معاقبة مريم ومجد موسى – العظة السابعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد

معاقبة مريم ومجد موسى – العظة السابعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد

معاقبة مريم ومجد موسى – العظة السابعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد

معاقبة مريم ومجد موسى – الجواسيس في كنعان

حادث مريم: المعنى الحرفي:

1ـ يقول الرسول ” هذه الأمور جميعها أصابتهم مثالاً وكتبت لإنذارنا” (1كو10: 11)، إذًا أبحث عن الإنذار المستخرج من الدرس الذي سبق أن قُرئ “هارون ومريم احتقرا موسى” ولهذا الحادث قد عوقبا، حتى أن مريم أصيبت بالبرص وهذا العقاب له أهمية كبرى لأنه على مدى الأسبوع الذي كانت مريم فيه مصابة بالبرص كان شعب الله لا يتابع رحلته نحو أرض الموعد وخيمة الاجتماع لم تنتقل من مكانها (انظر عد 12: 10).

 

الدرس الروحي: ضد الإدانة:

التعليم الأول التي استخرجه منه: تعليم نافع وضروري، هو أنه لا يجب أن ” تحتقر أخاك” (مز50: 20)، أو قريبك، ولا تفتح فاك لتشتم، أني لا أقول فقط عن القديسين لكن أي من كان، عندما أرى مقدار غضب الله ومقدار الانتقام الذي وقعّه. ففي المزامير نرى أن الله يغضب بنفس الطريقة ضد هذه الخطية عندما يقول ” تجلس تتكلم على أخيك ولابن أمك تضع معثرة” (مز50: 20)، وأيضًا في مزمور أخر نتعلم أن هذا يحزن الله فوق كل شئ إذ يقول: ” الذي يغتاب صاحبه سرًا هذا أقطعه” (مز101: 5).

          بمساعدة كل هذه الوصايا من الكتاب المقدس “ كمثل سيف ذو حدين” (رؤ1: 16)، اقطعوا هذه الرذيلة، نتجنب أن ندين وكل من يتكلم بالسوء على أخيه يصاب بالبرص.

 

المعنى السري: النمامون ضد موسى

          ليس اليهود فقط هم الذين احتقروا موسى بل الهراطقة أيضًا، الذين لم يقبلوا الشريعة والأنبياء، فمن عاداتهم أن يتهموه بقولهم أن موسى كان قاتلاً لأنه قتل المصري. يطعنونه هو والأنبياء بتجاديف أخرى فاضحة بسبب هذه الانتقادات، أصيبوا بالبرص في نفوسهم، اصبحوا برصًا في الإنسان الداخلي ولهذا السبب قد “طردوا من المحلة”، من الكنيسة، إذًا الهراطقة الذين يسبّون موسى، وكذلك أعضاء الكنيسة الذين يحتقرون اخوتهم ويدينونهم، هم بدون شك يصابون بالبرص في أنفسهم.

بشفاعة هارون الكاهن الأكبر شفيت مريم في اليوم السابع، لكن نحن إذًا أصبنا بالبرص في أنفسنا بسبب الدينونة، سنظل برصاء ودنسين حتى آخر الأسبوع من هذا العالم[1]. أي ليوم القيامة إن لم نصلح أنفسنا في زمن التوبة بأن نرجع بأنفسنا إلى الرب يسوع ونتضرع له ونطهر من البرص بالتوبة.

 

المفسرون الجسديون

          لكن في رأيي أنه ليس شعب الشريعة القديمة ولا الهراطقة فقط هم الذين يحتقرون موسى، بل أيضًا كل مفسر يفهم كتب موسى بطريقة سيئة، والذي يفهم هذه الشريعة جسدانيًا يسبّ موسى بأن يستخرج من كلام الروح تعاليم جسدية. هل سمعتم أي حكم، أي لوم يصيب الشتامين والنمامين؟ اسمع الآن ما هي الفوائد التي يحصل عليها الذين يعاب في حقهم، لم نجد الله مطلقًا يمدح موسى خادمه بمدح هذا مقداره إلا عندما أُهين موسى.

 

مديح خاص لموسى

          2 ـ إذا فلنسمع المديح الذي منحه الروح القدس لموسى، يقول الكتاب المقدس ” نزل الرب في عامود سحاب ووقف في باب الخيمة، ودعا هرون ومريم فخرجا كلاهما، فقال لهما:

اسمعا كلامي إن كان منكم نبي للرب، فبالرؤيا استعلن له. في الحلم أكلمه وأما خادمي موسى فليس هكذا، بل هو أمين في كل بيتي فما إلى فم، وعيانًا أتكلم معه لا بألغاز. وشبه الرب يعاين فلماذا لا تخشيان أن تتكلما على عبدي موسى؟ فحمى غضب الرب عليهما ومضى. فلما ارتفعت السحابة عن الخيمة إذا مريم برصاء كالثلج” (عد12: 5ـ10)، فلننظر أي عقاب قد جلب على النمامين وأي مديح قد استحقه ذلك الذي انتقدوه، لهما الخجل، وله الكرامة، لهما البرص وله المجد، لهما الخزي وله العظمة، هذا ما قد حصل عليه.

 

ألغاز وحقائق

لكن قبل أن يتزوج موسى المرأة الكوشية لم يكتب بأن الله كلم موسى ” بالحقائق وليس بالألغاز” (عد12: 8)، لكن عندما تزوجها، حينئذ قال الله “فما إلى فم وعيانًا أتكلم معه لا بالألغاز” حقًا أخيرًا عندما آتي موسى إلينا، واتحد بكوشية[2]، حينئذ انتهى إعلان شريعة الله لنا على شكل أمثال وصور بل في اكتمال الحقائق. فالذي كان يعلن أولاً “بالألغاز” أصبح يتم واقعيًا وحقًا.

لذلك يقول مفسر الحقائق السرية بأمثال “ نعلم أن آباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة وجميعهم اجتازوا في البحر وجميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر، وجميعهم أكلوا طعامًا واحدًا روحيًا وجميعهم شربوا شرابًا واحدًا روحيًا لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح” (1كو 10: 1ـ 4). إنك ترى كيف فسر بولس الرسول غوامض الشريعة وعلم الحقائق التي تضمنتها، إنه يقول إن الصخرة كانت بالرمز عندما قبل موسى أن يتحد بالمرأة الكوشية التي تمثلنا، وأن الصخرة الآن إنما هي بالحقيقة المسيح، لأن الله الآن يتكلم في الشريعة فما لفم.

قديمًا كانت المعمودية بالرمز في السحابة وفي البحر، والآن الميلاد الثاني يتم بالحقيقة بالماء والروح القدس. في القديم كان المن طعامًا بالرمز والآن جسد كلمة الله هو الطعام الحقيقي كما يثبت ذلك من كلام الله:  ” جسدي مآكل حق ودمي مشرب حق” (يو6: 55). لأجل ذلك، الآن أنتقل إلينا موسى وتزوج من الكوشية فلا يكلمنا بعد بالألغاز بل بالحقيقة.

 

موسى رأي مجد الرب

          أضاف الله أيضًا: ” أنه يعاين مجد الرب“، متى رأى موسى مجد الرب؟ أقول عندما ظهر موسى مع الرب على الجبل كان بجانب الرب مع إيليا، وكانا يتكلمان معه. لهذا السبب يمكن للرب أن يضيف بعد ذلك ” وكيف لم تخشوا أن تتكلموا على عبدي موسى؟” وذلك موجه حقًا إلى الذين يبدو عليهم أنهم قبلوا الإنجيل ولكنهم يهينون موسى، فإنهم يستحقون تمامًا هذا العتاب.

فرغم أنهم قد تعلموا بالإنجيل أن موسى قد رأى مع إيليا مجد الرب، فإنهم بجسارتهم يهينون الشريعة والأنبياء. لا نحتقر إذن موسى ولا نهين الشريعة عالمين ليس فقط أن نسمع الشريعة، لكن أيضًا أن نعمل بها، حتى نستحق أن ” نشترك في تمجيد موسى”.

 

يجب شرح الشريعة

          لكن في رأيي يوجد أيضًا مجال لإهانة موسى، مثلاً عند قراءة سفر اللاويين أو العدد دون إيضاح كيف يجب أن نفهم بالحقيقة ما تحويه هذه الأسفار من رموز، أي عندما لا تشرح دروس الشريعة روحيًا. حيث إنه أمر خطير أن الذين يسمعون في الكنيسة قراءة طقوس التقدمات وشرائع السبت.. الخ يكونون في خطر أن يتعثروا وأن يقولوا: ما أهمية قراءة ذلك في الكنيسة؟ وماذا تفيدنا تعاليم اليهودية والمراسيم لشعب ذليل؟ أنها أعمال اليهود.

وعلى اليهود أن ينشغلوا بها. فلكي نجنب السامعين مثل هذه العثرة، يجب الاهتمام بمعرفة الشريعة، مع وضع هذه الفكرة كأساس وهي أن “الشريعة روحية” (رو7: 14)، ولكي تفهم كل الدروس ولئلا بسبب خطأ المعلمين وبتكاسلهم وبإهمالهم، يقوم الجهلاء ويهينون موسى وبالعكس  ” فلنرجع إلى الرب ويرفع عنا برقع“، الحرف (2كو3: 16) حتى أن وجه موسى بدلاً من أن يظهر كريه المنظر يبدو ممجدًا وجميلاً، وبدلاً من أن نهينه نقدم له الاحترام والتمجيد لعظمة أفكاره.

 

سحابة الروح وبرص الخطية

          ” فحمى غضب الرب عليهما ومضيا، فلما ارتفعت السحابة عن الخيمة إذا مريم برصاء كالثلج” (عد12: 9ـ10)، غضب الرب وقع على المجدفين والنمامين. لكن الكتاب المقدس يقول ” السحابة عندما، ارتفعت عن الخيمة إذا مريم برصاء كالثلج” يجب أن ننتبه لهذه الواقعة بأن السحابة ارتفعت أولاً وبعد ذلك تسلط البرص على مريم، وهذا لكي يتضح أنه إذا كان أحد حاصلاً على الروح القدس ويحتقر ويدين فالروح يرتفع عنه بعد الإدانة. والبرص يتسلط على روحه.

لقد حصل الشعب القديم على نعمة الله لكن بعد أن جدف على موسى الحقيقي ربنا يسوع المسيح ارتفعت عنه السحابة وانتقلت إلينا، وعندما تجلى سيدنا على جبل مرتفع، وإذا ” سحابة نيرة قد ظللت تلاميذه وصوت من السحابة قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (مت17: 1؛ مر 9: 2).

          فإنه بعد ذلك أصبحت مريم برصاء، بيضاء كالثلج، فمادامت السحابة موجودة، لا تكون مريم برصاء لكن أصبحت برصاء عندما ارتفعت السحابة عنها. ولما كان الشعب في حضرة الله لم يكن أبرصًا لكن عندما ابتعد عن الله، غطى الخجل وجهه فلنخشَ إذًا لئلا تبتعد عنا السحابة بواسطة كلامنا السيئ وأعمالنا الدنسة وأفكارنا النجسة، حيث أن برص الخطية يظهر فينا عندما تتركنا نعمة الله.

 

السقط: الشعب اليهودي:

          3ـ ” فالتفت هارون إلى مريم وإذا هي برصاء فقال هارون لموسى، أسألك يا سيدي لا تجعل علينا الخطية التي حمقنا وأخطأنا بها. فلا تكن كالميت الذي يكون عند خروجه من رحم أمه قد أكل نصف لحمه” (عد12: 1ـ12)، الكتاب المقدس يريد أن يبين أن الشعب القديم قد تكون في رحم أمه ـ أي المجمع ـ لكن لم يستطع أن تكتمل ولادته، كذلك حقًا أن السقط هو ناتج غير تام ومشوه، هكذا هذا الشعب قد مكث بعض الوقت في رحم أمه.

أي في مدرسة مجامع اليهودية، لكن بسبب خطاياه لم يستطع أن يحصل على شكله الكامل وأن يدخل في الحياة، لذلك رُفِضَ السقط غير الكامل لأن الخطية أكلت نصف لحمه، كما يقول الكتاب المقدس.

 

كلمة ”سقط” بالمعنى الحسي :

          يحدث رغم ذلك أحيانًا أن كلمة سقط تؤخذ بمعنى طيب أنه جيد أن نقارنها مع أشياء أخرى كما يقول الجامعة “سقط خير منه”. خير من ” الذي يتقدم نحو الباطل ويسير في الظلمات” (جا6: 3؛ 9: 4). لا يقصد سفر الجامعة أن السقط يكون جيدًا بالمعنى المطلق لكنه أفضل من حياة قضيت في الباطل وفي الظلمات وفي الجهل. أنه مقارنة بين أمرين.

 

حياة وموت :

          والواقع أن سفر الجامعة يقول أيضًا في موضع آخر أن “ الأموات أفضل من الأحياء” (جا7: 1). وإذا قارنا السقط بالأحياء سنقول بأنه أفضل منهم. فإذا فحصنا من هم الأحياء ومن هم الأموات، وإذا فهمنا أن السقط أفضل منهم على أنه لم يتذوق بداية حياة هذا العالم، سندرك الدرجات المقصودة من هذه المقارنة، لاحظ أن سفر الجامعة يدعو الأحياء أولئك الذين قيل عنهم في المزمور “ إنما نفخة كل إنسان قد جعل” (مز 39: 5)، إذًا كل إنسان أي الإنسان الذي هو نفخة عابرة فالسقط أفضل منه، حيث إن كل حياة مغموسة في الباطل.

أي أن الحياة حسب الجسد وحسب الغواية، وملذات الأموات هي حياة الباطل، فالذي مات عن هذه الحياة، هو أفضل منه، ويستطيع أن يقول “ العالم قد صلب ليَّ وأنا للعالم” (غل6: 14). لقد قيل عنه “متم مع المسيح”. هؤلاء الأموات أفضل من الأحياء لكن يوضع فوقهم السقط الذي قد جاء شبه جسد، لكنه لم يبدأ بأنه يتعلق بأباطيل هذه الحياة، مع ذلك فسفر الجامعة يتكلم أيضًا عن آخر أفضل من السقط كما يبدو من قوله: ” وخير من كليهما الذي لم يولد بعد” (جا4: 3).

بمعنى الذي لم يمر بسجن الرحم وبالميلاد الجسدي أما عن كلمة الجامعة نفسها ” غبطت أنا الأموات الذين قد ماتوا منذ زمان أكثر من الأحياء الذين هم عائشون بعد” (جا4: 2)، فيتضح أن الذين ماتوا عن العالم هم أفضل، ويعلن أن الذين يعيشون بحسب هذا العالم هم أدنى منهم.

وبالمعنى الحرفي كيف يكون الأموات مغبوطين أكثر من الأحياء؟ يغبط شخص ما عامة لحسن نيته، أما الموت بالمعنى العام، فهو لا يأتي من الإرادة ولا من الاختيار الواعي فكيف نكون مستحقين للغبطة عن أمر يأتي ضد إرادتنا؟ إذًا يجب أن يغبط فرعون ملك مصر الذي غرق في البحر أكثر من موسى الذي خرج من البحر حيًا، والمصريون أكثر من شعب الله الذي عبر وسط البحر بأرجل غير مبللة؟ لا تفهم الأمر كذلك، أعلم بأنه يجب أن تغتبط بأنك مت عندما يمكنك أن تقول:

قد صلبت مع المسيح فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيًّ” (غل2: 9ـ20)، إذا كنت قد زهدت العالم، وطرحت الرذائل، إذًا بدلاً من أن تتجه نحو الخطية، تكون أنت قد مت عنها، وتكون أفضل من الذي يعيش للخطية وموتك يكون مستحقًا للمدح حيث لا أحد يمدح على الموت الطبيعي الذي نعانيه نتيجة القوانين الطبيعية.

 

عودة إلى الشعب اليهودي

          هذه العودة كانت ضرورية بالنسبة للنص الذي فيه يقول كلام الله أن مريم بسبب إدانتها لموسى وبطريقة العقاب قد أصبحت “سقط”.

          كان يجب أن نوضح بأنه يوجد نوع جيد ونوع ردئ من السقط، حيث يقول الرسول أن في الرتب التي سبق أن قلناها توجد رتبة للسقط مستحقة للمديح إذ قال عن نفسه “وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا” (1كو15: 8)، مريم إذن ” أصبحت مثل السقط” (عد12:12)، حقًا هذا الشعب لم يستطيع أن يصل إلى الكمال بالشريعة كما يؤكده بولس ” الناموس لم يكمل شيئًا” (عب7: 19)، وأخيرًا يقول الرسول أيضًا عن البعض “سقط” في الإيمان، وهم الذين كان يعلمهم لكي يوصلهم للولادة الكاملة “ يا أولادي الذين أتمحض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم” (فى4: 19).

 

شفاعة موسى :

          4 ـ ” وصرخ موسى إلى الرب قائلاً: اللهم اشفها” (عد12: 12)، من هو الشخص المناسب لكي يصلي للرب لأجل شفاء هذا الشعب إلا موسى؟ موسى يصلي لأجله فإنه ربما لأجل هذا كان يتحدث مع الرب يسوع المسيح وقت التجلي، لكي يطلب من السيد الرب أنه حينما يدخل ملء الأمم حينئذ يخلص جميع إسرائيل.

 

عقاب مريم والشعب اليهودي

          فقال الرب لموسى ” لو بصق أبوها بصقًا في وجهها أما كانت تخجل 7 أيام وتحجز 7 أيام خارج المحلة وبعد ذلك ترجع” (عد12: 14)، ماذا يعني لو بصق أبوها بصقًا في وجهها ستغطي بالخجل لمدة سبعة أيام؟

          لقد أوضحنا أن مريم تمثل جماعة اليهود[3]، أبوها قد بصق في وجهها، البصق في الوجه هو علامة التخلي حيث قد كتب في الناموس بشأن إجبار الأكثر قرابة أن يتزوج أرملة قريبة فإن رفض الأكثر قربًا من الأهل الزواج يصير مخلوع النعل ويقبل “البصق في الوجه”. لدينا أيضًا معنى مخصص للبصق في نص إشعياء النبي     

كل الأمم كنقطة من دلو تحسب مثل البصاق” (إش40: 15)، هذا يبين أن هذا الشعب قد رفض مثل الأمم الأخرى التي حسبت مثل البصاق، وبالحقيقة إذا اعتبرنا عظمة هذا الشعب السابقة عندما كانت عنده رتبة الكاهن الأعظم وعلامات الكهنوت وخدمة اللاويين وجلال الهيكل ووقار النبوة، عندما كان هذا الشعب يتمتع على الأرض بالامتيازات السماوية، أي شرف وأي مجد؟

وإذا نظرنا له الآن وهو في الرعب والذلة، محروم من الهيكل والمذبح، من الذبائح والأنبياء ومن الكهنوت، وبالتالي محروم من كل حضرة إلهية مشتتًا في كل الأرض، وعائشًا في المنفى، كيف لا نعرف أن أبوه قد بصق في وجهه وغطى وجهه بالخجل؟ مريم قد منعت من دخول المحلة خلال سبعة أيام. لقد سبق أن قلنا إن السبعة أيام هذه تمثل هذا العالم، فأنه في سبعة أيام قد ظهرت كل أجناس الخليقة المرئية وُجِدَ الذي لم يكن موجودًا، لكن في أسبوع هذا العالم يطور الله بتدبير سري ومعروف لديه وحده محتوى الخليقة الأولى.

وفي أسبوع برص مريم لن ينتقل أبناء إسرائيل من محلتهم ومكثوا محبوسين في نفس المكان ولم يحصل أي تقدم لديهم “حتى تطهرت مريم من البرص” (عد12: 15).

 

مرحلة اهتداء اليهود مستقبلاً

          5 ـ ” بعد ذلك ارتحل الشعب من حضيروت ونزلوا في برية فاران” (عد12: 16)، حضيروت، تعني مساكن كاملة، ارتحل الشعب إذن عندما طهرت مريم من البرص ووصلوا إلى فاران التي تعني الفم المرئي.

تستطيع أن تفهم كما يبدو لي معنى هذا الفم المرئي بالقول: “ الكلمة صار جسدًا” (يو1: 14)، أي الغير مرئي أصبح مرئيًا، وهذا يعني أنه عندما تأتي نهاية كل شئ وكماله مما سيحدث لهذا الشعب أنه ينتقل ويأتي إلى الكلمة الذي صار جسدًا والذي لم يكن قد اعترف به من قبل.

 

قصة الجواسيس

ثم كلم الرب موسى قائلاً أرسل رجالاً ليتجسسوا أرض كنعان التي أنا معطيها لبني إسرائيل” (عد13: 1ـ2)، وفي باقي القصة إذًا أن الجواسيس عند عودتهم من مهمتهم أبلغوا أن الأرض جيدة وعجيبة لكن الشعب الساكن في الأرض هم بني العمالقة، لكن يشوع “يسوع” لم ييأس من هذا بل شجع إيمان الشعب باتفاق مع كالب الذي هو من سبط يهوذا وقالا ” إن سر بنا الرب يدخلنا إلى هذه الارض” (عد14: 8).

 

معنى آخر لطرد الأبالسة من أرض الموعد

          ما هو المعنى لهذه الكورة، هذه الأرض المقدسة الجيدة لكن سكانها من غير المؤمنين؟ من هم هؤلاء الأعداء الذين يسكنون كورة القديسين؟ بأي معنى يجب أن يطردوا حتى يحل محلهم القديسون؟ لنرجع للأناجيل، لنرجع إلى الرسول. 

          إن الأناجيل وعدت القديسين ” بملكوت السموات“(مت2)، والرسول يقول “ فإن سيرتنا نحن هي في السموات” (في13: 20)، إذًا الميراث الموعود للقديسين هو في السموات. ولماذا لم يكن بهذه الكورة التي وعدنا بها الآن، سكان يجب أن نطردهم؟ وكيف يستطيع السيد الرب أن يقول إن “من أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السموات يغتصب والغاصبون يختطفونه” (مت11: 15)، حقًا إذا لم يوجد من نقاومه، أو من نطرده فكيف يقال أن ” ملكوت السموات يغتصب؟” وإذا لم يوجد خصوم لمقاومتهم ولقهرهم فلماذا قال الرسول:

إن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف6: 1)، كذلك يجب أن نطبق عليهم الكلام الذي قال النبي الموحي به ” لأنه قد روى في السموات سيفي” (إش34: 5). إذًا الأرواح الشريرة التي هي في رأي بولس تتجول في السماويات هم الكنعانيون الحقيقيون الذين يجب أن تقهرهم ويطردوا من السماويات حتى تسكن مكانهم.

          اعلم بأنهم “عمالقة” ومعنى عمالقة في الكتاب المقدس، هم كل من يقاوم الله. إذن هم كل من يعاند الله ويخالف الحق. وذلك هو أهم نشاط للعمالقة، فهو يحمل اسم عملاق بجدارة، فأنت تدخل الملكوت بعدما تقهرهم.

ألم يكن مكتوبًا عن أحدهم “هل تسلب من الجبار غنيمة؟” (إش49: 24)، هذا أيضًا ما يشرحه كلام الرب في الإنجيل ” لا أحد يستطيع أن يدخل القوى وينهب أمتعته إن لم يربط القوي أولاً” (مت12: 29). ولو أن كبرياءه قد طرده من قبل من المسكن السماوي إلا أنه يشترط أن تقهره حتى تدخل في بيت القوي، ولا يكفي أن تقهره بل يجب أن تربطه، إن لم يربط فلن تكون رحلتنا في ملء الأمان في الوقت الحاضر.

          فإذا قارنا بين الطبيعة البشرية وطبيعة الأبالسة سنجد أنفسنا جراد وهم عمالقة وبالأخص إذا كان إيماننا متذبذبًا إذا كان إيماننا الضعيف يجعلنا نرجع للخلف فسيكونون هم حقًا جبابرة ونحن جراد. لكن إذا تبعنا يسوع (يشوع) إذا آمنا بكلامه، وإذا نحن امتلأنا من إيمانه فسيصيرون كلا شئ أمامنا، اسمع كيف يقوى الله اليهود ” إن سر بنا الرب يدخلنا إلى هذه الأرض”، لأنها جيدة جدًا وثمارها عجيبة.

لقد سبق الله وأعطى لآبائنا الرمز والشبه وأما الحقيقة فقد اكتملت لنا. لقد طردوا الأمم وأخذوا ميراثهم، إنهم قد تسلطوا على كل اليهودية وعلى مدينة أورشليم وجبل صهيون وهذا ما قد فعلوه. وأما نحن فماذا يقول لنا الكتاب المقدس ” قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة” (عب12: 22)، وفي موضع آخر يقول الرسول أيضًا “ أورشليم العليا التي أمنا جميعًا” (في4: 26).

          وإذا لم نسمع بالإيمان من الرسول عندما يتكلم عن أورشليم السماوية حينئذ يمكن أن يرفض كلامنا بل يجب أن نصدق بولس الرسول، ونعتقد بوجود أورشليم سماوية، التي ترمز لها المدينة الأرضية ونحن ننسب إلى المدينة السماوية ما هو مكتوب عن أورشليم الأرضية.

إذن نحن قد اقتربنا على حسب بولس الرسول من أورشليم السماوية، وبدون أي شك أيضًا من اليهودية السماوية، لقد طرد العبرانيون الكنعانيين من المدينة الأرضية والفرزيين والحثيين والأمم الأخرى. فنحن الذين قد أتينا إلى جبل الله وإلى ملكوت السماوات يجب علينا أن نطرد القوات المضادة يجب علينا أن نطرد   “ أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف6: 13).

          والعبرانيون قد طردوا اليبوسيين من أورشليم والمدينة التي كانت تدعى يبوس دعيت بعد ذلك أورشليم، نحن بالمثل يجب علينا أن نطرد بأي طريقة اليبوسيين من أورشليم ونتسلط على ميراثهم، لكن العبرانيين كانوا يستخدمون أسلحة مرئية أما نحن فأسلحتنا غير مرئية هم حصلوا على النصر في معارك جسدية ونحن ننتصر في المعارك الروحية.

 

بولس الرسول قائد الكفاح الروحي

          هل تريد أن تعلم أن بولس الرسول ليس هو فقط معلم الأمم لكن أيضًا قائد لهذه الحملة الروحية فكيف يتقدمنا في هذه المعرفة؟ اسمع ما قد كتبه عن نفسه “ إن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف 6: 12).

          لهذا السبب جمع المحاربين لهذا الكفاح الروحي وغير المرئي، بأسلحة روحية وسهام غير مرئية ويقول “اثبتوا ممنطقين أحقاءكم بالحق لابسين درع البر وحاذيين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام حاملين فوق الكل ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة وخذوا خوذة الخلاص وسيف الروح الذي هو كلمة الله” (أف 6: 14ـ 17).

 

يسوع رئيس الكفاح الروحي

          مع هذه الأسلحة ومع يسوع (يشوع) كقائد، لا تخف من الجبابرة، وسترى كيف أن الرب يسوع المسيح سيخضعهم لك، ومثلما داس آباؤنا رقاب الأمم فسندوس رقاب الشياطين.

يسوع بنفسه يقول حقًا للذين اقتربوا منه ويتبعونه بإخلاص: “ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو” (لو10: 19)، يسوع يريد في كل مرة أن يعمل معجزات أنه يريد قهر الجبابرة بواسطة الجراد وأن يظفر بواسطة سكان الأرض على ” أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف6: 12) ربما هذا ما كان يسوع يعنيه في الأناجيل عندما قال ” من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو ويعمل أعظم منها” (يو14: 12)، هذا يبدو لي شئ عظيم جدًا حقًا.

إن الإنسان سوف يقهر الجبابرة وفرق الأبالسة ورغم أن المسيح هو المنتصر فينا، إلا أنه يفضل أن ينتصر بنا وينسب النصر لنا من أن ينتصر بذاته وحده.

 

لنطرح عنا الشياطين

إذن لنكن دائمًا مسلحين بهذه الأسلحة ولتكن سيرتنا نحن هي دائمًا في السموات، كل مشاعرنا وكل أعمالنا وكل أفكارنا وكل كلامنا لتكن سماوية، كلما نصعد نحو السماويات بعزم كلما يهرب الأبالسة، كلما نزيد نحن ينقصون هم. إذا كانت حياتنا مقدسة وإذا كانت حسب إرادة الله فإن حياتنا هذه تجلب لهم الموت، وإذا كانت حياتنا مرتخية ومائعة فستعطيهم قدرة ضدنا وستجعلهم جبابرة. كلما نمونا في الفضائل كلما صغروا وأصبحوا ضعفاء.

والعكس إذا نحن ضعفنا وبحثنا عن الممتلكات الأرضية فهم يتقوون كلما تملكنا على الأرض كلما تركنا لهم الأماكن السماوية. فلنعمل إذن بالأحرى أن نكبر حتى يصغروا هم، أن ندخل حتى يطردوا هم. لنصعد حتى يسقطوا، كما قال الرب في الإنجيل ” رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء” (لو10: 18). أننا ندوسهم حتى يدخل بنا ربنا يسوع إلى فوق ويؤهلنا للدخول إلى ملكوته في السماء له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

[1] الأسبوع رمز لهذا العالم.

[2] أي الأثيوبية التي تمثلنا وعند فيلون الأثيوبية تمثل الطبيعة البشرية بدون تغيير ونجد هذه الصورة الرمزية لأوريجينوس عند كيرلس الأسكندرى في شرح سفر العدد (باترولوجيا جريكا 69، عمود 596)، ويقول المرأة العبدة أي كنيسة الأمم.

[3] انظر نهاية العظة السادسة.

معاقبة مريم ومجد موسى – العظة السابعة من عظات أوريجانوس على سفر العدد

تنظيم المحلة – العظة الثانية من عظات أوريجانوس على سفر العدد

تنظيم المحلة – العظة الثانية من عظات أوريجانوس على سفر العدد

تنظيم المحلة – العظة الثانية من عظات أوريجانوس على سفر العدد

تنظيم المحلة

          1ـ تعلمنا من الدرس الأول للعدد أن جيش الله، بعد خروجه من مصر وسفره وسط الصحراء، قد فحص، بمعنى أنه أحصى وعد من قبل موسى وهارون ووزع بين الأسباط، وهذا الجيش كان مقدرًا بعدد معين، وقلنا عندما شرحنا هذا التعداد بالنسبة لمشمول الكتاب، بأنه يصف الطريقة التي بها ذهب شعب الله خارجًا من هذا العالم نحو أرض الميعاد، أي نحو أرض السلاطين.

أو نحو مجد ملكوت السموات ونحو حيازته، لقد كان منقادًا حسب بعض التصنيف وحسب درجة الاستحقاق لكل واحد ويوضح ذلك بمراسيم الشريعة وتخطيط “ظل” لمعاني ” الخيرات العتيدة” (عب10: 1).

 

الترتيب بموجب موسى وبولس الرسول

          اليوم يعلمنا الدرس الذي قُرئ بأية طريقة قد نصب خدام الله ترتيب المحلة بواسطة الذين ” لا يختلطون بأمور العالم”. وكلم الرب موسى وهارون قائلاً بأن يجلس بنو إسرائيل في المحلة كل واحد على حسب رتبته، وبحسب رايته، وعلى حسب بيوت آبائهم، وبأن بني إسرائيل “يجلسون قبالة خيمة الاجتماع وحولها”، وبأن كل رجل يتقدم في المحلة على حسب رايته وعلى حسب بيت آبائه” (انظر عد 2: 1ـ 2).

          قال بولس الرسول من ناحيته “وليكن كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب” (1كو14: 40). ألا يبدو بأنه هو نفس روح الله الذي تكلم به موسى؟ وتكلم به بولس الرسول، موسى أمر بأن يسيروا بترتيب في المحلة، وبولس يعطي التعليم لكل شئ بحسب ترتيب في الكنيسة.

موسى الذي كان يخدم الناموس يأمر بأن يحفظ الترتيب في المحلة، بولس الرسول خادم الإنجيل يريد أن يحترم المسيحي الترتيب ليس فقط في أعماله بل وأيضًا في ملابسه. قال أيضًا “ كذلك النساء يزين ذواتهن بلباس الحشمة” (1تي2: 9)، وأختم بأنهما لا يريدان فقط بأن يحفظ الترتيب في تتميم الواجبات وفي الملبس، بل يعنيان أنه يوجد أيضًا ترتيب للنفس، وعلى هذا الترتيب ينطبق النص، كل واحد يتقدم بحسب رتبته.

          هذه الرتبة تعرف خاصة بثمارها، بالأعمال إلاَّ أننا نعرفها أيضًا بعظمة الأفكار حيث إنه كثيرًا ما يحدث بأن شخصًا ما ليس عنده إلا أفكار دنيئة ووضيعة ويتلذذ بالماديات الأرضية، ويصل بحيلة لرتب مرتفعة في الكهنوت أو في منبر المعلمين، وأن شخصًا آخر روحانيًا متحررًا من الانشغالات الأرضية ويستطيع أن يفحص كل شئ “ ولا يحكم فيه من أحد” (كو2: 15)، يشغل أقل رتبة في الكهنوت أو يكون معدودًا مع عامة الشعب، وهذا في نفس الوقت هو احتقار لتعاليم الناموس وتعاليم الإنجيل، ولا يكون هذا العمل بحسب ترتيب.

          ونحن أيضًا إذا كنا منزعجين ومهتمين بالمأكل والمشرب ولا ننشغل إلا بمنافع هذا العالم، إذا كنا لا نعطي لله إلا ساعة أو ساعتين كل يوم في الذهاب إلى الكنيسة للصلاة أو لسماع كلمة من كلام الله إذن نحن نعمل على الأخص لإشباع احتياجاتنا العالمية، ولإرضاء احتياجات المعدة.

وبذلك لا نتمم التعليم الذي يقول “يسير كل واحد على حسب رتبته”، أو التعليم الذي يقول ” وليكن كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب“. فالترتيب الذي وضعه الرب المسيح هو أن ” نطلب أولاً ملكوت الله وبره” (مت6: 33)، وأن نؤمن بأن ” كل هذه سيزيدها الله لنا”، وإن كل إنسان “يسير حسب رتبته”.

          أتعتقد بأن الذين لهم لقب قسوس، الذين يفتخرون بانتسابهم لرتبة الكهنوت، يسيرون على حسب رتبتهم ويعملون كل ما يصلح لرتبتهم؟ على هذا النمط أتعتقد بأن الشمامسة يسيرون على حسب رتبة الشماسية لخدمتهم؟ إذن من أين يأتي ما نسمعه أحيانًا من أناس مجدفين يقولون أنظر هذا الأسقف. هذا القسيس. هذا الشماس؟ ألا يقال كل هذا عندما نشاهد الكاهن أو خادم الله يقصر في واجبات رتبته ويخالف الرتبة الكهنوتية ورتبة اللاويين؟

          ماذا سأقول عن العذارى، وعن النساك، أو عن كل الذين يقومون بخدمة دينية؟ إذا قصروا من جهة الحشمة والاحتشام، والرزانة، ألم يتهمهم موسى في الحال ويقول لهم “ بأن كل رجل يسير على حسب رايته” (عدد2:2)، إذن كل واحد يعرف رايته، بأن يفهم ما يلزم للرتبة التي يشغلها بأن يزن أعماله، وينظم أيضًا كلماته وتصرفاته وأيضًا ملابسه لكي تتفق مع مقتضيات الرتبة التي انتسب إليها، حتى لا نسمع قول الله الذي يقول ” أسمى يجدف عليه بين الأمم بسببكم” (مز36: 20ـ 23).

 

العلامات، درجات الاستحقاق

          2 ـ انظروا من وجهة أخرى ما تعنيه “وعلى حسب رايتة” ومن رأيي أن الرايات هي العلامات التي يتميز بها كل فرد من الأفراد، مثلاً كل الرجال يتشابهون لكن توجد علامة خاصة مميزة لكل واحد، وفي تقاطيع وجهه، في القوام، في الهيئة، في الملبس، وهذه المميزات هي التي تميز بولس عن بطرس. أحيانًا أيضًا ليس من الضروري أن يظهر المرء نفسه لكي نرى العلامة المميزة له.

فمن صوته، من نبرات حنجرته، يُعرف الشخص، وكل واحد يُعرف بعلامة خاصة. خارجًا عن كل رؤية جسدية بنفس الطريقة أعتقد أنه توجد في النفوس علامات مختلفة.

          إحداها: عندها حركات عذبة لذيذة جدًا، ساكنة، هادئة، متساوية. الثانية لها علامات منزعجة، فخورة، خشنة أكثر شدة، أكثر غضبًا. الواحدة يقظة، حكيمة بصيرة واعية، نشطة؛ والأخرى كسولة مسترخية، مهملة، غافلة. والبعض يكون لهم علامات أكثر والآخرون يكونون أقل. ويمكنني التأكيد أنه ربما يوجد اختلاف بين النفوس البشرية كما يوجد اختلاف بين الوجوه مثلما يبينه هذا القول، الذي خطر ببالي من سليمان الحكيم: “ كما الوجوه تختلف عن الآخر كذلك قلوب الناس تختلف” (أم27: 19س).

          ” كل واحد” كما يقول موسى ” يسير على حسب رايته” بمعنى أن الذي له علامات سفلية ودنيئة يسير بأكثر فجر أو أكثر غطرسة والتي لا تناسب علامات روحه. لكي نوضح أيضًا هذا الاختلاف للعلامات، سنضيف هذه المقارنة. كل الذين قد تعلموا القراءة والكتابة يعرفون جيدًا 24 حرفًا، إذًا درسوا أصول الكتابة باليونانية و23 حرفًا إذا درسوها باللاتينية.

أنهم يستخدمون في الكتابة كل ما لديهم للكتابة. ومع هذا فالألفا A في كتابة بطرس تختلف عن الألفا في كتابة بولس. وكذلك سنجد بأن كل رجل يعرف الكتابة له علامات خاصة به في الكتابة لكي ينسخ كل حرف من حروف الهجاء. أيضًا نستطيع التعرف على بعض العلامات وعلى بعض الإشارات لليد التي كتبت حرف الهجاء. فالحرف B واحد، ولكن في تشابه الحروف يسجل اختلاف العلامات.

          لو ظهر لك المثال واضحًا فأنه يمر خلال تحركات العقل ونفوس الذين يكونون وسائل الأعمال، انظر ” الصك المكتوب علينا” (كو2: 14)، وانظر مثلاً كيف أن روح بولس تميل نحو الطهارة، وروح بطرس كذلك. لكن طهارة بولس لها مميزات خاصة به وطهارة بطرس لها مميزات أخرى، حتى لو ظهرت أنها نفس الطهارة وطهارة الواحد تلزم إقماع الجسد “وتستعبده” وقال أيضًا “خوفًا من”[1] فطهارة الآخر لا تخشى ما معناه “خوفًا من” (1كو9: 27).

          كذلك البر له بعض من الخواص لبولس ولبطرس. كذلك الحكمة وكل الفضائل، إذن حتى عند الذين قد ذكرناهم كمثال. توجد اختلافات شخصية مع أن الفضائل هي واحدة من قبل روح الله.

فكل الرجال الآخرين لهم علامات خاصة بهم في شعورهم وفضائلهم، هذا لأن موسى كان ينظر ذلك بطريقة رمزية فكتب في الشريعة “ بأن كل واحد يسير في المحلة على حسب رايته” (عدد2:2).

          لكن يمكن أن يحدث بواسطة الأعمال الحسنة والغيرة أن نعبر من العلامات السفلى إلى العلامات العليا والأكثر عظمة. والواقع إذا فهمنا جيدًا إن كل محتويات الشريعة هي “ ظل الخيرات العتيدة” (عب10: 1)، أي الزمن الذي نترجي فيه حدوث القيامة، وحينئذ تكون لدينا الثقة، خاصة وإذ نحن في الحياة الحاضرة، نشتاق إلى خيرات أفضل بحسب مثال الرسول الذي قال “ ننسى ما هو وراء ونمتد إلى ما هو قدام” (في3: 13).

لكي يمكننا في وقت قيامة الأموات، الذي سيكون فيه اختلاف بين استحقاقات الناس كما ” أن نجمًا يمتاز عن نجم في المجد” (1كو15: 41)، أن ننتقل من العلامات السفلى إلى العلامات العليا والأكثر مجدًا حتى نتساوى مع الكواكب الأكثر بريقًا.

فالطبيعة البشرية يمكن أن تنمو في الحياة حتى نتساوى عند القيامة من الأموات، ليس فقط بمجد النجوم، لكن أيضًا ببهاء الشمس. حيث أنه كتب “حينئذ يضئ الأبرار كالشمس في ملكوت الله” (مت 13: 43)، من هنا يأتي أيضًا الذين كانوا في درجات سفلى الذي يقول عنهم موسى “ بحسب رايته بحسب بيت آبائه” (عدد2:2).

 

العائلات والأبوة

          أما بالنسبة للكلمة ” بحسب بيت آبائه“، نفس الكلمة قد استعملت باليونانية في النص الذي فيه قال الرسول “ بسبب هذا أحنى ركبتي لدى أبي ربنا يسوع المسيح الذي منه تسمى كل عشيرة (أو أبوة) في السموات وعلى الأرض” (أف3: 14ـ15)، الذي يسميه بولس الرسول أبوه يسميه المترجم اللاتيني عائله، لكن الكلمة هي نفسها باليونانية هذه الأبوة (العائلات) التي قد أشار إليها بولس الرسول في السموات. بينما موسى يشير إليها على الأرض.

تحت رموز الشريعة؛ أنه ينصحنا بأن نسير بحسب هذه العائلات حتى نستطيع أن نكون منضمين للأبوة السماوية. يوجد حقًا، كما أعلن بولس الرسول آنفًا، أبوة أو عائلات في السماء بينما يمكن أن نجد الأبوة في نص آخر ما يسميه بولس الرسول “ كنيسة أبكار مكتوبين في السموات” (عب12: 23)، سنكون فيها إذا سرنا بحسب الترتيب، وإذا عملنا كل شئ بلياقة وبحسب ترتيب؛ إن لم يوجد فينا أي شئ مشوش، أي شئ قلق، أي شئ من العار.

إذًا ” سيضيئون كضياء السماء” ونحن سنضئ مثل النجوم ومثل الشمس أيضًا” (دا 12: 3)، في ملكوت الله بفضل المسيح ربنا الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

 

 

[1] أقمع جسدي واستعبده خوفًا من بعد أن أكرز للآخرين أكون أنا مرفوضًا.

تنظيم المحلة – العظة الثانية من عظات أوريجانوس على سفر العدد

مقدمة عامة لعظات أوريجانوس على سفر العدد

مقدمة عامة لعظات أوريجانوس على سفر العدد

مقدمة عامة لعظات أوريجانوس على سفر العدد

         منذ القرن الرابع وشخصية أوريجينوس[1] تحظى باهتمام كبير في الكنيسة فالقديس غريغريوس صانع العجائب يسميه “معلم الكتب المقدسة الأول” والقديس جيروم يرى فيه مثالاً يحتذي به.

          وأثر أوريجينوس واضح في مجالات عديدة مثل محاولة الصلح بين التفسيرين الحرفي والرمزي للأسفار، واعتباره من الممهدين لظهور الرهبنة بما كتب عن علاقة الحب بين النفس وعريسها المسيح وكلامه عن الصلاة. وهو أيضًا المقتني للأخلاق الإنجيلية.

          من هنا جاء اهتمامنا بنشر هذه العظات لأوريجينوس على سفر العدد. قام أوريجينوس بعمل هذه العظات في المدة بين 244 – 249م. وكما نفهم من النص أنه كان يعظ في الكنيسة ومعنى ذلك أنها موجهة لكل الشعب وليس لعدد قليل من التلاميذ.

طريقة أوريجينوس في الوعظ

          نلاحظ أنه لم يكن يجهز عظاته سابقًا في هيئة محاضرات كاملة حول موضوع معين، ولكن كل مرة ينتهي القارئ من قراءة الإنجيل في الكنيسة، كان أوريجينوس يرتجل الكلام عفويًا ومن هنا يأتي الإحساس بأنه يقدم أفكارًا كثيرة لا علاقة لها بالنص الذي يعلق عليه. ولكن هذه هي طريقة التفسير التي كانت سائدة في عصره.

          وهذا لا يمنع أن يحوي الوعظ والتفسير فكرة عامة عن السفر ثم أخذ نقطة أساسية تقوده خلال السفر كله وهذا نراه في بداية تفسيره لإنجيل يوحنا وتفسيره لنشيد الأناشيد.

سفر العدد

          ماذا يمكن أن يقدم لنا سفر العدد، فيبدو أنه لا يحمل نفس الوحدة التي نجدها في سفر اللاويين أو التثنية وليس به أحداث تاريخية عظمى كالتي نراها مثلاً في سفر الخروج. وقليلون هم الذين شرحوا هذا السفر في تقليد الكنيسة.

          أوريجينوس يهدف في عظاته إلى أن يقيم السامع من كسله وإهماله ويلهمه بأفكار سامية لكي يقوده إلى الله بالتوبة أي أن هدف تفسير أوريجينوس هو الرعاية، وخلاص النفوس وبنيانها ولهذا فهو لا يستطرد كثيرًا بل يذهب إلى الهدف مباشرة. ويعتبر العلماء أن عظاته على سفر العدد تصف طريق الخلاص بشكل أعمق ومباشر أكثر من كتاباته الكبيرة مثل “رده على كلسوس” أو كتاب “المبادئ”.

          وإذا استثنينا كتابه عن سفر النشيد فإن أهم ما كتبه أوريجينوس عن اتحاد النفس بالله وأكثرها آثرًا هي العظة 27 على سفر العدد، وهي جزء من عظاته كلها، والتي نقدم منها الأربعة عشر عظة الأولى، في هذا الكتاب وسوف ننشر بإذن الله قريبًا ترجمة باقي العظات في جزء ثاني.

          سفر العدد عند أوريجينوس لا يمثل أحداثًا متفرقة بل يمثل جزءًا من التاريخ الإلهي “تاريخ الخلاص”. وله هدف محدد فهو سرد للرحلة نحو أرض الميعاد أي رحلة النفس، لأن أوريجينوس يطبق كل أحداث العهد القديم على الكنيسة والإنسان المسيحي.

          وهذا التفسير لمسيرة التاريخ الإلهي يختلف عن تفسير فيلون الأسكندرى وبولس الرسول واكليمندس. فبالنسبة لهؤلاء تكون الحادثة الرئيسية بعد الخروج بالشعب من مصر هي إعلان سيناء وإعطاء الوصايا، بينما أوريجينوس يرى أن دخول أرض الميعاد هو الشئ الأساسي (نرى أن الخلاف ليس في جوهر الأمر بل في طريقة رؤيته).

          فسيناء ليست نهاية الرحلة بل هي محطة. والهدف النهائي هو الأردن.. هو أرض الميعاد، وهنا يأخذ تاريخ الخلاص عند أوريجينوس لونًا آخر. فالخروج ليس هروبًا بقدر ما هو ارتحال. فالأرض التي “تخرج لبنًا وعسلاً” تلقى بضوئها على رمال الصحراء… والطريق في سيناء والتوقف فيها ليس إلا محطات.

          سفر العدد يمثل لأوريجينوس سفر الحركة، سفر الرحلة الإلهية، سفر رحيل النفس ومسيرتها نحو الله. وهو أيضًا سفر الصحراء والعنوان العبري للسفر معناه “إلى الصحراء” وهو الأكثر مناسبة.

منهج أوريجينوس التفسيري

          أول خطوة في طريق فهم الأسفار عند أوريجينوس هي التفسير التاريخي أو الحرفي. ولكن أوريجينوس يعتبر أنه لا يليق أن تُحصْر كلمة “الله” في مجرد أحداث وتفاصيل صغيرة سواء تاريخية أو جغرافية بدون أهمية مباشرة لنا. فإذا كان موقف موسى في الصحراء قد تم بناءً على أوامر الرب فهذا تم أيضًا لأجل تعليمنا ولأجل إعدادنا نحن لرحلات خروج أخرى مشابهة لما فعله موسى.

          فالهدف الحقيقي وراء سفر العدد هو رحلة النفس الروحية ومحطاتها المختلفة، أي درجات تصل إليها في نهاية الحياة الروحية والتقدم الذي نحققه خلال هذه الرحلة من خلال الانتقال من مرحلة إلى أخرى.

الظروف الفلسفية واللاهوتية (وقت إلقاء أوريجينوس لعظاته) من 244 إلى 24م.

          هناك مبدأ هام يحسن مراعاته عند دراسة أي نص آبائي يرجع إلى القرون الأولى وهذا المبدأ هو محاولة فهم “كلما أمكن ذلك” الظروف التاريخية والاحتياجات الروحية التي صاحبت بل ونقول أدت إلى ولادة هذا النص. وعدم بذل هذه المحاولة سيؤدي بنا إلى عزل النص عن بيئته مع ما في ذلك من خطورة إسقاط مفاهيمنا عليه أو فهمه فهمًا جزئيًا وربما أدخلنا النص في جدل معاصر لم يكن أصلاً في ذهن الكاتب حينما عالج موضوعه، من النص بعض الفقرات التي تبرر تعليمًا خاصًا لا يتفق وكل الفكر الآبائي والكنسي.

تحول مفاجئ أم نمو متدرج

          هذا السؤال لا يعتبر سؤالاً جديدًا فلقد حاولت الفلسفات القديمة أن تعالجه. هناك فلسفة كانت ترى أنه يجب الاختيار بين طريق الحكمة وطريق الجنون وليس هناك خيار أو درجات في هذا. وهم يرون الحياة عبارة عن تحول بالحكمة إلى عقل خالص، وليس نموًا هادئًا من درجة لأخرى وهذه هي الفلسفة الرواقية.

          هذا لا يلغي أن الرواقيين قد آمنوا بجدوى التعليم ولجأوا إلى إدخال فكرة التعليم والنمو التي هي فكرة أفلاطونية.

في المناخ الفكري الأسكندرى في القرن الثالث بعد الميلاد كانت نظرية التقدم الأخلاقي درجة بعد أخرى هي الأكثر شيوعًا وهذا بفضل فيلون الأسكندرى وأفلوطين المصري. ولكن لم يكن هناك بعد نظام متجانس وواضح.

الفكر المسيحي

          عاش الفكر المسيحي في القرون الأولى تطورًا مماثلاً، وقد أخذ طريقًا غير طريق الفلسفة. فقد كان لا يميل إلى عدم التركيز على الثنائيات، فرغم أن مثل حبة الحنطة والخميرة التي تخمر العجين يوضحان طريقًا تربويًا متدرجًا. إلا أن معظم صور العهد الجديد وأمثاله تتجه نحو القطيعة مع الماضي والبداية من جديد، أي يجب أن “تبيع كل ما تملك” أو “أحمل صليبك” أو حقيقة فكرة الولادة من فوق. أو فكرة الطريقين في كتاب (الديداكي).

إن مسيحي القرون الأولى كانوا مشغولين بتغيير الحياة أكثر من النمو التدريجي، ونلاحظ أن الرسول بولس يقبل الفروق الفردية بين المؤمنين في الكنيسة من جهة النمو التدريجي (1كو 3 : 1ـ 3؛ أف 4 : 13ـ 16)، ويرى (دي لوباك) عالم الآباء الفرنسي أن أساس التمييز بين مراحل النمو الروحي عند أوريجينوس موجود عند الرسول بولس.

          ولكن نلاحظ أن خبرة الرسول بولس الشخصية وطريق دمشق تحركان أفكاره. وهو يفكر عن طريق المتضادات، الإيمان أو الناموس، الإنسان الجديد أو الإنسان العتيق، المسيح أو العالم.

          فما يعنيه هو نشر الإيمان والتحول للمسيح وانسكاب المواهب على الكنائس التي أسسها. والذي يهمه بالدرجة الأولى هو الدخول إلى الإيمان بحسم وجدية وبعد ذلك يحتاج الإنسان إلى الصبر انتظارًا للمجيء الثاني.

تربية الله للبشرية

          ولكن في القرن الثالث لم تكن خبرة طريق دمشق هي المنهج السائد لسببين:

أولاً: تأخر المجيء الذي كان متوقعًا وتكلم إيرينيوس عن منهج الله في تربية البشرية وبداية لاهوت التشبه بالله، فالمسيحي يبدأ غير كامل ثم ينمو.

ثانيًا: إن المسيحيين لم يعودوا هم المتحولين من الوثنية بل مولودين من أسر مسيحية. بما يعنيه ذلك من ضرورة تبني منهج التربية الأسرية وتسليم الإيمان، والتدرج في فهم أسرار الإيمان وهذا جعل المسيحيين يفهمون أن الروح يعمل ببطء أكثر من يوم الخمسين.

وأوريجينوس هو مثال لطفل مولود في أسرة مسيحية ولهذا كان يجب تعميق فكرة الولادة الروحية عند بولس وهناك ثمر للحياة في المسيح…

          وهنا ظهرت فكرة النمو الروحي ودرجاته في الكنيسة وظهر هذا المنهج أولاً عند إيرينئوس ووجد صدى عند أكليمنضس وأوريجينوس. فأفلاطون وبسودنيوس وفيلون كانوا يؤكدون الخبرة المسيحية.

أوريجينوس ودرجات النمو الروحي

          في هذا المناخ اللاهوتي والفلسفي كان أوريجينوس يعلم في الكنيسة. وعند أوريجينوس يكون النمو في الدرجات الروحية لا يخص فقط المؤمن في الكنيسة، بل إن كل التاريخ ومراحله هو رمز للمسيح. ففي تاريخ إسرائيل في أدق تفاصيله نرى المسيح متجسدًا.

وإسرائيل الجديد هو الكنيسة، وتاريخ إسرائيل يخص أيضًا كل نفس. فإسرائيل والمسيح والكنيسة وأورشليم السمائية والإنسان الباطن هي ملامح كثيرة لواقع واحد، ولا يمكن تناول إحدى هذه الملامح بدون الإشارة إلى الأخرى، ولهذا فكل ما كتبه عن إسرائيل يمثل إلى جانب المعنى التاريخي بعدًا نبويًا ينطبق على المسيح والكنيسة. وبعدًا اسخاتولوجيًا يعلن الدهر الآتي، وبعدًا داخليًا يعلن النسك والأسرار.

ولهذا فأوريجينوس يوظف كل هذه المعاني في شرحه، فهو ينتقل من المعنى التاريخي إلى المعنى النبوي أو إلى الأسرار والنسك الشخصي، أو ينتقل من الكلام عن الكنيسة إلى النفس الإنسانية لأن الكنيسة والنفس عند أوريجينوس هما وجهان لحقيقة واحدة.

          وهذا ينطبق على فكرة أوريجينوس عن درجات النمو الروحي فكل شئ عنده درجات. وهذا نلاحظه من أول صفحات سفر العدد، أنه اتجاه عزيز على نفس أوريجينوس. فإسرائيل عُزِلَ من الأمم ولكنه أي إسرائيل يمثل درجة في معاملات الله مع البشر، ولكنه يحمل نظامًا متميزًا وهو اللاويين. اختلاف أعداد القبائل عند أوريجينوس هو درجات الكرامة، درجات القرابة في الميراث، درجات الطقوس في العهد القديم.

          العظات على سفر العدد تقدم لنا مفتاح روحانية أوريجينوس. السفر هو سفر الصحراء والهجرة والترحال، وقد صار هذا السفر عند أوريجينوس هو أتون التجارب والتنقية للمرور من درجة روحية إلى درجة أعلى فهو سفر المسيرة نحو الله.

ما هي ملامح هذه الروحانية؟

1 ـ الإيمان هو للضعفاء، الذين بالإيمان بالمسيح المصلوب يخلصون.

2 ـ الأعمال: النسك بكل درجاته وهي عبارة عن الجهاد والنمو وتعلم العفة والفضائل والتوبة عن الخطايا والاتضاع ورفض المظاهر. وهناك من يجاهدون ليس عن أنفسهم فقط بل عن آخرين.

3 ـ القداسة: القديسون يختارون من بين المجاهدين بالأعمال، والقداسة ليست هي حالة عدم الخطية ولكنها تقديم الإرادة والنية “proairesis”. القديس لا يختلف عن الآخرين إلا في أنه في موقع مختلف، فهو مفرز، لقد ترك كل ماله… وشئون الدنيا ليتكرس لله بالكامل، وهذا هو تعريف القديس عند أوريجينوس.

ولكنه أحيانًا يستعمل تعبير قديس كمرادف للفظ كامل… هناك ترابط بين الاثنين… القداسة هي التجرد الكامل، والقديس يصير قديسًا بممارسة القداسة… فنحن ندعو طلبة الطب أطباء وطلبة الفلسفة فلاسفة قبل أن ينتهوا من دراستهم وطالبوا القداسة يدعون قديسين حتى ولو لم يكونوا قد وصلوا إلى نهاية طريق القداسة. يكفي أن عندهم النية الداخلية وقد خطوا الخطوات الأولى، والكمال يأتي بعد ذلك.

4 ـ الكمال: أوريجينوس يستعمل هذه الكلمة كثيرًا وهي لا تعني غياب الخطأ أو العصمة بل تعني الذي أنهى عملاً. فالكمال هو الهدف النهائي، الكمال هو رؤية الله، والكمال يستلزم المعرفة إلى جانب الأعمال.

5 ـ المعرفة: المعرفة هي الجزء الأساسي من الروحانية عند أوريجينوس… حتى ولو لم يستعمل اللفظ علانية، فكل مرة يتحدث عن الحكمة أو عن الأسرار أو الإعلان الإلهي، فهو يتحدث عن المعرفة ورغم أن هذا العلم أو المعرفة لا يعني المعرفة بمعناها المعاصر الآن إلا أنها تشتمل على جانب “اقتناء المعارف”: المعارف الدنيوية والثقافة والطب والفلسفة من ناحية، ومن الناحية الأخرى المعارف الكنسية أي معرفة تراث الكنيسة والكتب المقدسة والبحث في التقليد العبراني وقراءة مؤلفات علماء المسيحية الأوائل وحتى كتب الهراطقة ينصح أوريجينوس بقراءتها.

ونحن نعرف أن أوريجينوس كان يلزم تلاميذه بعمل دراسات ثقافية وفلسفية ضخمة. ودراسات موسوعية لكي يعدهم للتأمل في الكتب المقدسة، فرغم أن معرفة علوم الدنيا وثقافاتها تعتبر في نظر أوريجينوس كعلوم إعدادية إلا أنها لا يمكن الاستغناء عنها لفهم الإيمان.

          أما عن العلم في ذاته فهو عند أوريجينوس يعني اقتناء حقائق إلهية. مثل أن الله غير مادي، وحدة العهدين، حضور اللوغوس في كل الخليقة.

          العلم عند أوريجينوس يرتبط بنظرته للإنسان. فالإنسان ليس عقلاً خالصًا كما يقول “كانتKant” والذكاء هو أقرب إلى الحدس “Intuition”.

          فالذكاء عند الأقدمين يفترض الحرية من الأوجاع “Apathia” وبدون العفة لا يوجد ذكاء. والعفة مرتبطة بالحب. والحب لا ينفصل عن الصلاة وتقديم الذات لله.

إسرائيل والإسرائيليون في تفسير أوريجينوس

          كان أوريجينوس مثله مثل كل آباء الكنيسة في القرون الأولى يفسرون كلمة إسرائيل والإسرائيليين بحسب النظرة الروحية الدينية المحضة. ولهذا فهم يقارنون بين الإيمان بالله وقوة عمله في التاريخ كما أعلنت في العهد القديم وبين الألوهية المشوهة في الديانات الوثنية عند اليونانيين أو المصريين وغيرهم من شعوب الشرق، والتي كانت تخلط بين الله وصور المخلوقات.

ولذلك نجد أوريجينوس في هذه العظات يتحدث عن الإسرائيلي دون أن يكون هناك تحديد عنصري أو عرقي أو أي معنى سياسي بل يطبق كل ما هو في سفر العدد على المؤمنين في العهد الجديد والذين ليسوا من إسرائيل بحسب الجسد. لأن إسرائيل بحسب الرسول بولس وآباء الكنيسة هي كنيسة المسيح وهي شعب الله الحقيقي. ولا تزال الكنيسة الأرثوذكسية حتى الآن تلتزم بهذا التفسير.

وقد أعلنه بابا وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر قداسة البابا شنودة الثالث في خطابه الجامع بنقابة الصحفيين عام 1968 عن “المسيحية وإسرائيل” وفي يوم 5 ديسمبر 1971 والذي نشر في كتاب بنفس العنوان.

الترجمة الفرنسية لعظات سفر العدد

          تمت ترجمة هذه العظات في السلسلة الفرنسية لنصوص الآباء “Sources Chretiennes” (المصادر المسيحية) المجلد رقـم (29) المنشور في باريس سنة 1951. وهذه الترجمة الفرنسية ترجمت عن النص اللاتيني الذي ترجمه الراهب روفينوس عن الأصل اليوناني سنة410م.

الترجمة العربية لهذه العظات

          قام أحد أصدقاء “مركز دراسات الآباء” بترجمة هذه العظات الأربعة عشر عن الفرنسية، وتولى المركز مراجعتها وحاول ضبطها على النص الفرنسي بأقصى ما يمكن من جهد، وإضافة بعض الملاحظات ثم كتابة المقدمة.

          ويسرنا أن نجرى طباعة هذه الترجمة العربية لعظات أوريجينوس على سفر العدد في نفس الوقت الذي ينعقد فيه “المؤتمر الدولي السادس للدراسات الأوريجنية” وموضوعه هذا العام “أوريجينوس والكتاب المقدس” ويعقد هذه المرة في فرنسا في الفترة من 30/ 8/ 1993 إلى 2/ 9/ 1993.

          فليجعل الله هذه العظات بركة وبنيانًا لكنيسة المسيح في البلاد الناطقة بالعربية. ولإلهنا القدوس الآب والابن والروح القدس كل المجد وسجود وتسبيح الآن وإلى الأبد. آمين.

[1] هذا هو النطق الصحيح لأسم أوريجانوس رغم أن هذا النطق الأخير بالألف هو الذي شاع بالعربية.

مقدمة عامة لعظات أوريجانوس على سفر العدد

Exit mobile version