المشكلة العالمية لبارت إيرمان- الرد علي بارت إيرمان (الجزء الأول) لمايكل كروجر | ترجمة: نرمين سليم

المشكلة العالمية لبارت إيرمان – الرد علي بارت إيرمان (الجزء الأول)

المشكلة العالمية لبارت إيرمان- الرد علي بارت إيرمان (الجزء الأول)

المشكلة العالمية لبارت إيرمان – الرد علي بارت إيرمان (الجزء الأول)

مايكل كروجر | ترجمة: نرمين سليم

المقالة الأصلية

لقد أنتهيت تواً من المعالجة الرسمية لاخر كتاب لبارت إيرمان، كيف أصبح يسوع رباً- تبجيل واعظ يهودي من الجليل (هاربر وان، 2014)، وسوف تُتاح للإطلاع في موقع Reformation  الأسبوع المقبل أو في غضون ذلك (سوف أقوم بالاخطار بذلك عند التثبيت).

في هذه الاثناء، سوف أبدا بسلسة من المراسلات المدونة للإجابة علي الكتاب الجديد لإيرمان. بعض من تلك المراسلات تُستوحي من المعالجة القادمة والبعض منها يمثل ملاحظات جديدة علي كتابه. يتم تصنيف المراسلة الأولي علي إنها أحدث تصنيف وتختص بالمتناقضات الداخلية المتواجدة في الأراء الخاصة بإيرمان.

بالرغم من أن إيرمان لم يعرض تقييم شامل لرأيه الخاص، إلا أنه من الضروري ملاحظة إنه قدم نفسه ببساطة من خلال الكتاب علي إنه مؤرخ. أدعي إيرمان علي مدي  300 صفحة- الصفحات الزائدة إنه يقوم فقط، إلي حد بعيد، بما يقوم به المؤرخ. لقد أوضح جلياً أن “الإيمان الديني والمعرفة التاريخية هما طريقان مختلفان للـ” المعرفة”” (132) ولقد وضع نفسه بالمُخيم الأخير. لقد وجه إهتمامه فقط بدراسة تلك الأحداث التي “لا تتطلب إيماناً من أجل معرفتها” (132).

هكذا ألتزم إيرمان بدوره كـ”مؤرخ” بتوبيخ أي شخص يريد إدخال أحكام قيمية في المناقشات التاريخية. علي سبيل المثال، صمم إيرمان علي عدم أستخدام بعض المصطلحات مثل “هرطقة” أو “الأرثوذوكسية” حيث أن ذلك يتضمن وجود فئه علي صواب يقيني وأخري مخطئة بيقين، ولا يستطيع المؤرخون إقامة مثل تلك المحاكمات. يحب تجنب تلك المصطلحات كافة حيث أنها “محملة بالقيمية” (319). بالفعل، حسب قوله، “ليس للمورخون مدخل… لما هو صحيح في عيني اللة” (288).

 

وهكذا، إيرمان واضح في أرائه. يتوجب علي المؤرخون أن يكونوا لا تقويميين في تصريحاتهم. عليهم أن لا يصرحوا ما هو الصواب وما هو الخطأ. لماذا؟ لإن المؤرخون، بكونهم مؤرخون، ليس لديهم مدخل إلي تلك التقويمات.

 

لكن، تلك هي النهاية. لقد بدأ إنكشاف الرأي المزعزم لإيرمان. بمجرد أن بدأ في تدوين كتابه حيث وبخ الاخرين من إقحام تقيماتهم الخاصة في المناقشات التاريخية، بدأ هو في إقحام تقيماته. هنا قام بعرض طلبة مفادها شكوي عن اللاخلاقية التي أتصف بها المسحيون الأوائل المدانون بمعاداة السامية – معاداة السامية التي نتجت، وفقاً لمجادلة إيرمان، عن أعتقاد المسيحيون في لاهوت يسوع. الاعتقاد، حسبما يدعي، الذي به تضمينات “مرهبة” (277).

 

في تلك النقطة، مع ذلك، القارئ مُتحير. ألم يكن إيرمان هو ذاك الذي أصر علي أنه ليس من المفترض علي المؤرخين الاهتمام بصحة الأراء التاريخية أو خطئها (مثل أراء المسيحيون حول لاهوت يسوع!)؟ ألم يكن إيرمان هو ذاك الذي أصر علي مهمة المؤرخ في تجنب التصريحات “اللاتقويمية؟ لكن، لم يتردد في عرض تأويله الأخلاقي في نهاية كتابه.

لكن، المشاكل لإيرمان تبدو أعمق. القضية هي ليست فقط أنه فرض قانونه الخاص المعلن للطريقة اللازم  التعامل بها من قبل المؤرخون، القضية الكبري هي التساؤل بالأولي عن الموضع الذي استقي منه المعايير الأخلاقية التي تمثل قناعته. كيف توصل إيرمان إلي أن معادة السامية هي خطئاً؟ وعلي أي أساس دعاها “مرهبة”؟ من أين استقي تلك المعايير الأخلاقية التي أستخدمها؟

في مكان أخر، أكد إيرمان علي القارئ أنه يؤمن بالمعايير الأخلاقية. حيث قال “أنا أؤمن بوجود الخير والشر، وأؤمن بأنه علينا أن نظل في جانب الخير، وأؤمن بأننا لابد وأن نصارع بقوة ضد الشر”(354). بعيدا عن حقيقة أن تلك الأقوال في غير محلها بكتاب يلتزم بشكل مزعوم بمناقشة قضايا تاريخية فقط، من الواضح أن إيرمان لم يشعر بالحاجة إلي التوضيح للقارئ المصادر التي استقي منها تلك المعايير الأخلاقية. ومن الذي قرر ما هو “الخير” و”الشر”؟  بارت إيرمان؟

يبدو أن إيرمان ليس علي دراية بأن مثل تلك الأقوال الأخلاقية بأكملها قد تتطلب فقط بعض أنواع الأسس الفلسفية، وبعض أنواع الأراء التي يمكن أن توفر حساب مقنع للمعايير الأخلاقية، وبعض أنواع الأسس الخاصة بسبب تحديد شئ “صواب” والأخر “خطأ”. ولكن لم يقم إيرمان بذلك التوضيح. في الواقع، أقرب ما توصل إليه هو إخبار القارئ بما هو ليس أساساً للأخلاق: “أنا لا أؤمن بوجود اللة بالسماء ذاك الذي سوف يرسل للكون عن قريب ديان الأرض ليحطم كل قوي الشر” (355).

وهنا لا يبدو أن إيرمان يدرك التباين العميق في أرائه الخاصة. علي أي أساس قام اللاأدري المزعوم بمثل تلك الإدعاءات الاخلاقية الشاملة عن الخير والشر، عن الصواب والخطأ، عن ما يحبه اللة أو ما لا يحبه؟ كيف عرف إيرمان أن اللة لم يأتي ليدين الأرض؟ حينما يأتي الوقت للقيام بتلك الإعلانات الأخلاقية والدينية، يبدو أن إيرمان علي قناعة تامة للاسترسال في موقفة اللاإدري.

لم ينوه إيرمان عن بعض الأسباب سوي التي أقروها أقرنائه عن الأخلاق (ولو إنه لم يذكر أن تلك هي أراؤه)، مثل “نستطيع أن نجد أعظم إنجاز ذاتي في الحياة ولذلك نستطيع ان ننموا معاً كمجتمع علي المدي البعيد” (355). لكن، تلك ليست أساسيات للحقائق الأخلاقية المطلقة- قد توضح السلوك ولكنها لا تظهر صواب السلوك أو خطأه. هناك شيئاً ليس بالصواب ولا بالخطأ بسبب إنه يقود إلي الإنجاز الشخصي. قد يتصور البعض أنه إنجاز شخصي في تعذيب الأطفال الصغار، ولكن هذا التصورلا يجعل هذا الفعل “صواباً”.

 

من سخرية القدر، إنه من الأراء السائدة المقررة بأن إيرمان يسخر من وينتقد- المسيحية الإنجيلية- التي تقم بتزويد أساسيات للأخلاق. يؤمن المسيحيون بأن أساس المعايير الأخلاقية يكمن في شخصية اللة ذاته، خالق الكون، ويدعي المسيحيون إنهم يعرفون اللة من خلال كلمته المدونة بالإنجيل. وبالطبع، رفض إيرمان ذلك الإدعاء، ولكن ذلك يخطئ الهدف بالتمام. في حال أن هناك شخص ينوي إقامة إدعاءات أخلاقية، يبدو ذلك مقبولاً للعقل بالأكثر إذا ما أتيت من شخص يؤمن بأن تلك الإدعاءات تدخل إلي أفكار اللة ذاته فيما يتعلق بالأمر، بدلاً إنها تأتي من شخص يعرض فقط اللاأدرية.

الأن من المفترض أن إيرمان كان من الممكن أن يتجنب تلك الورطة بأكملها بقوله إنه لا يؤمن تماماً بالفعل في الحقائق الأخلاقية المطلقة، دون عرضه فقط بما يخص مفاضلاته الاخلاقية الشخصية. نعم، بالضبط. لكن، لم يكن لدي إيرمان أساساً لقوله الأولي”إني أؤمن بوجود الخير والشر”. بدلاً من ذلك، كان يتوجب عليه قول “لا وجود للخير والشر، فقط رأي شخصي”. وفي حال أن يقوم إيرمان بعرض رأيه الشخصي فقط، لم يعد له أساس ذو معني للأعتراض علي معادة السامية. ليس من الممكن أن يصرح بأن ذلك صواب بالفعل-   ولكن كل ما يستطيع قوله أنه لا يقبل ذلك بصفة شخصية.

ختاماً، يُعد الرأي السائد لإيرمان بلبلة فلسفية. لقد وبخ إيرمان الأخرين لإهتمامهم بالأقوال الخالية من القيمية، ثم يقم بعرض أقواله الخاصة. لقد أدعي الإيمان بوجود الخير والشر، ولكنه لم يوضح أبداً من أين أستقي تلك المعايير الأخلاقية. لقد أقام إدعاءات ساحقة عن كيفية عدم وجود اللة الذي سيدين العالم بينما الإدعاء طوال الوقت يقود إلي كونه لاأدري. لقد أدان المسيحين لكونهم معاديين للسامية، ولكنه لم يوضح بالأولي سبب كون معادة السامية خطئاً.

يعترف اللاأدري الحقيقي بإنه ليس لديه أي شئ يختص بمناقشة وجود اللة والأخلاق، والخير والشر. بالفعل، يعترف اللاأدري الحقيقي بأحتمال كون العقيدة المسيحية صائبة. بعد كل هذا، وفقاً للأدري، من يعلم؟

علم الأثار والعهد الجديد | ترجمة نرمين سليم

علم الأثار والعهد الجديد | ترجمة نرمين سليم

علم الأثار والعهد الجديد

هناك عديد من المناقشات الحالية بين العلماء حول الدقة التاريخية للإنجيل. فالبعض يراه عمل أسطوري ويجب قراءته على إنه أحد أعمال الأساطير الأدبية. والأخرون يرونه عمل تاريخي دقيق مُوحي به من الله. ويلعب علم الأثار دوراً هاماً في موثوقية الإنجيل. في المقال السابق، قمنا بمناقشة التأكيدات الأثرية الخاصة بالعهد القديم. وفي هذا المقال، نحن بصدد التطلع إلى الاكتشافات الأثرية التي تدلل على دقة العهد الجديد. هناك العديد من الدلائل خارج الإنجيل التي تؤكد الرواية حول يسوع كما هو مكتوب عنه في الأناجيل.

من الضروري إدراك إنه، رغم ذلك، غير واقعي الإعتماد على علم الاثار في تدعيم كل الأماكن والأحداث الخاصة بالعهد الجديد. رؤيتنا هي البحث عن الدلائل الموجودة ومعاينة أي منها يتوافق مع العهد الجديد وأيها لا يتوافق.

 

التأكيد التاريخي على مصداقية يسوع

الدليل الأول الوارد بالأناجيل الأربعة الذي، بأنفسهم، تم إثبات صحته. أيضاً هناك العديد من الشهود خارج النص الإنجيلي1. سجل المؤرخ اليهودي يوسيفوس(37- 100م) تاريخ الشعب اليهودي بفلسطين من سنة 70م حتي 100م. في الأثار الخاصة بأعماله، صرح بالتالي:

في غضون هذا الوقت كان يسوع، الرجل الحكيم، إن كان يحلّ لي أن أدعوه رجلاً، لأنه عمل أعمالاً عجيبة، وعلَّم تعاليم قَبِلها أتباعه بسرور، فجذب لنفسه كثيرين من اليهود والأمم. إنه المسيح. وعندما حكم بيلاطس عليه بالصلب، بناءً على طلب قادة شعبنا، لم يتركه أتباعه، لأنه ظهر لهم حياً بعد اليوم الثالث، كما سبق للأنبياء القديسين أن تنبأوا عن هذا وعن عشرة ألاف من الأشياء العجيبة الأخرى عنه. أما الطائفة التي تبعته فهي طائفة المسيحيين الموجودين إلى يومنا هذا2 . (هُناك خلاف على أصالة بعض المقاطِع مثل “إنهُ المسيح” وغيرها –فريق اللاهوت الدفاعي)

بالرغم من إنه ذكر يسوع بأسلوب تهكمي، أكد يوسيفوس على عدة حقائق عن قيام يسوع بالعديد من المعجزات العظيمة، وجذب من تبعوه، وصلبه، وإعلان إنه قام حياً في اليوم الثالث.

كتب بلينيوس الأصغر، حاكم ولاية بيثونيا بجنوب غرب تركيا، في رسالته إلي الأمبراطور ترايانوس في 112 م كالتالي:

لقد جرت العادة أن يتقابلوا في يوم محدد قبل بزوغ النور، حينها ينشدون التراتيل للمسيح وكأنها لإله وعهدوا على أنفسهم أن لا يرتكبوا أي جريمة ، لكن يمتنعوا عن كل غش ونهب وزنا، وأن لا يحنثوا بالوعد أبداً، أو خذل الثقة حينما يُدعون لمراعتها، وكانت العادة لديهم بعد ذلك أن يفترقوا، ثم يجتمعون مرة أخري لليتقاسموا الطعام، لكنه نوع عادي وبرئ.  

من أحد أهم المؤرخين الرومان هو تاسيتس. في 115م، قام بتسجيل إضطهاد نيرون للمسحيين، وفي هذا كتب التالي:

المسيح، الذي أشتقت من اسمه المسيحية،  تلقي عقوبة متناهية القسوة اثناء ولاية تيبريوس على يد حاكمنا، بيلاطس البنطي، أعظم أسطورة مؤذية، ذلك وبالتالي فقد بحث عن الحياة الوقتية، وتفشي ليس فقط في اليهودية،… لكن حتي في روما. 3

 

هناك أكثر من 39 مصدر خارج الإنجيل يشهد بصحة أكثر من مائة حقيقة تتعلق بحياة يسوع وتعاليمه.

 

صحة الأناجيل:

يقر علم الأثار صحة الأناجيل. حيث أن العديد من أسماء المدن اليهودية والأحداث والأشخاص المذكورين في الأناجيل لازالوا قائمين حتي الأن. ونذكر هنا بعض الأمثلة:

ذكرت الأناجيل أربعة مدن ساحلية مجاورة وعامرة بالسكان بمحاذاة بحر الجليل: كفر ناحوم، وبيت صيدا، وكورزين، ،وطبرية. قام يسوع بالعديد من المعجزات في الثلاث مدن الأولي. وبالرغم من هذا الإثبات، إلا أن تلك المدن رفضت يسوع لذلك لعنهم في (متي 11: 20- 24، ولوقا 10: 12- 16). أختفت تلك المدن مؤخراً من التاريخ وظلت أماكنها مجهوله لعدة قرون. وزوالهم كان بمثابة إتماماً للتوبيخ النبوي ليسوع.

مؤخراً فقط أكتشف علم الأثار الأماكن المحتملة لتلك المدن. من المعتقد أن تكون “تل حوم” هي كفرناحوم. (“تل” تعني أرض هضبية أو مرتفعة التي أرتفعت نتيجة للتكرار وإعادة البناء على المدي الطويل بذات المكان. ويمكن العثور على عديد من الطبقات للحضارات من خلال الطبقات المختلفة). لازالت الأماكن الخاصة ببيت صيدا وكورزين غير مؤكدة، لكن من المعتقد أن الموقع الحالي لبيت صيدا هوعلي المرتفع على مسافة 1.5 ميلاً جنوب حافة شاطئ الجليل، بينما يقع تل كيربت كيرزاة على بعد 2.5 ميلاً جنوب غرب كفر ناحوم، ومن المتوقع أن تكون تلك هي كورزين.

ذكر الإصحاح الثاني من إنجيل متي أن يسوع وُلد في وقت ولاية هيرودس. وعند سماع أن هناك ملك قد وُلد، أمتلك الرعب هيرودس وأمر بقتل كل الأطفال من أبن سنتين فما دون. وتتفق مذبحة الأطفال التي قام بها هيرودس مع الحقائق التاريخية التي توصف شخصيته. لقد ساور الشك هيرودس من جهه أي شخص يمكن أن يأخذ منه المُلك. تضم قائمة ضحاياه واحدة من زوجاته العشر، تلك التي كانت المفضلة لديه، وتضم القائمة أيضاً ثلاثة من أولاده، وكبير كهنة، والملك السابق، وأثنان من أزواج إخواته. هكذا، الصورة الوحشية التي تم وصفها في إنجيل متي تتفق مع ما وصفه التاريخ القديم.  

أُثبتت صحة أنجيل يوحنا في المكتشفات القديمة. في يو5: 1-15 شفي يسوع رجل مضطجع على بركة “بيت حسدا”. وصف يوحنا أن البركة لها خمسة أروقة. ظل النزاع طويلاً حول هذا المكان لوقت قريب. حيث أكتشف علم الأثار بركة بعمق أربعين قدماً ذات خمسة أروقة، وتماشي وصف المنطقة المحيطة مع وصف يوحنا. ذُكر في يو9: 7 مكان أخر ظل النزاع طويلاً حوله، وهو بركة سلوام. تم إكتشاف تلك البركة أيضاً سنة 1897، وذلك تأييداً لصحة ما كتبه يوحنا.

تم إكتشاف الدليل على وجود بيلاطس البنطي، الحاكم الذي رأس محاكمة يسوع، في قيصرية مارتيما. في عام 1961، أكتشف المؤوخ الإيطالي أنطونيو فرافو قطعة من لوح حجري كان يُستخدم وقت الاكتشاف كجزء من السلَّم المؤدي إلى مسرح قيصرية. وكان النقش باللغة اللاتينية واشتمل على عبارة، “بيلاطس البنطي” الأمثل في اليهودية الذي كرس لشعب قيصرية معبد تكريماً لطيباروس”. هذا المعبد تم تكريسه للإمبراطور طيباروس الذي أمتطي الحكم من عام 1437 ق.م. وهذا يتلائم زمنياً تماماً مع العهد الجديد الذي سجل أن بيلاطس كان نائباً للحكم منذ عام 2636 ق.م. أكد أيضاً تاسيتس، مؤرخ روماني في القرن الأول، تعريف العهد الجديد ببيلاطس.”المسيح، الذي أُشتقت من اسمه المسيحية،  تلقي عقوبة متناهية القسوة اثناء ولاية تيبريوس على يد حاكمنا، بيلاطس البنطي….”

 

إثباتات الصلب

وصفت الأربعة أناجيل بأكملها بالتفصيل صلب المسيح. دلل علم الأثار على تصويرهم الدقيق لتلك الممارسات الرومانية. في عام 1968، تم إكتشاف مقبرة بمدينة أورشليم تحوي 35 جثة. مات كل منهم بميتة شنعاء التي يعتقد المؤرخين إنها نتيجة إشتراكهم في الثورة اليهودية ضد الرومان عام 70م.

تم التعرف بواسطة النقش على واحداً منهم وهو يوهان بن هاجلول. حددت دراسات العظام التي أجراها متخصصون بالعظام وأطباء تابعين لمدرسة هداش الطبية أن ذلك الرجل كان يبلغ من العمر ثمانية وعشرون عاماً، وطوله خمسة أقدام وستة بوصات ولديه بعض العيوب الوجهية الطفيفة الناتجة عن فلح يميني بسقف الحلق.

ما أثبته علماء الأثار أن هناك أدلة على أن ذلك الرجل صُلب بطريقة تشابة صلب المسيح. وتم ثقب قدميه بمسمار طوله سبعة بوصات ، اللاتان ألتفتا لذا لم يتم التمكن من دق المسمار بداخل وتر العرقوب.

أكتشف علماء الأثار أيضاً أن هناك مسامير دُقت في سواعده السفلية. وكان الضحية يضطر لرفع جسده وخفضه ليتمكن من التنفس. وحتي يقوم بذلك، كان يحتاج لدفع قدماه المثقوبتان ويرتفع بذراعيه. تهتك ذراعي يوهان من الأعلي، مما يدلل على حدوث تلك الحركة.   

يسجل يوحنا أنه في سبيل الإسراع بموت الأسير، كانوا يقومون الجلادون بكسر سيقان الضحية لذلك لا يستطيع رفع جسده بدفع قدميه (19: 31-33). وجدت ساقي يوهان مكسورتان نتيجة للضربة، حيث تم كسرهما من تحت الركبة. تحدثنا مخطوطات البحر الميت عن أن كلاً من اليهود والرومان يبغضون الصلب بسبب قسوته وإذلاله. تؤكد المخطوطات أيضاً أن الصلب كان عقاب للعبيد وأي شخص يتحدي القوات الحاكمة في روما. وهذا يوضح سبب إختيار بيلاطس عقوبة الصلب ليسوع.

فيما يتعلق بالصلب، وجدت قطعة حجرية في عام 1878 في الناصرة بها قراراً من الإمبراطور كلوديوس الذي أمتطي الحكم منذ عام 4154. ذلك القرار يمنع إفساد المقابر أو إزالة الأجساد منها. العقاب في القرارات الاخري كان فرض غرامة لكن ذلك القرار مختص بتهديد الموت ويأتي قريباً جداً من وقت القيامة. ومن المحتمل أن يكون ذلك بسبب معاصرة كلاديوس للإضطرابات عام 49م. لقد سمع بالفعل عن القيامة من الأموات ولم يريد وقوع أي أحداث مشابهة. من المحتمل إنه تم عمل هذا القرار فيما يتعلق ببشارة الرسل بقيامة يسوع من بين الأموات والمجادلات اليهودية حول سرقة جسد يسوع.

كتب المؤرخ ثالوس في عام 52م. بالرغم من عدم تواجد نصوص له، أُقتبس عمله من قبل يوليوس أفريكانوس في عمله، الكونوغراف. أستشاهداً بثالوس عن صلب المسيح، أقر أفريكانوس التالي، “غطى الظلام العالم بأكمله، و الصخور تشققت بفعل زلزال، والعديد من الأماكن في اليهودية ومناطق أخرى طرحوا واندثروا ” 4 دعي ثالوس تلك الظلمة، “إنه من الغريب حدوث كسوف الشمس”.5

كافة الإكتشافات متوافقة مع تفاصيل قصة الصلب كما كُتبت بالأناجيل. تلك الحقائق تدعم بطريقة غير مباشرة القصص الإنجيلية عن صلب يسوع والقبر الفارغ.

 

الدقة التاريخية للوقا:

في فترة من الوقت بالماضي، لم يروا العلماء دقة القصص التاريخية التي كتبها لوقا بإنجيله وسفر أعمال الرسل. حيث لم يظهر هناك أي دليل على العديد من المدن والأشخاص والأماكن التي ذكرها لوقا بأعماله. رغم ذلك، أظهرت المحاولات بعلم الأثار الدقة التاريخية البالغة للوقا وأن كتابيه اللذان كتبهما لازالوا يعمل بهما التاريخ كوثائق دقيقة.

 واحد من أعظم علماء الأثار هو الراحل السير ويليام رامزي. درس في واحدة من المدارس التاريخية الألمانية المتحررة الشهيرة في منتصف القرن التاسع عشر. كان مشهوراً بإطلاعه، تلك المدرسة كانت تُعلم بأن العهد الجديد لا يُعد وثيقة تاريخية. مع ذلك الإفتراض، تحقق رامزي من الإدعاءات الإنجيلية حيث أجري بحثاً في أسيا الصغري. وما أكتشفه جعله يعكس رؤيته الأولي. وكتب:   

لقد بدأت بفكر معارض لذلك[سفر أعمال الرسل]، نظراً للمهارة والإكتمال الواضح لنظرية توبينغين التي أقتنعت بها تماماً في وقت ما.  لم يأتي بي وقت في حياتي وفحصت به بإسهاب ذلك الموضوع، ولكنني وجدت نفسي مؤخراً متواصل مع كتاب أعمال الرسل كوثيقة لعلم التضاريس والأثار ومجتمع أسيا الصغري. لقد تولد داخلي تدريجياً إنه وفقاً لتفاصيل متنوعة أن الروائي يظهر حقائق معجزية. 6

ظهرت دقة لوقا من خلال حقيقة إنه أسمي المناطق التاريخية الرئيسية في الوقت المناسب وكذلك الألقاب الصحيحة لمسئولي الحكومة بمناطق متنوعة: سالونيك: حكام المدينة، وأفسس: الحكام، قبرص: الحكام، ومالطة: الرجل الأول بالجزيرة.

في إعلان لوقا عن خدمة يسوع (لوقا3: 1)، ذكر “ليسانيوس رئيس الربع على الأبلية”. تساءل العلماء عن مصداقية لوقا حيث أن ليسانيوس كان هو المعروف لعدة قرون كحاكم لخالكيس بدءاً من 4036 ق.م. رغم ذلك، وُجد هناك نقش يرجع تاريخه إلي عصر طيباريوس، الذي أمتطي الحكم من عام 1437م، يسجل تكريس معبد بأسم ليسانيوس “كرئيس الربع على الأبلية” بالقرب من دمشق. وهذا يتوافق مع ما كتبه لوقا.

في أع18: 12- 17، أُتي ببولس أمام غاليون، والي أخائية. يؤكد علم الأثار للمرة الثانية على ما كتبه لوقا. في دلفي، تم إكتشاف تدوين خطاب من الإمبراطور كلاديوس. حيث كتب به “يونيوس غاليون صديقي وقنصل اخائية…” 7   يرجع المؤرخون ذلك التدوين إلي عام 52م. الذي يتوافق مع إقامة الرسول عام 51م.

في أع19: 22 و رو 16: 23، أرسطوس، خادم بولس، الذي دُعي خازن المدينة الكورنثية. أكتشف علماء الأثار نقش عند التنقيب على المسرح الكورونثي في عام 1928.  فيه “أرسطوس في عودته إلي  تعينه في المكتب العام، قام بالتنسيق لرصف الطريق على نفقته الخاصة”. تم الرصف في عام 50م. يوصف لقب الخازن العمل الذي يقوم به المكتب العام الكورنثي.  

في أع28: 7، أعطي لوقا بوبليوس، مقدم جزيرة مالطة، لقب “الرجل الأول بالجزيرة”. لقد تساءل العلماء عن ذلك اللقب الغريب وأنه يبدو غير تاريخي. ولقد أُكتشفت مؤخراً مخطوطات عن الجزيرة توضح بالفعل أن بوبليوس لُقب بـ “الرجل الأول”.

“في الإجمال، ذكر لوقا أثنين وثلاثون أسم بلدة، وأربع وخمسون مدينة، وتسع جزائر بدون أي خطأ” 8 كتب أ.ن شروين- وايت، “بالنسبة لأعمال الرسل فإن التأكيد على صحة الوقائع التاريخية هو ساحقاً… أي محاولة لرفض صحة الوقائع التاريخية الأساسية لأعمال الرسل تبدو عبثاُ. لقد أعتبره المؤرخون الرومانيون امراً مُسلم به”. 9

كفن تورينو

ذكرت الأناجيل إنه بعد الصلب أُخذوا يسوع ولفوه بقماش طويل من الكتان ووضعوه بالقبر (متي 27: 59). يسجل يوحنا إنه عندما دخل بطرس القبر الفارغ، وجد الأكفان ملفوفة بعناية وحدها بعد موضع رقاد المسيح (20: 6-7).

كفن من الكتان يُسمي كفن تورينو، وفقا لما اعلنه الفاتيكان ، يُقال بإنه كان كساء الكفن. يبلغ طوله 14.25 قدم وعرضه 3.5 قدم. يوجد عليها صورة معاصم وكواحل مثقوبة يُعتقد إنها للمسيح.

الكفن في 1977. أجري فريق دولي من علماء ذوي جنسيات سويسرية وأمريكية وإيطالية دراسة على الكفن لمدة خمسة أيام في رويال سافوي بالاس في تورين. لقد استخدموا جهاز يبلغ وزنه 6طن ويُقدر بـ2.5 مليون دولار في إجراء هذا البحث. ويعد ذلك واحداً من أكثر الأدوات المستخدمة في الدراسة طوال الوقت.

لم تحدد الدراسة ثبوت صحة القماش . أثبتت التجارب التابعة أن الصورة بها دم وأيضاً أراجونيت، نوع خاص من كربونات الكالسيوم كان موجود بالكهوف في أورشليم في القرن الأول. وجد الباحث في علم الجريمة السويسري ماكس فيري ثمانية وأربعون من حبوب اللقاح، سبعة منهم يأتون من النباتات التي تُزرع بفلسطين. كان نسيج الكساء من القماش المضلع المتعرج ، ذاك النوع كان موجوداً الأزمنة القديمة.

رغم أن تلك المكتشفات تدعم ثبوت صحة الكفن، تم إجراء اختبارات على المكتشفات الاخري. في 1987، تم إختبار الكفن بكربون 14 للتحقق من تاريخه. قامت المعامل في أوكسفورد وزيورخ وجامعة أريزونا بإجراء إختبارات على الكساء. دللت النتائج على أن الكساء عمره إلي القرن الرابع عشر. هناك استمرار لمنافسة تلك النتيجة ومن المؤكد إجراء اختبارت مستقبلاً. هناك مشكلة أخري أن عملات مصكوكة من بيلاطس البنطي كانت فوق العينين بالصورة. لم تكن هذه عادة يهودية، ولا يبدو أن يوسف الرامي أو نيقيديموس وضعا عملات فوق عيني يسوع تحمل صورة القائد الذي قام بمحاكمته.

بالرغم من تاريخ القرن الرابع عشر، لم يتمكن العلماء بعد من شرح كيفية تكون تلك الصورة السلبية (النيجاتيف) . يبقي الكفن غامضاً كما إنه يُعد درساً لنا كمؤمنين بأن لا نعلق إيماننا بمسائل غامضة.

ملحوظات

 

See “Authority of the Bible“.

Josephus, Book 18, Chapter 3:3

Tacitus,Annals, 15.44

Julius Africanus,Chronography, 18:1.

Ibid.

William Ramsay,St. Paul the Traveler and the Roman Citizen(Grand Rapids, MI: Baker Books, 1982), 8. 

John McRay,Archaeology and the New Testament(Grand Rapids, MI.: Baker Books, 1991), 227. 

Norman Geisler,Baker Encyclopedia of Apologetics(Grand Rapids, MI.: Baker Books, 1999), 47. 

A. N. Sherwin-White,Roman Society and Roman Law in the New Testament(Oxford: Clarendon Press, 1963), 189.

علم الأثار والعهد الجديد | ترجمة نرمين سليم

Exit mobile version