ أكد أنه يعتمد (في اعتراضه) على تقليد الآباء. وقد علق العلماء المعاصرون* على هذه النقطة بأن الدليل الذي استشهد به البابا ديسقوروس (ليثبت أن اعتراضه مبني على تقليد الآباء) لم يكن مقتبساً من آباء أرثوذكس، ولكن من فقرات مأخوذة من اقتباسات أبولينارية.

وهنا ينبغي علينا أن نتذكر أنه لم يوجد أحد في خلقيدونية رد على البابا ديسقوروس بأن الكتابات التي ذكرها كانت كتابات هراطقة وليست من كتابات آباء الكنيسة. وعلاوة على ذلك كما ذكرنا، لم يكن اللاهوتيون السكندريون أمثال البابا كيرلس ـ الذين استعملوا هذه الاقتباسات بكثافة شديدة ـ يأخذون الأفكار المتضمنة فيها بأي معنى غير أرثوذكسي، هذا بالإضافة إلى أن البابا ديسقوروس لم يُتهم بهذه التهمة في أي وقت من الأوقات.

ومن هنا لا يمكننا إغفال العبارة التي قالها البابا ديسقوروس كأنها بلا قيمة، فقد أشار إلى تقليد يتعارض مع عبارة “طبيعتين بعد الإتحاد”، وكان هذا هو التقليد الذي نشأ فيه سائراً وراء سلفه الشهير (ق. كيرلس). وقد تجاهل العلماء المؤيدون لمجمع خلقيدونية هذه الحقيقة تماماً ، فنجد أن جريلماير على سبيل المثال يقول:[6]

“إن إجراءات ديسقوروس الاستبدادية قد حققت نجاحاً، ولكنه كان نجاحاً قصير الأمد. ولم يكن من الممكن التخلص من الارتباك الذي تسبب فيه إلاّ من خلال بيان صادر من الكنيسة كلها وبواسطة الجهود المشتركة للكنيسة والدولة. وجاءت الساعة حينما وجب على الكنيسة أن تنطق بالكلمة الحاسمة”.

وأمام هذه الرؤية، ينبغي على الإنسان أن يسأل: لماذا لم يقم أحد في مجمع خلقيدونية بالرد على النقاط التي قدمها البابا ديسقوروس؟ ولماذا تجنبت القوى المشتركة ’للكنيسة والدولة‘ أن تناقش موضوع الإيمان بصورة ملائمة في حضوره؟ وفي قولها ’للكلمة الحاسمة‘، لماذا كانت الكنيسة مضطرة لاستبعاد بطريرك الإسكندرية قبل النطق بها؟.

ومن هنا يُعد حكم جريلماير في هذه النقطة جهداً متحيزاً آخراً للدفاع عن مجمع خلقيدونية بدون مواجهة صادقة لحقيقة الأمر. وقد أنشأ الجانب الخلقيدوني في الشرق منذ القرن السادس ـ كما سنرى فيما بعد ـ تعليماً خريستولوجياً لم يكن بأي حال من الأحوال مختلفاً عن الموقف الذي حافظ عليه البابا ديسقوروس وخلفاؤه.

إذن فالحقيقة أن الدفــــاع عن مجمع خلقيدونية ـ الذي قام به العلماء أمثال جريلماير ـ لم يعتمد على تقييم صحيح للقضايا التي أثارها المعارضون للمجمع، ولا على ما قد حدث بالفعل في الثلاثة مجامع الكنسية أعوام 448م و449م و451م.

والسؤال الذي يتعين الإجابة عليه هنا هو: هل كان البابا ديسقوروس أو الجانب غير الخلقيدوني يرفض بالفعل المدلول الذي يراه العلماء المؤيدون لخلقيدونية في عبارة “في طبيعتين”؟.

وهذا المدلول بحسب جريلماير هو الحرص على تأمين مفهوم الاستمرار الديناميكي للطبيعتين في المسيح الواحد، فهل يوجد أي دليل على أنهم أخفقوا في الوصول إلى تأكيد هذه الحقيقة في أي وقت من الأوقات؟.

ولكي نجيب على هذا السؤال بالرجوع إلى البابا ديسقوروس، سننظر في خطابه إلى رهبان منطقة الدخيلة (Enaton)، حيث تضمن الأفكار التالية:

  • يسوع المسيح هو ابن الله الأزلي، وهو نفسه الإله الحقيقي في حالته المتجسدة. وقد كتب البابا ديسقوروس: “وأنا مدرك تماماً أنه مولود من الآب بكونه الله، وكذلك مولود من مريم بكونه إنسان”. ولذلك هو في نفس الوقت، واحد في الجوهر مع الله الآب وواحد في الجوهر معنا نحن البشر.

  • ومع ذلك، لا ينبغي أن تؤخذ الوحدانية المزدوجة في الجوهر على أنها تعني اضمحلال لاهوته، لأن الآباء “أبعدوا ـ عن الرجاء الذي للمسيحيين ـ أولئك الذين لا يعترفون بأن الله الكلمة له ذات الجوهر مع الله الآب لأنه صار له ذات الجوهر مع البشر”.

  • يسوع المسيح هو الله وإنسان في آنٍ واحد، ولذلك “رآه البشر يمشي على الأرض (بكونه إنسان)، ورأوه بكونه الله الخالق للأجناد السمائية. رأوه نائماً في السفينة كإنسان، ورأوه ماشياً على المياه كإله. رأوه جائعاً كإنسان، ورأوه يطعم (الآخرين) كإله…”.

  • وهذه الصورة المزدوجة لا تنطوي على تقسيم للمسيح الواحد إلى طبيعتين.

وإذا نظرنا إلى خطاب البابا ديسقوروس إلى سيكوندينوس (Secundinus) ـ الذي كتبه إليه من منفاه في غنغرا ـ سنجد أنه كان أيضاً قوياً جداً في تأكيده على حقيقة وكمال ناسوت المسيح. وقد أعلن البابا ديسقوروس فيه أن “لا أحد يمكنه أن يقول عن الجسد المقدس الذي أتخذه ربنا من العذراء مريم بالروح القدس ـ بطريقة لا يعلمها إلاّ هو وحده ـ أن هذا الجسد مختلف أو غريب عن جسدنا.

وحيث إنه كذلك، فإن الذين يقولون أن المسيح لم يصر متجسداً منا (أي من نفس جوهرنا) يكذبون بولس الرسول الذي أكد أنه لم يأخذ من الملائكة لكن من نسل إبراهيم”،[7] وتعلمنا الأسفار المقدسة أن مريم لم تكن غريبة عن نسل إبراهيم. واستمر البابا ديسقوروس يقتبس من الرسالة إلى العبرانيين حيث أكد إنه “كان من الضروري أنه في كل شيء ينبغي أن يكون مثل أخوته”، وذهب ليقول أن عبارة “في كل شيء” لم تستبعد أي جزء من طبيعتنا ليكون مفقوداً أو ناقصاً في المسيح.

ولذلك ذكر البابا ديسقوروس عدداً كبيراً من الأعضاء (البشرية) التي كانت لجسد ربنا، وأصر على أن “الجسد الحي الذي لفادينا ـ الذي وُلد من مريم بروح عاقل مفكر ـ قد أتى إلى الوجود بكل الأشياء التي تخص طبيعتنا، بدون زرع رجل”.[8]

ويتساءل البابا ديسقوروس: وإذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يكون أخاً لنا؟ وإذا اتخذ جسداً مختلفاً عن جسدنا، فكيف تكون كلماته ’أنا سوف أظهر اسمي لإخوتي‘ التي وجهها إلى أبيه صحيحة؟. وأكد البابا ديسقوروس أن الحق هو أنه افتقر لأجلنا ـ كما قال بولس ـ لكي ما نغتني بخزيه، وصار إنساناً بدون أن يتخلى عن طبيعته بكونه الله الابن.

وفي ضوء ما عرضناه من تعاليم البابا ديسقوروس التي قدمها بنفسه، نستطيع أن نقول بكل يقين أن البابا ديسقوروس أكد بوضوح على اتحاد طبيعتين في المسيح؛ اتحاد للاهوت ـ من خلال الله الابن ـ مع الناسوت. وأن الله الابن واحد في الجوهر مع الله الآب، كما أن الناسوت الذي وحده بنفسه هو واحد في الجوهر معنا وأنه أخذه ـ كما هو ـ من أمه العذراء.

وهو إتحاد بصورة لم ينتج عنها فقدان أو نقصان لأي طبيعة من الطبيعتين، ولم يسبب اختلاطاً أو امتزاجاً لهما؛ ولم يدع هذا الإتحاد أي طبيعة تتغير إلى الأخرى، كما لم يترك لأي من الطبيعتين أن توجد أو تعمل بذاتها منفصلة أو منقسمة عن الأخرى.

إذن كان هذا هو تعليم البابا ديسقوروس حسب الأدلة المتاحة، وبناءً على هذا التعليم نستطيع أن نقول بغير تحفظٍ أنه كان تلميذاً أميناً للبابا كيرلس السكندري، وأنه لم يكن يتمسك بأي من المواقف الخمسة (الإيمانية) التي أدانها تعريف الإيمان الخلقيدوني.[9]

كما أنه في رفضه الإقرار بعبارة “في طبيعتين” أو “طبيعتين بعد الإتحاد” لم يكن همه التأكيد على تعليم خريستولوجي عن الامتصاص أو الابتلاع (ابتلاع الطبيعة البشرية في الطبيعة الإلهية)، ولكن على العكس كان همه استبعاد التقسيم النسطوري للمسيح الواحد إلى مركزين للوجود والفعل.

وهكذا كانت نقطة النزاع بين البابا ديسقوروس ومجمع خلقيدونية تتلخص في السؤال التالي: هل كان لمجمع خلقيدونية مبرر في تجاهله للتقليد اللاهوتي الذي بناه الآباء السكندريون أمثال البابا كيرلس على أساس مجمع عام 431م، وهل كان له مبرر في تقنينه للعبارة الأنطاكية “طبيعتين بعد الإتحاد” بالاعتماد فقط على سلطة ليو بابا روما وحسب؟.

 

*  الحاجب أو الموظف (الدليل) المسئول عن إرشاد الحاضرين إلى مواقعهم.

[1]  Zacharia Rhetor, op. cit., I, p. 150.

وتُظهر هذه القصة، التي لا تحتمل دقتها الشك، أن البابا ديسقوروس كان منقاداً بقناعته الحقيقة الثابتة، والتي من أجلها كان مستعداً للمعاناة.

[2]  إن العبارات التى قالها البابا ديسقوروس سواء فى مجمع عام 449م أو مجمع عام 451م كلها موجودة في: (ACO. II, i.)، وقد قمنا بالإشارة إلى العديد منها. وبالنسبة للتراث الأدبي الباقي للبابا ديسقوروس الذي وصل إلينا، يوجد إثنان من خطاباته الموجهة إلى دومنوس أسقف أنطاكيا. انظر الترجمة الإنجليزية فى:

(S.G.F. Perry: The Second Synod of Ephesus, Dartford, 1881, pp. 327- 343)

وهناك أيضاً خطاب إلى رهبان منطقة الدخيلة (Enaton). انظر (المرجع السابق صفحة 392-394)، وخطاب إلى سكوندينوس (Secundinus). انظر (زكريا الخطيب: مرجع سابق 1، صفحة 151-152).

[3] انظر صفحة  118.

[4] انظر صفحة 117.

[5] انظر صفحة 117. 

* الذين تولوا الدفاع عن مجمع خلقيدون

[6] See: Christ in Christian Tradition, op. cit., p. 459.  

[7] إقتبس البابا ديسقوروس من الرسالة إلى العبرانيين 2: 16.

[8] وكتب البابا يسقوروس فى الخطاب: “وبكل شيء (أي) بالأعصاب، والشعر، والأوردة، والبطن، والقلب، والكلى والكبد والرئتين. وبإختصار، فإن الجسد الحي الذي لفادينا الذي ولد من (القديسة) مريم بروح عاقلة مدركة، قد أتى إلى الوجود بكل الأشياء التى تخص طبيعتنا بدون زرع بشر.”

[9] انظر صفحة 338.

تعاليم البابا ديسقوروس الخريستولوجية

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثاني: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج2

الجزء الثالث: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

انفض مجمع خلقيدونية بعد جلسته الختامية في 1 نوفمبر عام 451م، وكان الإمبراطور والإمبراطورة راضيين بالفعل لأنه أخيراً وفي أيامهما توحدت الكنيسة بحق، كما أن قادة المجمع كذلك كانوا مسرورين بأنه قد تم قبول قرارات المجمع بالإجماع من قبل المشاركين فيه.

وفي الحقيقة بالرغم من وجود شكوى من أنه قد تم استخدام القوة لجمع التوقيعات في المجمع،[1] إلاّ أن البابا ديسقوروس والأساقفة المصريين الثلاثة عشر كانوا هم وحدهم الذين لم يوقِّعوا على طومس ليو ولا على تعريف الإيمان الخلقيدوني. وحيث إن البطريرك (ديسقوروس) قد تم عزله، بل وأدى إصراره على عدم التوقيع حتى النهاية إلى نفيه إلى غنغرا (Gangra[2] فإن توقيعه لم تكن له أية أهمية حقيقية.[3]

ولا نعرف بالضبط ماذا حدث للأساقفة المصريين، غير أن أربعة منهم قد أظهروا إذعانهم في النهاية، وعادوا إلى الإسكندرية لكي يرسموا خلفاً للبابا ديسقوروس. وهكذا انتهى مجمع خلقيدونية ـ وبخلاف أي مجمع كنسي في الماضي ـ بصورة تشير إلى الوحدة.

وصدَّق الإمبراطور على قوانين المجمع بمجموعة من المراسيم الملائمة، كما منح تلك القوانين الصبغة الشرعية القانونية في الإمبراطورية. وكان مركيان قد شرح بالفعل خطته في ذلك الاتجاه في يوم 25 أكتوبر بعد خطابه الموجه إلى المجمع.[4]

وبعد انتهاء المجمع قام بإصدار عدد من الأوامر التي تؤيد نفس المعنى،[5] بل إن نظرة سريعة إلى صيغة تلك المكاتبات تبين مدى تصميم الإمبراطور على ترسيخ (إقرار) مجمع خلقيدونية. وقد ذكر مركيان في خطابه إلى المجمع أن أي أحد سيعارض أو يخالف تعريف الإيمان الخاص بالمجمع سوف يُعاقب بصورة تتناسب مع وضعه ورتبته؛ فلو كان موظفاً في الحكومة سيفقد وظيفته، وإذا كان مواطناً عادياً سيتم طرده من المدينة؛ أما إذا كان من رجال الدين (الإكليروس) فسوف يفقد رتبته ويعرِّض نفسه لعقوبات أخرى إضافية.[6]

وتقريباً في كل الكتابات الأخرى التي تتعلق بالموضوع، زعم الإمبراطور أن مجمع خلقيدونية لم يفعل غير التصديق على إيمان الكنيسة طبقاً لقانون إيمان نيقية حسب تفسير مجمعي عام 381م وعام 431م، كما زعم كذلك بأن المعارضين لمجمع خلقيدونية لابد وأن يكونوا بالفعل هراطقة.

كما أكد مركيان أن المجمع “لم يبتكر على الإطلاق شيئاً جديداً عن الإيمان الرسولي، ولكنه في جميع النواحي … اتبع تعاليم أثناسيوس وثيؤفيلس، وكيرلس”، ولم يميِّز مركيان هنا بين تعاليم ’كيرلس الرسمية‘ وتعاليم ’كيرلس غير الرسمية‘ التي تضمنها كلام ممثلو الإمبراطور في مجمع عام 451م.[7]

وأصر مركيان على أن المجمع قد أدان أوطيخا لأنه اتبع أبوليناريوس: وقد سار ديسقوروس وراء أوطيخا؛ وكلاهما كان يُعلِّم بأفكار أبوليناريوس،[8] و”حيث إن أوطيخا وديسقوروس اتبعا فكر أبوليناريوس الدنس”،[9] لذلك أصدر الإمبراطور مرسوماً ـ مثلما فعل الأباطرة السابقون ـ بأن الأبوليناريين، وبالتحديد الأوطيخيين، لا يحق لهم أينما وجدوا أن ينفذوا وصية (ميت) أو أن يرثوا طبقاً لشروط وصية، كما أن أي شيء قد تُرك لهم من الآخرين سيتم مصادرته.

وكذلك عليهم ألاّ يقوموا برسامة أساقفة أو كهنة أو أي نوع من رجال الدين، فأساقفتهم ورجال دينهم سيكونون عرضة للطرد وممتلكاتهم ستكون عرضة للمصادرة.

ولن يُسمح لهم ببناء الكنائس أو الأديرة؛ ولا يحق لهم عقد مجامع أو اجتماعات بالنهار أو بالليل؛ كما لا يُسمح لهم بالاجتماع في أي منزل خاص “ليقيموا شعائرهم المهلكة”؛ وإذا فعلوا ذلك بموافقة صاحب البيت، فإن هذا المنزل أو المكان المملوك سيتم مصادرته. ويمتنع عليهم أن يكتبوا أي شيء ضد المجمع (خلقيدونية)؛ وإذا قاموا بذلك، فسيتعرضون للنفي المؤبد، كما أن كتبهم سيتم تدميرها.[10]

وسرعان ما بدأ عدم الاتفاق بين روما والقسطنطينية فور انتهاء المجمع، وعلى سبيل المثال رفض ليو بابا روما الاعتراف بالمجمع لبعض الوقت،[11] حيث لم يكن مقبولاً لديه القرار الخاص بكرسي القسطنطينية[12] والذي أقره المجمع في جلسته الختامية، وقد اعترض على القرار بتعبيرات واضحة.

وفي نفس الوقت، كانت مصر كلها بالإضافة إلى قطاع كبير في الشرق قد بدأوا في تنظيم صفوفهم ضد مجمع خلقيدونية بالرغم من الإجراءات الصارمة التي اتخذها الإمبراطور مركيان. وكما أن روما لم تكن تتوقع قبل انعقاد المجمع أن يكون هناك مثل هذا القرار المتعلق بالقسطنطينية، فهكذا أيضاً لم تتوقع السلطة الإمبراطورية نمو الحركة المعارضة للمجمع بهذا الشكل.

وعندما أصبحت هناك ضرورة لمواجهة التهديد الذي تتعرض له قوانين المجمع، أرسل مركيان نفسه رسائل إلى ليو يناشده فيها قبول المجمع (حتي تتجمع القوى في مواجهة ذلك التهديد).[13]

وهنا أدت الحاجة لإقرار سلطة المجمع ضد معارضيه إلى اقتراب روما والقسطنطينية معاً على الرغم من الخلافات القائمة بينهما،[14] وانتهى الأمر باتحاد القوتين اللتين سيطرتا على المجمع في وقت كانتا فيه على حافة الانفصال. واستمر الأمر على هذا الحال لأكثر من عقدين من الزمان، وكان على الحركة المعارضة لمجمع خلقيدونية أن توجِّه أعمالها ضد اتحاد القوتين معاً والذي كان بالفعل من العسير التغلب عليه في ذلك الوقت.

وينقسم تاريخ الحركة المعارضة لمجمع خلقيدونية إلى أربعة مراحل. المرحلة الأولى تشمل الفترة بين عام 451م وعام 475م والتي بدأت في خلالها المعارضات الأولية للمجمع تعبِّر عن نفسها في عدد من المناطق في الشرق، ولأنها لم تكن تحظى بالسند الإمبراطوري فقد تم إخمادها وتقليصها بالقوة في خلال أجيال قليلة لتصبح مجرد فرق لا يُعتد بها تقطن مناطق محددة يصعب الوصول إليها. والمرحلة الثانية تغطي الفترة بين عام 475م وعام 518م وهي المرحلة التي أعطت الحركة غير الخلقيدونية الوقت لكي تقوي نفسها.

وتلت تلك الفترة المرحلة الثالثة من عام 518م إلى عام 536م، وخلال هذه المرحلة أعاد الإمبراطور يوستين الأول في عام 518م عصر الاضطهاد ضد معارضي مجمع خلقيدونية. ولكن خلفه وابن أخيه جوستينيان ـ الذي نفَّذ في الحقيقة السياسة الدينية لعمه ـ رأى أنه يتعين أن تتم تسوية المسألة من خلال التفاوض.

وباءت خطته بالفشل وأصبحت الكنيسة في الإمبراطورية البيزنطية منقسمة إلى معسكرين منفصلين، وتواصلت الجهود لأجل توحيد الاثنين إلى أن تم الفتح العربي للشرق. وتمثل الفترة ما بين حكم جوستينيان والفتح العربي المرحلة الرابعة في تاريخ الحركة غير الخلقيدونية.

 

2. فترة المعارضة الأولية:

كتب أ. أ. فاسيليف (A. A. Vasiliev)[15] يقول: “إن الاضطرابات الدينية في أورشليم والإسكندرية وأنطاكيا والتي سببها الفرض القسري لقرارات المجمع (خلقيدونية)، اتخذت شكل الثورة الشعبية العنيفة، ولم تخمدها السلطة المدنية والعسكرية إلاّ بعد الكثير من إراقة الدماء”. وكان هناك بالفعل قطاع كبير في الشرق المسيحي يعارض مجمع خلقيدونية.

 

(أ) أورشليم وفلسطين:

كانت أورشليم هي المكان الذي ظهرت فيه أولى موجات ردود الفعل ضد مجمع خلقيدونية. وكان جوفينال أسقف أورشليم ـ وهو واحد من رؤساء مجمع أفسس الثاني عام 449م مع البابا ديسقوروس ـ من أشد المؤيديين للتقليد اللاهوتي السكندري. ولكنه كما رأينا أعلن إذعانه للجانب المنتصر في مجمع خلقيدونية أثناء الجلسة الأولى من المجمع، وعلى الرغم من ذلك عندما عاد جوفينال من خلقيدونية رفضت رعيته أن تقبله.

وكان جوفينال بالفعل شخص جدير بالانتباه، فقد تمت رسامته أسقفاً لأورشليم حوالي عام 422م خلفاً للأسقف برايليوس (Praylius)، وجلس على الكرسي حتى وفاته عام 458م. وإذ كان في أغلب الظن من أصل لاتيني كما ذكر هونيجمان (Honigman[16] فقد كان هدفه الأعظم في حياته أن يرفع كرسي أورشليم إلى رتبة البطريركية بل وأن تكون له السلطة على كرسي أنطاكيا الذي كان يُعتبر واحداً من الكراسي العظمى من خلال مجمع نيقية عام 325م.

وفي الحقيقة أغضبت ادعاءات جوفينال المتطرفة في ذلك الاتجاه كلاً من أسقف روما وكيرلس السكندري، ولكن كما رأينا في مجمعي أفسس الأول والثاني ـ وبسبب الظروف الخاصة التي أحاطت بهما ـ استطاع جوفينال أن يحتل الموقع الثاني بين وفود الحاضرين، كما أنه في مجمع خلقيدونية كان يجلس بعد البطريرك ديسقوروس السكندري.

وبعد أن غيَّر جوفينال موقفه استطاع أن يتبوأ مكانة عظيمة في مجمع خلقيدونية، وصار واحداً من الرجال الذين شكلوا اللجنة المجمعية التي كتبت اعتراف الإيمان. وفي النهاية، حقق جوفينال هدفه وحصل على لقب بطريرك لكرسي أورشليم، وقد أرضاه ذلك جداً لكن رعيته لم تكن على استعداد لأن تتبعه فيما قام به (في خلقيدونية).

ومن المؤكد أنه في شهر مايو أو أوائل يونيو، تلقى جوفينال الدعوة لحضور المجمع الذي كان ينوي الإمبراطور مركيان عقده. وقبل هذه المناسبة كان طومس ليو قد وصل تقريباً إلى كل مكان في الشرق، لذلك فلابد أن يكون جوفينال نفسه قد رأى هذه الوثيقة.

ولهذا فقبل أن يبدأ رحلته إلى المجمع، “وحيث إنه كان مقتنعاً بأن الطومس يحتوي على تعاليم هرطوقية تؤيد أفكار نسطوريوس، فقد دعا رجال الكنيسة وجمَع الرهبان والشعب وفضح أمامهم فساد هذا المعتقد (الذي في الطومس) وحرمه. كما أكد كثيراً على الإيمان الصحيح، وفرض عليهم جميعاً ألاّ يقبلوه في شركتهم إذا تغير عن موقفه في المجمع”.[17]

وبكون جوفينال واحداً من رؤساء مجمع عام 449م، والذي مارس فيه السلطة على نفس مستوى البطريرك ديسقوروس، فقد كانت تقع عليه مسئولية أدبية كرجل ـ إن لم يكن كمسيحي أو حتى كأسقف ـ في الضغط من أجل طرح القضية الحقيقية، لكي يقوم مجمع خلقيدونية بدراستها بتروٍ.

ولكن بدون أية محاولة في ذلك الاتجاه، وبمجرد أن وجد أن التحالف بين السلطة الإمبراطورية وأسقف روما قوياً بالفعل، وأنه من الممكن أن ينال هدفه (في لقب البطريركية) إذا وقف فقط في جانب القوى التي تسيطر على المجمع، حتى أعلن بهدوء إذعانه قبل نهاية الجلسة الأولى للمجمع.

وكان هناك رهبان من رعية جوفينال يراقبون ما حدث، لأنه حسب العرف المتبع في تلك الأيام كان يوجد رهبان من مناطق عديدة في الشرق قد وصلوا إلى خلقيدونية لمتابعة المجمع بصورة مباشرة. ومن بين هؤلاء الرهبان كان هناك رجال أتوا من فلسطين يترأسهم راهب يدعى ثيؤدوسيوس (Theodosius).

وفور معرفة هؤلاء الرجال بأن جوفينال قد غيَّر من مواقفه، حتى عادوا إلى بلدهم ونشروا الخبر إلى زملائهم الرهبان ورجال الكنيسة والشعب، وأعدوا الساحة لصدام عنيف. وعندما عاد جوفينال من خلقيدونية بعد ذلك بعدة أسابيع، قابله رهط من الرهبان ورجال الكنيسة وعامة الشعب، وذكَّروه بوعده قبل الرحيل إلى المجمع، وعرضوا عليه الاختيار ما بين شجب ورفض المجمع أو الانسحاب من الكرسي.

وقبل أن يعطيهم جوفينال جواباً أو يحاول حتى أن يدخل المدينة، اتخذ طريقه إلى القسطنطينية، وفي نفس الوقت عاد الرهبان ورجال الكنيسة إلى أورشليم ودعوا الشعب وأساقفتهم،[18] وقرروا أن يعينوا ثيؤدوسيوس رئيس أساقفة محل جوفينال.

وكان ثيؤدوسيوس راهباً ملتهباً ومناصراً للتقليد السكندري عن قناعة شديدة، وكان قد قاوم محاولات الأنطاكيين للتشكيك في مفهوم إيمان الآباء ـ بنفس الأسلوب الذي كان جوفينال نفسه يقوم به ـ وكان ثيؤدوسيوس قد ذهب إلى الإسكندرية في عام 447م،[19] ليثير الرأي العام ضد ثيؤدوريت أسقف قورش ودومنوس (Domnus) أسقف أنطاكيا.

وبعد رسامته (بدلاً من جوفينال) بدأ ثيؤدوسيوس في برنامج لتنظيم الحركة ضد مجمع خلقيدونية، وأقام أساقفة في جميع إيبارشيات فلسطين من الذين رشحهم الشعب، وكان يساند ثيؤدوسيوس في كل ذلك الإمبراطورة العجوز إفدوكيا (Eudocia) أرملة الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني، والتي كانت قد استقرت في فلسطين منذ عام 443م.

وفي هذا الوقت من ظهور الحركة ضد مجمع خلقيدونية، ارتكب المعارضــــون للمجمع ـ بسبب حماسهم الشديد ـ بعض الجرائم، ولذلك ذكر مركيان عنهم أنهم قــــاموا بقـــــتل سِفـــريان أسقف سكيثوبوليس (Severian of Scythopolis) والذين كانوا معه.[20]

وكان بطرس الأيبيري (Peter the Iberian) واحداً من الذين قام ثيؤدوسيوس (الأورشليمي) بسيامتهم، وهو رجل مقدر في البلاط الإمبراطوري في القسطنطينية، وكان قائداً هاماً للحركة غير الخلقيدونية حتى وفاته حوالي عام 488م. وكان بطرس هذا هو نفسه الأمير نابارنوجينز (Nabarnugins) أمير أيبريا ـ وهي مملكة صغيرة على الجانب الشرقي للبحر الأسود[21] ـ الذي أعطاه حاكم أيبيريا للإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني كرهينة وهو طفل صغير بعد.

وقد نشأ هذا الأمير في القصر الإمبراطوري حيث مكَّنته أخلاقه الودودة من أن ينال حب الإمبراطور والإمبراطورة حتى أنه بمرور الوقت عُيّن في سلاح الفرسان الإمبراطوري، ولكنه بعد فترة ترك منصبه واعتزل هو وأبيه الروحي يوحنا في حياة ناسكة في قفار فلسطين، ثم قام ببناء مؤسسة رهبانية في مرفأ مايوما (Maiuma) في غزة بجنوب غرب فلسطين.

وكان بطرس ضمن مجمع الرهبان والشعب الذين ذهبوا لمقابلة جوفينال لدى عودته من خلقيدونية، ومنذ ذلك الحين بذل بطرس كل ما في وسعه من أجل مساندة الحركة المعارضة لخلقيدونية، وقام ثيؤدوسيوس برسامته أسقفاً على مايوما في 7 أغسطس عام 452م، وقد استمر ديره وكذلك مقره مركزاً لتلك الحركة المعارضة في فلسطين.

وبُذلت جهود كبيرة لإعاقة تلك الثورة في فلسطين لتكون قصيرة العمر. ولم يشغل ثيؤدوسيوس (الأورشليمي) الكرسي سوى قرابة العشرين شهراً حتى منتصف عام 453م حيث عاد جوفينال إلى فلسطين ترافقه حامية عسكرية.

وكان الإمبراطور والإمبراطورة بالإضافة إلى البابا ليو قد كرَّسوا كل جهودهم ونفوذهم لقمع المعارضين لخلقيدونية، فكتب ماركيان من جانبه إلى مكاريوس ورهبان سيناء، وإلى رهبان فلسطين، كما كتب أيضاً خطاباً عاماً ضد الأوطيخيين والأبوليناريين،[22] كما أرسلت بولخريا أيضاً إلى رئيسة دير للراهبات في أورشليم،[23] أما البابا ليو فلم يكتب فقط إلى رهبان فلسطين وإلى إفدوكيا نفسها، بل استحث أيضاً الإمبراطور الغربي فالنتينيان الثالث ليقنع حماته لتتوقف عن مساندة الحركة غير الخلقيدونية.[24]

وفي كل تلك المراسلات كان يتم الدفاع عن مجمع خلقيدونية من جهةٍ بأنه امتداد للثلاثة مجامع الأولى، ومن الجهة الأخرى بشرح وجهة نظر غير الخلقيدونيين بطريقة لا تعبِّر عن موقفهم الفعلي. وعلى سبيل المثال أكد ماركيان بأن ثيؤدوسيوس (الأورشليمي) كان يحارب ضد الله مثل أبوليناريوس وفالنتينوس ونسطوريوس، وبأنه كان تابعاً لأوطيخا، وأنه ينبغي على الرهبان الذين يزعمون بأنهم لا يعترفون بأوطيخا أن يفصلوا أنفسهم عنه. وكانت بولخريا وبابا روما نفسه يكرران نفس هذه القصة ضد المعارضين لمجمع خلقيدونية.

ولم يكتفِ ماركيان بكتابة الخطابات وإصدار المراسيم، بل أعطى أوامره باعتقال ثيؤدوسيوس والأساقفة الذين قام برسامتهم، فقام جوفينال بعزل هؤلاء الرجال على الفور ولم يترك منهم غير بطرس الأيبيري بسبب مكانته لدى البلاط الإمبراطوري، ولكن بطرس لم يبقى متمتعاً بهذا الامتياز لمدة طويلة في فلسطين ، فقد رحل في الحقيقة إلى الإسكندرية وعاش في مصر.

كما قام الجيش أيضاً بمذبحة دموية فحاول ثيؤدوسيوس الهرب إلى مصر، ولكنه حين سمع بحدوث اضطرابات بين الرجال المعارضين للمجمع في أنطاكيا تحرك إلى هناك،[25] وعندما وصل إلى بوابة المدينة تعرف عليه أحد معارفه السابقين ووشى به لدى السلطات فتم القبض عليه وترحيله إلى القسطنطينية، وهناك وُضع في الحبس في غرفة بدير ديوس (Dius) كان يُخزن بها جير غير مطفأ. وبعد موت مركيان قام الإمبراطور ليو الأول بإطلاق سراحه، ولكنه مات بعد ذلك بأيام قليلة في (Sycae).*

وعلى الرغم من أن جوفينال كان في أمان بسبب وجود الحامية العسكرية، إلاّ إنه صار مكروهاً من غالبية الرهبان والشعب في فلسطين. ومع ذلك حاول جوفينال أن يهدئهم ويقنعهم بأن يقبلوا مجمع خلقيدونية، ولهذا عقد مجمعاً وأرسل رسائل إلى “القسوس ورؤساء الأديرة والرهبان في مقاطعة فلسطين”[26] يزعم فيها بأن مجمع خلقيدونية لم يقدم شيئاً خلاف التأكيد على إيمان نيقية، وأنه لا يوجد أساس واقعي لدى أي أحد ليقوم بمعارضة المجمع.

ولم تفلح كل هذه الجهود في أن تجعل رهبان أورشليم يقبلون جوفينال في شركتهم. وقد اجترأ واحد من هؤلاء الرهبان يُدعى سليمان أن يدخل إلي جوفينال بحجة أنه يطلب بركته، غير أنه كان يخفي حقيبة مملؤة بالرماد في داخل معطفه وقام بتفريغها على رأس البطريرك.[27]

كما أن جيرونتيوس (Gerontius) رئيس أديرة مِلانيا لم يرغب حتى في التحدث إلى جوفينال قائلاً “لا يسمح الله أن أكون مضطراً لأن أرى وجه الخائن يهوذا”. أما ستيفن رئيس شمامسة أورشليم فقد ترك الأكليروس في المدينة المقدسة وأنهى حياته كسائح جوال حتى لا يضطر لأن يشترك في شيء مع جوفينال.[28] ولكن مع كل هذا كان للبطريرك أيضاً مؤيدين في وسط المجتمع الرهباني تحت قيادة إفثيميوس (Euthymius).

ولم تستمر الإمبراطورة إفدوكيا في مساندتها للحركة المعارضة لمجمع خلقيدونية طويلاً، حيث أجبرتها ظروف خارجة عن إرادتها لأن تكون على وفاق مع البلاط البيزنطي، فقبلت شركة جوفينال في عام 456م، لأن الملك جيسِريك (Gaiseric) كان قد استولى على روما في عام 455م، مما أثر على سلامة ابنة إفدوكيا زوجة فالنتينيان الثالث وعلى سلامة أحفادها.

وفي الحقيقة كان فالنتينيان قد قُتل في ذلك الوقت، لذلك استغاثت إفدوكيا بالبلاط في القسطنطينية لمساعدتها، فأُخبرت أن ذلك مشروط بتحالفها مع جوفينال، واستجابت إفدوكيا بالفعل ولكن على الرغم من ذلك لم يتحقق أملها الذي كانت تسعى إليه بالكامل.[29]

وهكذا افتتحت فلسطين حركة المعارضة ضد مجمع خلقيدونية، ولكن حقيقة أن المجمع اعترف بأورشليم ككرسي بطريركي كان من الطبيعي أن يجعل الجالسين على الكرسي يميلون إلى تأييد ذلك المجمع.

كما كانت توجد أيضاً في تلك المنطقة مجتمعات رهبانية تضم رجالاً من أماكن مختلفة من العالم المسيحي، من بينهم راهباً يدعى إفثيميوس استطاع أن يجمع حوله بعض المؤيديين لخلقيدونية، ولكن بالرغم من هذا كان على فلسطين أن تنتظر حتى العقد الأخير من القرن الخامس لكي تصبح غالبية المجتمعات الرهبانية في المنطقة موافقة على مجمع عام 451م.

وبعد وفاة جوفينال عام 458م، جلس مكانه على التوالي البطاركة أناستاسيوس (Anastasius) ومارتيريوس (Martyrius) وسالوستيوس (Sallustius)، وهؤلاء الرجال كانوا يريدون أن يستمر السلام في المنطقة رغم عدم قبول مجمع خلقيدونية. ولكن في عام 494م قام سالوستيوس (486م – 494م) بتعيين ساباس (Sabas) رئيساً لأديرة فلسطين كلها، فصار الرجل ـ الذي له نفس توجه إفثيميوس ـ قائداً رهبانياً شهيراً. وفي نفس العام أيضاً تولى البطريرك إيلياس (Elias) (494م – 516م)[30] خلفاً لسالوستيوس وكان يتبنى موقفاً خلقيدونياً متشدداً.

وهنا بدأ الرجلان (ساباس وإيلياس) يعملان معاً من أجل إقرار مجمع خلقيدونية في فلسطين، وقد نجحا في ذلك جداً إلى درجة أنه ـ كما ذكر ميخائيل السرياني[31] ـ لم يوجد أي زعيم في أورشليم ساند التقليد غير الخلقيدوني منذ وقت إيلياس وإلى ما بعد الفتح العربي لفلسطين.

 

(ب) الإسكندرية ومصر:

كان هناك، كما ذكرنا، أربعة أساقفة ـ من بين مجموع الثلاثة عشر أسقفاً المصرين الذين حضروا مجمع خلقيدونية ـ قد أعلنوا إذعانهم للمجمع، وهؤلاء عندما رجعوا إلى مصر سلموا إلى والي الإسكندرية رسالة من الإمبراطور تأمر بتعيين خلفاً للبابا ديسقوروس. ووقع اختيار رجال الدولة ونبلاء المدينة على بروتيريوس (Proterius) كبير كهنة البابا ديسقوروس الذي كان قد كلفه بتدبير شئون المدينة أثناء تغيبه في مجمع خلقيدونية.

وقام الأربعة أساقفة برسامة بروتيريوس بطريركاً مكان البابا ديسقوروس، وقد تمت هذه السيامة وسط اضطراب عظيم،[32] بل وعلى الرغم من صلة بروتيريوس السابقة بالبابا ديسقوروس استلزم الأمر أن يكون باستمرار في حراسة الحامية العسكرية التي عينتها له الحكومة. وظل الرهبان وجموع الشعب مبتعدين تماماً عن الشركة مع بروتيريوس، واستمروا كلهم ينظرون إلى البابا ديسقوروس باعتباره وحده البطريرك الرسمي للكنيسة حتى مماته.

وقد كتب أ. هـ . هور[33] (A . H . Hore) عن ذلك: “عندما وصلت إلى أهل مصر أخبار عزل أسقفهم، لم يكن لغضبهم حدود، واجتمعوا على أمر واحد هو رفض الاعتراف بقرار المجمع، أو إذا كان قد حُرم أسقفهم فكلهم محرومون معه أيضاً؛ ولم يعترف الشعب طوال حياة ديسقوروس بأي أسقف آخر غيره”. وذكر فرند (Frend) أن بروتيريوس “كان معيناً من قبل الحكومة والنبلاء، وقد فصلت الغالبية العظمى من الكنيسة في مصر نفسها عنه باشمئزاز”.[34]

وعلى الرغم من ذلك حاول الإمبراطور مركيان أن يوحد الكنيسة في مصر مع بروتيريوس، فأرسل يوحنا عضو مجلس الشيوخ مندوباً إلى الإسكندرية ومعه رسالة تحوي دفاعاً قوياً عن مجمع خلقيدونية،[35] وتضمن هذا الدفاع الإشارة إلى إدانة المجمع لكل من أوطيخا وديسقوروس حيث اتُهم كلاهما بالأبولينارية، وأصر الإمبراطور في هذا الدفاع على أن مجمع عام 451م قد أكد على إيمان الآباء الثلاثمائة والثمانية عشر، هذا الإيمان الذي تعمَّد عليه الإمبراطور ويتمسك به بشدة.

ومضت الرسالة لتؤكد أن “ربنا ومخلصنا المسيح، الابن المولود الوحيد من الله، والواحد مع الآب في ذات الجوهر والأزلية، صار إنساناً من أجلنا ومن أجل خلاصنا، وولد من الروح القدس ومن مريم العذراء والدة الإله، وأنه في نفس الوقت إله حقيقي وإنسان حقيقي، وهو ليس واحد وآخر ولكن واحد ذاته غير منقسم ولا منفصل ولا متحول”، كما أوضح الإمبراطور أيضاً أن المجمع قد استبعد تماماً عقيدة ’الابنين‘ و ’الشخصين‘.

ولم تؤتِ هذه الرسالة بالنتيجة المرجوة، بل على العكس فقد تأثر مبعوث الإمبراطور بإخلاص المصريين للبابا ديسقوروس، وبدلاً من أن يحاول أن يقنعهم بالانضمام إلى بروتيريوس أخذ منهم التماساً يوضح وجهة نظرهم ليقدمها إلى الإمبراطور، الأمر الذي لم يسر به مركيان أبداً.

ورقد البابا ديسقوروس في منفاه يوم 4 سبتمبر عام 454م، بعد ما يزيد عن العام بقليل من موت بولخريا في يوليو سنة 453م. ورغم ذلك أرادت الرعية في مصر أن تقيم خلفاً له (مع أن بروتيريوس كان لا يزال موجوداً)، ولكن الإجراءات القوية التي تبناها مركيان ضد الحركة المعارضة لخلقيدونية في فلسطين وكذلك أوامره ومراسيمه التي كانت تحوي تهديدات شديدة جداً ضد أي واحد ينتقد مجمع خلقيدونية، كل ذلك أرجأ مسألة تعيين خليفة للبابا ديسقوروس، ولكن الشعب مع ذلك استمر في موقفه الرافض لبروتيريوس.

ومات مركيان في 26 يناير عام 457م، وانتهز الناس فرصة وجود الجنرال ديونيسيوس (Dionysius) في صعيد مصر، واجتمعوا في الكنيسة واختاروا تيموثاؤس الملقب أيلوروس[36] (Aelurus) بطريركاً خليفة لديسقوروس وكيرلس. ولما كانت الرسامة ينبغي أن تتم قبل عودة الجنرال، لذلك فقد أُجريت على عجل بواسطة اثنين من الأساقفة المصرين ومعهم بطرس الأيبيري يوم 16 مارس عام 457م.

وقام بروتيريوس ـ الذي كان قد أبعد تيموثاؤس عن الإسكندرية حين كان قساً[37] ـ بإصدار خطابات يحرم فيها البابا تيموثاؤس وكل الذين يرفضون الشركة معه، ولكن لم تكن لهذه الخطابات أية قيمة لدى الشعب في مصر لأنه كان قد تجاهل الرجل وكل أعماله. وحين سمع الجنرال ديونيسيوس بما حدث، عاد على الفور وقبض على البابا تيموثاؤس وسط أحداث قتل كثيرة، وأثار هذا الموقف ضغينة الشعب وتسبب ذلك في موت الكثيرين مما اضطر الجنرال في آخر الأمر لأن يطلق سراح البابا تيموثاؤس.[38]

ويخبرنا زكريا (المؤرخ) أن الكنيسة الكبرى في الإسكندرية قد أُخذت من يد البابا تيموثاؤس وأُعطيت إلى بروتيريوس بواسطة السلطات، ولكن أثناء فترة الفصح “كان هناك أطفال بلا عدد قد أُحضروا إلى البابا تيموثاؤس لتعميدهم، حتى أن الرجال الذين كانوا يدوِّنون ويقرأون الأسماء قد أرهقوا تماماً من جراء تلك الحشود؛ ولم يكن هناك غير خمسة أطفال فقط هم الذين أُحضروا إلى بروتيريوس”.[39]

وقُتل بروتيريوس وجروا جسده في شوارع المدينة ثم أُحرق بالنار في مضمار السباق. ويقول زكريا[40] أن القتل قد تم بواسطة الجنود الذين سخطوا من مطالبة بروتيريوس النهمة لهم بدم معارضيه، فقاموا بارتكاب فعلتهم، أما الشعب (الذي لم يقم بهذا الأمر) فكان يعبِّر فقط عن حنقه على ذلك الرجل.

وذكر إفاجريوس[41] (Evagrius) مؤرخ القرن السادس الخلقيدوني، أن القتل كان بواسطة رجل من جانب البابا تيموثاؤس وبتحريض منه. وبالنسبة للبابا تيموثاؤس فقد زادت شعبيته جداً بين الناس بفضل خدمته للفقراء، ويذكر زكريا أن البابا تيموثاؤس استغل المال الذي كان يستخدمه بروتيريوس في الإنفاق على الجنود، لمساعدة الفقراء والأيتام والأرامل.

وكان البابا تيموثاؤس محبوباً جداً من الجميع حتى أن الخلقيدونيين في الإسكندرية تقدموا إليه طالبين أن يقبلهم ويوحد الكنيسة، ولكن هذا التحرك لم يؤتِ بثماره حيث نشأت معارضة داخل الكيان الخلقيدوني نفسه حول هذا الأمر.

 وخلف مركيان على العرش الإمبراطور ليو الأول، وكان ضابطاً في جيش ثراكيا[42] (Thracian army) تحت إمرة أسبار (Aspar) الذي كان قائداً للجيش في الإمبراطورية منذ عام 440م. وبموت بولخِريا في صيف عام 453م، ابتدأ نجم أسرة ثيؤدوسيوس في الأفول عملياً، وأصبح نصفا الإمبراطورية كلاهما في أيدي ضابطين من الأصل الجرماني: ريسيمر (Ricimer) في الغرب وأسبار في الشرق.

وعند قتل الإمبراطور فالنتينيان الثالث عام 455م، أصبح ريسيمر من القوة حتى يقيم ويعزل الملوك إلى أن اختفت المؤسسة الإمبراطورية في الغرب منذ عام 476م. ورغم أن أسبار كان أقل قدرة إلاّ إنه كانت لديه القوة الكافية حتى يجعل ليو أحد أعوانه يعتلي العرش في 7 فبراير عام 457م، وفي الحقيقة كان لأسبار أيضاً دور في جلوس مركيان نفسه على العرش عام 450م.

وكان الإمبراطور الجديد ليو الأول ـ كما يصفه زكريا ـ شخص مباشر له روح عفوية وقد أزعجته الاضطرابات الحادثة في مصر وفلسطين وغيرهما بسبب مجمع خلقيدونية.

وفور تولي ليو العرش، أرسل إليه كلا الجانبان في الإسكندرية خطابات، حيث طالب الأساقفة ورجال الدين الذين في جانب بروتيريوس من الإمبراطور إقصاء البابا تيموثاؤس،[43] كما كانت هناك أيضاً خطابات مضادة من الرجال المؤيدين للبابا تيموثاؤس في الإسكندرية، وحتى البطريرك نفسه كتب خطاباً إلى الإمبراطور يشرح فيه وجهة نظره في ضرورة عقد مجمع جديد يُعاد فيه مناقشة موضوع مجمع خلقيدونية ثانية.[44]

وكان الإمبراطور يؤيد فكرة عقد المجمع، ولكنه امتنع عن تبني تلك الخطوة بسبب ليو بابا روما الذي كتب ستة خطابات في يوم 1 سبتمبر عام 457م، وكذلك بسبب أناتوليوس بطريرك القسطنطينية الذي اقترح عليه أن يستطلع الرأي في ذلك. وهنا أصدر الإمبراطور نشرة إلى كل المطارنة والأساقفة في الإمبراطورية يسألهم من ناحية عن رأيهم فيما يخص مجمع خلقيدونية، ومن الناحية الأخرى في مسألة رسامة تيموثاؤس بابا الإسكندرية.[45]

وقد أشار الإمبراطور ليو في خطابه إلى “الأشياء التي قد تمت أخيراً بالفعل في الإسكندرية”، وأرفق أيضاً نسخاً من الالتماسات التي وصلت إليه من ’الأساقفة ورجال الدين في الإسكندرية‘ ضد تيموثاؤس وكذلك من الأشخاص الذين يؤيدونه. وقد أرسل شعب الإسكندرية وذوو النفوذ والموظفون وأصحاب السفن إلى الإمبراطور يطالبون بتيموثاؤس بطريركاً لهم، ويعلنون عدم موافقتهم على مجمع خلقيدونية، ولذلك طلب منهم الإمبراطور أن يعقدوا اجتماعاً للأساقفة في بلادهم وأن يرسلوا إليه رأيهم فيما يخص تيموثاؤس ومجمع عام 451م.

ورداً على رسالة الإمبراطور كتب ليو بابا روما خطابين، ناقش في أحدهما مسألة تيموثاؤس وأيد في الآخر الجماعة الذين ظلوا موالين لذكرى بروتيريوس في الإسكندرية. واتهم بابا روما، البابا تيموثاؤس بأنه ’عدو المسيح‘ (Antichrist) ـ كما ذكر زكريا[46] ـ وأبلغ سميه الإمبراطوري بأن رجال الدين في القسطنطينية يقفون في صف تيموثاؤس، ووبخ أناتوليوس على تقاعسه، كما أنه دافع عن الطومس الخاص به. ورد أناتوليوس أيضاً على خطاب الإمبراطور، بإدانة البابا تيموثاؤس بسبب عدم اعترافه بمجمع خلقيدونية.

وكان استطلاع الرأي ضربة قاسية للبابا تيموثاؤس، لأن كل الأساقفة الذين ردوا على خطاب الإمبراطور أعطوا حكمهم ضده، كما أنهم جميعاً ماعدا أمفيلوكيوس أسقف سيدا[47] (Amphilocius of Side) أيدوا مجمع خلقيدونية. وقد انتقد أمفيلوكيوس المجمع وطومس ليو من جهة الفكر اللاهوتي وكذلك من جهة القسر والتحيز اللذين مارسهما المجمع، وتوسل إلى الإمبراطور ليتخذ الإجراءات اللازمة لإبطال ذلك المجمع.

ولكي نقوم بتقييم ما حدث، ينبغي علينا أن نلاحظ النقاط التالية:

  • كانت خطة الإمبراطور ليو هي عقد مجمع (جديد) لمناقشة موضوع مجمع خلقيدونية من أجل التوصل إلى حل للمشكلة، ولكن أناتوليوس أسقف القسطنطينية وليو بابا روما هما اللذان غيرا رأي الإمبراطور في هذا الأمر. وحقيقة أن هذين الرجلين كانا أكثر من استفاد في الكنيسة من مجمع خلقيدونية تعتبر دليلاً كافياً للقول بأنهما كانا يحاولان أن يحتفظا بما كسباه من خلال مجمع عام 451م.

  • أرسل الإمبراطور خطابه في عام 458م، أي بعد سبع سنوات فقط من انتهاء مجمع خلقيدونية، وبالتالي كان معظم الرجال الذين أُرسل إليهم الخطاب من الذين كانوا مشاركين بالفعل في المجمع. لذلك كان من الطبيعي لكي يحفظوا ماء وجوههم أن يقوموا بالدفاع عن الموقف الذي تبنوه والذي يمكنهم أن يظلوا متمسكين به بدون خوف.

  • حين قام الإمبراطور باسيليسكوس (Basiliscus) ـ كما سنرى ـ بإرسال منشوره عام 475م ليبطل مجمع خلقيدونية، قام حوالي سبعمائة أسقف شرقي بالتوقيع على هذه الوثيقة.

  • كان أساقفة الإسكندرية يُرسَمون داخل الإسكندرية، لذلك فمسألة إقحام موضوع رسامة البابا تيموثاؤس في خطاب الإمبراطور ليو إنما كانت تتضمن التشكيك في أمر استقلالية الإسكندرية

ومن هنا ينبغي النظر إلى استطلاع الرأي الذي قام به الإمبراطور ليو، ليس بكونه دلالة على حقيقة قبول مجمع خلقيدونية في الشرق، ولكن بكونه يعبِّر عن عدم رغبة الجانب الخلقيدوني في مناقشة الأمور العقائدية باسلوب عادل مع المعارضين للمجمع.[48]

ولم يتم انعقاد أي مجمع جديد، ولكن تم نفي البابا تيموثاؤس إلى غنغرا، وبعد أربعة سنوات تم ترحيله من هناك إلى كرسون[49] (Cherson in the Crimea). ولم يكن من الممكن القبض على البابا تيموثاؤس بدون حدوث فوضى عارمة وشغب في الشعب الذي أراد أن ينقذ بطريركه، وقد انتهى هذا الاضطراب ـ كما يروي زكريا ـ بمقتل أكثر من عشرة آلاف نفس،[50] وفي النهاية تم الإمساك بالبابا تيموثاؤس في مأواه بمعمودية الكنيسة، وتم ترحيله من المدينة.

وكان طريقه إلى غنغرا يمر على طول ساحل فلسطين، وفي كل مكان توقف فيه كان يُقابَل بإكرام عظيم من الشعب، وعندما مر من بريتوس[51] تم ترتيب استقبال شعبي له بمبادرة من إفستاثيوس (Eustathius).[52]

وعند رحيل البابا تيموثاؤس إيلوروس من مصر، قام الجانب الخلقيدوني بمساعدة الدولة بتعيين بطريرك خلفاً لبروتيريوس بنفس اسم تيموثاؤس أيضاً وكان يُلقب بصاحب القلنصوة (Salophaciolus or Ra’ulphakilo).[53] وكان تيموثاؤس الخلقيدوني هذا رجلاً عاقلاً له روح متصالحة، وقد حاول أن يوحد حزبي الكنيسة بصورة جدية.

ويروي زكريا أنه كان بمجرد أن يرى امرأة تحمل صبي تم تعميده بواسطة كاهن من الجانب غير الخلقيدوني، كان يأخذ الصبي ويقبله قائلاً: “هم ونحن كلنا مسيحيون، ليؤمن كل واحد كما يريد ويكرم الرب”.[54] وقد وصل في رغبته الشديدة لتهدئة الشعب، أن يضم اسم البابا ديسقوروس إلى الدبتيخا متمنياً أن يؤدي ذلك إلى علاج الانشقاق، ولكن هذا الأمر لم يؤتِ بثماره المرجوة ولم يمكن للكنيسة في مصر أن تصل إلى الوحدة. وقد قام ليو بابا روما في الجانب الخلقيدوني بتوبيخ تيموثاؤس الخلقيدوني على تصرفه هذا (نحو البابا ديسقوروس).

وظل البابا تيموثاؤس إيلوروس في منفاه إلى أن أعاده الإمبراطور باسيليسكوس في عام 475م، وطوال فترة النفي هذه ـ والتي امتدت لأكثر من خمسة عشر عاماً ـ استمر البابا تيموثاؤس إيلوروس في كتاباته يعارض كلاً من النسطورية ومجمع خلقيدونية من ناحية، والأفكار التي نُسبت إلى أوطيخا من الناحية الأخرى. أي أنه أظهر أن اعتراضه على مجمع عام 451م، لم يكن نتيجة لأي تعاطف مع الهرطقة التي سعى مجمع خلقيدونية لمحاربتها.

وعاد البابا تيموثاؤس إيلوروس إلى الإسكندرية في أواخر عام 475م وكان حينذاك رجلاً متقدماً في العمر، وقد استقبلته رعيته باحتفاء عظيم. وجلب البابا تيموثاؤس معه من منفاه رفات البابا ديسقوروس وقام بدفنها مع رفات بطاركة الكرسي السكندري السابقين له. ولم يمر عام على عودة البابا تيموثاؤس إيلوروس إلى الإسكندرية إلاّ وكان الإمبراطور زينو قد حل محل باسيليسكوس، وأمر بإلغاء كل الأمور التي تمت في عهد النظام السابق له.

وقد أثر ذلك على الحركة غير الخلقيدونية بصورة شديدة، حيث تم نفي قادتهم مرة ثانية. ومع ذلك لم ينفذ الإمبراطور زينو هذا الأمر مع البابا تيموثاؤس إيلوروس، ومن المحتمل أن يكون هذا بسبب تقدمه في العمر أو بسبب إدراكه أن عملية ترحيل البابا سوف تؤدي إلى آلاف من القتلى. وعلى أية حال فقد تنيح البابا تيموثاؤس إيلوروس في يوم 13 يوليو عام 477م، وخلفه على الكرسي السكندري البابا بطرس مُنجوس* (Peter Mongus).

 

(ج) أنطاكيا وسوريا:

كانت أنطاكيا واحدة من أقوى المراكز لعقيدة “طبيعتين بعد الاتحاد”، ومع ذلك كان يقطن بها أيضاً بعض ممن يتمسكون بعقيدة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، ولكن بالنسبة لأولئك لم توجد أية معلومات مسجلة عن نشاطهم خلال العقد الأول الذي تلا مجمع خلقيدونية. وكان مجمع أفسس الثاني عام 449م قد أدان دُمنوس (Domnus) أسقف أنطاكيا وحل محله مكسيموس (Maximus)، ورغم أن مجمع خلقيدونية قد عكس قرارات مجمع عام 449م، إلاّ إن دُمنوس قدم استقالته من الأسقفية وترك مكسيموس على الكرسي الأنطاكي.

ومات مكسيموس في عام 455م، وجلس بعده ثلاثة أساقفة خلقيدونيين هم على الترتيب: باسيليوس (Basil) (456م – 459م)، وأكاكيوس (Acacius) (459م – 461م)، ومارتيريوس (Martyrius) (461م – 471م). وبينما كان مارتيريوس بعيداً في القسطنطينية في عام 468م، انتهز الفريق المعارض لمجمع خلقيدونية الفرصة ورسم بطرس القصَّار (Peter the Fuller) بطريركاً مكانه.

وعندما عاد مارتيريوس بعد حوالي سنة استطاع أن يحشد القوة ليستعيد الكرسي ويطرد بطرس، ولكن الفريق غير الخلقيدوني نجح في إبعاد مارتيريوس وإعادة بطرس. وهنا تدخلت الدولة وقامت بنفي البطريرك بطرس حتى أعاده الإمبراطور باسيليسكوس مرة أخرى مع البابا تيموثاؤس السكندري عام 475م.

 

[1] يذكر زكريا الخطيب (المؤرخ السرياني) عن إفستاثيوس أسقف بريتوس أنه حينما وقَّع أضاف عبارة: “هذه الأشياء أنا أكتبها لأنني مجبر أن أفعل ذلك”. ويضيف المؤرخ أيضاً أنه كان هناك آخرون كثيرون قد اشتكوا من أنهم قد أعطوا توقيعاتهم بالإجبار. (مرجع سابق 1، صفحة 153)

[2] كانت غنغرا عاصمة إقليم بافلاجونيا على الجانب الجنوبي للبحر الأسود.

[3] من الجدير بالذكر أن البابا ديسقوروس لم يكتب أي شيء على سبيل الدفاع عن نفسه مثل نسطوريوس. وهناك خطاب كتبه من منفاه إلى سكوندينوس (Secundinus) وهو محفوظ في كتاب زكريا الخطيب (مرجع سابق 1، صفحة 151-152)، وهذا الخطاب هو بحق قطعة أدبية رائعة يناقش فيها الإيمان. (للرجوع إلى محتوى الخطاب انظر صفحة ).

[4] للإطلاع على ترجمة إنجليزية للخطاب انظر:

(P. R. Coleman-Norton: Roman State and Christian Church. op. cit., document 472).

[5] المرجع السابق الوثائق أرقام: 475، 476، 477، 479، 480، 481، 483، 484، 487، 489.

[6] انظر المرجع رقم 4.

[7] انظر صفحة  وصفحة . وأمام التحديات التي قدمها منتقدي المجمع، اضطر الإمبراطور لتغيير وسائله، وهذا هو ما نستطيع أن نتتبعه من خلال المراسيم التي صدرت بعد المجمع.

[8] انظر الوثيقة رقم 481 في (Coleman-Norton, op. cit.).

[9] المرجع السابق الوثيقة رقم: 489

[10] كل هذه الأمور مذكورة في الوثيقة رقم 489 في (Coleman-Norton, op. cit.)

[11] بدون الخوض في التفاصيل، يمكننا أن نذكر أنه قبل فض المجمع نهائياً، أرسل المجتمعون خطاباً إلى ليو بابا روما يعرضون فيه تقريراً عن المجمع ويذكرون فيه القرار الخاص بكرسي القسطنطينية (للإشارة لهذا الخطاب انظر صفحة ). وكان خطاباً دبلوماسياً به نبرة تذلل. وكان أناتوليوس أسقف القسطنطينية قد كتب خطاباً مشابهاً أيضاً.

ولكن ليو رفض قبول المجمع وكتب خطابات تنم عن اعتراضه الشديد ضد القرارات الخاصة بالقسطنطينية وأرسلها إلى مركيان وبولخريا وأناتوليوس نفسه. انظر الترجمة الإنجليزية لهذه الخطابات في:

(N. & P.N.F., sec. ser., vol. III)   

[12] هذا القرار هو الذي يُشار إليه بالقانون الثامن والعشرين لمجمع خلقيدونية، وقد لاقى معارضة شديدة من مندوبي روما. وقد حاول ليو من جانبه أن يقنع الإمبراطور والبطريرك أن يصرفوا النظر عن تلك الخطة تماماً، لكنهم مضوا بدون تساهل في تنفيذ خطتهم، وسعوا لتحقيق هدفهم باستعمال الدبلوماسية. ورغم أن ذلك لم يجدي (مع بابا روما) إلا أن التهديد الذي سببه الجانب غير الخلقيدوني في الشرق جعل ليو يقبل فقط القرار العقائدي للمجمع. وبالنسبة لذلك القرار (الخاص بكرسي القسطنطينية)، فالنص الأصلي لقوانين مجمع خلقيدونية يحتوي فقط على سبعة وعشرين قانوناً، لذلك فالإشارة إليه بكونه القانون الثامن والعشرين هي ذاتها محل شك. والحقيقة أن هذا الموضوع ليس له أهمية من وجهة نظر هذه الدراسة. انظر:

(E. Schwartz: Sitz. Ber. Berlin Akad., 1930, p. 612; and Byz. Ztschr. 34, 1934, p. 13)

 

[13] أحد هذه الرسائل أرسله مركيان إلى ليو يوم 15 فبراير عام 453م، وهو الوثيقة رقم 482 الموجودة في (Coleman-Norton, op. cit.)

[14] طلب ماركيان من البابا أن يصدِّق على قرارات المجمع بواسطة خطاب لكي يبين لمعارضي المجمع أن حركتهم هي بلا أي مبرر. وهنا، كما فى كل موقف آخر، يُظهر ماركيان قصوراً فعلياً في فهم الأمور المختلفة.

[15] Vasiliev: History of the Byzantine Empire (324- 1453), The University of Wisconsin Press, 1952, pp. 105-106.

[16] Juvenal of Jerusalem, op. cit., p. 211.

[17] Zacharia Rhetor: Ecclesiastical History, op. cit. (Syriac), I, p. 156.

[18] المرجع السابق صفحة 157.

[19] Honigman, op. cit., p. 249.

[20] يذكر ماركيان هذه الحادثة في إثنين من خطاباته: الأول إلى رهبان فلسطين والثاني إلى مجمع فلسطين. هذان الخطابان هما الوثيقتان 484، 487 في (Coleman-Norton, op. cit.).

[21] أيبريا هى نفسها جورجيا فى الأزمنة المتأخرة. وهذه المملكة الصغيرة قد إنفصلت عن الإمبراطورية الرومانية في عام 363م على يد جوفيان، وبقيت تحت حماية القسطنطينية.

[22] انظر صفحة المرجع رقم 5.

[23] انظر الوثيقة رقم 485 والوثيقة رقم 486 في (Coleman-Norton, op. cit.)

[24] للإطلاع على خطابات البابا ليو انظر: (N. & P.N.F., sec. ser., vol. XII)

[25] Corpus Scriptorum Christianorum Orientalium. Vitae Virorum apud Monophysitas Celeberrimorum (Syriac), pp. 21-27.

* هي حالياً جالطا في تركيا

[26] Honigman, op. cit., p. 258.

[27] Zacharia, op. cit., I, p. 161.

[28] Honigman, op. cit., p. 257. 

[29] Honigman, op. cit., p. 258; W. H. C. Frend: The Rise of the Monophysite Movement, Cambridge, 1972, p. 153, n. 4.   

[30] نحن مدينون في تحديد هذه التواريخ ـ كما هو الحال في العديد من الأحداث الأخرى ـ لفرند (Frend).

[31] Michael le Syrien, op. cit., (Syriac), p. 769.

[32] Evagrius II, 5 in PG. LXXXVI, 2509 C.

[33] A. H. Hore: Eighteen Centuries of Orthodox Greek Church, James Parker, 1899, p. 288.

[34] Frend, op. cit., p. 155.

[35] Zacharia, op. cit., I, p. 155.

وقد اتصل هذا الموظف بالبابا ديسقوروس محاولاً أن ينتزع توقيعه على تعريف الإيمان الخلقيدوني، كشرط لإعادته إلى كرسيه (انظر صفحة ). للإطلاع على رسالة مركيان انظر الوثيقة رقم 481 في (Coleman-Norton, op. cit.)

 

[36] كان تيموثاؤس قد رُسم قساً بيد البابا كيرلس، وكان يجل البابا ديسقوروس. وقد أطلقت عليه جماعة بروتيريوس لقب ’إيلوروس‘ الذي يعني ’قطة‘ للسخرية منه وذلك بسبب قصر قامته. انظر: (Zacharia, op. cit., I, pp. 169-170).

[37] لأن تيموثاؤس كان بالفعل معارضاً لبروتيريوس قبل ذلك.

[38] Zacharia, op. cit., I, p. 170.

[39] المرجع السابق صفحة 171.

[40] المرجع السابق صفحة 171.

[41] Evagrius, op. cit., bk. II, 8 in PG. LXXXVI, 2524-A.

ويذكر فرند أن يوم 28 مارس عام 457م الذي يوافق يوم خميس العهد كان هو يوم موت بروتيريوس، ولكن هذا لا يتفق مع عرض زكريا المؤرخ إذ بالنسبة لما ذكره لابد أن يكون تاريخ الوفاة بعد عيد القيامة. انظر (Frend, op. cit., and Zacharia, II, p. 170).

 

[42] تقع ثراكيا على الشاطئ الجنوبي الغربي للبحر الأسود، وكانت تعتبر منطقة حدودية للإمبراطورية، لذا كان يجب حمايتها على الدوام من غزو البربر. وكان ليو رئيس ربع في الجيش الذي يتمركز هناك.

[43] Evagrius, II, 8 in PG. LXXXVI, 2524-B – 2525-C.

[44] للإطلاع على خطاب البابا تيموثاؤس انظر (Zacharia, op. cit., I, pp. 175-78)

[45] للإطلاع على نشرة الإمبراطور ليو انظر:

(Evagrius, in PG. LXXXVI, 2528-A – 2529-B)

وهذه النشرة هي الوثيقة رقم 495 في (Coleman-Norton, op. cit.).

[46] Zacharia, op. cit., I, p. 178.

[47] سيدا هي المدينة الرئيسة في بامفيليا.

[48] إتخذ التقليد الخلقيدونى من استطلاع الرأي الذي قام به الإمبراطور ليو دليلاً على قبول الشرق المسيحي لمجمع خلقيدونية وتصديقه عليه، وهذا هو ما أشار إليه الإمبراطور جوستينيان فى خطابه إلى مجمع عام 553م. وفى أيامنا هذه، يتمسك كل من شارلز موللر (Charles Moeller) وكونيداريس (G. Konidaris) بنفس هذا الرأي. انظر:

(essay on Le Chalcedonisme et le neochalcedonisme … in Das Konzil von Chalkedon, and The Greek Orthodox Theological Review, vol. X, no. 2)

[49] عندما رأوا أن البابا تيموثاؤس يمكنه أن يواصل معارضته لخلقيدونية من غنغرا، تم نقله إلى مكان أكثر بعداً، حيث يقول زكريا أنه كان مكاناً يسكنه البربر. انظر (op. cit., I, 184)

[50] Zacharia, op. cit., I, p. 181.

[51] بريتوس (Berytus) هي نفسها بيروت (Beirut) في الأزمنة المعاصرة.

[52] Zacharia, op. cit.

[53] الكلمة تعني حرفياً غطاء الرأس المتأرجح (Wobble cap).

[54] Zacharia, op. cit., I, p. 183.

* البابا السابع والعشرون في عداد بطاركة الإسكندرية

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج3

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج3

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية

الجزء الأول: عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثاني: عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

(و) اجتماع خاص لعزل البابا ديسقوروس:

ولم يأتِ حكم ممثلي الإمبراطور بالصورة التي تساند موقف روما تجاه بابا الإسكندرية، ولذلك فلم تكن نتائج جلسة يوم 8 أكتوبر في خدمة مصلحة روما بالكامل، كما لم تسفر الجلسة الثانية يوم 10 أكتوبر[1] أيضاً عن نتائج أفضل، فعلى الرغم من مزاعم البابا ليو ومندوبيه بأنه بمجرد أن يُقرأ خطاب لبابا روما (في المجمع) فإن المجمع بأكمله ينبغي أن يقبله بدون نقاش،[2] فقد اعترض البعض في يوم 10 أكتوبر على ثلاث فقرات في الطومس، كما طلب أحد الحاضرين[3] بعض الوقت ليقارنه بالرسالة الثالثة لكيرلس إلى نسطوريوس وبالحروم الإثني عشر، والتي من وجهة نظر روما لا يمكن أن تكون ذات سلطة قانونية أعلى مما لطومس ليو.

وهكذا جاءت الجلسة الثانية يوم 10 أكتوبر على عكس ما أرادت روما، وأصبح على مندوبي الكرسي الغربي ومؤيديهم أن يسعوا لكي يتخلصوا من الخلل الذي ظهر بها، ولذلك انتهزوا فرصة توقف المجمع لمدة خمسة أيام ـ التي أعلنها ممثلو الإمبراطور[4] ـ وحاولوا أن يؤمِّنوا مسألة قبول طومس ليو مع كل الوفود المعترضة بما في ذلك البابا ديسقوروس،[5] ولكن جهودهم لم تأتِ بثمارها المرجوة مع الجميع.[6]

وكانت تلك هي الظروف التي تم فيها عقد الاجتماع الخاص لإقصاء بابا الإسكندرية من الكنيسة بواسطة مندوبي روما. ولم تُحترم فترة توقف الأيام الخمسة، وإنما تم الاجتماع يوم 13 أكتوبر برئاسة باسكاسينوس (Paschasinus). ولم يحضر هذا الاجتماع ممثلو الإمبراطور[7] ولا الأساقفة الستة الذين أُدينوا، كما أن الحاضرين كذلك كانوا قليلي العدد،[8] وقد عُقد ذلك الاجتماع في مزار (مارتيريون) القديسة أوفيمية.[9]

وعلى الرغم من أننا لا نملك دليلاً مسجلاً يخبرنا عن السبب وراء تغيب عدد كبير من الوفود الموجودة في خلقيدونية عن حضور هذا الاجتماع، إلاّ إنه يوجد في محاضر الجلسات ما يمكن أن يعطي تفسيراً مقبولاً لذلك.

ففي نهاية الجلسة الثانية يوم 10 أكتوبر، صاح الفريق الشرقي مع رجال الدين (الإكليروس) المناهضين لأوطيخا في القسطنطينية قائلين: “ليُنفى ديسقوروس؛ لقد تخلى الله عن ديسقوروس”، ولكن الفريق الآخر هتف قائلاً: “لقد أخطأنا جميعاً؛ ونطلب الرحمة لنا جميعاً، ديسقوروس مع المجمع، ديسقوروس مع الكنائس. ولا يكون أي شر حدث هو عليك (وحدك)”.[10]

ويتبين لنا من هذا أنه كان هناك فريقاً من الحاضرين في خلقيدونية غير موافق على خطة مندوبي روما، كما أنهم كانوا معارضين ـ كما فعلوا من قبل ـ لأي تعامل خاص موَّجه ضد البابا ديسقوروس، ولذلك ظلوا بعيداً عن الاجتماع الذي كان ينوي أن يقوم بذلك.

وعندما جلس الحاضرون يوم 13 أكتوبر، أعلن رئيس الشمامسة آتيوس (Aetius)، وكان رئيس موثقي المجمع، أن هناك دعوى مرفوعة من يوسابيوس ضد ديسقوروس وهو يطالب ببحثها. وهنا قال باسكاسينوس باللاتينية ـ وتُرجم إلى اليونانية ـ إنه ينبغي أن تُحترم رسالة بابا روما: ومن اعترض عليها يجب أن يُحضر في الوسط حتى ما يمكن أن نستجوبه؛ ولهذا السبب يتعين قبول دعوى يوسابيوس.[11]

وكانت النقطة الرئيسية التي حددها رئيس الوفد الروماني واضحة تماماً، فالبابا ديسقوروس قد رفض أن يؤيد طومس ليو، وبالتالي أصبح مستحقاً للوم. واحتاج هذا الأمر إلى محاكمة زائفة للرجل، كان يوسابيوس المجرد من المبادئ والضمير مستعداً فيها لأن يقدم مساعدته بلا أي تذمر. وعلى ذلك أعد يوسابيوس دعواه بالاتفاق مع مندوبي روما ضد خصمه، وكانت هذه الدعوى تتضمن على وجه الخصوص الاتهامات التي احتوتها دعواه الأولى.

ولم تكن السلطة الإمبراطورية ترغب في أن تتورط في تآمر من هذا النوع، ولذا بقي ممثلو الإمبراطور بعيدين عن هذا الأمر. والمسألة لم تكن هرطقة، ولا حتى مشادة، ولكن الحقيقة بضمير صافٍ هي أن البابا ديسقوروس لم يستطع أن يتكيف أو يتوافق مع الفكر اللاهوتي الذي تضمَّنه الطومس.

وبوجه عام كانت دعوى يوسابيوس[12] تحتوي على أربعة اتهامات:

أولاً، أن البابا ديسقوروس كان يتمسك بنفس النظرة التي للهرطوقي أوطيخا؛ ثانياً، أن البابا ديسقوروس حاول أن يفرض تعاليم أوطيخا الخاطئة على الكنيسة من خلال مجمع عام 449م وذلك باستخدام مجموعة من الغوغاء المتمردين الذين جلبهم معه إلى المجمع؛ ثالثاً، أنه قام بحرم صاحب الدعوى (يوسابيوس) وفلافيان مدعياً بشكل مسرحي أن هذا هو قرار المجمع من خلال التوقيعات التي جُمعت على أوراق بيضاء خالية من الكتابة قام هو بملئها لاحقاً؛ رابعاً، أن البابا ديسقوروس بكل هذه التصرفات قد تعدى على إيمان وقانون الكنيسة.

ولذلك انتهت الدعوى إلى ضرورة  اعتقال البابا ديسقوروس وحرم تعاليمه. وعند تقديم تلك الدعوى طلب يوسابيوس حضور المتهم لكي يرد على الاتهامات الموجهة إليه بنفسه.

وكانت هناك نقطة وحيدة إضافية في هذه الدعوى الجديدة لم تكن موجودة قبلاً في تلك التي قُدمت يوم 8 أكتوبر، ففي الدعوى الأولى قال يوسابيوس أن البابا ديسقوروس استخدم مجمع عام 449م لكي يفرض هرطقة أوطيخا على الكنيسة من خلال استخدام مجموعة من الغوغاء المتمردين وبواسطة إعطاء المال، ولكن في الدعوى الجديدة ذكر يوسابيوس قصة الأوراق البيضاء الخالية من الكتابة وكأنها قد تم إثباتها على المتهم.[13]

 

(ز) الإجراءات التي اتُخذت ضد البابا ديسقوروس:

واستدعى الاجتماع البابا ديسقوروس ليمثل أمامه ثلاث مرات. المرة الأولى قُدمت إليه بواسطة ثلاثة أساقفة يرافقهم شماس، والأساقفة كانوا كونستانتين (Constantine) أسقف بوسترا (Bostra) في العربية، وأكاكيوس (Acacius) أسقف أرياراثيا في أرمينيا (Ariarathia in Armenia) وأتيكوس (Atticus) أسقف زيلا في هيلينوبونتس (Zela in Helenopontus) أما الشماس فهو هيمريوس (Himerius).

وقام كونستانتين بنقل دعوة الاجتماع إلى البابا ديسقوروس الذي أجابه بأنه موضوع تحت الحجز القضائي، ولذلك فهو لا يستطيع أن يذهب معهم إلى الاجتماع[14] إلاّ إذا أُعطي تصريحاً من السلطات، وأثناء المناقشة ذكر أتيكوس أمام البابا ديسقوروس أن يوسابيوس قدَّم دعوى ضده ومن ثم فإن حضوره ضروري لكي يتعامل مع الأمر.

وهنا أدرك البابا ديسقوروس المسألة، ولذلك عندما رجع إليه المندوبون ومعهم تصريح السلطات بأخذه إلى الاجتماع، أخبرهم بأنه لن يأتي معهم إلاّ إذا كان ممثلو الإمبراطور سيحضرون ذلك الاجتماع.[15]

فعاد المندوبون وأعطوا تقريرهم إلى الاجتماع، فأرسل استدعاءً ثانياً إليه بواسطة لجنة مكونة من برجاميوس (Pergamius) أسقف أنطاكيا في بيسيدية (Antioch in Pisidia) وسِسروبيوس (Cecropius) أسقف سيباستوبوليس في كريميا (Sebastopolis in Crimea) وروفينوس (Rufinus) أسقف ســـــاموساتا في إفراتنسيا (Samosata in Euphratensia) ، وكان مع هؤلاء الأساقفة واحد من الموثقين وهو هيباتيوس (Hypatius).

ورد البابا ديسقوروس عليهم بأنه مريض ولا يستطيع الاستجابة لطلبهم. وعندما ضغطوا عليه سألهم إذا كان الرجال الذين أُدينوا معه سيحضرون أيضاً هذا الاجتماع، فأجابه المندوبون بأن يوسابيوس قد اتهمه هو وحده، ولذلك فليست هناك حاجة لوجود ممثلي الإمبراطور أو أي شخص آخر غير معني بهذا الأمر،[16] فأصر البابا ديسقوروس على أن القضية كانت واحدة وكلهم مشتركون فيها وبالتالي يتعين وجودهم أيضاً هناك.

وعندما عاد المندوبون إلى الاجتماع، كان هناك أربعة رجال من الإسكندرية معهم دعاوى ضد البطريرك.[17] وهؤلاء الأربعة هم القس أثناسيوس والشماس ثيؤدور والشماس إسخيريون وشخص رابع علماني هو صفرونيوس، وكانت شكواهم ضد ديسقوروس هي:

(1) أنه يسيء معاملتهم جميعاً بطرق مختلفة؛ (2) أنه يختلف مع ق. كيرلس في الفكر اللاهوتي وأمور أخرى؛ (3) أنه يعيش حياة فاسقة ومنغمسة في الملذات؛ (4) أنه يتحدى سلطة الإمبراطور؛ (5) أنه حرم ليو بابا روما؛ (6) أن هناك سخطاً واستياء كبيراً ضده في الإسكندرية. وبعد أن استلم المجمع من هؤلاء الرجال تعهداً بأنه في استطاعتهم إثبات ادعاءاتهم، أمر باسكاسينوس أن تُقرأ هذه الدعاوى التي كانت مرسلة إلى “ليو رئيس أساقفة وبابا روما العظيمة، وإلى المجمع المسكوني المقدس”.

ونحن لا يمكننا بأي حال أن نتحقق من مقدار الحقيقة في هذه الادعاءات التي تضمَّنتها تلك الدعاوى، كما أن التعهد الذي أخذه باسكاسينوس من الرجال لا يعني الكثير أيضاً. ولكن بالرغم من هذه التهم المؤذية وحتى بالرغم من عزله في مجمع خلقيدونية، فإننا نعرف أن البابا ديسقوروس كان محبوباً جداً ومبجلاً بشدة من قبل الغالبية العظمى من الشعب في مصر، وقد استمر الشعب في إخلاصه وولائه الثابت له طوال حياته، بل وظل يتذكره بعظيم التقدير حتى بعد نياحته، وقد أُحضرت رفاته إلى الإسكندرية ودُفنت بواسطة سلفه هناك.

فلو كان البابا ديسقوروس هو من ذلك النوع الذي صوره به متهموه، فيكون من الغريب حقاً أن يكون له مثل ذلك الإجلال العظيم في المجتمع المسيحي بمصر حتى بعد عزله وإهانته. وعلاوة على ذلك، فإن التقليد غير الخلقيدوني في الحقيقة يضع البابا ديسقوروس ضمن آباء الكنيسة المعترف بهم، ويعطيه بالأخص نفس التقدير الذي يعطيه التقليد الخلقيدوني لليو بابا روما.

ومن هنا فإذا أخذنا كل هذه الحقائق في الاعتبار، فنستطيع أن نقول أن الدعاوى التي قدمها رجال الإسكندرية ضد البابا ديسقوروس ينبغي أن تُعامل مثل الاتهامات التي وجهها الأريوسيون ضد أثناسيوس بابا الإسكندرية قبل مجمع صور عام 335م.

ومما يلفت الانتباه في تلك الدعاوى، الادعاءان اللذان يقولان بأن البابا ديسقوروس كان مخالفاً للقديس كيرلس في الفكر اللاهوتي، وبأنه قد حرم ليو بابا روما. فبالنسبة للادعاء الأول، لا يمكن أن يثبت بالبرهان أن البابا ديسقوروس كان مخالفاً للقديس كيرلس في الفكر اللاهوتي.

أما بالنسبة للادعاء الثاني، وهو أن البابا ديسقوروس قد حرم بابا روما، فليس من الممكن ـ ولا حتى من الضروري ـ أن نجادل بأن البابا ديسقوروس لم يفعل ذلك، لأن البابا ليو في الحقيقة كما ذكرنا كان قد حرم البابا ديسقوروس قبل ستة أشهر بالضبط من تقديم هذا الاتهام ضد البابا ديسقوروس،[18] فلو كان البابا ديسقوروس بالتالي قد قام بهذا الأمر فسيكون ذلك عملاً تبادلياً من جانبه.

وحتى إذا سلمنا بكل هذا (أي بأحقية البابا ديسقوروس في حرم البابا ليو)، فإنه ينبغي علينا أيضاً أن ننظر من جديد إلى الأدلة بطريقة متأنية لكي ما نرى مدى دقتنا في بحث الادعاء بأن البابا ديسقوروس قد حرم بابا روما. ورغم أن كل المؤرخين الخلقيدونيين تقريباً قد أخذوا هذه المسألة كحقيقة مسلمة،[19] فإن أدلتنا تشمل أربعة إشارات (لهذا الموضوع) في مجمع خلقيدونية وواحدة في خطاب ليو بابا روما بعد المجمع. أول هذه الإشارات جميعاً توجد في عبارة للشماس ثيؤدور في دعواه ضد البابا ديسقوروس (يوم 13 أكتوبر).[20]

وبعده مباشرة وفي نفس اليوم تأتي الإشارة الثانية من مندوبي روما الذين أكدوا حدوث ذلك الأمر في حكمهم ضد البابا ديسقوروس.[21] والإشارة الثالثة نجدها في كلمات أناتوليوس يوم 22 أكتوبر عندما قال أن السبب وراء إدانة البابا ديسقوروس لم يكن أمراً متعلقاً بالإيمان وإنما بسبب “أنه قد حرم السيد رئيس الأساقفة ليو” وأنه لم يذعن لاستدعاءات المجمع الثلاثة له.[22]

أما الإشارة الرابعة فنراها في ذكر هذا الادعاء في خطاب مجمع خلقيدونية إلى ليو بابا روما، حيث قيل فيه أن البابا ديسقوروس قد حرم واحداً يملك فقط في أعماق قلبه وحدة الكنائس.[23] والإشارة الأخيرة تظهر حينما شكا ليو في خطابه إلى ثيؤدوريت أسقف قورش أن ديسقوروس “لم يستثنِ (أحداً) من المضايقة الخاصة، حتى أنه حاول أن ينزل على رأسه (أي ليو) وقاحة غريبة لا تُصدق ولم يُسمع بها”.[24]

وقد جاء ذكر تلك القصة لأول مرة ـ كما ذكرنا ـ بواسطة الشماس ثيؤدور في يوم 13 أكتوبر، ثم صدرت كل الإشارات الأخرى بعد ذلك من تلك الرواية الأولى. ولكي نقيِّم (مدى صحة) الإدعاء الذي قدَّمه الشماس ثيؤدور عن هذا الموضوع، ينبغي علينا أن نتذكر حقيقة أنه في الجلسة الأولى للمجمع يوم 8 أكتوبر، كان هناك بحث طويل وممتد في التهم الموجهة ضد بابا الإسكندرية، ولكن من المدهش أن أحداً لم يذكر في تلك الجلسة مسألة حرم البابا ليو بواسطة البابا ديسقوروس.

وحتى عندما طالب ممثلو الإمبراطور من مندوبي روما أن يحددوا اتهامهم ضد البابا ديسقوروس لكي يبرروا طلبهم بأن يتم استبعاده من المجمع، لم يظهروا أية دراية بتلك الحادثة الهامة. وأليس غريباً كذلك أن أحداً من جيران البابا ديسقوروس الشرقيين ـ بما فيهم الأعداء اللدودين له، وقبل الكل ستيفن أسقف أفسس الذي كان لديه مجلدات من تقارير الاتهام ضد البابا ديسقوروس ـ لم يعبِّر عن معرفته بتلك القصة المزعوم حدوثها في مدينة ستيفن ذاتها، إلاّ بعد أن ذكرها ثيؤدور في دعواه؟.

ونعود إلى الاجتماع، حيث تمت قراءة دعاوى الأربعة رجال كما تم تسجيلها،[25] وهنا قرر الحاضرون أن يرسلوا استدعاءً ثالثاً إلى البابا ديسقوروس[26] ليردوا على النقاط التي أثارها (للمندوبين في الاستدعاء السابق) ويذكرون له حقيقة الدعاوى الجديدة. وكان المندوبون هذه المرة هم فراجيون (Phragkion) أسقف فيليبوبوليس (Philippopolis)،  ولوسيان (Lucian) أسقف بيزا (Byza) ويوحنا (John) أسقف جرمانيكيا (Germanicia in Cilicia[27] وكان يرافقهم الشماس بالاديوس (Palladius).

وقد رد البابا ديسقوروس على هؤلاء الرجال بأنه غير قادر أن يذهب معهم إلى الاجتماع، وعندما ضغطوا عليه على أساس أن الدعاوى المقدمة ضده ستكون سبباً في حدوث فضيحة في الكنيسة وأن من واجبه أن يمنعها، أجابهم البابا ديسقوروس بأن الكنيسة الجامعة كانت بلا أية شائبة، وأضاف أيضاً “لأني أعرف كيف وصل الحال إلى انتقائي والانفراد بي (بدون الباقين)”.[28] فحاولوا ثانية أن يقنعوه ولكنه قال: “ما قد قلته، قد قلته؛ وأنا لا أستطيع أن أفعل أي شيء آخر”.

 

(ح) البابا ديسقوروس يُعزل:

عندما استلم الاجتماع تقرير المندوبين بعد عودتهم، توصل إلى أن البابا ديسقوروس يستحق العزل. وابتداءً من الوفد الروماني، تحدث أغلب الأعضاء معبرين عن آراءهم الشخصية، وقد تضمَّن حديث ممثلي البابا ليو في هذه المناسبة النقاط التالية:[29]

(1) أن ديسقوروس منح الشركة لنصيره أوطيخا بعد عزله قانونياً وقبل تبرئته بواسطة مجمع عام 449م؛ (2) أنه بينما نال الأساقفة الآخرون ـ الذين اشتركوا في مجمع عام 449م ـ العفو من قبل الكرسي المقدس (الروماني) واستمروا في شركته، بقي ديسقوروس على عصيانه؛ (3) أنه لم يسمح بقراءة طومس ليو في مجمع عام 449م، وبالتالي انتشرت الفضيحة في الكنيسة؛ (4)  على الرغم من كل هذا، كان المجمع يريد أن يكون متسامحاً معه، ولكن ديسقوروس تجاوز حدود شره بحرمه لبابا روما؛ (5) أنه لم يطع إستدعاءات المجمع له للحضور.

وأكمل مندوبو روما كلامهم بأنه بناءً على هذه النقاط وكذلك على أساس ’جملة التعديات‘ التي ارتُكبت بواسطة ديسقوروس، فإن “ليو رئيس أساقفة روما الكلي الطوبى، قد جرده ـ بواسطتنا وبواسطة المجمع الحاضر ـ من كل كرامة الأسقفية، وفصله من كل وظيفة كهنوتية. وعلى ذلك يحكم هذا المجمع العظيم والمقدس بشروط القانون ضد المذكور آنفاً ديسقوروس”.[30]

وعقب حديث مندوبي روما، عبَّر أناتوليوس أسقف القسطنطينية[31] ومعه مئة وواحد وتسعين رجلاً عن آرائهم موافقين على عزل البطريرك السكندري.[32] وقد أعطى الاجتماع أيضاً حكمه التالي[33]:

من المجمع المسكوني العظيم والمقدس، الذي بنعمة الله وبأمر من ……. أباطرتنا، والمجتمِع في خلقيدونية ……. في مزار ……. إلى ديسقوروس.

بسبب ازدراء القوانين المقدسة، واحتقارك لهذا المجمع المسكوني المقدس، حتى أنك ـ وبالإضافة للتعديات الأخرى التي أُدنت بسببها ـ رفضت أن تستجيب لثلاثة استدعاءات من هذا المجمع العظيم والمقدس، والتي قُدمت لك وفقاً للقوانين الإلهية حتى ترد على التهم الموجهة إليك:

لتعلم إذن، إنك في اليوم الثالث عشر من الشهر الحالي أكتوبر بواسطة المجمع المسكوني والمقدس قد عُزلت من أسقفيتك، وجُردت من كل رتبة كنسية. وقد تم توصيل هذا الحكم إلى البابا ديسقوروس في  حبسه.

      وعندئذ كتب الاجتماع عدداً من الخطابات، واحداً إلى رجال الدين (الإكليروس) السكندريين في خلقيدونية، وآخراً إلى الإمبراطورين ماركيان وفالنتينيان، وخطاباً ثالثاً إلى الإمبراطورة بولخريا. كما أعطوا كذلك بياناً علنياً يخبر بأن البابا السكندري قد تم عزله. ولم يكن السبب الذي ذُكر في كل هذه المكاتبات ضد البابا ديسقوروس هو الهرطقة، وإنما التعدي على القوانين. واحتاج الحكم على البابا ديسقوروس بهذا الشكل ـ وبالرغم من أنه كان عمل جماعي ـ إلى التصديق عليه في جلسة المجمع الرسمية يوم 17 أكتوبر.

 

(ط) لماذا تم عزل البابا ديسقوروس؟

إن قصة عزل البابا ديسقوروس ليست واضحة تماماً فيما يتعلق بالسبب الذي يكمن وراء التعامل معه بهذا الشكل. والحقيقة أن البابا ديسقوروس كان قد لعب دوراً ثابتاً وغير متساهل في الجدال الخريستولوجي الذي دار في أيامه، ولذا فكل الأدلة المتوفرة عنه تتصل بتلك الخلفية، وبالتالي فإنها تُفسر على نحو ما بواسطة المنتقدين له، وعلى نحو آخر بواسطة المعجبين به.[34]

وهدفنا هنا ليس هو الدخول في هذه المسألة، ولكننا نريد أن نرى ماذا يمكن أن يكون السبب الذي دفع روما لأن تكون بهذه الصورة العدائية العنيفة تجاهه، والذي جعل كذلك السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية تترك روما لتهين الجالس على كرسي الإسكندرية بهذا الشكل المخزي.

ومن المتعين أن يكون التقييم الرسمي للبابا ديسقوروس في التقليد المحفوظ عند كلا القوتين (روما والقسطنطينية)، متوافقاً مع حكم المجمع الذي قام بعزله. ويمكننا أن نضيف إلى ذلك أيضاً ـ كمصدر ثانوي ـ العبارات التي قيلت والخطابات التي كُتبت في ذلك الوقت لتبرير قرار العزل.

لقد ذكر الحُكم الذي أصدره الاجتماع خطأين ضد البابا ديسقوروس. الخطأ الأول هو ” ازدراء القوانين المقدسة” و “احتقار المجمع”، ومن الواضح أن الأساس وراء هذه التهم هو رفض البابا ديسقوروس لإطاعة الإستدعاءات الثلاثة التي أُرسلت إليه.

وكان البابا ديسقوروس قد ذكر نقطة هامة ومؤثرة عند قيامه بهذا التصرف، فبما أن يوسابيوس الذي كان قد قدَّم دعوى ضده في جلسة المجمع الأولى (8 أكتوبر) قد قام مرة أخرى بتقديم دعوى ثانية، فإن هذه الأخيرة لابد وأن تحوي نفس النقاط الموجودة في الدعوى الأولى، وقد تم فحص هذه النقاط جميعها ـ بالرغم من عدم مناقشة أساس الموضوع ـ وأعطى ممثلو الإمبراطور حكمهم الذي يقضي بمسئولية ستة رجال من بينهم ديسقوروس عن هذه النقاط، فإذا كانت هناك الآن دعوى جديدة تحتوي على نفس التهم ومقدمة من نفس الشخص، فلابد وأن تكون مقدمة لكي تزيح جانباً القرار الأول، والذي كان هو نفسه محل تساؤل، فلذلك طلب ديسقوروس أثناء فحص دعوى يوسابيوس أن يكون ممثلو الإمبراطور والرجال الخمسة الذين أُدينوا معه حاضرين أيضاً.

وهنا نتساءل: أليس من العسير تبرير هذا الموقف من خلال أي شكل من أشكال العدالة القديمة أو الحديثة؟. كما ينبغي أن نضيف أيضاً من جانبنا، أن الاجتماع الذي أرسل إلى البابا ديسقوروس الإستدعاءات باسم ’المجمع المسكوني المقدس‘، كان فقط أقل من نصف عدد الوفود الموجودة في خلقيدونية.

وهكذا يتضح من كل هذه الحقائق أن الخطأ الأول الذي ذكره الاجتماع في حكمه ضد البابا ديسقوروس ليست له حجة على الإطلاق، والحقيقة أن اللوم هنا لا يقع على البابا ديسقوروس وإنما يقع بالفعل على الاجتماع نفسه. أما الخطأ الثاني الذي جاء في حُكم العزل فكان “التعديات الأخرى الذي أُدنت بسببها” ولكن بدون ذكر لأي من هذه التعديات. والغريب حقاً أن اجتماعاً من الأساقفة لا يذكر بوضوح واحداً على الأقل من هذه التعديات.

ألا يعني هذا ـ وبالرغم من أن الجانب الخلقيدوني حاول بعد انفضاض المجمع أن يؤكد أن هناك تهمةً قد أُثبتت ضد ديسقوروس ـ أن الاجتماع الذي اتخذ القرار لم يكن بالفعل على يقين تام من كلامه؟ وعلى أية حال، فإن الحقيقة التي ينبغي التسليم بها، أن الاجتماع الذي أخذ من التقليد الالتزام القانوني بإرسال ثلاثة إستدعاءات للمتهم، لم يأخذ أيضاً من التقليد الأمر الذي على نفس الأهمية وهو ضرورة إثبات تهمة محددة ضد الرجل الذي يُحكم عليه بالإدانة.

ولم يكن البابا ديسقوروس هو الرجل الأول في التاريخ الذي يُحكم عليه غيابياً (in absentia)، فهناك على الأقل بولس السموساطي ونسطوريوس اللذين تم عزلهما بنفس الطريقة، ولكن في حالة كل منهما أخذ المجمع المختص أدلته من كتابات الرجل وأثبت تهمة محددة ضده، وحتى مجمع عام 449م قام بشرح التهمة ضد كل من الرجال الذين أدانهم.

وهذه هي العدالة التي أنكرها الاجتماع على البابا السكندري بواسطة مندوبي روما، وقد تم هذا في وقت كانت فيه مكانة الكرسي السكندري في الكنيسة لا تقل عن تلك التي لروما نفسها.

والحقيقة بالتالي أن كلا الخطأين اللذين ذكرهما الاجتماع في حكمه ضد البابا ديسقوروس لا يمكن التعويل أو الاستناد عليهما، لأنهما كانا في الواقع مجرد إتهامين مبهمين، أظهرا فقط أن مندوبي روما ـ وهم يتمتعون بالتأييد السياسي ـ قد نجحوا في حشد المعارضين الشرقيين للبطريرك السكندري، وارتكبوا كلهم معاً هذه الجريمة الشنعاء.

ولازلنا حتى الآن لم نجب عن السؤال الخاص بالسبب وراء عزل البابا ديسقوروس، ولذلك سنقوم بالنظر في مصادر المعلومات الأخرى. ومن الملاحظ أن التهم الموجودة ضد البابا يسقوروس في تلك المصادر، تشير إما إلى مجمع عام 449م أو إلى أفعاله الشخصية الخاصة.

والتهم التي تتعلق بمجمع عام 449م هي: العنف وسوء التصرف، عدم الطاعة والهرطقة، عدم السماح بقراءة طومس ليو، وإدانة فلافيان وآخرين وتبرئة أوطيخا.[35]

وإذا تذكرنا حقيقة أن مجمع عام 449م كان قد توصل إلى قراراته في ضوء موقفه اللاهوتي الذي يرى أن قانون إيمان نيقية حسبما فسره وأكده مجمع أفسس عام 431م ـ بما في ذلك التفسير السكندري لصيغة إعادة الوحدة ـ هو المقياس المعياري الصحيح (للأرثوذكسية)، فسندرك أن الأساس الذي بُنيت عليه هذه الادعاءات والتهم هو قراءة من جانب واحد للأحداث، وبالتالي لا يمكن التعويل عليه.

أما التهم الشخصية المحضة ضد البابا ديسقوروس فكانت ثلاثة تهم رئيسية:[36] (1) أنه سمح لأوطيخا بالشركة حتى قبل مجمع عام 449م؛ (2) أنه حرم ليو بابا روما؛ (3) أنه لم يذعن لإستدعاءات المجمع المسكوني الثلاثة. وكانت التهمتان الأخيرتان قد ذُكرتا قبلاً، أما الادعاء بأن البابا ديسقوروس قد سمح لأوطيخا بالشركة قبل تبرئته في مجمع عام 449م، فقد ذُكر فقط في حكم مندوبي روما على البابا ديسقوروس، ونحن لدينا ثلاثة تعليقات على هذا الادعاء:

(1) ماذا يعني مندوبو روما بالتحديد في هذا الادعاء؟ لأن كلمة الشركة مثلاً يمكن أن تعني إما الشركة الإفخارستية، أو الصداقة والمساندة؛ (2) ومن الحقيقي أن البابا ديسقوروس والرجال القادة في مجمع عام 449م قد ساندوا أوطيخا حتى قبل تبرئته رسمياً، أما إذا كان مندوبو روما يقصدون أن يؤكدوا أن البابا ديسقوروس قد منح أوطيخا الشركة بمعنى الاشتراك الإفخارستي،[37] فالسؤال هو عن مصدر معلوماتهم تلك والذي يتعين التحقق منه في ضوء حقيقة أن لا أحد من جيران البابا ديسقوروس الشرقيين ولا حتى الأربعة الرجال الذين من الإسكندرية، قد ذكر هذه الحادثة.

(3) إذا كان البابا ديسقوروس قد سمح بالحقيقة لأوطيخا بالشركة، فإنه يكون بالفعل مذنباً بكسره قانون الكنيسة، ولكن أيضاً ليو بابا روما يقع عليه نفس اللوم بصورة مساوية تماماً للبابا ديسقوروس، لأنه من الثابت والمسجل أن ليو قد أعاد ثيؤدوريت أسقف قورش الذي حرمه مجمع عام 449م إلى رتبة الأسقفية حتى قبل قبوله ثانية في شركة الكنيسة بواسطة مجمع خلقيدونية عام 451م،[38] ولكن يوجد فرق واحد بين البابا ديسقوروس والبابا ليو في هذا الأمر، فبينما تبرئة البابا ليو لثيؤدوريت هي حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش، تظل مسألة سماح البابا ديسقوروس لأوطيخا بالشركة مجرد زعم وادعاء ضده.

وهكذا نرى أنه بالنسبة حتى لتلك التهم الشخصية ضد البابا ديسقوروس، فيظل من غير الممكن الاعتماد أو التعويل عليها.

وأمام هذه الحقيقة، يعتبر تقييم البابا ديسقوروس بواسطة أناتوليوس ـ والذي كان قد رشحه البابا ديسقوروس لكرسي القسطنطينية خلفاً لفلافيان ـ جدير بالملاحظة. وكان أناتوليوس قد أشار إلى مسألة إدانة البابا ديسقوروس في ثلاثة مناسبات: أولاً في يوم 13 أكتوبر،فبعد تأييده لمندوبي روما علق بأنه ينبغي معاقبة البابا ديسقوروس لأنه ازدرى بالاجتماع؛[39] ثانياً في يوم 22 أكتوبر حيث أعلن أناتوليوس أن البابا ديسقوروس لم يُحرم بسبب أي معتقد غير صحيح لديه، ولكن بسبب أنه حرم ليو بابا روما ولم يطع استدعاءات المجمع؛[40] ثالثاً ذكر أناتوليوس في خطابه إلى ليو  بابا روما بعد مجمع خلقيدونية، أن البابا ديسقوروس قد أُدين من أجل سلام الكنيسة.

وهذه الجملة الأخيرة لأناتوليوس هي في غاية الأهمية، لأنها تُظهر كيف وافق بطريرك القسطنطينية ـ ومن الممكن أن يكون هناك رجال آخرون مثله ـ على إدانة البابا ديسقوروس، الذي يعتبره لا هرطوقي ولا شخص مدان شرعياً بأية تهمة أخرى. وقد يكونوا قد فعلوا ذلك إزاء سياسة إمبراطورية لتوحيد الكنيسة، والسلام في الكنيسة في ذلك الوقت كان مرتبطاً تماماً بقبول طومس ليو، وقد قبل الشرقيون ـ أصحاب المنهج السكندري في التفكير ـ هذا الطومس، بالرغم من تحفظاتهم الشديدة عليه، وكان هذا بالتأكيد هو ما فعله أناتوليوس نفسه بعد اعتلاء بولخريا وماركيان السلطة مباشرة.

أما البابا ديسقوروس فلم يُعطى على الإطلاق أي فرصة لكي يرى هل يمكنه أن يستوعب هذا الطومس بهذه الطريقة أم لا، وكان هذا سببه شيء واحد وهو أن ليو اعتبره عدواً من البداية، وبدون حتى المحاولة لأن يعرف وجهة نظره. وعلى سبيل المثال، أرسل ليو نسخاً من هذا الطومس إلى أشخاص متنوعين في الشرق، ولكنه لم يهتم على الإطلاق بأن يبعث بواحدة أيضاً إلى البطريرك السكندري.[41]

كما أنه في نفس السياق، قام بحرم البابا ديسقوروس قبل مجمع خلقيدونية بستة أشهر على الأقل، وهذا يبين أن البابا ديسقوروس كان عادلاً مع البابا ليو أكثر مما كان البابا ليو معه، لأنه قد زُعم أن البطريرك السكندري قد حرم بابا روما قبل مجمع خلقيدونية بأقل من شهر فقط. ومن هنا ينبغي علينا أن نضع هذا الموقف ومثله من المواقف الأخرى في الاعتبار، عند التعامل مع مسألة البابا ديسقوروس.

وفي الواقع كان هناك سبباً واحداً لكراهية وعداوة روما للبابا السكندري، وهو بالتحديد أنه رفض أن يوقع على طومس ليو حتى النهاية. وفي الوقت الذي استطاعت فيه روما أن تُملي إرادتها على السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية، انتهزت الفرصة لتسحق الشخص المعارض لها من خلال مجمع خلقيدونية.

وبالوصول إلى هذه النهاية يكون البابا ليو وممثلوه في المجمع، قد ارتكبوا بالفعل تقريباً كل الذنوب التي ادعى مجمع خلقيدونية والمؤرخون الخلقيدونيون أن البابا ديسقوروس كان قد اقترفها.

 

[1] يشير كيلي (J.N.D Kelly) إلى جلسة يوم 10 أكتوبر باعتبارها الجلسة “الثالثة للمجمع”. انظر: (Early Christian Creeds, Longman, 1950, p. 296). وهو يعلق بأن مانسي (Mansi) قد اعتبرها الجلسة الثانية ولكن شفارتز قد أعاد الترتيب إلى وضعه. (المرجع السابق صفحة 297 رقم 1). ويصف هونيجمان أيضاً اجتماع يوم 13 أكتوبر بأنه “الجلسة الثانية للمجمع”.

ولكن يبدو أن أي من هؤلاء الرجال لم يسأل نفسه كيف يمكن أن تكون جلسة يوم 13 أكتوبر هي الثانية وجلسة يوم 10 أكتوبر هي الثالثة. وقد فعلوا ذلك بسبب أن شفارتز قد وضع فى طبعته وقائع جلسة يوم 13 أكتوبر قبل وقائع جلسة يوم 10 أكتوبر، وذلك على أساس أن المجمع قد صدق على وقائع جلسة يوم 13 أكتوبر قبل تصديقه على وقائع جلسة يوم 10 أكتوبر.

فإذا كان شفارتز محقاً بالفعل في توضيحه لموضوع تصديق المجمع، فينبغي أن يكون هناك سبب جعل المجمع يفعل هكذا. وقد يكون ذلك بسبب انهم شعروا أنه يجب عليهم أن يحموا روما من الحرج في وجود هزيمتين متتاليتين، الأولى متمثلة في حكم ممثلو الإمبراطور يوم 8 أكتوبر والثانية حينما أرادت وفود إيليريكم وفلسطين فحص مدى صحة طومس ليو من الناحية اللاهوتية يوم 10 أكتوبر.

وعلى أية حال فإن رأي كل من كيلي وهونيجمان بأن جلسة يوم 13 أكتوبر هي الجلسة الثانية للمجمع لا يمكن التسليم به. والواقع أن اجتماع يوم 13 أكتوبر لا يستحق حتى أن نحسبه جلسة من جلسات مجمع خلقيدونية.

[2] حينما رأى ممثلو الإمبراطور أنه لن يكون هناك قبول بالإجماع وبدون فحص لطومس ليو، أمروا يوم 10 أكتوبر أن يتم إرجاء الاجتماعات لمدة خمسة أيام لكي يتمكن الذين لديهم شكوك حول الطومس من مقابلة أناتوليوس أسقف القسطنطينية واستيضاح ما يرتابون فيه، حتى يمكن التوصل إلى الإجماع بحلول موعد الجلسة القادمة. انظر: (ACO, II, i. p. 279: 31)

[3] كان هذا هو أتيكوس أسقف نيكوبوليس وهي مدينة فى إيليريكم.

[4] حينما رأى ممثلو الإمبراطور أنه لن يكون هناك قبول بالإجماع وبدون فحص لطومس ليو، أمروا يوم 10 أكتوبر أن يتم إرجاء الاجتماعات لمدة خمسة أيام لكي يتمكن الذين لديهم شكوك حول الطومس من مقابلة أناتوليوس أسقف القسطنطينية واستيضاح ما يرتابون فيه، حتى يمكن التوصل إلى الإجماع بحلول موعد الجلسة القادمة. انظر: (ACO, II, i. p. 279: 31)

[5] انظر صفحة .

[6] لدينا أدلة على أن البابا ديسقورس، والأساقفة المصريين لم يوقعوا على طومس ليو. فمن الواضح من الكلمة الافتتاحية التى ألقاها باسكاسينوس فى اجتماع يوم 13 أكتوبر، أن السبب فى عداء روما للبابا ديسقورس هو معارضته للطومس، كما يتضح من الكلمات التي قالها البابا ديسقوروس يوم 13 أكتوبر: “لأني أعرف كيف تم انتقائي والإنفراد بي” أنه يعبر عن تلك الحقيقة. (انظر صفحة ). لأنه من وجهة نظر روما، لا يعتبر رفض قبول الطومس هو فقط ابتعاد عن الأرثوذكسية، ولكنه أيضاً رفض للسلطة البابوية (على الكنيسة) والتي كانت لها دلالة خاصة بالنسبة لبطريرك الإسكندرية. (انظر صفحة ).

[7] أعلن ممثلو الإمبراطور فى يوم 17 أكتوبر أنه ليس لديهم علم بموضوع عزل البابا ديسقورس، وأن المندوبين الذين ارتكبوا مثل هذا الفعل، هم وحدهم المسئولون عنه أمام الله. (انظر صفحة ).

[8] تحتوي القائمة المذكورة في (ACO, II, i. pp. 199-204: 1-2) على 204 اسماً شاركوا في ذلك الاجتماع. ويشير سيلرز إلى الاجتماع الذي تم فيه عزل البابا ديسقورس في كتابه (The Council of Chalcedon, op. cit., pp. 111-113)، ولكنه لا يذكر في معالجته لهذا الموضوع حقيقة أن ذلك الاجتماع قد عُقد قبل الموعد الذي أعلنه ممثلو الإمبراطور بيومين وأن عدد الذين حضروه كان قليلاً. ولكن هفلي كان من المؤرخين الأوائل الذين ذكروا هاتين الملاحظتين ولكنه حاول أن يقدم لهما تفسيرات تخيلية تماماً. انظر

(History of the Councils of the Church, Eng. tr ., Edinburgh, 1895 , Vol. III, p. 320)

أما كيد (B. J. Kidd) فقد استبق سيلرز في إهمال الحقائق التي أسقطها سيلرز بعد ذلك. وهناك مقالة للمؤلف توماس (Thomas Owen Martin)، يذكر فيها أن الحاضرين في الجلسة التي تم فيها تمرير ما يُسمى بالقانون الثامن والعشرين (الخاص بالقسطنطينية) يبدو أنهم لم يقدروا حقيقة أنه تم إزالة مكانة الكرسي الثاني في العالم المسيحي (الإسكندرية) بواسطة اجتماع يضم أقل من نصف عدد المندوبين المشاركين في مجمع خلقيدونية. انظر:

(A Histrory of the Church to 461, Oxford, 1922, vol. III, p. 320 Des Konzil von Chalkedon

[9] ACO. II, i. pp. 199: 2.

كانت الجلسات العادية للمجمع قد عُقدت بكنيسة الشهيدة القديسة أوفيمية. انظر:

(Mansi: VI 564, 937; VII 97,117, 18 , 185, 193,  204, 272, 293, 301, 313, 424)

وهناك جلسة واحدة لم يتم تحديد مكان انعقادها في محاضر الجلسات (Mansi VII 357). ويذكر ألفونس شنيدر (Alfons M. Schneider) أن ’المارتيريون‘ هو مصلى صغير ملحق بكنيسة القديسة أوفيمية.

[10] ACO. II, i, pp. 279: 34-35.

كان الفريق المناصر للبابا ديسقوروس قد دافع عنه بنفس الطريقة أيضاً في ختام الجلسة الأولى للمجمع (انظر صفحة ). ويتمسك شفارتز في كتابه (Uber die Bischopslisten) بالرأي القائل بأن الكراهية الشديدة لديسقوروس والتي نشأت بسبب أسلوبه العنيف في مجمع عام 449م، هي التي جعلت الأساقفة فى خلقيدونية يقررون أن يتخذوا موقفاً خاصاً ضده.

والحقيقة أن الوثائق لا تشير إلى ما يؤيد ذلك الرأي على الإطلاق. ولكن على العكس من ذلك لدينا من الأدلة ما يؤكد أنه كان هناك فريق ضد البابا ديسقوروس يقوده مندوبو روما، كما كان هناك أيضاً كيان مساوي من الوفود التي تقدره بشكل كبير.

[11] للاطلاع على ما قاله باسكاسينوس انظر: (ACO, II, i, p. 204: 4)

[12] للاطلاع على دعوى يوسابيوس انظر (المرجع السابق صفحة 204-205: 5). وحيث أن المجمع قد قبل في جلسته يوم 8 أكتوبر قرار ممثلي الإمبراطور وتم إيداع البابا ديسقوروس في الحجز، فلابد أن يكون الغرض من هذا الاجتماع هو إذلاله.

[13] انظر مناقشتنا لتلك النقطة في صفحة .

[14] المرجع السابق صفحة 206-207: 14-19.

[15] المرجع السابق صفحة 207: 20-22.

[16] المرجع السابق صفحة 210: 36. قال سِسروبيوس: “إن كل الأمور قد تمت بطريقة قانونية، فحيث أن الإتهام موجه لك شخصياً، فلا ممثلو الإمبراطور ولا أي شخص علماني آخر ينبغي أن يكون حاضراً غير قداستك وحدك كأمر عائلي”. والحقيقة أن ممثلي الإمبراطور كانوا هم الرؤساء الحكوميون لكل جلسة من جلسات المجمع.

[17] للاطلاع على هذه الدعاوي انظر المرجع السابق صفحة 211: 221.

[18] انظر صفحة .

[19] يؤمن كل من المؤرخين هيفلي وكيد ودوشيسين بصدق هذه الواقعة. وانتشرت هذه الرؤية على يد باحثين معاصرين أمثال شفارتز وهونيجمان وجالاند وسيلرز. ويعرض شفارتز في كتابه (Uber die…) متى وكيف يمكن أن يكون البابا ديسقوروس قد فعل ذلك، ولكن معاجته لا تخرج عن كونها تصور تخيلي مأخوذ من دعوى ثيؤدور التي تحتاج إلى برهان.

[20] قال ثيؤدور في دعواه: “أما فيما يتعلق بمسألة الكلي الورع والقداسة أسقف الكرسي الرسولي لروما العظمى، فقد أتى (البابا ديسقوروس) من مصر في صحبة حوالي عشرة أساقفة (حيث لم يرغب عدد أكثر من هذا أن يأتي معه، لأنه كان قد خطط أن يرتكب هذا الفعل وهو يمر عبر أفسس) قاصداً أن يحتال عليهم للتوقيع على هذا التهديد، إذ لم تكن لديهم الرغبة في أن يفعلوا هذا. ومع ذلك وقَّعوا بلا مبالاة على تلك الورقة غير القانونية بالبكاء والأنين”.

انظر: (ACO, II, i, p. 212: 47). ومن الجدير بالذكر أن عدد الأساقفة المصريين الذين حضروا في خلقيدونية كانوا ثلاثة عشر أسقفاً على الأقل، ولذلك فإن عدد عشرة الذي ذكره ثيؤدور كان خطأ. انظر صفحة .

[21] للرجوع إلى تعليقات موجزة على حكم مندوبي روما، انظر صفحة . وقد قيل حول مسألة حرم البابا ليو بواسطة البابا ديسقوروس: “إنه قد تجرأ على إعلان الحرم ضد الكلي القداسة والورع رئيس اساقفة روما العظمى”.

[22] ACO. II, i, p. 320: 14.

قال أناتوليوس: “ولم يكن عزل البابا ديسقورس بسبب أي أمر يتصل بالإيمان، لكن لأنه حرم السيد رئيس الأساقفة ليو، ولأنه لم يستجب لاستدعاءات المجمع الثلاثة. ولهذا السبب تم عزله”.

[23] للاطلاع على هذا الخطاب انظر المرجع السابق صفحة 476. وقد جاء فيه: “وإلى جانب كل هذه الأمور، فقد امتد جنونه (المقصود هنا البابا ديسقوروس) إلى أن طال حتى ذاك الذي عُهد  إليه برعاية كرمة المخلص، ونعني بالطبع قداستكم، وخطط لحرم من انشغل فؤاده بتوحيد الكنيسة”.

[24] للاطلاع على الترجمة الإنجليزية للخطاب انظر: (N&PNF, sec. ser. vol. XII p. 72). وقد أشرنا إلى هذا في صفحة 70 المرجع رقم 111.

[25] كان كيد (Kidd) مع الرأي القائل بأن الاجتماع لم يسجل ملاحظة بهذه الدعاوي انظر:

(History of the Church, op. cit., vol. III, p. 320)

ولكن الحقيقة هي أن هذه الدعاوي قد قُرأت كلها وسُجلت، وأنه طُلب من المتهم في الاستدعاء الثالث أن يرد على التهم الواردة فيها. انظر (ACO. II, i, p. 221: 70). والأكثر من هذا أن قصة حرم البابا ليو بواسطة البابا ديسقوروس قد خرجت من دعوى ثيؤدور.

[26] للاطلاع على هذه الاستدعاءات انظر (ACO. II, i, pp. 221-223).

[27] كان يوحنا أسقف جرمانيكيا مناصراً لنسطوريوس، وقد طالبه مجمع خلقيدونية فى مناسبة لاحقة بإدانة نسطوريوس بالتحديد حتى لا يتم عزله. وقد لعب يوحنا بالفعل دوراً هاماً في ذلك المجمع.

[28] انظر صفحة 129 المرجع رقم 64. وتشير هذه الكلمات إلى أن البابا ديسقوروس لم يكن يكترث بأي قرار كان الاجتماع مزمع أن يتخذه ضده.   

[29] للاطلاع على حديث مندوبي روما انظر (ACO. II, i, pp. 224-25: 94). والحقيقة أن كل نقطة من النقاط التي ذُكرت تعتمد على قراءة مغلوطة للحقائق. وكان يوسابيوس أسقف دوريليم قد أكد في دعواه الثانية أن البابا ديسقورس كان ’مناصراً‘ لأوطيخا، وهذا هو ما كرره مندوبو روما في حديثهم هنا بدون أي برهان على صدق ما يدَّعوه.

ونقطة أخرى نذكرها هنا، فمن الثابت أن ليو كان قد طالب بحذف على الأقل كل من جوفينال أسقف أورشليم وإفستاثيوس أسقف بريتوس مع البابا ديسقوروس من الذبتيخا يوم 13 أبريل عام 451م، ولذلك فهما لم يكونا في معية روما حتى وقت انعقاد مجمع خلقيدونية.

[30] كانت كلمات مندوبي روما واضحة جداً، فالبابا ديسقوروس قد عُزل ليس بواسطة مجمع الأساقفة، ولكن بواسطة بابا روما، والمجمع قام فقط بالتصديق على القرار الذي قد أُعطي له من قبل رئيس الكنيسة الجامعة. ولم يعلق أحد داخل المجمع على هذه الادعاءات بعيدة الأثر.

[31] للاطلاع على عبارة أناتوليوس انظر (ACO. II, i, p. 225: 95). وقد اتفق مع رأي مندوبي روما حيث قال، إنه أيضاً صدق على تمرير الحكم. وقد حدد التهمة بأن البابا ديسقوروس لم يلبِ دعوة المجمع.

[32] للاطلاع على آراء الوفود الأخرى، انظر: المرجع السابق صفحة 225-230: 96.

[33] للاطلاع على حكم المجمع انظر: المرجع السابق صفحة 237-238: 99.

[34] لم تُؤخذ هذه الحقيقة بالجدية الكافية من قبل الباحثين المؤيدين لخلقيدونية.

[35] كتب فرند أن البابا “ديسقوروس كان واحداً من الأشرار العظام في التاريخ الكنسي، ولكن هذا لم يكن هو ما ظهر به أمام معاصريه في وقت رسامته، أو حتى أمام المؤرخين اللاحقين”. (Frend, op. cit., p. 28). وقد يكون الجزء الأول من العبارة صحيح بالنسبة للتقليد المؤيد لخلقيدونية وهو ما تم التشكيك فيه من قبل التقليد غير الخلقيدوني. وأضاف فرند أن “طبيعة ديسقوروس الانتقامية وطموحه المستبد وعدم تردده قد ورَّطه في خطأ خطير”.

(المرجع السابق صفحة 28). ويعد هذا الرأي أيضاً هو نتيجة لقراءة أحادية الجانب للحقائق. أما زكريا الخطيب (من القرن السادس) فيصف البابا ديسقوروس بأنه “رجل مسالم ومتحمس، ولكن كان يعوزه استعداد كيرلس وثقته بنفسه”. (CSCO. vol. 83, Louvain, 1953 – Syriac – p. 147)

[36] كان خطاب مجمع خلقيدونية إلى ليو بابا روما قد ذكر عدة أمور ضد البابا ديسقوروس تتعلق بمجمع عام 449م: (1) أنه عزل فلافيان ويوسابيوس وغيرهم من الأساقفة الأرثوذكس؛ (2) أنه أعلن تبرئة أوطيخا من خلال الأصوات التي إغتصبها بالإرهاب؛ (3) أنه تمادى فى جنونه وحرم ليو بابا روما؛ (4) أنه رفض قبول طومس ليو، وبذلك يكون مقاوماً ’لكل عقائد الحق‘؛ (5) أنه ظل غير نادم (على أفعاله) حتى النهاية.

للإطلاع على الخطاب انظر: (ACO. II, i, pp. 475-477: 21) وللإطلاع على الترجمة الإنجليزية للخطاب انظر: (N&PNF, sec. ser. vol. XII))

وكان ليو قد أشار في عدد من خطاباته إلى تهم البابا ديسقوروس وهي: (1) أنه قد هيمن على مجمع 449م، وفرض عليه قراراته العشوائية حيث أدان فلافيان ويوسابيوس وثيؤدوريت وآخرين، . وأعاد إعتبار أوطيخا رأس الهراطقة؛ (2) أنه بسيطرته على المجمع بأسلوب طاغٍ ومستبد، لم يسمح بقرءاة  الطومس الذى يحتوي على الإيمان الرسولى فى نقاوته الأصلية، وبالتالي أدخل في الكنيسة كثيراً من الارتباك؛ (3) أنه في شره لم يستثنِ حتى البابا نفسه، بل تجرأ على حرم “رأسه” الخاص.

وعلى مستوى الفكر اللاهوتي كان يتمسك بنفس موقف أوطيخا. (انظر خطابات ليو إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني، وثيؤدوريت أسقف قورش، وإلى الإمبراطورة إفدوكسيا، وإلى رهبان فلسطين:  (N&PNF, sec. ser. vol. XII)). وهذه التهم هي في الواقع تحريفات للحقائق اليقينية لا يمكن تصورها.

[37] كان أغلب مؤرخي المجمع الذين تبنوا الموقف المؤيد لخلقيدونية قد أخذوا كلمة ’شركة‘ هنا بمعنى الشركة الإفخارستية، ولكن لم يظهر أي منهم وعيه بالمشكلة التي تثرها.

[38] فى التقليد الراسخ للكنيسة أنذاك، هناك أساس وحيد يمكن لبابا روما أن يبني عليه إدعائه بتفوق مركزه في تلك الأمور على بطريرك الإسكندرية، وهذا الأساس يوجد في قوانين سرديكا. ولكنهم في الحقيقة كانوا قد فوضوا أسقف روما لكي يجري فقط تحقيقاً في حالة الأسقف الذي لديه تظلم ضد قرار مجمع. انظر القوانين في:

 (J. Stevenson , Creeds , Councils and Controversies , S.P.C.K ., 1966 , pp. 18-22)

والحقيقة أنه لا يمكن تبرير تصرف البابا ليو في مسألة ثيؤدوريت إلا فقط في ضوء المزاعم الباباوية التى تعني أن البابا قد انتهز فرصة الجدال الخريسولوجى لكى يؤكد مزاعم (سلطة) كرسيه على الكنيسة.

[39] انظر صفحة .

[40] انظر صفحة وصفحة .

[41] لقد أشار البعض مثل جريلماير إلى حقيقة وجود قصور في التواصل بين روما والإسكندرية. وكان يتمسك ومعه شارلز موللر بأن روما علمت بأمر حروم ق. كيرلس في عام 519م. انظر:

(essay on ‘Le Chalcedonisme et le neochalcedonisme en orient de 451 a la fin du VI siecle’ in Das Konziel von Chalkedon, op, cit., vol. I , p. 645)

وهذا في الحقيقة ما يدعو إلى الارتباك، فالقول بأن روما قد أخذت المبادرة لسحق البطريرك السكندري دون أن تكون مدركة للموقف اللاهوتي للتقليد السكندري، هو أمر لا يمكن تصديقه.

والواقع أن بابا روما قد زعم أنه شاهد على فكر المسيح الذي ورثه بطرس الرسول، ولكننا لم نجد مجرد لمحة بسيطة من هذا الفكر تنعكس في ردود أفعال ليو في هذا النزاع. وبالتأكيد أضاع ليو فرصة عظيمة لكى يثبت نوعاً فائقاً من الحساسية تجاه هذه الأمور ـ يعلو على كيرلس أو ديسقورس ـ ويتوافق مع مزاعمه.

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج3

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

الجزء الأول: عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثالث: عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج3

(ج) إدانة أوطيخا وتبرئة فلافيان ويوسابيوس:

إن الطريقة التي نجح بها مجمع خلقيدونية في الوصول إلى هذه القرارات ـ وحتى دون الشعور بالحاجة إلى فحص الأساس الذي عليه اتخذ مجمع عام 449م حكمه العكسي ـ هي بالفعل أمر مثير للدهشة.

وكان إلتماس أوطيخا قد قُرئ على مجمع خلقيدونية من خلال محاضر مجمع أفسس الثاني، وعندما جاء الجزء الذي أكد فيه الراهب الإيمان النيقاوي،  قال المدعي عليه (يوسابيوس): إنه كان يكذب، وعلَّق ديوجينيس[1] (Diogenes of Cyzicum) بأنه ينبغي على أوطيخا أن يبرهن على أرثوذوكسيته بأن يقبل الإضافات التي وضعها الآباء على القانون النيقاوي من أجل مقاومة الأبولينارية،[2] ولكن الوفود الجالسة على الجانب الأيمن اعترضت بشدة على كلام ديوجينيس.

 واستؤنفت القراءة حتى وصلت إلى الجزء الذي يعبِّر فيه أوطيخا عن رفضه لأولئك الذين يقولون “إن جسد ربنا وإلهنا يسوع المسيح قد نزل من السماء”، وهنا علَّق أسقف دوريليم بأن أوطيخا قد تجنب (كون الجسد) “من السماء” ولكنه لم يحدد من أين هو،[3] وعندئذ أشار ديوجينيس أيضاً إلى أن أوطيخا ليست لديه إجابة مرضية على هذا السؤال.[4]

وأفاد باسيليوس أسقف سلوكيا بقوله: بالنسبة لأوطيخا، يُعتبر التأكيد المجرد بأن الله الكلمة صار إنساناً باتخاذه جسداً، هو كافياً للاعتراف بالتجسد،[5] وعلى الفور قال البابا ديسقوروس إن كلمات باسيليوس (عن مفهوم أوطيخا) إنما هي من عنده لأنه لا يوجد في محاضر جلسات مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م أي دليل مُسجل لذلك، وبالرغم من ذلك أضاف البابا ديسقوروس: “إذا كان أوطيخا يتمسك بأفكار لا تقرها عقائد الكنيسة، فإنه يستحق ليس العقاب فقط وإنما حتى النار.

ولكن اهتمامي هو بالإيمان الرسولي الجامع، وليس بأي إنسان أياً كان”.[6] ومرة أخرى لم يرد أحد على النقطة التي أثارها البابا ديسقوروس.

وتتضمن النقطة السابقة ثلاثة ملاحظات. أولاً: إن المفهوم الذي نسبه باسيليوس لأوطيخا كان في الحقيقة مفهوماً هرطوقياً. ثانيا: لم يكن البابا ديسقوروس يرى أن هناك دليلاً في محاضر جلسات مجمع عام 448م يثبت أن أوطيخا كان بالفعل يعلم بهذا التعليم. ثالثاً: كانت وجهة نظر البابا ديسقوروس أن الأمر الحقيقي الذي أمام المجمع ليس هو أوطيخا وإنما ما يتضمنه إيمان الكنيسة.

ولا يمكن أن تُفهم كلمات البابا ديسقوروس هذه بأنها كانت تقدم “حرماً مشروطاً” ضد أوطيخا كما يذكر سيلرز،[7] ولكنها كانت لتثير الشك في نوعية المنهج الذي تبناه المجمع.

وبدأ باسيليوس أسقف سلوكيا ـ وبدون الإلتفات إلى كلمات البابا ديسقوروس ـ في الإقرار بإيمانه قائلاً: “أنا أعبد ربنا الواحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، الله الكلمة، الذي صار معروفاً ’في طبيعتين‘ بعدما أصبح متجسداً وصار إنساناً”.[8]

وقد سببت هذه العبارة بعض الإضطراب في خلقيدونية، ولكن ممثلو الإمبراطور تجاهلوا ذلك وسألوا باسيليوس عن كيف اشترك وهو يتمسك بهذا الموقف في حرم طيب الذكر فلافيان؟،[9] فأجابهم باسيليوس بأنه بالرغم من كونه قد قبل حكم مجمع يتكون من مئة وعشرين أو وثلاثين أسقفاً إلاّ إن فلافيان من وجهة نظره لم يُحرم على حق.

وهنا كان الفريق الشرقي ـ الذي أظهر بالفعل إذعانه، واتهم البابا ديسقوروس بأنه جمع توقيعات على أوراق خالية من الكتابة ـ جاهزاً لكي يكمل الموضوع بالصورة المناسبة، ولذا صاحوا قائلين: “لقد أخطأنا جميعاً، ونسأل الصفح والغفران”.[10]

وكان هذا في الحقيقة شيئاً زائداً لم يستطع حتى ممثلو الإمبراطور أن يقبلوه ولذلك سألوهم: “ألم تشْكوا من أنكم أُجبرتم على التوقيع على قرار حرم فلافيان على أوراق بيضاء خالية من الكتابة؟”،[11] فأجابوا بنفس العبارة: “لقد أخطأنا جميعاً، ونسأل الصفح والغفران”.[12] وهكذا اعتذروا عن موافقتهم على حرم فلافيان، وكذلك عن تلفيق قصة الأوراق الخالية من الكتابة، ولكنهم ساعدوا على إفساح الطريق أمام تبرئة فلافيان ويوسابيوس.

ووقعت حادثة ثانية في نفس الاتجاه، اتصلت بقراءة صيغة إعادة الوحدة من محاضر جلسات المجمع، حيث أظهر المندوبون الذين من إيليريكم (Illyricum) إعجابهم بالقديس كيرلس قائلين ” نحن أيضاً نؤمن كما يؤمن كيرلس، وذكرى كيرلس تبقى إلى الأبد”، وفي هذا السياق صرح ثيؤدوريت أسقف قورش أن من يؤمن بأن هناك ’ابنين‘ فليكن محروماً، وأعلن الشرقيون أن ليو بابا روما يقبل صيغة إعادة الوحدة كما يقبلها أيضاً كل من فلافيان ويوسابيوس.

وهنا تساءل ممثلو الإمبراطور: كيف يتم تبرئة أوطيخا الذي لا يعترف بصيغة إعادة الوحدة، وحرمان فلافيان ويوسابيوس اللذان يقبلانها؟. وحيث إن صيغة إعادة الوحدة لم تكن لها حتى هذه اللحظة أية سلطة قانونية مجمعية، فإن سؤال ممثلي الإمبراطور كان يعني ضمنياً الوضع المتسبب في الشقاق بين الجانبين السكندري والأنطاكي (وهو تفسير كل من الجانبين لصيغة إعادة الوحدة بطريقة مختلفة). وهنا طلب البابا ديسقوروس أن تستمر قراءة محاضر الجلسات.[13]

ومن الجدير بالذكر أن ممثلي الإمبراطور استطاعوا التوصل إلى تبرئة فلافيان ويوسابيوس من خلال خطأ واضح ارتكبه إفستاثيوس (Eustathius) أسقف بريتوس أثناء محاولته الدفاع عن الموقف السكندري.

فأثناء مجمع أفسس الثاني عام 449م، وبعد قراءة صيغة إعادة الوحدة مباشرة من محاضر مجمع عام 448م، علق إفستاثيوس بأنه ينبغي من أجل الفهم الصحيح لموقف ق. كيرلس اللاهوتي أن تؤخذ أيضاً في الاعتبار رسائل ق. كيرلس إلى أكاكيوس أسقف ميليتين (Acacius of Melitene) وفالريان أسقف أيقونيوم (Valerian of Iconium) وسكسينسوس أسقف ديوقيصرية (Succensus of Diocaesarea).[14]

وكانت وجهة نظر إفستاثيوس الواضحة أن صيغة إعادة الوحدة ليس لها السلطة أو المرجعية التي زعمها مجمع عام 448م، وقد أصر أنه ليس شرعياً أو قانونياً أن نقِّر مسألة ’الطبيعتين‘ على أساس صيغة إعادة الوحدة، لأن ق. كيرلس الذي كان يمثل الجانب السكندري في إعادة الوحدة عام 433م، لم يتبنى هذه الفكرة وقد أوضح ذلك تماماً في رسائله تلك، ومن هنا دفع إفستاثيوس بأن الموقف اللاهوتي الكيرلسي كان لا يزال (في عام 433م) متمسكاً بصيغة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”،[15] ومقراً بشهادة المطوَّب أثناسيوس.

وعندما قُرئت هذه الفقرة في مجمع خلقيدونية، صاح الفريق الشرقي “إن أوطيخا يقول نفس هذه الأشياء، وديسقوروس أيضاً يقول هذه الأشياء!”، وهنا قال البابا ديسقوروس: “نحن لا نتكلم عن اختلاط ولا انفصال ولا تغيير. وليكن كل من يقول بالاختلاط أو التغيير أو الامتزاج محروماً”.[16]

ورغم أن هذه الكلمات قد أسكتت الفريق الشرقي، إلاّ إن ممثلي الإمبراطور سألوا: هل الموقف اللاهوتي الذي أشار إليه إفستاثيوس موجود بالفعل في رسائل ق. كيرلس القانونية التي قُرئت على المجمع.[17] ويُظهر كل من هتاف الفريق الشرقي وكذلك تساؤل ممثلي الإمبراطور عن رسائل ق. كيرلس القانونية، أن قادة مجمع خلقيدونية كانوا رجالاً يؤيدون الفهم الأنطاكي لصيغة إعادة الوحدة عام 433م.

وكان التحدي المتضمَّن في تساؤل ممثلي الإمبراطور قد أثار إفستاثيوس، فقام ـ وبدون حتى أن يدرك مغزاهم الحقيقي ـ بإعطائهم كتابات ق. كيرلس التي من الواضح أنها كانت معه، وقال: “انظروا إلى كتابات كيرلس، فإذا كان كلامي خطأ فليكن محروماً”.[18]

وساند الأساقفة المصريون إفستاثيوس فشجعه هذا أن يكمل كلامه قائلاً: إنه ليس شرعياً أو قانونياً أن نقِّر موضوع ’الطبيعتين‘، فنحن ينبغي علينا أن نقول فقط ’طبيعة واحدة متجسدة‘. ومع ذلك أضاف إفستاثيوس: “إذا كان هناك إنسان يؤكد على ’طبيعة واحدة‘ لكي يتجنب (حقيقة) جسد المسيح الذي هو واحد في ذات الجوهر معنا، فليكن أناثيما، وكذلك أيضاً من يتكلم عن ’الطبيعتين‘ لكي يقسِّم ابن الله فليكن أناثيما”.

وإلى هنا كان إفستاثيوس قد دافع عن الموقف السكندري بصورة جيدة، وكان عليه أن يتوقف عند هذا الحد وبالتالي لن تكون مسألة تبرئة فلافيان ويوسابيوس بالأمر اليسير، ولكن أسقف بريتوس استمر بغير حذر ليقول أن فلافيان قد قبل المفهوم الكيرلسي وأنه قدَّم ما يفيد ذلك إلى الإمبراطور.[19]

وهنا حصل ممثلو الإمبراطور على ما يريدونه، فتساءلوا: إذا كان فلافيان أرثوذوكسياً فلماذا تم حرمه؟، وبلا تفكير رد الأسقف باضطراب “لقد أخطأت”. ولم يضيع ممثلو الإمبراطور أي وقت، بل طالبوا على الفور من الوفود الحاضرة أن يفيدوهم إذا كان فلافيان أرثوذوكسياً لم لا؟.

وعندئذ أوضح مندوبو روما وأناتوليوس أسقف القسطنطينية ومكسيموس أسقف أنطاكيا وثالاسيوس أسقف قيصرية ويوسابيوس أسقف أنقرة وإفستاثيوس نفسه أن وجهة نظرهم هي أن فلافيان كان أرثوذوكسياً، وصاح الأساقفة الشرقيون “إن الشهيد فلافيان كان متمسكاً بالإيمان القويم”.

ولكن البابا ديسقوروس طلب قراءة محاضر الجلسات لكي يرى المجمع أن فلافيان قد أصر على “طبيعتين بعد الإتحاد”،[20] كما حاول البابا ديسقوروس عبثاً أن يوضح حقيقة الأمور ولكن لم تكن هناك أي استجابة.

وفي هذه الأثناء ابتدأ جوفينال أسقف أورشليم ـ والذي كان حتى هذه اللحظة يقف بثبات في جانب البابا ديسقوروس ـ يتذبذب في موقفه، وقد أخبَّر جوفينال أن كلاً من صيغة إعادة الوحدة وعبارة فلافيان التي أشار إليها إفستاثيوس متشابهتان، ولكن الحقيقة أن كلتا الوثيقتين لم تحتوي على عبارة “طبيعتين بعد الاتحاد” التي طُلب من أوطيخا أن يقِّر بها في مجمع عام 448م، وهكذا أخطأ جوفينال بنفس الطريقة التي تصرف بها إفستاثيوس.

ومع ذلك فقد نقل هذا الخلط في الأمور جوفينال ومساعدوه إلى الجانب المنتصر، وقد تم الترحيب بهم بعبارات مثل “إن الله أرشدكم حسناً. أهلاً بكم”، وبعد ذلك تبع هذه المجموعة أسقف كورنثوس وعدد من الآخرين.[21]

وأمام هذا التقلص الواضح في مؤيديه، تكلم البابا ديسقوروس مفيداً بأن فلافيان قد أُدين بسبب قوله “طبيعتين بعد الإتحاد”، وأن لديه (أي البابا ديسقوروس) فقرات من كتابات الآباء القديسين أثناسيوس وغريغوريوس وكيرلس تحظر استخدام صيغة ’طبيعتين‘ وتقنِّن فقط صيغة ’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘، وأضاف بأن فلافيان قد تم إبعاده بواسطة الآباء. وأكمل البابا ديسقوروس قائلاً: “أنا أقف مع الآباء في تعاليمهم، ولن أتجاوزها في شيء”.[22]

ولكن في ظل جو المجمع المضطرب في تلك الأثناء، لم تجد كلمات البابا ديسقوروس أي صدى لها، واستُؤنفت قراءة المحاضر. وجاء في تلك المحاضر عن لونجينوس أسقف (Chersones) أنه أصَّر في مجمع عام 448م على صيغة ’من طبيعتين بعد الاتحاد‘،[23] فأبدى البابا ديسقوروس موافقته قائلاً: “أنا أقبل ’من طبيعتين‘، ولكني لا أقبل ’طبيعتين‘”.[24]

ومرة ثانية عندما قال يوليوس أسقف (Cios) إنه لا ينبغي أن نتعدى إيمان نيقية وأفسس، ولكننا يجب علينا جميعاً أن نعترف بالابن الواحد ربنا يسوع المسيح بكونه طبيعتين في ’بروسوبون‘ واحد، أوضح البابا ديسقوروس موقفه بأنه يرى أن يسوع المسيح ليس هو طبيعتين بعد الاتحاد.[25]

ويتبين من القصة السابقة أن البابا ديسقوروس حاول أن يجعل موقفه واضحاً، فقد قاوم صيغة “طبيعتين بعد الإتحاد” ولكنه لم يكن لديه اعتراض على صيغة ’ من طبيعتين بعد الاتحاد‘، ولذلك فهو لم يكن يؤيد ما يقوله أوطيخا عن ’طبيعتين قبل‘ و ’طبيعة واحدة بعد‘ الاتحاد. وهكذا فقد تمسك البابا ديسقوروس بالتقليد السكندري على أساس مجمعي نيقية وأفسس، ساعياً ـ وبلا أي حلول وسط ـ أن يجعل المجمع يتجه إلى القضية الحقيقية.

وحيث إنه حتى هذه اللحظة لم يكن التقليدان المتعارضان السكندري والأنطاكي قد توصلا إلى موقف لاهوتي متفق عليه بينهما، فإن للبابا ديسقوروس كل الحق في التمسك بموقفه، ولكن من المؤسف حقاً أن مجمع خلقيدونية لم يعر ما قاله البابا ديسقوروس أي اهتمام على الإطلاق.

 

(د) حكم ممثلي الإمبراطور:

وتمت قراءة كل محاضر جلسات مجمع عام 449م التي تخص تبرئة أوطيخا وإدانة فلافيان ويوسابيوس، على مجمع خلقيدونية. وقبل أن ينتهي المجمع، بل وحتى من قبل أن يبدأ المجمع، كان ممثلو الإمبراطور قد توصلوا إلى قرارهم بأن فلافيان ويوسابيوس قد أُدينا بلا مبرر وأن أوطيخا لم يكن يستحق التبرئة. وهنا أعطوا حكمهم، الذي حددوا فيه مَن الذي ارتكب الجريمة في مجمع أفسس الثاني عام 449م، وكان منطوق هذا الحكم هو:[26]

“ديسقوروس أسقف الإسكندرية، وجوفينال أسقف أورشليم، وثالاسيوس أسقف قيصرية كبادوكية، ويوسابيوس أسقف أنقرة، و إفستاثيوس أسقف بريتوس، وباسيليوس أسقف سلوكيا ـ هؤلاء هم الرجال الذين كانوا بالفعل مسئولين عن قرارات مجمع أفسس الثاني، وبالتالي ينبغي عزلهم جميعاً”.

وكانت معاقبة هؤلاء الأساقفة بسبب أنهم اتحدوا معاً واستخدموا مجمع عام 449م ليحرموا فلافيان ويوسابيوس اللذين أظهرا أرثوذكسيتهما بقبولهما صيغة إعادة الوحدة، وكذلك ليبرئوا أوطيخا الذي تعدى على الإيمان برفضه صيغة إعادة الوحدة. ومع ذلك لم يُذكر في الحقيقة طومس ليو، ولا أشار مندوبو روما إليه.

ورغم أنه بالنسبة لروما كانت هذه الرسالة العقائدية للبابا تمثل القياس المعياري للإيمان، إلاّ أن الأباطرة أعطوهم المفتاح بأن هذا الطومس يمكن أن يجد سنداً له في التقليد من خلال صيغة إعادة الوحدة.

وكان حكم ممثلي الإمبراطور له دلالة خاصة، فقد اعترف بأن القرارات في مجمع عام 449م كانت تتسم بأنها صادرة عن المجمع (وليست قرارات فردية). وكان مندوبو روما ويوسابيوس أسقف دوريليم ومؤيدوهم من الوفود الشرقية قد سعوا ليثبتوا النظرية ـ التي من المحتمل أن يكون البابا ليو هو مصدرها ـ التي تقول أن البابا ديسقوروس قام بفرض قراراته التعسفية بالقوة على مجمع عام 449م، ولكن حكم ممثلي الإمبراطور لم يصدِّق على وجهة نظرهم.

 

(هـ) المجمع يختتم جلسته الأولى:

وبمجرد أن أعلن ممثلو الإمبراطور حكمهم، حتى استقبله الفريق الشرقي الذي على الجانب الأيسر بهتافات الاستحسان وصاحوا قائلين: “هذا حكم صائب”، غير أن أساقفة إيليريكم والرجال الذين على الجانب الأيمن التمسوا من أجل الرحمة قائلين “قد أخطأنا جميعاً، وكلنا نحتاج للصفح”، ومع ذلك داوم الفريق الشرقي على صياحه بأنه لا رحمة لديسقوروس.[27]

وقبل أن تصل الجلسة الأولى إلى نهايتها، طلب ممثلو الإمبراطور من كل واحد من الحاضرين أن يأتي إلى الجلسة القادمة ومعه بيان مكتوب عن الإيمان، مع الوضع في الاعتبار أن إيمان الإمبراطور يتفق مع قانون الثلاثمائة والثمانية عشر (بنيقية)،[28] وما أقره المئة والخمسون (بالقسطنطينية)،[29] وأيضاً مع تعليم باسيليوس وهيلاري وأثناسيوس وأمبروسيوس، ومع رسالتي كيرلس القانونيتين اللتين قُدمتا وقُبلتا في مجمع أفسس الأول،[30] وكذلك مع طومس ليو.

ومن الواضح من هذه العبارة أن ممثلي الإمبراطور كانوا يشيرون إلى موقف الأباطرة فيما يخص الإيمان ويطلبون بمكر من الأساقفة أن يكونوا متفقين مع ذلك.

 

[1] كان ديوجينيس أيضاً هو أحد الشخصيات القيادية في مجمع عام 449م، وقد أعطى صوته (صوّت) في قرارين هامين من قرارات المجمع وقدم تعليقاً عليهما (انظر المرجع السابق صفحة 98: 204، صفحة 183: 884)، كما أنه اتفق مع الآخرين على بقية القرارات.

وحيث إنه في خلقيدونية لم يشتكي بأن كلماته المذكورة في وقائع مجمع عام 449م قد دونت خطأ أو أي شئ من هذا القبيل ـ كما فعل باسيليوس أسقف سلوكيا الذي قال أنه وافق على قرارت مجمع أفسس خوفاً من المجمع ـ فيكون واضحاً أن موقف ديوجينيس الذي تمسك به في أفسس كان هو بالضبط الموقف الذي تم تسجيله عنه في وقائع الجلسات.

والغريب هنا أنه لم يعبِّر عن أية انتقادات ضد الراهب العجوز في مجمع عام 449م مثل تلك التي ذكرها في خلقيدونية.

[2] قال ديوجينيس: “لقد قام الآباء القديسون بإضافة بعض العبارات على قانون إيمان نيقية بسبب الأفكار الخاطئة لأبوليناريوس ومقدونيوس وغيرهم، فإضافوا عبارة ’الذي نزل وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء‘، ولكن أوطيخا قد أغفلها لأنه كان أبولينارياً”.

وفي الحقيقة كان التماس أوطيخا يتضمن قانون الإيمان النيقاوي الذي كان يحوي عبارة “الذي من أجلنا ومن أجل خلصنا، نزل وتجسد وتأنس وتألم وقام في اليوم الثالث” (انظر المرجع السابق صفحة 90: 157).

أما الكلمات التي أشار ديوجينيس إلى أن الآباء قاموا بإضافتها لاستبعاد الهرطقات فقد كانت موجودة بالفعل في قانون الإيمان المنسوب إلى مجمع عام 381م، والذي لم يشر إليه مجمع عام 448م. وهذا يوضح أن ذلك القانون لم يكن بعد مستخدماً على نطاق واسع في الكنائس. وبحسب ما نعرفه عن موقف أوطيخا، نستطيع القول بطريقة قاطعة أنه كان سيوافق على تلك الإضافة، ولهذا فإن تعليق ديوجينيس لم يكن يستحق أي إهتمام يذكر.

[3] المرجع السابق صفحة 92: 164.

[4] المرجع السابق صفحة 92: 166.

[5] انظر صفحة .

[6] المرجع السابق صفحة 92: 168.

[7] The Council of Chalcedon, op. cit., p. 60, n. I.

[8] ACO. II, i. pp. 92-93: 169.

كان باسيليوس أسقف سلوكيا واحداً من الذين اشتركوا في مجمع عام 448م، وفي التحقيق في محاضر الجلسات يوم 13 إبريل عام 449م، وفي مجمع أفسس الثاني عام 449م، كما اشترك كذلك في مجمع خلقيدونية عام 451م.

وقد عبَّر باسيليوس اسقف سلوكيا في مجمع عام 448م عن الموقف المعارض لعدم تقوى نسطوريوس الذي قسَّم الرب يسوع المسيح الواحد إلى ’بروسوبونين‘ وإلى إبنين، وأن ق. كيرلس كان قد علَّم بأن الرب هو ’بروسوبون‘ واحد وابن واحد ورب واحد ويُعرف بأنه إله كامل وإنسان كامل، ولهذا فنحن نعبد  يسوع المسيح ربنا الواحد، الذي يُعرف في طبيعتين. (المرجع السابق صفحة 117: 301).

ولكن عندما قُرأ هذا الكلام سواء عند التحقيق في محاضر الجلسات يوم 13 إبريل عام 449م، أو في مجمع أفسس الثاني عام 449م، أنكر باسيليوس أنه قال هذه الكلمات على الإطلاق (المرجع السابق صفحة 144: 546 وصفحة 173: 791). وقد قال باسيليوس في مجمع عام 449م أنه اعترض على عبارة أوطيخا “طبيعتين قبل وطبيعة واحدة بعد الاتحاد”، ولكن لو كان أوطيخا استخدم عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” فإن باسيليوس نفسه وبقية الآباء كانوا سيتفقون معه. ولكن في مجمع خلقيدونية تخلى باسيليوس عن هذا التوجه السلمي.

وفي الحقيقة كان باسيليوس واحداً من الستة الذين أدانوهم ممثلو الإمبراطور بكونهم مسئولين عن قرارات مجمع عام 449م، ولكننا لابد أن نعترف بأن زعامته في مجمع أفسس كانت أقل من أساقفة آخرين مثل ستيفن وديوجينيس.

[9] المرجع السابق صفحة 94: 177.

[10] المرجع السابق صفحة 94: 181.

[11] المرجع السابق صفحة 94: 182.

[12] المرجع السابق صفحة 94: 183.

[13] لمراجعة هذه الحادثة في خلقيدونية انظر المرجع السابق صفحة 111-112: 247-269.

[14] لقد ذكرنا أهمية هذه الخطابات في صفحة .

[15] المرجع السابق صفحة 112: 261. قال إفستاثيوس: ” لذلك فإنه من الخطأ أن نعترف بطبيعتين، ولكن لابد أن نعترف بطبيعة واحدة، وهذا هو الموقف الثابت والمؤكد في شهادة المطوب أثناسيوس”.

[16] المرجع السابق صفحة 112: 263.

[17] المرجع السابق صفحة 113: 264. إن الدور الذي لعبه ممثلو الإمبراطور في مجمع خلقيدونية سواء في هذا الموقف أو في مواقف أخرى أيضاً، يوضح أنه كانت لديهم توجيهات بتبني التفسير الأنطاكي لصيغة إعادة الوحدة عام 433م. ولذا فقد انصب اهتمامهم على ألا تُعرض القضية الأساسية أمام المجمع، وأن يُصدق على قرار مجمع القسطنطينية المكاني بإدانة أوطيخا، وأن يتم الاعتراف والتمسك كذلك بالخطاب العقائدي الذي أرسله ليو أسقف روما.

[18] المرجع السابق صفحة 113: 265.

[19] المرجع السابق صفحة 113: 267. وكانت هذه العبارة الأخيرة التي نطقها إفستاثيوس هي في الواقع ـ ومن رؤيتنا لمحاضر الجلسات ـ ضربة قوية لوجهة نظر البابا ديسقوروس. وفي الحقيقة فإن أسقف بريتوس قدم هنا إقرار لا يغتفر.

لأن القضية المثارة أمام المجمع لم تكن هي ما قام فلافيان بكتابته للامبراطور في خطابه الدبلوماسي، ولكنها كانت حول الأساس الذي اعتمد عليه مجمع عام 448م في إتهام أوطيخا. وكان فلافيان في خطابه إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني قد تبنى وجهة نظر يستطيع السكندريون أن يروها أرثوذكسية، ولكنه لم يكن يتمسك بها في المجمع المكاني عام 448م الذي أكد على “طبيعتين بعد الاتحاد”.

[20] للاطلاع على هذه الوقائع انظر المرجع السابق صفحة 113-114: 268-281.

[21] المرجع السابق صفحة 115-116: 289-298.

[22] المرجع السابق صفحة 117: 299. إن الحجة القائلة بأن الوثائق التي أشار إليها البابا ديسقوروس هنا كانت وثائق أبولينارية ـ وحتى إذا سلمنا بأن هذه هي الحقيقة ـ لا ترد على وجهة النظر التي سعى هو إلى تأكيدها. انظر صفحة.

[23] المرجع السابق صفحة 120: 331. قال لونجينوس أنه يعترف بحسب مجمع نيقية ومجمع أفسس وفلافيان والأساقفة الآخرون، بأن ألوهية إبن الله الوحيد يسوع المسيح مخلصنا ينبغي أن تُعبد بكونها من طبيعتين.

[24] المرجع السابق صفحة 120: 332.  

[25] المرجع السابق صفحة 121: 340-41.  

[26] المرجع السابق صفحة 195: 1068.  

[27] للاطلاع على وقائع هذه الهتافات انظر المرجع السابق صفحة 195: 1069-1071. وبينما كانوا يصيحون بهذه الطريقة، قام الفريق الذي في الجانب الشرقي بترديد الثلاثة تقديسات: قدوس الله ، قدوس القوي ، قدوس الذي لا يموت إرحمنا.  

[28] إن المقصود هنا هو قانون إيمان مجمع نيقية عام 325م.

[29] إن الإشارة هنا هي إلى قانون الإيمان المنسوب إلى مجمع القسطنطينية عام 381م. والجدير بالذكر أن مجمع عام 448م المكاني لم يذكر مجمع عام 381م ولا قانون الإيمان الخاص به. أما في مجمع خلقيدونية فقد تمت الإشارة إليهما عدة مرات، ولكن كان هناك تباين في تعليقات الوفود الحاضرة بعد قراءة قانوني الإيمان.

فعلى سبيل المثال، بعد قراءة قانون إيمان نيقية قالوا: “نحن جميعا نؤمن بهذا، وبهذا (الإيمان) نحن اعتمدنا، وبه أيضاً نقوم بالتعميد. وهذا هو ما علَّم به المطوب كيرلس. هذا هو الإيمان الحقيقي، هذا هو الإيمان المقدس، هذا هو الإيمان الأبدي. هذا هو ما تعمدنا عليه، وما نعمِّد عليه. وهذا ما نؤمن به جميعناً، وهذا ما يؤمن به البابا ليو، وما يؤمن به كيرلس.

وهذا هو ما فسره البابا ليو”. ولكن بعد قراءة قانون إيمان مجمع القسطنطينية، قالوا: “هذا هو إيماننا جميعاً، هذا هو إيمان الأرثوذكس، وهذا هو ما نؤمن به جميعاً.” (المرجع السابق صفحة 276: 15)

وكان قانون الإيمان الأول (نيقية) هو الذي يعرفه ممثلو الوفود ومعتادون عليه، أما القانون الثاني (القسطنطينية) فقد إعترفوا به كقانون إيمان أرثوذكسي. ولكن في مجمع خلقيدونية، والذي خطط فيه الأباطرة أن يرفعوا من شأن كرسي القسطنطينية،  كان لقانون الإيمان الثاني أهمية خاصة.

[30] المرجع السابق صفحة 195: 1072.

إن إشارة ممثلي الإمبراطور إلى “الرسالتين القانونيتين اللتين قُدمتا وقُبلتا في مجمع أفسس الأول”، تعتبر أمراً هاماً من عدة أوجه. أولاً، استخدم ممثلو الإمبراطور عبارات مشابهة في إفتتاح الجلسات يومي 10، 17 أكتوبر، ولكنهم لم يذكروا في أي من هذه المناسبات لا مجمع أفسس ولا المجمعين السابقين عليه كأحداث ساعدت الأباطرة على تبني موقفهم اللاهوتي (المرجع السابق صفحة 274: 2 وصفحة 288: 3).

ونضيف إلى ذلك أيضا المكانة (الضعيفة) التي أُعطيت لكيرلس السكندري، فمن بين كتاباته الغزيرة أُعلن فقط عن رسالتين يقبلهما الأباطرة. ومن الواضح بالفعل أنه كما كان ليو بابا روما حريصاً على أن يتبنى المجمع الطومس الخاص به ويعتبره مقياسه العقائدي، فكذلك أيضاً حاول الأباطرة أن يؤكدوا تأييدهم لوجهة النظر الأنطاكية في تفسير صيغة إعادة الوحدة عام 433م ضد وجهة نظر الجانب السكندري.

ومن الواضح أن الوصف الذي ذكره ممثلو الإمبراطور كان ينطبق على رسالتي ق. كيرلس الثانية والثالثة ضد نسطوريوس (وهي التي تحوي الحروم الإثني عشر). ولكن تلك الرسالة الثالثة لم ترى النور في خلقيدونية، ومن المحتمل أن ممثلو الإمبراطور لم يقصدوها في إشارتهم، لأن الذي قُرأ في خلقيدونية هو الرسالة الثانية وصيغة إعادة الوحدة. فإذا كانت صيغة إعادة الاتحاد قد كُتبت في عام 433م، فمن المستحيل أن تكون قد قُبلت في مجمع أفسس عام 431م (بحسب وصف ممثلي الإمبراطور للرسالتين).

وقد أدرك شفارتز هذه المعضلة، لذلك علق بأن ممثلوا الإمبراطور تركوا هذه النقطة مبهمة عن قصد. انظر:(Uber die Bischopslisten op. cit., p. 2) . ولم يوضح شفارتز ماذا يمكن أن يكون قصدهم من وراء هذا، مع أنه تمادى في الدخول في عديد من الموضوعات مثل قيام البابا ديسقوروس بحرم البابا ليو.

وهناك الكثير من الدلائل التي تمكننا من الوصول إلى إجابة حول هذا الموضوع، فممثلو الإمبراطور كما رأينا كانوا قد حددوا أن أوطيخا كان مذنباً لأنه لم يقبل صيغة إعادة الوحدة، وحيث إن تلك الوثيقة لم تكن لها أية سلطة مجمعية، فقد أراد ممثلو الإمبراطور أن يدَّعوا لها بشيء من هذا القبيل.

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية

الجزء الثاني: عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج2
الجزء الثالث: عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج3

عزل البابا ديسقوروس:

من الجدير بالملاحظة أنه بالرغم من أن المتعارف عليه هو أن مجمع خلقيدونية قد حكم بحرمان أوطيخا، إلا إن الرجل الذي تعامل معه المجمع لم يكن هو الراهب العجوز،[1] ولكنه كان البابا ديسقوروس بطريرك الإسكندرية.

 

(أ) استبعاد البابا ديسقوروس واتهامه:

بمجرد أن أخذ الحاضرون مجلسهم في المجمع، حتى طلب المندوب الروماني باسكاسينوس (Paschasinus) أن يُستبعد البابا ديسقوروس من المجمع على أساس أن أسقف روما قد أمر بذلك.[2]

وهنا تدخل ممثلو الإمبراطور وسألوا بأن تُحدد التهمة التي تبرر هذا الطلب، فقام لوسينتيوس (Lucentius) وهو مندوب آخر بالرد وأكد أن ديسقوروس “قد استولى على مهمة القضاء، وتجاسر على عقد مجمع بدون سماح وتفويض من الكرسي الرسولي وهو الأمر الذي لم يحدث على الإطلاق ولا ينبغي له أن يحدث”[3]، ولكن هذه النقطة لم تقنع ممثلي الإمبراطور.

وبعد تبادل للكلمات، طلب هؤلاء الممثلون ـ على غير رغبتهم[4] ـ من بطريرك الإسكندرية أن يتحرك عن كرسيه في المجمع ليجلس في موضع المتهمين في الوسط.[5]

وعندئذ تقدم يوسابيوس أسقف دوريليم ـ وهو الذي كان قد اتهم أوطيخا عام 448م ـ وصرخ بأن ديسقوروس قد أساء معاملته وأضر بالإيمان، وبأن فلافيان قد قُتل حيث كان قد تم عزله مع يوسابيوس بواسطة ديسقوروس.

وعند قوله هذا قدَّم يوسابيوس التماساً موجهاً إلى الإمبراطور مركيان والإمبراطور الغربي فالنتينيان يتهم فيه خصمه ديسقوروس بتهمتين كنسيتين: أولاً أنه خالف إيمان الكنيسة بمحاولته ترسيخ هرطقة أوطيخا كأنها (تعاليماً) أرثوذوكسية من خلال مجمع عام 449م[6] الذي كان يسيطر عليه بواسطة مجموعة من الغوغاء المتمردين وبواسطة الرشوة، وثانياً أن ديسقوروس قام بعزله هو وطيب الذكر فلافيان ولم يكن أي منهما قد تعدى على الإيمان بأي شكل من الأشكال.[7]

وكانت التهمة المتضمَّنة في كلمات المندوبين الرومان وفي التماس يوسابيوس هي واحدة وهذه التهمة هي في الأساس موجهة ضد مجمع (وليس ضد شخص). وحيث لم يكن من المناسب قبول هذه الحقيقة، اتفق البابا ليو ومؤيدوه في الشرق على خطة لها توجه مشترك يتم بمقتضاها فصل البابا ديسقوروس عن شركائه في الشرق واعتباره مسئولاً منفرداً عن قرارت المجمع، وبدون حتى فحص لتلك القرارات نفسها على أساس خلفيتها التاريخية واللاهوتية.

وقد رد البطريرك ديسقوروس على هذه التهمة بقوله إن الإمبراطور ثيؤدوسيوس نفسه هو الذي دعا إلى عقد مجمع عام 449م، كما أن قرارات هذا المجمع قد اتُخذت بعد فحص جلسات مجمع عام 448م المكاني، وكل هذا مُسجل في محاضر مجمع أفسس الثاني والتي يمكن قراءتها[8] لمعرفة ماذا حدث. وفي الحال أمر ممثلو الإمبراطور بقراءة هذه المحاضر، إلا أن البابا ديسقوروس طلب أنه ينبغي قبل القراءة أن يتم توضيح ما يختص بالإيمان نفسه.[9]

وكان طلب البابا ديسقوروس هذا ـ رغم أن كثيرين لم يأخذوه مأخذ الجد ـ له أهميته العظمى، فعلى سبيل المثال زعم يوسابيوس أسقف دوريليم أن الأساس اللاهوتي لمجمع عام 449م كان ببساطة هو تعليم أوطيخا وبناء على ذلك شكك في أرثوذوكسية البابا ديسقوروس، وهذا يبين أنه لم يكن من الممكن أن يتم تقييم مجمع عام 449م بصورة صحيحة إلا بعد أن توّضح الأمور الإيمانية أولاً.

وأشار البابا ديسقوروس في طلبه إلى المجمع المكاني عام 448م وإلى مجمع عام 449م وليس إلى مجمعي نيقية وأفسس، لأن كلا المجمعين اللذين أشار إليهما لم يناقشا الأمور المطروحة أمامهما إلا بعد توضيح طبيعة الإيمان.[10]

ولكن ممثلو الإمبراطور ردوا على طلبه بقولهم أنه بسبب أن التهم الموجهة إليه هي تهم شخصية، لذلك يجب أن تُبحث هذه التهم أولاً قبل أن يتم طرح مسألة الإيمان.[11] ولكن حيث إن كل هذه التهم الشخصية تنبع من مجمع عام 449م والذي هو نفسه يقوم على فهم خاص للإيمان، فإن إجابة ممثلي الإمبراطور هي في الواقع محل تساؤل.

وهنا تم السماح لقراءة محاضر جلسات مجمع أفسس الثاني عام 449م والتي تحوي في داخلها محاضر مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م. وبدأت القراءة بالأوامر السبعة الرسمية[12] التي أصدرها الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني لدعوة المجمع، وعندما كمُلت قراءتها تساءل البابا ديسقوروس: إذا كنا أمام حقيقة أن الإمبراطور قد عيَّنه وجوفينال وثالاسيوس كرؤساء للمجمع، وكذلك إذا كانت كل قرارات المجمع قد اتُخذت كلها بموافقتهم جميعاً، فكيف يتم استبعاده هو وحده ومحاكمته؟.[13]

وهنا حاول الفريق الشرقي الذي في الجانب الأيسر أن يؤكد أن البابا ديسقوروس هو وحده المسئول عن هذه القرارات، وذلك من خلال الإشارة إلى قصة الأوراق الخالية من الكتابة (the blanc papers).[14]

 

(ب) قصة الأوراق الخالية من الكتابة:

عندما أثار البابا ديسقوروس تساؤله الذي ذكرناه، صاح الفريق الشرقي بأنه لم يوافق أي أحد على القرارات المنسوبة لمجمع عام 449م، ولكنهم قد اُجبروا على التوقيع على أوراق بيضاء خالية من الكتابة، ثم تم تسجيل قرارات ديسقوروس التعسفية عليها لاحقاً.

وكان ستيفن أسقف أفسس هو الوحيد الذي تكلم عن هذا الموضوع فقال: إن إلبيديوس مندوب الإمبراطور في مجمع أفسس، كان قد ذهب إلى مكان إقامته مصحوباً بالعساكر وبرهبان أوطيخا الذي يصل عددهم إلى ثلاثمائة رجل، وأنهم عنفوه بشدة لتأييده للجانب الأنطاكي.

وعندئذ سأل ممثلو الإمبراطور الأسقف ستيفن ليوضح علاقة هذه الحادثة بموضوع البابا ديسقوروس،[15] وهنا أوضح ستيفن أن أولئك الرجال كانوا كلهم مؤيديين لديسقوروس ولم يكونوا ليتركوا مندوب الإمبراطور (إلبيديوس) ليخرج من الكنيسة دون أن يأخذ معه القوانين التي وضعها ديسقوروس وجوفينال وثالاسيوس والأساقفة الآخرون.[16]

وتكلم ثيؤدور أسقف كلوديوبوليس مخبراً أن كل شيء في أفسس قد تم بواسطة ديسقوروس وجوفينال والموقِّعين الأوائل (في ترتيب التوقيع)، وأنه لم يكن يُسمح له ولا للرجال الذين كانوا معه ولا لفلافيان بالكلام ولكنهم ظلوا هادئين لأنهم كانوا يخشون أن يُطردوا، وبرغم أن الإمبراطور قد دعا المجمع في الأساس لأجل حسم موضوع فلافيان إلا إن ديسقوروس وفريقه عقدوا عدة اجتماعات خاصة وأخذوا قرارات لم يتم تأييدها ولا تسجيلها ولكن ديسقوروس وجوفينال قدما إليهم أوراقاً بيضاء خالية من الكتابة.[17]

وأمام هذا الاعتراض، قال ديسقوروس: “هم يقولون أنهم لم يكونوا موافقين على الأشياء التي تم تحديدها وتقريرها، ولكنهم ببساطة وقَّعوا على أوراق بيضاء خالية من الكتابة قُدمت إليهم، فبالتأكيد وبدون شك لم يكن من الضروري لهم أن يوقعوا إذا لم يكونوا موافقين. ومع ذلك بما أنهم يشتكون بأن أوراقاً خالية من الكتابة قُدمت إليهم للتوقيع، فأسأل من سعادتكم أن تأمروهم بأن يخبرونا عن ماذا يتضمنه هذا الكلام”.[18] ولكن أحداً لم يجب عن كلام البابا ديسقوروس بل تغير الموضوع إلى أمر آخر.

وقد أُثيرت هذه التهمة مرة أخرى في مناسبة لاحقة، فحينما وصلت قراءة وقائع مجمع عام 449م إلى الموقف الذي تم فيه تحديد الأساس اللاهوتي للمجمع بأنه هو “تعليم الآباء”،[19] أدرك الفريق الشرقي أنه سيتعذر عليه الدفاع عن اتهامه لمجمع عام 449م ولذلك صرخ بأن هذا الأمر لم يحدث وأنه جزء من التقرير الذي كُتب على الأوراق البيضاء الخالية.

وعلى الفور سأل ممثلو الإمبراطور “من كتب هذه المحاضر؟”، فأجاب ديسقوروس: “كل واحد كتب بمساعدة الكاتب الموثق الخاص به”، وأكد جوفينال كلمات ديسقوروس وأضاف أن السكرتارية الخاصة به كتبت الوقائع مع الآخرين، وقال ديسقوروس لهم خذوا التقرير الذي كتبه موثق جوفينال أو موثق ثالاسيوس أو ذلك الخاص بأسقف كورنثوس وانظروا إذا كانت تقاريرهم هي نسخة من المحاضر الخاصة بي.*

ومرة أخرى لم يعتد أحد بالنقطة التي قدمها البابا ديسقوروس، بل تطوع ستيفن أسقف أفسس ليخبر المجمع بأنه بينما كانت السكرتارية الخاصة به تدون الوقائع، جاءت سكرتارية ديسقوروس وأخذت منهم الألواح التي كتبوها، ولأنهم كانوا يريدون أن يجعلوها نسخة من التي لديهم فقد مزق سكرتارية ديسقوروس التقرير الخاص بنا، وأكمل ستيفن: “أنا لا أعلم ماذا حدث، ولكن في نفس اليوم، عندما جرى الفحص كانت معنا الأوراق مكتوبة والأساقفة الذين لم يقوموا بالتدوين كتبوا من النسخة الموثقة”.[20]

ومن الغريب واللافت للنظر تماماً أنه طبقاً لهذه الرواية، فإن البابا ديسقوروس لم يقم بملء أوراق بيضاء خالية كان قد جمع عليها التوقيعات، كما جاء في الادعاء الأول، بل أن الكتابة قد تمت بواسطة كتبة الأساقفة الموثقين أنفسهم، أي أن محاضر الجلسات قد تم تدوينها في مجمع أفسس الثاني عام 449م بواسطة الوفود المشاركة، وبنفس الطريقة المعتادة في مجامع العصور الأولى.

ورغم ذلك أحس أسقف دوريليم بالانتصار، حيث تقدم وطلب من مندوبي الإمبراطور أن يُسأل ستيفن عن كيف تم تسجيل وقائع مجمع عام 449م، فأجاب ستيفن أسقف أفسس عن ذلك بقوله: إن ذلك قد تم على أوراق بيضاء خالية، وقد بدأ ملؤها بمجرد صدور حكم العزل. وقد رد البابا ديسقوروس على كل هذه الادعاءات، وختم بقوله: “لندع التقرير الذي بحوزة  ستيفن نفسه يُقرأ، لنرى إذا كنت قد أجبرته على نسخ أي شيء”،[21] ولكن أحداً لم يستجب لما قاله.

ونحن لدينا بعض الأدلة التي تجعلنا نقول أن الأساقفة قد تراجعوا في الواقع عن القصة التي ذكروها بشأن الأوراق الخالية من الكتابة.[22] ولكن حتى بعيداً عن ذلك، فإن هذه القصة تثير لدينا ثلاثة تعليقات:

أولاً، لقد أقر ستيفن ـ كما رأينا ـ أن الوقائع لم تُدون بواسطة البابا ديسقوروس أو موثقيه ولكن بواسطة السكرتارية الخاصة بالأساقفة أنفسهم، ولذلك فالاعتراض الوحيد الذي يمكن أن يكون ضد مجمع عام 449م ـ وفقاً لكلام ستيفن ـ هو أن الأساقفة لم تكن لديهم الحرية ليدوِّنوا وقائع الأحداث المختلفة حسب مشاهدتهم لها، وحتى مثل هذا الادعاء قد أُحبط بطلب البابا ديسقوروس أن تُقارن النسخ المختلفة المتوفرة لوقائع المجمع.

ثانياً: وحتى إذا سلمنا جدلاً بأن هناك شيئاً من الحقيقة وراء هذه القصة، فإن أحداً في الواقع لم يقل أنها تدين البابا ديسقوروس وحده كمرتكب لهذه الجريمة، فبحسب ما قاله ستيفن ـ على سبيل المثال ـ لم تُتخذ قرارات مجمع عام 449م بواسطة البابا ديسقوروس وحده بل اتُخذت بواسطة ديسقوروس وجوفينال وثالاسيوس و’الأساقفة الآخرين‘.

وقد أخبَّر ثيؤدور أيضاً أن هذه القرارات كانت من عمل ’الموقِّعين الأوائل‘ (في ترتيب التوقيع)، ومن هنا يتضح أن الروايات التي جاءت على لسان هؤلاء الأساقفة لم تُثبت تأكيدات مندوبي روما وأسقف دوريليم بأن البابا ديسقوروس كان مهيمناً على المجمع.

ثالثاً: كان يوسابيوس أسقف دوريليم حاضراً مجمع عام 449م، ولكنه لم يذكر قصة الأوراق الخالية من الكتابة في التماسه الذي قُرئ على مجمع خلقيدونية في يوم 8 أكتوبر 451م (اليوم الأول للمجمع)، والذي بدون شك كان هو نفس دعواه التي قدَّمها إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني فور انتهاء أعمال مجمع عام 449م.

إلاّ إنه عاد وذكر تلك القصة كحادثة تمت أمامه بالفعل وذلك في التماسه الثاني الذي قدَّمه يوم 13 أكتوبر 451م، فهل كان على الرجل المفترض أنه شاهد عيان لتلك القصة المزعومة، أن ينتظر أكثر من عامين لكي يسمعها لأول مرة يوم 8 أكتوبر 451م من الرجال الذين وقَّعوا على طومس ليو، ثم يوافق أن يؤيدها؟.

 

[1] لم يكن أوطيخا حاضراً في مجمع خلقيدونية، وفي أغلب الظن أنه كان بعيدا في شمال سوريا حيث كان قد نُفي إلى هناك حتى قبل انعقاد المجمع.

[2] المرجع السابق صفحة 65: 5. قال باسكاسينوس: “لقد تلقينا أوامر من الرجل الرسولي والكلي الطوبى أسقف مدينة روما، الذي هو رأس كل الكنائس، بأن ديسقوروس لا ينبغي أن يكون له مكان في هذا المجمع. وإذا تعدى على هذا الأمر فيجب أن يتم طرده. ونحن ينبغي علينا أن نطيع هذه الوصية، ولهذا فلتأمر عظمتك إما أن يخرج الآن أو أن نرحل نحن”.

[3] المرجع السابق صفحة 65: 9. كانت كلمات كل من باسكاسينوس ولوسينتيوس واضحة، فقد أعطاهم ليو أسقف روما أوامر واضحة بألا يدعوا البابا البطريرك ديسقوروس (كان أسقف الاسكندرية قد أُطلق عليه لقب ’بابا‘ قبل أسقف روما بفترة طويلة) يجلس في المجمع. وكان السبب وراء ذلك كما أكد لوسينتيوس أنه ترأس مجمع عام 449م.

وقال لوسينتيوس إنه بدون موافقة روما الرسمية (أو سماحها) لم يعقد أي مجمع في الماضي، ولن يعقد أي مجمع في المستقبل. وبالفعل كان من المحرج جداً بالنسبة لروما مع كافة مزاعمها البابوية أن تعترف بمجمع عام 449م. ولكن هذا الزعم الذي ذكره مندوب روما لا يمكن الدفاع عنه تاريخياً، فمجمع عام 381م قد عُقد ليس فقط بدون أخذ موافقة روما على عقده ولكن حتى بدون مشاركتها، كما أن مجمع عام 553م كان ضد رغبة روما نفسها.

لذلك فقد كانت كلمات لوسينتيوس تعني بالأكثر تأكيد مزاعم روما في السيادة على كل الكنيسة، وكان هذا قد اتضح من عبارة باسكاسينوس السابقة عن بابا روما أنه “رأس كل الكنائس”.

[4] وفي جعلهم البابا ديسقوروس يغير مكانه قال مندوبو الإمبراطور: “إذا كنت تجلس في موقع القاضي، فلا يجب أن تجادل مثل الذي يُحاكَم”. المرجع السابق صفحة 66: 13.

[5] المرجع السابق صفحة 66: 14.

[6] إن الإدعاء القائل بأن الموقف اللاهوتي لمجمع عام 449م كان هو ذاته تعليم أوطيخا، هو إدعاء ليس له أي أساس. ولكن كان هذا الإدعاء هو نقطة البداية التي بدأ منها مجمع خلقيدونية تحقيقاته.

[7] المرجع السابق صفحة 67: 14-15. ومن الجدير بالذكر أنه لا مندوبي روما ولا يوسابيوس قد قام بإتهام البابا ديسقوروس بالهرطقة. فإذا افترضنا أن أوطيخا كان بالفعل هرطوقياً فإن هذا يعني أن يُتهم البابا ديسقوروس أيضاً بالهرطقة. ومن هنا يمكن للمرء أن يلاحظ أنه كان هناك تجاهل تام للعدالة والحق.

[8] المرجع السابق صفحة 67: 18.

[9] المرجع السابق صفحة 67: 21.

[10] من الواضح أن قادة مجمع خلقيدونية كانوا قد خططوا للقيام بأمرين: أولاً عدم اعتبار قرارات مجمع عام 449م أنها قرارات مجمعية وإعلان أن البابا ديسقوروس كان هو وحده المسئول عنها، وثانياً تجنب أية مناقشات عن طبيعة الإيمان حتى يمكن للقضية الأساسية التي كانت تتطلب إجابة في ذلك الوقت ألا تطرح على الإطلاق (وهي الإختلاف السكندري الأنطاكي). وكان كلا هذين الأمرين في غاية الضرورة حتى يتجنبوا تعرض طومس ليو للفحص والتقييم.

[11] ويتضح من هذا أن مجمع عام 451م لم يحاكم البابا ديسقوروس بتهمة الهرطقة. لأنه كان فقط من الممكن أن يتهمه بالهرطقة إذا أظهر أن قرارات مجمع عام 449م قد تناقضت مع التقليد المستقر للإيمان، وكان ذلك سيستلزم ضرورة التوصل إلى قرار يفصل بين الموقفين اللذين يتبناهما السكندريون والأنطاكيون بعد إعادة الوحدة عام 433م. ولكن كانت هذه المسألة عينها هي التي أراد قادة مجمع عام 451م أن يتجنبوها.

[12] للاطلاع على هذه الأوامر، انظر:  ACO. II, i. pp. 68-69 and 71-74

[13] المرجع السابق صفحة 75: 53.

[14] كان الهدف الرئيسي من وراء هذه القصة هو إثبات أن البابا ديسقوروس كان مسيطراً تماماً على مجمع عام 449م حتى أنه اتخذ قرارات معينة بمفرده لخدمة توجهاته الأوطيخية ثم قام بفرضها على المجمع.

[15] كان سؤال ممثلي الإمبراطور لستيفن: “هل تعامل معك المكرم ديسقوروس بالعنف؟.” انظر المرجع السابق صفحة 75: 59.

[16] كان ستيفن أسقف أفسس بالفعل شخصية مثيرة للاهتمام. وقد كان واحداً من قادة مجمع عام 449م حيث كان يشغل الترتيب السادس بين ممثلي الكنائس هناك. وكان له دور هام (ومتغير) في سير الأحداث وتحقيق المصالح الخاصة.

ففي مجمع عام 449م وعند تأييد قراءة وقائع جلسات مجمع عام 448م، فإنه حتى قبل تقديم طومس ليو كان هو المتكلم الثاني بعد جوفينال (المرجع السابق صفحة 97)؛ وعند تبرئة أوطيخا كان هو المتكلم الثالث بعد جوفينال (المرجع السابق صفحة 182)؛ وعند إدانة فلافيان ويوسابيوس كان هو المتحدث الخامس بعد جوفينال (المرجع السابق صفحة 192)، وفي كل تلك الوقائع السابقة كان جوفينال هو أول المتكلمين.

أما عند التوقيع على قرارات المجمع بعد الجلسة الأولى، فكان ستيفن هو الرابع ـ بعد ديسقوروس وجوفينال ودمنوس ـ في ترتيب الموقعين (المرجع السابق صفحة 194: 1067). وهكذا يتضح أنه كان واحداً من “الموقعين الأوائل” في مجمع عام 449م الذين أشار إليهم ثيؤدور. ولكنه في خلقيدونية، تصرف كما لو لم يحدث شيء من كل ما ذكرناه سابقاً.

ومع هذا فبعد خيانته ’لديسقوروس وجوفينال وثالاسيوس والأساقفة الآخرين‘، شهد مجمع خلقيدونية حادثة يوم 29 أكتوبر تم فيها اتهام ستيفن بأنه تآمر ضد باسانيوس (Basanuis) أسقف أفسس وتسبب في القبض عليه لكي يأخذ كرسي الأسقفية لنفسه، وقد حكم مجمع خلقيدونية بعزل كل من ستيفن وباسانيوس (المرجع السابق صفحة 409 وما بعدها).

ويشير هونيجمان في كتابه (Patristic Studies) صفحة 173، إلى قصة اختلاق ستيفن لأسطورة “السبعة النائمين” لكي يحول إنتباه الناس عن جريمته، ويتجنب إكتشافها. (انظر الفصل الذي يتحدث عن: Stephen and the Seven Sleepers)

[17] ACO. II, i. pp. 67: 62

إن كلام ثيؤدور بأن ” ديسقوروس وجوفينال قدما إليهم أوراقاً بيضاء خالية من الكتابة” هو بالتأكيد إتهام كاذب، لأنهما لو أرادا أن يفعلا ذلك لأشركا أشخاصاً آخرين معهما.

[18] المرجع السابق صفحة 76-77: 65.

[19] المرجع السابق صفحة 87: 123-27.

*  لأنه لو كانت قصة الأوراق الخالية من الكتابة هي قصة صحيحة لكانت كل النسخ التي مع الجميع متطابقة لأنها من أصل واحد، ولكن إذا كان كل موثق يكتب بإسلوبه فستكون النسخ مختلفة رغم إحتوائها على نفس المضمون.

[20] المرجع السابق صفحة 87-88: 130-32.

[21] المرجع السابق صفحة 88: 133.

[22] انظر صفحة .

عزل البابا ديسقوروس وعلاقته بمجمع خلقيدونية ج1

Exit mobile version