التأله غاية خلق الإنسان – د. أنطون جرجس

التأله غاية خلق الإنسان – د. أنطون جرجس

التأله غاية خلق الإنسان – د. أنطون جرجس

يعترض البعض في وقتنا الحاضر على لفظة تأله أو تأليه الإنسان، معتقدين خطاءً أن التأله معناه مساواة المخلوق (أي الإنسان) بغير المخلوق (أي الله)، ويهاجمون المصطلح لمجرد أنه لا يليق نسبه إلى المخلوق.

لذا أحبائي أردت في هذا المقالة توضيح حقيقة هامة لهؤلاء الذين يهاجمون المصطلح، وهي أن التأله بالنعمة له معاني كثيرة، منها:

١.التبني لله الآب بالمسيح في الروح القدس.

٢.شركة الطبيعة الإلهية في القداسة والبر والحكمة والحياة الأبدية أي حياة عدم الفساد، وحياة عدم الموت (الخلود)، واللاهوى، أي عدم سيطرة الأهواء البشرية على ذهن الإنسان.

٣.سكنى الروح القدس بأقنومه داخلنا ليعطينا مواهبه وعطاياه وأعماله وطاقاته الإلهية غير المخلوقة، التي هي أعمال وعطايا وبركات الثالوث القدوس.

٤.غرس الصورة الإلهية في الإنسان، صورة البهاء والمجد والعظمة والسلطان في المسيح، صورة الله غير المنظور.

معاني ومفاهيم التأله كثيرة جدًا، ولكنني أكتفي بهذه النقاط.

 

سنبدأ بالحديث عن موضوع هذه المقالة، وهو تتبع غاية خلق الإنسان عند آباء الكنيسة، حيث وجدنا أن الآباء يجملون غاية خلق الإنسان من العدم في تعبير “التأله”.

فنرى ق. إيرينيؤس يتحدث عن أن الإنسان كان مخلوقًا ليصير إلهًا بالنعمة، ولكنه لم يصل إلى هذه المرتبة السامية والكاملة من بداية خلقته، بل كان عليه أن يتدرج في الفضيلة ومسيرة التأله حتى يصل إلى هذه الدرجة الرفيعة أي التأله بالنعمة، وهذا يدحض تعليم أن الإنسان كان خالدًا بطبيعته أو منذ خلقته، وأنه كان متألهًا منذ خلقته. حيث يقول التالي:

“كيف يمكن أن يكون إلهًا*، وهو لم يصر إنسانًا (بالكمال) بعد؟ أو كيف يمكن أن يكون كاملاً، وهو مازال في بداية خلقته*… لأنه يجب في البداية أن تتمسك برتبة إنسان، ثم تشترك بعد ذلك في مجد الله” (ضد الهرطقات ٤: ٣٨: ١).

نرى أيضًا العلامة ترتليان يتحدث في نفس السياق أن غاية خلق الإنسان هي أن يصير إلهًا بالنعمة، بعد آخذ الإنسانية إلى قلب الألوهية في المستقبل، حيث يقول التالي:

” أنظروا آدم سيصبح واحدًا منا (تك٣: ٢٢)، أي أن ذلك سيكون بعد آخذ الإنسانية إلى قلب الألوهية في المستقبل”.

(Tertullian, Ad. Marcion, 3. 24, CSEL- 47.420. 10-13, Trans. By Holmes, ANF).

كما يرى ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي أن الإنسان خُلق في مرحلة متوسطة بين الخلود والموت، فلو اتجه نحو الخلود بحفظ وصية الله، كان سينال الخلود كمكافأة له، ويصير إلهًا بالنعمة، ولكن إن اتجه نحو الموت، وعصا وصية الله، كان هو نفسه علة موته، لأن الله خلقه حرًا مريدًا. حيث يقول التالي:

“لقد خلق الله الإنسان ليس خالدًا ولا مائتًا، ولكن خلقه قادرًا أن يتجه إلى أيّ من الجهتين (أي الخلود أو الموت)، وهكذا إذا اتجه إلى ما هو خالد وحفظ وصية الله، فإنه كان سينال مجازاة الخلود من الله، ويصبح إلهًا بالنعمة*. أما إذا اتجه إلى الأشياء التي تقود إلى الموت وعصى الله، فإن الإنسان سيصبح هو نفسه سبب موته، لأن الله خلق الإنسان حرًا وسيدًا على إرادته” (الرسالة إلى أوتوليكوس ١: ٢٧).

ويؤكد ق. أثناسيوس على أن وعد الخلود (عدم الموت) في السماء؛ كان ينتظر البشر لو حافظوا على النعمة في الفردوس واستمروا صالحين، حيث يقول التالي:

“إذا حفظوا (أي البشر) النعمة واستمروا صالحين، عاشوا في الفردوس بغير حزن ولا ألم ولا هم، بالإضافة إلى الوعد بالخلود في السماء”

(تجسد الكلمة ٣: ٤).

يشير ق. باسيليوس الكبير إلى نفس الغاية من خلق الإنسان، ولكن باستخدام صورة الملابس النورانية التي يكتسي بها الملائكة في مجد وبهاء عظيمين، حيث يرى أن هذه هي مكافأة الإنسان لو مارس الفضيلة، حيث يقول التالي:

” إذًا، لم يكن ينبغي للإنسان أن تكون له أغطية طبيعية، ولا حتى صناعية؛ إذ كان معدًا له نوع آخر من الأغطية إذا مارس الفضيلة. هذه الأغطية التي كانت لا بد أن تغطي الإنسان بنعمة الله هي تلك التي يرتديها الملائكة*، تلك الملابس النورانية التي تفوق جمال الزهور، ولمعان وبهاء النجوم. لذا لم تُعطى له الملابس مباشرةً بعد خلقته*، إذ كانت معدة له كمكافأة له إذا مارس الفضيلة، والحقيقة كان في يده أن يأخذها، لكن للأسف بسبب تأثير الشيطان، لم يستطع أن ينالها”

(عظة الله ليس مسببًا للشر).

ويدحض هنا ق. باسيليوس أيضًا التعليم بأن الإنسان كان خالدًا منذ خلقته، ويؤكد على أنه كان في مسيرة نحو اقتناء المجد الملائكي إذا استمر في ممارسة الفضيلة.

يؤكد ق. غريغوريوس النيسي أخو ق. باسيليوس على أن الإنسان كان مدعوًا للحياة ليكون شريكًا في الطبيعة الإلهية أي التأله بالنعمة، وهذه كانت غاية خلقته، وهذا هو السبب من وراء خلقته بحسب صورة الله، حيث يقول التالي:

“إذا كان الإنسان قد دُعي للحياة ليكون شريكًا في الطبيعة الإلهية، فلا بد أن يكون تكوينه الأساسي يؤهله لهذه المشاركة، وكان من الضروري أن يُمزج شيئًا من المماثلة الإلهية بالطبيعة البشرية، حتى تجعله – هذه المماثلة- يميل إلى ما ينتمي إليه…. هذا كله يُشار إليه في عبارة (خلق الإنسان على صورة الله)”

(العظة التعليمية الكبرى ٥: ٥- ٧).

كما نرى ق. غريغوريوس اللاهوتي يتفق مع رفيقيه القديسين باسيليوس وغريغوريوس النيسي في أن غاية خلق الإنسان هي التأله بشوق الإنسان نحو الله، حيث يقول التالي:

“كائن حي يقيم في الأرض، ولكنه ينتقل إلى عالم آخر، وفي نهاية المطاف، يصير إلهًا بشوقه إلى الله*”

(العظة الفصحية الثانية ٣٦: ٧).

أختم بمعلم الأرثوذكسية العظيم ساويروس الأنطاكي الذي يتحدث عن غاية خلق الإنسان في نفس السياق الآبائي الأرثوذكسي الموصول في الكنيسة عبر العصور والأجيال، حيث يتحدث عن أن الإنسان فانٍ بطبيعته وقابل للفساد بطبيعته منذ خلقته، داحضًا مزاعم أن الإنسان خالد بالطبيعة، وأنه كان متألهًا منذ خلقته، كما يؤكد على أن غاية خلق الإنسان هي حياة عدم الفساد أي التأله بالنعمة، لو كان استمر موجهًا نظره نحو الله. حيث يقول التالي:

“إن الإنسان فانٍ بالطبيعة، لأنه أتى إلى الوجود من العدم… ولكنه مع ذلك، لو كان قد استمر موجهًا نظره نحو الله، لكان قد تجاوز قابليته الطبيعية للفساد، وبقى غير فاسد”.

(La polémique, I, p. 30)

التأله غاية خلق الإنسان – د. أنطون جرجس

التأله غاية التجسد – د. أنطون جرجس

التأله غاية التجسد – د. أنطون جرجس

التأله غاية التجسد – د. أنطون جرجس

 سوف أناقش معكم أحبائي في هذا المقال موضوع مهم جدًا وهو التأله غاية التجسد الإلهي، حيث ينكر البعض أن غاية التجسد هي تأليه الإنسان، كما يرفضون أيضًا في خضم ذلك، موضوع آخر قد تمت إثارته من قبل، وهو التجسد غير المشروط وعلاقته بالتأله وخلود الإنسان.

أود أولاً توضيح الحجج والبراهين التي يُبنى عليها موضوع التجسد غير المشروط، وهم ثلاث حجج رئيسية:

الحجة الأولى:

(الحجة الكتابية) تدبير التجسد هو تدبير أزلي حتمي بشهادة آيات الكتاب المقدس، مثل:

أ. حديث بولس الرسول عن تدبير ملء الأزمنة في المسيح:

10 لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ (الرسالة إلى أفسس10:1)

ب. حديث بولس الرسول عن السر المكتوم منذ الدهور:

9 وَأُنِيرَ الْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ فِي اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. (الرسالة إلى أفسس9:3)

ج. حديث بولس الرسول عن سر حكمة الله المكتومة:

7 بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، (الرسالة الأولى إلى كورنثوس7:2)

د. حديث بولس الرسول عن السر المكتوم منذ الدهور:

 السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ وَمُنْذُ الأَجْيَالِ، لكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ لِقِدِّيسِيهِ، (الرسالة إلى كولوسى ١: ٢٦)

 جميع هذه كانت إشارات كتابية واضحة إلى أزلية وحتمية سر التجسد، ولكن يدّعي البعض أن هذا التدبير الإلهي كان من أجل علاج نتائج سقوط الإنسان أي مشروط بسقوط الإنسان، بمعنى لو لم يسقط الإنسان في التعدي، كان لن يحدث سر التجسد. وهنا نتساءل كيف يكون تدبير أزلي حتمي، ويكون مشروطًا في نفس الوقت بالسقوط؟

الحجة الثانية: (حجة التأله) ما دام التأله هو غاية التجسد سواء قبل السقوط أو بعد السقوط كما علّم آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وكما سنرى في هذا المقال، فما المشكلة في حدوث التجسد غير المشروط قبل السقوط، طالما التأله هو الهدف المشترك سواء قبل أو بعد السقوط.

الحجة الثالثة: (حجة الخلود) ما دام الإنسان مخلوق من أجل الخلود والحياة الأبدية قبل السقوط، كيف كان يمكن أن يصير خالدًا بدون اتحاد الإلهي بالإنساني في التجسد؟ هل هناك وسيلة أخرى للخلود في ضوء الإعلان الإلهي غير التجسد؟ وإن كان يوجد آتوني بها. وحيث أننا أوضحنا في مقال سابق بعنوان “ماهية الخلود في تعليم آباء الكنيسة”، أرجو الرجوع إليه، وربطه بالموضوع ككل، لتتضح الصورة، بأنه لا يمكن الخلود بدون التجسد والتأله؟ ولا توجد وسيلة أخرى غير التجسد غير المشروط.

ماهية الخلود في تعليم آباء الكنيسة

 

نستعرض الآن معًا أحبائي موضوع المقال، وهو الحجة الثانية من الحجج الثلاثة التي وضعناها للتجسد غير المشروط، وهي (التأله غاية التجسد) كالتالي:

نبدأ أولاً بتأكيد العلامة ترتليان على أن غاية خلق الإنسان هي التأله، حيث يقول:

“أنظروا آدم سيصبح واحدًا منا (تك٣: ٢٢)، أي أن ذلك سيكون بعد آخذ الإنسانية إلى قلب الألوهية* في المستقبل”. (ضد ماركيون ٣: ٢٤)

(Tertullian, Ad. Marc. 3. 24, CSEL _ 47.420.10-13; trans. Holmes, ANF)

 

 وهذا هو ما يؤكده أيضًا ق. غريغوريوس اللاهوتي عن انتقال الإنسان الأول قبل السقوط إلى عالم آخر في نهاية المطاف، ليصير إلهًا بشوقه لله، حيث يقول التالي:

“كائن حي يقيم في الأرض، ولكنه ينتقل إلى عالم آخر، وفي نهاية المطاف، يصير إلهًا بشوقه إلى الله”.

(العظة الفصحية الثانية، عظة ٤٥: ٧)

 وهكذا وضعنا القاعدة الأساسية بأن غاية الإنسان كانت قبل السقوط هي التأله، نبحث الآن الوسيلة التي أعلنها الله في الكتاب المقدس والتقليد لتحقيق هذا التأله وهي التجسد، لأن التأله هو غاية التجسد.

 نبدأ من عند ق. أثناسيوس حيث يؤكد على أن غاية التأنس والتجسد هي التأله في عبارته الشهيرة التي تقف حجرة عثرة أمام كثيرين، مستخدمًا الصيغة التبادلية كالتالي:

“لقد صار إنسانًا لكي يؤلهنا*”.

(تجسد الكلمة ٥٤: ٣).

كما يؤكد في موضع آخر ويربط بين التأله والخلاص كغايتين للتجسد، فالخلاص هو التأله والتأله هو الخلاص عند ق. أثناسيوس المعروف بأنه “لاهوتي التأليه” كالتالي:

“لقد صار مثل هذا الاتحاد، لكي يصير ما هو بشري بحسب الطبيعة متحدًا بالذي له طبيعة اللاهوت، فيصير خلاصه وتألهه* مضمونًا”

(ضد الآريوسيين ٢: ٧٠)

 كما يردد ق. كيرلس السكندري نفس كلمات ق. أثناسيوس قائلاً بأن غاية التجسد هي التأله كالتالي:

“لذا فقد صار مثلنا أي إنسانًا، لكي نصير مثله أعني آلهة* وأبناء”.

(in Joh. 21: 1. 1088bc)

ويردد ق. أوغسطينوس معهما نفس الكلام قائلاً:

“لأن هذا الاتخاذ (أي التجسد) قد جعل الله إنسانًا، والإنسان إلهًا*”.

(الثالوث ١: ١٣: ٢٨)

كما يؤكد ق. غريغوريوس اللاهوتي على نفس كلام الآباء السابقين أن غاية التجسد هي تأليه الإنسان قائلاً:

“والإنسان الأرضي الذي اتحد بالجسد بوساطة روح، صار إلهًا عند ما امتزج بالله، وصار واحدًا يغلب فيه الأفضل والأرفع، وبذلك أصبح أنا إلهًا* بقدر ما أصبح هو إنسانًا”.

(الخطبة اللاهوتية الثالثة، عن الابن، خطبة ٢٩: ١٩)

ويقول أيضًا في موضع آخر في نفس السياق:

“هلم لنصير مثل المسيح، حيث أن المسيح صار مثلنا؛ هلم نصير آلهةً* من أجله، لأنه صار إنسانًا لأجلنا”

(العظة الفصحية الأولى ٣٥: ١)

كذلك يؤكد ق. غريغوريوس النيسي على أن غاية التجسد هي تأليه الإنسان كالتالي:

“وبما أن هذا الجسد الذي صار وعاء للألوهة، قد نال ذلك أيضًا لكي يستمر في الحفاظ على وجوده*، كما أن الله الذي أظهر ذاته، قد مزج نفسه بطبيعتنا المائتة حتى بهذه الشركة مع اللاهوت*، يتيسر للبشرية أن تصير مؤلهة* في نفس الوقت”.

(Or. Cat: 37, PG 45.97b)

 كما يسير ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقب بأثناسيوس الغرب على نفس النهج في أن غاية التجسد هي تأليه الإنسان كالتالي:

“لأن الله قد جاء في الإنسان، ليصبح الإنسان بدوره إلهًا*”.

(تفسير إنجيل متى على آية (مت٥: ١٥)، PL9. 950CD).

كما يؤكد في نفس السياق على الحقيقة السابقة قائلاً في موضع آخر:

“فإنه حينما وُلد الله ليكون إنسانًا، لم يكن الغرض هو فقدان الألوهية، بل ببقاء الألوهية، يجب على الإنسان أن يُولد ليصير إلهًا*”.

(عن الثالوث ١٠: ٧).

 ومن هنا يتضح أحبائي من خلال أقوال معلمي البيعة المقدسة شرقًا وغربًا أن غاية التجسد هي تأليه الإنسان سواء قبل السقوط أو بعده، وبالتالي، كان التجسد سيحدث حتى لو لم يخطئ آدم، لكي يؤله الله الإنسان باتحاده به في التجسد ليهبه الخلود والحياة الأبدية أي حياة الله، لأنه يجعلني اشترك فيها معه باتحادي به في المسيح الكلمة المتجسد، ولا يوجد وسيلة أخرى أعلنها الله من أجل تحقيق ذلك سوى التجسد الإلهي.

التأله غاية التجسد – د. أنطون جرجس

ماهية الخلود في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

ماهية الخلود في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

ماهية الخلود في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

استكمالاً لسلسلة المقالات التي كنت قد بدأتها عن التجسد الإلهي وغايته ودافعه، سوف أبحث في نقطة متعلقة بغاية التجسد الإلهي وهي الخلود الإنساني، وذلك من خلال تعريف آباء الكنيسة لماهية الخلود وارتباطه بالتجسد والاتحاد بين الإلهي والإنساني الذي تم في التجسد ليهب الخلود للإنسان، ولكننا سنتحدث عن ماهية الخلود قبل السقوط، لنعرف هل كان الإنسان خالدًا بطبيعته أم لا؟

يتحدث تاتيانوس السوري وهو من الكنسية الأنطاكية السريانية وصاحب كتاب الدياطوسرون أو الإنجيل الرباعي، عن ماهية الخلود مخاطبًا الوثنيين في عصره كالتالي:

“إن النفس، أيها الوثنيون، ليست خالدة بحد ذاتها (أي بطبيعتها)، وإنما مائته”

(ضد الوثنيين :١٣).

كما يتحدث ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي في نفس السياق عن أن الحياة الأبدية والخلود هما عطيتان إلهيتان، وأنهما ليسا أصليين في النفس الإنسانية، بل يمنحهما الله بالشركة معه، قائلاً:

“ولكن كما أن الجسد الحيواني ليس هو النفس، بل له شركة معه طوال الفترة التي يريدها الله، هكذا أيضًا فإن النفس ليست هي الحياة، بل هي تشترك في تلك الحياة الممنوحة لها من الله.

لذلك أيضًا تعلن الكلمة النبوية عن الإنسان الذي خُلق أولاً أنه (صار نفسًا حية) معلمةً إيانا أن النفس باشتراكها في الحياة صارت حية، حتى أن النفس والحياة التي تملكها ينبغي أن نفهمهما أنهما وجودان منفصلان، لذلك حينما يمنح الله الحياة والوجود الدائم*، فإنه حتى النفوس التي لم تكن موجودة قبلاً، ستصير منذ ذلك الوقت مستمرة إلى الأبد*، حيث أن الله قد أراد أن توجد، وأنها يجب أن تستمر في الوجود، لأن إرادة الله يجب أن تقود وتحكم في كل شيء”.

(ضد الهرطقات٢: ٣٤: ٤)

ثم يتحدث عن غاية الله من خلق الإنسان وهي تأليه الإنسان بالنعمة، وأنه كان سينال ذلك بعد وقت طويل من خلقته، وليس أنه خُلق متألهًا وخالدًا، بل كان مجرد بشر ثم يتدرج بعد وقت ليصير إلهًا كالتالي:

“لأن هذه الحيوانات العجماوات، لا تتهم خالقها لأنهم لم يُخلقوا بشرًا، بل كل منها بحسب ما خُلق يقدم الشكر لأنه قد خُلق. حيث أننا نحن نوجه اللوم لله، لأننا لم نُخلق آلهة من البداية*، ولكن خُلقنا أولاً مجرد بشر، ثم بعد وقت طويل آلهةً*”

(ضد الهرطقات ٤: ٣٨: ٤).

ونرى نفس الشيء عند ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي وهو أحد آباء كنيسة أنطاكية، حيث يتحدث عن خلق الله للإنسان في حالة متوسطة بين الفناء والخلود، وينبغي عليه أن يسلك بحكمة حسب الوصية ليصير خالدًا وإلهيًا كالتالي:

“لكن قد يقول أحدهم لنا: هل خُلق الإنسان فانيًا بالطبيعة؟ لا على الإطلاق. هل خُلق الإنسان إذًا خالدًا؟ ولا نقول هذا أيضًا*. ولكن سيقول أحدهم: هل خُلق إذًا كلا شيء على الإطلاق؟ نحن لا نقول هذا أيضًا. في واقع الأمر، لم يكن الإنسان فانيًا أو خالدًا بالطبيعة. لأنه لو خلقه الله خالدًا من البداية، لكان جعله إلهًا. مرةً أخرى، لو خلقه فانيًا، كان سيبدو أن الله مسئول عن موته. لذا لم يخلقه الله خالدًا أو فانيًا*.

لكن كما قلنا في السابق، قادرًا على كليهما*. فإن توجه إلى حياة الخلود بحفظه وصايا الله، ربح الخلود كمكافأة منه وصار إلهيًا*. ولكن إن توجه إلى أعمال الموت عاصيًا الله، صار مسئولاً عن موته”

(الرد على أوتوليكوس ٢: ٢٧).

كما نرى ق. يوستينوس الشهيد يقول نفس الشيء عن ماهية الخلود، حيث يرى أن الله هو الوحيد غير المولود وغير قابل للفساد، أما كل ما عداه هو مخلوق وقابل للفساد*، وخاصة النفس الإنسانية كالتالي:

“لأنه إذا كان الكون مخلوقًا فالنفس أيضًا بالضرورة تكون مخلوقة. وقد كان وقت لم تكن الأنفس موجودة فيه، لأنها خُلقت لأجل الإنسان والكائنات الحية الأخرى، حتى إذا ادّعيت أنت أنها خُلقت على حدة وليس مع أجسادها. قلت: أعتقد أنك على حق. النفس إذًا ليست خالدة. قال: لا ليست خالدة، بما أن العالم نفسه قد خُلق ….

لأن الله كائن سرمدي، أما كل ما عداه مما يوجد أو سيوجد فله طبيعة قابلة للفساد*، وبالتالي معرضة للاضمحلال التام، لأن الله هو وحده غير المولود، وغير قابل للفساد، ولهذا السبب هو الله، وكل ما عداه هو مخلوق وقابل للفساد*. لهذا أيضًا تموت النفس وتُعاقب، لأنها لو كانت غير مخلوقة (أي إلهية أو خالدة)، لما أخطأت أو صارت في مثل هذه الحماقة”

(الحوار مع تريفون اليهودي: ٥).

يتفق معهما الفيلسوف المسيحي أثيناغوراس الأثيني، والذي يُقال أنه كان أحد مديري مدرسة الإسكندرية اللاهوتية في عصره، حيث يتحدث أن الإنسان ليس خالدًا بطبيعته، وأن الخلود كان سيُمنح له لو عاش بالشريعة والعدالة كالتالي:

“ولذلك فإن كان الإنسان قد خُلق لا بدون سبب ولا هباءً (إذ ليس أي من أعمال الله هباءً، على الأقل على حد علم غاية صانعهم)، ولا لمنفعة الصانع، أو أي من الأعمال الخارجة عنه، فمن الواضح بحسب الرؤية الأولى والأشمل للموضوع، أنه على الرغم من أن الله جبل الإنسان لنفسه وخلقه في سعي للخير والحكمة المتجلين في الخليقة، إلا أنه بحسب الرؤية المتلامسة مع الكائنات المخلوقة بشكل أقرب، فهو جبلهم لأجل حياة تلك المخلوقات ….

لكن هؤلاء الحاملين في أنفسهم صورة الخالق ذاته، والمزودة بعقل، ومباركة بتفكير عقلاني، فقد عيّن الخالق لها وجودًا أبديًا*، ذلك لكي يتعرفوا على صانعهم، وقوته، وقدرته، مُرشَدين بالشريعة والعدالة*، لعلهم يتخطون وجودهم كله بلا معاناة حائزين تلك الصفات التي بها قد عاشوا بشجاعة حياتهم السابقة، على الرغم من أنهم عاشوا في أجساد مادية وقابلة للفساد*”

(مقالة عن القيامة: ١٢).

ونرى مما سبق أن هذا الكلام لا يختلف مع كلام ق. أثناسيوس من أن الإنسان لو حفظ الوصية والنعمة في الفردوس كان سينال وعد الله له بالخلود في السماء، فالإنسان لم يُخلق خالدًا، بل خُلق في مسيرة نمو وتقدم نحو الخلود والتأله، كما قال الآباء السالف ذكرهم، وهذا أيضًا ما ذكره ق. غريغوريوس اللاهوتي في عظته الفصحية الثانية عن أن الإنسان كان مدعو ليصير إلهًا وينتقل لعالم آخر، وكيف كان سيحدث هذا الخلود، سوى باتحاد الإلهي مع الإنساني في التجسد، ليؤله الإنسان مانحًا إياه الخلود، وهذا هو ببساطة تعليم التجسد غير المشروط، فنرى أثناسيوس يقول التالي:

“ولكن لعلمه أيضًا أن إرادة البشر يمكن أن تميل إلى أحد الاتجاهين (الخير أو الشر) سبق فأمّن النعمة المعطاة لهم بوصية ومكان، فأدخلهم في فردوسه وأعطاهم وصية حتى إذا حفظوا النعمة واستمروا صالحين*، عاشوا في الفردوس بغير حزن ولا ألم ولا هم بالإضافة إلى الوعد بالخلود في السماء*”

(تجسد الكلمة ٣: ٤).

أختم بقول للأب يوحنا زيزيولاس ملخصًا كل ما جاء في المقال عن الخلود وعلاقته بالتجسد غير المشروط بالسقوط، والاتحاد بالله لنوال التأله، حيث يقول التالي:

” لم يقصد الله تلك العرقلة (أي السقوط)، ولكنه لم يتجاهلها أيضًا. فبالرغم من تعطل خطته وتدبيره، ولكن ظل قصد الله لم يتغير*. وأخذ منحى جديد للتعامل مع الموقف المتغير. وهذا هو منطق ق. أثناسيوس الذي عرضه في كتابه (تجسد الكلمة). أننا لا زلنا نتحدث عن التجسد حتى من دون سقوط آدم*، ولكن حدد سقوط آدم الشكل الذي كان يتحتم على التجسد اتخاذه. لو لم يسقط، فكان سيحضر آدم كل الخليقة في النهاية إلى هذا الاتحاد بالله في شخصه*.

وكان سيتمكن هذا الاتحاد من التغلب على حدود الكينونة المخلوقة المتمثلة في الموت: لقد قصد الخريستولوجي ببساطة تحويل الإنسان ليكون مسيحًا* بممارسته حريته على نحو ثابت، فمثل المسيح، كان الإنسان سيجعل عدم خضوع الوجود العالمي فيما بعد لقيود الكيان المخلوق والتحلل والموت”

  1. D. Zizioulas, Lectures in Christian Dogmatics, edit. by Douglas Knight, (London & New York: T & T Clark, 2008), Ch. 3, p. 105.

ماهية الخلود في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله والنسطورية الجديدة – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله والنسطورية الجديدة – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله والنسطورية الجديدة – د. أنطون جرجس

يتحدث الأب جون ماكجوين في كتابه الشهير “كيرلس السكندري والجدل الخريستولوجي” عن عقيدة التأله بالنعمة أنها السمة المميزة لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية، وعقيدة تأله ناسوت المسيح هي سمة مميزة لمدرسة الإسكندرية، وليس كما يدّعي النساطرة الجدد عن دون فهم ووعي وعن جهل بأن نسطوريوس هو مَن يؤمن بتأله ناسوت المسيح، بل العكس صحيح، نسطوريوس يرفض عقيدة تأله ناسوت المسيح، حيث يقول الأب ماكجوين التالي:

“كان يقال في هذه المدرسة الفكرية (أي مدرسة الإسكندرية) عن المسيح الإلهي إنه إنسان حقيقي بقدر حقيقة لاهوته خاضع تقريبًا للمدى الكامل الخبرات الجسدية. بهذه الشروط، لا يمكن تعريف بشريته بأنها ناقصة في بعض معانيها (بلا عقل أو نفس، على سبيل المثال، كما عند أبوليناريوس)، لكن بالأحرى كلها موجودة، ولكنها تحولت جذريًا بقوة الألوهة الأعظم بما لا يُقاس، التي اتخذت الجسد لنفسها.

عنصر أساسي في نظرية ‘التحول’ أي مفهوم تأله جسد الرب* (وبالآثار المترتبة على ذلك يكون المؤمن كذلك*) الذي تم تحقيقه في فعل التجسد*. هذه هي الفكرة الأكثر ديناميكية للمدرسة السكندرية*، والهدف الرئيس في اللغة التجسدية. ولكن هذا بالنسبة إلى نسطور هو استنتاج يُرثى له* من الاعتماد على نظرية ‘الامتصاص’. وحيث أنه يعارض الأخير (أي نظرية الامتصاص) بحزم وصرامة، لذلك يميل أن يحط من قدر السابق (أي تأله جسد الرب)”.

جون ماكجوين، كيرلس السكندري والجدل الكريستولوجي (تاريخه، ولاهوته، ونصوصه)، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: الحبر الجليل الانبا مقار، (القاهرة، ٢٠١٩)، ص ١٥٥، ١٥٦.

ثم يستطرد الأب جون ماكجوين مؤكدًا على أن الموقف السكندري في مقابل الموقف النسطوري هو اعتقاد السكندريين بتأله جسد المسيح، وليس كما يدّعي جهلاً النساطرة الجدد بأن عقيدة تأله ناسوت المسيح هي عقيدة نسطورية، حيث يقول التالي:

“العبارة التي تقول إن الجانبين اللذين في المسيح بقيا بشروط متساوية في جميع مراحل حياة المخلص، على أية حال، تم التنازع عليها بمرارة. فالموقف السكندري كان كذلك: إن اتخاذ البشرية بواسطة اللوغوس ألَّه deified الجسد* منذ اللحظة التي تم فيها الحمل في رحم العذراء. منذ لحظة الولادة، تم رؤية المسيح بعين الإيمان كحقيقة واحدة. فالحديث عن جانبين أو طبيعتين دائمتين، بالنسبة إلى السكندريين، سوف يدمر بالكامل أي مفهوم للوحدة التي لا تتجزأ في المسيح، اللوغوس المتجسد”.

المرجع السابق، ص ١٥٩.

كما يؤكد الأب ماكجوين على تشبث ق. كيرلس السكندري بعقيدة التأله بالنعمة كأحد القيم المركزية لإنجيل التجسد، بينما يرفض نسطوريوس ذلك تمامًا، ويرى في المسيح مجرد قائد، ومرشد للحياة الأخلاقية، ومثال أعلى ومعلم لنا، ومجرد داعية مصلح، كما يرى النساطرة الجدد ذلك أيضًا، حيث يقول التالي:

“لقد اعتبر (أي نسطوريوس) أي شكل من نظرية الامتصاص بأنه عاجز على الحفاظ على تمايز الجواهر، وإذا لم تصمد البشرية في المسيح بالكامل، فإن الحرية الأخلاقية للاتحاد سوف تتدمر، حيث أنه لا يرى كيف يفترض أي إنسان مشيئة بشرية حرة في يسوع، إذا كان مثل هذا الخليط غير المتكافئ قد حدث، مع امتصاص القدرة الهائلة للألوهة البشرية الهشة وغمرها في عملية ما للتأله يتم تصورها*.

هذا النهج الأخير كان ينتقده نسطور* دائمًا، بينما بالنسبة لكيرلس* وقف كأحد القيم والمنجزات المركزية لإنجيل التجسد*. استبدال فكرة تأله البشرية*، مساوٍ لخطورة اقتراح بعض التعديلات في أحد أو كلا الجوهرين، لذا أشار نسطور بدلاً من ذلك إلى الإرادة الحرة تمامًا ليسوع، الكاملة الطائعة لمشيئة الله (اللوغوس) ومتحدة بشكل وثيق معه كالعلامة البارزة والوسيلة التي للخلاص.

قدم نسطور مثل هذه الرؤية ليسوع كقائد ومرشد للحياة الأخلاقية*، وفي نفس الوقت مثالنا الأعظم ومعلمنا، لأنه بصفة عامة كان في الواقع داعية مصلح كما يتعلق هذا مبدئيًا بالمسيحية كتعليم أخلاقي. باختصار، بنبذ نسطور احتمالية اتحاد كريستولوجي مبني على مصطلحات أوسيا أو طبيعة، تحول بدلاً من ذلك إلى فكرة المشيئة والحب، والسيطرة الأخلاقية كمحل هندسي لنظريته الكريستولوجية”.

المرجع السابق، ص ١٩٣، ١٩٤.

نستنتج من هنا أحبائي أن عقيدة التأله بالنعمة وتأله ناسوت المسيح هي عقائد راسخة في اللاهوت الأرثوذكسي عامةً، وفي اللاهوت السكندري خاصةً، وأنه على العكس من اللاهوت السكندري الأرثوذكسي الذي كان يمثله ق. كيرلس السكندري، رفض نسطوريوس عقيدتي التأله بالنعمة وتأله ناسوت المسيح، كما يرفضهما النساطرة الجدد، معتبرًا ذلك خلط أو امتزاج أو امتصاص للطبائع في المسيح، وهكذا رفض نسطوريوس تعبير الاتحاد الأقنومي في المسيح، وأعتبر المسيح مجرد مصلح ومرشد أخلاقي ينبغي اتباعه، وليس مخلصًا حقيقيًا للبشرية.

عقيدة التأله والنسطورية الجديدة – د. أنطون جرجس

التأله غاية خلق الإنسان عند ق. كيرلس السكندري – د. أنطون جرجس

التأله غاية خلق الإنسان عند ق. كيرلس السكندري – د. أنطون جرجس

التأله غاية خلق الإنسان عند ق. كيرلس السكندري – د. أنطون جرجس

يفرق ق. كيرلس السكندري بين صورة الله ومثاله في الإنسان، حيث يرى أن لصورة الله معاني كثيرة، بينما المثال هو حياة عدم الفساد وعدم الاضمحلال، كما يؤكد على أن الإنسان لم يكن خالدًا بالطبيعة منذ خلقته، بل كان سينال الخلود بعد ذلك كعطية من الله على طاعته للوصية وثباته في الله. حيث يقول التالي:

“ورغم أن حديثي أقل من المستوى اللازم، إلا أنني يجب أن أواصل موضحًا الحالة الأولى لطبيعتنا. فإني أعرف أننا إذ نقصد بإخلاص أن ندرك معنى الكلمات التي أمامنا، فإننا سنتجنب الأخطار الناتجة عن الكسل. إذًا، فهذا المخلوق العاقل أي الإنسان، قد خُلق من البداية على صورة ذاك الذي خلقه حسب المكتوب (أنظر كو٣: ١٠). وصورة لها معاني متعددة.

فيمكن أن تكون الصورة ليس حسب معنى واحد، بل حسب معاني كثيرة، أما عنصر مماثلة الله الذي خلقه، الذي يعلو الكل، فهو عدم الفساد وعدم الاضمحلال.

فنحن نعرف أن المخلوق لا يمكن أن يكون كفوًا في ذاته أن يكون هكذا كالله بمجرد قانون طبيعته الخاصة*، لأنه كيف يمكن لذاك الذي هو من الأرض بحسب طبيعته الخاصة، أن يملك مجد عدم الفساد*، إن لم يحصل على ذلك من الله* الذي هو بالطبيعة عديم الفساد، وعديم الفناء، وهو دائم هكذا كما هو إلى الأبد، والله هو الذي يغني الإنسان بهذه الهبة كما يهبه كل العطايا الأخرى*؟”.

كيرلس السكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي الدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص ٢١٤.

ثم يؤكد ق. كيرلس السكندري على أن التأله هو غاية خلق الإنسان لو لم يسقط في التعدي والعصيان، فالله كان سيجعله شريكًا للطبيعة الإلهية، كما يؤكد أيضًا على أن النفخة التي نفخ الله في الإنسان هي الروح القدس، روح الابن، وليس كما ينكر النساطرة الجدد بأن النفخة في بداية الخلق هي نفخة الروح القدس. حيث يقول التالي:

“فكما يقول بولس الملهم بكل عقل وحكمة: وأي شيء لك لم تأخذه (١كو٤: ٧). لذلك، فلكي لا يتلاشى ذلك الذي خُلق من العدم، ويعود إلى العدم مرةً أخرى، بل بالحري يُحفظ على الدوام – كما كان قصد الذي خلقه*- لذلك فإن الله يجعله شريكًا للطبيعة الإلهية، لأنه ‘نفخ في أنفه نسمة حياة’ (تك٢: ٧)، أي روح الابن*، لأن الابن نفسه مع الآب هو الحياة، وهو يضبط كل الأشياء معًا في الوجود. لأن كل الكائنات التي تنال الحياة ‘به تحيا وتتحرك’ حسب كلمات بولس الرسول (أنظر أع١٧: ٢٨)”.

المرجع السابق.

ويؤكد ق. كيرلس السكندري على أن النفخة في بداية الخلق هي نفخة الروح القدس، ويقول إنه مَن يفترض أن نفخة الله في بداية الخلق صارت نفسًا مخلوقة هو إنسان لا يملك تفكيرًا سليمًا، ويشرح ذلك كالتالي:

“فإننا يجب أن نكرر مرةً أخرى ونقول – لا يوجد أي إنسان ذو تفكير سليم، يمكن أن يفترض أن النسمة التي صدرت من الجوهر الإلهي صارت نفسًا مخلوقة، بل إنه بعد أن صار للمخلوق نفسًا، أو بالحري بعد أن بلغ إلى كمال طبيعته بوجود النفس والجسد معًا، فإن الخالق طبع عليه ختم الروح القدس أي ختم طبيعته الخاصة أي نسمة الحياة*، والتي بواسطتها صار المخلوق مشكلاً بحسب الجمال الأصلي، واكتمل على صورة ذاك الذي خلقه. وهكذا وُهبت له الإمكانية لكل شكل من أشكال السمو بفضل الروح* الذي أُعطي له ليسكن فيه”.

المرجع السابق، ص ٢١٥.

يتضح من هنا تأكيد ق. كيرلس السكندري على أن التأله هو غاية خلق الإنسان كما قصد الله، أي أن يصير شريكًا للطبيعة الإلهية، ويؤكد ق. كيرلس السكندري على أن نفخة الله في بداية الخلق لم تكن نسمة الحياة المخلوقة في الإنسان، بل ختم الروح القدس أي ختم طبيعته الخاصة في الإنسان، وليس كما ينكر النساطرة الجدد ويدّعون أن نسمة الله في بداية الخلق هي مجرد نسمة الحياة أو النفس المخلوقة في الإنسان.

التأله غاية خلق الإنسان عند ق. كيرلس السكندري – د. أنطون جرجس

تأله ناسوت المسيح في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

تأله ناسوت المسيح في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

تأله ناسوت المسيح في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

يعلم آباء الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة بتعليم غاية في الأهمية هو تأله ناسوت المسيح، حيث يرى الآباء أن تأله ناسوت المسيح هو الطريق لتأله أجسادنا نحن بالمسيح في الروح القدس.

فنجد القديس أثناسيوس الرسولي يؤكد على تأله ناسوت المسيح، ويؤكد أيضًا على تبادل الخواص والصفات في المسيح كالتالي:

“بل كُتبت هذه العبارة عنه بسببنا ولأجلنا. لأنه كما مات المسيح ثم رُفع كإنسان، فبالمثل قيل عنه إنه أخذ كإنسان ما كان له دائمًا كإله، وذلك لكي تصل إلينا عطية مثل هذه النعمة، فإن اللوغوس لم يحط من قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالأحرى فإن الجسد الذي لبسه قد تأله*، بل وأكثر من ذلك، فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجة أكثر”.

أثناسيوس (قديس)، المقالات ضد الآريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، ١: ١١: ٤٢، ص ١١٠، ١١١.

ويكرر نفس الحديث عن تأله ناسوت المسيح في موضع آخر كالتالي:

“لأنه حينما صار إنسانًا، لم يكف عن أن يكون الله، ولا بسبب كونه الله يتجنب ما هو خاص بالإنسان، حاشا بل بالحري، إذ هو الله فقد أخذ الجسد لنفسه، وبوجوده في الجسد، فإنه يؤله* الجسد”.

المرجع السابق، ٣: ٢٧: ٣٨، ص ٣٤٣، ٣٤٤.

ويشدد أيضًا على تأله ناسوت المسيح في موضع آخر قائلاً:

“وعندئذ لم يقل ‘والابن’ كما سبق وقال إنسانيًا، بل قال: ‘ليس لكم أن تعرفوا’ لأن الجسد عندئذ كان قد قام وخلع عنه الموت وتأله*، ولم يعد يليق به أن يجيب بحسب الجسد عندما كان منطلقًا إلى السماوات، بل أن يعلم بطريقة إلهية”.

المرجع السابق، ٣: ٢٨: ٤٨، ص ٣٥٨.

وهذا هو أيضًا ما يقوله ق. غريغوريوس اللاهوتي عن تأله ناسوت المسيح، حيث يقول في عظته الثيؤفانيا (الظهور الإلهي) أو عظة عيد الميلاد التالي:

“الله قد خرج مع الجسد الذي اتخذه، واحد من اثنين كانا مختلفين، الجسد والروح، حيث أحدهما كان يؤله، والآخر يتأله*. فيا للخلط الجديد! يا للمزج العجيب! هو الذي هو، قد صار، والخالق خُلق، وغير المدرَك قد أُدرك بواسطة العقل كوسيط الذي هو في المنتصف بين اللاهوت وخشونة الجسد”.

Gregory of Nazianzus, Theophany, PG 36.325 B-C.

ويتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن تأله ناسوت المسيح نفسًا وجسدًا في مواجهة أبوليناريوس الذي أنكر وجود النفس الإنسانية العاقلة في المسيح كالتالي:

“إذا كان الأقل نبلاً قد اُتخذ ليتقدس إذ أنه (المسيح) اتخذ جسدًا، أفلا يُتخذ الأكثر نبلاً ليُقدس إذ أنه (المسيح) صار إنسانًا، إذ كان التراب [يقصد الجسد] أيها الحكماء قد خمّر الخمير فصار عجينًا جديدًا، أفلا يُخمِّر الصورة [الروح] فترقى إلى الامتزاج بالله، بعد أن تكون قد تألهت بالألوهة*؟”.

غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٠)، الرسالة الأولى إلى كليدونيوس، ص ٢٤.

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي في خطبته اللاهوتية الأولى عن الابن في مواجهة الأفنوميين الآريوسيين منكري ألوهية المسيح متحدثًا عن تأله ناسوت المسيح، الذي فتح الطريق أمام تأله أجسادنا نحن أيضًا التالي:

“فالذي [أي الابن] هو الآن حقير في نظرك، كان قبلاً أرفع منك، الذي هو الآن إنسان، كان حينذاك غير مركب. وما كأنه بقي عليه، وما لم يكنه صار إليه [أي الناسوت]. كان في البدء بلا علة – وهل يكون لله علة؟ – ثم وُلد لعلة. وكانت العلة هي أن تخلُص، أنت المجدف عليه، ومحتقر الألوهة التي تحملت كثافتك، والإنسان الأرضي الذي اتحد بالجسد بواسطة روح، صار إلهًا* عندما امتزج بالله، وصار واحدًا، يغلب فيه الأفضل والأرفع، وبذلك أصبحُ أنا إلهًا بقدر ما أصبح هو إنسانًا”.

غريغوريوس النزينزي (قديس)، الخطب ٢٧-٣١ اللاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ١٩٩٣)، ٢٩: ١٩، ص ١٠٠.

وهذا هو أيضًا ما يؤكد عليه ق. غريغوريوس النيسي في مواجهة الهرطقة الأبولينارية، حيث شدد على تأله ناسوت المسيح، واكتسابه خواص الألوهية بعد التجسد التدبيري لله الكلمة، وهذا بالطبع ينعكس على أجساد البشر الذين خلصهم الله الكلمة بتجسده من الخطية واللعنة والضعف، ومنحهم التأله وخواص الألوهية من الحكمة، والقداسة، والقوة، وعدم التألم كالتالي:

“إننا نضع في الاعتبار قول الرسول: إنه صار خطيةً، ولعنةً لأجلنا، وإنه قد أخذ ضعفنا عليه بحسب كلام إشعياء النبي، ولم يترك الخطية، واللعنة، والضعف دون شفاء، بل قد ابتُلع المائت من الحياة، ولقد امتزج كل شيء ضعيف ومائت في طبيعتنا مع الألوهية*، وصار ما تكونه الألوهية*”.

غريغوريوس النيسي (قديس)، الرسالة إلى البابا ثيؤفيلوس السكندري ٢٣ ضد الأبوليناريين، ترجمة: أنطون جرجس، (القاهرة: دورية مدرسة الإسكندرية رقم ٣١، ٢٠٢١)، ص ٥٢، ٥٣.

ويكرر النيسي نفس الحديث عن تأله ناسوت المسيح في نفس الرسالة قائلاً:

” لأنه باكورة الطبيعة البشرية التي أخذها امتزجت بالألوهية* كلية القدرة والقوة […] لكن بما أن كل هذه الخواص التي نراها مصاحبةً للمائت قد تحولت إلى خواص الألوهية*، فلا يمكن إدراك أي تمييز بينهما، لأن أي شيء يمكن أن يراه الإنسان في الابن هو الألوهية، والحكمة، والقوة، والقداسة، وعدم التألم”.

المرجع السابق، ص ٥٤.

وكذلك أيضًا يؤكد ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقب بأثناسيوس الغرب على تأله ناسوت المسيح، حيث يقول التالي:

” إذ يتلخص التجسد في هذا، أن كل ما للابن – أي ناسوته ولاهوته- قد سمح له الآب أن يستمر في وحدة طبيعته، ولم يحتفظ فقط بقدرات الطبيعة الإلهية، بل وأيضًا بتلك الطبيعة نفسها. فإن الهدف المطلوب هو أن يتأله الناسوت*. لكن الناسوت المُتخذ لم يكن ممكنًا له بأية طريقة أن يبقى في وحدة الله، إلا إذا وصل إلى الوحدة مع اللاهوت”.

هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير الانبا أنطونيوس، (مصر: دير الانبا أنطونيوس بالبحر الأحمر، ٢٠١٧)، ٩: ٣٨، ص٦٣١، ٦٣٢.

كما يؤكد ق. كيرلس السكندري الملقب بعمود الدين على تأله ناسوت المسيح، الذي يعد الوسيلة والطريقة لتأله أجسادنا نحن أيضًا، حيث يقول التالي:

” تتقدم الطبيعة البشرية في الحكمة وفقًا للطريقة الآتية: الحكمة الذي هو كلمة الله اتخذ الطبيعة البشرية فتألهت*، وهذا مبرهَن من خلال أعمال الجسد، والنتائج العجيبة في أعين أولئك الذين يرون الهيكل (الجسد) الذي أخذه، جعلته يرتقي بالنسبة لهم. هكذا ارتقت الطبيعة البشرية في الحكمة متألهةً* بواسطتها. لذلك أيضًا نحن بطريقة مماثلة للكلمة، الذي لأجلنا تأنس، نُدعى أبناء الله وآلهةً*. لقد تقدمت طبيعتنا في الحكمة منتقلةً من الفساد إلى عدم الفساد، ومن الطبيعة البشرية إلى الألوهية* بنعمة المسيح”.

كيرلس السكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١١)، ٢٨: ١١، ص ٣٩٦.

ويشرح ق. ساويروس الأنطاكي مثله مثل باقي الآباء السابقين عليه أن تأله ناسوت المسيح معناه لمعان جسد المسيح بالمجد الخاص بالله مقتبسًا ومفسرًا قول ق. غريغوريوس اللاهوتي من عظة الثيؤفانيا أو عيد الميلاد الذي أقتبسناه أعلاه، حيث يقول في رسالته الثانية إلى سرجيوس النحوي التالي:

“ففي العظة (Lebon p. 116) على الظهور الإلهي يقول [ق غريغوريوس] ‘الله خرج مع الجسد الذي اتخذه، واحد من اثنين كانا مختلفين، الجسد والروح، حيث أحدهما كان يؤله والآخر يتأله*’. لكن يُفهم تعبير ‘يتأله’ ويقال لأن الجسد قد لمع بالمجد الخاص بالله، كما يقول الحكيم (كيرلس) وليس لأنه تغير إلى طبيعة اللاهوت”.

ساويروس الأنطاكي (قديس)، الرسالة الثانية إلى سرجيوس النحوي، ترجمة: راهب من دير الانبا أنطونيوس، (مصر: دير الانبا أنطونيوس بالبحر الأحمر، ٢٠١٥)، ص ٣٢٣.

ويتضح من هنا إجماع آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا على تأله ناسوت المسيح كوسيلة وكتهيئة لتأله أجسادنا نحن بالمسيح في الروح القدس، وليس كما ينكر النساطرة الجدد تأله ناسوت المسيح مدعين عن جهل بأنه تعليم نسطوري، بل قد ثبُت من نصوص الآباء شرقًا وغربًا أن تأله ناسوت المسيح هو عقيدة أرثوذكسية راسخة في الكنيسة الجامعة.

تأله ناسوت المسيح في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

التأله غاية خلق الإنسان عند ق. إيرينيؤس – د. أنطون جرجس

التأله غاية خلق الإنسان عند ق. إيرينيؤس – د. أنطون جرجس

التأله غاية خلق الإنسان عند ق. إيرينيؤس – د. أنطون جرجس

يتحدث ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي وتلميذ القديس بوليكاربوس أسقف أزمير، الذي كان بدوره تلميذًا للقديس يوحنا الرسول، عن أن الإنسان لم يكن كاملاً منذ البدء عندما خلقه الله، بل كان في مرحلة طفولة في مسيرة نحو كماله، حيث يقول التالي:

“ولكن إن كان أي أحد يقول: ماذا إذًا، ألم يكن يستطيع الله أن يُظهر الإنسان كاملاً منذ البدء*؟ فليعلم أن بقدر ما أن الله هو دائمًا حقًا هو ذاته، وهو غير مولود من جهته هو، فإن كل الأشياء مستطاعه لديه. أما المخلوقات فيحب أن تكون أقل منه هو الذي خلقها، من الحقيقة ذاتها أنهم نشأوا متأخرين، لأنه لم يكن ممكنًا للأشياء المخلوقة حديثًا أن تكون غير مخلوقة، ولكن بقدر ما أنها ليست غير مخلوقة، فلهذا السبب بالذات تقصر عن أن تكون كاملةً*.

لأنه بسبب أن هذه الأشياء هي من تاريخ متأخر، لذلك فهي طفولية (في حالة الطفولة) *، وهي لم تتعود على النظام الكامل، ولم تتدرب عليه”.

 

إيرينيؤس أسقف ليون (قديس)، ضد الهرطقات ج٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، ٤: ٣٨: ١، ص ٢٥٨، ٢٥٩.

ويؤكد ق. إيرينيؤس في موضع آخر على حقيقة أن الإنسان لم يكن كاملاً منذ البدء قبل السقوط، بل خُلق في مرحلة الطفولة، لذا كان في مسيرة نمو نحو كماله. وإن القادر على تحقيق كمال الإنسان هو ابن الله نفسه بتجسده ليكمل نقص الإنسان ويمنحه الكمال من خلال مشاركته في طفولة الإنسان، حيث يقول التالي:

“وهكذا بالمثل، فإن الله كان له القوة في البدء أن يمنح الكمال للإنسان*، ولكن لأن الإنسان كان قد خُلق حديثًا فقط*، فكان من المحتمل ألا يستطيع أن يناله، وحتى إن ناله لم يكن يستطيع أن يحتويه*، وإن احتواه لم يكن يستطيع أن يحتفظ به*. ولهذا السبب، فإن ابن الله رغم أنه كامل، اجتاز خلال حالة الطفولة مشتركًا مع بقية الجنس البشري*، مشتركًا فيها هكذا ليس لأجل منفعته الذاتية، بل لأجل منفعة مرحلة الطفولة، لكي يستطيع الإنسان أن يتقبله.

لذلك لم يكن هناك شيء مستحيل عند الله، أو شيئًا ناقصًا فيه، متضمن في حقيقة أن الإنسان لم يكن كائنًا غير مخلوق [أي متألهًا]، ولكن هذا مجرد أن ينطبق عليه هو الذي خُلق فيما بعد أي الإنسان”.

المرجع السابق، ٤: ٣٨: ٢، ص ٢٦٠.

ثم يؤكد ق. إيرينيؤس أن تأله الإنسان يحدث فقط من خلال اتحاد الله بالإنسان، وهذا يعيدنا إلى موضوع التجسد غير المشروط، لأنها جميعًا أمور مرتبطة ببعضها البعض، فتكميل خلق الإنسان ليصير إلهًا بالنعمة، لا يمكن حدوثه دون اتحاد الله بالإنسان عن طريق التجسد الإلهي، ليجعل الله الإنسان شريكًا في عدم الفساد وعدم الموت (التأله)، وهذا لا يمكن حدوثه بدون الوسيط بين الله والناس، أي الإنسان يسوع المسيح. حيث يقول التالي:

“ولو لم يكن الإنسان قد اتحد بالله، لما صار شريكًا في عدم الفساد إطلاقًا*، لأنه كان إلزامًا على الوسيط بين الله والناس*، من خلال علاقته بكل منهما أن يُحضر كليهما إلى الصداقة، والوئام، ويقدم الإنسان إلى الله*، بينما يصير الله معلنًا للإنسان”.

المرجع السابق، ٣: ١٨: ٧، ص ٩٤.

ويؤكد ق. إيرينيؤس على نفس الحقيقة السابقة وهي أن غاية التجسد هي تأليه الإنسان، وبدون التجسد لا يمكن أن يصير الإنسان في حياة عدم الفساد والخلود، حيث يقول التالي:

“لأنه لهذا الهدف، قد صار الكلمة إنسانًا، الذي هو ابن الله صار ابن الإنسان، ذلك الإنسان الذي إذ قد أُخذ في داخل الكلمة*، وإذ نال التبني، يصير ابن الله، لأنه لم يكن ممكنًا أن نبلغ إلى عدم الفساد والخلود بأية وسيلة أخرى، لو لم نتحد بعدم الفساد*. ولكن كيف كان ممكنًا أن نتحد بعدم الفساد وعدم الموت. لو لم يصر عدم الفساد وعدم الموت أولاً*، هما ذلك الذي هو نحن أيضًا، حتى أن الفاسد يُبتلع في عدم الفساد، والمائت يُبتلع في عدم الموت لكي ننال تبني البنين”.

المرجع السابق، ٣: ١٩: ١، ص ٩٥، ٩٦.

وهذا ما يؤكده ق. إيرينيؤس أيضًا أنه لا يوجد طريق آخر لنصير في شركة مع الله ونتأله سوى تجسد الابن الوحيد، حيث يقول التالي:

” فبأية طريقة كان يمكننا أن نصير شركاء تبني البنين، لو لم نكن قد نلنا منه تلك الشركة معه هو نفسه من خلال الابن، لو لم يكن الكلمة الذي صار جسدًا قد دخل في شركة معنا؟”.

المرجع السابق، ٣: ١٨: ٦، ص ٩٤.

كما يشير ق. إيرينيؤس إلى أن نفخة الله في الإنسان في بداية الخلق هي نفخة الروح القدس التي هي وسيلة شركة الكنيسة، وعربون عدم الفساد، ووسيلة تثبيت الإيمان، وسلم الصعود إلى السماء، وهذا على العكس مما يدّعي النساطرة الجدد بأن النفخة الإلهية في الخلق هي نفخة الروح الإنسانية وليست نفخة الروح القدس، حيث يقول التالي:

“فإن هبة الله هذه قد استؤمنت عليها الكنيسة، مثلما كانت النفخة بالنسبة إلى الإنسان المخلوق أولاً*، ولهذا الغرض، فإن كل الأعضاء الذين ينالونها، يمكن أن يتم إحياءهم. ووسيلة الشركة مع المسيح قد انتشرت في كل الكنيسة أي الروح القدس*، عربون عدم الفساد، ووسيلة تثبيت إيماننا، وسلم الصعود إلى الله*”.

المرجع السابق، ٣: ٢٤: ١، ص ١١٨.

ويؤكد ق. إيرينيؤس نفس الكلام في موضع آخر قائلاً:

“لأن الإنسان الكامل يتكون من اختلاط واتحاد النفس نائلة روح الآب [أي الروح القدس] وامتزاج تلك الطبيعة الجسدية التي شُكلت على صورة الله*، ولهذا السبب يقول الرسول: ‘نتكلم بحكمة بين الكاملين’ (١كو٢: ٦)، مسميًا الأشخاص الذين قبلوا روح الله ‘كاملين’ […] ولكن أن ندمج الروح مع النفس وتتحد بصنعة الله، يصير الإنسان روحيًا وكاملاً بسبب انسكاب الروح، وهذا هو الذي خُلق على صورة الله ومثاله، ولكن إن كانت النفس خالية من الروح*، فمَّن يكون هكذا، هو طبيعة حيوانية، وإن تُرك هكذا ليكون جسديًا، فسيكون كائنًا ناقصًا، مالكًا لصورة الله في تكوينه، وغير مائل للمشابهة بواسطة الروح*، وهكذا يكون هذا الكائن ناقصًا”.

المرجع السابق، ٥: ٦: ١، ص ٢٨٤.

وبالتالي نستنتج تأكيد ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي وتلميذ ق. بوليكاربوس تلميذ ق. يوحنا الرسول على أن التأله وحياة عدم الفساد والخلود وعدم الموت كان هو الغاية من خلق الإنسان. وتأكيده على أن النفخة الإلهية في الإنسان بداية الخلق هي نفخة الروح القدس في الإنسان المتكون من اتحاد وامتزاج النفس والجسد.

كما أكد ق. إيرينيؤس أيضًا على أنه لا يوجد وسيلة أخرى لنوال الاتحاد بالله والشركة معه، ومن ثم نوال حياة عدم الفساد وعدم الموت والتأله إلا عن طريق تجسد الكلمة الابن الوحيد، مؤكدًا على التجسد غير المشروط للابن قبل السقوط ليعطي للإنسان الذي خُلق ناقصًا منذ البدء وغير كامل كماله، وخلوده، وتألهه.

التأله غاية خلق الإنسان عند ق. إيرينيؤس – د. أنطون جرجس

التأله عند الآباء اللاتين – د. أنطون جرجس

التأله عند الآباء اللاتين – د. أنطون جرجس

التأله عند الآباء اللاتين – د. أنطون جرجس

نستكمل بحثنا في موضوع عقيدة التأله بالنعمة في تعاليم آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وسوف نتحدث عن مفهوم التأله بالنعمة عند الآباء اللاتين في الغرب.

نبدأ من العلامة ترتليان الذي يُعتبر أبو اللاهوت اللاتيني، حيث يتحدث ترتليان في أكثر من موضع عن عقيدة التأله بالنعمة. حيث يرى أن التأله هو غاية خلق الإنسان، وإن الإنسان لو لم يسقط، كان سيؤخذ في المستقبل إلى الطبيعة الإلهية، حيث يقول التالي:

“والآن، على الرغم من أن آدم كان عرضةً للموت بسبب حالته تحت الناموس، إلا أن الرجاء كان محفوظًا له بقول الرب: ‘هوذا آدم يصير كواحد منا’ (تك٣: ٢٢)، أي نتيجة اتخاذ الإنسان إلى الطبيعة الإلهية* في المستقبل. إذًا، ما الذي يلي ذلك؟ والآن، لئلا يمد يده، ويأخذ أيضًا من شجرة الحياة، (ويأكل)، ويحيا إلى الأبد. وبالتالي يُظهر بإضافة الجزء عن الوقت الحاضر ‘والآن’، أنه قد خلقه للوقت، وللحاضر، ولاستمرار حياة الإنسان”.

Tertullian, ANF03 (Against Marcion), Trans. By Dr. Holmes, Edit. By Phillip Schaff, (Grand Rapids, MI: Christian Classics Ethereal Library, 1845- 1916), 2: 25, p. 444.

ويتحدث ترتليان عن أن البشر يُدعون آلهةً أيضًا، ولكنه ليس من ذواتهم، بل بالنعمة حسب استحقاق كل منا، حيث يقول التالي:

“لكنك ستقول: إنه – بهذه الطريقة – لا يوجد فينا أي شيء من الله، لكن بالحقيقة إن لنا شيئًا منه، بل وسيظل لنا، لكن هذا الشيء هو منه، وقد تسلمناه، وهو ليس من ذواتنا؛ لأننا سنكون آلهةً، إذا استحققنا أن نكون ضمن هؤلاء الذين قال لهم: ‘أنا قلت: أنكم آلهة’، و ‘الله في وسط الآلهة يقضي’، ولكن هذا يتأتى من نعمته*، وليس بسبب مزية فينا، لأنه هو وحده مَن يستطيع أن يصنع [منا] آلهةً”.

ترتليانوس الأفريقي، ضد هرماجانوس، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، ٢٠١٧)، الفصل الخامس، ص ١٦٤، ١٦٥.

ويستخدم آية (مز٨٢: ١، ٦) أيضًا في موضع آخر مؤكدًا على عقيدة ألوهية السيد المسيح وعقيدة تأله الإنسان، لأن الكتاب المقدس دعا البشر آلهة بسبب التبني لله والإيمان، فكيف لا يكون الابن هو بالحقيقة ابن الله الوحيد بالطبيعة كالتالي:

“فلنتذكر أنت وأولئك هذا القائل: ‘أنا قلت: أنكم آلهة وبنو العلي كلكم’ (مز٨٢: ٦)، ومرة أخرى: ‘الله قائم في مجمع الله’ (مز٨٢: ١)، وإن كانت الأسفار لم تخش أن تدعو البشر آلهةً، وهم قد صاروا أبناء الله بالإيمان، فلنتأكد إذًا، أن نفس الأسفار بكل احتراس، تمنح لقب ‘الرب’ لمَّن هو بالحقيقة ابن الله الواحد والوحيد”.

المرجع السابق، ضد براكسياس، الفصل ١٣، ص ١٠٨.

ننتقل إلى ق. هيلاري أسقف بواتييه والملقب بـ’ أثناسيوس الغرب’، حيث يتحدث عن أن غاية التجسد هي تأليه الإنسان كالتالي:

“فالخطية الموجهة ضد الروح هي إنكار كمال قوة الله، ونقض للجوهر الأزلي في المسيح، الذي صار من خلاله الله في الإنسان، ليصير الإنسان إلهًا*”.

Hilary of Poitiers, The fathers of the church vol. 125 (Commentary on Mathew), Trans. By D. H. Williams, Edit. By David G. Hunter, (Washington DC: The catholic University of America Press, 2012), on Mt 5: 15, p. 84.

ثم يتحدث ق. هيلاري عن اقتناء البشر للروح القدس كعربون للخلود وشركة الطبيعة الإلهية مؤكدًا على ألوهية الروح القدس، حيث يقول التالي:

“لن يجرؤ الرجال فيما بعد، بقوة المنطق البشري المجرد، على أن يضيفوا الروح الإلهي بين المخلوقات، والذي نقبله كعربون الخلود وكمصدر للاشتراك مع الطبيعة الإلهية غير الآثمة”.

هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير انبا أنطونيوس، مراجعة: د. سعيد حكيم، (البحر الأحمر: دير الانبا أنطونيوس، ٢٠١٧)، ١: ٣٦، ص ٢٣٢.

وهكذا يتحدث ق. هيلاري عن أن غاية التجسد الإلهي هي تأليه الإنسان، حيث يقول التالي:

“فإنه حينما وُلد الله ليكون إنسانًا، لم يكن الغرض هو فقدان الألوهية، بل ببقاء الألوهية يُولد إنسانًا كي يكون إلهًا*. فمن ثم إن اسمه هو عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا (مت١: ٢٣)، كي لا يقلل من شأن الله إلى مستوى الإنسان، بل يُرفع من شأن الإنسان إلى الاتحاد بالله. وعندما طلب (أي المسيح) أن يتمجد، لم يكن هذا تمجيدًا لطبيعته الإلهية بأي شكل، بل للطبيعة الأقل التي اتخذها؛ فإنه يطلب هذا المجد، الذي كان له قبل تأسيس العالم”.

المرجع السابق، ١٠: ٧، ص ٦٩٠.

ننتقل الآن إلى أوغسطينوس الذي يُعتبر من أكثر الآباء اللاتين حديثًا عن تأله الإنسان بالنعمة، حيث يتحدث مثله مثل العلامة ترتليان عن أن التأله هو غاية خلق الإنسان منذ البدء، وأنه كان سيصير إلهًا لو لم يسقط بالتعدي والعصيان كالتالي:

“هنالك في الراحة سوف ترى أنه هو الله، طبيعة سامية ادّعيناها لنا حينما هبطنا من أعالي عهده على صوت الشيطان الذي أغوانا قائلاً: ‘تصيران كآلهة’، لم نحفظ الأمانة لهذا الإله الذي كان قادرًا على أن يجعل منا آلهةً، لو لم نجحد نعمه، ونتخلف عن الاتحاد به”.

أوغسطينوس، مدينة الله ج٣، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، ٢٠١٤)، ٢٢: ٣٠، ص ٤١٣.

ثم يتحدث أوغسطينوس عن أن تأله الإنسان والشركة في اللاهوت هي غاية الإخلاء والتجسد الإلهي، مستخدمًا صيغة التأله التبادلية الشهيرة، حيث يقول التالي:

“لكن المسيح، معلم التواضع، الذي جعل نفسه شريكًا لنا في سقمنا، ليجعلنا شركاء في لاهوته، ونزل من السماء ليعلمنا الطريق، ويكون هو طريقنا (يو١٤: ٦)”.

أوغسطينوس، عظات في المزامير ج٢، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، ٢٠١٤)، عظة ٥٨: ٧، ص ٥٥٨.

ثم يتعمق أوغسطينوس في شرح عقيدة التأله في موضع آخر في سياق تفسيره لآية (مز٨١: ١) كالتالي:

“فمَّن هم؟ وأين هم الآلهة الذين إلههم هو الإله الحق؟ يجيبنا مزمور آخر: ‘الله قائم في مجمع الآلهة، وهو في وسط الآلهة ليدينهم’ (مز٨١: ١). مازلنا نجهل إذا كان لا يوجد في السماء آلهة أخرى، يقوم الله وسط مجمعهم ليدينهم. أنظروا في المزمور نفسه، عمَّن يتكلم النبي: ‘قلت أنكم آلهة، وبنو العلي كلكم، إلا أنكم مثل البشر تموتون، وكأحد الرؤساء تسقطون’ (مز٨١: ٦). يتضح من هذا الكلام أن الذين يدعوهم الله آلهةً، هم بشر تألهوا بنعمته*، وليسوا مولودين من جوهره.

وحده يبرر مَن هو البر ذاته، ولم ينل بره من آخر. كذلك، وحده يؤله مَن هو الله بذاته، ولا يشاركه إله آخر. والحال، فإن الذي يبرر هو الذي يؤله*، لأن الذين بررهم، يجعلهم أبناء الله. يقول الإنجيلي: ‘أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أبناء الله’ (يو١: ١٢). إن صرنا أبناء الله، صرنا آلهةً، لكن بنعمة التبني، لا بالطبيعة التي وُلدنا فيها. ليس لله سوى ابن أوحد هو مع أبيه إله واحد، أعني ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الكلمة الذي كان في البدء، كلمة الله، والكلمة التي في الله. أما الذين يصيرون آلهةً، فبنعمة الله يصيرون، ولا يُولدون من جوهره ليكونوا مثله آلهةً”.

المرجع السابق، ٤٩: ٢، ص ٣١٣، ٣١٤.

ونستنتج من هنا أن عقيدة تأليه الإنسان هي عقيدة راسخة وثابتة في تعاليم آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وموجودة بقوة في جميع التقاليد المسيحية المبكرة، سواء التقليد اليوناني (سواء تقليد سكندري، أورشليمي، كبادوكي)، أو السرياني، أو اللاتيني. فالذي ينكر عقيدة التاله بالنعمة هو كمَّن ينكر نور الشمس في عز الظهيرة، لأن عقيدة التأله هي غاية المسيحية.

التأله عند الآباء اللاتين – د. أنطون جرجس

Exit mobile version