بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بنات صلفحاد، موت موسى

 

قصة بنات صلفحاد

كان هناك خمس بنات، كتبت الشريعة أسماءهم، ولدوا من الإسرائيلي صلفحاد ” الذي مات في البرية ولم يكن له بنون”    (عد27: 1-4). ووقفن بنات صلفحاد أمام موسى قائلات ” لماذا يحذف اسم أبينا من بين عشيرته، لأنه ليس له ابن” (عد27: 2،4)، فقدم موسى دعواهن أمام الرب. ولطف الله الكلي القدرة لا يحتقر ولا يزدري بطلب البنات، ولا تفضل بإعطاء إجابة فقط ولكنه وافق وجعلهن يحصلن على ميراثهن ليضع أساسًا لحقوق أبدية تسرى لكل العصور.

فكلم الرب موسى قائلاً ” بحق تكلمت بنات صلفحاد فتعطيهن ملك نصيب بين أخوة أبيهن وتنقل نصيب أبيهن إليهن” (عد27: 7)، ” وتكلم بني إسرائيل قائلاً أيما رجل مات وليس له ابن تنقلون ملكه إلى ابنته” (عد27: 8)، ” وإن لم تكن له ابنه تعطوا ملكه لأخوته، وإن لم يكن له أخوة تعطوا ملكه لأخوة أبيه ” (عد27: 9-10)، ” وإن لم يكن لأبيه أخوة تعطوا ملكه لنسيبه الأقرب إليه من عشيرته فيرثه، فصارت لبني إسرائيل فريضة قضاء كما أمر الرب موسى” (عد 27: 11).

أهمية هذه الفقرة بديهية من الناحية التاريخية إذا فكرنا أن هذه القوانين صار لها قوة، ليس فقط عند أبناء إسرائيل ولكن عند كل الأمم المتحضرة. إقدام بنات صلفحاد لم يعطهن فقط ميراثًا ولكن أسس للعالم قانونًا مستديمًا. تُرى ما هي أهمية القصة نفسها في ناموس الله، من يستطيع إلغاء قوانين سابقة مستعملة في العالم أجمع.

 

معنى روحي

لنتقدم قليلاً، باحثين عن بنياننا الروحي. قد لا يكون عندي بنات من لحمي، ولا مجال لنقل ميراث. وفي هذه الحالة، لن يكون للناموس أى تأثير، وما قد تم تقريره بكلام الله سيبقى غير نافع؟

نبحث إذًا عن القانون الروحي، من تكون هؤلاء الخمس بنات اللواتي مات والدهن بخطيئة ما ومع هذا أصبحن وارثات بكلمة الله.

 

أبناء وبنات: معرفة وأعمال

عندما تحدثنا سابقًا عن الأبناء الروحيين وعلمنا أن فضائل النفس وأفكار العقل قد دعيت أبناء. وقد ظهر صحيحًا ومنطقيًا أن نرى البنات في الأعمال التي تنجز بواسطة الجسد. ولذا عددهم خمسة لأنه يوجد خمس حواس جسدية تتم بها كل الأعمال في الجسد. مع أنهن محرومات من الأب وباقيات يتيمات، هم تلقوا ميراث ليس مستثنى من الملكوت، هم تلقوا ميراث في وسط أبناء إسرائيل.

ولكن نرى من هو أبوهن الذي نقول أنه مات. هو يُدعى صلفحاد، يقول الكتاب: صلفحاد يُترجم “ظل في فمه” “أب الأعمال هو العقل”. هذه حالة متكررة، بعض من أخوتنا لهم عقل دون عمق، بدون اتساع، تفكيرهم ميت هو من هؤلاء الأشخاص الذي كُتب عنهم      ” فمات قلبه داخله” (1صم25: 37).

رجل كهذا لا يفهم شيئًا، هو مات بالإدراك الروحي ولكنه إذا أعطى اليوم لبناته بخدمات مردودة، بأعمال طاعة، بأعمال مطابقة لأوامر الله، سينال أرضًا بالميراث مع شعب الله. هو لا يمكن أن يعد بدون شك مع الذين “ الرب هو نصيبهم“، والذين ” الله هو ميراثهم“، لن يستطيع أن يأخذ ضمن الخدام والكهنة ولكن بمرتبته المتواضعة هو سيحصل على ميراث من أرض الموعد ” لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون” (مت22: 14).

حينئذ نفهم تبعًا لمعنى اسمه، لماذا  لم يستطيع صلفحاد أن يكون له أبناء ولكن بنات فقط، يجب أن نقول “ظل في فمه“، أنت تراه إذًا شخصًا ما لديه “ظل” الناموس في فمه وليس ” الصورة الحية للحقيقة” (انظر عب10: 2)، هذا الرجل لا يستطيع إدراك أي معنى روحي ولا أي فكرة عميقة، وليس لديه إلا “ظل” الناموس في فمه، ولا يستطيع أن يولد أفكار حية وروحية. ولكن يولد أعمال وأفعال التي هي طريقة خدمة المؤمنين البسطاء.

وهكذا تظهر رحمة الله هنا أن كل البسطاء والذين لديهم نقص في الإدراك، ولهم أعمال جيدة، لم يحرموا من ميراث القديسين، إذًا      ” بنات صلفحاد لهن حق”.

 

وبعد ذلك وضع الله قانون التتابع، الميراث يعود للأبناء ويلي ذلك للبنات، وثم للأخوة وفي رابع درجة أخوة الأب، والدرجة الخامسة لا تشير إلى أي شخص محدد ولكن تنسب للشخص الأقرب في العائلة. وهنا المعنى التاريخي مكمل ومنتهى ولا يحتاج أي إيضاح .

 

درجات في الميراث السمائي

حينئذ من هو مُلِم بالنواميس الإلهية ومستنير بالمعرفة، يستطيع أن يفهم الدرجات المختلفة لهذا التتابع. الأول هو للميراث السمائي الآتي، بعنوان المعرفة والعلم هو للابن الذكر. والثاني الخاص بالأعمال هو الابنة. الثالث هو نوع من العاطفة والتقليد ولهذا يدعى أخ. يوجد أناس لا ينتجون أي عمل عقلي من تلقاء أنفسهم ولكنهم موضوعون في وسط أخوتهم، ويبدو أنهم يقلدون نفس الأعمال التي يعملها أولئك الذين لهم حياة عقلية شخصية، هؤلاء يرثون بالدرجة الثالثة باعتبارهم أخوة.

في الدرجة الرابعة الذي هو أخ الأب نستطيع أن نرى نوعية من الرجال الذين يجتهدون أن يقوموا بالمسئوليات المأخوذة من آبائهم وأن يتبعوا التقاليد المسلمة من القدماء. هم لا يعيشون أبدًا بالعواطف الشخصية ولا يتأثرون بالتعاليم الحاضرة ولكنهم يسيرون حسب التقاليد أي نظام القدماء. وهكذا هم لا يهملون وحينئذ يعملون بعض الخير.

الدرجة الأخيرة تتعلق بعلاقة قرابة معينة مع السابقين. هذا يجعلنا نقول: بعض الخير الذي نفعله بالصدفة أو بالمعرفة الحقيقية لن يضيع علينا ربح العمل الصالح، وسننال من سخاء الله نصيبًا من الميراث. إنه من الجرأة من جانبنا أن نعالج هذه الأمور ونتكلم عنها جهارًا. ولكن نحن لن نندم إذا قارنًًا “ الروحيات بالروحيات”    (1كو2: 13) بل سنرجع منها بغيرة شديدة لمعرفة الأسرار.

 

II موت موسى

بعد ذلك تأتي قصة أخرى، وهي حكاية رائعة ومليئة بمعنى سامي. القصة تروي كيف ” قال الرب لموسى اصعدوا إلى الجبل” (عد 27: 12). حتى إنه بعدما رأي وتأمل كل أرض الموعد مات.

ولكن إذ كان أكثر انشغالاً بشعبه، أكثر من نصيبه، صلي إلى الله أن يدبر ” رجل ليقود شعبه لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لهم ” (عد27: 17).

 

تجهيز الذهن للحياة المستقبلية:

نرى في الوضع الأول كيف أن الإنسان الكامل والمغبوط لا يموت في الوادي وفي السهول ولا على التلال، بل على الجبل، وهذا يعني مكان مرتفع ومداخل صعبة. لأن إتمام وتحقيق الكمال في حياته له الأهمية العظمى. هو تلقي الأمر بأن يتأمل بعينيه كل أرض الموعد وأن ينظر إلى كل شئ بانتباه شديد جدًا.

في الحقيقة يجب على الإنسان الذي يريد أن يصل إلى كمال عظيم أن لا يبقى أي شئ مجهول بالنسبة له، وأن يعرف كل شئ يراه ويسمعه. لأنه يجب عليه أن يمر من جديد على كل الأشياء التي عرفها بمظهرها المادي أثناء وجوده في الجسد وذلك عندما يدخل في عالم الروح والقلب النقي، حتى أنه وهو يسرع في سماع دروس الحكمة وهو يبدأ في مدرسته، يستطيع أن يجد بسرعة الأساس والأسباب. أي اهتمام آخر كان لديه، ليظهره له في ليلة رحيله من هذا العالم، قبل نهاية هذه الحياة سوى الأراضي والأماكن التي لم يستطيع أن يقهر صعوباتها ولا أن ينال مزاياها؟

 

موسى مذنب

العبارة التي تأتي بعد ذلك تملأني من الرعب تجعلني أتردد أن أتكلم، عندما أرى موسى هذا ” عبد الرب وصديقه” (يش1: 3)، الذي تكلم إليه ” وجهًا لوجه “، وبواسطته أُجريت آيات ومعجزات مدهشة، ومع هذا قال له هذه الكلمات الصعبة والمخيفة. ماذا قال له الرب؟

ومتى نظرتها تضم إلى قومك أنت أيضًا كم ضُم هرون أخوك” (عد 27: 13). ولكي يشرح له سبب موته أضاف الرب ” لأنكما في برية صين عند مخاصمة الجماعة عصيتما قولي أن تقدساني بالماء أمام أعينهم” (عد27: 14). إذًا فموسى أيضًا مذنب؟ هو أيضًا استوجب الاتهام بالعصيان، هو أيضًا تحت الخطيئة “. ولهذا أعتقد أن الرسول يقول بتأكيد ” لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى”. لمست (الخطيئة) موسى ولم تفارقه أبدًا، ولهذا يقول الرسول “ دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت” (رو5: 12)، وأيضًا ” لأن الله أغلق على الجميع معًا في العصيان لكي يرحم الجميع ” (رو11: 32)، ولكن ” ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت… أشكر الله بيسوع المسيح ربنا” (رو7: 24،25). لأنه ” حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا” (رو5: 20). لأنه كيف يستطيع موسى أن ينقذ أحدًا من الخطاة وهو الذي قال له الرب: ” لأنكما في برية صين عند مخاصمة الجماعة عصيتما قولي أن تقدساني بالماء أمام أعينهم (أبناء إسرائيل) ” (عد27: 14).

 

مثال موسى: ضد المحاباة

4ـ فلنتأمل إذًا عظمة موسى. في وقت تركه للعالم، قد صلى إلى الله ليعين قائد لشعبه. آه، موسى ماذا تفعل؟ ألم يكن لك أبناء، جرشوم ولعازر؟ إذًا لم يكن عندك ثقة تامة فيهم، وكذلك أخوك، الرجل العظيم. كيف لم تسأل الله أن يقيم منهم قادة للشعب؟ ورؤساء الكنيسة، بدل من أن يعينوا المرتبطين معهم بعلاقات الدم أو القرابة الجسدية، ليملكوا في الكنيسة، وبدلاً من أن يختاروا الخدام بحسب عواطفهم البشرية كان ينبغي أن يسلموا لله أمر تعيين خلفائهم!

موسى لم يقدر على اختيار قائد للشعب بتحكيم مناسب، وبقرار مستقيم وعادل، ولذلك قال له الله ” اجمع إلى سبعين رجلاً من شيوخ إسرائيل الذين تعلم أنهم شيوخ الشعب وعرفاؤه” (عد11: 16)، والذين تختارهم فهؤلاء هم الذين ” آخذ من الروح الذي عليك وأضع عليهم” (عد11: 17). ومن أفضل من موسى يستطيع تعيين قائد للشعب؟ ومع ذلك فهو لم يعين أحدًا، لم يجرؤ على ذلك. لماذا لم يجرؤ؟ لكي لا يترك للأجيال القادمة مثال للشبهة اسمعه يقول: ” ليوكل إله أرواح جميع البشر رجلاً على الجماعة يخرج أمامهم، ويدخل أمامهم ويخرجهم ويدخلهم” (عد27: 16، 17).

إذًا كان رجل عظيم مثل موسى لا يقوم بتعيين قائد للشعب برأيه الخاص، ليكون خليفة له، فمن  يجرؤ، من بين هذا الشعب، وحتى لو كان من بين الكهنة أن يعطي رأيًا سواء باستخدام الصياح أو بتأثير المال، لا يستطيع أحد أن يعطي حكمًا بخصوص هذا الأمر، إلا لو كان هناك إعلان من الله بعد صلوات وتوسلات كثيرة أمام الله؛ ولهذا قال الله لموسى: ” خذ يشوع بن نون رجلاً فيه روح وضع يدك عليه، وأوقفه قدام أليعازر الكاهن وقدام كل الجماعة وأوصه أمام أعينهم، واجعل من هيبتك عليه لكي يسمع له كل جماعة بني إسرائيل” (عد 27: 18-20).

تعرف من هذا بوضوح كيفية تنصيب قائد للشعب، فهنا لا مجال لمظاهرة شعبية أو أي اعتبار لقرابة جسدية، فالأقارب يورثّون الحقول والبيوت ولكن قيادة الشعب، تعطى للمختار من الله، أي لرجل يسكن فيه روح الله، ويضع أمامه وصايا الله (انظر مز180: 22). ويكون معروفًا من موسى والقريبين منه، بمعنى أن يكون له نور الناموس والمعرفة حتى يسمع له كل أبناء إسرائيل . ولكن كما أن كل التعاليم مملوءة بالأسرار، نحن لا نستطيع أن نسقط ما هو أعظمها قيمة، وأكثرها نفعًا وضرورة، وهي الوصايا التي أعطاها حرف الناموس.

إذا اعتبرنا موت موسى هو بالتأكيد نهاية الناموس بحسب الحرف فما هي نهايته؟ النهاية هي إلغاء الذبائح وكل الفرائض المشابهة التي يحتويها الناموس. متى نصل إلى نهايتها فإن يسوع (يشوع) يستلم الوصية، ” لأن غاية الناموس هي المسيح للبر لكل من يؤمن” (رو 4:10)، وأيضًا قد قيل عن القدماء الإسرائيليين أنهم ” اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر” (1كو10: 2)، وأيضًا أنه قيل عن يسوع (يشوع) إن كل من في يسوع قد اعتمد في الروح القدس والماء (انظر يش3: 15-17). لأن يشوع (يسوع) هو الذي أجازهم في مياه الأردن، واعتمد الشعب بطريقة ما. وهو الذي وزع أرض الميراث، الأرض المقدسة على الكل، وليس فقط على الشعب القديم، ولكن على الشعب الجديد أيضًا. لأن الشعب القديم بسبب عصيانه “ طرحوا في القفر” (انظر1كو10: 5)، ولكن في وقت يسوع (يشوع) قيل “واستراحت الأرض من الحرب” (يش11: 23)، وهذا ما لم يكن ممكنًا أن يُقال في أيام موسى.

وهذا قيل عن يسوع ربي، وليس عن يشوع بن نون هل تستطيع أرضي أن تستريح من حروبها؟ ويمكن أن تفعل أرضي هذا إذا ما جاهدت بإخلاص، من أجل يسوع قائدي، فإذا أطعت ربي يسوع     ” فلن يحارب جسدي ضد روحي أبدًا ” (انظر غل5: 17). ولن تُهاجم الأمم الأعداء أرضي إطلاقًا وأقصد بالأعداء، الشهوات المتنوعة. فلنصلٍ إذًا حتى يسود يسوع علينا، حتى تستريح أرضنا من الحرب ومن هجوم الشهوات الجسدية. فإذا توقفت هذه الحروب، فإن كل واحد “سوف ينام تحت كرمته وتحت تينته، وتحت زيتونته. فتحت حماية الأب، والابن والروح القدس، تستريح النفس التي قد استعادت سلام الجسد والروح. والمجد لله الأبدي إلى دهر الدهور آمين.

بنات صلفحاد – العظة الثانية والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الأولى – العظة الخامسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الأولى – العظة الخامسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الأولى – العظة الخامسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بلعـــام « تابع »

النبوءة الأولى

1ـ إن نظام القراءات سيقودنا لكي نتحدث عن الدرس التالي لكن بعض الأخوة يطلبون بأن نتكلم بالأولى عن نبوءة بلعام. وأعتقد أنه من المستحسن أن أرضيهم بدلاً من إتباع ترتيب الدروس.

 

صورة مزدوجة لبلعام

قبل أي شئ فلنبحث عن السبب في أننا نتكلم عن شخصية بلعام في الكتب المقدسة تارة باللوم وتارة بالمدح. إنه يستحق اللوم لأنه بعدما نهاه الله عن أن يذهب للملك يصر على أن يتوجه إليه وقد أغواه الأجر الذي سيتحصل عليه، فهو يستشير الله مرة أخرى ـ ومرة أخرى يوجه له السؤال حتى بعد ذلك أنه « يُترك لرغباته ويسلك بحسب إرادته » (انظر مز81: 13). أنه مذنب عندما يبني هياكل ويقدم عليها ذبائح للشياطين، ويطلب بواسطة جهازه السحري الاستشارات الإلهية. أنه مذنب عندما أعطى المشورة (أنظر عد31: 16) الشنيعة بأن يغوي الشعب بالنساء المديانيات وبعبادة الأصنام. ولكنه بالعكس مستحق المدح عندما « وضع الرب كلامًا في فمه » (عد23: 5) عندما « كان عليه روح الله » (انظر عد24: 2)، عندما يتنبأ عن المسيح، عندما يعلن لليهود وللأمم أسرار المستقبل عن مجيء المسيح (عد24: 2). وبدلاً من اللعنة هو ينشر البركات على الشعب ويمجد باصطلاحات سرية اسم إسرائيل فوق كل مجد مرئي. ففيما الكتاب المقدس يعطي عنه هذه البيانات المختلفة والمتناقضة يبدو لي من الصعب كليةً أن أكون أنا قاطعًا عن شخص يجمع هذه الصفات المتناقضة والذي يمكن أيضًا أن نطبق عليه النبوة التي يلفظها على نفسه « لتمت نفسي موت الأبرار ولتكن آخرتي كآخرتهم» (عد23: 10)، وبفم ميخا يضع الرب عليه شهادة مماثلة: « يا شعبي ماذا صنعت بك؟ وبماذا أضجرتك؟ اشهد علىَّ؟ إني أصعدتك من أرض مصر وفككتك من بيت العبودية، وأرسلت أمامك موسى، وهارون ومريم. يا شعبي أذكر بماذا تآمر عليك، ملك موآب، وبماذا أجابه بلعام، بن بعور من شطيم إلى الجلجال ـ لكي تعرف الرب » (ميخا6: 3ـ 5). ويعلمنا النبي هنا بماذا أجاب بلعام، بن بعور، ملك بالاق، كما جاء في الكتب المقدسة والهدف منها معرفة “بر الرب”.

 

بلعام حامل كلام الله

أين سنجد بحسب رأيك مُفسر ليبين “بر الرب” الذي يظهر نفسه في الإجابات لبلعام؟ إذًا حقًا « وضع الرب كلامًا في فمه » (عد23: 5). إذا كان “روح الله عليه”. إذا ظهر “بر الرب” في إجاباته. يجب أن نؤمن بكل أقوال النبوات والأقوال الإلهية. في الحقيقة أنه من النادر أن نجد في موضع آخر نبيًا نقرأ عنه بأن ” روح الرب كان عليه “. إن ما نقرأه هو أن نبيًا ما ” قد رأى رؤيا ” أنه ” اغتصب كلام الله ” أو أن ” كلمه الله ” (1صم 23: 5)، قد حلَّ عليه أو عبارات أخرى. إني لا أتذكر الآن بأنني قد قرأت بأن “روح الرب” كان على نبي. وفعلاً وكما أتذكر أنه قد كتب عن داود أن « روح الرب قد ظهر ـ أو لقد أضاء ـ على داود من ذلك اليوم فصاعدًا » (1صم 16: 13) لكن روح الرب لم يكن عليه. أتذكر بأنه كتب عن شاول:   « روح الرب سينزل عليك فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجل آخر » (1صم 10: 6). أنه قد قيل أيضًا: « وذهب روح الرب من عند شاول وبغته روح ردئ من قبل الرب وقع عليه » (1صم16: 14)، وأيضًا: كان عندما جاء روح ردئ من قبل الله على شاول أخذ داود العود وضرب بيده فكان يستريح شاول ويطيب له ذلك ويذهب عنه الروح الردئ: أقول هذا كله لأنه يمكن أن يظن البعض أن عبارة « فكان عليه روح الرب » (عد24: 2) هي عبارة عادية وغير ذات موضوع.

 

II ـ النبوة : لكي نتابع أفكار العظة الأخيرة فلنحاول أن نتحدث عن شخص بلعام بأنه يمثل للكتبة والفريسيين وتقلديهم. لكن فلنراجع عبارات النبوة التي لفظ بها، قد كتب « لا أقدر أن أتجاوز قول الرب» (عد22: 18).

 

(بلاد ما بين النهرين) بلاد التنعم

من بلاد ما بين النهرين يقول: « بالاق، ملك موآب، جعلني آتي من جبال الشرق قد أفادني » (عد23: 7)، وبلاد ما بين النهرين هي بالنسبة له البلاد التي تقع بين هذين النهرين في بابل التي كُتب عنها: « على أنهار بابل هناك جلسنا، بكينا عندما تذكرنا صهيون » (مز137: 1)، إذًا ما أقمنا في وسط هذه الأنهار لبابل إذا ما قد أفيضت مجاري اللذة استحممنا بواسطة أمواج عدم العفة. إنه لم يقل بأنه سيظل قائمًا، ولكن يقول “قد جلس لهذا السبب الذين سُبوا في هذا المكان وقالوا: « على أنهار بابل هناك جلسنا، بكينا عندما تذكرنا صهيون »، لكن لم يستطيعوا أن يبكوا إلا بعد أن تذكروا  صهيون، إنه تذكار الخير الذي يجعل الإنسان يشعر بأسباب البؤس: إذا لم نتذكر صهيون، إذا لم ندفع أعيننا نحو شريعة الله وجبال الكتاب المقدس فلن نبدأ بالبكاء على بؤسنا.

 

جبـــال شيطانيـــة

إذًا آتي ببلعام من جبال الشرق. إنها ليست الجبال المقدسة التي كُتب عنها « أساسه في الجبال المقدسة » (مز87: 1)، وفي موضع آخر ” أورشليم المبنية كمدينة متصلة كلها “، « أورشليم الجبال حولها والرب حول شعبه » (مز 122: 3؛ 125: 2).

هذه ليست جبال بلاد ما بين النهرين، إنها الجبال التي سُميت “جبال الظلمات” (انظر إر16:13) وعنها قد قيل ” ها آتي إليك، جبل الفساد “. إنها الجبال التي تخص ” كل علو يرتفع ضد معرفة الله “، من هذا النوع من الجبال قد احضروا بلعام.

 

 

الشرق: معنى مزدوج

هذه الجبال وهذا الشرق. يشرق نوره، « الذي يغير شكله إلى شبه ملاك نور » (2كو11: 14)، له هذا النور الذي كُتب عنه: « نور الأشرار لا ينطفئ » (أي 18: 5)، “نور الأشرار” وهو “النور الذي يغير شكله إلى شبه ملاك نور” (2كو 11: 14)، هذا النور مضاد للنور الذي يقول « أنا هو نور العالم » (يو8: 12)، أيضًا هذا الشرق هو غير الشرق الذي كُتب عنه في سفر زكريا « هوذا الرجل، الغصن (الشرق) اسمه » (زك6: 12). إن بلعام آتي من الشرق الشيطاني، ذلك الشيطان الذي قيل عنه ” كيف سقط من السماء كوكب الفجر، الذي يظهر في الصباح ” وليس من الشرق الذي منه المسيح.

 

لعنات ولعنات مضاعفة ـ يعقوب وإسرائيل ـ المعرفة والأعمال:

2ـ لكن الذي قاله بالاق ملك موآب الذي استدعى بلعام « من بين النهرين ومن جبال المشرق » (عد23: 27)، ” تعال وألعن لي يعقوب، وألعن لي إسرائيل ” [ في النص اللاتيني وهذا يبدو تكرارًا لا لزوم له تقريبًا، لكن في النص اليوناني بالنسبة لإسرائيل الفعل يلعن له مشتق أهمله مترجمينا، سواء اعتقدوا بأنه يوجد غلطة أو فكروا بأنه لا يضيف شيئًا ولكن نحن سنضع كلمة جديدة لكي لا نضِّيع المعنى فنستطيع أن نقول “تعال ألعن لي إسرائيل، وتعال ضاعف اللعنات لإسرائيل ]. هذا يبين أنه من تكرار الفعل، يطلب بالاق اللعنة لإسرائيل بأكثر قوة عن اللعنة ليعقوب مادامت اللعنة لإسرائيل وليس يعقوب، بمعنى أنه مادام يظل في مستوى الأعمال والأفعال، فإنه سيقابل لعنات أقل ولكن عندما يتقدم ويبدأ في أن يحث ويشجع ” الإنسان الباطن ” (رو7: 22)، في طريق رؤية الله وذلك بانفتاح عيون الذهن فإنه لا يكون فقط معرضًا للعنات العدو ولكن أيضًا للعنات المضاعفة أي لسهام أكثر هجومًا من اللعنات.

ففم بلعام كان مليئًا من اللعنة والحسرة « تحت لسانه مشقة وإثم أنه وجد في الدسائس على الأغنياء حيث كان ينتظر أجرًا من هذا الملك » (مز10: 7)، ألقى لأجل قتل الأبرياء بوسائل سحرية لكن “الله” الصانع العجائب العظام وحده أنه وضع كلامًا في فم بلعام مع أن قلبه لا يستطيع بعد أن يستقبل كلام الله. حيث أنه مازال لديه شهوة الربح، وأيضًا بعد أن أخذ « في الفم كلام الله » (عد 23: 5)، قال لبالاق « تعال أنبئك بما يفعله هذا الشعب بشعبك في آخر الأيام» (انظر عد24: 14). ويعرفه الطريقة وهي أن يجعلهم يأكلون اللحوم المذبوحة للأصنام، ويسقطهم في خطية الزنى، ولذلك سقط الشعب في الخطية وحلَّت عليهم عقوبة كبيرة، حتى أن فينحاس يقتل رجلاً إسرائيلي يزنى مع مديانية فرد حمو غضب الرب (انظر عد25: 2ـ 8)، وبعد هذا يقول الكتاب المقدس إن فينحاس قاد الجيش ضد المديانيين، وقتلوا اثنتي عشرة ألفًا رجلاً، منهم « بلعام بن بعور قتلوه بالسيف » (انظر عد3: 2ـ 8).

إننا تحدثنا مسبقًا عن هذه الحوادث لكي نظهر بأن بلعام لم يحمل كلام الله في القلب لكن في الفم فقط، ورغم ذلك فأنه قد خلط كلامه وأحاديثه بكلام الله ولهذا بدا كلامه كأنه كلام الله.

 

 

 

 

 

 

يستطيع الله أن يلعن

3ـ إنه يقول « كيف ألعن من لم يلعنه الله وكيف أشتم من لم يشتمه الرب » (عد23: 8)، سنقول إذًا؟ الرب لم يلعن يعقوب ولا إسرائيل لكن أعتقد بأن الله يلعن (تك3: 17)، نعم، حيث نقرأ بأن الرب يقول للحية: « ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية » ولآدم: « ملعونة الأرض بسببك » (تك4: 11)، ولقايين:     « ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك »  (تث27: 1)، أنه يقول في موضع آخر ملعون الإنسان الذي يصنع تمثالاً منحوتًا أو مسبوكًا. فلا تعتقد بأن هذه التعبيرات لا نجدها إلا في العهد القديم، سنجد مثلها تمامًا في الأناجيل: إنه مكتوب فيها بأن الرب سيقول للذين عن اليسار: « اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية» (مت41:2) وعندما يقول « ويل لكم أيها الكتبة والفريسيين» (مت23: 29)، و« ويل لكم أيها الأغنياء » (لو6: 24)، ماذا يقصد إلا أنه يثقل عليهم باللعنات. إذًا ما مصير الوصية المعطاة من الرسول     « باركوا ولا تلعنوا » (رو12: 14). هل الله يعطي الوصية ولا يحترمها؟ الجواب لا. فعندما يلعن الله الإنسان فإنه يلعنه حسب استحقاقه والذين يلعنهم فإنه ينطق بالحكم عليهم لأنه لا يخطئ في الحكم على طبيعة الخطية، كما لا يخطئ في فهم نية الخطاة، والإنسان لا يستطيع ذلك، إننا لا نستطيع أن نرى أو نعلم إرادة أو إدراك شخص آخر، حتى إذا لفظنا اللعنة بنظرة القاضي الذي يلفظ الحكم، ليس من حقنا أن نفعل هذا مادمنا نجهل شعور الخاطئ ولهذا السبب على الأخص. ففي الإنسان توجد الرذيلة وهي التي تدفعه ليقول اللعنات في صورة الشتائم أو الإهانات. والرسول يريد أن يقطع هذه الرذيلة من الجذر، أنه يريد أن يمنعنا من أن نسبب اللعنات بلعناتنا والشتائم بشتائمنا، ولهذا قال هذه الوصية الضرورية “بأن نبارك ولا نلعن”. إنه يريد أن يمنع الرذيلة التي تلفظ الشتائم البشرية. ولكنه لا ينزع عن الحق الإلهي المخفي عن عيون البشر، دوره في الدينونة. ولا تنظرن إلى ذهن الرسول أنه يسلب السلطان الإلهي حقه في إصدار أحكامه على الناس حسب أعمالهم.

 

ارتفاع إسرائيل

ما هي الأسباب التي جعلت الرب لا يلعن لا يعقوب ولا إسرائيل: فلنتعلمها أيضًا من بلعام أو بالأحرى من ” الكلام الذي وضعه الله في فمه ” عندما يقول « إني من رأس الصخور سأراه ومن الآكام الله سيفهم » (عدد23: 9)، ويقول هذا لأن إسرائيل قائم على جبال مرتفعة وعلى تلال عالية، بمعنى أن إسرائيل يعيش حياة سامية وصعبة وهي التي بدونها لا نستطيع بسهولة أن نكون جديرين بأن نوَّجه نظرنا، ولا إدراكنا أن لم نتسلق الارتفاعات وقمم المعرفة، لهذا السبب لم يلعنه الله. هذه الحياة مرتفعة وليست منخفضة أو منحطة. ولكن يبدو لي أن الله لا يقول هذا عن إسرائيل بحسب الجسد[1] إنه يقول هذا عن الذي   « يسير في الأرض وسيرته في السموات » (أنظر في3: 20)، إذًا يجب أن لا نطبق هذا الكلام على الشعب القديم الآن، ولهذا السبب يستعمل الله صيغة المستقبل “سأراه” “وسأفهم” لكي يشير إلى الوقت الآتي الذي فيه ” يؤمن كل يهودي بالمسيح فيخلص ” وسينظر من الجبال والتلال المرتفعة. الذين يولدون مرة أخرى في المسيح، وعاشوا على الأرض حياة جليلة وسماوية.

عن يعقوب يقول “سأرى”، وعن إسرائيل يقول “سأفهم”، يجب أن نلاحظ أيضًا دقة هذا التمييز: واحدة من هاتين العبارتين تنطبق على الأفعال المرئية، والأخرى على الإيمان غير المرئي، وعلى المعرفة غير المدركة. وإذا نقلنا كل هذا إلى الدهر الآتي إلى وقت القيامة من الأموات، “سأرى يعقوب” ممكن أن تشير إلى الأجساد، “وسأفهم إسرائيل” تشير إلى أرواح ونفوس المُقامين من الأموات.

 

إنعزال إسرائيل

يقول الكتاب المقدس « هوذا شعب يسكن وحده ولم يحصَ مع الأمم » (عد23: 9). هذا ممكن الاحتفاظ به بالمعنى الحرفي. شعب يعقوب وحده لم يُخلَّط مع بقية الناس، ولم يحصَ ضمن الأمم الأخرى، أعطى نواميس ومراعاة قوانين خاصة هي التي حفظته وحده بالانفصال عن الأمم الأخرى. أيضًا سبط اللاويين لم يختلط بالأسباط الأخرى ولم يحصَ معهم، وبنفس الطريقة إسرائيل كله لم يختلط مع الأمم الأخرى، ولم يحصَ من ضمنهم. في الحقيقة هذه الخصائص التي للشعب الأرضي لم تكن إلا رمزًا « للخيرات العتيدة» (عب1:10)، يعقوب وإسرائيل الحقيقيان الروحانيان سيسكنان بمفردهما حقًا في وسط الأمم « حقًا قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحيَّ أورشليم السماوية » (عب12: 1). إذًا نحن قد وصلنا إلى مدينة يهوذا الروحية التي هي « نصيب الله » (تث3: 9)، هم « يفتكرون في الأرضيات أما نحن “فإن سيرتنا نحن هي في السموات » (في3: 20)، إذًا حقًا نحن لم نُحصَ أبدًا من ضمن الأمم الأخرى. وحدودنا لا تكون مشتركة مع حدودهم حتى لو كانت سدوم قد أعيدت إلى حالتها القديمة، ومصر أعيدت أيضًا إلى مجدها وحققت كل النبوات المتشابهة. وعندما يصعد يعقوب وإسرائيل الروحي إلى كنيسة الأبكار سوف لا يكون لهما شئ مختلط أو مشترك مع أحد وحتى لو أعيدت هذه الأمم إلى مجدها حسب النبوات، لأنه إن لم تكن هذه الأمم مطعمة بجذر الزيتونة المثمرة كيف يمكن للزيتونة البرية أن تشترك وتمتد بيعقوب وإسرائيل. لأنه لا أحد يمكن أن يُسمَى يعقوب أو إسرائيل إن لم يكن متحدًا بهذه الجذور. في هذه الحالة لو ارتكب أحد أولاد إسرائيل أو يعقوب الخطية لا يمكن بعد أن يسمى يعقوب أو إسرائيل، وإذا دخل إنسان من الأمم كنيسة الرب سوف لا يعد ضمن الأمم.

 

تعداد

« من أحصى تراب يعقوب وعدد إسرائيل؟ » (عد23: 10). هذا يذكرنا بالنص “الله اخرج إبراهيم وقال له: « انظر إلى السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها» وقال له « هكذا يكون نسلك » « فآمن إبراهيم بالرب فحسب له برًا » (تك15: 5ـ 6). لا إبراهيم، ولا أي شخص آخر، ولا أي ملاك أيضًا ولا أية رئاسة عليًا له القدرة أن يحصى عدد النجوم ولا نسل إبراهيم الذي كتب عنه ” هكذا يكون نسلك “. لكن الله الذي كُتِبَ عنه إنه « يحصى عدد الكواكب. يدعو كلها بأسماء » (مز 147: 4). والذي قيل عنه إنه يحصى عدد الكواكب، يستطيع أن يحصى تراب يعقوب وعدد إسرائيل. هو وحده يعرف حقًا من هو يعقوب الحقيقي، ومَنْ هو إسرائيل الحقيقي حيث إنه لا يعطي اعتبارًا « لليهودي في الظاهر » (إش42: 12)، ولا للختان الذي في الظاهر في اللحم بل هو يرى « اليهودي الذي في الخفاء » (رو2: 28)، وختان القلب وليس ختان اللحم. وهو وحده الذي يستطيع أن يعد ويسجل، وهو وحده الذي بموجب حكمته الفائقة الوصف التي لا يمكن إدراكها قد أسَّس السموات بحسب نظام سماوي، الذي هو وحده يعرف “أعدادها”، التي هي بين أيدينا. والتي فيها يأمر بأن « يحصوا كل جماعة بني إسرائيل بعشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء كل ذكر برأسه من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب في إسرائيل » (عد1: 2ـ 3). العدد الكلي هو عدد مقدس وقد سبق التحدث عنه، وبموجب الأنوار المعطاة من الله[2]. لكن هذا العدد لا يكون مقدسًا ومرضيًا لله إلا إذا عُمِل هذا التعداد تبعًا لأمره. بالعكس إذا أراد أحد أن يعمل التعداد بخلاف ما أمر به الرب حتى ولو كان داود النبي العظيم فأنه يتصرف ضد الشريعة ويتهم من أحد الأنبياء، ويحمل العقاب المكتوب في كتاب صموئيل الثاني. وهذا وحده « الذي يحصى عدد الكواكب » (2صم10:24)، والذي « أنشأ كل شئ بحسب المقياس » (مز147: 4)، ” حسب العدد والوزن “، « من أحصى تراب يعقوب وعدد إسرائيل » (عد23: 10).

 

اهتداء اليهود في النهاية

يبدو أن بلعام هو نفسه موضوع نبوته عندما قال « لتمت نفسي موت الأبرار،ولتكن آخرتي كآخرتهم » (عد23: 10). وبما أن هذه النبوة تختص بشخص بلعام التاريخي وإسرائيل التاريخي، لذلك لم تتحقق النبوة ولا يمكن أن تتحقق، أنه ليس معهم لقد قتلوه. النبوة تنطبق بالأكثر، على الذين تشير إليهم، على الذين كما ذكرنا ـ يعتبرون في الدهر الحاضر بأنهم “شعب باطل” ـ لأنهم ليس عندهم نعمة الروح القدس، بل الذين يمكننا أن نقول عنهم في آخر الدهر   « عندما يدخل ملء الأمم » (رو11: 25)، وعندما يحقق إسرائيل الروحي هذه النبوات وتموت نفسه موت الأبرار: حينئذ يقبل الإيمان بالمسيح ووقتها سيقول الإسرائيليون « نحن الذين اعتمدنا في المسيح قد اعتمدنا في موته لأننا دفنا معه بالمعمودية للموت » (رو6: 3ـ 4)، ومن ناحية أخرى سيقولون “إذا كنا قد متنا معه فسنملك معه”. وحينئذ فقط تتحقق لبلعام العقلي النبوة بأنه “نفسه سوف تموت موت الأبرار” وذلك لأنه سيموت روحيًا ويولد من جديد.

 

 

المجوس

أما بالنسبة لقوله ” لتكن آخرتي كآخرتهم ” نستطيع أن نفهمها من تاريخ بلعام، حيث إن “المجوس” الذين « جاءوا من المشرق ليسجدوا ليسوع » (مت2: 1ـ 11)، الذين  يبدو أنهم من نسله سواء كان عن طريق جيل أب إلى ابن، أو كان بالنقل الوراثي للمذهب. وفي الواقع إنهم قد عرفوا “النجم” الذي قد تنبأ عنه بلعام. « ظهور النجم في إسرائيل » (عد24: 17)، وإنهم أتوا لهذا السبب ليسجدوا للملك المولود في إسرائيل. لكن هذا أيضًا ينطبق على الشعب اليهودي، بمقتضى ما قد قلنا أنه ليس اليهود أو نسلهم الذين سيكونون مثل نسل الأبرار، بل الوثنيين الذين آمنوا وتبَّرروا في المسيح. إنه واضح بحسب كلمات الرسول أن « لا الختان ينفع شيئًا ولا الغرلة بل الإيمان العامل بالمحبة » (غلا5: 6). ولا أحد إذًا يفتخر بالختان القديم أو يفتخر بالغرلة الجديدة، بل بحسب كلمة الرسول ليمتحن كل واحد عمله وحينئذ يكون له الفخر من جهة نفسه فقط (غلا6: 4). يقول النبي أيضًا “ها الرجل وأعماله” ، وقيل أيضًا « بأن أجرته معه وجزاؤه أمامه » (إش62: 11)، « ليعطي كل واحد حسب أعماله » (رو6:2)، في المسيح يسوع ربنا « الذي له المجد والسلطان إلى الأبد آمين » (1بط 4: 11).         

 

[1] هذه الملاحظة عن إسرائيل حسب الجسد تؤكد ما سبق وقلناه عن معنى إسرائيل عند أوريجينوس (انظر المقدمة).

[2] انظر العظة الأولى وانظر أيضًا عظة 4.

النبوءة الأولى – العظة الخامسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الجزء الثاني: البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

البئر ـ سيحون

البئر ـ افتقار الحرف

          قد قرئ على مسامعنا في سفر العدد دروس البئر والنشيد الذي رنمه إسرائيل حول البئر. وكالعادة نرى فيها أسرارًا. فإنه يفيض أكثر من ذي قبل “ومن هناك إلى بئر وهي البئر حيث قال الرب لموسى اجمع الشعب فأعطهم ماء” (عد21: 16)، في هذا النص القصة بالمعنى الحرفي لا تبدو أنها تقدم قيمة كبيرة.

ما هذا؟ السيد الرب يصّر بأن موسى يجمع الشعب ويعطيه ليشرب من ماء البئر، هل الشعب لم يكن ليأتي من نفسه للبئر لكي يشرب منه؟ لماذا إذًا الإصرار على النبي حتى بواسطة غيرته وبواسطة جهده الشخصي يجمع الشعب ويجعله يشرب من البئر؟

الآبار في الكتاب المقدس
الكلمة الإلهية ـ المعنى الروحي

          فقر المعنى الحرفي يدعونا أن نبحث في اتساع المعنى الروحي. وأن نلتقط ما جاء في أجزاء من الكتاب المقدس عن أسرار الآبار، حتى ينكشف بالمقارنات العديدة معنى النص الحاضر. يقول روح الله بصوت سليمان في سفر الأمثال ” أشرب مياهًا أوانيك ومياها جارية من بئرك، لا تفض ينابيعك إلى الخارج سواقي مياه في الشوارع” (أم 5: 15، 16)، بمعنى أن مياهك لك وحدك وأن لا أحد آخر له نصيب فيها.

          كل واحد منا، بحسب الرمز، له في نفسه بئر، بل يقول إن كل واحد منا له في داخله ليس بئر واحد بل أكثر من بئر، ليس إناء ماء واحد، لكن أواني كثيرة، لأن الكتاب المقدس لم يقل اشرب مياهًا من إنائك لكن “من أوانيك”. لم يقل من مصدر بئرك لكن قال “من مصدر أبارك” أيضًا لقد سبق أن قرأنا إن الآباء كان لهم آبار، إبراهيم كان له آبار. أسحق أيضًا ويعقوب كان لديهم آبار.

ارحل من هذه الآبار تصفح كل الكتاب المقدس في البحث عن الآبار وتوصل إلى الأناجيل، ستجد أن البئر الذي استراح مخلصنا عن نهايته عندما تنتهي الرحلة، وترى المرأة السامرية التي أرادت أن تملأ الدلو من هذا البئر، وكيف يشرح عن فضائل البئر أو الآبار ويعمل مقارنة بين مختلف المياه، ويظهر لها أسرار السر الإلهي عندما قال لها “ إذا شرب أحد من المياه المعطاة من الآبار الأرضية سيعطش أيضًا أما الذي يشرب من الماء الذي يعطيه يسوع يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية” (انظر يو4: 6).

          لماذا إذًا في نص آخر من الإنجيل، لا يتعلق بالينابيع ولا بالآبار لكن ببعض الأشياء الأكبر أهمية كما جاء في الكتاب “مَنْ آمن بي تجري من بطنه أنهار ماء حي” (يو7: 38)؟ ترى إذًا أن من آمن به يملك لنفسه أكثر من بئر، آبارًا وأكثر من ينبوع، أنهار، ينابيع وأنهار لا تفيد هذه الحياة البائدة، لكن تظل للأبدية. مما سبق ومما جاء عن موضوع الآبار والينابيع، يجب أن نفهم أنها تتعلق بكلمة الله، آبار حيث تخفي أسرار عميقة، ينابيع: وهي التي تفيض على الشعوب وترويهم.

آبار وينبوع:

الثالوث والوحدة

          لكن يجب أن نبحث باهتمام كيف نستطيع أن نشرح أن الآبار مكتوبة بصيغة الجمع، والينبوع بصيغة المفرد، حيث الحكمة تقول في سفر الأمثال “أشرب مياهًا جارية من آبارك” من أي بئر؟ يقول لنا أنه ليس لديه إلا ينبوع واحد.

في رأيي أن معرفة الآب غير المولود يمكن أن تكون مثل البئر ـ ومعرفة ابنه الوحيد يجب أن تكون بئرًا آخر، حيث إن الآب هو مميز عن الابن، والابن ليس هو الآب كما يقول في الأناجيل ” الذي يشهد لي هو آخر” (يو8: 18)، أي الآب فإنه يبدو لي أننا نستطيع أن نرى أيضًا بئرًا آخر في معرفة الروح القدس، حيث إنه مميز عن الآب والابن كما يؤكد الإنجيل الآب سيرسل لكم معزيًا آخر… روح الحق” (يو14: 16ـ17).

إنه إذًا التمييز لثلاثة الأقانيم في الآب والابن والروح القدس هو الذي يشرح صيغة الجمع في الآبار. لكن من هذه الآبار يوجد ينبوع واحد، حيث الوحدانية هي الجوهر، وطبيعة الثالوث. وأيضًا هل لا نجد التمييز الموضح في الكتاب المقدس ” من ينبوع آبائك” (أم5: 15)، أنه قد استعمل بكل دقة الاصطلاحات الرمزية وتكلم بالجمع عن الأشخاص، وبالتالي يتناسب المفرد مع الجوهر.

الآبار والمعرفة

          نستطيع أيضًا أن نرى الآبار في الأشياء كما في الحديث عن المعرفة التي بها يمتلئ الإنسان من حكمة الله، قائلاً: “ إنه هو الذي أعطاني المعرفة الحقيقية للكائنات التي عرفتني يقينًا تكوين العالم، وقوات العناصر، بداية ونهاية ووسط العصور، تغير الأزمنة وتحولها، دورات السنين وأوضاع الكواكب، وطبائع الحيوان، وغرائز الوحوش وقوة الأرواح وأفكار الناس وأنواع النبات، وقوة الجذور” (حكمة سليمان 7: 17ـ20).

هل ترى كيف تنفتح الآبار في معرفة الطبيعة؟ إن علم النباتات مثلاً هو بئر وربما تكون لطبيعة كل نبات بئر خاص بها. ويوجد بئر آخر وهو علم الحيوانات، وربما لكل نوع منها بئر خاص. كما أن نظام الأزمان وثوراته وتغيراته بئر آخر. إن العلم في كل هذه الأشياء عميق، لهذا السبب يمكن أن يسمى بئرًا بالمعنى المجازي “مادام سر المسيح ظل مكتومًا منذ الدهور ومنذ الأجيال” (كو1: 26).

المعرفة بهذه الأشياء يمكن أن تحمل اسم الآبار، لكن عندما نقرأ كلمة القديس بولس ” الله قد أعلنه للمؤمنين بروحه” (1كو2: 10)، فكل هذا يصبح ينابيع وأنهار: العلم لم يحتفظ بسريته لكن قدم للجموع على أنه يروي المؤمنين ويشبع ظمأهم.

هذا هو السبب في كلام المخلص لتلاميذه “من يؤمن بى”  ويشرب من ماء تعليمه فإنه سوف لا يكون له بئر وينبوع فقط، بل ستكون     ” أنهار ماء حي” (يو7: 38)، التي “تولد فيه” أيضًا من البئر الوحيد الذي هو كلام الله، تولد آبار وينابيع وأنهار لا تحصى. كذلك نفس الإنسان التي خلقت على صورة الله تستطيع أن يكون لها داخلها آبارًا وينابيع بل وتنتجها أيضًا.

حافرو الآبار

في الحقيقة تحتاج آبار نفوسنا إلى بيار لحفرها ينظفها وينزع منها كل ما هو أرضي، حتى تعطي الأفكار الحكيمة التي خبأها الله لكي تعطي شبكات من الماء النقي الخالص. ومادامت الأرض تغطي الماء وتخفي المجرى الخفي، فالماء النقي لا يمكن أن يجري. لهذا السبب قد كتب “وجميع الآبار التي حفرها عبيد أبيه في أيام إبراهيم أبيه، ردمها الفلسطينيون وملئوها ترابًا” (تك26: 15)، لكن إسحق الذي أخذ البركة من أبيه “حفر الآبار مرة أخرى ونبش آبار الماء” التي طمها الفلسطينيون في كراهيتهم وكانوا يلقون التراب فوق الماء.

ولقد لاحظنا أيضًا في سفر التكوين حيث يوجد هذا النص الذي قد استخرج منه، أنه في أثناء حياة إبراهيم لم يجرؤ الفلسطينيون أن يردموا الآبار ولا أن يرموا فيها التراب، وبعد موته رفعوا رؤوسهم وتعدوا على آباره. ولكن إسحق بعد ذلك أصلحها وعادت إلى طبيعتها.

الزوجات حول الآبار: الفضائل

          من جهة أخرى في أثناء رحلة إسحق لكي يتزوج فقد وجد خادم إبراهيم رفقة التي أسمها يعني “الصبر” عند البئر، وأنه ليس في جهة أخرى بل عند البئر وجدت امرأة أسحق. وعندما جاء يعقوب إلى بلاد ما بين النهرين (بني المشرق) لكي يطيع الأمر الأبوي بأن لا يأخذ امرأة من خارج شعبه أو من خارج دمه فعند الآبار أيضًا وجد راحيل.

وكذلك موسى وجد صفورة. إذًا عند الآبار قد فهمت ما هي الزيجات المقدسة. إذا كنت أنت أيضًا تريد أن تتزوج الصبر والحكمة والفضائل الأخرى التي تمثلها، وتقول ما قالته الحكمة “لقد بحثت عنه جيدًا لكي أتزوجه” حاصر هذه الآبار بلا انقطاع وستجد هناك زوجة مثلها، حيث إنه بجانب المياه الحية أي بجانب مجاري الكلام الحي، هناك تسكن كل الفضائل بكل تأكيد.

يسوع المسيح البئر الأوحد

إذًا يوجد كثير من هذه الآبار التي سبق أن قلنا عنها في داخل النفس. سنكتشف أيضًا كثيرًا من الآبار الأخرى في كل خطوة نخطوها في قراءة أو في تفسير الكتاب المقدس. لكن هناك بئر يفوق كل الآبار الأخرى، بئر عجيب، البئر الذي يتحدث عنه الكتاب المقدس في هذا النص: والحفارون الذين حفروه لم يكونوا رجالاً عاديين لكن “رؤساء” وأيضًا شرفاء الشعب الذين يدعون “ملوك”. لهذا السبب “غنى نشيدًا لله” عند هذا البئر.

ولهذا السبب قد كتب “ ومن هناك إلى هذا البئر وهي البئر التي قال الرب لموسى اجمع الشعب فأعطيهم ماء” (عد21: 16)، موسى أمر بأن يجمع الشعب حتى يجتمعوا حول البئر ويشربوا الماء. في موسى يجب أن نرى الشريعة وقد سبق أن أوضحناها في كثير من المرات. إنها إذًا شريعة الله التي تدعوك لتأتي إلى البئر. إلى أي بئر؟ أن لم يكن إلى ذلك الذي سبق أن قلنا عنه أي يسوع المسيح ابن الله القائم في جوهره الذاتي، والذي هو مع الآب في اللاهوت الواحد. والشريعة تدعونا إذًا لهذا البئر أي للإيمان بالمسيح.

لقد قال هو نفسه “موسى كتب عني” لأي هدف يجمعنا؟ لكي نشرب الماء ولكي نرنم له نشيدًا بمعنى أن القلب يؤمن به للبر وفمنا يعترف به للخلاص (رو10:10).

البئر والبكر

 2 ـ ” يقول الكتاب المقدس ترنم له نشيد البئر” هذا هو المعنى. ضع البئر في بداية كل شئ، حيث يقول الرسول ” إنه الأصل وهو بكر كل الخليقة” (كو1: 15، 16). نستطيع أيضًا أن نفهم هذا بمعنى آخر فمن المفروض أن هذه الكلمات موجهة من موسى للشعب فهو يشجع الشعب ويقول له أعط البداية لقلبك أي بأن تبدأ في فهم ما هو هذا البئر حيث يجب أن نغترف الماء الروحي، وحيث يجب أن يصلح الشعب المؤمن. “رنم إذًا له” بمعنى أن لإسرائيل “نشيد البئر” حتى أن كل إنسان يرى الله في قلبه يستطيع أن يغترف المعنى الرمزي “السري”.

يجب أن نمر بواسطة موسى

فإذا دعا موسى بمعنى أن الشريعة تدعو، لتجمعنا لهذا البئر، أنه ليس كلامًا باطلاً فأنه يستطيع أي منا أن يدعو للمجئ لهذا البئر، لكن إن لم يكن قد استدعي لهذا البئر بواسطة موسى فسوف لا يكون مقبولاً من الله. ماركيون يعتقد أنه قد جاء لهذا البئر، وباسيليدس وفالنتيوس، لكن لأنهم لم يحصلوا على الشريعة والأنبياء فإنهم لا يستطيعون أن يمدحوا السيد الرب لأجل ينابيع إسرائيل. مثل هؤلاء الأشخاص لا يأتون للبئر التي “قد حفرها رؤساء وحفرها شرفاء”.

آبار الهراطقة

          هل تريدون أن تروا من الكتاب المقدس إلى أي بئر يأتون؟ أنه “وادي من الملح”، حيث تبدأ ” آبار حمر كثيرة” (تك14: 10). كل هرطقة وكل خطية، تكون في وادي من الملح. الخطية والآثم لا تعلو نحو العلو، لكنها تنزل دائمًا نحو الأماكن المنخفضة السفلى. كل فكر هرطوقي، وكل فعل، وكل فعل الخطية هي موجودة في وادي، أنه مالح ومر. أية عذوبة، وأية حلاوة تستطيع أن تقدمها الخطية؟ لكن يوجد ما هو أسوأ إذا سقط إنسان في آراء الهراطقة، إذا سقط في مرارة الخطية فهو قد سقط في “آبار حمر كثيرة”، الحمر هو غذاء، هو طعام النار.

فإذا تذوقنا ماءًا من هذه الآبار، إذا قبلنا آراء الهراطقة إذا قبلنا مرارة الخطية، فإننا نهيئ في أنفسنا مادة للنار وحطبًا لجهنم. لهذا السبب فإن الذين لا يريدون الشرب من ماء البئر المحفور بواسطة الرؤساء والملوك فأنهم يشربون من البئر الموجود في وادي الخطية، التي تغذي النار، فإنه يقال ” اسلكوا بنور ناركم وبالشرار الذي قد أوقدتموه” (إش50: 11).

رؤساء وملوك:

درجات العمق في معرفة الكتب المقدسة

ما هو إذًا النشيد المرنم حول البئر؟ فلنبدأ بلحن “نشيد” البئر “بئر حفرها رؤساء، حفرها شرفاء الشعب”، نستطيع أن نرى نفس الشخصيات في الرؤساء والملوك؛ لكن إن كان يجب أن نميزهم، فالرؤساء تعني الأنبياء. أنهم خبأوا المسيح وغطوا عليه بنبواتهم في أعماق الحرف، ولهذا السبب قال واحد من الأنبياء ” إن لم تسمعوا ذلك فإن نفسي تبكي في أماكن مستترة” (إر13: 17).

          وقال نبي آخر للسيد الرب “ تسترهم بستر وجهك من مكايد الناس. تخفيهم في مظلة من مخاصمة الألسن” (مز31: 20). إذًا الرؤساء هم الذين حفروا هذا البئر، الملوك هم الذين نقبوه. ينقب بمعنى يقطع أو يهذب الحجر، الشرفاء وهم أقل من الملوك، يحفرون الآبار، بمعنى يعمقون في الأرض، يحفرون إلى عمق معين.

لكن الذين دعوا ملوكًا هم أكثر قوة وأكثر علوًا لا ينقبون فقط سمك الأرض، ولكن ينقبون أيضًا صلابة الصخر، لكي يصلوا إلى الماء الأكثر عمقًا. والأكثر فحصًا إذًا نستطيع أن نقول أيضًا إلى أغطية الهاوية، عالمين برحمة الله “ ما أكرم رحمتك يا الله” (مز 36: 7).

          إذًا نستطيع أن نقول إن هؤلاء الملوك الذين لهم المقدرة أن يصلوا إلى مثل هذه الأعماق، وإلى مثل هذا الفحص من البئر، هم الرسل. وكان أحدهم يقول “ فأعلنه الله لنا نحن بروحه، لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله” (كو2: 10). وبما أنهم يستطيعون بفضل الروح القدس فحص أعماق الله بأنفسهم واختراق أعماق أسرار البئر، فهم في هذا النص، الملوك الذين نقبوا هذا البئر في الصخر، ليصلوا إلى أسرار المعرفة الصلبة والصعبة.

وأما بالنسبة للرسل أيضًا فيمكن أن يدعوا ملوكًا، إذ يمكن استنتاج ذلك بسهولة مما قيل عن كل المؤمنين: ” أنتم جنس مختار وكهنوت ملوكي أمه مقدسة” (1بط 2: 9)، فإذًا هم دعوا ملوكًا أولئك للذين آمنوا بواسطة كلمتهم. نستطيع بسهولة استنتاج ذلك من هذا: إذا كان الملوك هم الذين يحكمون، فكل الذين يديرون كنائس الله يستحقون أن يدعوا ملوكًا، لكن بأكثر استحقاق يدعون ملوكًا أولئك الذين يوجهون بواسطة كلامهم وكتاباتهم الذين يديرون الحكام.

          لهذا السبب دعى حقًا السيد الـرب “ملك الملوك” (رؤ19: 16). وإن كان الرسل وتلاميذهم ليسوا ملوكًا، لما ظهر أن الله ملك الملوك. بولس الرسول نفسه يقول لأهل كورنثوس لتبكيتهم بطريقة توبيخية “ أنكم ملكتم بدوننا وليتكم ملكتم لنملك نحن أيضًا معكم” (1كو4: 8). أنه يؤكد بأن أهل كورنثوس يجب أن يدعوا ملوكًا وأنه يريد أن يملك معهم، ولكنه يظهر أن عندهم كبرياء لا يتناسب مع الشرف الذي يطلبونه.

ها هم الملوك الذين يحفرون البئر “وحفرها رؤساء” (عد21: 18)، الرسل حقًا هم بكل فخر ملوك الأمم بالتمام، لقد جمعوهم في طاعة الإيمان وفتحوا لكل العالم معرفة المسيح ” المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم” (كو2: 3)، وذلك بذهابهم إلى العالم أجمع حسب وصية السيد الرب، وبتنفيذهم الأمر الذي أعطاهم إياه “ تلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت28: 19ـ20). بهذا قد حفروا البئر، بمعنى أنهم أعلنوا العلم وأعطوا المعرفة لكل الأمم.

          هذا الكتاب الذي بين أيدينا، هذا الدرس الذي قُرئ علينا، هما بئر. وفي نفس الوقت كل الكتاب المقدس والشريعة والأنبياء، والكتابات الإنجيلية والرسولية يكونون مجموعة “بئر” واحد، ولا يمكن أن يحفر ولا أن يفحص إلا إذا وُجِدَ ملوك ورؤساء حيث إنه يجب أن ينظر إليهم كملوك حقيقيين ورؤساء حقيقيين، أولئك الذين يمكنهم أن ينظفوا أرض البئر، أي رفع سطحية الحرف، وسطحية “الصخرة” الداخلية حيث يوجد “المسيح” ويعملون على تدفق المعنى الروحي. إذًا فالملوك أو الرؤساء هم الذين يستطيعون أن يعملوا على تدفق المياه، ولقد دعوا ملوكًا لأنهم عزلوا الخطية من تملكها على الجسد، وشيدوا في أعضائهم ما هو للبر.

          فلكي نعلم الآخرين يجب علينا أن نمارس أولاً ما نعلّمه، كما يؤكد الكتاب ” من عمل وعلم فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السموات” (مت 5: 19). والذي هو عظيم في مملكته فهو ملك. إن “ملوك الأمم” يقول الكتاب ” قد حفروها في مملكتهم، وقد ملكوا عليها” (عد21: 18). في الحقيقة هم لا يستطيعون أن يحفروا هذا البئر ولا أن يكشفوا الأغطية المختبئة في الماء الحي، إن لم يتأسسوا بواسطة سيادتهم على الأمم البربرية. لأنهم إن قهروا واخضعوا لسلطة النفس المملوكة، إن سادوا على كل ما هو فيهم من وحشية في أفعالهم، وما هو بربري في عاداتهم، لكي يسلكوا فيما بعد بحسب الشريعة وليس كالوثنيين، فهؤلاء يكونون حقًا ملوكًا يفحصون أعماق البئر وأعماق أسرار كلمة الله.

البئر – العظة الثانية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الباكورة – العظة الحادية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الباكورة – العظة الحادية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الباكورة – العظة الحادية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الجزء الثاني: الباكورة – العظة الحادية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

الباكورة

1 ـ تأمر الشريعة بأن يقدم للكهنة باكورة كل الثمار وكل الحيوانات: كل من يملك حقلاً أو كرمًا أو بستان زيتون، أو حديقة وكل من يشتغل في الأرض، كل من يربي أي ماشية، يقدم لله كل الإنتاج الأول (الباكورة) بأكمله إلى الكهنة.

حيث يقول الكتاب المقدس إن ما قد أعطى للكهنة قد قدم لله. وبذلك نتعلم من الشريعة أنه لا يكون هناك انتفاع شرعي من ثمار الأرض، أو “من الحيوانات” الأليفة الصغيرة إن لم تقدم باكورة الكل لله أي للكهنة، وفي رأيي يجب أن نتمم هذا الناموس مثل كثير من النواميس الأخرى حتى بالمعنى الحرفي[1].

 

التفاسير الثلاثة للكتاب المقدس

 يوجد حقًا وصايا من الناموس تلزم تلاميذ العهد الجديد أيضًا بإتمامها. وإذا أردتم فلنتكلم أولاً عن وصايا الناموس التي ألزمتنا بها الأناجيل، وبعد توضيح هذه النقطة نبحث عن ما هي المعاني الروحية التي يجب أن نراها فيها. البعض يقول: إذا وجد أي شئ لإتمامه حسب الحرف فلماذا لا نحفظ الكل؟ وبالعكس فالبعض الآخر يقول يجب أن نُخْضِع محتوى الناموس للمعنى الروحي، وأنه لا يجب أن نفسر شيئًا حسب الحرف لكن الكل حسب الروح.

لكن نحن بعد تخفيف المبالغة لهذين الوضعين المتباعدين سنحاول أن نعرف بعض القواعد التي يجب أن نتبعها بالنسبة لنصوص الشريعة هذه معتمدين على نصوص الكتاب المقدس في المزمور 19، قد كتب:

وناموس الرب  بلا عيب يرد النفوس، شهادة أمينة تعطي الحكمة للصغار، “وصايا الرب مستقيمة تفرح القلب، أمر الرب طاهر ينير العينيين، خوف الرب نقي ثابت إلى الأبد، أحكام الرب حق عادلة كلها فيما بينها أشهى من الذهب والإبريز الكثير وأحلى من العسل وقطر الشهادة” (مز19: 8ـ 10)

فلو لم تكن هذه الأشياء متمايزة لما أعطى الكتاب المقدس لكل واحدة فضائل خاصة، ولا نسب خصائص مختلفة لناموس الرب، لتعاليمه، لعدله لأحكامه، إنها إذًا أشياء مختلفة مثلما أظهرناها وهي الشريعة، التعاليم، الشهادة، البر والدينونة، يظهر الفرق بين التعبيرات كما نرى بدقة في النص الآتي “الشهادات، الفرائض والأحكام”

(تث4: 44، 45) التي كلم بها الرب موسى. والناموس نفسه أعطى الحكم للشريعة نفسها أنها هكذا تكون، أن تميز بذلك الواحدة عن الأخرى. نحن يجب أن نعطي انتباهًا أكثر لقراءات الشريعة، لأنه حيث يقرأ مثلاً “هذه هي الوصايا”.

كلمة “الوصية” لا يجب أن تفهم بمعنى كلمة “الشريعة”. عندما نقرأ “هذه الشهادات” فلا يجب أن نعتبر الشهادات مثل “الشريعة”، أو “الوصية”، كذلك عندما نقرأ “الشهادة” أو “الحكم” لا يجب أن نخلط هذه العبارة مع الأخرى لكن يجب أن نميز كل واحدة منها.

 

الناموس ظل الخيرات العتيدة

فإذا قرأنا أن ” الناموس إذ له الخيرات العتيدة” (عب10: 1)، فلا يجب أن نعتقد بذلك أن “الوصية” أو “الشهادات” تكون ظل الخيرات العتيدة، أخيرًا لكي نأخذ مثالاً من ضمن أمثلة كثيرة فإنه لم يكتب “هذه هي وصية الفصح”. ولكن “هذا ناموس الفصح”. وكما أن الناموس هو ظل الخيرات العتيدة، أي أن ناموس الفصح له أيضًا هذا الظل بدون أي شك. عندما أصل للنص الذي يتناول موضوع الفصح يجب عليَّ إذًا أن انظر في الحمل الجسدي، ظل الخيرات الآتية وأفهم بأن “ فصحنا المسيح قد ذُبح لأجلنا” (1كو5: 7).

ستجد نفس التعبير في الفطير وحفظ القوانين الأخرى لأيام العيد، بما أن كل هذه قد رتبت تحت عنوان “الناموس” في فروض “الناموس” وبما أن الناموس يشير إلى الخيرات الآتية خلال ظل الحاضر، يجب أن أبحث عن ما هو فطير الخيرات الآتية. وأجد أن الرسول يقول لنا ” إن نعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث بل بفطير الإخلاص والحق” (1كو5: 8).

وعن الختان أيضًا يقول “هو ناموس الختان” حيث إن الختان قد رتب تحت طقس الناموس، وإن “الناموس هو ظل”، أبحث إذًا أي ظل للخيرات الآتية يستطيع أن يحتويه الختان حتى أن بولس الرسول يقول لنا إننا إذا مكثنا في ظل الختان:

إنه إن أختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئًا” (غل5: 2)، وأيضًا ” الختان الذي في الظاهر في اللحم لا يعتبر ختانًا” (رو2: 28ـ 29)، اليهودي ليس الذي ختانه في الظاهر في اللحم لكن ” اليهودي هو الذي في الخفاء“، الختان هو ختان القلب حسب الروح وليس بحسب الحرف، “ومدحه لا يأتي من الإنسان لكن من الله“. تقريبًا كل ما أعلنه الرسول لا يصلح أن تتممه بحسب الحرف ولكن سنجده قد رتب عند موسى تحت عنوان “الناموس”.

 

وصايا تفهم حرفيًا

لكن عندما يقول موسى ” لا تقتل، لا تزن، لا تسرق… الخ” سنجد بأنه لم يعطها عنوان “الناموس”. لكن بالأحرى “الوصايا”. إذًا هذا الجزء من الكتاب المقدس لم “ينقض” لكن بالأحرى قد تمم بواسطة تلاميذ الإنجيل، ولأني قلت أنه ليس “الوصية” لكن “الناموس” هو الذي ليس إلا “ظل الخيرات الآتية”، بالتالي يجب علينا أن نتمم هذه التعاليم حسب الحرف، وفي موضع آخر يقول: ” لأن هذا صالح ومقبول أمام الله” (1تي5: 4) أي يوجد احتياج هنا أن أبحث عن رمز في الرسالة التي هي مجرد قدوة.

إذًا نحن قد بينا أنه توجد تعاليم للناموس لا يجب أن تتمم بحسب الحرف، كما أن الرمز لا يجب أن يحول كلية، لكن يجب أن يتمم مثلما كتب في الكتب المقدسة. أبحث الآن هل يوجد شخص يستطيع أن يتمم الناموس بالمعنى الحرفي وفي نفس الوقت يجب أن نبحث فيه عن الرمز، فلننظر إذًا إن كنا نستطيع أن ندعم أقوالنا بكتابات الرسول أو الإنجيل.

 

وصايا تفهم حرفيًا ورمزيًا

كتب في الشريعة ” لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدًا واحدًا” (تك2: 24)، توجد هنا أسرار رمزية. بولس الرسول يعلنها عندما يقول في رسالته بعدما ذكر هذا النص ” هذا السر عظيم ولكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة” (1تي5: 32).

يجب أن يتمم هذا التعليم أيضًا بالمعنى الحرفي. فالسيد الرب والمخلص علمه بنفسه ” وقال كتب من أجل هذا أن يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان الاثنان جسدًا واحدًا إذًا ليس بعد اثنين بل جسد واحد فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان” (مت19: 5ـ 6). هذا يبين جيدًا أنه تعليم يجب أن يتمم بالمعنى الحرفي. لذلك يضيف ” ما جمعه الله لا يفرقه إنسان“، لكن في نص آخر عندما يقول الرسول    

كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة” (غل4: 22)، من يجعلنا نشك أن ذلك يجب أن يفهم حرفيًا، فبكل تأكيد إبراهيم كان له أسحق من سارة وإسماعيل من هاجر، ولكن الرسول يضيف “وكل ذلك رمز” وأنه يربطهما بالعهدين داعيًا نسل سارة الزوجة التي وضعت لأجل الحرية، أولاد العهد الجديد، ونسل هاجر الجارية التي وضعت لأجل العبودية أولاد أورشليم الأرضية.

اعتقد أننا بينا بواسطة الكتاب المقدس أن من ضمن تعاليم الشريعة ما لا يجب على تلاميذ الإنجيل أن يعملوها حسب الحرف، وأن يستبعدوها وألا يهتموا بذلك بالمرة، وتعاليم أخرى يجب أن تنفذ بتدقيق كما كتبت. وأخرى لها حقائق بحسب الحرف لكن من المفيد والضروري بأن ينسب لها أيضًا المعنى الرمزي.

سيكون إذًا كاتب متعلم في ملكوت السموات ذلك الذي يخرج من كنزه جددًا وعتقاء، إذا عرف في نص الكتاب المقدس، كيف تارة يطرح كلية “الحرف الذي يقتل” باحثًا في كل الكتاب عن “الروح الذي يحيي”، وتارة بتأييد معرفة الحرف وتأكيد معناها النافع والإجباري، وتارة بالاحتفاظ بالمعنى التاريخي وإضافة المعنى السري إليه في حينه.

 

الباكورة يجب أن يقدمها المسيحيون لكهنتهم

          هذا ما يجب أن يعمل يبدو لي في النص الذي بين أيدينا أنه عادل ونافع أن تقدم الباكورة لكهنة الإنجيل حيث إن الرب أمر ” أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون، والذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح” (1كو9: 13ـ 14) بقدر ما يكون هذا مستحقًا ومناسبًا. وبالعكس فإني أحكم أنه مخالف وغير مستحق وخاطئ ذلك الرجل الذي يعبد الله وينضم إلى الكنيسة والذي يعلم أن الكهنة والشمامسة يقفون في الهيكل ويكملون واجباتهم في خدمة كلام الله وفي خدمة الكنيسة، ولا يقدم للكهنة باكورة ثمار الأرض الذي أعطاه إياها الله “فإنه يشرق شمسه ويمطر أمطاره” (مت5: 45).

إنه يبدو لي بأن روح هذا الرجل في نسيان لله، وهو لا يفكر ولا يعتقد أن الله هو الذي أعطاه الثمار التي حصدها وأنه يعمل كما لو أن الله ليس له شئ في هذا المحصول، فلو كان يعتقد أن الله هو الذي أعطاه هذا المحصول لعلم إنه عندما يقدم للكهنة أنه يكرم الله من عطاياه وتقدماته.

          ولكي نتبين أيضًا جيدًا من كلام الله أنه يجب أن نتمم تعاليمه بحسب الحرف أيضًا، سنعطي لذلك أدلة أخرى فيقول السيد الرب في الأناجيل ” ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع (بمعنى الذي يعطي عشور النعناع)، والشبت والكمون وتركتم أثقل الناموس الحق والرحمة والإيمان. يا مراؤون كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك” (مت23:23). تأمل جيدًا كلام الرب الذي يريد بأن نكمل النقط الأكثر أهمية في الناموس بدون أن نترك ما أوصى به بالحرف.

          لعلك تقول أن هذا موجه للفريسيين وليس للتلاميذ؟ أنصت له وهو يخاطب تلاميذه ” إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات” (مت5: 2). فإنه يريد أن ما يعمله الفريسيون يتممه التلاميذ أيضًا وبأكثر سعة، فما لا يريد لتلاميذه أن يعملوه لا يفرضه أيضًا على الفريسيين. لكن كيف يريد أن تلاميذه يعملون أكثر من عمل الفريسيين؟ أنه يبين ذلك عندما يقول “ قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل” (مت5: 21)، والفريسيون يتممون هذا التعليم لكنه يقول للتلاميذ

وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم” (مت5: 22)، أيضًا قد سمعتم إنه قيل لا تزن ولكنه يريد أن بر تلاميذه يتعدى بر الفريسيين لدرجة ” أنهم لا ينظرون إلى امرأة ليشتهوها” (مت5: 28). من هذه الأفكار التي سبق أن ذكرناها نجد الأشخاص ذوو الغيرة في دراسة الكتاب المقدس يستطيعون بسهولة أن يجدوا أمثلة أخرى لهذه الميزات، حيث يسمعها الحكيم فيزداد علمًا غير مكتف بأن يمجدها.

ماذا سيزداد؟ إنه سيميز في كل إصحاح من الناموس متى يجب أن يبتعد عن الحرف ومتى يجب أن يتعلق به ومتى سيكون النص القصصي مطابقًا للشرح السري حيث   “ المسيح افتدانا من لعنة الناموس” (غل3: 13)، أنه لم يفتدينا من لعنة الوصية ولا من لعنة الشهادة ولا من لعنة الأحكام لكن فقط من لعنة الناموس. نحن لم نخضع للختان الذي في اللحم وحفظ السبت ولا للفروض الأخرى من هذا النوع حيث يجب أن نقول أنها تتعلق بالناموس وليس بالوصايا.

إذًا كيف يزيد برنا على  الكتبة والفريسيين. فبينما هم لا يجرؤون أن يذوقوا ثمار أرضهم قبل أن يقدموا البكور للكهنة ويعطوا ما يخص العشور للاويين، أما بدون أن أعمل ذلك فإني أتمتع بثمار الأرض بينما الكاهن لا يراها ويجهلها اللاوى، ومذبح الله لا علم له بها!

 

معنيان لكلمة ”الناموس”:

          مع أنه يجب أن نحدد أن كلمة الناموس قابلة لمعنى مزدوج. فما يدعي “الناموس” هو كل هذه “التعاليم” كل هذه “الوصايا” “أفعال البر” “الشهادات” “الأحكام”. لكن يوجد جزء من تعاليم “الناموس” التي تدعى بالأخص “النواميس” وهي التي سبق أن درسناها أما الناموس بوجه عام فهو ما قال عنه المخلص “ أنه لم يأتي لينقض الناموس بل ليكمله” (مت5: 17)، وأيضًا في موضع آخر “فالمحبة هي تكميل الناموس” (رو13: 10). الكاتب يسمى الناموس مجموعة الكتابات المكتوبة في الناموس، قد قلنا ذلك لنشرح أن الوصية بتقديم الباكورة من المحاصيل ومن القطيع يجب أن تطبق أيضًا بحسب الحرف.

 

المعنى الرمزي ماذا تبين البكورية

          3 ـ فلننظر الآن كيف يحمل أيضًا معنى رمزي بمعنى آخر روحي. فلنبحث إذًا النصوص من الكتاب المقدس بخلاف ما سبق أن تحدثنا عنه حيث نتحدث عن الباكورة “ كل دسم الزيت وكل دسم المسطار والحنطة أبكارهن التي يعطونها للرب لك أعطيتها” (عد18: 12). أتبحث الآن أين تتحدث النصوص عن الأبكار خارج هذا النص لأنه إذا كانت الأبكار تخص الكاهن الأعظم فيجب علينا أن نبحث عن كاهن أعظم تخصه الأبكار الواردة في النصوص الأخرى من الكتاب المقدس.

 

يسوع وشخصيات أخرى

          قبل كل شئ نقرأ عن الرب يسوع المسيح نفسه الذي هو بكر من الأموات. إذًا هو بكر من نوع معين، نجد أيضًا أن الرسول عند ذكره بعض الأشخاص يسميهم “باكورة آسيا” وآخرين “أبكار أخائية” حيث يظهر أن في كل كنيسة يوجد بعض المؤمنين الذي اختبرتهم روح الرسول، يدعون أبكارًا.

أضع بينهم كرنيليوس الذي نستطيع أن نسميه بكر كنيسة قيصرية مع الذين استحقوا معه نوال الروح القدس، ولا يجب أن ندعو كرنيليوس بكر لهذه الكنيسة فقط، بل أيضًا لكل الأمم، لأنه هو الأول الذي آمن من الأمم والأول الذي امتلأ من الروح القدس من الأمم إذًا نستطيع أن نسميه بكر الأمم.

 

من الذي يقدم الأبكار

أ ـ الملائكة

          ربما نتساءل من الذي يقدم هذه الأبكار لله؟ ومن هو الكاهن الأعظم الذي نعود إليه. على حسب كلام الرب يبدو أن هذا العالم هو “حقل”. هذا الحقل لا يحوي الأرض فقط، لكن أيضًا قلب كل إنسان يزرعه ملائكة الله. إنهم يحفظون ثمار عملهم بمعنى الذين يخضعون “لأوصياء ووكلاء”

ولم يصلوا بعد إلى الكمال لكن كل الذين كانت قلوبهم موضع عنايتهم الحريصة، واقتادوهم إلى الكمال، هذه النخبة وهذا الاختيار من ضمن الآخرين هم الأبكار الذين يقدمون للكاهن الأعظم حيث نقرأ بأن كرنيليوس قبل أن يأخذ من بطرس تعاليم كلام الله ونعمة المعمودية، علم من ملاك أن “صلواته وصدقاته صعدت تذكارًا أمام الله” (أع10: 4)، إذًا الملاك قد قدم كرنيليوس لله كبكر. 

 

ب ـ الرسل

          نستطيع أن نقول أيضًا إن بطرس وبولس والرسل الآخرين يقدمون الأبكار من بين الذين يقبلون الإيمان بواسطتهم مثلما يوضحه الرسول عندما يقول “من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح ولكن كنت محترصًا أن أبشر هكذا، ليس حيث سمى المسيح لئلا أبني على أساس لآخر” (رو15: 19ـ20).

لاحظ إذًا أن بولس يقدم ثمارًا من كل الذين تعلموا منه، الذين بشرهم، الذين بدأوا معه في النمو في الإيمان، وكان يبحث كل الأيام عن حقول جديدة ليحرثها، أرض بور جديدة ليزرعها. ولهذا السبب قال للبعض ” قصدت أن آتي إليكم ليكون لي ثمر فيكم أيضًا كما في سائر الأمم” (رو1: 13)، أقول ملاحظًا ومميزًا نخبة من ضمن هذه الثمار ومعلنًا كما قلت إن البعض “هم باكورة آسيا” وآخرين “هم باكورة أخائية” (رو16: 5)، ملاحظًا وهو يختار أبكارًا لكل كنيسة ويقدم لله هذه الباكورة.

وله ربما أيضًا باكورات، لكن اعتقد أيضًا أنه يوجد معهم من هم أقل منهم الذين لا يستطيع أن يقدمهم كأبكار ولا كباكورة لكن كعشور فقط.

 

ج ـ كل حكيم

          أقول أيضًا بأن كل حكيم عند تعليمه، عند تبشيره سامعيه، يشبه حارثًا في الكنيسة التي يعلم فيها بمعنى حارث قلوب المؤمنين، وهذا أيضًا له ثماره، وفي مجموع ثماره يجد بكل تأكيد رجلاً مختارًا ليقدمه كبكر.

يوجد إذًا منهم من يقدم كباكورات وآخرون كالعشور، وإن لم يكن من التهور التقدم في مثل هذا الموضوع، لكننا نستطيع بلا شك أن ندعو الباكورات أنهم الذين كتب عنهم “ الذين لم يتنجسوا مع النساء لأنهم أبكار وظلوا بتولين” (رؤ14: 4). ونستطيع أيضًا أن ندعو كذلك الشهداء أبكارًا. وتحت اسم الباكورة أيضًا نستطيع أن ندخل عذارى الكنيسة. أما بالنسبة للعشور فهم الذين بعد الزواج عاشوا في الزهد والطهارة.

 

عودة للملائكة: دينونة الملائكة

          لقد سبق أن بدأنا بالتحدث عن الباكورة التي قدمت بواسطة الملائكة خدام الجنس البشري، ثم تحولنا للتلاميذ وللحكماء عمومًا، فلنرجع لنقطة البداية.

كل ملاك عند نهاية الأزمنة سيقدم للدينونة آخذًا معه الذين قد وجههم وساعدهم وعلمهم بسبب أنهم “ كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السموات” (مت18: 10). هنا أظن أنه سيطالب عما إذا كان الملاك اهتم بتعليم الإنسان أو إذا كان الكسل البشري لم يستجب لعمل الملاك، كما أنه سوف توجد أيضًا دينونة لأرواح ” الذين قد أرسلوا للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب 1: 14).

          وإذا كان بسبب جبن في حياتهم تحصل سقطات عديدة في الحياة البشرية. إذا كان الأمر كذلك فأنه سوف توجد أيضًا دينونة من الله بين الملائكة والإنسان. ربما بعض الملائكة سيدانون مع حراثهم. بولس يقارن حراثهم مع حراثه، ويقارن حصادهم مع حصاده الذي حصده من جماعة المؤمنين، لهذا سمح له أن يقول “ ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة” (1كو6: 3).

ليس بولس نفسه هو الذي يدين الملائكة، لكن الأعمال التي تممها بولس في البشارة بالإنجيل، وبخصوص نفوس المؤمنين. هنا سيدين الملائكة ليس كلهم لكن البعض منهم. وربما أيضًا لأجل ذلك قال بطرس “ التي تشتهي الملائكة أن تطلع عليها” (1بط1: 12). ولكن الرسل أيضًا يأخذون المساعدة من الملائكة لأداء رسالتهم في التبشير والقيام بأعمال الإنجيل بنجاح.

بهذا المعنى قيل في أعمال الرسل إنه “كان ملاك بطرس يقرع على الباب”. بنفس الطريقة فبما أنه يوجد ملاك لبطرس، فيلزم أن يكون ملاك لبولس أيضًا، وللآخرين بقدر عدد الرسل، وهكذا كل واحد على حسب رتبته أو بحسب استحقاقاته.

هؤلاء الملائكة عليهم أن يلعبوا دورًا في أعمال الرسل وتعليمهم أو تعاليم الحكماء الآخرين الذين يأتون بعدهم مع معاونيهم الذين يحضرون أمام الرب حصاد النفوس التي عمل هؤلاء الآخرين على نموها، عندما يجمع الحصاد، أي عندما يتم الاختيار بين المؤمنين المؤمن الأفضل من أي كنيسة سيقدم بواسطة الملاك كعشور والذي يكون أفضل منه سيقدم كبكر.

 

ملائكة الأمم

أيضًا كل ما قد رسم في الناموس كظل، مادام ” الناموس له ظل الخيرات العتيدة” (عب10: 1)، يتمم بطريقة ما في حقيقة ” الخيرات العتيدة” بواسطة خدمة الملائكة. هذا ما قد كان من قبل في إسرائيل. المدعو إسرائيلي بحسب الجسد، سيتمم بالنسبة للإسرائيليين الحقيقيين السماويين حيث إن اسم إسرائيل قد رفع إلى رتبة الملائكة، أو بالأحرى إنهم هم الذين لهم أكثر صفة لحمل اسم إسرائيل لأنهم حقيقة أكثر أرواح تعاين الله. هذه هي ترجمة لكلمة إسرائيل.

أيضًا في رأيي بعض أسماء الشعوب أو الملوك التي نقرأها في الكتب المقدسة تنتمي بدون أي شك لملائكة أشرار أو للسلاطين المضادة مثل فرعون ملك مصر ونبوخذنصر ملك بابل وآشور. كذلك يجب أن ننسب للملائكة القديسين وللسلاطين الصالحين ما كتب عن القديسين وعن الشعب المقدس. ولكي أقنعك بأن الكتاب المقدس يجعل علاقة بين ملك لآمة منافقة وبين سلطان شرير.

اسمع ما يقوله إشعياء عن نبوخذنصر ” إني أعاقب ثمر عظمة قلب ملك أشور وفخر رفعة عينيه لأنه قال بقدرة يدي صنعت وبحكمتي لأني فهيم ونقلت تخوم شعب ونهبت ذخائرهم وحطمت الملوك كبطل” (إش10: 12ـ13). أيضًا في موضع آخر بخصوص ملك لأمة ما قال إشعياء النبي ” كيف سقطت من السماء يا زهرة الصبح كيف قطعت إلى الأرض يا قاهر الأمم” (إش14: 12).

فإذا كانت الحقيقة تلزم بأن ينسب كل هذا للملائكة ذوي السلطان الماكر، أفلا يجب لنفس السبب أن ننسب للملائكة وللخدام المزينين بسلطة حسنة كما قلت ما كتب عن الملوك أو الشعوب المناضلة؟ وأظن أن سفر التكوين يتحدث عن الملائكة عندما يقول “هلم ننزل ونبلبل ألسنتهم” (تك11: 7).

ألاَّ يجب أن نفكر بأنهم ملائكة مختلفون هم الذين أنشأوا عند الناس ألسنة ولهجات مختلفة؟ فمثلاً إن ملاكًا هو الذي علم الإنسان اللغة البابلية، وملاكًا آخر هو الذي علم اللغة المصرية، وملاكًا آخر هو الذي علم الإنسان اللغة اليونانية (بلا شك أن كاشفي اللغات واللهجات اصبحوا ملوكًا لشعوب مختلفة). أما اللغة التي أعطيت في الأصل بواسطة آدم وهي العبرية حسب ما نعرف، قد ظلت في هذا الجزء من البشرية ولم تكن نصيبًا لأي ملاك ولا لأي ملك ولكن ظلت “نصيب الله”.

 

 

[1] يبدأ هنا أوريجينوس في عرض منهجه التفسيري ونلاحظ أن التفسيرين الرمزي والتاريخي أي الحرفي يتداخلان ويتكاملان.

 

الباكورة – العظة الحادية عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

مقدمة عامة لعظات أوريجانوس على سفر العدد

مقدمة عامة لعظات أوريجانوس على سفر العدد

مقدمة عامة لعظات أوريجانوس على سفر العدد

         منذ القرن الرابع وشخصية أوريجينوس[1] تحظى باهتمام كبير في الكنيسة فالقديس غريغريوس صانع العجائب يسميه “معلم الكتب المقدسة الأول” والقديس جيروم يرى فيه مثالاً يحتذي به.

          وأثر أوريجينوس واضح في مجالات عديدة مثل محاولة الصلح بين التفسيرين الحرفي والرمزي للأسفار، واعتباره من الممهدين لظهور الرهبنة بما كتب عن علاقة الحب بين النفس وعريسها المسيح وكلامه عن الصلاة. وهو أيضًا المقتني للأخلاق الإنجيلية.

          من هنا جاء اهتمامنا بنشر هذه العظات لأوريجينوس على سفر العدد. قام أوريجينوس بعمل هذه العظات في المدة بين 244 – 249م. وكما نفهم من النص أنه كان يعظ في الكنيسة ومعنى ذلك أنها موجهة لكل الشعب وليس لعدد قليل من التلاميذ.

طريقة أوريجينوس في الوعظ

          نلاحظ أنه لم يكن يجهز عظاته سابقًا في هيئة محاضرات كاملة حول موضوع معين، ولكن كل مرة ينتهي القارئ من قراءة الإنجيل في الكنيسة، كان أوريجينوس يرتجل الكلام عفويًا ومن هنا يأتي الإحساس بأنه يقدم أفكارًا كثيرة لا علاقة لها بالنص الذي يعلق عليه. ولكن هذه هي طريقة التفسير التي كانت سائدة في عصره.

          وهذا لا يمنع أن يحوي الوعظ والتفسير فكرة عامة عن السفر ثم أخذ نقطة أساسية تقوده خلال السفر كله وهذا نراه في بداية تفسيره لإنجيل يوحنا وتفسيره لنشيد الأناشيد.

سفر العدد

          ماذا يمكن أن يقدم لنا سفر العدد، فيبدو أنه لا يحمل نفس الوحدة التي نجدها في سفر اللاويين أو التثنية وليس به أحداث تاريخية عظمى كالتي نراها مثلاً في سفر الخروج. وقليلون هم الذين شرحوا هذا السفر في تقليد الكنيسة.

          أوريجينوس يهدف في عظاته إلى أن يقيم السامع من كسله وإهماله ويلهمه بأفكار سامية لكي يقوده إلى الله بالتوبة أي أن هدف تفسير أوريجينوس هو الرعاية، وخلاص النفوس وبنيانها ولهذا فهو لا يستطرد كثيرًا بل يذهب إلى الهدف مباشرة. ويعتبر العلماء أن عظاته على سفر العدد تصف طريق الخلاص بشكل أعمق ومباشر أكثر من كتاباته الكبيرة مثل “رده على كلسوس” أو كتاب “المبادئ”.

          وإذا استثنينا كتابه عن سفر النشيد فإن أهم ما كتبه أوريجينوس عن اتحاد النفس بالله وأكثرها آثرًا هي العظة 27 على سفر العدد، وهي جزء من عظاته كلها، والتي نقدم منها الأربعة عشر عظة الأولى، في هذا الكتاب وسوف ننشر بإذن الله قريبًا ترجمة باقي العظات في جزء ثاني.

          سفر العدد عند أوريجينوس لا يمثل أحداثًا متفرقة بل يمثل جزءًا من التاريخ الإلهي “تاريخ الخلاص”. وله هدف محدد فهو سرد للرحلة نحو أرض الميعاد أي رحلة النفس، لأن أوريجينوس يطبق كل أحداث العهد القديم على الكنيسة والإنسان المسيحي.

          وهذا التفسير لمسيرة التاريخ الإلهي يختلف عن تفسير فيلون الأسكندرى وبولس الرسول واكليمندس. فبالنسبة لهؤلاء تكون الحادثة الرئيسية بعد الخروج بالشعب من مصر هي إعلان سيناء وإعطاء الوصايا، بينما أوريجينوس يرى أن دخول أرض الميعاد هو الشئ الأساسي (نرى أن الخلاف ليس في جوهر الأمر بل في طريقة رؤيته).

          فسيناء ليست نهاية الرحلة بل هي محطة. والهدف النهائي هو الأردن.. هو أرض الميعاد، وهنا يأخذ تاريخ الخلاص عند أوريجينوس لونًا آخر. فالخروج ليس هروبًا بقدر ما هو ارتحال. فالأرض التي “تخرج لبنًا وعسلاً” تلقى بضوئها على رمال الصحراء… والطريق في سيناء والتوقف فيها ليس إلا محطات.

          سفر العدد يمثل لأوريجينوس سفر الحركة، سفر الرحلة الإلهية، سفر رحيل النفس ومسيرتها نحو الله. وهو أيضًا سفر الصحراء والعنوان العبري للسفر معناه “إلى الصحراء” وهو الأكثر مناسبة.

منهج أوريجينوس التفسيري

          أول خطوة في طريق فهم الأسفار عند أوريجينوس هي التفسير التاريخي أو الحرفي. ولكن أوريجينوس يعتبر أنه لا يليق أن تُحصْر كلمة “الله” في مجرد أحداث وتفاصيل صغيرة سواء تاريخية أو جغرافية بدون أهمية مباشرة لنا. فإذا كان موقف موسى في الصحراء قد تم بناءً على أوامر الرب فهذا تم أيضًا لأجل تعليمنا ولأجل إعدادنا نحن لرحلات خروج أخرى مشابهة لما فعله موسى.

          فالهدف الحقيقي وراء سفر العدد هو رحلة النفس الروحية ومحطاتها المختلفة، أي درجات تصل إليها في نهاية الحياة الروحية والتقدم الذي نحققه خلال هذه الرحلة من خلال الانتقال من مرحلة إلى أخرى.

الظروف الفلسفية واللاهوتية (وقت إلقاء أوريجينوس لعظاته) من 244 إلى 24م.

          هناك مبدأ هام يحسن مراعاته عند دراسة أي نص آبائي يرجع إلى القرون الأولى وهذا المبدأ هو محاولة فهم “كلما أمكن ذلك” الظروف التاريخية والاحتياجات الروحية التي صاحبت بل ونقول أدت إلى ولادة هذا النص. وعدم بذل هذه المحاولة سيؤدي بنا إلى عزل النص عن بيئته مع ما في ذلك من خطورة إسقاط مفاهيمنا عليه أو فهمه فهمًا جزئيًا وربما أدخلنا النص في جدل معاصر لم يكن أصلاً في ذهن الكاتب حينما عالج موضوعه، من النص بعض الفقرات التي تبرر تعليمًا خاصًا لا يتفق وكل الفكر الآبائي والكنسي.

تحول مفاجئ أم نمو متدرج

          هذا السؤال لا يعتبر سؤالاً جديدًا فلقد حاولت الفلسفات القديمة أن تعالجه. هناك فلسفة كانت ترى أنه يجب الاختيار بين طريق الحكمة وطريق الجنون وليس هناك خيار أو درجات في هذا. وهم يرون الحياة عبارة عن تحول بالحكمة إلى عقل خالص، وليس نموًا هادئًا من درجة لأخرى وهذه هي الفلسفة الرواقية.

          هذا لا يلغي أن الرواقيين قد آمنوا بجدوى التعليم ولجأوا إلى إدخال فكرة التعليم والنمو التي هي فكرة أفلاطونية.

في المناخ الفكري الأسكندرى في القرن الثالث بعد الميلاد كانت نظرية التقدم الأخلاقي درجة بعد أخرى هي الأكثر شيوعًا وهذا بفضل فيلون الأسكندرى وأفلوطين المصري. ولكن لم يكن هناك بعد نظام متجانس وواضح.

الفكر المسيحي

          عاش الفكر المسيحي في القرون الأولى تطورًا مماثلاً، وقد أخذ طريقًا غير طريق الفلسفة. فقد كان لا يميل إلى عدم التركيز على الثنائيات، فرغم أن مثل حبة الحنطة والخميرة التي تخمر العجين يوضحان طريقًا تربويًا متدرجًا. إلا أن معظم صور العهد الجديد وأمثاله تتجه نحو القطيعة مع الماضي والبداية من جديد، أي يجب أن “تبيع كل ما تملك” أو “أحمل صليبك” أو حقيقة فكرة الولادة من فوق. أو فكرة الطريقين في كتاب (الديداكي).

إن مسيحي القرون الأولى كانوا مشغولين بتغيير الحياة أكثر من النمو التدريجي، ونلاحظ أن الرسول بولس يقبل الفروق الفردية بين المؤمنين في الكنيسة من جهة النمو التدريجي (1كو 3 : 1ـ 3؛ أف 4 : 13ـ 16)، ويرى (دي لوباك) عالم الآباء الفرنسي أن أساس التمييز بين مراحل النمو الروحي عند أوريجينوس موجود عند الرسول بولس.

          ولكن نلاحظ أن خبرة الرسول بولس الشخصية وطريق دمشق تحركان أفكاره. وهو يفكر عن طريق المتضادات، الإيمان أو الناموس، الإنسان الجديد أو الإنسان العتيق، المسيح أو العالم.

          فما يعنيه هو نشر الإيمان والتحول للمسيح وانسكاب المواهب على الكنائس التي أسسها. والذي يهمه بالدرجة الأولى هو الدخول إلى الإيمان بحسم وجدية وبعد ذلك يحتاج الإنسان إلى الصبر انتظارًا للمجيء الثاني.

تربية الله للبشرية

          ولكن في القرن الثالث لم تكن خبرة طريق دمشق هي المنهج السائد لسببين:

أولاً: تأخر المجيء الذي كان متوقعًا وتكلم إيرينيوس عن منهج الله في تربية البشرية وبداية لاهوت التشبه بالله، فالمسيحي يبدأ غير كامل ثم ينمو.

ثانيًا: إن المسيحيين لم يعودوا هم المتحولين من الوثنية بل مولودين من أسر مسيحية. بما يعنيه ذلك من ضرورة تبني منهج التربية الأسرية وتسليم الإيمان، والتدرج في فهم أسرار الإيمان وهذا جعل المسيحيين يفهمون أن الروح يعمل ببطء أكثر من يوم الخمسين.

وأوريجينوس هو مثال لطفل مولود في أسرة مسيحية ولهذا كان يجب تعميق فكرة الولادة الروحية عند بولس وهناك ثمر للحياة في المسيح…

          وهنا ظهرت فكرة النمو الروحي ودرجاته في الكنيسة وظهر هذا المنهج أولاً عند إيرينئوس ووجد صدى عند أكليمنضس وأوريجينوس. فأفلاطون وبسودنيوس وفيلون كانوا يؤكدون الخبرة المسيحية.

أوريجينوس ودرجات النمو الروحي

          في هذا المناخ اللاهوتي والفلسفي كان أوريجينوس يعلم في الكنيسة. وعند أوريجينوس يكون النمو في الدرجات الروحية لا يخص فقط المؤمن في الكنيسة، بل إن كل التاريخ ومراحله هو رمز للمسيح. ففي تاريخ إسرائيل في أدق تفاصيله نرى المسيح متجسدًا.

وإسرائيل الجديد هو الكنيسة، وتاريخ إسرائيل يخص أيضًا كل نفس. فإسرائيل والمسيح والكنيسة وأورشليم السمائية والإنسان الباطن هي ملامح كثيرة لواقع واحد، ولا يمكن تناول إحدى هذه الملامح بدون الإشارة إلى الأخرى، ولهذا فكل ما كتبه عن إسرائيل يمثل إلى جانب المعنى التاريخي بعدًا نبويًا ينطبق على المسيح والكنيسة. وبعدًا اسخاتولوجيًا يعلن الدهر الآتي، وبعدًا داخليًا يعلن النسك والأسرار.

ولهذا فأوريجينوس يوظف كل هذه المعاني في شرحه، فهو ينتقل من المعنى التاريخي إلى المعنى النبوي أو إلى الأسرار والنسك الشخصي، أو ينتقل من الكلام عن الكنيسة إلى النفس الإنسانية لأن الكنيسة والنفس عند أوريجينوس هما وجهان لحقيقة واحدة.

          وهذا ينطبق على فكرة أوريجينوس عن درجات النمو الروحي فكل شئ عنده درجات. وهذا نلاحظه من أول صفحات سفر العدد، أنه اتجاه عزيز على نفس أوريجينوس. فإسرائيل عُزِلَ من الأمم ولكنه أي إسرائيل يمثل درجة في معاملات الله مع البشر، ولكنه يحمل نظامًا متميزًا وهو اللاويين. اختلاف أعداد القبائل عند أوريجينوس هو درجات الكرامة، درجات القرابة في الميراث، درجات الطقوس في العهد القديم.

          العظات على سفر العدد تقدم لنا مفتاح روحانية أوريجينوس. السفر هو سفر الصحراء والهجرة والترحال، وقد صار هذا السفر عند أوريجينوس هو أتون التجارب والتنقية للمرور من درجة روحية إلى درجة أعلى فهو سفر المسيرة نحو الله.

ما هي ملامح هذه الروحانية؟

1 ـ الإيمان هو للضعفاء، الذين بالإيمان بالمسيح المصلوب يخلصون.

2 ـ الأعمال: النسك بكل درجاته وهي عبارة عن الجهاد والنمو وتعلم العفة والفضائل والتوبة عن الخطايا والاتضاع ورفض المظاهر. وهناك من يجاهدون ليس عن أنفسهم فقط بل عن آخرين.

3 ـ القداسة: القديسون يختارون من بين المجاهدين بالأعمال، والقداسة ليست هي حالة عدم الخطية ولكنها تقديم الإرادة والنية “proairesis”. القديس لا يختلف عن الآخرين إلا في أنه في موقع مختلف، فهو مفرز، لقد ترك كل ماله… وشئون الدنيا ليتكرس لله بالكامل، وهذا هو تعريف القديس عند أوريجينوس.

ولكنه أحيانًا يستعمل تعبير قديس كمرادف للفظ كامل… هناك ترابط بين الاثنين… القداسة هي التجرد الكامل، والقديس يصير قديسًا بممارسة القداسة… فنحن ندعو طلبة الطب أطباء وطلبة الفلسفة فلاسفة قبل أن ينتهوا من دراستهم وطالبوا القداسة يدعون قديسين حتى ولو لم يكونوا قد وصلوا إلى نهاية طريق القداسة. يكفي أن عندهم النية الداخلية وقد خطوا الخطوات الأولى، والكمال يأتي بعد ذلك.

4 ـ الكمال: أوريجينوس يستعمل هذه الكلمة كثيرًا وهي لا تعني غياب الخطأ أو العصمة بل تعني الذي أنهى عملاً. فالكمال هو الهدف النهائي، الكمال هو رؤية الله، والكمال يستلزم المعرفة إلى جانب الأعمال.

5 ـ المعرفة: المعرفة هي الجزء الأساسي من الروحانية عند أوريجينوس… حتى ولو لم يستعمل اللفظ علانية، فكل مرة يتحدث عن الحكمة أو عن الأسرار أو الإعلان الإلهي، فهو يتحدث عن المعرفة ورغم أن هذا العلم أو المعرفة لا يعني المعرفة بمعناها المعاصر الآن إلا أنها تشتمل على جانب “اقتناء المعارف”: المعارف الدنيوية والثقافة والطب والفلسفة من ناحية، ومن الناحية الأخرى المعارف الكنسية أي معرفة تراث الكنيسة والكتب المقدسة والبحث في التقليد العبراني وقراءة مؤلفات علماء المسيحية الأوائل وحتى كتب الهراطقة ينصح أوريجينوس بقراءتها.

ونحن نعرف أن أوريجينوس كان يلزم تلاميذه بعمل دراسات ثقافية وفلسفية ضخمة. ودراسات موسوعية لكي يعدهم للتأمل في الكتب المقدسة، فرغم أن معرفة علوم الدنيا وثقافاتها تعتبر في نظر أوريجينوس كعلوم إعدادية إلا أنها لا يمكن الاستغناء عنها لفهم الإيمان.

          أما عن العلم في ذاته فهو عند أوريجينوس يعني اقتناء حقائق إلهية. مثل أن الله غير مادي، وحدة العهدين، حضور اللوغوس في كل الخليقة.

          العلم عند أوريجينوس يرتبط بنظرته للإنسان. فالإنسان ليس عقلاً خالصًا كما يقول “كانتKant” والذكاء هو أقرب إلى الحدس “Intuition”.

          فالذكاء عند الأقدمين يفترض الحرية من الأوجاع “Apathia” وبدون العفة لا يوجد ذكاء. والعفة مرتبطة بالحب. والحب لا ينفصل عن الصلاة وتقديم الذات لله.

إسرائيل والإسرائيليون في تفسير أوريجينوس

          كان أوريجينوس مثله مثل كل آباء الكنيسة في القرون الأولى يفسرون كلمة إسرائيل والإسرائيليين بحسب النظرة الروحية الدينية المحضة. ولهذا فهم يقارنون بين الإيمان بالله وقوة عمله في التاريخ كما أعلنت في العهد القديم وبين الألوهية المشوهة في الديانات الوثنية عند اليونانيين أو المصريين وغيرهم من شعوب الشرق، والتي كانت تخلط بين الله وصور المخلوقات.

ولذلك نجد أوريجينوس في هذه العظات يتحدث عن الإسرائيلي دون أن يكون هناك تحديد عنصري أو عرقي أو أي معنى سياسي بل يطبق كل ما هو في سفر العدد على المؤمنين في العهد الجديد والذين ليسوا من إسرائيل بحسب الجسد. لأن إسرائيل بحسب الرسول بولس وآباء الكنيسة هي كنيسة المسيح وهي شعب الله الحقيقي. ولا تزال الكنيسة الأرثوذكسية حتى الآن تلتزم بهذا التفسير.

وقد أعلنه بابا وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر قداسة البابا شنودة الثالث في خطابه الجامع بنقابة الصحفيين عام 1968 عن “المسيحية وإسرائيل” وفي يوم 5 ديسمبر 1971 والذي نشر في كتاب بنفس العنوان.

الترجمة الفرنسية لعظات سفر العدد

          تمت ترجمة هذه العظات في السلسلة الفرنسية لنصوص الآباء “Sources Chretiennes” (المصادر المسيحية) المجلد رقـم (29) المنشور في باريس سنة 1951. وهذه الترجمة الفرنسية ترجمت عن النص اللاتيني الذي ترجمه الراهب روفينوس عن الأصل اليوناني سنة410م.

الترجمة العربية لهذه العظات

          قام أحد أصدقاء “مركز دراسات الآباء” بترجمة هذه العظات الأربعة عشر عن الفرنسية، وتولى المركز مراجعتها وحاول ضبطها على النص الفرنسي بأقصى ما يمكن من جهد، وإضافة بعض الملاحظات ثم كتابة المقدمة.

          ويسرنا أن نجرى طباعة هذه الترجمة العربية لعظات أوريجينوس على سفر العدد في نفس الوقت الذي ينعقد فيه “المؤتمر الدولي السادس للدراسات الأوريجنية” وموضوعه هذا العام “أوريجينوس والكتاب المقدس” ويعقد هذه المرة في فرنسا في الفترة من 30/ 8/ 1993 إلى 2/ 9/ 1993.

          فليجعل الله هذه العظات بركة وبنيانًا لكنيسة المسيح في البلاد الناطقة بالعربية. ولإلهنا القدوس الآب والابن والروح القدس كل المجد وسجود وتسبيح الآن وإلى الأبد. آمين.

[1] هذا هو النطق الصحيح لأسم أوريجانوس رغم أن هذا النطق الأخير بالألف هو الذي شاع بالعربية.

مقدمة عامة لعظات أوريجانوس على سفر العدد

Exit mobile version