شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الثاني – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الثاني – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الثاني – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

 

الإصحاح الثاني

يو 2: 1-3 “وفي اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل. وكانت أم يسوع هناك. ودعي أيضاً يسوع وتلاميذه إلى العرس. ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع له، ليس عندهم خمر”.

        مناسب جداً ان يجيء إلى بداية المعجزات، رغم ان الذين دعوه لم يكن لديهم هذا الهدف. كان احتفال بالعرس قد أقيم، وواضح ان الإشارة اليه، هي اشارة إلى شيء مقدس. وجاءت أم المخلص، وعندما دعي هو جاء مع تلاميذه، لكي يصنع المعجزة، لا لكي يتمتع بالاحتفال معهم. ولكن بشكل خاص جاء لكي يقدس بداية ميلاد الإنسان، وأنا أعني ميلاده حسب الجسد. لقد كان يليق بمن جاء لكي يجدد طبيعة الإنسان، وأن يعيد ما هو أفضل، لا ان يعطي بركته فقط للموجودين، وانما ايضاً ان يهيئ نعمة مقدماً للذين سوف يولدون، ويجعل مجيئهم إلى العالم مقدساً.

        ويوجد سبب ثالث، لقد قيل للمرأة من قبل الله “بالحزن سوف تحبلين” (تكوين 3: 16) ألم تكن الحاجة أكثر إلى القضاء على هذه اللعنة ايضاً؟ والا كيف يمكننا ان نتفادى زواجاً مداناً؟ ولكن لأن المخلص هو محب البشر، فإنه يرفع هذه اللعنة. فهو فرح وسعادة الكل، وأكرم الزواج بحضوره لكي ما يزيل العار القديم الخاص بالحبل. لأنه ان كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة الاشياء القديمة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديداً (2 كو 5: 17). ولذلك جاء مع تلاميذه إلى العرس. لقد كان ضرورياً حضور محبي المعجزات مع صانع المعجزات، لكي يجمعوا أعماله، فتصبح طعاماً لإيمانهم. وعندما فرغ خمر المحتفلين، سألت أمه، الرب الصالح محب البشر وقالت له “ليس لهم خمر” ولأن كل شيء تحت سلطانه، لكي يفعل ما يشاء، أخذت تحثه كي يقوم بالمعجزة.

يو 2: 4 “قال لها يسوع، مالي ولك يا امرأة. لم تأت ساعتي بعد”.

        حسن جداً هو الأسلوب الذي اختاره لنا المخلص في صياغة حديثه. فهو لا يريد ان يتسرع في القيام بشيء لأنه لا يريد ان يظهر كصانع المعجزات، الذي لا يطلبه أحد، بل ينتظر حتى يدعوه المحتاجون، وليس الفضوليون. فهو يعطي النعمة لمن يحتاج، وليس لمن يريد ان يتمتع بالمشاهدة وعندما يتأخر عن القيام بمعجزة مطلوبة فإن الرجاء ينمو أكثر، وأيضاً، يريد المسيح ان يسجل اكرام الوالدين، فقد سمح بما ارادته أمه، رغم أنه لم يكن يريد القيام بالمعجزة.

يو 2: 5 “قالت أمه للخدام، مهما قال لكم فأفعلوه”.

        كان لأمه تأثير “عظيم” في القيام بهذه المعجزة، وقد تمت ارادتها، لأنها طلبت من الرب ما يليق بها كأمه وهو كأبنها. وبدأت تعمل بأن هيأت الخدم لكي يجتمعوا لإطاعة ما سيأمر به.

يو 2: 7-10 “قال لهم يسوع املأوا الأجران ماء. فملأوها حتى الحافة. وقال لهم املأوا منها الآن، وقدموا إلى رئيس المتكأ فقدموا. فلما ذاق رئيس المتكأ الماء المتحول إلى خمر، ولم يكن يعلم من أين هي. لكن الخدم الذين ملأوا وقدموا علموا فدعا رئيس المتكأ العريس. وقال له كل انسان انما يضع الخمر الجيدة أولاً ومتى سكر الحاضرون فحينئذ الدون. أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن”.

        فعل الخدام ما أمر به، وبقوة لا يمكن حتى وصفها تحول الماء إلى خمر، فهل هناك شيء أصعب على الذي يستطيع ان يفعل كل شيء؟ وهو الذي يدعو غير الموجودات إلى الوجود، فكيف لا يحول ما هو موجود اي الماء إلى خمر؟ لقد اندهش الحاضرون من ذلك، وهكذا كانت أعمال المسيح. ويبدو لي ان رئيس المتكأ يمدح العريس الذي أبقى الخمر الجيدة حتى النهاية، مما يدل على ان الخمر كانت فعلاً جيدة.

يو 2: 11 “هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل، وأظهر مجده فآمن به تلاميذه”.

        أمور فائقة حدثت في وقت وأحد وبمعجزة وأحدة. الزواج المكرم تقدس، ولعنة المرأة ازيلت، (ولم تعد بعد في “حزن سوف تلد أولاداً” (تكوين 3: 16) لأن المسيح الآن يبارك أصل ميلادنا) ومجيء مخلصنا يشرق مثل اشعة الشمس، وبالإضافة إلى كل هذا لقد ثبت التلاميذ في الايمان بواسطة المعجزة.

        ان السرد التاريخي سوف يقف عند الذي ذكرناه، ولكن علينا ان ننظر إلى الجانب الآخر للموضوع لندرك المعنى الخفي. لقد نزل كلمة الله من السماء، لكي يصير عريساً للطبيعة الإنسانية، فأخذها وجعلها مسكنه، لكي يخطبها ويقودها اليه فتلد ثمار الحكمة الروحية.

        ولذلك دعيت الطبيعة الإنسانية العروس، والمخلص العريس، على عادة الأسفار المقدسة التي تستخدم اللغة الإنسانية العادية وتعطيها معاني سمائية وقد تم الزواج في اليوم الثالث، اي في نهاية الدهور لأن رقم ثلاثة هو البداية والوسط والنهاية، وهذه الثلاثة هي أبعاد الزمن كله. وينسجم تماماً مع هذا بما قاله وأحد من الانبياء “لقد ضرب، وسيعصبنا. بعد يومين يحيينا، وفي اليوم الثالث يقيمنا، لنحيا قدامه.. “ (هوشع 6: 1-3). لقد خربنا بسبب تعدي آدم، وقال له “تراب أنت وإلى التراب تعود” (تكوين 2: 19) ولكن الذي ضرب بالفساد والموت، عصبه وربطه في اليوم الثالث اي ليس في الأول ولا في الوسط بل في نهاية الدهور، عندما تجسد، وجعل طبيعتنا صحيحة اذ اقامها من الموت في نفسه ولذلك دعي “باكورة الراقدين” (1 كورنثوس 15: 20). وعندما قيل ان الزواج تم في اليوم الثالث، فقد كان يعني نهاية الدهور، ولكن عندما أشار إلى المكان “قانا الجليل” فعلى الذين يحبون المعرفة ان يلاحظوا الدقة، فلم يكن المكان اورشليم حيث يتم الاجتماع، ولا في كل اليهودية تم الاحتفال بالعرس، بل في اقليم الأمم. لأن النبي يقول “جليل الأمم” (اشعياء 9: 1) واعتقد انه واضح ان مجمع اليهود رفض العريس من السماء أما كنيسة الأمم فقد قبلته بفرح شديد.

        لم يأت المخلص إلى العرس بإرادته وحده، بل بدعوة، اي برجاء والحاح أصوات القديسين. ولكن الخمر فرغت ولم يعد لدى المحتفلين منها اي شيء لأن الناموس لم يكمل شيئاً، ولم تعط الوصايا الموسوية الفرح، ولم يستطع الناموس الطبيعي المغروس فينا ان يخلصنا. ولذلك من الصواب ان نقول ان “ليس عندهم خمر” قد قيلت عنا نحن ايضاً. ولكن صلاح الله وغناه لا ينضب، ولا يمكن ان يعجز أمام احتياجاتنا. لقد اعطانا خمراً أفضل من الخمر الأول، لأن الحرف يقتل أما الروح فيعطي حياة (2 كورنثوس 3: 6) والناموس لم يكمل شيئاً، ولم يعط الخيرات، ولكن التعليم الإلهي للإنجيل يعطي البركة الكاملة. لقد اندهش رئيس المتكأ من جودة الخمر، لأن كل الذين يشرطنون للكهنوت المقدس ويؤتمنون على بيت مخلصنا المسيح، يندهشون من تعليمه الذي يفوق الناموس. وقد أمر المسيح ان يعطي الخمر لرئيس المتكأ أولاً، وحسب قول بولس “الحراث الذي يتعب يشترك هو أولاً في الثمار” (2 تيموثاوس 2: 6) وعلى السامعين ان يجدوا المعنى الذي اقصده.

يو 2: 14 – “ووجد في الهيكل الذين كانوا يبيعون بقراً وغنماً وحماماً والصيارف جلوساً”.

        يحتقر اليهود الناموس، ولا يقيمون وزناً لما جاء في كتابات موسى بل يهتمون فقط بمحبة الربح. ومع ان الناموس أوصى بأن الذين يدخلون الهيكل يجب ان يطهروا أنفسهم بكل وسيلة ممكنة ولكن الذين كان لهم السلطان لم يمنعوا الصيارفة الذين كانوا يكسبون النقود بتغيير العملة (الرومانية إلى عملة الهيكل) والفوائد المالية مع كل أصناف التجارة، لم يمنعوا كل هؤلاء من تدنيس الهيكل المقدس، لم يمنعوهم من دخوله، كما لو كانوا بأقدام غير مغسولة، نعم بل بالحري هم أنفسهم تعودوا ان يأمروا بهذا، حتى ان الله يقول حقاً عنهم: “رعاة كثيرون أفسدوا كرمي. داسوا نصيبي، جعلوا نصيبي المشتهى برية خربة. جعلوه خراباً” (أر 12: 10، 11). لأنه حقاً قد فسد كرم الرب، اذ قد تعلموا ان يدوسوا على العبادة الإلهية نفسها، وعن طريق الحب الدنيء للربح عند اولئك الذين اقيموا عليه فانه (الكرم) ترك عارياً لكل جهالة.

يو 2: 15 – “فصنع سوطاً من حبال وطرد الجميع من الهيكل”.

        معقول جداً ان يكون المخلص ساخطاً على حماقة اليهود. لأنه ليس من اللائق ان يكون الهيكل الإلهي بيت تجارة، بل ان يكون بيت صلاة. فهكذا هو مكتوب ولكنه يظهر مشاعره ليس بمجرد الكلمات بل بالحبال وبالسوط يطردهم من المواضع المقدسة، وبالعدل يطبق عليهم العقوبة المناسبة للعبيد، لأنهم لا يقبلون الابن الذي يصير الإنسان حراً بالإيمان. أرجو ان تنظروا ممثلاً كما في صورة ذلك الذي قيل بواسطة بولس “ان كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله” (1 كو 3: 17).

يو 2: 16 – “.. ارفعوا هذه من ههنا، لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة”.

        هو يأمر كرب، كمعلم يقود بيده إلى ما هو مناسب، ويضع أمامهم مع العقوبة، اعلان خطاياهم، لكي يخجلهم من خطاياهم فلا تكون لهم فرصة ان يغضبوا من التوبيخ. ولكن ينبغي ان نلاحظ انه يدعو الله أباه بصفة خاصة، باعتباره هو وحده منه بالطبيعة، ومولوده حقاً. لأنه ان لم يكن هو كذلك، اي لو كان الكلمة هو ابن معنا – كوأحد منا – اي بالتبني وبمشيئة الآب فقط، فلماذا يأخذ هو وحده لنفسه الفخر العام للكل وأمام الكل، قائلاً، “لا تجعلوا بيت أبي” ولم “بيت ابينا” لأني افترض ان هذا القول سيكون أكثر مناسبة ان يقوله، لو انه عرف انه هو ايضاً وأحد من اولئك الذين ليسوا ابناء بالطبيعة. ولكن حيث ان الكلمة يعرف انه ليس في عداد اولئك الذين هم ابناء بالنعمة، بل هو من جوهر الله الآب، لذلك فهو يفصل نفسه عن الباقين ويدعو الله أباه. لأنه يليق بأولئك الذين يدعوه إلى البنوة ويحصلون على الكرامة من الخارج، انهم حينما يصلون ان ينادوا “أبانا الذي في السماوات” أما الابن الوحيد اذ هو وحده إله من إله يليق به ان يدعو الله اباه بندائه الخاص.

        ولكن ان كان ينبغي ان نتأمل هذا المقطع ونربطه روحياً بما سبق فقراءة النص تتجه إلى معنى آخر.

14 – وما بعد: ووجد في الهيكل الذين كانوا يبيعون بقراً وغنماً .. الخ:

        انظروا ايضاً كل نظام التدبير الذي من اجلنا، موضحاً في أمرين: لأن المسيح يشترك في العرس مع أهل قانا، وأنا أعني اهل الجليل وهؤلاء الذين دعوه وأكرموه جعلهم مشتركين في مائدته، وهو يساعدهم بالمعجزات ويملأ ما كان ناقصاً عندهم لأجل فرحهم (وأي شيء صالح هو لا يعطيه بسخاء مجاناً؟) معلماً إيانا كما في رمز انه سيقبل سكان الجليل اي الأمم، الذي دعوا بواسطة الايمان الذي فيهم، وهو سيأتي بهم إلى الحجال السماوي اي إلى كنيسة الأبكار، ويجعلهم يجلسون مع القديسين (لأن التلاميذ جلسوا مع المحتفلين بالعرس)، وسوف يجعلهم يشتركون في الوليمة الإلهية الروحية، كما قال هو نفسه “ان كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات”، ولن يكون هناك شيء ناقص لفرحهم. لأن فرحاً أبدياً سيكون على رؤوسهم (أنظر اش 35: 10). أما اليهود العاصون فسيطردهم من الأماكن المقدسة، ويجعلهم خارج حظيرة القديسين المقدسة، بل وحتى حينما يقدمون ذبائح فهو لن يقبلها، بل بالحري سيخضعهم للعقاب والسوط، “ممسكين بحبال خطاياهم” (انظر ام 5: 22). فاسمعه يقول: “ارفعوا هذه من ههنا”، لكي تفهم ايضاً تلك الاشياء التي قالها قديماً بفم اشعياء النبي. “اتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات. وبدم عجول وخرفان وتيوس ما أسر. حينما تأتون لتظهروا أمامي من طلب هذا من ايديكم ان تدوسوا دوري. لا تعودوا تأتون بتقدمة دقيق فهي باطلة. البخور هو مكرهة لي. رأس الشهر والسبت ونداء المحفل. لست أطيق الاثم والاعتكاف. رؤوس شهوركم واعيادكم بغضتها نفسي. صارت عليّ ثقلاً. مللت حملها” (اش 1: 11-14) هذا يشير اليه بوضح جداً بالرمز صانعاً لهم سوطاً من حبال. لأن السياط هي علامة العقاب.

يو 2: 17 “فتذكر تلاميذه انه مكتوب غيرة بيتك اكلتني”:

        ان التلاميذ حصلوا على كمال المعرفة في وقت قصير، واذ قارنوا الأحداث بما هو مكتوب، فقد اظهروا تقدماً، عظيماً نحو الأفضل.

يو 2: 18 “فأجاب اليهود وقالوا له اية آية ترينا حتى تفعل هذا؟

        اندهش جموع اليهود من السلطان غير المألوف، أما المسئولون عن اليهود فقط اغتاظوا لأنهم حرموا من الارباح التي كانوا يكسبونها، ولم يستطيعوا ان يوبخوه انه لم يتكلم بما يليق في أمره لهم ان لا يجعلوا الهيكل الإلهي بيت تجارة. ولكنهم يخترعون طرقاً لتأخير هروب التجار، ملتمسين العذر لأنفسهم بأنهم لا يجب ان يخضوا له فوراً، او بدون بحث، لكي يقبلوه كابن الله بدون ان يريهم آية.

يو 2: 19 – انقضوا هذا الهيكل:

        الذين يطلبون اشياء صالحة بقصد صالح، فان الله لا يتأخر بالمرة في منحها لهم، أما الذين يأتون اليه لكي يجربوه، فهو لا يرفض طلبهم فقط الذي يسألونه، ولكنه يتهمهم بالشر. لذلك فحينما طلب الفريسيون في أجزاء أخرى من الأناجيل ان يريهم آية، فانه وبخهم قائلاً: “جيل شرير وفاسق يطلب آية الا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاثة ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاثة ليالي” (متى 12: 39، 40). فما قاله لأولئك قاله لهؤلاء مع تغيير بسيط لأن هؤلاء (كما فعل أولئك) يسألونه لكي يجربوه. ليس لأولئك الذين كانوا في مثل هذا التفكير نحوه، تعطي هذه الآية، ولكن هناك احتياج تام لهذه الآية لأجل خلاصنا كلنا.

        ولكننا يجب ان نعرف انهم جعلوا هذه الآية حجة لاتهامهم له، اذ قالوا أمام بيلاطس البنطي زوراً ما لم يكونوا قد سمعوه. لأنهم قالوا “هذا قال. أني أقدر ان أهدم هيكل الله وفي ثلاثة أيام أبنيه” (متى 26: 61). وهم الذين تكلم المسيح عنهم في الانبياء: “شهود زور يقومون وعما لم أعلم يسألونني” (مز 3: 11)، وايضاً: “لأنه قد قام على شهود زور ونافث ظلم” (مز 27: 12). ولكنه هو لا يحثهم على سفك دمه بقوله “أنقضوا هذا الهيكل”، ولكن حيث انه عرف انهم سيفعلون هذا، لذلك فهو يوضح مؤكداً ما سوف يحدث سريعاً.

يو 2: 20 – فقال اليهود: في ست واربعين سنة بني هذا الهيكل أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه؟

        انهم يهزأون بالآية، اذ لم يفهموا عمق السر، بل هم يمسكون بمرض جهلهم كعذر معقول يبررون به عدم طاعتهم له، واذ ينظرون إلى صعوبة الأمر، فانهم يسمعونه كما لو كان شخصاً يلقي الكلام على عواهنه، وليس كما إلى شخص يعد بما يمكن ان يتحقق، وذلك لكي يصدق ما كتب عنهم: “لتظلم عيونهم لكي لا يبصروا ولتحن ظهورهم دائماً” (مز 69: 23) لكي بطريقة منحنية إلى اسفل دائماً وبميلهم إلى الاشياء الأرضية وحدها، فانهم لن يبصروا تعاليم التقوى العالية من جهة المسيح، اي لا يعرفوه كإله محب للإنسان، بل بالحري كمعاقب لهم بالعدل لارتكابهم تعديات لا تحتمل.

        انظروا كيف يشتمونه بغباوة، غير مشفقين على نفوسهم، لأن ربنا يسوع المسيح يدعو الله، أباه قائلاً: “لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة” لذلك فحينما ينبغي ان يعتبروه ابناً وإلهاً مشرقاً من الله الآب، فانهم يعتقدون انه مجرد انسان ووأحد منا. لذلك فهم يواجهونه بالزمن الذي استغرقه بناء الهيكل قائلين “في ست واربعين سنة بني هذا الهيكل، أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه؟”. أيها السكارى بكل حماقة، احسبه حقاً ان اقول لكم – ان كانت قد زرعت فيكم نفس حكيمة – ان كنتم تؤمنون ان هيكلكم هو بيت الله، فكيف لا تعتبرون الذي يتجاسر ان يخبركم بدون خوف “لا تجعلوا بيت ابي بيت تجارة” انه هو الله بالطبيعة؟ أخبروني، كيف يحتاج إلى وقت طويل لبناء بيت وأحد؟ او كيف يكون عاجزاً عن اتمام اي شيء مهما كان، وهو الذي – في ستة أيام فقط – كون العالم كله بقوة تفوق التعبير، وقوته كامنة في مشيئته فقط؟ لأن الأشخاص الماهرين في الكتب المقدسة ينبغي ان يعتبروا هذه الاشياء.

يو 2: 21، 22 – وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده. فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه انه قال هذا. فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع.

        كلمة الحق مقبولة عن الإنسان الحكيم، ومعرفة النظام تثبت مع الناس ذوي الفهم، وكما ان طابع الاختام يصنع جيداً في شمع لين هكذا ايضاً الكلمة الإلهية تثبت بسهولة في القلوب اللينة، بينما يسمى قاسي القلب ايضاً شريراً. والتلاميذ اذ كان لهم استعداد حسن، فانهم صاروا حكماء، وهم يلهجون بكلمات الكتاب الإلهي، ويغذون ويشدون أنفسهم نحو معرفة أكثر دقة وهكذا يتقدمون بثبات نحو الايمان. وحيث ان جسد المسيح يسمى هيكلاً ايضاً، فكيف لا يكون الكلمة الوحيد الجنس الذي يسكن فيه هو الله بالطبيعة، لأن الذي ليس هو إلهاً لا يمكن ان يقال انه يسكن في هيكل! دعوا أحداً يتقدم ويقول: اي جسد قديس سمى هيكلاً على الاطلاق، ولكني لا أظن ان أحداً يستطيع ان يبين هذا. فأقول اذن، ما سنجده انه حقيقي إذا فتشنا الكتاب الإلهي بتدقيق، انه لم تنسب لأحد القديسين هذه الكرامة بالمرة. وفي الحقيقة فإن المعمدان المبارك، رغم انه وصل إلى علو كل فضيلة ولم يكن هناك من يفوقه في التقوى، فان هيرودس بجنونه قطع رأسه، ورغم ذلك لم ينسب له شيء مثل هذا. بل بالعكس فان الانجيلي استعمل كلمة أكثر غلاظة ليعبر بها عن جسده، والانجيلي قال هذا – كما يبدو لي – حسب التدبير، لكي يحفظ الكرامة للمسيح وحده. لأنه يكتب هكذا ان هيرودس “أرسل وقطع رأس يوحنا في السجن.. وجاء تلاميذه ورفعوا جثته” (متى 14: 10، 12، مرقس 6: 29). فان كان جسد يوحنا يدعى جثة، فلمن يكون هيكلاً؟ ولكن بمعنى آخر حقاً، فنحن ندعى هياكل لله، وذلك بسبب سكنى الروح القدس فينا. لأننا ندعى هياكل لله وليس لأنفسنا.

        ولكن ربما يسأل أحد: أخبرني اذن، كيف يسمي المخلص نفسه جسده، جثة لأنه يقول: “وحيث تكون الجثة هناك تجتمع النسور” (متى 24: 28). لهذا نقول، ان المسيح لم يقل هذا عن جسده، بل على سبيل المثل والرمز يشير إلى اجتماع القديسين معه الذي سيحدث في وقت ظهوره الثاني لنا: “مع الملائكة القديسين في مجد ابيه” (مت 16: 27) لأنه يريد ان يقول: كما ان اسراباً من الطيور أكلة اللحوم تندفع نازلة نحو الجثث المطروحة بأزيز حاد، هكذا أنتم سوف تجتمعون إلى ايضاً. وهو ما يعرفنا به بولس قائلاً: “فانه سيبوق فيقام الأموات عديم فساد” (1كو 15: 52)، وفي موضع آخر ايضاً: “سنخطف في السحب لملاقاة الرب في الهواء، وهكذا نكون كل حين مع الرب” (1 تس 4: 17). لذلك فان ما يؤخذ على سبيل المثل كصورة، لن يحطم أبداً قوة الحق.

يو 2: 23 “ولما كان في اورشليم في عيد الفصح، آمن كثيرون باسمه، اذ رأوا الآيات التي صنع”.

        المسيح لا يكف ابداً عن ان يخلص ويعين. لأن البعض يقودهم إلى نفسه بكلمات الحكمة، والباقين اذ ينذهلون من القوة الإلهية الصادرة منه، فانه يأخذهم في شبكة الايمان بواسطة الاشياء التي يرونه يفعلها ويعترفون ان فاعل هذه الآيات العظيمة هو بالحقيقة الله.

24 – “لكن يسوع لم يأتمنهم على نفسه”:

        رأى حديثو الايمان لا يكون عادة راسخاً وثابتاً، وهكذا ايضاً هو حال العقل المبني على المعجزات الحديثة الحدوث. وكيف يمكن لأولئك الذين لا يزال تعليمهم كما لو كان أخضراً (أي غضاً) ان يكونوا متأصلين في التقوى؟ لذلك فالمسيح لم يأتمن حديثي الايمان على نفسه، مبيناً بذلك ان التشبه بالله هو أمر عظيم وجدير بالحب، وانه ليس معروضاً بسهولة أمام من يرغبون ان ينالوه، ولكنه يتحقق بواسطة الغيرة للصلاح والاجتهاد والوقت.

        من هذا فليتعلم وكلاء أسرار المخلص، ان لا يدخلوا انساناً فجأة داخل الحجب المقدسة، ولا أن يسمحوا للمبتدئين الذين اعتمدوا قبل الأوان ولم يؤمنوا بالمسيح رب الكل في الوقت المناسب، ان يقربوا من الموائد الإلهية. لأنه لكي يكون لنا مثالاً في هذا ايضاً، ولكن يعلمنا من هم الذين من المناسب ان ندخلهم، فانه يقبل المؤمنين، ولكنه لا يثق فيهم بعد اذ انه “لا يأتمنهم على نفسه”، وذلك لكي يكون واضحاً انه يليق بالمبتدئين ان يصرفوا وقتاً غير قليل تحت التعليم، وحتى بالرغم من ذلك – فانهم نادراً ما يصيرون اناساً مخلصين.

25 – “لأنه كان يعرف الجميع. ولأنه لم يكن محتاجاً ان يشهد أحد عن الإنسان، لأنه علم ما كان في الإنسان”.

        هذه الصفة السامية هي صفة إلهية، وهي مثل الصفات الباقية الأخرى التي في المسيح، وهي غير موجودة في اي مخلوق من المخلوقات. لأن المرنم ينسبها لمن هو وحده الله بالحقيقة قائلاً: “المصور قلوبهم جميعاً المنتبه إلى كل أعمالهم” (مز 33: 15) ولكن ان كان الله وحده يعرف ما فينا، والمسيح يعرفها ايضاً، فكيف لا يكون هو الله بالطبيعة، الذي يعرف الأسرار، ويعرف “العمائق والأسرار” كما هو مكتوب (دانيال 2: 22). “لأن من من الناس يعرف أمور الإنسان الا روح الإنسان الذي فيه” (1 كو 2: 11). ورغم ان لا يوجد أحد من الناس يعرف، فان الله لن يجهل، لأنه ليس وأحد منا نحن الذين يقال عنهم “من من الناس” بل اذ هو خارج الجميع، وكل الاشياء هي تحت قدميه، فانه يعرف. وبولس ايضاً يشهد قائلاً “لأن كلمة الله حي وفعال وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارق إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، ومميز أفكار القلب ونياته، وليست خليقة غير ظاهرة قدامه، لأن كل شيء مكشوف وعريان أمام عينيه” (عب 4: 12، 13). فلأنه قد “غرس الاذن”، فهو يسمع كل شيء، ولأنه “صنع العين” فهو يبصر (أنظر مز 94: 9). وهو يقول في ايوب: “من هو هذا الذي يخفي المشورة عني، ويمسك بالكلمات في قلبه، ويظن انه يخفيها عني”؟ (أيوب 38: 2 سبعينية).

        واذن فلكي نعرف ان الابن هو بالطبيعة الله، لذلك فالإنجيلي يقول “لأنه لم يكن محتاجاً ان يشهد أحد عن الإنسان، لأنه عرف ما كان في الإنسان”.

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الثاني – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج5 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج5 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج5 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الأول: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الثاني: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الثالث: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج3 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الرابع: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج4 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

 

الفصل العاشر

الابن الوحيد هو وحده بالطبيعة الابن من الآب

لكونه من الآب وفي الآب

يو 1: 18 “الله لم يره أحد قط، الإله الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أعلنه”.

        هنا ايضاً يمكننا ان نرى دقة لابس الروح فلم يكن يجهل ان البعض سوف يبحث عن الأمور التي قيلت عن الابن الوحيد وانهم سوف يقولون بمرارة: لقد قلت يا سيدي العزيز انك رأيت مجده مجد الابن الوحيد وكان يجب وأنت تشرح الأمور الخاصة بالله ان تبين علاقة الابن بالآب وليس المقارنة بتفوق الابن على موسى وعلى قداسة وتقوى يوحنا كما لو كان من المستحيل ان نرى مجداً يفوق مجد الابن مع ان اشعياء يقول: “رأيت السيد جالساً على عرش مرتفع وذيله يملأ الهيكل وقد وقف السارافيم كل وأحد منهم له ستة أجنحة وواحد نادى الآخر وقال قدوس قدوس رب الجنود السماء والأرض مملؤتان من مجدك” (اشعياء 6: 1-3) وصرخ حزقيال عندما رأى الكاروبيم والرب جالس على العرش (حزقيال 1: 25-28). فإذا كان هؤلاء قد رأوا مجد الله فلا يجب على الانجيلي المبارك ان يقطع ويقول: الله لم يره أحد في أي زمان وانما الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أعلنه أنا. هذه الحقيقة مؤكدة لأن الله قال لرئيس الانبياء لا يرى أحد من الناس وجهي ويعيش (خروج 33: 20) بل قال مرة لتلاميذه ليس أحد رأى الآب الا الذي من الله هذا رأى الآب (يوحنا 6: 46) فالآب وحده منظور للابن وحده لأن الابن وحده من ذات طبيعة الآب وفي هذا الإطار فقط يمكننا ان نقول ان الطبيعة الإلهية ترى ذاتها إلهياً ونرى من ذاتها إلهياً فقط. وليس لأحد آخر. لكن كلام الانبياء القديسين ليس كذباً. فعندما يصرخ أحدهم انه رأى رب الجنود (اشعياء 6: 1) منهم لا يؤكدون انهم رأوا الله كما هو في جوهره وانما الكل يصرخ ويقول هذا هو “ظهور شبه مجد الرب” حزقيال 1: 28 ومعنى هذا ان الاعلان عن الله صار بشكل منظور لهم، والمجد الإلهي يتكون في رؤيا تتفق مع قدرتنا على الادراك ولذلك ما رآه ليس سوى صور واعلانات تعطي معرفة باللاهوت ولكن حقيقة اللاهوت الفائقة تظل فوق العقل والنطق. وبكل يقين قال الانجيلي “ورأينا مجده مجد الابن الوحيد مملوءاً نعمة وحقاً” (يو 1: 14) فقطع بذلك كل سبل المقارنة بين مجد الابن وكل المخلوقات، وجمال الخالق وقدرته يمكن ادراكها من جمال المخلوقات (حكمة 13: 5) لأن السماء دون ان يكون لها صوت مسموع “تعلن مجد الله والفلك يخبر بعمل يديه” (مزمور 19: 1).

        وهكذا ايضاً يظهر ان الابن الوحيد أسمى في المجد وارفع في القدرة، وفوق الادراك، ولا يمكن ان تراه العين، لأنه الله. وحيث انه يفوق الخليقة كلها ومستحق للمجد، فهو فوق الكل، وهذا هو معنى الكلمات التي نحن بصددها. لأننا يجب ان نلاحظ انه يدعو الابن “الإله الابن الوحيد” ويقول انه “ف يحضن الآب” لكي ندرك انه لا يمكن ان يحسب مثل المخلوقات او ان له طبيعة مخلوقة بل له اقنومه المتميز عن الآب والذي في الآب فإذا كان حقاً هو “الإله الابن الوحيد” فكيف لا يكون مختلفاً في الطبيعة عن الذين هم بالتبني إلهة وأبناء؟ لأننا نعتقد ان الابن الوحيد ليس وأحداً ضمن اخوة وانما هو الواحد وحده من الآب ولكن حيث انه كما يقول بولس: “كثيرون يدعون إلهة في السماء وعلى الأرض” الا ان الابن هو الإله الابن الوحيد الذي لا يمكن ان يحسب ضمن هؤلاء الإلهة الذين دعوا إلهة بالنعمة ولكنه الإله الحقيقي مع الآب. وهكذا يعلن بولس وحدة الابن مع الآب قائلاً لنا “ولكن لنا إله وأحد الآب الذي منه كل الاشياء ورب وأحد يسوع المسيح الذي به كل الاشياء” (1كورنثوس 8: 6) فالآب اذ هو إله وأحد بالطبيعة والكلمة الذي منه وفيه لا يمكن ان يكون غريباً عن الآب وانما وأحد معه في كل الصفات وله نفس الكرامة لأنه بالطبيعة إله لذلك يقول الانجيلي انه “في حضن الآب”، لكي نفهم ايضاً انه كائن في الآب وهو من الآب، كما قيل في المزامير “من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك” (مز 110: 3س) وهذا يضع عبارة “من البطن” لأنه من الآب بكل يقين (مثلما يستدعى التشبيه الخاص بنا نحن البشر عندما يولد انسان من البطن ويخرج وله نفس الطبيعة الإنسانية) وكما قيل “في حضن الآب” كما لو كان مثل اشراق البهاء الإلهي غير المدرك لأقنوم الابن من الآب. ولكن الابن يملك طبيعة الآب الإلهية ذاتها، وكلمة حضن لا تستدعي الانفصال او الافتراق فهذا خاص بالجسد وليس باللاهوت. وولادة الابن من الآب لا تعني ذلك وحقاً قال الابن انه في الآب وايضاً الآب فيه. (يوحنا 14: 10). وكل ما يخص جوهر الآب هو بالضرورة يخص جوهر الابن فبهذا وحده يمكن ان يكون الآب فيه وهو في الآب لأن الابن في الآب متأصلاً فيه بالمساواة التامة في الجوهر وبالولادة منه بدون ان يستدعي هذا أي انفصال او مسافة بل الكينونة والمعية الدائمة. وهذا المعنى المقدس الذي نفهمه من عبارة الانجيلي بأن “الابن في حضن الآب” وليس ذلك المعنى الذي توصل اليه الذين يحاربون الله الذين دينونتهم عادلة (رومية 3: 8) لأنهم يحرفون كل شيء من اجل الاثم الذي فيهم (رجاع ميخا 3: 9) فيفسدون إذان البسطاء ويخطئون دون أدنى اهتمام بالأخوة الذين مات المسيح لأجلهم (1 كورنثوس 8: 11، 12).

        وماذا يجب ان نقول عندما نعلم الآخرين، لأن الانجيلي القديس يقول عن الابن “انه في حضن الله الآب”؟ ابناء الكنيسة يعتقدون بكل صواب ويؤكدون انه من الآب وفي الآب ويكتفون بذلك وهم على حق لأن حقيقة ميلاد الابن من الآب هي فوق الادراك أما الذين سكروا بالجهل فأحياناً يبتسمون ويتجاسرون ويقولون رأيكم يا سادة بلا معنى لأنكم لا تفكرون في الله كما يجب لأنكم تعتقدون انه من الصواب ما دام قد قيل عن الابن انه في حضن الآب فهذا يعني انه من جوهره ومن الحماقة ان تتصوروا انه ثمرة الطبيعة غير المخلوقة الم تسمعوا في امثال الانجيلي ما قاله المسيح نفسه عندما كان يتكلم عن الغني ولعازر انه حدث بعد موت لعازر ان الملائكة حملته إلى حضن ابراهيم (لو 15: 22) فهل تعتقدون ان لعازر في حضن ابراهيم تعني انه مولود منه وانه فيه بالطبيعة؟ ام انكم بكل صواب سوف ترفضون ذلك وسوف توافقوننا على ان معنى “حضن” هو المحبة فقط؟ وبذلك يصبح معنى “حضن الآب” ان الابن هو في محبته كما قال هو “الآب يحب الابن” (يوحنا 3: 35) وعندما يضر بنا هؤلاء الباحثون عن الاخطاء، الذين غيرتهم طائشة ولا تبني بل تهدم فإننا سوف نجيب هؤلاء وسوف نحشد أكبر قدر ممكن من كلمات الحق.

        أنتم تقولون يا سادتي الأعزاء ان كلمة حضن تعني المحبة وكيف يمكن ان يستقيم معنى نصوص أخرى. وماذا تقولون عن هذا: أحب الله العالم، كذا يقول المخلص (يوحنا 3: 16)، او “يحب الرب أبواب صهيون” حسب ما صرح الانبياء القديسين دون خوف، فهل هذا يعني ان العالم نفسه وأبواب صهيون في “حضن الآب”؟ وعندما يقول الله لموسى رئيس الانبياء “ضع يديك في حضنك” (خر 4: 6) فهل يعني هذا حسب رأيكم ان الله يطلب منه ان يحب يده؟ ام انه يطلب منه ان يبقى يده مخفية؟ ان هذا سوف يجعلنا نضحك، بل ربما قادنا إلى الكفر عندما نتصور ان كل شيء في حضن الآب، ونجعل هذه العلامة الخاصة، عامة وشائعة للك، مع انها العلامة المميزة الخاصة بالابن الوحيد التي لا تشترك فيها الخليقة معه.

        إذا وداعاً لرأيهم الفاسد، وعلينا ان نسير في الطريق المستقيم طريق الحق. لأن الكلام عن ان “الابن في حضن الآب” معناه اننا نعتقد انه من الآب وفي الآب، حسبما توضح الكلمات القوية نفسها “الإله الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أعلنه لنا” وعندما قال “الإله الابن الوحيد” فقد أردف على الفور “الذي في حضن الآب” بدلاً من ان يقول الذي من جوهره واستخدم لذلك تشبيهاً حسياً. فالأشياء المحسوسة والظاهرة، يمكن ان تكون رموزاً تدل على الاشياء الروحية، والأمور المنظورة تقودنا إلى إدراك الأمور العالية، فالمحسوسات يمكن ان نتخذها صورة تساعدنا على الاقتراب من الأمور العميقة حتى وان فهمنا الأمور الحسية كما نطقت، مثلما قيل لموسى “ضع يدك في حضنك”. ولا يضرنا بالمرة ان نفهم ان لعازر صار فعلاً في حضن ابراهيم، بلغة خاصة، لأنه عندما مات لعازر وفارق الحياة في الجسد، فهذا لا يتعارض مع ما قلناه سابقاً، لأن الأسفار الإلهية تخاطبنا بلغة خاصة، لأنه عندما مات لعازر وفارق الحياة في الجسد حمل لحضن ابراهيم، وهذه اللغة الخاصة تعني انه “حسب ضمن ابناء ابراهيم” فالله قال للإبراهيم “جعلتك اباً لشعوب كثيرة” (تكوين 17: 5).

يو 1: 19-20: “وهذه هي شهادة يوحنا، عندما أرسل اليهود كهنة ولاويين من اورشليم ليسألوه: من انت؟ فاعترف ولم ينكر وأقر أنى لست أنا المسيح”.

        حسناً فعل الإنجيلي، فقد سجل لنا بالتفصيل شهادة يوحنا وما سبق وقاله عن يوحنا المعمدان يدعمه الآن تفصيلياً بشهادة يوحنا ويسجل بكل تفصيل المناسبة عندما “أرسل رؤساء الفرق اليهودية” كهنة ولاويين ليسألوه، ماذا يقول عن نفسه؟ فأعترف ولم يشعر بالخجل من الحق، وقال “أنا لست المسيح” وما هو واضح هو ما يريد ان يسجله يوحنا الإنجيلي فكأنه يقول، لست أنا، كاتب الإنجيل، الذي اقول هذا بل يوحنا، وأنا أيضاً لست أكذب، فهو “لم يكن النور، بل جاء لكي يشهد للنور”.

يو 1: 21 “وسألوه قائلين اذن ماذا. هل انت ايليا؟ فقال لست أنا. هل أنت النبي؟ فأجاب لا”

        بعد ان أكد المعمدان انه ليس المسيح، أراد الانجيلي ان يشرح لنا كيف اعترف يوحنا ولم ينكر، ويبدو لي ان الانجيلي يسجل ذلك بالتفصيل لكي يفضح انحراف اليهود. لأنهم “بينما يزعمون انهم حكماء، صاروا جهلاء” (رومية 1: 22) وافتخروا كذباً بمعرفتهم بالناموس، لأنهم يدعون انهم ادركوا التعليم الكامل للناموس وكتابات الأنبياء، ولكن اسئلتهم الغبية الموجهة ليوحنا تفضح جهلهم. فموسى رئيس الأنبياء قال ان الرب سوف يظهر كنبي، وأخبر بني اسرائيل “ان الرب يقيم لكم نبياً من وسطكم” من بين أخوتكم مثلي، له تسمعون، حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في حوريب” (تثنية 18: 15-16). وهذا نفسه جعل النبي اشعياء يقدم لنا السابق والمعمدان قائلاً “صوت صارخ في البرية، أعدوا طريق الرب، واصنعوا سبله مستقيماً” (متى 3: 3 – اشعياء 40: 3). وبالاضافة إلى ذلك يقول ملاخي النبي عن ايليا التشبيتي “ها أنا ارسل لك ايليا التشبيتي، فيرد قلوب الآباء إلى الابناء، والعصاة إلى حكمة الأبرار لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن” (لوقا 1: 5 – 6 ملاخي 4: 5-6 س) وهكذا اعتقد اليهود ان ثلاثة سوف يأتون المسيح ويوحنا المعمدان وايليا، وتم عنهم قول الرب “تضلون اذ لا تعرفون الكتب المقدسة” (متى 22: 29). توقعهم مجيء ثلاثة ظاهر من سؤإلهم الموجه ليوحنا المعمدان ولأنهم عندما عرفوا انه ليس المسيح سألوه هل انت ايليا؟

        وعندما قال لا، كان يجب عليهم ان يسألوه ان كان هو السابق الذي سيأتي ليهيء طريق الرب، وكان يجب عليهم ان يعرفوا ان نبوة موسى خاصة بالمسيح ولكن لأنهم لم يدرسوا الكتب المقدسة عادوا فسألوه ان كان هو النبي. فأجاب: لا. لأنه لم يكن هو المسيح.

يو 1: 22-23 “فقالوا له ماذا تقول عن نفسك؟ إذا صوت صارخ في البرية”.

        ينتقد يوحنا المعمان بشدة وفي رده على سؤإلهم يقول لهم أنتم لا تعرفون شيئاً، ومع انه يشير إلى نبوة اشعياء عن مجيئه، وهو لا يريد ان يضيف شيئاً، فهو ليس الموعود به، وانما المسيح المنتظر فهو على الأبواب، بل بالحري ان الرب داخل الأبواب. وكأنه يقول عليكم ان تذهبوا اليه هو حيث يريد، لقد سرتم الطريق كله مع موسى، وعليكم الآن ان تتبعوا المسيح، لأن هذا هو الذي أخبر عنه خورس الأنبياء.

أقوال خاصة بالطريق وراء المسيح:

        اشعياء “تعالوا لنصعد إلى جبل الرب، إلى بيت إله يعقوب لكي يعلمنا طريقه، فنسير فيها” (2: 3).

        وايضاً “وتكون هناك سكة وطريق يقال لها الطريق المقدسة، ولا يكون هناك أسد، وحش مفترس لا يصعد اليها. لا يوجد هناك بل يسلك المفديون فيها” (ش 35: 8، 9).

        وايضاً “سوف أعطي البدء (السيادة) لصهيون وأعلم اورشليم الطريق” (ش41: 27 سبعينية).

        وايضاً “سوف أقود العمي في طريق لم يعرفوها في مسالك لم يدروها امشيهم” (أش 42: 16).

        ارميا: “قفوا على الطريق وانظروا واسألوا عن السبل القديمة، اين هو الطريق الصالح وسيروا فيه، فتجدوا راحة لنفوسكم” (ار 6: 16).

        فما هو الطريق الصالح، الذي ينقي الذين يسلكون فيه، المسيح نفسه يقول “أنا هو الطريق” (يوحنا 14: 6).

24 – “وكان المرسلون من الفريسيين”:

        الكهنة واللاويين الذين ارسلهم اليهود، ادانتهم غباوة الاسئلة التي سألوها، لأنهم افترضوا ان المسيح غير النبي الذي أشار اليه الناموس ونفس الدينونة لحقت بالفريسيين الذين ادانتهم كبرياء الحكمة المزيفة، لاعتقادهم الباطل بأنهم يعرفون الاقوال الإلهية.

        لقد سألوه “لماذا تعمد ان كنت انت لست المسيح ولا ايليا ولا النبي؟” (يوحنا 1: 25) وهم مثل الكهنة واللاويين ليس لديهم أي إدراك لحقيقة المعمدان، حتى انهم لم يحسبوه ضمن الثلاثة الذين كانوا ينتظرون مجيئهم، حقاً لقد كانوا مرضى ليس بالغباوة فقط بل بالتعالي: الأخ الشقيق للغباوة، ولذلك لم يدركوا مجيء ذاك الذي سبقت وأخبرت به اصوات الانبياء. ومع انهم سمعوه يقول “أنا صوت صارخ في البرية، أعدوا طريق الرب” (متى 3: 23) إلا أنهم لم يقبلوا كلمته، بل رفضوه قائلين يا سيد ما هو رصيدك الذي تعتمد عليه وما هو سندك الذي يجعلنا نصدقك؟ لماذا تعمد؟ وانت لا شيء فلماذا تتصرف هكذا وتقوم بهذا العمل العظيم؟ كانت هذه هي عادة الفريسيين الكفرة، ان يحتقروا او يقللوا من شأن الذي جاء مدعين انهم في انتظار آخر سوف يجيء، وذلك لكي يحتفظوا لأنفسهم بمكانة خاصة لدى اليهود، لا سيما ما يدخل جيوبهم من أموال، فحرصوا ان لا يظهر آخر، او ان يبرز من ينال شهرة. وهؤلاء هم الذين قتلوا الوارث نفسه قائلين “تعالوا نقتله ونأخذ ميراثه” (متى 21: 38).

يو 1: 25 – “أنا أعمد بماء”:

        بطول أناة احتمل المعمدان المبارك الباحثين عن الأخطاء، وأعلن عن نفسه في إطار الكرازة بالخلاص، وأخذ يعلم الذين ارسلهم الفريسيون، ضد رغبتهم، بأن المسيح موجود داخل الأبواب. وها هو يقول لهم، أنا أديت بمعمودية تمهيدية، تغسل بالماء الذين تدنسوا بالخطية وذلك كبداية للتوبة، لكي يرتفعوا من أسفل إلى أعلى، أي إلى توبة كاملة. ولكي يتم ذلك ارسلت لكي أمهد طريق الرب بالكرازة بالتوبة. لأن مانح العطايا العظمى وواهب الخيرات الكاملة “هو في وسطكم” غير معروف بسبب حجاب الجسد، ولكنه يفوقني في كل شيء، حتى انني احسب نفسي غير مستحق لمكانة العبد الواقف في حضرته، وهكذا عبر يوحنا المعمدان عن نفسه واعتقد ان هذا ما يقصده بقوله “أنا لست أهلاً لأن أحلّ سيور حذائه”.

        وعندما قال الحق فقد عمل عملاً مفيداً، فقد كان يريد ان يعلم الفريسيين المنتفخين، التواضع مقدماً ذاته كنموذج للتواضع.

        وقد سجل يوحنا الانجيلي ان هذه الأمور تمت “في بيت عبرة في عبر الاردن” (يوحنا 1: 28)، وسجل بذلك دقة بالغة للأحداث لأننا نحن تعودنا عندما نكتب بدقة ان نذكر الأماكن التي حدثت فيها الأحداث.

(يوحنا 1: 29) “وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلاً اليه”:

        لم يمضي وقت طويل، حتى اشتهر يوحنا كنبي ورسول، وكان يبشر بمجيء المسيح الذي يجيء اليه الآن، لكي يعلنه، ولذلك فاق يوحنا المعمدان في كرازته جميع الأنبياء، لأنه يشير إلى المسيح وهو أمامه ولذلك قال المخلص نفسه “ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا؟ أنبياً نعم أقول لكم، وأعظم من نبي” (متى (1: 9). فالأنبياء في ازمنتهم تنبأوا ان المسيح سيظهر، أما يوحنا المعمدان فبعد ان صرخ بأنه سوف يأتي اشار اليه، وهذا هو المقصود من قول الانجيلي، “وفي الغد نظر يسوع مقبلاً اليه”.

“فقال: هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم”:

        لم تعد كرازة يوحنا “أعدوا طريق الرب” مطلوبة، لأن الذي توقع مجيئه صار أمام عينيه، فصار الموقف يتطلب كلمات جديدة.

        من هو الآتي؟ ولمن جاء؟ ولماذا نزل من السماء؟ يجيب المعمدان “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” وهو الذي اشار اليه اشعياء، وما أشار اليه يتحقق الآن “مثل حمل سيق للذبح ومثل نعجة صامتة أمام الذي يجزها” (اشعياء 53: 7).

        وهو الذي سبق وأخبر عنه ناموس موسى بشكل رمزي، (الناموس) الذي خلص جزئياً دون ان تمتد الرحمة وتشمل الكل، لأن الناموس كان رمزاً وظلاً حينئذ، أما الآن فالذي صورته هذه الرموز بشكل معتم الحمل نفسه، والذبيحة التي بلا عيب، قد جاء لكي يقاد إلى الذبح لأجل الكل، لكي يرفع خطية العالم، لكي ما يبيد المهلك من الأرض، وعندما يموت عن الكل، يجعل الموت لا شيء، ويرفع اللعنة التي لحقت بنا، ويضع حداً لما قيل “تراب انت، وإلى التراب تعود” (تكوين 3: 19). وبذلك يصبح آدم الثاني، ليس “من التراب” وانما من السماء، ويصبح بداية الخيرات للطبيعة الإنسانية، ويعتق الإنسان من الفساد الدخيل، ومانح الحياة الأبدية، وأساس المصالحة مع الله، وبداية التقوى والبر، وطريقاً لملكوت السماوات.

        لقد مات حمل وأحد عن القطيع كله لكي يخلص القطيع كله ويقربه لله الآب. وأحد عن الكل لكي يخضع الكل لله. وأحد عن الكل لكي يربح الكل، وذلك لكي لا يعيش الكل فيما بعد لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام (2 كورنثوس 5: 15).

        لقد كنا مستعبدين لخطايا كثيرة، خاضعين للفساد والموت، فأعطانا الآب ابنه فداء عنا. الواحد عن الكل، لأن الكل فيه، وهو فوق الكل. وأحد مات عن الكل، لكي يحيا الكل فيه. لقد ابتلع الموت “الحمل” الذي كان ذبيحة خطية الكل، ولكن الموت تقيأ الحمل ومعه الكل الذي فيه. لأننا جميعاً في المسيح الذي بسببنا ولأجلنا مات وقام. لقد أبيدت الخطية، فكيف يبقى الموت الذي نتج عنها وبسببها، الا يتلاشى هو ايضاً وينتهي إلى لا شيء. لقد هلك الجذر، فكيف تعيش الاغصان او تبقى؟ وكيف نموت نحن، بعد ان أُبيدت الخطية؟ لذلك نسر بذبيحة حمل الله ونقول: “أين شوكتك يا موت؟ اين غلبتك يا هاوية” (1كورنثوس 15: – هوشع 13: 14).

        لأن “كل اثم”، كما يقول المرنم “يسد فاه” (مزمور 107: 42)، ولا يستطيع بعد ان يتهم الذين أخطأوا بسبب الضعف. واذ كان “الله هو الذي يبرر فمن هو الذي يدين”؟ (رومية 8: 33-34). لقد افتدانا المسيح من لعنة الناموس، عندما صار لعنة لأجلنا، (غلاطية 3: 13) لكي نفلت من لعنة التعدي.

30- “هذا هو الذي قلت عنه”:

        يذكر يوحنا المعمدان السامعين بالكلام الذي قاله، ويحفظ المجد السامي للمسيح، مقدماً اياه ليس عن محبة فقط، بل بحكم الضرورة والحق. فالمخلوق خاضع للخالق، حتى إذا لم يرض بذلك لأن الخالق هو الرب، والمحتاج يخضع للواهب. وكيف جاء المسيح بعد يوحنا المعمدان بل صار قدامه لأنه “كان قبله”. كما يعترف هو نفسه، وهذا ما سبق ان شرحناه بكفاية.

31- “وأنا لم أكن اعرفه. لكن ليعلن لإسرائيل، لذلك جئت أعمد بالماء”:

        الذي ركض بابتهاج في بطن أمه، عندما سمع صوت العذراء القديسة وهي حبلى بالرب والذي عين نبياً قبل الآم المخاض به، وتلميذاً وهو لا يزال في الرحم، يقول “وأنا لم أكن أعرفه” وهو يقول الحق فهو لا يكذب. الله وحده وهو الذي يعرف الأشياء كما هي، دون ان يتعلم، أما المخلوق فهو يحتاج ان يتعلم. ولذلك يسكن الروح القدس في القديسين لكي يكمل ما ينقص منهم، ويعطي للطبيعة الإنسانية من صلاحه الذاتي، وانا أعنى معرفة الاشياء الآتية والأسرار الخفية. لذلك يقول المعمدان القديس انه لا يعرف الرب، وقد تكلم الحق، لأنه كان يعبر عن الصفة الاساسية والحدود الخاصة بالإنسانية، لأنه ينسب معرفة كل الأمور لله وحده، ولكن الله بالروح القدس ينير الإنسان لكي يدرك الأمور الخفية. وبكل يقين يقول إنه من ذاته لم يعرف المسيح، وانما لقد جاء لأجل هذا الغرض لكي يعرفه، ويعلنه لإسرائيل وبذلك لا يكون قراره مؤسساً على ذاته، او انه يعلم ويخدم بإرادته، بل يكون خادماً ومنفذاً للتدبير الإلهي، والمشورة التي من فوق، التي اعلنت له “الحمل الذي يرفع خطايا العالم”.

        لقد قال يوحنا هذه الكلمات “وأنا لم أكن أعرفه” لكي يسهل لليهود الايمان بمخلصنا المسيح، ويدركوا الايمان به، فهو يقول انه لا يعرفه مع انه يعرفه، لكي يفهموا، ان الله هو الذي سيعلن ابنه، وانه هو الذي سيحكم من فوق، فيقبلوا كلامه. وعندما يرى اليهود ان الخادم عظيم بهذا القدر، يدركون ان السيد أعظم، وقوله انه جاء لكي “يعلنه لاسرائيل”. يعلن عن اهتمام الخادم غير العادي بما يخص سيده.

الفصل الحادي عشر

ان الروح القدس في الابن ليس كمن يشترك فيه من الخارج بل هو فيه جوهرياً وبالطبيعة

يو 1: 32-33 “وشهد يوحنا قائلاً إني قد رأيت الروح نازلاً من السماء مثل حمامة واستقر عليه. وانا لم أكن اعرفه. لكن الذي ارسلني لأعمد بالماء هو نفسه الذي قال لي “الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه، فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس”.

        بعد ان قال سابقاً: أنه لم يكن يعرفه، يشرح السر الإلهي ويعلنه، موضحاً ان الذي أخبره هو الله الآب، ويسجل الاعلان الذي اخذه من الآب بكل دقة. وسجل الانجيلي ذلك من أجل فائدة سامعيه، قائلاً ان سر المسيح المعلن للناس قد علمه اياه الله نفسه، فيعرف مقاوموه انهم يحاربون القصد الإلهي نفسه، وبذلك يجلبون الدينونة على أنفسهم لانهم يحاربون قصد الاب. وبهذا كان هو يحثهم بمهارة ان يتركوا مشورتهم الباطلة ويقبلوا شهادته لقد “رأى الروح نازلاً من السماء عليه في شكل حمامة واستقر عليه” ولا يكتفي بالمنظر الذي رآه بل لقد سمع الذي أرسله يعمد بالماء يقول له “من ترى الروح القدس نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس” صادقة هذه الشهادة ومستحقة كل قبول، لا سيما العلامة الفائقة التي رآها، وفوق الكل كلمات الآب الذي يعلن ويخص بها الابن.

        هذه الأمور يجب ان تؤخذ كما هي. ولكن ربما وجد الهرطوقي المحب للجدال فرصة تجعله يقفز وعلى وجهه ابتسامة عريضة. ويقول ماذا تقولون يا سادة؟ وليس لديكم أي جواب تقدمونه، فهل ستصارعون ما هو مكتوب؟ ها هو يقول ان الروح القدس نزل على الابن. وها هو قد مسح بواسطة الله الآب. ومن ليس لديه، يأخذ بل ان المرنم يشهد معنا قائلاً عنه “لذلك مسحك الله إلهك بزيت البهجة، أكثر من رفقائك” (مزمور 45: 7). فكيف يكون الابن بعد هذا الذي قيل، من جوهر الآب الكامل، لأن الابن ناقص ولذلك مسح؟

        وإلى هؤلاء الذين يقبلون تعاليم الكنيسة ويفسدون الحق الذي في الأسفار اعتقد انه يجب ان نقول لهم “افيقوا ايها السكارى من خمركم” (يوئيل 1: 5 س).

        لعلكم تشاهدون جمال الحق معنا، وتقدرون ان تصرخوا معنا للابن “بالحقيقة انت ابن الله” فكيف لا يكون كاملاً؟ لأن هذا تعدى على الآب نفسه وكفر به.

        فإذا كان الابن ناقصاً، ومحتاج للكمال كما تقولون، فكيف لا يصيب هذا الاتهام الآب نفسه الذي منه يولد الابن ويصبح حسب كلامكم بدوره هو ايضاً ناقصاً، لأن الجوهر الإلهي في الابن اصيب بعدم الكمال حسب شرحكم غير المدقق والفاسد. فالطبيعة الإلهية الواحدة، لا يمكن تقسيمها إلى كلمتين، كلمة كامل وكلمة آخر غير كامل، لأنه حتى الطبيعة الإنسانية نفسها هي وأحدة في كل البشر، ومتساوية فينا جميعاً، ولا يوجد انسان اقل من انسان آخر في اشتراكه في الطبيعة الإنسانية واعتقد ان ملاكاً لا يختلف عن ملاك آخر في انتسابهم للطبيعة الملائكة فكل الملائكة لهم نفس الطبيعة. فكيف تكون الطبيعة الإلهية الفائقة، في وضع أقل من وضع المخلوقات، او تحتمل ما لا تستطيع ان تحتمله الطبيعة المخلوقة؟ وكيف تكون بسيطة وغير مركبة، اذ اظهر في اقنوم منها الكمال وفي اقنوم آخر عدم الكمال؟ الا تكون حسب ادعاء الهراطقة مركبة لأن الكمال ليس مثل عدم الكمال. وهذا يعني التركيب.

        وإذا كان الآب والابن لهما طبيعة وأحدة، ولا تركيب فيها ولا اختلاف، فعدم كمال الابن، يصبح بدوره عدم كمال الآب. ويصبح أيضاً كمال الآب هو كمال الابن، وبذلك تسقط التهمة الموجهة للابن، رغم ادعاء الهراطقة، لكن التعليم الصحيح، ليس الآب غير كامل، ولا هو يتفوق على الابن.

        ولعل هذا هو نهاية الجدل. فلو كان بين الكمال والنقص فاصل زمني، والطبيعة الإلهية تقبل الكمال والنقص فهي بذلك مركبة ولا تكون طبيعة الله البسيط. ولو افترض أحد ان الاضداد لا يمكن ان تجتمع في طبيعة وأحدة مثل اللون الأبيض واللون الأسود في جسد وأحد. هذا افتراض جيد يا سيدي لأنك بذلك تؤكد ما أقدمه. لأنه إذا كانت الطبيعة الإلهية وأحدة، فأخبرني كيف تقبل الأضداد؟ وكيف يمكن لأقنومين يختلفان تماماً ان يوجدا معاً في جوهر وأحد؟ ولكن لأن الآب بالطبيعة إله، كذلك الابن ايضاً، ولا يصبح مختلفاً عن الآب، لأنه مولود من جوهره الإلهي الكامل. وبذلك يصبح الابن كاملاً. لأنه من الآب الكامل لأنه صورته الكاملة ورسم جوهره (عبرانيين 1: 3).

        وعلى الذين يقاوموننا ان يقولوا لنا: كيف ان الابن هو صورة الآب الكاملة ورسم جوهره ومع ذلك ليس فيه كمال الطبيعة الإلهية فالابن كامل كما ان الآب كامل.

        وقد يقول قائل عن يوحنا انه رأى الروح القدس نازلاً من السماء على الابن، فنال التقديس من الخارج، ونال بذلك ما ليس عنده. إذا صح كلامك فهذه هي المناسبة لكي تدعوه مخلوقاً نال كرامة وكمالاً وتقديساً، مثل كل المخلوقات، وينال ما يحتاجه من خيرات مثل الباقين. وإذا صح قولكم يكون الانجيلي كاذباً، عندما يقول “ومن ملئه نحن جميعاً اخذنا” فكيف هو مملوء وهو يأخذ من آخر؟ وكيف يمكن ان نعتقد ان الله هو الآب، إذا كان الابن الوحيد مخلوقاً؟ فإذا صح ان الابن مخلوق، لا يمكن ان ندعوه بصدق الآب، ولا الابن يمكن ان ندعوه بالحق الابن، بل يصبح هذا مجرد لقب فارغ بلا دلالة. وبذلك يصل كل شيء عندنا إلى العدم فالآب ليس الآب حقاً، والابن ليس بالطبيعة ابناً. ولكن إذا كان الله حقاً هو الآب، فبالتأكيد له ذلك الذي هو أب له. أي الابن الذي من جوهره.

        وكيف يمكن للاهوت القدوس ان يلد من هو خال من القداسة، لا سيما وان القداسة طبيعة وصفة من صفات اللاهوت؟ وإذا كان الابن نال التقديس من الخارج – كما يدعون – فعليهم الاعتراف رغماً عن ارادتهم بأنه كان وقت لم يكن الابن فيه قدوساً، وصار قدوساً عندما نزل الروح القدس وحل عليه. فكيف كان الابن قدوساً قبل التجسد لأن السارافيم مجده وكرر التقديس “قدوس” ثلاث مرات (اشعياء 6: 3). فإذا كان قدوساً حتى قبل التجسد، بل لأنه ازلي مع الآب القدوس، فكيف يقال انه احتاج إلى من يقدسه؟ أليس الكلام كله عن الزمان الأخير عندما تأنس؟ انني مندهش كيف لا يدركون هذا وهم محبون للبحث. ومن ناحيتنا علينا ان نعتقد ان التقديس لم يأت للابن كما يجيء الينا. لأن الخالي من التقديس يمكن ان يسقط في عبودية الخطية بل ويغرق إلى ما هو أسوأ غير محتفظ بالقوة التي تحول بينه وبين الرذيلة. لذلك ليس الابن قابلاً للتغير، والا كذب المرنم وهو يصرخ بالروح قائلاً له “أنت هو هو” (مزمور 102: 27).

        وبالإضافة إلى ما قلناه علينا ان ندقق فيما يلي فهو هام جداً. ان البراهين كلها تؤكد ان من يشترك في شيء مختلف تماماً عن الذي هو مشترك فيه. وإذا لم يصح هذا، فان من يشترك يصبح مشتركاً في ذاته طالما انه غير مختلف عن الذي يشترك فيه. وكيف يمكن منطقياً ان يشترك كائن في ذاته؟ وحيث ان الذين يشتركون في غيرهم لهم طبائع مختلفة فعلى الذين يقولون ان الابن الوحيد يأخذ الروح بالاشتراك فيه ان يروا انحدارهم في أعماق الكفر والغرق هناك دون ان يشعروا.

        لو كان الابن يشترك في الروح القدس، والروح القدس بالطبيعة قدوس، فالابن يصبح غير قدوس بالطبيعة بل يصير قدوساً باشتراكه في آخر، أي يتحول بالنعمة إلى ما هو أفضل من وضعه الأصلي، وعلى الذين يحاربون الله ان يروا إلى أي درجة من الانحدار والكفر تطرحهم الاجابة على هذا السؤال. فأولاً الادعاء بأن الطبيعة الإلهية قابلة للتبديل والتحول، وهو الادعاء الذي ينسبونه للابن. وهذا التحول يعني انه تقدم ونما إلى ما هو أفضل. ثانياً تحول الابن إلى ما هو أقل من الآب ثم تحوله إلى ما هو أسمى من الآب بسبب اشتراكه في القداسة، حسب منطق المعاندين، لأنه في إطار هذا التفكير الطائش يبدو ان الرسول بولس الحكيم يقول عنه “ليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع ايضاً، الذي اذ كان في صورة الله، لم يحسب مساواته لله اختلاساً، ولكنه اخلى ذاته واخذ صورة العبد، وصار في شبه الناس. ووضع ذاته” (فيلبي 2: 5-8).

        اذ قبل التجسد كان في صورة الله أي في المساواة مع الآب، ولكن عندما تجسد، أضاف إلى ذلك قبول الروح القدس من السماء والتقديس، وحسب منطق هؤلاء، يصبح في وضع أفضل وأعظم مما كان عليه، مما يجعله يتفوق على وضع المساواة مع الآب. وإذا كان قبول الروح جعله ترتفع إلى مستوى أعظم من مستوى الآب، فهو والروح يصبحان أعظم من الآب، وبذلك يصبح الآب هو الذي يمنح السمو والعظمة التي ليست له. من لا يرتعد خوفاً من سماع هذا الكفر؟!!

        بالحقيقة ان مجرد كتابة هذه الأفكار التي لا تخرج مطلقاً عن إطار منطق كفر هؤلاء هو ايضاً صعب، ولكن غباوة هؤلاء لا يمكن مطاردتها الا بمثل هذه الطريقة. لكن علينا ان نسأل هؤلاء هل حصل الكلمة الله عندما صار انساناً على الروح القدس وتقدس؟ وماذا قبل التجسد، عندما كان في صورة الآب اي في المساواة، هل كان في التقديس؟ عليهم الآن ان يجيبوا بكل صراحة، لأنه ان كان قبل التجسد غير قدوس، فالآب ايضاً غير قدوس، لأن الابن فيه وهو في الابن وفي مساواة تامة. وهذا يعني ان الابن لم يكن قدوساً منذ البدء، وصار كذلك في الأيام الأخيرة عندما تجسد. هل يوجد كفر أعظم من هذا.

        وأيضاً إذا كان هو حقاً كلمة الله الذي قبل الروح، وتقدس في طبيعته الخاصة فعلى المعاندين ان يقولوا، هل حدث تغير في الابن، هل صار أعظم أم أقل مما كان عليه أم ظل كما هو؟ وإذا سرنا مع الهراطقة الطريق كله واخذنا بمنطقهم، فيمكننا ان نقول إذا لم يأخذ الابن شيئاً من الروح القدس، وظل كما هو بدون تغيير، فلا تتضايقوا عندما تسمعون انه “نزل عليه”.

        وإذا كان قد تغير عندما قبل الروح وصار أقل فأنتم تقدمون الينا كلمة متغير، وتتهمون جوهر الآب بالنقص وليس بالتقديس. وإذا كان الكلمة صار أفضل عندما قبل الروح، مع انه اصلاً في صورة ومساواة الآب فالآب نفسه لم يرتفع إلى نفس المستوى من المجد الفائق الذي نإله الابن. وهنا من المناسب ان أقول للهراطقة الجهلاء “ها هو الشعب الغبي الذي بلا فهم الذين لهم عيون لا تبصر، وإذان لا تسمع، لأن إله هذا الدهر أعمى عيون غير المؤمنين حتى لا يضيء لهم انجيل مجد المسيح (ارميا 5: 12 – 2كورنثوس 4: 4) لكن ما قدمناه من أفكار هو صحيح، حتى إذا كنا لم نحاول ان نشرح ذلك من قبل بشكل كامل. لأن شرحنا سوف يدور حول ما تكلم به بولس الرسول والذي قدمناه كاعتراض على فكر الهراطقة المنحرف “ليكن فيكم هذا الفكر الذي كان في المسيح يسوع ايضاً، الذي اذ كان في صورة الله، لم يحسب مساواته لله اختلاساً، بل أخذ صورة العبد وصار في شبه الناس واذ وجد في إلهيئة كانسان وضع نفسه ..” (فيلبي 2: 5-8) فها هو الرسول يتعجب من الابن الذي في مساواة مع الآب، ليس بسبب محبة الآب لنا، وصل إلى ذلك، بل العكس صحيح ان محبته لنا جعلته ينزل الينا إلى حقارتنا، وصار في صورة العبد، وأخلى ذاته بسبب ناسوته.

        ولكن يا سادتي إذا كان الابن قد قبل الروح القدس وتقدس كما تدعون، عندما صار انساناً، وصار بالتقديس الذي قبله أعظم مما كان عليه اي أعظم من ذاته. فما هو التنازل الذي حدث في التجسد وكيف تم الإخلاء؟ كيف أخلى ذاته وتمجد في نفس الوقت؟ كيف تنازل إلى التقديس؟ أليس التقديس ارتفاع ومجد؟ كيف أخلى ذاته، وقبل الروح القدس في نفس الوقت؟ او كيف يمكن ان تقول على وجه الاطلاق انه تجسد لأجلنا؟ وكيف يمكن ان ندعي انه نال فائدة عظمى عندما تجسد لأجلنا وسمى ذلك تنازلاً؟ كيف صار الغني فقيراً لأجلنا، لكي نغتني نحن بفقره (2 كورنثوس 8: 9).

        أو كيف كان غنياً قبل ظهوره في الجسد إذا كان حسب ادعاء الهراطقة قد أخذ في التجسد ما لم يكن له من قبل اي الروح القدس؟

        ألا يحق للابن إذا ان يقدم لنا تسبحة شكر على ما أخذه بسببنا؟ اننا نقول عن كل هذا “تعجبي ايتها السماوات وارتعدي يقول الرب، لأن شعبي” الهراطقة “قد ارتكبوا شرين”: “لا يفهموا ما يقولون، ولا ما يقررون” (ارميا 2: 12 – 13 – 1تيموثاوس 1: 7).

        انهم لا يقدرون الخطر الذي يقعون فيه عندما يحرفون هذه الأمور العالية والثقيلة! ومن الأفضل أن يسكبوا دموعاً غزيرة وان يصرخوا بصوت عال إلى الله قائلين “ضع يا رب، حارساً على فمي، واحفظ باب شفتي، لا تمل قلبي إلى كلمات الشر” (مزمور 141: 3-4) لأن كلمات الشر هي حقاً كلماتهم لكي تدمر السامعين، لكننا نحن قد طرحنا ترهاتهم من قلوبنا لكي نسير في طريق الايمان المستقيم، حافظين في عقولنا ما هو مكتوب: “طارحين كل ظنون وكل فكر يرتفع ضد معرفة الله، ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح” (2كورنثوس 10: 5). اذن لنحصر عقولنا إلى أسر المسيح لا سيما الموضوع الذي نحن بصدده لكي نخضع لمجد الابن الوحيد كل فكر، قائلين الحكمة النابعة من طاعته، اي تجسده. فهو الغني الذي لأجلنا صار فقيراً، “لكي نستغني نحن بفقره” (2كورنثوس 8: 9).

        اقبلوا ان شئتم، برهاننا، على ما سنقول، لكن افتحوا إذا الاحتمال لكلماتنا. ان الأسفار الإلهية تعلمنا ان الإنسان خلق على صورة الله ومثاله، الذي هو فوق الكل. والذي جمع لنا الأسفار الخمسة الأولى موسى الذي شهد الله عنه بأنه أكثر من عرف الله (خروج 33: 17س) يقول “خلق الله الإنسان، على صورة الله خلقه” (تكوين 1: 27). ولكنه بالروح القدس ختم الصورة الإلهية في الإنسان، وموسى يعلمنا عن هذا ايضاً قائلاً “ونفخ في انفه نسمة حياة” (تكوين 2: 7). فأعطى الروح القدس فوراً حياة في الخليقة وبشكل إلهي طبع صورة الله في الإنسان. وهكذا فان الله الصانع الحكيم، اذ صنع المخلوق العاقل الحي على الأرض، اعطاه الوصية المخلصة. وكان الإنسان في الفردوس كما هو مكتوب (تكوين 2: 8) يحفظ العطية، مالكاً الصورة الإلهية بالروح القدس الذي سكن فيه ولكن عندما حالت فخاخ الشيطان بينه وبين أكرام الله وبدأ يحتقر خالقه، ويدوس الناموس الذي أعطاه الله اياه، ويحزن المحسن اليه، نزع الله النعمة التي اعطيت له، والذي خلق للحياة سمع لأول مرة “تراب أنت، وإلى التراب تعود” (تكوين 3: 19).

        أما شبه الله فبدخول الخطية بدأ يبهت، ولم يعد الختم مشرقاً لامعاً، بل بدأ يظلم بسبب التعدي. وعندما كثر جنس البشر إلى اعداد لا تحصى، وسادت الخطية على الكل، وصارت تدمر نفس كل انسان تدميراً كاملاً، نزعت من طبيعة الإنسان النعمة الأولى وفارق الروح القدس تماماً الطبيعة الإنسانية، وسقطت الطبيعة العاقلة في أعماق الغباوة، وصارت تجهل الله خالقها. ولكن خالق الكل احتمل ذلك لفترة طويلة وأشفق على العالم الفاسد، ولأنه الله الصالح، فقد أسرع لكي يجمع قطيعه الشارد على الأرض ويضمه إلى الذين فوق (الملائكة) وقرر أن يعيد الطبيعة الإنسانية فيه من جديد إلى الصورة الأولى بالروح القدس. ولم يكن طريق آخر ممكن ان تطبع الصورة الإلهية بواسطته من جديد وتشرق في الإنسان كما كانت أولاً.. فماذا جهز الله ليحقق هذا؟ وكيف أعاد غرس النعمة غير المغلوبة؟ أو كيف تجذر الروح القدس في الإنسان؟

        من اللائق ان نقول بأي طريقة أعيد خلق الطبيعة الإنسانية إلى حالتها الأولى؟ الإنسان الأول، ترابي من تراب الأرض، وكان في قدرته الاختيار بين الخير والشر، لأنه يميل إلى الخير او الشر ولكنه سقط بمكر وخدعة لئيمة، ومال إلى العصيان، فسقط إلى الأرض، الأم التي خرج منها، وساد عليه الفساد والموت، ونقل العقوبة إلى كل الجنس البشري كله. ونما الشر وكثر فينا وانحدر ادراكنا إلى الأسوأ وسادت الخطية، وبالإجمال ظهر ان الطبيعة الإنسانية تعرت من الروح القدس الذي سكن فيها. “لأن روح الحكمة يهرب من الخداع” وكما هو مكتوب “ولا يسكن في الجسد الخاضع للخطية” (حكمة 1: 4 سبعينية) ولأن آدم لم يحتفظ بالنعمة التي اعطاها الله له قرر الله الآب ان يرسل لنا آدم الثاني من السماء. فنزل إلى شكلنا، ابنه الوحيد، الذي هو بالطبيعة بلا تغيير او اختلاف، بل لم يعرف الخطية مطلقاً، حتى كما “بعصيان” الأول خضعنا للغضب الإلهي (رومية 5: 19)، هكذا بطاعة الثاني نهرب من اللعنة وكل شرورها تنتهي. ولكن حينما صار كلمة الله انساناً، قبل الروح القدس من الآب كواحد منا، ولم يقبله كأقنوم في ذاته، لأنه كأقنوم هو واهب الروح وانما الذي لم يعرف خطية، عندما يقبل الروح كانسان، يحفظ الروح لطبيعتنا، لكي ما تتأصل فينا النعمة التي فارقتنا. لذلك السبب اعتقد ان المعمدان القديس اضاف “رأيت الروح نازلاً من السماء واستقر عليه”. لقد فارقنا الروح بسبب الخطية، لكن الذي لم يعرف خطية، صار كواحد منا لكيما يتعود الروح القدس على السكن فينا، بدون مناسبة للمفارقة او الانسحاب منه. لذلك أخذ الروح القدس فيه، ليجدد، الصلاح الأول لطبيعتنا. وعن ذلك قيل ايضاً: “لأجلنا افتقر” (2كورنثوس 8: 9) لأنه وهو الغني كالله ولا يحتاج لأي صلاح، صار انساناً يحتاج إلى كل شيء، وعنه قيل بكل صواب “وأي شيء لك لم تأخذه”؟ (1 كورنثوس 4: 7).

        وأيضاً وهو بالطبيعة الحياة، مات بالجسد لأجلنا، لكي يغلب الموت لأجلنا ويقيم طبيعتنا كلها فيه، (لأن الكل كان فيه بصيرورته انساناً)، وهكذا ايضاً، قبل الروح القدس لأجلنا، لكي ما يقدس طبيعتنا كلها. لأنه لم يأت لكي ينفع نفسه بل لكي يصبح لنا جميعاً، الباب والبداية والطريق لكل الخيرات السمائية. ولو كان قد رفض ان يقبل (الروح) كإنسان، او ان يتألم عنا كواحد مثلنا، فكيف يمكن لأي انسان ان يوضح انه وضع ذاته؟

        او ما الداعي لأن يحتفظ بصورة العبد، إذا لم يكن شيء خاص بصورة العبد قد كتب عنه. وعلينا ان لا نقطع التدبير الحكيم إلى اجزاء، لأن بولس يصرخ مندهشاً من التدبير “لكي يعرف الآن عند الرؤساء والسلاطين في الأماكن السماوية بواسطة الكنيسة بحكمة الله المتنوعة حسب القصد الأزلي الذي صنعه في المسيح يسوع ربنا” (أفسس 3: 10-11).

        وحقاً عظيم هو سر التجسد الذي رأيناه مملوءاً حكمة إلهية. هكذا يجب ان نفهم المخلص، نحن الذين اخترنا طريق التقوى، ونبتهج بالتعاليم الارثوذكسية. لأننا لن ننحدر إلى عدم التعقل. لكي نعترض ان الابن كأقنوم ينال الروح القدس، لأنه بسبب وحدة الجوهر، فالروح موجود في الابن، كما هو في الآب ايضاً، لأنه كما ان الروح القدس من الآب كذلك هو من الابن، كما هو مكتوب “فلما أتوا إلى ميسيا حاولوا ان يذهبوا إلى بثينية، فلم يدعهم روح يسوع” ([1]) (أعمال 16: 7).

        لكن إذا كان أحد لم يستحسن ما قلناه، ويعترض على الشرح الذي قدمناه، وبغيرة عمياء يدعي ان الابن ينال الروح القدس بالمشاركة او انه لم يكن فيه من قبل، ثم حل الروح فيه عندما اعتمد واثناء فترة التجسد، فعليه ان يرى إلى أي درجة من عدم الادراك سوف يسقط. لأنه أولاً يقول المخلص: ليس بين المولودين من النساء من هو أعظم من يوحنا (متى 11: 11)، وهذا حق، ولكننا نرى ان الذي وصل إلى هذه المكانة والمجد والفضيلة كانسان، يكرم المسيح بكرامة لا يمكن مقارنتها. فهو يقول “أنا لست مستحقاً ان انحني وأحل سيور حذائه” (مرقس 1: 7). فكيف لا يبدو غير معقول، بل بالحقيقة كفر، ان نؤمن ان يوحنا “امتلأ من الروح القدس من بطن أمه” (لوقا 1: 15)، ونعتقد ان سيده، بل سيد ورب الكل قبل الروح القدس عندما اعتمد، مع ان جبرائيل يقول للعذراء القديسة “الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك، لذلك القدوس المولود منك، يدعى ابن الله” (لوقا 1: 35) وعلى محب المعرفة ان يرى قوة الكلمات التي تتمخض بالحق. لأنه يقول عن يوحنا “يمتلئ من الروح القدس (لأن الروح القدس صار فيه كعطية وليس بالجوهر) أما عن المخلص فالملاك لا يقول “سوف يمتلئ” بالمعنى الدقيق للكلمة بل “القدوس المولود منك” ولم يقل “المولود منك سوف يصير قدوساً” فهو دائماً قدوس بالطبيعة لأنه الإله.

        ولكنني اعتقد انه يجب ان نبحث عما يليق من كل الزوايا، فان دراسة بشارة الملاك نفسها تدريب عملي على التقوى، ويا ليتنا نتقدم فيه قليلاً قليلاً. يقول الملاك “الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك، لذلك القدوس المولود منك يدعى ابن الله”. وعلى الذين يقاومون التعليم الارثوذكسي للكنيسة ان يقولوا لنا هل كان الكلمة قبل التجسد هو ابن الله، ام كان له مجد البنوة بالاسم فقط، وهل دعي زوراً الابن ام هو بالحقيقة كذلك؟ فإذا قالوا انه لم يكن الابن بالمرة، فبذلك ينكرون الآب ايضاً، كمن لا ابن له، وهذا الاعتقاد مضاد تماماً للأسفار المقدسة. وإذا اعترفوا بأنه الابن قبل التجسد، وانه كان وسيظل الابن فكيف يقول الملاك في البشارة للعذراء القديسة ان الذي سيولد منها سيدعى ابن الله؟ لكنه بالطبيعة ابن الله، لأنه كذلك منذ الأزل مع الآب، ولكن عند التجسد، ولأنه سوف يظهر في العالم بالجسد يؤكد الملاك انه سيدعى ابن الله، أي لن يفقد طبيعته الإلهية.

        كذلك ايضاً فالابن له الروح حسب وحدة الجوهر، ولكنه قيل انه سوف يقبله كانسان لكي يحفظ للإنسانية الصلاح الذي تحتاجه ومع هذه العطية يحفظ لنا كل ما يمكن ان نأخذه. ولكن كيف يمكن ان نعتقد ان الكلمة يمكن ان يكون منفصلاً عن روحه؟ الا يكون غير معقول ان نقول ان روح الإنسان ليست فيه، وحسب تعريف طبيعة الإنسان الكاملة والحية، هل يمكن ان نتكلم عن انسان بلا روح. وافترض ان هذا واضح جداً للكل، فكيف يمكن ان نفصل الروح القدس عن الابن، الذي هو معه، ومتحد به في الجوهر الواحد، والذي به ينبثق، وهو موجود فيه بالطبيعة، ولا يمكن ان يكون مختلفاً عنه لأنه اقنوم مثله، له ذات الطبيعة الإلهية التي للابن. وعلينا ان نسمع ما يقوله المخلص لتلاميذه. “ان كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب وهو سيعطيكم معزياً آخر، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله” (يوحنا 14: 15-17) وها هو يقول عن الروح القدس “روح الحق” والابن وحده وليس آخر غيره هو الحق، لأنه يقول “أنا هو الحق” (يوحنا 14: 6). وإذا كان الابن بالطبيعة يدعى الحق، فعلينا ان نرى كم هي عظيمة الوحدة التي بينه وبين الروح القدس، وهي التي جعلت يوحنا الرسول يقول عن مخلصنا “هذا الذي جاء بالماء والدم والروح، يسوع المسيح ليس بالماء فقط، وانما بالماء والدم. والروح هو الذي يشهد لأن الروح هو الحق” (1 يوحنا 5: 6) ولذلك السبب نفسه اذ يحل الروح القدس في انساننا الداخلي (أفسس 3: 16)، يقال ان “المسيح نفسه هو الذي يحل فينا” (افسس 3: 17) وحقاً يعلمنا بولس المبارك ذلك قائلاً “ولكنكم لستم في الجسد ولكن في الروح، ان كان روح الله ساكناً فيكم. والآن إذا كان انسان ليس له روح المسيح فهو ليس للمسيح. وان كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية، أما الروح فحياة بسبب البر” (رومية 8: 9-10). أعطوا إذاننا صاغية يا سادة، لما سمعتم. لأن الرسول يسمي الروح الساكن فينا، روح المسيح، ولذلك فوراً يضيف “وان كان المسيح فيكم” مقدماً بذلك المساواة التامة بين الابن والروح، “نصرخ أبا ايها الآب” (رومية 8: 15) وكما يقول يوحنا المبارك “بهذا نعرف انه ساكن فينا، لأنه قد اعطانا من روحه” (1 يوحنا 4: 13).

        اعتقد ان ما ذكرت يكفي ابناء الكنيسة لمقاومة أخطاء الهراطقة ولكن ان كان أحد معتاداً ان يشرب الخمر الرديء الذي يقدمه الهراطقة لكي يسكر به ويفترض ان الابن قبل الروح القدس عندما تأنس. فعليه ان يعلن رأيه بصراحة ويقول ان كلمة الله لم يكن قدوساً قبل تجسده، وهذا الكفر الظاهر يجعلنا نكف عن مناقشته ونحتفظ بسلامنا الداخلي.

        يمكن ان نتعجب كيف يحتفظ الانجيلي القديس بالكلام الدقيق الذي يليق بالطبيعة الإلهية. فقد قال سابقاً “الله لم يره أحد قط”، ولكنه يقول عن المعمدان أنه “رأى الروح نازلاً من السماء” على الابن، ويضيف بالضرورة “رأيت الروح” ولكن في شكل حمامة، فهو لم ير الروح كما هو في طبيعته، وانما في ظلال وداعة الطائر. وبذلك حفظ لنا الانجيلي المساواة ايضاً بين اقنوم الابن واقنوم الروح، فالابن يقول عن نفسه “تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب” (متى 11: 29). فالروح لم يظهر مطلقاً، لأنه الله، واحتفظ بطبيعته الإلهية غير الظاهرة، وظهر فقط بشكل حمامة، بسبب الاعلان الذي قدم ليوحنا المعمدان، الذي قال ان نزول الروح وهب له كعلامة، لكي يشهد للمخلص “والذي ارسلني لأعمد بالماء، هو نفسه قال لي الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه، هو نفسه الذي يعمد بالروح القدس”.

        اعتقد اننا نستطيع ان نضحكم من آراء الهراطقة غير عابئين بما يقولونه، لأنهم أخذوا العلامة على غير معناها، مع انها اعطيت كعلامة فقط ولأجل اعلان تدبير، وكما قلت أكثر من مرة وبسبب حاجة الجنس البشري.

يو 1: 34- “وأنا قد رأيت وشهدت ان هذا هو ابن الله”:

        صادقة هذه الشهادة، فالذي رأى تكلم بما رآه. فهو لا يجهل ما هو مكتوب “ما تراه بعينيك ايه أخبر” (أمثال 25: 7 س) “رأيت” العلامة وفهمت ما هو المقصود منها، لكي أشهد ان هذا هو ابن الله الذي أعلنه الناموس بواسطة موسى، وبشرت به أصوات الأنبياء القديسين.

        ولكي يبدو لي ان الانجيلي المبارك يسجل شهادة يوحنا المعمدان بثقة عظمى “هذا هو ابن الله” أي الواحد الوحيد بالطبيعة ووارث طبيعة الآب ذاتها، وبالابن نحن نتشبه، وبه ندعى بالنعمة إلى كرامة البنوة. لأن كل شيء من الله الآب ولذلك منه “تسمى كل عشيرة في السماء وعلى الأرض” (أفسس 3: 15)، فهو الآب حقاً وهو الآب الأول والحقيقي، وكذلك كل بنوة هي من الابن، بسبب انه هو الابن حقاً، الذي من جوهر الآب، وليس بالاسم فقط. فهو لم ينفصل، ولا أنقطع عن الآب، فالطبيعة الإلهية لا تقبل التجزئة، بل الابن وأحد من وأحد، كائن مع الآب الذي منه ولد، وهو في الآب، ويشرق من الآب، غير منظور وغير متجزئ وبلا حدود، لأن اللاهوت ليس مثل الجسد، ولا محصور في مكان، ولا من طبيعة تتقدم تدريجياً وتنمو مثل الكائنات المخلوقة. بل اللاهوت مثل الحرارة الصادرة من النار، يمكن تمييزها فكرياً، وادراكها متميزة عن النار، ولكنها في النار، ومن النار، وتصدر عن النار دون انفصال، او انقطاع، لأنها في النار كلها وليس في جزء منها، وهكذا نعتقد في المولود الإلهي. وندرك ان هذا التشبيه يليق بالله. فالابن له اقنومه المتميز عن أقنوم الآب، دون ان ينفصل عن اللاهوت الواحد الفائق، ولا نقول ان له جوهراً آخر غير جوهر الآب. لأنه بدون وحدة الجوهر لا يمكن ان نقول بصواب انه الابن، بل يكون آخر غير الابن، او إله جديد قد ظهر غير الإله الحقيقي الذي هو كائن منذ الأزل، فكيف لا يكون من هو ليس من جوهر الآب نفسه بالطبيعة، سوى آخر غير الإله الحق؟ ولكن حيث ان المعمدان المبارك هو شاهد صادق، له سمعة عظيمة ويشهد ان “هذا هو ابن الله”، سوف نعترف ان الابن هو الإله الحق، من جوهر الآب ذاته، وهذا وحده ولا سواه هو معنى اسم الابن.

يو 1: 35-36 “وفي اليوم التالي ايضاً كان يوحنا واقفاً هو واثنان من تلاميذه. فنظر إلى يسوع ماشياً فقال هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم”:

        لقد أشار اليه المعمدان من قبل، ولكن هل هو يعيد نفس الكلمات، ويشير لتلاميذه بأن يسوع هو حمل الله الذي يسير أمامه وأنه هو الذي يرفع خطية العالم. هذه الشهادة تهدف إلى ان تذكر السامعين بالذي قال عنه الانبياء “انا هو الماحي ذنوبك ولا أذكر خطاياك” (اشعياء 43: 25). وليس عبثاً ان يكرر المعمدان نفس الكلام الذي قاله سابقاً عن المخلص، لأن كفاءة المعلم، ان يثبت في نفوس التلاميذ الكلمة الخاصة بالتعليم، ولا يتردد في أن يكرر، وانما يحتمل التكرار من أجل فائدة التلاميذ. ولذلك يقول بولس المبارك “كتابة نفس الأمور اليكم، ليست على ثقيلة وأما لكم فهي مؤمنة” (فيلبي 3: 1).

يو 1: 37- “فسمعه التلميذان يتكلم فتبعا يسوع”:

        هل ترون الثمرة ابنه التعليم الصحيح؟ هل ترون قيمة التكرار؟ وعلى الذين اؤتمنوا على التعليم ان يتعلموا من هذا ان يكون مرتفعاً فوق التكاسل، وان يعتبر الصمت أشد ضرراً لنفسه من السامعين، وان لا يدفن وزنة الرب في تل من التهاون مثل الذي دفن في الأرض وزنته بل ان يعطي النقود للصيارفة، (متى 25: 18-27). لأن المخلص سوف يسترد نقوده مع الفوائد، وكما يحي البذرة في التراب، كذلك يفعل بالكلمة. وهنا لدينا برهان كاف عما قلناه. لأن المعمدان لا يتوانى عن الاشارة إلى الرب لكي يدرك تلاميذه انه الآتي. وعندما سمعه تلاميذه في المرة الثانية “هوذا حمل الله”. فقد استفادوا فائدة عظمى من التكرار؟ حتى ان التكرار نفسه حملهم على ان يتبعوه، وان يطلبوا التلمذة له.

يو 1: 38- “فالتفت يسوع ونظرهما يتبعان. فقال لهما ماذا تطلبان”:

        يليق بالرب ان يلتفت للذين يتبعونه، لكي نتعلم بالعمل ما قيل في المزمور “طلبت الرب، فاستمعني” (مزمور 34: 4). لأننا عندما لا نطلب الحياة الفاضلة والايمان الحق، نصبح كما لو كنا خلفه، ولكن عندما نعطش للناموس الإلهي ونختار طريق البر المقدس، فهو سوف يلتفت الينا ويصرخ بما هو مكتوب “التفتوا إلى فالتفت اليكم يقول رب الجنود” (زكريا 1: 3). ولكن يسوع يقول لهما ماذا تطلبان؟ ليس لأنه يجهل ما يطلبان، كيف يمكن ان يحدث هذا فهو كإله يعرف كل شيء وانما جعل السؤال بداية وأساس حديثه.

“فقالا، يا معلم اين تمكث”:

        مثل أناس تعلماً جيداً حسن الكلام ويجيبان حسناً، وها هما يقولان له “يا معلم” أي ايضاً “يا سيد” وهو تعبير يؤكد استعدادهما لكي يتعلما. ويطلبان ان يعرفا منزله فهو أكثر مكان مناسب يمكن ان يجدا فيه احتياجهما. وربما شعراً بأن الحديث عن احتياجهما في الطريق العام هو غير مناسب لا سيما مع رفاق السفر وما قيل هنا هو مثال مناسب لنا جميعاً عن العلاقة بين المعلم والتلميذ.

يو 1: 39- “فقال لهما تعاليا وانظرا”:

        لا يشير المسيح إلى المنزل مع انهما سألا عنه بشكل واضح، لكنه يسألهما ان يأتيا اليه وجعل هذا مثالاً للسلوك الصالح لأن كل من يريد ان يبحث عن ما هو صالح، عليه ان لا يتأخر بالبحث عن أمور فرعية، لأن التأخير مضر.

        وبالإضافة إلى ذلك كان هذان يسجلان البيت المقدس لمخلصنا المسيح، أي الكنيسة ولا يكفي بالمرة للخلاص ان يعلما اين هي، ولكن ان يدخلا اليهما بالإيمان، لكي يشاهدا الاشياء التي تمت فيها سرياً.

“فأتيا ونظرا اين يمكث، ومكثا عنده ذلك اليوم. وكان نحو الساعة العاشرة”.

        بشوق يطلب التلميذان معرفة الأسرار الإلهية. واعتقد ان العقل المزدوج والمنقسم يناسب الذين يشتهون المعرفة، وانما على الذي يبحث عن المعرفة الإلهية ان يكون ثابتاً، مرتفعاً فوق الخرافات غير عابئ بالتعب المقدس، وهكذا خلال الحياة كلها يواصل ما يسعى اليه بغير تامة. وهذا معنى الكلمات “ومكثا عنده ذلك اليوم”. ولكن عندما يقول “وكان نحو الساعة العاشرة”. فان كل انسان يستطيع ان يصل إلى المعنى الذي يناسب ادراكه لأن كاتب الإلهيات، أراد ان يوصل الينا معنى خفياً يصعب ادراكه لأول وهلة، وأراد ان يعلمنا انه ليس في بداية العالم العالم أعلن السر العظيم الخاص بالمخلص، وانما في نهاية الدهور. لأنه في الأيام الأخيرة، يكون “الكل متعلمين من الله” (اشعياء 54: 13). ويمكننا ان نأخذ ايضاً الرمز الذي أراده الانجيلي من الساعة العاشرة، لأن التلميذين مكثا مع المخلص، وصارا ضيوفه، وهكذا الذين بالإيمان يدخلون البيت المقدسة (الكنيسة) ويتقابلون مع السيد المسيح، عليهم ان يتعلموا ان يمكثوا معه، وان لا يرغبوا في الاغتراب عنه، او الابتعاد عنه بالعودة إلى الخطية، او العودة إلى عدم الايمان.

يو 1: 40-41 “كان اندراوس أخو سمعان بطرس وأحداً من الاثنين اللذين سمعا يوحنا وتبعاه. هذا وجد أولاً أخاه سمعان فقال له قد وجدنا مسيا الذي تفسيره المسيح. فجاء به إلى يسوع”:

        عندما أخذ الوزنة، على الفور بدءاً في الثمار، لكي يقدما إلى الرب ما يخصه. وهكذا بالحقيقة النفوس الطائعة الوديعة التي لا تحتاج إلى كلمات كثيرة لكي تعمل ولا يقدمون ثمار التعليم بعد سنوات وشهور من التعب، بل يصلون إلى غاية حكمة التعليم مع بداية تعليمهم. لأنه مكتوب اعط تعليماً للحكيم فيزداد حكمة، وعلم البار فيزداد علماً” (امثال 9: 9).

        اندراوس يخلص اخيه أي بطرس، ويعلن له السر كله في كلمات قليلة، لقد وجدنا يسوع، الكنز المخفي في حقل، او اللؤلؤة الكثيرة الثمن على حد تعبير أمثال الانجيل نفسه (متى 13: 44-46).

يو 1: 42 “فنظر اليه يسوع وقال انت سمعان بن يونا. انت تدعى صفا الذي معناه صخرة”.

        ينظر المسيح إلى سمعان نظرة إلهية، أي نظرة من يعرف القلب والاحشاء “ارميا 20: 12) ويرى الدرجة العالية التي سيصل اليها التلميذ في ادراكه للتقوى، وكيف سيترك خلفه آثاراً لا تمحى. والذي يعرف الاشياء قبل ان تكون، لا يجهل شيئاً، ولذلك يبدأ على الفور يعلم التلميذ ويبدأ بالدعوة نفسها، لأنه الإله الحق الذي له معرفة لم يتعلمها من أحد. فهو لو يكن محتاجاً إلى كلمة او حتى اشارة لكي يعلم من هو، ومن اين جاء صفا (بطرس). ويقول له فوراً اسم ابيه، واسمه، بل لا يسمح له بأن يكون اسمه سمعان فهو يمارس سلطان ربوبيته عليه، لأنه يملك الكل ولذلك فهو ايضاً يخصه. ويغير اسمه من سمعان إلى بطرس Petra أي صخرة، أي يشير إلى الاساس الذي سوف يبني عليه كنيسته (متى 16: 18).

يو 1: 43 “وفي اليوم الذي بعد ذاك أراد يسوع ان يخرج إلى الجليل فوجد فيلبس فقال له اتبعني”.

        كان فيلبس من نفس نوع الرجال الذين تقابلوا مع المسيح، وكان على استعداد لأن يتبع المسيح. وكان المسيح يعرف انه سيكون تلميذاً صالحاً. لذلك يقول له “اتبعني” جاعلاً هذه الكلمة علامة على النعمة التي سينالها، ولذلك يأمره بأن يتبعه. وهذه شهادة بأن تغييره كان فائقاً. ولذلك اختاره، عالماً انه سيكون صالحاً.

يو 1: 45 “فيلبس وجد نثنائيل، وقال له وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة”.

        بسرعة فائقة يجمع التلميذ الثمر، لكي يلحق باللذين سبقوه من التلاميذ. لقد “وجد نثنائيل” وهذا لا يعني انه تقابل معه من مدة طويلة، بل يبحث عنه بكل اهتمام. فقد كان يعلم ان نثنائيل مجاهد محب للمعرفة. وهذا ظاهر من الكلمات الموجهة اليه. وجدنا الذي كتبت عنه الأسفار المقدسة، فهو لم يكن يتكلم مع شخص جاهل، بل مع من هو متعلم جيداً فيما يخص موسى والانبياء. ومع هذا كانت هناك أفكار خاطئة كثيرة منتشرة بين اليهود عن يسوع مخلصنا، مثال ذلك انه سيكون من قرية الناصرة مع انه حسب الاسفار الإلهية سيكون من بيت لحم حسب النبوة “وأنت يا بيت لحم ارض يهوذا، بيت افراثه، لست الصغرى بين ألوف يهوذا، لأن منك سوف يأتي الذي يملك في اسرائيل، وخروجه من القديم منذ الأزل” (ميخا 5: 2 سبعينية) والحقيقة ان يسوع من بيت لحم ولكنه تربى وكبر في الناصرة، حسب شهادة الانجيلي نفسه الذي قال “وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربى” (لوقا 4: 16)، ولكنه لم يكن مطلقاً من الناصرة بل من بيت لحم حسب شهادة الانبياء. ومن هذا ندرك ان فيلبس اذ يتبع الأفكار الشائعة بين اليهود لذلك يقول يسوع الذي من الناصرة.

يو 1: 46 – فقال له نثنائيل “أمن الناصرة يمكن ان يكون شيء صالح”.

        نثنائيل مستعد ان يوافق ان شيئاً عظيماً وهاماً، يتوقع الكل ان يستعلن لا يمكن ان يأتي من الناصرة. واعتقد انه واضح جداً، لم يعتبر الناصرة، المكان الذي كان سيأتي منه المسيح لأن معرفته بالناموس والأنبياء، لا تنبئ بذلك وكشخص متعلم ويفهم لم يقبل بسرعة ما قاله فيلبس.

“تعال وانظر”:

        يقول فيلبس ان النظر يكفي لإقناع الايمان، وإذا تحدثت معه سوف تعترف بسبب استعدادك، وبدون تردد سوف تقول، انه هو الآتي. ومعنى الكلمات “تعال وانظر” هو ان الكلمات التي كانت تسمع من المخلص كانت إلهية محملة بالنعمة، تجذب نفوس السامعين. لأنه مكتوب ان الكل “تعجب من كلمات النعمة الخارجة من فمه” (لوقا 4: 22). ولأن كلمته قوية في فعلها فهي قادرة على ان تجذب السامعين.

يو 1: 47 – “هوذا اسرائيلي حقاً لا غش فيه”.

        لم يكن المسيح قد أجرى آيات بعد، ولذلك لجأ إلى اسلوب آخر لكي يقنع تلاميذه والحكماء من بين الذين أتوا اليه، بأنه بالطبيعة ابن الله، ولكنه بسبب خلاص الكل جاء في شكل بشري. وما هو بديل المعجزات، انه معرفة الخفيات، التي هي خاصة بالله. وهنا يقبل نثنائيل ليس بكلمات الإطراء، بل بما يشعر به نثنائيل، مقدماً له عربوناً بأنه يعرف القلوب كإله.

يو 1: 48 “من اين تعرفني”.

        بدأ نثنائيل يتعجب، وبدأت دعوته إلى ايمان ثابت، ولكنه يرغب في ان يعرف من اين حصل المسيح على ما عرفه عنه. لأن النفوس التقية والمحبة للتعليم هي دقيقة جداً، ولعله افترض ان بعض ما يعرفه الرب جاء عن طريق فيلبس.

“قبل ان دعاك فيلبس وانت تحت التينة رأيتك”:

        هنا ينهي المخلص تعجبه قائلاً له قبل ان تتقابل مع فيلبس، وقبل ان تتحدث معه، “رأيتك تحت التينة” بدون ان أكون حاضراً معك بالجسد. وما أعظم منفعة التينة والمكان، مؤكداً له حقيقة أنه رآه. ولأن المسيح كانت لديه معرفة دقيقة بما يعرفه نثنائيل عن نفسه، خضع له نثنائيل على الفور.

يو 1: 49 “يا معلم انت ابن الله، انت ملك اسرائيل”.

        يعرف نثنائيل ان الله وحده فاحص القلوب، وهو وحده الذي يعرف الخفيات، ولا يشاركه أحد في هذه المعرفة، وهو ما قيل عنه في المزمور “الله فاحص القلوب والكلى” (مزمور 7: 9) ولم ينسب المرنم إلى أحد آخر هذه الصفة بالذات سوى الله وحده.

        وعندما رأى نثنائيل ان الرب رأى افكاره وهي تدور في عقله، دون ان تتحول إلى صوت مسموع او حتى همسات، على الفور قال له “يا معلم”، وأعلن بذلك استعداده لأن يدخل في التلمذة، وباعترافه بأنه “ابن الله وملك اسرائيل” أكمل التلمذة، لأن هذه هي صفات اللاهوت، ونثنائيل كشخص متعلم جيداً يؤكد ان يسوع هو تماماً وبالطبيعة الله.

يو 1: 50 “هل آمنت لأني قلت لك إني رأيتك تحت التينة سوف ترى أعظم من هذا”.

        يقول المسيح له سيكون ايمانك أكثر ثباتاً، لا سيما عندما “ترى أعظم من هذا” لأن الذي يؤمن بمجرد رؤيته آية وأحدة، كيف لا يتقدم ايمانه إذا رأى آيات أخرى، خصوصاً إذا كانت هذه الآيات أكثر وأعظم في قوتها.

51 – “الحق الحق أقول لكم: من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان”.

        هذه الكلمة هي دعوة عامة لكل الذين يؤمنون، وهي في نفس الوقت ختم ايمان نثنائيل. ولكن القول بأن الملائكة سوف يرون، يصعدون وينزلون على ابن الإنسان، أي يخدمون وينفذون ما يأمر به، من اجل خلاص الذين يؤمنون، فان ذلك سوف يعلن بشكل خاص، انه بالطبيعة ابن الله. لأن القوات العقلية السمائية، لا تخدم أحداً سوى الله وهذا لا يعني ان الملائكة بعد التجسد لم تعد خاضعة بل كما نسمع في أحد الأناجيل، ان ملائكة جاءت لكي تخدم مخلصنا المسيح (متى 4: 11).

 

([1]) “روح يسوع” هكذا في الترجمة السريانية القديمة، وهكذا وجدت ايضاً في أقدم المخطوطات.

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج5 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج4 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج4 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج4 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الأول: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الثاني: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الثالث: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج3 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الخامس: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج5 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

 

الفصل التاسع

ان نفس الإنسان لا وجود لها قبل وجود الجسد. وليس وجود النفس في الجسد – كما يقول البعض – هو بسبب خطايا سابقة.

        بكل يقين يضع الانجيل الإلهي، الاعلان عن الابن الوحيد بشكل متسع لكي يؤكد انه النور الحقيقي، ويضيف بكل دقة إلى ما قاله سابقاً ويصرخ عالياً: “كان النور الحقيقي الذي ينير كل انسان، آتياً إلى العالم”.

        وحيث ان البعض من الذين يفشلون في فهم التعاليم الإلهية ولا يبحثون جيداً يدعون ان الملائكة ينيرون عقل البشر ويقولون: أخبرنا، اليس كرنيليوس قد قبل تعليماً من الملاك عن ضرورة خلاصه بالمعمودية؟ وماذا عن منوح والد شمشون، ألم يتعلم بصوت الملاك عن الاشياء المستقبلة؟ (قض 13: 2). وايضاً زكريا النبي ألم يعلن بوضوح ويخبرنا: “والملاك الذي تكلم معي قال لي تعال لكي اريك ماذا يكون” (زك 1: 9).

        وإذا درست هذه الكلمات ألا نجد ان الملاك يعلن المعرفة الخفية الخاصة بالمستقبل من خلال عقله. لأنه يقول: “وإذا الملاك الذي يتكلم معي ذهب وجاء ملاك آخر لمقابلته، وقال له أسرع وأخبر هذا الرجل قائلاً سيسكن اورشليم كثرة من الناس حتى تكون مدينة بلا أسوار بسبب كثرة الناس والبهائم” (زكريا 2: 3-4). وماذا عن النبي دانيال؟ ألم يستغرق في رؤياه العجيبة. عندما اعلنت الملائكة له الرؤيا التي رآها؟ وها هو يقول: “وحدث انني انا دانيال رأيت الرؤيا وطلبت المعنى وإذا بشبه انسان واقف قبالتي وسمعت صوت انسان بين أولاي. فنادى وقال يا جبرائيل اجعل هذا الإنسان يفهم الرؤيا” (دا 8: 15-16). كل هذا يؤكد ان قوة الاستنارة هي في الملائكة. بل حتى الإنسان يمكنه ان يستعين بانسان آخر لكي ينيره. وحقاً كان الخصي مشتاقاً لأن يعلم من هو الشخص محور النبوات التي كان يقرأها مع انها كانت عن المخلص، وقال لفيلبس “اطلب اليك، عن من يقول النبي هذا عن نفسه ام عن وأحد آخر؟” (أع 8: 34). بل ان الذين يستعينون بالمعلمين في هذا الدهر ليس لديهم أي غرض آخر سوى ان يستنيروا ولماذا نتعب والبرهان جاهز في ايدينا وهو ما قاله المخلص لرسله القديسين “أنتم نور العالم” (مت 5: 14).

        مثل هذه الأفكار تصدر عن الذين يتحيرون. ولنا اجابة على هذا. أنتم ترون يا أصدقائي ان المخلوق هو كائن مركب وليس بسيطاً بل لا يوجد فيه شيء بسيط. ولذلك فالذي يعطي حكمة لآخرين وهو مخلوق ليس هو الحكمة بل خادم للحكمة التي لأنه بالحكمة يصبح الإنسان حكيماً. وكذلك من يعلم الفطنة او التدبير ليس هوالفطنة او التدبير بل هو خادم الفطنة او التدبير. وبالفطنة والتدبير يصبح الإنسان فطيناً او مدبراً. وايضاً كل من هو قادر على ان يعلم آخرين وينيرهم ليس هو النور وانما يقدم النور الذي فيه للآخرين بالتعليم ويشركهم في الخير الذي أخذه. وهذا هو السبب الذي بشأنه قيل “مجاناً اخذتم مجاناً اعطوا” (يو 10: 8). لأنه مهما كانت الخيرات التي فيهم، فهي بكل يقين من الله، لكي لا تفتخر الطبيعة الإنسانية بما لديها من خيرات، ولا حتى الملائكة القديسين .. لأننا بعد ان دعينا إلى الوجود فان كل الموجودات تنال كيانها الخاص من الله. ونحن نؤكد هنا وعلى أساس ثابت ان أي صلاح او خير في الموجودات ليس فيها من جوهرها، بل ليس الا نعمة مجانية من الخالق والكل مبني على نعمة الصانع.

        وحيث ان المخلوقات هي من طبيعة مركبة فليس فيها مطلقاً نور بسيط ولا نور مركب بل النور وكل شيء آخر ينالونه هو بالاشتراك في الله. لكن النور الحقيقي هو الذي ينير وليس الذي يستنير من آخر. وهكذا الابن الوحيد كائن بسيط غير مركب لأن اللاهوت ليس فيه ثنائية.

        هذه الأمور يجب ان تؤخذ هكذا. أما المعارضون فسيقولون لنا. لو كان القديسون ليسوا بالطبيعة، النور، فلماذا لا يدعوهم المخلص شركاء النور بدلاً من النور؟ وكيف يصبح المخلوق مختلفاً عن ابن الله، ما دام التلاميذ قد سمعوا “أنتم نور العالم” (مت 5: 14).

        اجابتنا على هذا يا سادتي الاعزاء هي: نحن ابناء الله بل دعينا إلهة في الاسفار الإلهية حسب المكتوب “ألم أقل انكم إلهة وبنو العلي كلكم” (مز 82: 6). هل يعني هذا ان نتخلى عن كياننا ونرتفع إلى جو اللاهوت غير المنطوق به وان خلع الابن الكلمة من بنوته ونجلس نحن في مكانه مع الآب ونجعل محبة الذي أكرمنا عذراً للكفر؟ حاشا لله. فالابن هو كائن غير متغير. أما نحن فبالتبني صرنا أبناء وإلهة بالنعمة، غير جاهلين من نحن، وعلى نفس القياس لا نؤمن ان القديسين هم النور اما عن النور الحقيقي فعلينا ان نرى الأمر على هذا النحو: أن الكائنات العاقلة في الخليقة بعد ان تستنير تنير غيرها بالشركة في الأفكار التي تنسكب من العقل في أذهان الآخرين. وهذه الاستنارة بالصواب توصف بأنها تعليم وليست اعلاناً. أما الكلمة الذي من الله الآب فهو ينير كل انسان آت إلى العالم، ليس بالتعليم مثلماً يفعل الملائكة او البشر، وانما كإله خالق يضع في كل المدعوين إلى الوجود بذرة الحكمة او بذرة المعرفة الإلهية. ويزرع جذر الفهم مما يجعل الكائن حياً عاقلاً معلناً بذلك اشتراكه في طبيعته ومرسلاً إلى العقل اشعة نور من بهائه غير المدرك بشكل يعرفه هو وحده، ولا يجوز لأي انسان ان يضيف شيئاً أكثر من ذلك في هذه الموضوعات وحتى ابونا الأول آدم نال الحكمة فوراً وبدون ان يتعلم في مرحلة من الزمان مثلنا، بل منذ بداية وجوده كانت له معرفة كاملة واحتفظ لنفسه بالنور الذي اعطاه الله دون انزعاج وبنقاوة طالما احتفظ بكرامة طبيعته غير مدنسة وغير مختلطة.

        اذن فالابن ينير الخليقة كخالق لأنه النور الحقيقي، وعندما تشترك الخليقة في نور الابن تشرق بنوره وتصبح في هذه الحالة نوراً، لأنها بتعطف الابن ترتفع إلى فوق، لأنه مجد الخليقة وكللها بأكاليل متنوعة من الكرامة، لكي يأتي اليه كل من نال كرامة ويرفع صلوات الشكر بصوت عال: “باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته، الذي يغفر جميع ذنوبك ويشفي كل أمراضك ويفتدي من إلهلاك حياتك ويكللك بالمحبة المترفقة والرحمة الحانية ويملأ فمك بالخيرات” (مز 103: 2-5). وحقاً يرحم إله المراحم اولئك الصغار والذين لا قوة لهم ولا سلطان في طبيعتهم، ويمنحهم مراحم عظيمة وكثيرة بصلاحه ويعطيهم مما لديه، لأنه كإله يعطي بسخاء من خيراته حتى انهم يدعون إلهة ونور. وهل يوجد خير آخر او اسم آخر أفضل لم يعطنا ايه؟

        ماذا يخبرنا الانجيلي بعد ذلك؟ “كان في العالم”. وأضاف الانجيلي ذلك لفائدتنا لكي يعطينا فكرة نحتاج اليها. لأنه عندما قال “كان هو النور الحقيقي الذي ينير كل انسان، آتياً إلى العالم”، ولم يكن هذا واضحاً للسامعين هل هذا النور هو الذي ينير كل انسان آت إلى العالم أم أنه النور الحقيقي ينتقل من مكان إلى مكان لكي ينير كل الناس. ولذلك فإن اللابس الروح يعلن الحق ويشرح قوة الكلمات التي نطقها ويقول على الفور “النور كان في العالم” لكي نفهم ان عبارة “آت إلى العالم” تعني عالم الإنسان لكي ينير الطبيعة المخلوقة العاقلة التي تدعى من العدم إلى الوجود. فالطبيعة المخلوقة ليست مثل مكان نتخيله في الفكر بل هي تأتي من العدم إلى الوجود وتأخذ حيزاً في الواقع. ولذلك عند الكلام عن الإنسان علينا ان نعتقد بثقة ان طبيعة الإنسان المخلوقة نالت الاستنارة بمجرد خلقها وأنها نالت النور من النور الذي في العالم. أي الابن الوحيد الذي يملأ كل الاشياء بنور اللاهوت غير المدرك: وهو حاضر في الملائكة الذين في السماء ومع الذين على الأرض دون ان يفقد الوهيته بل في كل مكان هو حاضر في الكل ولا يترك أحداً. وهذا ما يجعل المرنم يتعجب قائلاً: “إلى اين اذهب من روحك او إلى اين اختبئ من وجهك؟ إذا صعدت إلى السماوات انت هناك وإذا اخذت فراشي إلى الجحيم فانت هناك، إذا اخذت اجنحة الصباح لا طير إلى اقاصي البحار فهناك تقودني وتمسك في يدك اليمنى” (مز 139: 7-10). لأن يد الله تمسك بكل شيء. بجميع المخلوقات في الخليقة كلها، وتعطي حياة لمن يحتاج إلى الحياة، وتزرع النور الروحي في الكائنات القادرة على ان تتقبل الفهم. وهو ليس محصوراً في مكان ولا يتحرك من مكان إلى آخر، لأن الحركة من صفات الاجساد وانما هو يملأ كل الاشياء.

        وربما سيقول البعض فماذا تقول يا سيدي الصالح عن اعتراض البعض على كلمات المسيح “جئت نوراً إلى العالم” (يو 12: 46). وايضاً ماذا عن كلمات المرنم: “ارسل نورك وحقك؟” (مز 43: 3) فهذا يعني انه يقول عن نفسه انه سيأتي إلى العالم، أي انه لم يكن في العالم والمرنم مجيء من هو ليس حاضراً، فهذا هو معنى الكلمات.

        والرد على ذلك هو ان الانجيلي الإلهي يصف الابن الوحيد بكل الصفات الخاصة بالله لا سيما انه حاضر بدون انقطاع في العالم لأنه بالطبيعة الحياة وهو نور بجوهره ويملأ الخليقة كإله غير محصور في مكان، ولا يقاس بمقاييس ولا يدرك بالكم ولا يحيط به شيء. ولا يتحرك من مكان إلى آخر، ولكنه يمكن في الكل ولا يفارق أحداً، ومع كل هذا يقال انه أتى إلى العالم رغم حضوره الدائم فيه. وهذا المجيء إلى العالم هو التجسد لأنه أعلن نفسه للذين على الأرض وتحدث مع البشر (باروخ 3: 37) عندما تجسد، وجعل حضوره في العالم ظاهراً للكل. والذي كان في الماضي معروفاً لفكر الإنسان صار مرئياً بعيون الجسد ايضاً لا سيما عندما صار ظاهراً بالعجائب والقوات ويترجى المرنم مجيء النور والحق لكي ينير الكلمة العالم عندما يأتي متجسداً، فهذا هو معنى الكلمات. ولكني اعتقد ان الباحث الذكي عليه ان يفكر في هذا السؤال من هذه الزاوية الخاصة، لأن المدقق يعلو فكرة عن الكلام، والادراك عنده أسرع من اللسان ولذلك فان العقل المدقق يدرك خبايا الجمال الإلهي ويعرف ان الكلام عنه لابد ان يصدر بشكل يتلاءم مع الادراك الإنساني لا سيما القدرة على التعبير، مع الاعتراف بأن اللسان مهما وسعه النطق لا يقدر ان يعبر عن أبعاد الحق. ولهذا فإن بولس نفسه خادم اسرار المخلص اعتاد ان يسأل الله ان “يعطه كلاماً عند افتتاح فمه (أنظر اف 6: 19). وفقر اللغة لا يمكنه ان يؤذي سمو الطبيعة الإلهية للابن الوحيد بل ان يتكلم على قدر استطاعته بشرط ان نفهم هذا الكلام الإنساني بما يتفق مع الطبيعة الإلهية. فهكذا فعل المخلص والقديسون الذين استخدموا الكلام الإنساني بسبب ضرورة الكلام عن الله.

        وهنا يبدو لي اننا لم نفقد العلاقة بما قيل سابقاً، وبما شرحناه من كلمات، ولكن القلم الذي يكتب عن التعاليم الإلهية عليه ان لا يتكاسل. فإذا عدنا إلى نفس النص لكي نفحص معنى “آتياً إلى العالم” وجدنا انه خاص بالإنسان دون غيره، لقد كان النور في العالم كما شهد الانجيلي نفسه، وقد أكدنا ان النور نفسه لم يأت إلى العالم بل الإنسان هو الذي دعي للاستنارة.

التعليم بوجود النفس قبل خلق الجسد:

        اما البعض الذين يتفوهون بما في قلوبهم وليس بما يأتي من فم الرب (انظر ارميا 23: 16)، يدعون ان النفوس البشرية لها وجود سابق على خلق اجسادها، وأنها كانت في السماء حيث عاشت حياة الغبطة لفترة طويلة في حالة غير متجسدة، وهناك كانت تتمتع بالخيرات لأنها كانت نقية. ولكن عندما شبعوا من الخيرات التي زادت عن احتياجهم انحدروا إلى الأردأ وأغرقوا في افكار غريبة وشهوات لا تمت لهم بصلة فالخلق – بكل عدل – لم يرض عنهم فأرسلهم إلى العالم وسجنهم في اجساد ترابية، ووضع عليهم هذا الثقل وحبسهم كما في كهف مملوء باللذات الغريبة، مقرراً بذلك ان يعلمهم من المحنة نفسها مرارة الانحطاط إلى الادنى دون اعتبار للبقاء في الصلاح.

        وكبرهان على هذه الخرافة الغبية التي اخترعوها يخطفون الكلمات التي أمامنا الآن “كان النور الذي ينير كل انسان، آتياً إلى العالم” مع نصوص أخرى من الأسفار الإلهية مثل “قبل ان اتواضع انا زللت” (مز 119: 67). وبدون ان يخجلوا من هذه الفكرة الغبية يقولون: ها هي النفس تقول انها قبل تواضعها أي تجسدها قد زلت، ولذلك عوقبت بعدل ووصلت إلى عبودية الموت والفساد الذي يشير اليه بولس وينسبه إلى الجسد بقوله: “ويحي انا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت؟” (رو 7: 24). ولكن إذا كانت النفس التي يقولون عنها انها قد سقطت قبل ان تذل، تأتي إلى العالم، أي لأن لها وجود سابق (لأنها كيف تخطئ بالمرة وهي بلا وجود) حسب قول الانجيلي “كل انسان آتياً إلى العالم” أي حضورها من مكان معين إلى هذه الدنيا. هذه هي الخرافات التي بتدعونها ضد تعاليم الكنيسة ويجمعون زبالة شرحهم للأسفار لكي تسد إذان المؤمنين عن سماع الحق. ولكن هؤلاء يجب ان يسمعوا: “ويل للأنبياء الحمقى الذين يتبعون روحهم ولم يروا شيئاً” (حز 12: 3). لأن رؤياهم هي خيالات الكبرياء ونبواتهم من شهوات قلوبهم، وهذا كله يجعلونه ضد الكلمات التي تكلم بها الروح دون ان يروا إلى أي حد من السخافة يقودهم خيإلهم وهو الحد الذي عبر عنه المرنم بقوله إلى الله “أنت أنت مخيف وكيف أقف أمام عينيك عندما تغضب” (مز 76: 7).

        ولكنني افترض انه من الحماقة الادعاء بأن النفوس وجدت قبل ان توجد في الجسد، وأنها بسبب ذنوب قديمة ارسلت لكي تحبس في اجساد ترابية. وسوف ابرهن على قدر استطاعتي بعدة براهين من الاسفار الإلهية، لأنني اعرف ما هو مكتوب: “اعط تعليماً للرجل الحكيم فيزداد حكمة، وعلم الرجل البار فيزداد في المعرفة” (أم 9: 9).

براهين مرتبة وواضحة تدل على التعليم الصحيح:

        1- لو كانت نفس الإنسان موجودة قبل ان توجد في الجسد وانها مالت إلى الشر حسب تعليم البعض وعوقبت على عصيانها بالنزول إلى الجسد، خبروني كيف يقول الانجيلي انها استنارت عند مجيئها إلى العالم؟ لأن الاستنارة هي كرامة واضافة عطية. والإنسان لا يعاقب بالكرامة ولا بأن ينال الصلاح الإلهي بل بنوال العقاب الذي يستحقه وغضب الديان. ولكن حيث ان الإنسان الذي يأتي إلى العالم، ليس موضع غضب بل بالعكس يستنير فمن الواضح انه كرم بالجسد ولم يأخذ الجسد كعقاب.

        2- برهان آخر: لو كانت قبل وجودها في الجسد، هي عقل نقي يعيش في سعادة وعندما ابتعد عن الله سقط ولذلك حبس في الجسد، فكيف يستنير عند دخوله العالم؟ لأن من الواجب علينا ان نقول ان العقل كان معدماً من النور قبل مجيئه إلى الجسد، وإذا صح هذا، فكيف أمكن انارته وهو ساقط ومحبوس في الجسد. أما كان بالأولى انارته قبل ان يحبس في الجسد.

        3- برهان آخر: لو كانت نفس الإنسان موجودة قبل ان توجد في الجسد، وان العقل كان نقياً في هذه الحالة، وملتصقاً بشكل طبيعي بالصلاح، وعندما سقط هبط إلى ما هو أسوأ ونزل إلى الجسد الترابي، وانه حينما وجد العقل في الجسد فانه لم يعد يرفض ارادة التعدي، فكيف لا يكون العقل مظلوماً في هذه الحالة؟ وهو حينئذ لم يكن – بشكل خاص – قد استؤمن على رفض التعدي. وذلك حينما كان له ميل أعظم للفضيلة، ولم يكن قد صار أسيراً بعد للشرور التي تنبع من الجسد، لكنه حينما جاء إلى مياه الخطية العكرة فانه اضطر ان يفعل هذا في وقت غير مناسب. لكن الله لا يفوته ان يختار الوقت المناسب، وهو لا يؤذي اذ ليس في طبيعته اذى. لذلك فإننا نرفض الخطية في الجسد وهذا صواب ويحدث في الوقت المناسب. وهذا الوقت المناسب هو لنا وقت الوجود، الذي فيه “نأتي” بأجسادنا إلى العالم، تاركين حالة عدم الوجود السابقة – كأنها مكاناً معيناً – ونعبر منها إلى بداية الوجود.

        4- ما هو السبب في ان النفس التي أخطأت قبل ان توجد في الجسد، أرسلت إلى الجسد. هل أرسلت اليه لكي تتعلم وتختبر شناعة خطاياهم؟ أنهم لا يخجلون من ان يقولوا ذلك، ولكن من الواضح انه كان جديراً ان تحجب النفس عن شهوات الجسد لا ان تلقى في الجسد وفي أعماق اللذات الوضيعة، لأن الدواء للشفاء ليس الجسد بل البقاء بعيداً عن الجسد. ولكن مجيئها كان في الواقع اضافة أمراض جديدة نابعة من الجسد ولذاته، وهو ما لا يدعو للإعجاب بالطبيب الذي يصيب المريض بأمراض كثيرة بما قرره له كدواء. وإذا كان حبس النفس في الجسد معناه ان النفس سوف تكف عن شهواتها فكيف يكون ذلك ممكناً بعد ان نزلت إلى اعماق الشهوة فكيف تعود إلى ما كانت عليه من البدء وهي الآن قد انحدرت إلى عمق الخطية.

        5- لو كانت النفس قد أخطأت قبل ان توجد في الجسد ولذلك حبست في جسد من لحم ودم كعقاب لها. فكيف لا يكون الواجب الأول للذين آمنوا بالمسيح ونالوا غفران الخطية ان يخلعوا الجسد ويدركوه لأنه عقاب لهم؟ خبروني كيف تنال النفس غفراناً كاملاً وهي تظل حاملة أداة عقابها؟ ولكن ما نراه هو ان الذين يؤمنون هم أبعد ما يكون عن الرغبة في التحرر من الجسد. بل انهم بواسطة اعترافهم بالمسيح يعلنون عن قيامة الجسد، هذا يسقط صفة أداة العقاب عن الجسد. لأنه يكرم بالاعتراف بالإيمان. ويشهد الجسد – بعودته للحياة – لقوة المخلص الإلهية لأنه قادر على ان يفعل كل شيء بسهولة.

        6- لو كانت النفس في وجودها السابق على الجسد قد اخطأت ولذلك حبست في الجسد، فلماذا يأمر الناموس بمعاقبة الخطايا ولذلك حبست في الجسد، فلماذا يأمر الناموس بمعاقبة الخطايا الثقيلة بالموت، هل هذا اكرام؟ ولماذا يسمح لمن لا يخطئ بالحياة؟ انني افترض انه كان من الصواب ان الذين اخطأوا بالخطايا الثقيلة ان يعيشوا طويلاً ليكون عقابهم أكبر. أما الذين لم يرتكبوا اية جريمة فكان ينبغي ان يحرروا من الجسد. ولكن العكس هو الذي يحدث: فالقاتل يعاقب بالموت اما البار فلا يعاني شيئاً في جسده. لذلك فان حالة الوجود في الجسد ليست عقاباً.

        7- لو كانت النفوس قد تجسدت بسبب خطايا سابقة، واخترع الجسد بطبيعة تؤهله ليكون عقاباً للذين اخطأوا. فكيف أفادنا المخلص بإبطال الموت؟ الا تكون هذه رحمة فاشلة، لأنه سحق ما كان عقوبة ووضع نهاية للغضب الذي كان ضدنا؟ ولذلك يمكن ان نقول انه كان من اللائق ان نقدم الشكر للفساد وليس لمن اقامنا من الموت وبذلك جعل العذاب بلا نهاية بالقيامة من الموت. ولكن مع هذا نحن نقدم الشكر لمن أطلق سراحنا من الموت والفساد في المسيح اذن فالوجود في الجسد ليس عقاباً لنفس الإنسان.

        8- برهان آخر يعتمد على نفس الفكرة: لو كانت نفوس البشر حبست في أجساد ارضية لكي تفي أجر خطايا قديمة، فما هو الشكر الذي نقدمه لله الذي وعدنا بالقيامة؟ لأن القيامة تصبح تجديداً للعقوبة وبناء لما يضرنا، لأن العقوبة الدائمة هي مرارة لكل نفس. هذا يجعل من المستحيل ان تقام الاجساد لكي تؤدي وظيفة عقوبة للنفس البائسة.

        ولكن الاجساد تأخذ طبيعة القيامة من المسيح كعطية للتجديد والفرح بالقيامة. فالوجود في الجسد اذن ليس عقوبة.

        9- الكلمة النبوية تبدو كما لو كانت تبشرنا بعيد عظيم طال انتظاره وهي تقول “ان الأموات سيقومون والذين في القبور سيحيون” (اش 26: 9 سبعينية)، ولكن لو كان الوجود في الجسد هو عقاب لنفوس البشر البائسة التي أخطأت، فكيف لا يحزن النبي وهو يبشر بهذه الأمور من الله؟ كيف تكون هذه البشارة مفرحة وهي تخبرنا بأن الحمل الثقيل الذي نروم ان نتخلص منه سيطول زمنه؟ كان من الأجدر بالنبي ان يقول لمن اخذوا الجسد كعقوبة، ان الموتى لن يقوموا وان طبيعة الجسد سوف تزول. ولكن بالعكس فهو يفرحهم ويخبرهم انه ستكون قيامة للأجساد بارادة الله. فكيف يكون الجسد الذي نفرح بقيامته، والذي يسر الله به، عقوبة؟

        10- عندما بارك الله ابراهيم المبارك، وعدة بأن يكون نسله لا يحصى من الكثرة مثل النجوم، فلو كان صحيحاً ان النفوس اخطأت قبل ان توجد في الجسد ولذلك هبطت إلى الأرض وحبست في الجسد لكي تعاقب، فان الله في هذه الحالة يكون قد وعد ابراهيم بكثرة من المعاقبين سقطوا من الصلاح وليس بنسل يشترك في البركة، ولكن الله وعد ابراهيم بكثرة النسل وكانت هذه بركة. اذن بداية الاجساد هي حرة من كل اتهام.

        11- لقد انتشر الاسرائيليون وتكاثروا وصار عددهم لا يحصى وحقاً يتعجب موسى رئيس الانبياء وهو يلاحظ كثرتهم ويصلي ويقول لهم: “ها أنتم اليوم مثل نجوم السماء في الكثرة. والرب إله آبائكم، سوف يزيد عليكم مثلكم ألف مرة” (تث 1: 10-11). ولكن لو كانت عقوبة لنفوس البشر ان توجد في العالم في اجساد. وهم يحتاجون إلى الجسد طالما انهم في العالم ولا يمكنهم ان يعيشوا بدون اجساد، فان صلاة موسى ستصبح في هذه الحالة حقاً لعنة وليست بركة. وهذا طبعاً لم يحدث، لأنها فعلاً كانت بركة، اذن الوجود في الجسد ليس من طبيعة العقاب للنفس.

        12- ان الذين يسألون الشر من الله لا يستجيب الله لهم. والشاهد على صحة ما نقول هو تلميذ المخلص الذي يقول “تطلبون ولستم تأخذون لأنكم تطلبون ردياً” (يع 4: 3). فلو كان الوجود في الجسد عقاب فكيف لا يقول أي انسان ان حنة زوجة القانا طلبت ردياً وما لا يليق، وهي التي كانت تسكب صلاتها لله وتطلب منه ولداً (1صم 1: 11)، ألم تكن تطلب سقوط نفس لكي تحبس في جسد، وكيف استجاب الله لطلب شرير مثل هذا واعطاها صموئيل ابناً لها، طالما انه كان من اللازم ان تخطئ نفس لكي تحبس في جسد ويولد صموئيل، وهذا يعني استجابة صلوات حنة. ولكن الله اعطى، وهو بطبيعته لا يعطي الا ما هو صالح. واستجابة صلاة حنة تؤكد ان الجسد ليس عقاباً، لأن الله لا يعطي الا ما هو صالح. لذلك فالوجود في الجسد ليس نتيجة خطية ولا بطبيعة عقاب كما يقول البعض.

        13- لو كان الجسد قد اعطي عقاباً للنفس البشرية، فما الذي دفع الملك حزقيا، ملك اورشليم وهو رجل صالح وحكيم لأن ينوح بدموع مرة على موت جسده، ولماذا يتردد في التخلص من أداة العقاب، لا بل يتوسل بأن يكرمه الله بزيادة عمره، مع انه كان يجب عليه ان لا يكره الموت ما دام رجلاً صالحاً، لأنه كان سوف يتخفف من حمل الجسد الثقيل. وكان بالحري سيفرح بموته. ولكن بماذا وعده الله كهبة خاصة به: “ها انا اضيف إلى ايامك خمس عشرة سنة” (اش 38: 5). فهل كان ذلك الوعد عقوبة اضافية ام نوعاً من الرأفة ولكن الوعد من فوق كان عطية واضافة العمر كان رأفة. ولد فالوجود في الجسد ليس عقوبة للنفس.

        14- لو كان الجسد قد اعطى لنفس الإنسان كعقوبة، فما هو المعروف الذي صنعه الله مع الخصي الذي انقذ ارميا من الجب. لأنه قال، سوف افتدي حياتك واخلصك من يد الكلدانيين (أر 39: 17-18). وكان الأولى به ان يقول له سوف اتركك تموت، وهذا كرم من الله لأنه سوف يخلصه من السجن والعقوبة وماذا اعطى الله للفتية الثلاثة من بني اسرائيل عندما خلصهم من النار ومن قساوة البابليين؟ ولماذا أنقذ دانيال من جب الأسود؟ ألا يفعل الله كل هذا برأفة لكي يتمجد اسمه بين البشر.

        ولذلك فإن سكنى الجسد ليس نوعاً من العقاب. لئلا يكون لا فرق بين الكرامة والعقاب عند الله.

        15- يخبرنا بولس بأنه سيكون يوم للفحص أمام كرسي الدينونة الإلهي لحياة كل انسان “لأنه لابد اننا جميعاً سوف نظهر أمام كرسي لينال كل وأحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً” (2كو 5: 10). ولكن ان كان فقط لأجل الاشياء التي صنعت بالجسد ينال الإنسان أما عقاباً على يد الديان او يحسب أهلاً لمكافأة مناسبة، فانه لا توجد اشارة إلى خطايا سابقة قبل الوجود في الجسد، ولا سؤال عما حدث قبل مولده. فكيف يكون للنفس وجود سابق على وجودها في الجسد؟ وكيف اذلت بسبب الخطية كما يقول البعض. لأن الدينونة تكون على ما فعله الإنسان في حياته على الأرض.

        16- لو كانت النفوس قد لبست اجساداً بسبب خطايا سابقة، فكيف يكتب بولس قائلاً لنا: قدموا اجسادكم ذبيحة حية مقدسة، مقبولة عند الله” (رو 12: 1). وكيف يكون هذا مقبولاً عند الله وهو أداة العقاب؟ وكيف يكون من الممكن ان يقتني انسان فضيلة وهو مقيم في أداة العقاب واصل الخطية؟

        17- يقول بولس موضحاً ان الفساد قد انتشر وامتد إلى كل جنس آدم بسبب عصيان آدم “وملك الموت من آدم إلى موسى، حتى على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم” (رو 5: 14). فكيف يقول ان الموت ملك حتى على الذين لم يخطئوا إذا كان الجسد الميت قد اعطى لنا بسبب خطايا سابقة؟ واين هؤلاء الذين لم يخطئوا ان كان الوجود في الجسد هو عقاب على خطايا سابقة وكأن وجودنا في الجسد في هذه الحياة هو اتهام مسبق قائم ضدنا؟ ان قول المخالفين ينم على عدم دراية بالاسفار المقدسة.

        18- سأل التلاميذ مرة المخلص عن المولود أعمى وقالوا “يا معلم من أخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى؟” (يو 9: 2)، لأنه مكتوب في الأسفار النبوية ان الله يفتقد ذنوب الآباء في الابناء (خر 20: 5). وهو ما دعا التلاميذ إلى ان يتصوروا ان هذا الكلام ينطبق على المولود أعمى. فماذا كانت اجابة المسيح؟ “لا هذا أخطأ ولا أبواه، بل لكي تظهر اعمال الله فيه” (يو 9: 3). فكيف أعفى المولود أعمى وأبواه من الخطية، وهم في الواقع لا يمكن اعفاؤهم من اللوم الذي ينسب لكل حياة بشرية، لأنهم كبشر كانت لهم اخطاؤهم. ولكن من الواضح والظاهر ان كلمات المخلص تعني الفترة التي قبل الميلاد، أي انه لم يكن موجوداً ولذلك لم يخطئ، وهذا وحده ما يجعل المسيح على حق.

        19- يشرح اشعياء المبارك سبب خلق الأرض ويقول “لم يخلقها باطلاً. للسكن صورها” (اش 45: 18). ولما كان من الصالح ان تكون الأرض للسكن ودون ان تمتلئ بأرواح بلا اجساد وانما بنفوس لها اجساد. فهل كانت المشورة الإلهية ان تخطئ النفوس لكي تخلق الاجساد اللحمية التي لا تصلح الا للأرض؟ الا يؤدي كلام المخالفين إلىانها خلقت عبثاً كسجن للنفوس؟ ولكن هذا غير معقول .. والفكرة الصائبة هي التعليم الصحيح.

        20- الحكمة صانع كل الاشياء يقول عن نفسه في سفر الامثال “كنت انه فرحة”، أي خالق كل الاشياء، “وكل يوم كنت افرح أمامه عندما فرح بكمال خلقة العالم ووجد لذته في بني البشر” (أم 8: 30-21 سبعينية) وحينما يفرح الله بانتهاء خلقة العالم ويفرح بشكل خاص بخلق الإنسان؟ فكيف لا يكون بلا أي ادراك من يحاول ان يخضع النفوس لخطايا سابقة جعلتها تسجن في الجسد؟ ألا يكون خالقاً لجسن وليس للعالم؟ ألا يكون سرور مضاد للعقل في انه يفرح بمجيء الذين أخطأوا لكي يعذبوا في الجسد؟ وكيف يكون صالحاً في هذه الحالة. ولكن بكل يقين هو صالح وخالق الصالحات، ولذلك فإن الوجود في الجسد ليس بطبيعته عقاب.

        21- لو كانت نفس الإنسان قد ربطت بالجسد لكي تدفع ثمن خطاياها السابقة على ميلادها في العالم، والجسد هو بمثابة عقاب، فلماذا جاء الطوفان على عالم الفجار (2بط 2: 5). ونوح البار هو الذي خلص ونار مكافأته على ايمانه بالله؟ ألم يكن الأفضل ان الذين في الشر يبقون في الأرض ليعيشوا فترة أطول في الجسد لكي يعاقبوا أكثر وبشدة، اما الاتقياء الصالحون، فيحلون من رباطات الجسد مكافأة لهم على مخافتهم لله؟ ولكن خالق الكل، هو بار ويعطي كل وأحد حسب عمله. ولأنه بار يعاقب الخطاة بموت الجسد، ويفرح قلوب الصديقين بالحياة في الجسد. لذلك فالأجساد ليست عقوبة لنفوس البشر، لئلا يصبح الله غير عادل، عندما يعاقب غير الصالحين بما هو خير ويكرم الأبرار بما هو عقاب.

        22- إذا كانت النفس قد نزلت إلى الجسد عقاباً لها على خطايا سابقة اقترفتها، فكيف أحب المخلص لعازر (يو 11: 36) واقامه من الموت وبذلك أرغمه على العودة إلى العقاب الذي تحرر منه بالموت؟ ولكن المسيح أقامه لكي يساعده كصديق، وأكرمه بأن اقامه ورده إلى الحياة. هكذا لا يوجد هدف صالح في تعليم المخالفين.

        23- إذا كان – بحسب غباء اولئك – ان الجسد للنفس كعقاب، وبسبب خطايا سابقة لخلق الجسد، فتكون الخطية هي التي اعطت طبيعة الاجساد. ولكن من الواضح ان الموت دخل بواسطة الخطية (رو 5: 12). وهذا يجعل الخطية تتسلح ضد نفسها وتحارب نفسها لأنها تهدم ما جاءت به في البدء أي الجسد بما جاءت به بعد ذلك أي الموت. وبهذا يصبح الشيطان منقسماً على نفسه “فكيف تدوم مملكته” (لو 11: 18). كما قال المخلص. وبكل يقين ان هذا الفكر ساذج وغير معقول. والتعليم الصحيح هو الحق.

        24- لقد خلق الله كل شيء في عدم فساد وهو لم يخلق الموت بل “دخل الموت بجسد ابليس” (حكمة 1: 13، 2: 24). ولو صح ان الجسد اعطي لكي يكون عقاباً للنفس فلماذا، خبروني يا سادتي، نتهم الشيطان بالحسد، لأنه حسب تعليم المخالفين يكون الشيطان خير عون لأنه ينهي شقاوة وعذاب الجسد بالموت؟ ولماذا اذن نقدم الشكر للمخلص لأنه بالقيامة ربطنا بالجسد؟ لأن حسد الشيطان هو الذين تسبب في فساد اجسادنا. اذن لم يكن عقاباً بالمرة ان يكون لنا جسد، كما انه ليس اجرة خطايا سابقة.

يو 1: 10 “وكون العالم به”:

        لا تحتاج إلى ان نقول ان الانجيلي قد أعلن بهذه الكلمات ان العالم خلق بواسطة النور الحقيقي أي الابن الوحيد. ومع انه دعاه بكل وضوح الكلمة في البدء وأكد ان كل شيء به كان وانه بغيره لم يكن شيء مما كان وشرح كيف انه هو الخالق والصانع الا انه وجد ان من الضروري بشكل خاص ان يعود إلى نفس النقطة من جديد لكي لا يبقي مجال للخطأ او الانحراف للذين يريدون افساد العقائد الإلهية النقية. وعندما قال الانجيلي عن النور انه كان في العالم فهو بهذا لا يعطي فرصة لمن يريد محاربة الحق باعتقادات لا معنى لها مدعياً بأن النور له طبيعة مثل طبيعة المخلوقات (أي الشمس والقمر والكواكب وهي اجزاء من جسم الكون)، لذلك فان الانجيلي يؤكد الاعتقاد السليم بأن الابن الوحيد هو خالق وصانع العالم كله لكي يثبتنا ويقودنا إلى إدراك الحق ادراكاً صحيحاً بدون أي خطأ. ومن هو الغبي او من هو الذي سكنت الحماقة في فكره فلا يعتقد بان الابن هو غير العالم المخلوق والمرئي، او يضع المخلوق مكان الخالق. فالأشياء المخلوقة يجب ان تكون مختلفة تماماً عن الخالق. فالصانع والمصنوع ليسا وأحداً.

        وإذا اعتقدت انهما وأحد ولا يوجد اختلاف في الكيان فإن المخلوق سوف يرتفع إلى طبيعة الخالق، والصانع سوف ينزل إلى مستوى المخلوقات ولا يبقى لدينا القوة الواحدة التي أتت بالكل من العدم إلى الوجود بل سوف تصبح هذه القوة الخالقة كامنة كإمكانية في المخلوقات إذا لم يكن بين المخلوقات والخالق فواصل، او بالادعاء بأن جوهر المخلوقات هو جوهر الخالق ذاته كل هذا يؤدي بنا في النهاية إلى اعتبار ان المخلوق هو خالق ذاته، وبذلك يمنح الانجيلي الابن الوحيد لقباً شرفياً بقوله “كان في العالم وكون العالم به” (يوحنا 1: 10). ولكنه يعرف ان خالق كل الاشياء هو وأحد بطبيعته. وان المصنوع ليس مثل الصانع لأن الله والخليقة عند أصحاب الاعتقاد الصحيح مختلفان تماماً، فالخليقة خاضعة مثل خضوع العبد عارفة بحدود طبيعتها، اما الابن فهو يسود عليها وهو وحده مع الآب له القدرة على ان “يدعو الاشياء غير الموجودة كأنها موجودة” (رو 4: 17). وايضاً بقوته غير المدركة يستطيع ان يعطي الوجود من العدم لما هو غير موجود.

        ولقد كتبنا الكثير عن ان الابن بالطبيعة هو الله وانه مختلف عن الخليقة عندما شرحنا الثالوث القدوس ولذلك لن نزيد هنا ويكفي من اجل الفائدة ان نضيف ان قول الانجيلي “وكون به العالم” يقودنا إلى التفكير في الآن لأن عبارة “به” تقود ايضاً إلى “منه”. لأن كل الاشياء هي من الآب بالابن في الروح القدس.

“والعالم لم يعرفه”:

        يراقب الانجيلي سفسطات البعض ولأنه لبس الروح فطريقة تقديمه للحق عجيبة. لقد دعا الابن “النور الحقيقي” وأكد انه “ينير كل انسان آت إلى العالم” وأضاف “كان في العالم وكون العالم به” وبذلك فلم يترك مجالاً لأي خطأ.

        ولكن وأحداً من المقاومين ربما يقول “يا سادة لو كان الكلمة هو النور الحقيقي الذي يضيء قلب كل انسان بالمعرفة الإلهية وبالمعرفة النافعة للإنسان ايضاً وكان هذا النور دائماً في العالم وكان هو نفسه صانعه. فكيف صار غير معروف على مدى اجيال طويلة؟ اذن فهو لم يكن ينير ولا كان هو النور بالمرة”.

        واللاهوتي يوحنا يقابل هذه الفكرة بالذات بما يصححها بقوله “والعالم لم يعرفه” ليس لأنه غير معروف وانما لأن العالم ضعيف. فالابن ينير والخليقة تبعثر النعمة. لقد اعطى الكلمة للخليقة النظر لكي تدركه كإله بالطبيعة ولكن الخليقة بددت العطية وجعلت الكائنات حاجز يمنعها عن تأمر الله ولم تتأمل الا ذاتها، ودفنت عطية الاستنارة تحت الاهمال، “فأهملت الموهبة” التي حذر بولس تلميذه من ان يهملها بل ان يكون صاحياً” (1 تيموثاوس 4: 14، 2 تيموثاوس 4: 5). فليس النور هو المسئول عن مرض غير المستنيرين لأنه كما يشرق نور الشمس على الكل ولا يستفيد منه الأعمى دون ان نلوم الشمس وانما نلوم المرض الذي أصاب العينين هكذا أنار الكلمة ولكن الخليقة المريضة لم تتقبل النور. هكذا النور الحقيقي الابن الوحيد الذي ينير الكل. لكن “إله هذا الدهر” كما يقول بولس “اعمى اذهان غير المؤمنين لئلا يضيء لهم نور معرفة الله ويشرق عليهم” (2كورنثوس 4: 4). وعندما نقول ان الإنسان اصيب بالعمى الا انه لم يصل إلى العمى الكامل او الحرمان الكامل من النور (لأن الفهم الذي وهبه الله للإنسان لم يطفئ من طبيعته) ولكن الإنسان يطفئ النور وبالحياة الفاسدة التي عاشها وذلك عندما تحول إلى الجانب المضاد لله فأضاع النعمة وفقدها. ولذلك عندما يقدم لنا المرنم الحكيم مثال الذين فقدوا النعمة فانه يترجى الاستنارة من الله “افتح عيني لكي ارى عجائب من شريعتك” (مزمور 119: 18). لأنه اعطاهم الناموس معيناً (أنظر اشعياء 8: 20 السبعينية) وهذا أشعل النور الإلهي فينا من جديد، ونظف عيني القلب من الظلمة التي جاءت من الجهل القديم الذي ولد بسبب الابتعاد عن الله.

        العالم في الحقيقة محكوم عليه بتهمة عدم الشكر وعدم إدراك خالقه، وايضاً لأنه لا يقدم الثمار الصالحة النابعة من الاستنارة وهذه الحقيقة يعبر عنها النبي عندما رتل هذه الفقرة عن بني اسرائيل: “ونظرت لكي يثمر عنباً ولكنه أثمر عنباً ردياً وشوكاً” (اشعياء 5: 4 السبعينية). وثمار الاستنارة هي بكل حق الايمان الصحيح بالابن الوحيد. وهو يشبه عنقود العنب في الكرمة اي فهم الإنسان. وليس العكس اي رفض الايمان بالابن الوحيد. أما قبول المشورة الفاسدة للهراطقة التي تؤدي إلى كفر تعدد الإلهة فهو يصبح مثل الاشواك الحادة تنمو في داخلنا وتجرح عقولنا حتى الموت بخداع تعدد الإلهة.

يو 1: 11 – “جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله”:

        يتابع الانجيلي كلامه مؤكداً رجاء كرازته بأن العالم لم يعرف الذي ينيره اي الابن الوحيد وان أسوأ الخطايا كانت خطية بني اسرائيل ولكن الانجيلي يسرع لتأكيد جهل الأمم ايضاً وهو المرض الذي أدى إلى عدم الايمان والذي انتشر في العالم كله ولكنه في الاتجاه الآخر يسرع للكلام عن التجسد، ومن الكلام عن اللاهوت الخالص ينزل تدريجياً لشرح التدبير الخاص بالتجسد والذي اتمه الابن لأجلنا.

        لم يكن غريباً ان العالم لم يعرف الابن الوحيد لأنه ترك المعرفة الإنسانية وصار جاهلاً بحقيقة خلقه حتى انه أكرم “الحيوانات التي تفنى كإلهة” كما يقول المرنم (49: 20)، وحتى الذين ينتمون اليه اي شعب العهد القديم رفضوه عندما رأوه في الجسد، ولم يقبلوه عندما جاء لخلاص الكل واعطى الملكوت مكافأة للإيمان. ولكن علينا ان نلاحظ دقة الانجيلي في التعبير عن هذه الحقائق، فهو يتهم العالم بأنه لم يعرف مطلقاً الذي ينيره وفي نفس الوقت يقدم المغفرة عن هذا الخطأ بالذات ويمهد للأسباب التي تؤدي إلى النعمة التي ستعطي. أما عن بني اسرائيل الذين كانت لهم علاقة خاصة به (الابن) فهو يقول بشكل قاطع “لم يقبلوه” وحقاً لا يكون هذا الكلام صحيحاً إذا لم يكن الناموس القديم قد كرز به والانبياء الذين جاءوا بعد الناموس قادهم لإدراك الحق ولذلك فقرار القطع (رومية 11: 22)، اي القطع من الزيتونة كان قراراً عادلاً مثل القرار الخاص بالخيرات التي اعطيت للأمم لأن عالم الأمم فقد مكانه في بيت الله لسقوطهم في شرور الوثنية مما جعلهم يفقدون معرفتهم بالذي ينيرهم اما الذين كانت لهم معرفة غنية به بسبب الناموس ودعاهم الناموس إلى حياة ترضي الله لكي يكونوا في بيته بكل حرية سقطوا ولم يقبلوا الكلمة الذي كان معروفاً لهم والذي جاء اليهم كخاصته. ان العالم كله خاص بالله لأنه خليقة الله ولأن الله جاء به من العدم إلى الوجود بواسطة الكلمة، الا ان اسرائيل دعي بشكل خاص خاصته فلهم المجد بسبب اختيار الآباء القديسين بل دعي منذ البدء “بكر” ابناء الله. فالله يقول لموسى: اسرائيل ابني البكر (خروج 4: 22) الذي خصصه واختاره لنفسه وأعلنه كشعبه قائلاً لفرعون ملك مصر اترك شعبي ليخرج (خروج 8: 1). وبراهين كثيرة من اسفار موسى، تؤكد ان اسرائيل خاص بالله، لا سيما ما هو مكتوب “عندما قسم العلي الأمم، وافرز ابناء آدم، جعل الشعوب تحت قيادة ملائكة الله، اما يعقوب شعبه، فصار نصيب الرب، اسرائيل ميراثه” (تثنية 32: 8-9س).

        ولذلك سار الرب في وسطهم كمن يسير في ميراثه قائلاً “انني لم أرسل الا لخراف بيت اسرائيل الضالة” (متى 15: 24).

        وعندما لم يقبلوه، نقل النعمة للأمم، والعالم الذي لم يعرفه منذ البدء عندما أناره، يقدم له الاستنارة من جديد بالتوبة والايمان، اما اسرائيل فيعود إلى الظلام الذي تركه عندما قبل المعرفة من الناموس. لذلك يقول المخلص “لدينونة أتيت إلى هذا العالم، لكي يبصر الذين لا يبصرون ويعمي الذين يبصرون” (يو 9: 39).

يو 1: 12 – “أما كل الذين قبلوه، فأعطاهم سلطاناً ان يصيروا اولاد الله، اي المؤمنون باسمه”:

        هذه هي دينونة الله العادلة، اسرائيل البكر، طرح خارجاً، لأنه لم يمكث في بيت الله، إلى خاصته، ولم يقبل الابن الذي جاء وسط خاصته بل رفض مانح الكرامة، وواهب النعمة. أما الامم فقد قبوله بالإيمان.

        ولذلك سوف يأخذ اسرائيل أجرة غباوته، وسينوح على فقدان الخيرات الإلهية، ويتذوق مرارة المشورة الفاسدة، والحرمان من البنوة. أما الأمم فسيفرحون بالخيرات الإلهية، التي جاءت من إليهم بالإيمان، وسيجدون المكافأة العظيمة لطاعة الايمان، ولسوف يطعمون في الزيتونة الجيدة بدلاً من اسرائيل (رومية 11: 24). لأنهم كما يقول الرسول “سوف يقطعون من الزيتونة البرية حسب الطبيعة، ويطعمون بخلاف الطبيعة في زيتونة جيدة، (رو 11: 24)، وسوف يسمعون هذا الحكم من اشعياء “ويل للأمة الخاطئة، الشعب المثقل بالإثم، نسل فاعلي الشر، أولاد مفسدين تركوا الرب، أغاظوا قدوس اسرائيل” (اش 1: 4). ولكن وأحداً من تلاميذ المسيح يقول عن الأمم “أما أنتم فجنس مختار، كهنوت ملوكي، أمة مقدسة، شعب اقتناء، لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب” (1 بطرس 2: 9). اذ حيث انهم قبلوا الابن نالوا السلطان ان يعدوا من اولاد الله. فالابن وحده هو الذي يعطي ما يخص طبيعته، ليكون في سلطانهم جاعلاً ما يخصه مشتركاً وعاماً بينهم، ليكون هذا صورة طبيعة محبته للإنسان، وللعالم. وليس هناك وسيلة اخرى غير هذه تجعلنا نحن الذين لبسنا “صورة الترابي” نهرب من الفساد، الا إذا ختمنا بجمال صورة السمائي” (1 كورنثوس 15: 49) بدعوتنا إلى البنوة. لأننا عندما نشترك فيه بالروح القدس، تختم لنكون مثله ونصعد إلى الصورة الأولى التي اخبرتنا الكتب المقدسة بأننا خلقنا عليها. (تكوين 1: 27). وبذلك نكون قد استعدنا جمال طبيعتنا الأولى وخلقنا من جديد لنكون على مثال الطبيعة الإلهية، ونصير مرتفعين فوق الأمراض التي اصابتنا بسبب السقوط. اذن نحن نرتفع إلى كرامة أسمى من طبيعتنا بسبب المسيح لأننا سنكون ايضاً “ابناء الله” ليس مثله تماماً، بل بالنعمة وبالتشبه به. فهو الابن الحقيقي، الكائن مع الآب منذ الأزل، اما نحن فبالتبني بسبب تعطفه، ومن خلال النعمة التي اخذناها “أنا قلت انكم إلهة، وكلكم ابناء العلي” (مز 82: 6) فالطبيعة المخلوقة الخاضعة للخالق، دعيت إلى ما هو فوق الطبيعة بأراده الآب فقط، اما الابن، والابه والرب، فهو ليس الابن والإله بإرادة الآب واختياره، وانما بالولادة من جوهر الآب ذاته يصبح بالطبيعة له كل صفات الله وصلاحه. وايضاً يمكننا ان نرى بكل وضوح انه الابن الحقيقي بالمقارنة مع أنفسنا فهو بالطبيعة له كيان خاص، غير كياننا الذي بالتبني وبالتشبه. اذن هو الابن بالحق وبالطبيعة، ونحن صرنا به ابناء ايضاً، وننال الخيرات بالنعمة دون ان تكون هذه الخيرات هي من طبيعتنا.

يو 1: 13 – “الذين ولدوا ليس من دم، ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله”:

        يقول الانجيلي ان الذين دعوا للايمان بالمسيح للتبني، يخلعون صغر طبيعهم، واذ يتزنون بنعمة ذاك الذي أكرمهم بلباس فائق فانهم يرتفعون إلى كرامة تفوق الطبيعة، فهم لم يعودوا بعد ابناء اللحم، بل بالحري اولاد الله بالتبني.

        لكن علينا ان نلاحظ كيف يستعمل الانجيلي احتراساً كبيراً في كلماته، وكيف يعبر عن الحق بدقة، لأنه أراد ان يقول ان الذين يؤمنون قد ولدوا من الله، حتى لا يظن أحد انهم بالحق ولدوا من جوهر الله الآب، ويصبحون مثل الابن الوحيد تماماً او يصيرون مثل من قيل عنه حسب ضعف اللغة البشرية. “من البطن ولدتك” (مزمور 110: 3 سبعينية)، وبذلك ينزل الابن إلى مستوى طبيعة المخلوقات رغم انه قيل انه مولود من الله، وبسبب كل هذا اضاف الانجيلي هذه الكلمات. لقد قال انهم اخذوا السلطان من الابن لكي يكونوا “اولاد الله” فنالوا ما لم يكن لهم من قبل، بواسطة نعمة التبني، وبدون أي خوف يضيف “ولدوا من الله”، لكي يوضح عظم النعمة التي اعطيت لهم والتي جمعت كما لو كان في طبيعة متجانسة ذلك الذي كان غريباً عن الله الآب وترفع العبد إلى كرامة سيده بواسطة محبة السيد للعبد.

        وماذا أكثر من ذلك؟ ما الذي نإله الذين يؤمنون بالمسيح أكثر مما نإله اسرائيل الذي دعي ايضاً “ابناً لله” كما في اشعياء “ولدت بنيناً ورفعتهم، أما هم فرفضوني” (اش 1: 2 السبعينية) اول ما يجب ان نقوله، انهم اخذوا الناموس، ولكن “الناموس له ظل الخيرات العتيدة”، “لا نفس صورة الاشياء” (عب 10: 1) ولذلك لم ينالوا البنة بالحق، بل أخذوها بشكل رمزي، إلى ان جاء “وقت الاصلاح” (عبرانيين 9: 10) الذي فيه يظهر اولئك الذين يدعون الله حقاً أباً، لأن روح الابن الوحيد يسكن فيهم. وهؤلاء في العهد القديم نالوا “روح العبودية للخوف” أما نحن فنلنا “روح التبني” للحرية “الذي به نصرخ ابا ايها الآب” (رومية 8: 15) ولذلك فالشعب الذي دعي للتبني، بالإيمان بالمسيح، قد سبق فصار اسرائيل رمزاً له في ظلال الناموس، تماماً مثلما نعتقد ان الختان بالروح، سبق ورمز له ختانهم في القديم في اللحم، وباختصار كل ما هو لنا كان عندهم بشكل رمزي. بالإضافة إلى ما ذكرناه يمكن ان نقول ان اسرائيل دعي إلى التبني رمزياً بواسطة وساطة موسى، لأنهم اعتمدوا له في السحابة وفي البحر” (1كورنثوس 10: 2) لأنهم بواسطة موسى اعيد توجيههم من الوثنية إلى ناموس العبودية، لأن الوصايا التي اعتمدت على الحرف، اعطيت بواسطة ملائكة (غلا 3: 29) اما الذين بالإيمان بالمسيح يصلون إلى البنوة التي من الله، فانهم يعتمدون ليس لما هو مخلوق، وانما يعتمدون للثالوث القدوس نفسه، وبواسطة الكلمة كوسيط، الذي اتحد بما هو انساني أي بالجسد، وفي نفس الوقت هو متحد مع الآب، لأنه إله، وهذا يجعلنا نرتفع من رتبة العبودية إلى البنوة، وبالاشتراك الحقيقي في الابن، دعينا إلى ان نرتفع إلى كرامة الابن. لذلك فنحن الذين اخذنا الولادة الجديدة بالروح القدس بالإيمان قد دعينا بل ولدنا من الله.

        لكن حيث ان البعض لهم جسارة كاذبة، ويتهورون بالكلام ضد الابن وضد الروح القدس ايضاً، مدعين انه مخلوق، وانه ليس من جوهر الله الآب ذاته. دعونا نحشد كلمة الحق ضد ما يصدر من السنتهم إلهوجاء، وتصبح هذه مناسبة هامة لفائدتنا نحن والقارئين ايضاً.

        لأنه ان كان روحه الخاص ليس بالطبيعة هو الله، وليس من الله، وبذلك يكون غير موجود فيه جوهرياً، بل هو مختلف عنه، وهو غير بعيد عن مشاركة المخلوقات في الطبيعة، فكيف يقال عنا نحن الذين نولد بواسطته، اننا مولودون من الله.

        واما ان يكون الانجيلي كاذباً (وهو ليس كذلك)، واما ان يكون صادقاً وبذلك يصبح الروح القدس هو الله، ومن الله بالطبيعة ونصبح نحن مستحقين بالإيمان بالمسيح للاشتراك في الطبيعة الإلهية (2 بطرس 1: 4) ومولودين من الله، ومدعوين إلهة، وليس بالنعمة وحدها نطير إلى المجد الذي فوق طبيعتنا. بل الآن لنا سكنى الله واقامته فينا، حسبما قيل بالنبي: “سأسكن فيهم واسير معهم” (لاويين 26: 12 – 2كورنثوس 6: 16) وعلى المقاومين لنا الذين امتلأوا من عدم المعرفة ان يخبرونا كيف يسكن الروح القدس فينا وهو ما جعل الرسول بولس يدعونا هيكل الله ان لم يكن هو الله بالطبيعة. وإذا كان الروح القدس مخلوقاً، فكيف قيل ان الله يهلك من ينجس هيكل الله (1كورنثوس 3: 17)، أي عندما يتدنس الجسد الذي يسكن فيه الروح القدس، والذي بسبب سكناه ننال كل ما يخص الله الآب بالطبيعة وما يخص بالمثل ابنه الوحيد.

        وكيف يصبح المخلص صادقاً في قوله “ان احبني أحد، يحفظ كلامي وابي يحبه واليه نأتي وعنده نصنع منزلاً” (يو 14: 23) ونستريح فيه. أليس الروح القدس هو الذي يسكن فينا. ونحن نؤمن انه به يكون لنا الآب والابن، كما قال يوحنا ايضاً في رسائله. بذلك نعرف اننا نسكن فيه وهو فينا، لأنه اعطانا من روحه (1يوحنا 4: 13). وكيف يدعى الروح القدس روح الله، إذا لم يكن منه وفيه بالطبيعة؟ ولذلك فهو الله. ولو كان كما يدعون مخلوقاً وهو روح الله، ليس ما يمنع الخلائق الأخرىن ان تدعى ارواح الله، فهذا يصبح ممكناً بالنسبة لهم نظراً للمساواة التي بينهم وبين الروح القدس.

        وكان يجب ان نناقش هذه النقاط بالذات بشكل مسهب لكي نوضح كيف تنقلب براهين الهراطقة ضدهم. لكن لأنني عالجت كل ما يخص الروح القدس في كتاب “الثالوث” فقد اكتفيت هنا بما ذكرت.

يو 1: 14 – “والكلمة صار جسداً”:

        الآن يعلن الانجيلي التجسد بشكل علني، فهو يؤكد ان الابن الوحيد جاء، ودعي ابن الإنسان. ولهذا السبب بالذات وليس لأجل أي شيء أخبر يقول “الكلمة صار انساناً” وتعبير الانجيلي “صار جسداً” ليس غريباً ولا بعيداً عن استعمال الاسفار الإلهية، لأنها غالباً ما تسمى الإنسان كله “جسد” كما جاء في النبي يوئيل “سأسكب من روحي على كل جسد” (يوئيل 2: 28) ونحن لا نعترض ان النبي يعني ان الروح القدس قد اعطى للجسد دون النفس، او للجسد وحده، فهذا غير معقول بالمرة. ولكن لأننا ندرك الكل عن طريق الجزء يسمى الإنسان جسداً، وهذا صحيح. ولا يوجد ما يدعو إلى افتراض ان تسميه الإنسان جسد تعني عدم وجود النفس لكن لماذا يسمى الإنسان جسداً، هذا ما نحتاج شرحه.

        الإنسان مخلوق عاقل، ومركب، من النفس، ومن جسد ترابي قابل للفناء. وعندما خلق الله الإنسان، أتى به من العدم إلى الوجود، دون ان يكون في طبيعة الإنسان عدم فساد او عدم فناء (لأن هاتين الصفتين من صفات الله وحده). ولكن الإنسان ختم بروح الحياة، أي الاشتراك في اللاهوت فنال الإنسان بذلك الصلاح الذي يفوق الطبيعة الإنسانية، ولذلك قيل ان الله نفخ في انفه نسمة حياة، فصار الإنسان نفساً حية (تكوين 2: 7). وعندما عوقب الإنسان على معصيته قيل له بالحق “تراب انت وإلى التراب تعو” (تكوين 3: 19). فتعرى من النعمة أي نسمة الحياة أي روح ذاك الذي يقول “أنا هو الحياة” ففارق الروح القدس الجسد الترابي وسقط الإنسان فريسة للموت، أي موت الجسد وحده. أما النفس فلم تفقد عدم الموت. لأنه عند وحده قيل “تراب انت وإلى التراب تعود”. ولذلك كانت الحاجة ماسة إلى ان الذي فينا والذي صار في خطر دائم وتحول إلى الانحلال، ان يتجدد بقوة، وان يتم نسجه من جديد بنسيج الحياة القادرة بطبيعتها على عدم الموت. وكانت الحاجة إلى رفع عقوبة “تراب انت وإلى التراب تعود” ان يتحد الجسد بشكل فائق بالكلمة الذي يحي الكل. وعندما يصبح الجسد، جسد الكلمة، فانه يشترك في عدم الموت الخاص بالكلمة. ولأنه من غير المعقول بالمرة، ان النار التي لها قدرة وحرارة ذاتية على ان تحول الخشب إلى نار، تقف قدرتها ولا يمتد تأثيرها إلى الخشب، وهذا يعني اننا نتمسك بأن الكلمة الذي هو فوق الكل قد أعطى الجسد من صلاحه أي الحياة، فلم يكتف بتجديد النفس فقط.

        لذلك السبب بالذات اعتقد ان الانجيلي القديس، كان يقصد الجانب الذي تأثر أكثر من غيره في الإنسان، عندما قال “الكلمة صار جسداً، لكي نرى في وقت وأحد، الجرح والدواء، المريض والطبيب، ذاك الذي سقط تحت قبضة الموت والذي يقيمه للحياة، ذاك الذي ساد عليه الفساد والذي طرد الفساد، ذاك الذي امسك به الموت والذي هو أسمى من الموت، ذاك الذي له عدم الحياة وذاك الذي هو واهب الحياة.

        ولم يقل الانجيلي ان الكلمة جاء إلى الجسد مثلما فعل في القديم عندما جاء إلى الانبياء والقديسين، واشتركوا فيه وانما ما يعنيه الانجيلي، انه صار جسداً، أي صار انساناً ولكنه هو الله بالطبيعة وهو في الجسد، وجعله جسده دون ان يفقد لاهوته. فهذا هو اعتقادنا لأننا نعبده وهو في الجسد حسب ما هو مكتوب في اشعياء “الرجال ذوو القامة سوف يأتون اليك ولك يكونون، سوف يأتون مقيدين بسلاسل وسوف يخرون أمامك ويتوسلون اليك، لأن الله فيك، ولا إله آخر سواك” (اشعياء 45: 14 السبعينية) وها هو يقول ان الله فيه، لأنه لا يفصل الكلمة عن الجسد، وايضاً أنه لا يوجد إله آخر سواه. أي الذي اتحد بالجسد، هيكله الذي اخذه من العذراء لأنه مسيح وأحد من الاثنين.

“وسكن فينا؟”:

        يكرر الانجيلي ما سبق وقاله، ويجعل الاعتقاد واضحاً جداً فبعد أن قال إن كلمة الله تجسد، وحتى لا يتصور أحد بجهل انه تخلى عن طبيعته، وتحول إلى جسد، وتألم، وبذلك صار قابلاً للتغير (مع ان اللاهوت بعيد تماماً عن التغيير والتبديل)، اضاف الانجيلي الإلهي على الفور “وسكن فينا”، لكي ندرك انه يتكلم عن شيئين اولاً الساكن، ثم المسكن، لكي لا يفترض أحد بعد ذلك انه تحول إلى جسد، وانما سكن في الجسد، واستخدم جسده، الهيكل الذي اخذه من العذراء القديسة، او كما يقول بولس “لأن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً” (كولوسي 2: 9).

        ومن أجل منفعتنا يقول ان الكلمة سكن فينا، لكي يرفع الحجاب عن السر العميق، لأننا نحن جميعاً في المسيح، والجماعة المشتركة في الطبيعة الإنسانية ارتفعت إلى شخصه، وهو ما جعله يدعى “آدم الثاني” (كورنثوس 15: 45) واهباً بغنى للطبيعة الإنسانية المشتركة، كل ما يخص الفرح والمجد. كما اعطى آدم الأول كل ما يخص الفساد والغم. اذن الكلمة سكن فينا أي في الكل، أي بالواحد الذي “أعلن ابن الله بالقوة حسب روح القداسة” (رومية 1: 4) لكي ينال الكل هذه الكرامة، ويصبح هذا ميراث الطبيعة الإنسانية، وبسبب وأحد منا يتم القول:

        “أنا قلت انكم إلهة وبني العلي كلكم” (مزمور 82).

        وحقاً في المسيح صار العبد حراً، وارتفع إلى الاتحاد السري بذاك الذي أخذ “صورة العبد” (فيلبي 2: 7)، وصار فينا حسب شبه الواحد (المسيح) بسبب قرابته لنا بالجسد.

        ولماذا يقول الرسول “لم يأخذ طبيعة الملائكة، بل طبيعة نسل ابراهيم، من ثم كان ينبغي ان يشبه اخوته في كل شيء” (عب 2: 16، 17)، وبالحق صار انساناً؟ أليس واضحاً للجميع انه نزل إلى مستوى العبودية، دون ان يفقد ما يخصه كإله. بل مانحاً ذاته لنا لكي بفقره نصير اغنياء (2 كورنثوس 8: 9) ونرتفع إلى فوق إلى شبهه، أي شبه صلاحه، ونصير إلهة، وابناء الله بالإيمان؟ وتم ذلك لأن الذي هو بالطبيعة الابن وهو الله سكن فينا، ولذلك نصرخ بروحه “أبا أيها الآب” (رو 8: 15). وسكن الكلمة في هيكل وأحد أخذه منا ولأجلنا، وصار مثل الكل، لأنه عندما احتوى الكل فيه، استطاع ان “يصالح الكل في جسد وأحد” مع الآب، كما يقول بولس (أفسس 2: 16-18).

“ورأينا مجده، مجد الابن الوحيد للآب، مملوءاً نعمة وحقاً”:

        بعد ان قال ان الكلمة صار جسداً، أي صار انساناً، وبعد ان جعله معنا في الأخوة الخاصة مع الخلائق والعبيد، يعود ويؤكد كرامته الإلهية التي لم تتغير، ويعلنه لنا إلهاً كاملاً، له كل صفات وطبيعة الآب. فالطبيعة الإلهية لها ثباتها الخاص بها، ولا تقبل التغير إلى ما ليس منها، بل تظل بلا تبديل محتفظة بما لها من صفات. ولأجل ذلك بعد ان قال الانجيلي “الكلمة صار جسداً” عاد وأكد انه لم يخضع لضعفات الجسد، ولم يفقد قوته ومجده الإلهي، عندما لبس جسد الضعف الذي بلا مجد. فقال “ورأينا مجده”، الذي يفوق كل مجد، والذي يجعل كل من يراه يعترف انه مجد الابن الوحيد، ابن الله الآب، المملوء نعمة وحقاً. وإذا نظر انسان إلى جماعات القديسين وقاس الاعاجيب التي فعلها كل وأحد منهم، تملكه العجب والمسرة بما حققه كل وأحد منهم، حتى اننا نقول، انهم فعلاً امتلئوا بالمجد من الله. لكن الانجيلي الإلهي والشاهد يقول اننا رأينا المجد ونعمة الابن الوحيد، التي لا تقاس بما لدى الآخرين، بل بما لا يقاس من مجد ورفعة، لأن النعمة التي فيه لا يمكن قياسها فهي لم تؤخذ من آخر بل هي كاملة وحقيقية لأنها في الكامل والحق، فالمجد والنعمة لم تعط ولم توهب من خارجه كإضافة، بل هي خاصة به كصفات خاصة بالذي هو من جوهر الآب وبمن هو في الآب.

        وإذا حسن في عيني أحد ان يختبر ما هو أعمق مما ذكرناه، فعليه ان يتأمل ويعتبر الأعمال الباهرة والمعجزات التي عملها كل قديس وبين تلك التي عملها مخلصنا المسيح، وسوف يكتشف ان الفرق بينهم جميعاً وبين المسيح عظيم جداً. وما هو أهم من كل هذا، هو انهم خدام في بيته، اما هو فهو “الابن في بيته” (عبرانيين 3: 6 – او كما ذكرت الاسفار المقدسة عن الابن الوحيد “مبارك الآتي باسم الرب” (مزمور 118: 26)، اما عن القديسين، يقول الله الاب “أرسلت اليكم كل عبيدي الانبياء” (ارميا 7: 25). وليس هذا فقط، بل اولئك نالوا النعمة من فوق، اما الابن فهو رب الجنود الذي يقول “ان كنت لست اعمل اعمال ابي، فلا تؤمنوا بي ولكن ان كنت اعمل فان لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال” (يوحنا 10: 37-38). فإذا كنا بالأعمال نرى الابن الوحيد كإله عظيم له عظمة الآب ذاتها، فإننا نقدم له نفس الكرامة التي نقدمها للآب. لأنه يعمل ذات الأعمال، وبكل يقين سوف يتفوق – حتى وهو في الجسد – على القديسين جميعاً الذين دعوا إلى الأخوة، وهو كإله بالطبيعة فانه يتعدى الحدود الإنسانية، والذي هو الابن الحقيقي يفوق الذين هم ابناء بالتبني، ولكن حيث انه مكتوب في انجيل المبارك لوقا “وكان يسوع يتقدم في الحكمة والنعمة” (لو 2: 52)، فعلينا ان نلاحظ هنا ان لابس الروح يقول عن الابن ان “مجده مملوء من النعمة” فالذي هو مملوء إلى اين يتقدم؟ او أي اضافة يمكن ان تزاد عليه وهو المملوء تماماً؟ ولذلك يظهر للذين يرونه، مملوءاً من أكثر من النعمة، ويتعجبون منه جداً بسبب أعماله، لأن الذين كانوا يرونه وهو يتقدم وينمو في النعمة كانوا يتعجبون من نموه اذ كان هو نفسه الكامل كإله. وقد قيلت هذه الأمور هكذا لمنفعة الذين يريدون ان يعرفوه إلهاً متجسداً.

يو 1: 15 – “يوحنا شهد وصرخ قائلاً”:

        يتابع الانجيلي الحكيم ما قدمه من أفكار ويربط بين المقدمات والنتائج. لأنه عندما قال عن ابن الله “ورأينا مجده، مجد الابن الوحيد” لم يكن يعني شهادته وحده، (لأن “رأينا” تعني شهادة جماعية)، ولذلك يضم سميه يوحنا المعمدان كشاهد آخر له نفس حياة التقوى. وبذلك يصبحان شاهدين لابسين للروح وأخوين في الحق، لا يعرفان كيف يكذبان.

        ولاحظ كيف يسجل قوة شهادة يوحنا المعمدان فهو لا يقول فقط يوحنا شهد، بل يضيف اليها “وصرخ”، وأخذ برهانه من الكلمات “صوته صارخ في البرية” (اشعياء 40: 3). ويجوز لأي من المعاندين ان يسأل، متى شهد يوحنا المعمدان للابن الوحيد؟ ولمن اعطى شهادته عنه؟ يقول الانجيلي “صرخ” ليس في زاوية ولا بصوت منخفض ولا سراً “شهد”، بل “صرخ” عالياً بصوت اعلى من البوق، ونشر شهادته في كل حديث له مع الناس. ويا له من مبشر مجيد، وصوت نافذ، وسابق عظيم معروف.

“هذا هو الذي قلت عنه ان الذي يأتي بعدي صار قدامي، لأنه كان قبلي”:

        بعد ان أعلن اسم الشاهد، الذي له نفس الايمان ونفس الاسم، وبعد ان سجل ان صوته عظيم في الكرازة، يسجل شهادته نفسها، والشهادة نفسها هي أهم ما يمكن تسجيله.

        وبماذا صرخ يوحنا المعمدان العظيم وماذا قال عن الابن الوحيد. “الذي يأتي بعدي، كان قبلي”. وهذه الكلمات عميقة وتحتاج إلى فحص عميق.

        المعنى الواضح والظاهر هو: بخصوص زمن الولادة حسب الجسد. سبق المعمدان المخلص، وبعده جاء عمانوئيل بستة أشهر حسبما سجل لوقا المبارك. ولذلك افترض البعض ان هذا هو معنى شهادة يوحنا المعمدان كما سجلها يوحنا الانجيلي، أي ان الذي جاء بعدي بستة شهور كان قبلي ولكن الذي يثبت عينه الفاحصة على الافكار الإلهية، يمكنه ان يرى ان مثل هذا التفسير السطحي لا يعطينا شيئاً، بل يبعدنا تماماً عن الموضوع العام الذي يسجله الانجيل. فيوحنا المعمدان يقدم لنا كشاهد، ليس لكي يؤكد ان المسيح جاء بعده أي حسب ميلاده الجسدي بل كشاهد على مجده “مجد الابن الوحيد للآب، مملوء نعمة وحقاً”.

        وما هو معنى شهادة المعمدان. لو انحصر الكلام عن الفارق الزمني بين المعمدان والمخلص؟ فكيف يكون قبله لو كانت الشهادة كلها عن الفارق الزمني “الذي يأتي بعدي كان قبلي” وانما في إطار ما قلناه، وعلى القياس الظاهري في بداية الانجيل ان الكلام عن ازلية الكلمة وهذا ما رآه ظاهراً لكل وأحد، لأن ما يأتي بعد، لا يمكن ان يكون قبل طالما ان الكلام انحصر في الجانب الزمني. ولذلك علينا ان نطرح تماماً كل كلام عن الفارق الزمني وعن الميلاد حسب الجسد. وانما ما يريد ان يسجله المعمدان هو ان يستعمل طريقة التعبير البشرية البسيطة والضعيفة لكي يضع فيها أفكار عميقة.

        لقد أراد ان يقول ان الذي يسبق ويقود له مجد أعظم من الذي يتبع. مثلما يحدث في عالم الإنسان، عندما يسبق أحد من الناس غيره في صناعة النحاس او الخشب او النسيج، ويصبح له الفخر والمجد على الذين يأتون ويقلدون العمل الذي سبق غيره فيه، بل يصبح له معرفة أكمل وأسمى. أما إذا سبق وأحد معلمه في الصناعة وتركه خلفه واتقن شيئاً أعظم فإن المتخلف لا يمكنه ان يقول عن تلميذه الذي سبقه “الذي يأتي بعدي، كان قبلي”.

        وإذا نقلنا هذه الفكرة إلى ما قيل عن المخلص المسيح ويوحنا المعمدان القديس يمكننا ان نفهم معنى ما قيل. كان يوحنا المعمدان قد كون حوله تلاميذاً كثيرين من الجموع الكثيرة التي جاءت تطلب المعمودية والتفت حوله اما المسيح وهو الأعظم، لم يكن معروفاً بالمرة، ولم يعرف الناس انه الإله ولأنه لم يكن معروفاً، بينما المعمدان موضع اعجاب الكل، فقد كان المسيح في هذا الوضع اقل من يوحنا في الشهرة وبذلك صار المسيح بعد يوحنا رغم انه أعظم بكثير في الكرامة والمجد. ولكن “الذي جاء بعدي كان قبلي” أي سوف يظهر كأعظم بكثير من يوحنا، لأن أعمال المسيح العجيبة اعلنت انه الإله، بينما يظل الآخر في إطار وحدود الطبيعة الإنسانية كمن هو “بعد”.

        ومن ذلك ندرك الشكل الغير واضح لما قاله يوحنا المعمدان “الذي يأتي بعدي صار قدامي” فهو يعني: الذي كان خلفي في الشهرة، هو في الحقيقة أعظم، بل يتفوق على في كل ما نلته من شرف وكرامة. وإذا فهمنا هذه الكلمات على هذا النحو وجدنا المعمدان شاهداً على مجد الابن الوحيد، وليس كشاهد على شيء بلا قيمة. وشهادة يوحنا تعني ايضاً ان المسيح أعظم منه بكثير، (يوحنا) أي الذي له هذه الشهرة في القداسة، أليست هذه شهادة عن مجد المسيح الخاص.

“لأنه كان قبلي”:

        بعد ان قال يوحنا “صار قدامي” أضاف “لأنه كان قبلي” فنسب له بذلك المجد الأزلي وانه سبق كل الاشياء، لأنه هو البدء كإله بالطبيعة. وبقوله “كان قبلي” فقد كان يعني “دائماً وفي كل مكان وزمان هو أسمى وأمجد. وبمقارنة الكلمة بأحد المخلوقات أي يوحنا المعمدان، تصبح شهادته ضد الذين ينكرون أزلية الكلمة بمثابة حكم بالدينونة بالنيابة عن الذي هو فوق الجميع”. ونحن لا نتأمل كرامة ومجد الابن الوحيد باعتباره أقدم من يوحنا وأعظم منه في المجد. بل لأنه يفوق المخلوقات جميعاً.

16 – “ومن ملئه نحن، جميعاً اخذنا”:

        هنا يصادق الانجيلي على شهادة المعمدان الصادقة ويضم صوته إلى صوت المعمدان بأن المخلص أعظم وأسمى من كل المخلوقات في المجد الذي يتكلم عنه، والخيرات الأخرى التي تأتي منه.

        لأننا نحن جميعاً الذين كتبت اسمائنا في عداد القديسين، نحن نأخذ من ملئه والطبيعة الإنسانية التي وجدت انها تحتاج إلى كل شيء، تأخذ من ملئه، من ملء الابن كما من الينبوع الأصلي، وعطية النعم الإلهية، تتدفق على كل نفس تستحق ان تأخذ. وإذا كان الابن يعطي من ملء طبيعته، فالخليقة هي التي تأخذ، فكيف يمكن ان يعتقد أحد ان الخليقة لها ذات المجد الذي للابن. فهو يعلو الجميع بحسب طبيعته الخاصة ويفوق الكل بكرامة كيان ابيه. واعتقد ان بولس الحكيم، عندما كان يحدد ما يخص طبيعة المخلوقات ويتحرك نحو الافكار الحقيقة قال وهو يوجه كلامه للمخلوقات “واي شيء لك لم تأخذه” (1كورنثوس 7). وهكذا تعطي نعم الله للمخلوقات التي ليس لها أي شيء من ذاتها ولكنها تغتني من سخاء الذي يعطي.

        ولكن علينا ايضاً ان نلاحظ انه يقول عن الابن انه “مملوء” أي كامل في كل شيء، وبالتالي لا يحتاج لشيء بالمرة، ولذلك يستطيع ان يعطي الكل، دون ان يصيبه النقص، ويحتفظ بعظم ومجد كرامته ويظل كما هو دائماً.

17 – “ونعمة فوق نعمة، لأن الناموس اعطى بموسى، اما النعمة والحق بيسوع المسيح صارا”:

        بعد ان قال الانجيلي ان مجد الابن الوحيد صار لامعاً أكثر من شهرة أي انسان بين بني البشر، يقدم لنا القداسة الفائقة التي لا يمكن مقارنتها بأي من القديسين ويقدم دراسته الخاصة بهذه النقطة بالذات بمقارنة المسيح بمن عرفوا بالفضائل. لقد قال المخلص عن يوحنا المعمدان. الحق أقول لكم، لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان (متى 11: 11). ولكن هذا الرجل العظيم، يشهد الآن “الذي جاء بعدي، كان قبلي”. وحيث ان مجد يوحنا اقل، فانه اعطى المجال لمجد الابن الوحيد، فكيف لا نفترض ان كل القديسين قد افسحوا المجال للابن فليس وأحد منهم له ذات مجد المسيح المخلص الذي يظهر في أعمالهم. ولما كان القديسون الذين عاينوا الظهور الإلهي في الجسد، اقل بكثير ولا يمكن مقارنتهم بالابن، ولا حتى يوحنا المعمدان الذي نال أعظم شهرة، لا يتجاسر على مقارنة ذاته بالابن الوحيد بل ختم شهادته الحقة معلناً انه “اقل في كل شيء”. وحيث انه من الضروري ان يظهر عمانوئيل أعظم واقوى وأفضل من كل القديسين، احتاج الانجيلي ان يقدم رئيس الانبياء موسى الذي جاء الله اليه وظهر له اولاً والذي قيل عنه “أنا اعرفك أكثر من الباقين، لأنك وجدت نعمة في عيني” (خروج 33: 12). فالله عرفه قبل الباقين، كما يظهر من قول الله نفسه “ان كان منكم نبي للرب سوف اظهر له في رؤيا واتكلم معه في حلم. أما عبدي موسى فليس كذلك لأنه أمين على كل بيتي ومعه اتكلم فماً لفم وعياناً لا بالألغاز” (عدد 12: 6-8) ولما كان لموسى هذا المجد العظيم الذي فاق كل مجد القديسين حتى الذين سبقوه يقدمه الانجيلي الينا انه متقدم في كل شيء (كولوسي 1: 8) ولذلك يسجل الانجيلي “ونعمة فوق نعمة، لأن الناموس اعطي بموسى، اما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا”. واظن ان ما يريد الانجيلي ان يعلنه هو ان المعمدان شهد واعترف بأن الابن الوحيد أعظم منه “الذي يأتي بعدي، مفضل عني، لأنه كان قبلي” وحتى لا يفترض أحد ان الابن الوحيد فاق يوحنا المعمدان وباقي القديسين الذين عاينوا ظهوره في الجسد دون ان يفوق القديسين الآخرين في العهد القديم، قدم موسى النبي، وقال انه يفوق موسى ايضاً، الذي فاق كل الانبياء في القداسة، والذي شهد عنه واضع الناموس أي الله وقال انه عرفه قبل الكل. وما دام يوحنا يجيء بعد المسيح بما لا يقاس حسب شهادة يوحنا نفسه، كذلك رئيس الانبياء موسى يقل عن الرب في المجد. وعلى كل من يريد ان يتعلم ان يدرس النعمة الانجيلية التي وهبت لنا بواسطة المخلص ويقارنها بنعمة الناموس التي اعطيت بواسطة موسى، فسوف يرى ان الابن أسمى بكثير، لأنه هو واضع الناموس الأعظم الذي يهب الخيرات أفضل من الناموس الموسوي. ولذلك يقول الانجيلي “الناموس اعطي بموسى اما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا” وما هو الفرق بين الناموس والنعمة التي صارت بواسطة المخلص؟ .. على المحبين للمعرفة والبحث الشاق ان يدرسوا هذا الموضوع لأننا سوف نقول القليل ونترك الكثير، مؤمنين بأن المقارنة عظيمة والأفكار تفوق الحصر.

        لقد أدان الناموس الخليقة، لأنه بالناموس أغلق الله على الكل تحت الخطية (غلاطية 3: 22) واظهر اننا تحت العقاب اما المخلص فقد اعطى الحرية للإنسان “لأنه لم يأت ليدين العالم بل ليخلص العالم”. ومع ان الناموس اعطى نعمة معرفة الله للإنسان وجذبه من عبادة الاصنام التي اضلت الإنسان، وبالإضافة إلى ذلك اشار إلى الشر وعلم الخير، بدون كمال، كمعلم نافع، اما النعمة والحق فبالابن الوحيد، الذي لم يقدم لنا الخيرات في رموز، ولا اعطى الصلاح في ظلال، بل بوصايا مجيدة ونقية، يقودنا بيده، لكي ننال معرفة كاملة بالإيمان.

        كان الناموس يعطي “روح العبودية للخوف” أما المسيح فقد اعطى “روح التبني” للحرية (رومية 8: 15)، كان الناموس يختن اللحم وهو لا شيء “لأن ختان اللحم ليس شيئاً” كما يقول بولس (1كورنثوس 7: 19)، اما ربنا يسوع المسيح فهو مانح “ختان القلب بالروح” (رومية 2: 29)، الناموس يغسل الذي تدنس بمياه، اما المخلص فهو يعمد بالروح القدس ونار (متى 3: 11) الناموس يأتي بمسكن كرمز للأشياء الحقيقية، اما المخلص فينقلنا إلى السماء نفسها ويقدمنا إلى المسكن الحقيقي الذي نصبه الرب لا انسان (عبرانيين 9: 24 – 8: 2). وليس صعباً ان نضع فروقاً اخرى أكثر مما ذكرناه، ولكن علينا ان نقبل الحدود التي نتحرك فيها.

        ولكننا نقول هذا للمنفعة واللزوم، لأن بولس المبارك بكلمات قليلة حل السؤال، وقال عن الناموس ونعمة المخلص ما يلي: إذا كانت خدمة الدينونة مجداً فبالأولى كثيراً تزيد خدمة البر في المجد (2 كورنثوس 3: 9).

        وبذلك قال ان وصايا موسى هي خدمة الدينونة، اما النعمة بالمخلص فهو يدعوها “خدمة البر” التي فاقت في مجد. وهكذا لخص بولس اللابس الروح طبيعة الفرق الدقيق بين الناموس والنعمة لأن الناموس الذي يدين اعطي بموسى، اما النعمة التي تبرر فقد صارت بواسطة الابن الوحيد. فكيف لا يكون المسيح فائق المجد وبما لا يمكن مقارنته؟ أليست الأشياء الأفضل قد صارت لنا به؟ وهكذا صرخ المرنم اللابس الروح وقال بصوت عال وهو يعلن كيف يفوق ربنا يسوع المسيح كل القديسين الأفاضل والمشهورين “من في السحاب يشبه الرب، ومن يشبه الرب بين ابناء الله” (مزمور 89: 6س) والسحابة الروحية هي الانبياء القديسين الذين يتركون موضعهم للمسيح، والذين لا يظنون ان لهم مجداً مساوياً له لأن موسى الذي عرفه الله فوق الجميع، ينال المرتبة الثانية، والذين دعوا ابناء الله، عند ظهوره في الجسد لم يشبهوا من هو ابن الله بالطبيعة بل سوف يعترفون بحدودهم، طالما ان يوحنا المعمدان نفسه يقول انه خلفه بمراحل، خلف ذاك الذي يعرف القلوب والذي قال عنه المخلص “لم يقم من بين المولدين من النساء من هو أعظم من يوحنا المعمدان” (متى 11: 11). وحقاً يقول الانجيلي المبارك انه “رأى مجده، مجد الابن الوحيد للآب” أي ما يخص ابن الله الوحيد ابن الآب، والذي لا يشاركه فيه أحد من هؤلاء الذين صاروا اخوة له، والذي صار هو البكر بينهم.

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج4 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج3 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج3 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج3 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الأول: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الثاني: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الرابع: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج4 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الخامس: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج5 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

 

الفصل السابع

“الابن بالطبيعة هو النور، لذلك هو ليس مخلوقاً، بل من جوهر الله الآب، نور من نور”.

– “والحياة كانت نور الناس”:

        بهذه الكلمات ايضاً، يرينا الانجيلي ان الابن هو بالطبيعة الله، ومن جوهر الآب ووارث لكل ما للآب الذي ولده من صلاح ذلك الآب. وبعد ان علم الانجيلي ان الابن بالطبيعة هو الحياة، وانه في كل الاشياء التي خلقها، ويحفظها، ويعطيها الحياة بقوته الفائقة فلا تنحل إلى العدم. فيتقدم الانجيلي ومن كل اتجاه يقودنا نحو الحق. فالكلمة في المخلوقات كحياة، ولكن حيث ان المخلوقات العاقلة على الأرض قد نالت العقل والمعرفة، ونالت الحكمة من الله، احتاج لابس الروح – يوحنا – ان يعلن للإنسان، ان الكلمة هو مانح الحكمة التي في الإنسان بل لكي نؤمن ايضاً، ان الله الآب هو ايضاً في كل شيء بالابن، فهو حياة لمن يحتاج إلى حياة، نور وحياة ايضاً لمن يحتاج إلى الحياة والنور، لذلك يقول الانجيلي: “والحياة كانت نور الناس” أي ان الله الكلمة الذي يحيي الكل، وهو الحياة التي في الكل، ينير الكائنات العاقلة، ويهب الفهم للذين نالوا عطية الفهم، لكي يظلوا في البقاء، حسب قوة الكلمات “واي شيء لك لم تأخذه” (1كورنثوس 4: 7). فليس هناك غنى خاص بالطبيعة المخلوقة، بل كل ما نراه فيها وكل ما يخصها، هو بكل يقين من الله، الذي يعطي الوجود ويحدد غاية الحياة.

        وحسناً أضاف الانجيلي “كانت” إلى “الحياة” لكي يظهر بوضوح ان الكلمة أزلي، ولكي يقطع الطريق على كل التصورات الفاشلة التي تصدر عن عدم فهم، والتي تحاول ان تجعل الابن من ضمن المخلوقات، وهو ما يتعارض بوضوح مع الأسفار الإلهية كلها.

        أما عن أزلية الكلمة مع الآب، فقد ذكرت ما فيه الكفاية في هذا الكتاب، وفي الكتاب المعروف باسم “الكنز”، ولذلك اكتفى بما ذكرت، ولكن الكلمات التي نحن بصددها (يوحنا 1: 4) تقدم لنا فرصة أعظم، لكي نفحص على قدر قوتنا معانيها، لكي نستفيد نحن ويستفيد من يقرأونها فيما بعد، والله هو الذي يفتح الأبواب والفم لكلماتنا.

        ماذا سيقول المقاوم للمسيح، عندما يعلم ان “الحياة” الأزلية، أي الله الحي الأبدي الكلمة، هو نور الناس؟ ما هي الحجج التي سوف يرمينا بها، اذ تقدمنا وقلنا: إذا لم يكن الابن بالطبيعة الله، وهو من جوهر الآب الذي ولده، وإذا لم يكن قد اشرق علينا نوراً حقيقياً من نور حقيقي، بل انه مخلوق وخاضع حسب جهلكم، فانه يكون مساوياً في الطبيعة للمخلوقات ويكون بالضرورة مخلوقاً. فكيف اذن يا من امتلأتم من كل الغباء يكون منيراً وكيف ينالون استنارة منه؟ أفليس الذي ينير غير الذي يستنير؟، هذا واضح وجلي لكل وأحد. ولو قلنا ان الذي ينير والذي يستنير هما من الجوهر ذاته، فما هو الفرق بين الذي يملك قوة للانارة، والذي يحتاج للنور؟ فالأول يملك ان ينير، والثاني لأنه بلا استنارة يحتاج إلى ان يأخذ، اما إذا انعدم الفرق حسب تصور الهراطقة، واصبح الكل وأحداً، فما سيأتي من نور، سوف يأتي لكليهما ويوزع عليهما معاً، والمحتاج إلى النور سيكون نوراً، ولن يختلف النور عن الذي يستنير. عظيمة جداً هذه الفوضى وهذا الإضطراب في الأفكار. ان الحاجة إلى الفهم تحتم علينا ان نميز بين الطبائع. وان نضع كل شيء في مكانه ونعطي لكل اسمه الخاص به، فيصبح المانح غير الآخذ. هذا التمييز يجعلنا ندرك ان الابن ليس مساوياً في الطبيعة للاشياء المخلوقة، بل هو كائن في جوهر الآب، وهو نور حقيقي، من نور حقيقي.

        وليس من الصعب علينا، ان نقدم نفس الأدلة التي قدمناها في الفصول السابقة، عندما كنا نشرح ان الابن هو الحياة، وانه ليس في عداد المخلوقات، ان نقدم أدلة مشابهة في هذا الفصل بالذات، لكي نؤكد انه النور، ولكن لكي لا نجعل مشقة العمل تقع على الآخرين، ولكي لا يظهر اننا خاضعون للكسل، سوف انقل نفس البراهين لكل ابرهن كما انه هو الحياة، هو ايضاً نور كل انسان، وهذا يعني انه غير الذين يستنيرون به.

“براهين على ان الابن الذي ينير، هو غير الخليقة التي تستنير”.

أولاً:

        إذا كان الابن بالطبيعة هو النور. الذي يختلط بنا عندما يمنح الاشتراك للكائنات في النور، فهو غير الكائنات تماماً. واختلافه عن الكائنات يعني امكانية اشتراك الكائنات المخلوقة فيه لكي تستنير به. فكيف لا يكون في هذه الحالة هو الله الكائن على الكل” (رومية 9: 18).

ثانياً:

        لو قال مقاوم الله ان الابن الذي هو بالطبيعة النور، موجود في المخلوقات كمخلوق، وانه ينير الذين يحتاجون إلى استنارة، فأول كل شيء سيعتبر الابن موجوداً في نفسه، ثم إلى جانب ذلك سيكون مشتركاً في نفسه وهو نور، وان كان موجوداً في الاشياء المخلوقة فانه سيعتبر هو هو نفسه وأحداً منها:

        أما الذي يفتح قلبه للحكمة (مزمور 90: 12) سوف يرى كم هو غير معقول ان يفكر انسان على هذا النحو. لذلك ان كان الكلمة الذي ينير موجوداً في المخلوقات التي تشترك فيه، فلا يكون هو نفسه من بين المشتركين فيه والمستنيرين به ولذلك فهو آخر غيرهم. وان كان كذلك، فهو اذن ليس مخلوقاً، بل هو نور بالطبيعة وهو الله في الاشياء التي ينقصها النور.

ثالثاً:

        إذا لم يكن الابن من جوهر الله الآب، بل مخلوقاً خاضعاً حسب رأيهم، فهو يكون اذن مبتدئاً ومخلوقاً، فكيف يكون اذن موجوداً في المخلوقات وينيرها؟ وماذا سنجده مميزاً الجوهر الإلهي بعد ذلك؟ وكيف يقول المرنم وهو يرى ان هذا شيء عجيب يستحق الإعجاب في ذلك الذي هو بالطبيعة الله “بنور نعاين النور” (مزمور 36: 9)، وإذا كان الابن كمخلوق ينير كل الاشياء المخلوقة، اذن الخليقة تنير نفسها، ولا تحتاج لنور الله خالقها. بل لا يوجد اذن في الله شيء يزيد على ما في الخليقة، بل ان عمل الخليقة ليس أقل من الله. وهذا غير معقول. اذن الابن غير مخلوق، بل بالحري الله، ولذلك فهو بالطبيعة النور مثله مثل الآب تماماً.

رابعاً:

        إذا كان الابن هو نور الله الآب كما هو مكتوب: “بنورك نعاين النور” وايضاً “ارسل نورك وحقك” (مزمور 43: 3)، ومع ذلك يقال عنه انه مخلوق وجاء من العدم إلى الوجود، فعلى هذا القياس لا يوجد ما يمنع أي مخلوق جاء من العدم، ان يدعى نور الله الآب، وإذا كانت طبيعة المخلوقات تسمح بذلك، فان هذه الامكانيات ستصبح متاحة لكل المخلوقات، ولا يصبح النور هو خاصية الابن وحده، وهذا غير معقول. لأن الابن وحده هو الذي يليق به ان يدعى وان يكون نور الله الآب، اذن فهو ليس مخلوقاً، وانما هو النور، إله من إله، وهو الذي ينير كل الاشياء التي تحتاج إلى النور.

خامساً:

        إذا كان الابن الذي هو بالطبيعة النور، ليس من جوهر الآب، بل هو من خارجه وخاضع له حسب الرأي الفاسد لمحاربي الله، فالنتيجة الحتمية هي ان يكون مساوياً للطبائع المخلوقة ويسقط من الجوهر الإلهي. فكيف يدعى النور ويكون هو النور؟ بينما قيل عن يوحنا المعمدان “لم يكن هو النور” (يوحنا 1: 8)، رغم ان يوحنا لديه امكانية ان يكون نوراً، وليس هو وحده بل كل المخلوقات إذا قبلنا رأي الهراطقة بأن الابن وهو مخلوق يمكن ان يكون بالطبيعة النور؟ لأن ما يعطي لطبيعة من الطبائع يصبح عاماً وملكاً لكل من يشترك في هذه الطبيعة حسب قانون الطبيعة. ولكن يوحنا لم يكن هو النور، بل الابن هو النور. اذن الابن بالطبيعة مختلف عن المخلوقات وليس مساوياً لها في الطبيعة.

سادساً:

        إذا كان الابن الذي هو بالطبيعة النور، هو مبتدئ ومخلوق وليس له كيان جوهر الله الآب، كما يدعي البعض، فان الطبائع المخلوقة يمكن ان تكون وان نسميها نوراً، وتصبح كلها نوراً حسب القانون الخاص بالامكانيات. لأن كل من يملك في طبيعته ان يكون شيئاً ما، فاني افترض بالتأكيد ان يصير هكذا ولو فيما بعد. وحيث ان امكانية النور تصبح عامة لطبيعة كل الاشياء المخلوقة، وليس خاصة بأحد المخلوقات، فلماذا يتعب الابن نفسه ويصرح قائلاً “أنا هو النور”؟ لأنه كان من الأجدر به في هذه الحالة ان يقول “أنا معكم ومثلكم نور”. ولكن حيث انه هو وحده الذي ينفرد بذلك، ولا يوجد من يشاركه في هذا الصلاح الخاص به، فهو لا يضع ذاته مع المخلوقات، بل مع جوهر الله الآب، الذي يختص به وحده بالطبيعة فيكون هو بالحقيقة النور.

سابعاً:

        الذي يشترك في النور، ليس في ذاته نوراً، لأنه من الواضح وجود اختلاف بين المصدر والآخذ. فإذا كان الابن هو المصدر الذي تشترك فيه الخليقة لتنال النور، فهو مختلف عن الآخرين الذين يأخذون منه النور وهم محتاجون للنور. لذلك فهو ليس مخلوقاً، ولا يحتاج للاستنارة مثل باقي المخلوقات بل هو الله الذي له قدرة الانارة، ولذلك علينا ان نعتقد انه نابع من جوهر الله الآب، لأننا نعبد إلهاً وأحداً ولا نخدم غير الإله الحقيقي.

ثامناً:

        نحن نميز بكل دقة بين طبائع الاشياء، وليس لدينا سوى الله والخليقة. فكل ما لا يمكن ان يكون الله، هو بتمامه مخلوق، وكل ما لا ينطبق عليه خصائص المخلوقات، هو بكل تأكيد داخل دائرة الالوهية. فإذا اتفقنا على ذلك، فعليهم ان يقولوا لنا من الذي يمكنه ان يفصل الابن عن جوهر الله الآب، وكيف ينير الابن كنور، والنور خاص بالطبيعة الإلهية وحدها ولا تشترك فيه الكائنات الأخرى.

        وإذا كان الابن مخلوقاً حسب ادعائهم، وهو النور، فان هذه النعمة الفائقة سوف تغمر كل المخلوقات، وتصبح كل المخلوقات بالطبيعة هي النور، فلماذا يحتاجون بعد ذلك إلى الاشتراك في الابن؟ او ماذا سيكسبون من هذا الاشتراك، بعد ان اصبحوا هم بالطبيعة نوراً، مثل الابن؟ ولكن الخليقة تحتاج إلى الذي ينيرها، اذ ليس لها نور من ذاتها. اذن فان الابن هو بالطبيعة الله، ولذلك فهو النور الذي يستطيع ان ينير الاشياء التي تحتاج للنور.

تاسعاً:

        إذا كان الابن بالطبيعة “النور” فهو: اما مختلف تماماً عن المخلوقات في الطبيعة، او مساو لها. فإذا كان مثلنا وله ذات الطبيعة المخلوقة، فباطل اذن قوله لنا “جئت نوراً للعالم” (يوحنا 12: 4)، لأن الخليقة لها نورها الذاتي: ولكن النور لا يشترك في النور، وذلك لكي يفهم انه نور في ذاته.

        أما إذا كان الابن مختلفاً عنا في الجوهر، والطبيعة تحتاج إلى النور الذي فيه “فأي شيء لك لم تأخذه؟” (1كورنثوس 4: 7)، فالابن بعيد عن ان يكون مخلوقاً، وبالتالي عدم الايمان به إلهاً سوف يحرم الطبيعة من صلاحه، إذا الخليقة ليست نوراً في ذاتها بل هي تحتاج إلى نور الابن وتشترك فيه.

عاشراً:

        إذا كانت الاشياء لا تستطيع ان تشترك في نورها الذاتي (بفرض ان لها نورها الخاص)، والابن هو النور الذي تشترك فيه الخليقة. اذن الابن ليس مخلوقاً، ولا الخليقة هي نور، بل الابن فقط هو النور.

حادي عشر:

        ان تستنير شيء وأن تنير شيء آخر، فهو عطاء وأخذ، الابن ينير، والخليقة تستنير، اذن فالابن والخليقة ليسا وأحداً، فالواحد يعطي والآخر يأخذ.

يوحنا 1: 5 – والنور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه (تعرفه):

        يشرح لنا الإنجيلي بالتفصيل ما سبق وأعلنه. فهو لم يكتف بما قال، حتى لا يخطئ السامعون في معرفة الله الكلمة كنور حقيقي “ينير كل انسان” إذا توقف عند “والحياة كانت نور الناس” حتى لا يفترض أحد، ويقف معلناً ان الكلمة نور فقط، ولا يعطي نوره لأحد، بل الحق انه يعطي نور الإدراك لكل من يريد، بعد ان يمتحن استحقاقه لعطية الاستنارة الباهرة.

        لقد افترض الهراطقة ان الخليقة العاقلة، اما انها تأخذ القدرة على الفهم من كيانها الذي تحمله البذرة الطبيعية، او ان يزرع الله الآب عقلاً وادراكاً فيها، كما لو كان الابن غير قادر على ان يفعل ذلك. ولكن لكي يظهر بجلاء ان الله الكلمة الذي في الله الآب هو حياة ونور ليس للبعض فقط دون غيرهم، بل بطريقة مشاركة تفوق الوصف، كحكمة وفهم (وهو ما يسمى نوراً في المخلوقات العاقلة)، عاقلة، والكائنات التي تقبل الحواس، يصير لها حس، وهو ما لم تكن تستطيع ان تحصل عليه بأية طريقة أخرى. ولهذا يقول الرسول “والنور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه”.

        وكأن الرسول يصرخ بصوت عال محذراً سامعيه، ويقول يا سادة لقد علمتكم الحق بكل قوة وهو “الحياة كانت نور الناس” حتى لا يفترض الذين يظنون انفسهم صالحين انهم اخذوا حياة واستنارة من آخر، او نالوا ذلك كمكافأة على الحياة التي عاشوها، وانما لأن الكلمة هو الحياة، وكل الكائنات أخذت الحياة منه، فهو كذلك النور، وهو يعطي الذين ينالون الادراك، والذين ينالون الحس، كل منهم ما هو خاص به. لأن الله الآب بالابن في الروح القدس هو كل شيء لكل أحد.

        “الظلمة” هي الطبيعة التي تحتاج إلى استنارة، اي الطبيعة المخلوقة، ولأنه سمى الكلمة النور، فقد أوضح ان الخليقة العاقلة التي تحتاج إلى الاستنارة. هي مختلفة تماماً عن الكلمة. وهنا يستعمل الاسم الثاني للطبيعة العاقلة المخلوقة اي الظلمة لكي يوضح الحقيقة الاساسية وهي ان يعلن ان الخليقة العاقلة بدون الطبيعة الإلهية هي ظلمة، فهي عاجزة عن ان تلد شيئاً من نفسها وبقدراتها. وهي تدعى ظلمة لأنها مختلفة عن النور. وطبقاً لما قيل “أي شيء لك لم تأخذه” (1كورنثوس 4: 7) هذه الطبيعة تنال من الله الاستنارة، دون ان يكون النور خاص بها من ذاتها وكل ما ليس من ذاته نوراً، كيف لا يكون العكس، او كيف لا يدعى “ظلمة”؟

        “والنور يضيء في الظلمة” هو وصف معقول وضروري يوضح لنا الفرق بين الكلمة والخليقة العاقلة، فالكلمة وحده هو النور والخليقة هي ظلمة وعندما تقبل الطبيعة المخلوقة كلمة الله وتشترك فيه كنور، فانها ترى نفسها ظلمة، فالابن يشرق فيها اي يشرق مثل النور في الظلمة، ومع ذلك تظل الظلمة عاجزة عن ادراك النور، وهذا هو معنى الكلمات “والظلمة لم تدركه (تفهمه)”. فالكلمة يشرق على كل الاشياء القادرة على ان تستقبل اشعاعه وانارته، وينير – بدون استثناء – الاشياء التي لها طبيعة مستقبلة لانارته. ولكن الابن الكلمة غير معروف عند الظلمة، لأن المخلوق العاقل على الأرض – اي الإنسان – “عبد المخلوق دون الخالق” (رومية 1: 25)، انه لم يدرك النور، لأنه لم يعرف الخالق، ينبوع الحكمة، بدء الفهم، واصل كل حس. ومع ذلك، فإن الاشياء المخلوقة تنال النور، من محبته للبشر، وتزود بالقدرة على الإحساس التي تزرع فيها منذ خلقتها.

        وهنا ندرك انه لا يوجد مجال بالمرة لأي فكرة من اي نوع او اي تصور بأن الابن مبتدئ او مخلوق، بل في كل شيء هو يفوق مقايسنا، ويعلو على طبيعة الخليقة وهو آخر تماماً غير المخلوقات وبعيد عنها كلية من نايحة نوع جوهره، مثل ارتفاع النور وسموه على الظلمة، وبما لا يسمح بالمقارنة، وبعد ان شرحنا وقدمنا البراهين الكافية الخاصة بهذا الجزء، علينا ان ننتقل إلى ما يليه:

يوحنا 1: 6-7 “كان انسان مرسل من الله اسمه يوحنا. هذا الإنسان جاء للشهادة لكي يشهد للنور”.

        بعد ان قدم الانجيلي المبارك ما يكفي لإظهار ان كلمة الله هو بالطبيعة ابن الله الآب، يدعم ايمان السامعين بهذه الكلمات، وحسبما قال الله لموسى “على فم شاهدين او ثلاثة تقوم كل كلمة، (تثنية 19: 15)، يضم الانجيلي بحكمة شاهداً آخر اليه وهو يوحنا المعمدان، ويقدمه لنا شاهداً ثانياً معه، وشهادته مستحقة القبول، ولم يفترض الانجيلي ان عليه ان يقدم شهادته وحده، عن المخلص، رغم ان شهادة حقة، حتى لا يتعدى الناموس، وحتى لا يؤمن الناس بشهادته وحده فقط، خصوصاً وهو يعلن اموراً عاليه على الادراك، بل يضم معه يوحنا المعمدان.

        ولذلك يشهد الانجيلي المبارك ان “في البدء كان الكلمة. والكلمة كان عند الله. وكان الله الكلمة. كان هذا في البدء عند الله”. وان “كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان” وانه هو “الحياة” بالنسبة لكل المخلوقات وان هذه “الحياة هي نور الناس” كل هذا لكي يعلن ان الابن بالطبيعة هو الله. ويضم الآن يوحنا المعمدان إلى شهادته صارخاً “أعدوا طريق الرب، اجعلوا الطرق التي تؤدي إلى الله مستقيمة” (اشعياء 40: 3). وبكل سهولة يمكننا ان نرى انه الإله الحق، الذي فيه كل سمو الربوبية وهو ما لا يمكن ان ينكره أحد لأن “لنا إله وأحد الآب، ورب وأحد يسوع المسيح” حسب شهادة بولس (1 كورنثوس 8: 6) ومع انه يوجد من يدعون “إلهة” بالنعمة، “وأرباب” في السموات وعلى الأرض، الا ان الابن الوحيد وحده مع الآب هو الإله الحق.

        وما أجدر ان نسمع لهذين الشاهدين، ونعطيهما الثقة الكاملة في كل ما قالاه، فكلاهما نال ملء شهادة الناموس، ومشهور لهما بالنبل شخصياً. فالانجيلي لم يتكلم عن نفسه، ولا مدح ذاته، والا كان قد سمع “انت تشهد لذاتك، وشهادتك ليست حقاً” (يوحنا 8: 3). ولذلك يترك الحكم على ما قاله لمن يعرفونه، ولكنه يذهب لمن يحمل ذات الاسم، ليقول انه يؤكد كلامه، والذي يقول عنه انه “مرسل من الله”. ويليق بالانجيلي ان يخبرنا انه ليس من ذاته وبدافع من غيرته الذاتية يشهد يوحنا المعمدان عن المخلص، بل بطاعة الوصية التي من فوق، وخدمة لإرادة الآب الإلهية، وهذا معنى كلامه “كان انسان مرسل من الله اسمه يوحنا“.

        لكن علينا ان نقرأ بدون سرعة، ونلاحظ دقة التعبيرات التي استخدمها الانجيلي في الكلام عن اختلاف الطبائع عند الكلام عن الله الكلمة. “كان” هو أفضل تعبير يناسب الكلام عن أزليته. وكيف هو قبل كل الكائنات، وبذلك قضى تماماً على كل رائحة الله الكلمة. “كان” هو أفضل تعبير يناسب الكلام عن ازليته، للكلام عن خلق الكلمة، لأن ما هو كائن دائماً، لا يمكن ان يكون مخلوقاً. اما عند الكلام عن المعمدان، رغم انه استخدم “كان”، الا انه ربطها بكل دقة بما جاء بعدها “انسان مرسل من الله”، اي له طبيعة مخلوقة، وهكذا يبدو لي ان الانجيلي لم يستخدم “كان” بنفس الشكل الذي استخدمها للكلام عن الكلمة، بل وضع معها “انسان” لكي يقضي تماماً على خرافات وادعاءات البعض.

        فقد شاع كلام مستتر عند البعض بأن يوحنا المعمدان لم يكن حقيقة “انسان” بل وأحد من الملائكة القديسين في السماء، استخدم جسداً وأرسله الله لكي يعظ الناس. وهذه الخرافة تعتمد على عدم ادراك لما قاله الله “ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيء الطريق امامك” (متى 11: 10 – ملاخي 3: 1). وخطأ هؤلاء الذين ابتعدوا عن الحق هو عدم فهمهم لمعنى كلمة “ملاك” فهو يعني خادم او رسول، دون تحديد لحقيقة جوهر هذا الخادم، ونرى ذلك في تاريخ أيوب المبارك عندما وصله عدة “رسل” ([1]) وأحد بعد الآخر، لكي يبلغه خبر آلامه ومصائبه، وفي هذا الإطار نفسه يشرح بولس الحكيم حقيقة الملائكة “أليس جميعهم أرواح خادمة مرسلة لخدمة العتيدين ان يرثوا الخلاص” (عبرانيين 1: 14).

        وإذا دعي يوحنا المعمدان بفم الرب “ملاكاً”، فهذا لا يعني تغيير في طبيعته، بل كخادم ورسول ارسله الله لكي يصرخ عالياً “أعدوا طريق الرب”، وإذا كان الرب قد وصف يوحنا المعمدان بأنه ملاك، فهذا لائق جداً، لأنه أراد ان يعلن لنا ان شهادته صادقة جداً، لأن الذي أرسله الله لكي يبشر، لن ينطق بأي شيء يختلف مع ارادة الذي أرسله، لأنه خاضع له، وصادقة هذه الشهادة لأن الله هو الذي علمها. وفي نفس الإطار يقول بولس الحكيم ان الذي ارسله هو يسوع المسيح (غلاطية 1: 1) مؤكداً انه لم يتعلم قوة السر من أحد بل “باعلان” (غلاطية 1: 12) من الذي أرسله، وبذلك حدد نوع الإعلان ومعناه بكلمات قليلة جداً اي ان يسوع المسيح هو الذي ارسله. وكل الذين يرسلون من الله هم الذين يتعلمون منه، هؤلاء احرار من الكذب، لأنهم لا يعرفون هدفاً سوى ان يكونوا خداماً للحق بلا شك.

        يقول الانجيلي ان اسم الإنسان “يوحنا”، لكي يعرف الناس الاسم وهذا يعطي ثقة في الشهادة. ولذلك عندما جاء من يبشر زكريا اخبره باسمه جبرائيل الواقف في حضرة الله (لوقا 1: 19)، وهو ما جعل للبشارة المفرحة التي أخذها زكريا اي ميلاد يوحنا من اليصابات وقعاً خاصاً. فهنا يؤكد الانجيلي اسم يوحنا المعمدان ليس كشاهد فقط، بل كمن اخذ اسمه من الملاك حسب قصد الله فوق كل مديح؟ لذلك السبب كان من الضروري ان يضع اسم يوحنا المعمدان. ولأن الانجيلي قال ان المعمدان قد ارسله الله لكي “يشهد للكل” لكي يؤمن الكل بشهادته، فإننا سوف نواجه السؤال الذي يضعه المقاومون بغباء “لماذا لم يؤمن الكل بمن ارسله الله؟ كيف يمكن ان ينال انسان هذه المسئولية بارادة الله ويصبح عاجزاً عن ان يقنع أحد؟ من الصواب يا سادة ان لا نلوم يوحنا، على عجز، او نقص في غيرته، بل علينا ان نسأل عن عناد الذين لا يؤمنون. لأنه من الواضح ان المبشر، ورسالته كانا من فوق، وان الكل سمعه، وكان يجب ان لا يبقى أحد في عدم ايمان، ولكن لأن كل انسان له سلطان على ارادته الحرة فالبعض رفض الايمان ولم ينتفع. وعلينا ان نقول لهؤلاء ما قاله النبي “من يسمع فليسمع، ومن يحتمل فليحتمل” (حزقيال 3: 27).

هذا الإنسان جاء للشهادة، لكي يشهد للنور:

        كلمة “هذا” مملوءة باعلان الفضيلة وكفاءة الإنسان. لأن الذي ارسل من الله، والذي ضرب كل اورشليم واليهودية بالخوف، وبحياته القاسية، وممارسته للفضيلة، وهو ايضاً الذي سبق فأخبر عنه صوت النبي اشعياء “صوت صارخ في البرية” (اشعياء 30: 4)، وفي داود يقول “هيأت سراجاً لمسيحي” (مزمور 132: 17 س). “هذا الإنسان جاء للشهادة لكي يشهد للنور”، وهو هنا يدعو الله الكلمة، النور، ويبين انه هو وحده النور الحقيقي بذاته والذي ليس هناك أحد آخر معه بالطبيعة له خاصية لادارة، وانه ليس محتاجاً للنور. فالكلمة ليس مخلوقاً، بل غريب تماماً عن طبيعة المخلوقات، فهو وحده النور الحقيقي، الذي تشترك فيه كل المخلوقات. وبذلك التعبير “هذا” يميز الانجيلي بين النور ومن يشهد للنور، فالنور لا يمكن ان يحسب في عداد المخلوقات، بل هو في دائرة اللاهوت ومملوء بالطبيعة الصالحة لذاك الذي ولده.

يوحنا 1: 8 لم يكن هو النور، بل ارسل لكي يشهد للنور:

        فضل المعمدان ان يعيش في الصحراء بعيداً عن ترف المدن، وأعلن عن عزم ثابت في ممارسة الفضيلة، وارتقى إلى قمة البر الذي يمكن ان يصل اليه انسان، مما جعل البعض يندهش من اسلوب حياته بل ان البعض تخيلوا انه هو المسيح؟ وحقاً ارسل اليه رؤساء اليهود بعدما اندهشوا من تقدمه في الفضيلة، ليسألوه ان كان هو المسيح، ولم يجهل الانجيلي كل هذه الأمور، وبسبب هذا وضع عبارته “لم يكن هو النور” لكي يقتلع الخطأ، وفي نفس الوقت يعطي فرصة للثقة في ذاك الذي “ارسل من الله لكي يشهد”. ولأن يوحنا المعمدان سامي المقام، وعظيم المكانة، ومستحق للمديح، ذاك الذي لبس الفضيلة، وفاق كثيرين في البر، وتشبه بالمسيح وجمال تقواه المتميز، حتى تخيل البعض انه النور نفسه. ولذلك يقول الانجيلي “لم يكن هو النور” بل “ليشهد للنور”. وعندما قال “النور” وأضاف أداة التعريف ال فقط اعلن انه النور الواحد، وهو كذلك بكل حق. ومع ان المعمدان وباقي القديسين يمكن ان يقال انهم نور، وهذا لا ننكره، لأن المخلص نفسه قال عنهم “أنتم نور العالم” (متى 5: 14) وايضاً قيل عن يوحنا المعمدان لقد “اقمته سراجاً لمسيحي” (يوحنا 5: 35). ومع ان القديسين يقال عنهم انهم نور، ويوحنا سراج، فإننا لا نجهل النعمة التي نالوها من “النور”. لأن النور في السراج ليس من السراج، ولا نور القديسين هو من القديسين، بل باستنارة الحق، صاروا “أنواراً في العالم متمسكين بكلمة الحياة” (فيلبي 2: 15-16). وما هي الحياة التي يتمسكون بكلمتها والتي جعلتهم يوصفون بالنور؟ أليست بالحق هي الابن الوحيد الذي قال “أنا الحياة”. وحقاً وأحد هو النور الحقيقي، الذي ينير، ولا يستنير، والذي كل من يشترك فيه ويتشبه به يمكن ان يدعى نوراً.

الفصل الثامن

“ابن الله وحده هو النور والخلائق ليست هي النوربالمرة بل تشترك في النور كمخلوقة”.

يوحنا 1: 9 كان النور الحقيقي:

        يجمع الانجيلي الإلهي كل ما قاله سابقاً، ويحدد بشكل آخر الحق الخاص بالنور، اي الابن الوحيد، ويفصل بينه وبين الخليقة، على نحو بارز، اي ما هو بالطبيعة – اي الحق – وما هو بالنعمة، بين المصدر الذي يشترك فيه الكل، والمشتركين فيه. بين الواهب والذي يعطي من عنده، والذين يأخذون من الغنى الوافر. كل هذا في عبارة وأحدة، “كان النور الحقيقي”. وإذا كان الابن هو النور الحقيقي، فليس آخر غيره هو النور حقاً، فلا يوجد من يملك امكانية ان يصبح النور، ولا تملك الكائنات ان تعطي من طبيعتها النور، لأنها خلقت من العدم، ولا تستطيع ان تجود بما لا تملك، ولا ان تتطور وتصبح النور. فمن كان أصله العدم، لا يملك ان يجود، وانما ينالون اشعة النور الحقيقي، الذي يشع فيهم عندما يشتركون في الطبيعة الإلهية (2 بطرس 1: 4)، وعندما يتشبهون بالطبيعة الإلهية يدعون نوراً ويصيرون نوراً.

        فكلمة الله هو جوهرياً “النور”، وهو ليس كذلك من قبل النعمة بالمشاركة، ولا نال هذه المكانة عرضياً، ولا وهبت له كنعمة، وانما النور هو الصلاح غير المتغير للطبيعة غير المخلوقة، وهو ينطلق من الآب إلى وارث جوهره.

        والمخلوق لا يستطيع ان يحتمل ان يصبح النور، وانما يقبل النور مثلما تقبل الظلمة الاشعة، او كما توهب النعمة، وهذه هي المكانة التي اعطاها الابن بسبب محتبه للإنسان. واذن فهو وحده النور الحقيقي، والباقين ليسوا كذلك. ولأن الفرق بين الابن والمخلوقات عظيم جداً، أصبح تمييز ابن الله عن الخليقة، عظيماً هو ايضاً، لأن الطبائع مختلفة. فكيف لا يتراجع الاغبياء، او بالحري الذين وضعوا أنفسهم خارج دائرة الادراك السليم، اولئك الذين قالوا انه مخلوق، وجعلوا خالق الكل مثل المخلوقات، دون ان يدركوا الكفر العظيم الذي وقعوا فيه ولا الخطر الرهيب المحدق بهم، لأنهم “لا يفهمون ما يقولون، ولا ما يقررونه” (1 تيموثاوس 1: 7).

        والذين تدربوا على اختبار دقة الكلمات والحق الذي فيها، يعلمون ان الابن الوحيد لا يمكن ان يكون مخلوقاً، لأنه “النور الحقيقي”، وهذا لا يجعله مساوياً في طبيعته لأي مخلوق. وإذا تطلعنا إلى هذه الحقيقة من كل الزوايا المحيطة بها، يمكننا ان نرى الأفكار الخفية التي تدور حول أفكار هذه الحقيقة وهذا ما يجب ان نعرضه الآن.

        مبادئ تعلمنا ان الابن وحده هو النور الحقيقي، ولا يمكن لأي مخلوق ان يكون النور الحقيقي، ولذلك فطبيعة الابن ليست مثل طبيعة المخلوقات:

أولاً:

        إذا كان الابن هو بهاء (اشعاع) مجد الله الآب، ولذلك هو النور الحقيقي، فهو ليس من طبيعة مثل طبيعة المخلوقات، لئلا يصبح المخلوق هو ايضاً بهاء (اشعاع) مجد الله الآب، او لئلا يظن أحد ان المخلوق يمكن ان ينال هذه الامكانية مستقبلاً إذا كانت له طبيعة مماثلة لطبيعة الابن.

ثانياً:

        لو كانت الخليقة كلها تملك القدرة على ان تكون النور الحقيقي، فلماذا يعطى هذا اللقب للابن وحده؟ لأنه يجب بسبب المساواة بين الخلائق ان ينال الكل لقب النور الحقيقي. ولكن لا يوجد بين الكائنات من هو مؤهل لذلك، والوحيد الذي يمكن ان ينسب اليه هذا هو جوهر الابن الوحيد، وبالحقيقة اذن ومن الصواب ان ينسب اليه وحده وليس للمخلوقات على الإطلاق. فكيف يقال انه مثل الخليقة في الطبيعة وليس بالحري ينتمي إلى ما هو فوق الخليقة، لكونه فوقها مع الآب.

ثالثاً:

        إذا كانت المخلوقات التي جاء من العدم ليست هي النور، فان العكس ينطبق على النور الحقيقي غير المخلوق. والمناداة بأيهما يقود إلى نتائج مختلفة. فالابن هو النور الحقيقي، وهذا هو الحق، والمخلوقات ليست هي النور الحقيقي، لأن الاختلاف هو اختلاف الطبائع، وهذا يعني عدم وجود مماثلة.

رابعاً:

        لو كان الابن الوحيد ليس وحده النور الحقيقي، بل تشاركه المخلوقات في هذا، فكيف “ينير لكل انسان”؟ فلو كانت المخلوقات تمتلك هذا، لما احتاجت إلى ان تستنير بالابن. وحقاً هو النور الذي يشترك فيه الكل، وهذا يعني ان جوهر الابن غير جوهر المخلوقات، لأن الذي يشترك ليس مثل الذي يشترك فيه.

خامساً:

        إذا لم يكن الابن وحده هو النور الحقيقي بالطبيعة، بل كانت المخلوقات ايضاً لها هذا، الا يعد قولاً بلا لزوم ما جاء في المزمور “انظروا اليه واستنيروا” (مزمور 34: 5). فمن هو النور كلية بالحق، لا يمكن ان يصير نوراً بالمشاركة في آخر، ولا يمكن ان يستنير بانارة آخر، بل هو يتمتع بنقاوة كاملة من طبيعته الخاصة. ولكننا نرى ان الإنسان يحتاج إلى النور، لأنه مخلوق، وحقاً صرخ المرنم في المزامير بصوت عال إلى الله الكلمة “لأنك أنت تضيء سراجي، الرب إلهي ينير ظلمتي” (مز 18: 28). اذن نحن لسنا النور الحقيقي، وانما نحن بالحري مشتركون في الكلمة الذي ينير، وطبيعتنا غريبة عن النور الحقيقي، الذي هو الابن.

سادساً (مثله):

        إذا كان عقل الإنسان يدعى سراجاً، وهو ما يشير اليه المزمور “انت تضيء سراجي” فكيف يقال عنا اننا نحن النور الحقيقي؟ لأن السراج يحصل على نوره من مصدر آخر. أما إذا كان الابن الوحيد وحده هو الذي ينير الظلمة التي فينا، فهو النور الحقيقي، اما نحن فلسنا بالمرة النور الحقيقي. وإذا كان الأمر غير ذلك فكيف تكون طبيعة الابن مثل المخلوقات، وهو الذي يفوقها بغير قياس؟!

سابعاً:

        إذا كانت الخليقة تملك ان تكون النور الحقيقي مثل الابن، فالإنسان يصبح النور الحقيقي اذ هو جزء منها. فإلى من يوجه الله الآب كلامه وهو يعد الانبياء القديسين قائلاً: “ولكم ايها المتقون اسمي تشرق شمس البر” (ملاخي 4: 2)؟ فلماذا يحتاجون إلى نور الابن لو كان البشر هم حقاً النور بذواتهم. لكن الله الآب وعد ان يعطينا هذا النور، نحن المحتاجين لهذا، ونحن قد قبلناه واستنارت عقولنا، فالابن ليس مثلنا ومثل الخليقة له طبيعة مخلوقة، بل هو في جوهره الابن الوحيد، اذ هو النور الحقيقي الذي ينير كل من يحتاج للنور.

ثامناً:

        لو لم يكن الابن وحده هو النور الحقيقي، وكانت الخلائق تشترك معه في هذه الصفة ايضاً، فان هذا ينطبق علينا نحن ايضاً، فلماذا صرخ القديسون بصوت عال طالبين من الله “أرسل نورك وحقك” (مزمور 43: 3). ولماذا فكروا ان يطلبوا هذه المعونة لنا بهذه الكلمات؟ لأنهم ان كانوا قد عرفوا ان الإنسان يحتاج إلى النور، وان عليه ان يطلبه من آخر، فأي وأحد يستطيع ان يقول انه هو ايضاً النور الحقيقي؟ ولكن ان كان الإنسان غير محتاج إلى الكلمة الذي ينير، فلأي غرض يطلب منه القديسون ان ينيرهم ان كان لا يستطيع ان يساعدهم؟

        ولا يستطيع أحد ان يقول ان عقل القديسين لم يعرف الحق او ان الله الآب ارسل ابنه النور الحقيقي لمن لا يحتاجون إلى النور.

        اذن الابن الوحيد مختلف بالطبيعة عن المخلوقات، اذ هو النور الذي يضيء الذين بلا نور.

تاسعاً:

        إذا قلنا ان المخلوقات ينقصها النور، وان الابن الوحيد هو الذي ينيرها. فالمخلوقات لا تجد النور في ذاتها، اذن هي ليست النور الحقيقي مثل الابن.

عاشراً:

        إذا كان من هو بالطبيعة وبالحقيقة النور، وليس فيه ظلمة البتة، والابن الوحيد هو النور الحقيقي، وبالمثل كانت المخلوقات هي النور الحقيقي فلماذا يقول الكتاب عن الابن “والظلمة لم تدركه” بينما يقول بولس عن البشر “الذين فيهم إله هذا العالم قد أعمى اذهان غير المؤمنين” (2كورنثوس 4: 4) والمخلص نفسه يقول “سيروا في النور ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام” (يوحنا 12: 35). فواضح اذن للكل انه ما دام البعض يمكن ان تدركه الظلمة ما كان المخلص قد أشار إلى ذلك. فكيف يكون الابن الوحيد والمخلوقات، اذن، من ذات الطبيعة؟ وكيف يكون غير المتغير مع المتغير، والذي لا يقبل اي تبديل مع الذين يمكن ان تدركهم الظلمة ويحتاجون لنوال النور الذي ينالونه كعطية وليس نابعاً من طبيعتهم.

حادي عشر:

        إذا لم يكن الابن الوحيد هو وحده النور الحقيقي بل المخلوقات ايضاً، كمساوية له في الطبيعة، فكيف نصرخ نحن لله الآب قائلين “بنورك يارب نعاين النور” فلو كنا نحن النور الحقيقي، فكيف نستنير من آخر؟ ولكن ان كنا نحتاج إلى النور من آخر، فنحن بكل وضوح لسنا النور الحقيقي. لذلك ليس لنا طبيعة مثل طبيعة الكلمة لأنه بالطبيعة هو يفوقنا بغير قياس.

ثاني عشر:

        يقول ربنا يسوع المسيح في الانجيل “وهذه هي الدينونة، ان النور جاء إلى العالم، وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة، لأن كل من يفعل الشر يبغض النور، ولا يأتي إلى النور” (يوحنا 3: 19-20) ولكن إذا كان الابن الوحيد هو النور الحقيقي، والمخلوقات قادرة بالمثل على ان تكون النور الحقيقي، فكيف جاء هو لكي ينيرها، وقد أحبت الظلمة؟ فكيف تأتي الخليقة إلى النور ان كانت هي النور الحقيقي. لأن كل ما هو من الطبيعة ونابع منها هو ملك لها، اما الاشياء التي تختارها الارادة فهي ليست اصلاً ملكاً لها، وكمثال على ذلك ليس بالإرادة الذاتية يستطيع الإنسان ان يصبح انساناً عاقلاً، لأنه يكون له ذلك بالطبيعة، ولكن من يكون انساناً يمكنه بارادته الخاصة ان يكون صالحاً او شريراً، فالإرادة قادرة على ان تجعل الإنسان يحب الصلاح او العكس. فإذا كانت المخلوقات هي النور بطبيعتها، لأن هذا هو معنى “الحقيقي”، فكيف لا تأتي إلى النور؟ وكيف تحب الظلمة؟ فواضح انها بطبيعتها ليست النور الحقيقي، بل تصير نوراً باختيارها ان كانت تميل إلى النور او العكس برفضها للنور.

        فعلى المقاومين لنا ان يختاروا بين قولين! أما ان الخصائص التي تفوق الخلائق ليست كائنة طبيعياً في الابن، وهذا تجديف علني، يقول عنه الكتاب “الرب يستأصل الشفاة الكاذبة واللسان الناطق بالعظائم” (مزمور 12: 3) او ان اعترفوا يقيناً بأن خصائص الصلاح التي في الابن هي نابعة من جوهره، فعليهم ان لا يجعلوه وأحداً مع الخليقة او مثل الخليقة في الطبيعة، كما شرحنا.

ثالث عشر:

        لو كان كلمة الله ليس وحده النور الحقيقي، بل تملك الخليقة ايضاً ان تكون النور الحقيقي مثله، فلماذا يقول هو “أنا هو نور العالم؟” (يوحنا 8: 12) او كيف نحتمل ان يسلب أحد منا أسمى امتيازات طبيعتنا، ان كان ممكناً – بأية طريقة – ان نكون نحن ايضاً “النور الحقيقي”، اذ تملك الطبيعة المخلوقة هذا ايضاً؟ ولكن ان قال الابن الوحيد حقاً “أنا هو نور العالم”، يكون واضحاً انه بواسطة الاشتراك فيه تكون الخليقة نوراً – وليس غير ذلك. وإذا صح ذلك، فالخليقة ليست من ذات طبيعته.

رابع عشر:

        إذا لم يكن الابن وحده بالحق هو النور، بل هذا يخص الاشياء المخلوقة ايضاً، فماذا نقول عما كتب عنا “ولكنكم أنتم جنس مختار، كهنوت ملوكي. أمة مقدسة، شعب مختار، لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب” (1 بطرس 2: 9). فما هي الظلمة التي فينا، أو ما هي الظلمة التي كنا فيها، ان كنا نحن بالحقيقة النور؟ وكيف دعينا إلى النور ونحن لم نكن في الظلمة؟ ولكن المبشر بالحق لم يكن يخبرنا بالكذب لأنه كان صريحاً في قوله “هل أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم في” (2 كورنثوس 13: 3). فنحن قد دعينا من الظلمة إلى نوره العجيب. وإذا كان هذا حقاً، فالمخلوق ليس حقاً هو النور، بل الابن وحده بالحقيقة وبالضبط هو النور، اما المخلوقات فهي تصير نوراً باشتراكها فيه، ولذلك فهي ليست من ذات طبيعته.

“مختارات من الأسفار المقدسة، تجمع القراء ببساطتها إلى الاعتراف بأن ابن الله وحده هو النور الحقيقي، وان الطبائع المخلوقة تستنير بواسطته، دون ان تكون هي النور جوهرياً مثل الابن”.

اولاً:

        يقول المرنم “قد أضاء علينا نور وجهك يا رب” (مزمور 4: 6س)، فما هو نور وجه الآب الذي اضاء علينا اليس هو بكل يقين الابن الوحيد، ابن الله، رسم جوهر الآب ولذلك هو يقول “الذي رآني فقد رأى الآب” (يوحنا 14: 9)؟ وقد أضاء علينا، لأنه جعلنا مثله، فقد حفر انارته التي هي بواسطة روحه الخاص كصورة إلهية على الذين يؤمنون به، لكي يدعوا الآن مثله إلهة وابناء الله. لكن لو كانت المخلوقات هي النور الحقيقي، فكيف اضاء النور علينا؟ لأن “النور يضيء في الظلمة” (يو 1: 5) حسب صوت لابس الروح الذي لا يكذب. اذ كيف يظهر النور في وسط النور؟

ثانياً:

        يقول المرنم “نور أشرق للصديقين” (مزمور 97: 11) فإذا كان الصديقون في ذواتهم نوراً ولا ينقصهم النور فهو قول زائد بلا لزوم. ولكن إذا كان النور يشرق على من ليس فيه نور، فالابن الوحيد وحده هو النور، والمخلوق يشترك فيه، ولذلك فالمخلوق غريب عنه بالطبيعة.

ثالثاً:

        يقول المرنم “لأنهم اخذوا ارضاً لم تكن ملكاً لهم ولم يأخذوها بالسيف، ولم تخلصهم ذراعهم، وانما يدك اليمنى وذراعك ونور وجهك”. فنور وجه الآب هنا هو اعلانه عن ذاته بالابن في الروح القدس، وتدبيره الذي حققه عندما خلص اسرائيل وحررهم من عبودية المصريين. فإذا لم يكن الابن الوحيد وحده هو النور الحقيقي بل يشاركه اي مخلوق في هذا، فلماذا لم يخلص اولئك بالنور الذي فيهم بل احتاجوا إلى النور الذي يأتيهم من مصدر آخر؟ ولكن من الواضح ان الابن الوحيد أشرق بنوره على كل المخلوقات التي تحتاج إلى النور، فهو وحده النور الحقيقي الذي تأخذ منه كل المخلوقات كنعمة منه، فإذا صح ذلك فكيف تكون المخلوقات مساوية للابن في الطبيعة.

رابعاً:

        يقول المرنم “طوبى للشعب العارفين هتاف الفرح، بنور وجهك يسلكون يارب” (مز 89: 15). فلماذا لا يسير هؤلاء بنورهم؟ لماذا يطلبون النور من آخر؟ وكيف لا يخلصون الا بنور من آخر هو نور وجه الله الآب اي الابن؟ وهذا واضح جداً ان الكلمة هو الذي يعطي الاستنارة لكل المخلوقات لأن الكل يحتاج إلى الاستنارة، وكل المخلوقات تخلص بنوال ما ليس لها. فكيف يمكن اعتبار الابن الوحيد والاشياء المخلوقة بواسطته جميعاً من نفس الجوهر؟

خامساً:

        يقول المرنم “نور أشرق في الظلمة للأبرار” (مز 112: 4). فكيف يقول ان الابرار في الظلمة اذ هو النور الحقيقي ان كانت طبيعة المخلوقات تملك نفس النور مثل الابن الوحيد؟ ولكن إذا كان النور قد أشرق للأبرار لأنهم يحتاجون اليه فلسنا نحتاج إلى كلمات كثيرة. لأن طبيعة الاشياء المخلوقة ذاتها تصرخ عالياً معلنة انها ليس لها ذات الجوهر الكامل الذي له، وان المعطي بسخاء ليس من نفس جوهر الاشياء المحتاجة للعطاء.

سادساً:

        “قومي قومي يا اورشليم لأن نورك قد جاء ومجد الرب قد أشرق عليك” (اش 60: 1) إذا كانت طبيعة الاشياء المخلوقة لها النور من ذاتها وهو ما يخص الابن الوحيد كنور حقيقي فلماذا احتاجت اورشليم إلى النور؟ ولكن حيث انها اخذت الاستنارة كنعمة، فالابن الوحيد الذي يشرق عليها ويعطيها ما ليس فيها هو وحده النور الحقيقي. فهو ليس من ذات الطبيعة لأن الذي يمنح اورشليم لا يمكن ان يكون كأورشليم.

سابعاً:

        “ها أنا اجعلك عهداً مع الشعب، ونوراً للأمم” (اش 42: 6). فكيف يحتاج المخلوق العاقل على الأرض إلى نور لو كان النور الحقيقي من كيانه الطبيعي؟ لأن الله الآب يعطي ابنه كالنور الحقيقي للمخلوقات. لأن هذا النور ليس من طبيعة المخلوقات التي اذ تنإله تعلن بذلك عن فقر طبيعتها وعن غنى كرامة ذاك الذي ينيرها.

ثامناً:

        “يا بيت يعقوب، تعال لنسير في نور الرب” (اش 2: 5)، فلماذا يسير هؤلاء في نور الرب وليس في نورهم، ولكن أليس الابن الوحيد هو الذي يشرق عليهم ويزرع فيهم صلاح جوهره؟ لأنهم لا يملكون شيئاً.

تاسعاً:

        يقول المخلص “أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة” (يو 8: 12). فمن المخلوقات يمكنه ان ينطق بمثل هذا دليلاً على انه ولا وأحد منهم هو النور الحقيقي وعلينا الاعتراف بأن الابن هو النور الحقيقي.

عاشراً:

        يقول الرب: “ما دام لكم النور آمنوا بالنور لكي تصيروا ابناء النور” (يو 12: 36). ألا يفقد هؤلاء النور إذا لم يؤمنوا بالنور، ان كان ممكناً – بأية طريقة – للجوهر المخلوق ان يكون النور الحقيقي؟ وكيف يكون النور من طبيعة المخلوقات؟ ولكن حيث انهم ينالونه من آخر، فمن الممكن ان يفقدوه بالتكاسل. وطالما ان الارادة هي التي تعمل لكي تناله، فانه يمكن ان يستنير المخلوق ويمكن ان يفقد النور دون ان يتلاشى. مثلما يحدث في حالة انسان عاقل يعمل في بناء السفن، اتقن هذه الصناعة بإرادته، إذا اصيب بعارض في جسده فهو لا يفقد طبيعته العاقلة ولكن قد يفقد قدرته على بناء السفن، ولكن إذا استطاع ان يحصل على علاج وان يدفع عنه هذا العارض بواسطة الادوية امكنه ان يعود مرة ثانية لبناء السفن. وهذا يعني ان الاشياء التي هي من جوهره تظل فيه على الدوام، أما ما يتعلمه المخلوق فيمكن لأسباب كثيرة ان يفقده. وقياساً على ذلك لو كان النور من وبيعة المخلوقات وجوهرها، فكيف يفقد الذين لا يؤمنون النور، او كيف يصبح الذين يؤمنون ابناء النور؟ لو كانوا بالطبيعة، النور، لصاروا ابناء لذواتهم اي النور الذي فيهم. وماذا تكون مكافأة الذين يؤمنون لأن الذين لا يؤمنون يظلون ايضاً ابناء لذواتهم. من هذا الاعتبار يمكننا ان ندرك الحق ونقول ان الابن الوحيد وحده هو النور الحقيقي والمخلوقات تحتاج إلى النور لأنها من طبيعة مختلفة عنه.

حادي عشر:

        قال يسوع: “النور معكم زماناً قليلاً فسيروا في النور ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام” (يو 12: 35). وهذا القول بالذات يمكننا ان نصيغه بنفس صياغة البرهان السابق، لأن الذي هو النور بطبيعته لا يمكن ان تدركه الظلمة.

ثاني عشر:

        يقول يوحنا “الذي يقول انه في النور وهو يبغض اخاه فهو في الظلمة” (1يو 2: 9). اذن النور فينا بإرادتنا الحرة. فهو بالإرادة وليس بالجوهر حاضر في الاشياء المخلوقة. ولذلك كل من يكره اخاه هو في الظلمة. فالابن الوحيد هو بالطبيعة النور، وليس النور فيه بإرادته وكثمرة لحرية الاختيار. لذلك هو ليس من ذات الطبيعة المخلوقة بل هو فوق الكل بغير قياس.

ثالث عشر:

        قيل “من يحب أخاه يثبت في النور” (1يو 2: 10) اذن المحبة تعطي المخلوقات ما ليس فيها اي النور، اما الابن الوحيد فهو النور لذلك فهو ليس مثل الآخرين الذين هو فيهم بالمحبة.

([1]) باليونانية Angeloi اي ملائكة او رسل.

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج3 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الأول: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الثالث: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج3 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الرابع: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج4 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

الجزء الخامس: شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج5 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

 

الفصل الرابع

ضد الأنوميين الذين يقولون ان الكلمة الطبيعي في الله الآب هو غير الذي يدعى الابن في الأسفار المقدسة (تعليم أصحاب بدعة أونوميوس).

2- “هذا كان في البدء عند الله”:

        هنا لخص الانجيلي كل ما قاله سابقاً، ولكن عندما أضاف لفظة “هذا” فقد كان يصرخ عالياً، الذي كان في البدء الكلمة مع الآب، الإله من الإله، هو وليس آخر، والذي عنه نكتب هذا الكتاب. ولم يكن بلا معنى ان يضيف: “هذا كان في البدء عند الله”. فهو الذي استنار بالروح الإلهي وعرف ما سيحدث في المستقبل. ولم يكن الانجيلي يجهل، ان بعض الهالكين سوف يقعون في فخاخ الشيطان “وينحدرون إلى أعماق الهاوية”. (أمثال 7: 27) وسوف يقتنصون غير العارفين الذين سوف يصغون إلى ما يخرج من قلبهم الشرير. هؤلاء سوف يقومون ويعصون رأسهم المسيح، قائلين ان الكلمة الذي في الله الآب هو وأحد، وان هناك آخر مثل الكلمة الذي في الآب، هذا هو الابن والكلمة الذي بواسطته يعمل الآب كل الاشياء، لكي يعرف انه كلمة الكلمة، وصورة الصورة واشعاع الاشعاع.

        وكأن الانجيلي المبارك قد سمع تجاديف هؤلاء، فتحرك لكي يمحو غباوتهم وكتاباتهم، فحدد أكثر من مرة ان الكلمة وأحد، هو وحده من الله الآب، وفي الله ومع الله، ولذلك لخص كل ما قاله في هذا الصدد بجملة خاطفة سريعة مثل غمضة العين.

        “هذا كان في البدء عند الله”، اي الابن، الذي هو، مع الآب، والمولود من جوهره، فالابن الوحيد هو الذي يشار اليه بكلمة “هذا”.

        وانني اعتقد انه يلزم لنا ان نفضح كفر وتجاديف هؤلاء، من أجل أقصى سلامة ممكنة للبسطاء، (لكي يبتعد من يعلم ضلال هذه الهرطقة كما يبتعد الإنسان عن حية في طريقه). ولذلك سوف أناقش هرطقتهم بطريقة خاصة. فسوف نرد على ضلالهم بشكل منظم، حسب الحكمة التي يعطينا الله اياها من فوق.

رأي أنوميوس في ابن الله:

        يقول عن الابن الوحيد، انه ليس “الكلمة” بل هو كلمة من الله الاب يخدمه وهو معه. أما الابن الذي يقال انه مولود من الآب فهو الذي يقبل هذه الكلمة. والابن المولود هذا يعرف كل الاشياء من تعلمه اياها. وبسبب مشابهته للكلمة يدعى “كلمة”.

        ولكي يؤيد تجديفه، ينسج بعض أفكاره المتناقضة لكي يتم فيه القول عن الشرير انه يعلق بحبل خطاياه (أم 5: 22)، فيقول انه “لو كان الابن نفسه هو الكلمة من الله الآب الذي هو وأحد في الجوهر مع الذي ولده، فلماذا لا يدعى الآب ايضاً “كلمة” طالما انه وأحد مع الكلمة في الجوهر”. وايضاً “لو فاليهود لم يسمعوا كلمته بل كلمة الله الآب، فكيف لا يكون كلمة قال الآب له “أنت ابني انا اليوم ولدتك” (مز 2: 7)؟ فمن الواضح ان الآب لا يستطيع ان يتكلم معه بدون كلمة، لأن كل ما يقال انما يقال بكلمة وليس بطريق آخر. والمخلص نفسه يؤكد ذلك بقوله “أنا اعرف الآب وأحفظ قوله (كلمته) (يو 8: 55). وايضاً “الكلمة التي تسمعونها ليست لي بل للآب الذي أرسلني (يو 14: 24). كل هذا يؤكد ان الآب عندما يتكلم معه فهو يتكلم معه بكلمة. وها هو نفسه يعترف بذلك. فوأحد يحفظ كلمة الله والآخر هو كلمة الله الذي يتكلم به الآب. فاليهود لم يسمعوا كلمته بل كلمة الله الآب، فكيف لا يكون لدينا يقين بأن الابن ليس هو الكلمة التي تولد في العقل، ومن كل هذا يظهر لنا ان الادعاء بأن الابن هو الكلمة هو أمر مضاد للعقل، لأن الكلمة انما تعبر عن جوهر الآب، بينما الابن ليس كذلك”.

        هذا هو المرض الخطير الذي أصاب هذا الإنسان الاحمق “انوميوس” ورغم وضوح الأسفار الإلهية، الا ان هذا الوضوح لا يجعله يخجل من نفسه، لأن الإنسان الشرير عندما يصل إلى أعماق الشر يصاب بخيبة أمل ويحتقر نفسه (أم 18: 3). وحقاً فإن هذا الإنسان المقاوم لله قد أصاب نفسه اصابة بالغة، فقد وصل إلى العدم الذي حفر له حفرة غباوة عميقة وسقط فيها لأنه رفض الطريق المستقيم اي طريق الحق والتفت حوله جذور براهينه ومنعته من التوبة.

        ومن ناحيتنا سوف نثبت ان ابن الله الوحيد، وابن الآب، هو كلمته.

        الرد على أنوميوس: الهرطوقي بطيء في التعلم لأن “الحكمة لا تدخل النفس الشريرة” (حكمة 1: 4). وهل يمكن ان يكون ما هو أكثر فساداً من هؤلاء الناس الذين يسدون إذانهم عن سماع كلمة الدينونة في الأسفار المقدسة “ويل للذين يتنبأون من قلوبهم وليس من فم الرب” (ارميا 23: 16). ومن يتكلم بكلمة الرب الصادرة من فمه لا يقول يسوع ملعون (أناثيما) (1كو 12: 3). هذا ما يفعله غير المدربين في حمو غضبهم ضد التعليم الصحيح المؤدي للحياة، وكما قال أحد الانبياء “يعوجون كل مستقيم” (ميخا 3: 9). يقولون إن كلمة الله الطبيعي والكائن في الآب هو آخر غير الذي يعرف باسم الابن، ويؤكدون كفرهم بكلام ربنا يسوع المسيح مع اليهود لا سيما قوله “أنا أعرف الآب وأحفظ كلمته” (يو 8: 55). أو ما قيل بواسطة الآب للابن “من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك” (مز 110: 3س). وهكذا يصبون سم أبيهم الشيطان لأنهم يعتقدون ان المتكلم غير الذي يتكلم معه، وان الآب يتكلم مع الابن بواسطة كلمته الذاتي، وهذا يعني ان الكلمة الذاتي غير الابن. وايضاً يقول “طالما ان الابن نفسه يعلن انه حفظ كلمة الآب، فمن يحفظ غير الذي حفظ. هذه النقطة بالذات ليست صعبة لأنه مكتوب “الرب يعطي قوة للمبشرين بالكلمة” (مز 68: 11 سبعينية). وهؤلاء المرضى بالجهل عليهم ان يتذكروا الذي قال “ويل للذين يتركون الطريق المستقيم طريق البر ويسيرون في طرق الظلمة” (امثال 2: 13). أما بالنسبة لنا فعلينا ان نصرخ لمن في السماء ونقول له “حول عيني عن النظر إلى الأباطيل” (مز 119: 37). هذا الباطل والوسخ والذي بلا شيء، هو الذي ينطقون به عن جهل. فهم لم يكتفوا بما يقولون بأن للآب كلمة غير الابن الكلمة، بل يدعون بأن الابن حفظ الكلمة من الآب، وايضاً بأنه عندما جاء في الجسد، أحضر معه الكلمة كمربي، وهذا كله يعني في النهاية ان الابن ليس هو وحده الذي في الآب، والآب فيه، لكن الذي قال “أنا في الآب والآب في” (يو 14: 11)، لا يمكن ان يكون آخر غير الكلمة الذاتي، فهو وحده الذي في الآب، وليس كلمة آخر. “الآب في” وليس “الكلمة في”. لكن ما معنى الكلام الذي قاله لليهود. يقول الحق الذي يشرق على عقولنا ان المخلص كان يعلم اليهود ويجذبهم اليه شيئاً فشيئاً لأنهم شعب غليظ الرقبة وأراد ان يبعدهم عن العبادة حسب الناموس بقوله “أنا الحق” (يو 14: 26). وكان بذلك يدعوهم إلى ان يخلعوا نير الناموس وان يقبلوا العبادة حسب الروح، لأن الظل يجب ان يبتعد والرمز يذوي، والحق يشرق، ولكن بالنسبة لكثيرين لم يبدو لأي منهم انه يعمل الحق، بل أنه يهدم وصايا موسى، بل لقد ظنوا فيه ما هو أسوأ من هذا حتى ان بعضهم صرخ قائلاً لو كان هذا الإنسان من الله، ما كان قد كسر السبت، وكان هذا اتهام بخطيئة لم يرتكبها.

        كان إذا يرد على غباوة اليهود، ولذلك تحدث معهم بطريقة خاصة، استخدم فيها اسلوباً يعتمد على البطء في الإعلان، وتقديم القليل، حتى ان الابن الذي لا يعرف خطية، لا يعمل شيئاً سوى ما هو صالح أمام الله الآب فقط، ودون ان يقول بكل صراحة اني لم أعرف الخطية، لأن هذا معناه ان يجموه على الفور. لأنهم كانوا يفورون بالغضب، وكانوا سيهجمون عليه فوراً قائلين ان عدم الخطية خاص بالله وحده. وكانوا سوف يتهمونه ويقولون له فأنك وانت انسان تنطق بما يخص الله وحده. وهذا ما حدث في مناسبة أرادوا ان يرجموه فيها بسبب واضح عندهم لأنه وهو انسان يجعل نفسه إلهاً (يو 10: 33) وبشكل غير مباشر فان المخلص، كانسان، وتحت الناموس، مع الذين هم تحت الناموس يقول انه يحفظ كلمة الآب، دون ان يعني بذلك انه هو غير كلمة الآب، بل يعني انه لن يتعدى ارادة الآب. لأن تعدي الناموس الإلهي خطية واضحة. ولكنني لا أعرف خطية، لأنني الله بالطبيعة، ومع ذلك سوف لا أتعدى الآب في تعليمي ولن أتعدى ما قاله الآب. ولا يعترض أحد على ذلك الذي هو بالطبيعة معطي الناموس. ولكنه بسبب مشابهته لنا هو حافظ للناموس ولكنه يقول انه يعرف الآب ليس كما نعرفه نحن، وانما لأنه هو الله، يعرف الآب، بسبب وحدة الطبيعة الإلهية. وانما لأنه يعرف ان الآب بلا تغيير، بل لا تقبل طبيعته اي تغيير، يقول لنا انه يعرف ذلك، لكي نعرف نحن انه هو ايضاً بلا تغيير، وهو غير المتغير من الآب غير المتغير. ولذلك الذي لا يعرف اي تغيير. كيف يمكن ان يخطئ؟ ألا يظل بلا خطية لأن كل صفاته إلهية لا تقبل النقص والنمو!! باطل اذن تصور اليهود بأن الابن هو خارج مشورة الله الآب، وانما هو يحفظ كلمة الآب، لأن طبيعته لا تعرف الخطية، ولأنه يعرف ان الآب لا يحتمل ان يخطئ وهو وأحد معه في الجوهر، لأنه ابنه الوحيد. لكن هذا لا يكفي للرد، وانما حيث انهم يضيفون إلى شرحهم النص المعروف “من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك” علينا ان نشرح كلمة التقوى في هذا الموضوع.

        ليس لأن الآب قال هذا للابن فيصبح في الآب كلمة ذاتي، غير الابن. بل علينا أولاً وقبل كل شيء ان ندرك ان النبي نطق بهذه الكلمات السرية بالروح، لكي يرشدنا إلى أقنوم الابن، ويدخلنا اليه وهو يسمع الآب قائلاً له: “أنت ابني” وما يتبع ذلك. ومن الحديث نفسه ندرك ان صياغته تتفق مع الصياغة البشرية لأي حديث. لكن حتى هذه الصياغة لا تلزمنا بأن نعتقد بوجود كلمتين، بل يستخدم الحديث طريقتنا نحن البشر في التعبير وهو ما لا يمكن تجاوزه، وان شئنا ان نلوم أحداً عليه فليس أمامنا سوى ضعف الطبيعة البشرية التي ليس لديها كلمات ولا أفكار ولا مصطلحات تخدم بشكل دقيق بلا اخطاء عن الأمور الإلهية، هذا يجعلنا ندرك ان الطبيعة الإلهية أسمى من كل إدراك العقل بل تعلو عليه ولا يمكن التعبير عنها كما هي، بل يمكن الكلام عنها في اطار الادراك البشري.

        وإذا لم يفهم الهراطقة غير المقدسين هذا، وحاولوا اساءة استخدام هذه الكلمات او ما يشبهها، فلابد لهم ان يفهموا ان الحديث مقصود منه ان نرك حقائق عالية، ولو حاولوا الادعاء بأن مثل هذه الكلمات يجب ان تؤخذ كما هي حرفياً، فانه لن يوجد ما يمنعهم من تصور ان الآب يلد مثلما نلد نحن، ولن يوجد ما يمنعهم من انكار وجود بطن للآب وآلام الولادة، طالما انه يقول للابن “من البطن ولدتك” ولكن إذا قالوا انه بسبب الشبه بيننا وبين الله، نستخدم الكلمات عن ولادة الابن، وأنها في إطار التقوى يجب ان تفهم. فان هذا يحل المشكلة. لأن التشبيهات يجب ان تؤخذ بشكل غير حرفي مما يقضي على تعليمهم الفاسد والمر.

        ان ما ذكرته هنا يكفي، ولكن حيث اننا قررنا ان نقضي تماماً على البراهين الغبية التي يستخدمونها، وان نبني التعاليم المستقيمة، علينا ان نهاجم كل فكرة بلك غيرة وقوة وأن نتسلح بالحق المنتصر دائماً. سوف نسجل اعتراضاتهم أولاً وبترتيب، تم الرد، لكي يكون الرد دقيقاً واجابة على كل فكرة مثل ذلك يجعل استعداد القارئين للتعليم، أكثر.

اعتراضات الهراطقة:

        “إذا لم يكن لدى الآب كلمة من جوهره غير الابن الوحيد الذي لا ننكر انه من الآب، والذي يدعى كلمة لأنه يتشبه بالكلمة الذي من الآب، فان قبول النتيجة مستحيل، ونحن الذين نفكر بشكل صائب، نجد أنفسنا مضطرين للاعتراف بأن الآب نفسه كلمة، طالما انه وأحد في الجوهر مع الكلمة، والكلمة وأحد في الجوهر معه.

الرد:

        لا يوجد دليل ايها الذكي يلزمنا بأن نؤمن بأن الآب نفسه يجب ان يسمى كلمة لأنه وأحد مع الكلمة في الجوهر. لأنه ليس صحيحاً ان الاشياء التي لها نفس الجوهر والتي لها نفس الطبيعة يمكن ان يتحول كل منها إلى الآخر او ان تتبادل ما بينها إلى حد ان تصبح خليطاً، حتى انها يمكن ان تصبح كلها وأحدة متعادلة بلا تمايز، او تصبح الكثرة فيها وأحداً وتذوب كل مظاهر التمايز. والدليل على ذلك الطبيعة الإنسانية نفسها الواحدة التي رأسها آدم أبينا جميعاً وهو وأحد في الجوهر مع ابنه المولود منه، ولكن هذه الوحدة في الجوهر مع ابنه المولود منه، ولكن هذه الوحدة في الجوهر، لا تجعل آدم ابناً كما لا تجعل ابن آدم أباً لآدم، بل كل فرد في الطبيعة الإنسانية يحتفظ بما له من صفات وقدرات، حتى ان الآب يظل آباً والابن يظل ابناً.

        أما إذا كنتم تظنون انكم تهيئون برهاناً ذكياً، وتحاولون ان تفرضوا على وحدة الجوهر الاختلاط، وانعدام التمايز، حتى لا يبقى كل أقنوم كل هو، بل يذوب ويختفي في الآخر، فما الذي سوف يمنع ديان الكل من ان يعاقب الابن على ذنب ابيه. او الآب على ذنب ابنه، مع ان النبي يقول “النفس التي تخطئ تموت” الابن لا يحمل ذنب الآب والا الآب ذنب الابن” (حزقيال 18: 20). ولكن الذي يفضي بالعدل لا يعاقب الآب على ذنوب ابنه رغم ان الآب والابن من جوهر وأحد، لان الآب ليس ابناً، والابن كذلك ليس أباً، وكل منهما له مسئولية خاصة به في الابوة والبنوة، والله يعرف كل منا كفرد في ذاته، فلا يتحول أحد إلى الآخر ويرتفع إلى ذات مكانة الآخر، كما انه لا ينحدر ايضاً إلى مكانة الآخر.

        من هذا يصبح واضحاً انه لا يمكن مطلقاً البرهنة على ان الله الآب بسبب وحدة الجوهر، سوف يتحول إلى الكلمة، فالآب له أقنومه الخاص به الذي لا يمكن ان ينتقل إلى آخر، ورغم انه يلد الابن الكلمة، الا انه يظل كما هو في ذاته، اي الآب، وذلك لكيلا تظهر الأمور الإلهية انها أقل من المستوى الخاص بنا نحن البشر.

        برهان آخر يشبه الأول، ويعتمد على استحالة النتيجة التي يصل اليها الخصم:

        لا اختلاف بين الابن والآب، لأن الابن هو صورة جوهره ورسم أقنومه (عب 1: 23). والابن يقول لتلاميذه “الذي رآني فقد رأى الآب” (يو 14: 9). فإذا قال الابن ذلك وكانت وحدة الجوهر حسب ادعاء الخصم تعني التحول والاختلاط في الأقانيم، فليس ما يمنع الابن – حسب ادعاء الخصم – من ان يصبح الآب، فليس ما يمنع الابن – حسب ادعاء الخصم – من ان يصبح الآب، طالما ان وحدة الجوهر تعني التغيير والانتقال. وإذا افترضنا ان الابن صار الآب فانه يقول للآب الحقيقي “من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك” (مز 110: 3س)، ويمكنه ايضاً ان يستخدم لنفسه كل كلمة قالها الآب وخاصة بالآب. وإذا تم ذلك فقط وصل كل شيء إلى أقصى حالات الفوضى، ويتقلص الثالوث الكائن منذ الأزل، إلى وحدانية فقط، طالما ان كل ما يميز كل أقنوم قد تبدد وذاب، بسبب وحدة الجوهر (كما يفهمها الخصم)، وبذلك فان تماثل الطبيعة يلغي تمايز الاشخاص (الأقانيم). هذا طبعاً مستحيل. إذا لا يمكن ان يصبح الآب هو الكلمة، بسبب وحدة الجوهر مع الكلمة، بل يظل كما هو متمايزاً كأقنوم رغم شركته في الجوهر مع الكلمة. وبذلك يظهر ان اعتراضهم على التعليم السليم هو لا شيء.

        برهان آخر: إذا كانت كل كلمة تصدر من انسان، هي نابعة من قلبه وتظهر على لسانه تصبح هي الشخص نفسه، وبسبب وحدة الجوهر يمكن ان يتحول الشخص إلى كلمة، والكلمة إلى شخص، حسب تفكير الخصم، فكذلك يصبح الآب كلمة، لأنه وأحد في الجوهر مع الكلمة، ويصبح الآب هو كلمته، اي يفقد وجوده تماماً، عندما يصبح كلمة. وهنا يحدث المستحيل، فقد صار الآب كلمة ففقد وجوده كآب، ولم يعد هناك كلمة ايضاً، لأن الكلمة تنسب إلى شخص وهذا الشخص اختفى او تبدد.

        لكن الطبيعة الإلهية لا يمكن ان يتحول اقنوم فيها إلى عدم الوجود، او إلى أقنوم آخر. ولذلك لا يمكن ان يتحول الآب إلى الكلمة رغم انه وأحد في الجوهر مع الكلمة، بل يظل الآب كما هو آب، كما يظل الابن الوحيد هو الكلمة.

        برهان آخر: إذا كنا نؤمن ان الجوهر الإلهي لا يقبل التغير او التحول، فكيف يمكن لأقنوم الآب ان يتحول عن وضعه كأب. ويصبح الكلمة؟ هذا يعني تغير ويعني ان الآب يتحول عندما يتكلم مع الابن، وبذلك لا يصبح كما كان عليه في البدء. ولكن هذا مستحيل، لأن التغير غريب على الطبيعة الإلهية، فالآب يظل كما هو بدون ان يتحول إلى الكلمة، بل يظل إلى الأبد الآب، بدون تغير او تحول كإله.

        برهان آخر مثله: يعلن الكلمة الابن الوحيد انه الإله الحق من الإله الحق اي الآب، ويقول “كل ما للآب فهو لي” (يو 16: 15). ومع ان الابن هو وارث لكل الخصائص في طبيعة الآب لأنه مولود منه بالطبيعة الإلهية، الا انه لم يأخذ الابوة، فالأبوة خاصة بالآب وحده. وبذلك لا ينقص الابن شيئاً مما للآب، مع انه ليس الآب، وانما يأخذ في ذاته كل خصائص جوهر الآب، وإذا اعتبرنا ان نفس المبدأ ينطبق على الآب، فهو له كل خصائص الابن ما عدا البنوة، او ان يصبح الكلمة، ولكن لأنه عديم التغير يظل كما هو مثل الكلمة العديم التغير والذي ظهر منه، اي الابن.

        برهان آخر: وجد الله واضع الناموس ان بعض الناس أخطأ فقال عنهم بلسان النبي القديس “لم يميزوا بين الطاهر والنجس” (خر 22: 26). والذين يميزون يدركون الفروق الاساسية بين الطاهر والنجس. ولكن إذا كانت وحدة الجوهر كما يدعى الخصم يمكن ان تختلط، رغم وجود أفراد، ويصبح في قدرة كل فرد ان يأخذ الطبيعة التي يشاء، فمن الذي يمكنه ان يفصل بين الطاهر والنجس، طالما انه لا يمكن التمييز بين الافراد الذين يشتركون في طبيعة وأحدة، وهذا يعني ان يهوذا الخائن يمكن ان يصبح بطرس او بولس، طالما انه وأحد معهم في الجوهر الإنساني، او ان يتحول بطرس إلى بولس. هذا مستحيل اذن وحدة الجوهر، لا تلغي الفروق والتمايز بين الأفراد الذين ينتمون إلى طبيعة وأحدة فإذا كان هذا ينطبق على الطبيعة الإنسانية الضعيفة، فكم يكون بالنسبة للجوهر الإلهي الفائق، وكم يكون خطأ ان نتصور ان الله الآب يصبح الكلمة بسبب وحدة الجوهر. فهو أقنوم الآب منذ الأزل. وهذا ليس اعتداء على كرامة الابن، بل تأكيد على تمايز الابن ايضاً، واعتراف بأن الآب والابن لهما ذات الطبيعة الإلهية الواحدة غير المتغيرة، ولكل منهما صفته الأقنومية الخاصة به التي لا تسمح للابن ان يكون الآب او الآب ان يكون الابن، بل يظل كل منهما أقنوماً متميزاً في وحدة الجوهر.

اعتراض للهراطقة:

        يقولون: “أنتم لا تفكرون بشكل صائب، لأنه من الصواب ان نعتقد ان الكلمة الذاتي في الله الآب ليس هو الابن ومع اننا نسمعه يقول “أنا اعرفه وأحفظ كلمته” (يو 8: 55)، فإذا كان كما أكد هو، يحفظ كلمة الآب، فانه من الواضح انه غير الآب، ويجب بالضرورة ان نقول انه يوجد ما يميز الذي يحفظ الكلمة، عن الكلمة التي تحفظ”.

ردود متعددة توضح بشكل قاطع ان الابن هو كلمة الله الآب:

        لو كان الابن الوحيد الذي من الآب هو آخر غير الكلمة “الذي يصفونه بأنه الكلمة الذاتي الكائن في الله، فعلى هؤلاء الذين يقولون هذا الرأي المضاد ان يخبروننا، هل هذا الكلمة الذاتي اقنوم ام لا. فإذا قالوا انه كائن بذاته، وله كيان متميز، فان هذا يعني الاعتراف بوجود ابنين، وإذا قالوا انه بلا كيان متميز، إذا لا يوجد وسيط او طرف ثالث بين الآب والابن.

        برهان آخر في نفس الاتجاه: حدد المعارضون للإيمان وجود كلمة في الله الآب، وحسب خيالهم المريض فان هذا الكلمة الذاتي هو الذي يشير على الابن ويعلمه وصايا الآب ومشوراته. وسوف نرى غباوة عقيدتهم.

        بادئ ذي بدء يبدو حسب رأيهم ان اسم الآب لا علاقة له بالمرة بالابن، والا ما معنى الآب بالنسبة للابن، او الابن بالنسبة للآب، طالما ان هناك طرف ثالث بينهما يفصل الابن عن الآب. اذن فليس الآب أباً، ولا الابن ابناً، إذا اعتقدنا بأن ارادة الله الآب في كلمة ذاتي غير الابن، وهذا الكلمة الذاتي يتوسط بين الآب والابن. والنتيجة النهائية هي ان ارادة الآب ليست في أقنومه، ولا ارادة الابن في اقنومه، بل في الطرف الثالث الذي اخترعوه.

        لكن إذا افترضنا ان الطرف الثالث الذي اخترعوه ليس له اقنوم فان الابن يصبح في الآب دون وسيط، فاين يبقى مكان الكلمة الذاتي الذي اخترعوه.

 

برهان آخر يؤكد استحالة الافتراض الذي اخترعه الهراطقة:

        نحن نؤمن بأن الثالوث القدوس المسجود له له جوهر وأحد، رغم جنون الهراطقة الذي يمنعهم من الايمان. ووحدة الجوهر تفترض وجود مساواة في الخصائص الطبيعية بين الأقانيم، فإذا عدنا إلى افتراض الهراطقة الذي يتوهم وجود كلمة في الآب غير الابن الكلمة، فان المساواة تفترض ايضاً وجود كلمة ذاتي في الابن، طالما ان الابن مثل الآب في كل شيء وهو صورة جوهره ورسم اقنومه (عب 1: 3)، وايضاً الروح القدس هو ايضاً طالما انه مساوي للآب والابن فيه كلمة ذاتي. وهذا يعني ان الثالوث صار سداسياً، واصبحت الطبيعة الإلهية مركبة. وهذا مستحيل، فالجوهر بسيط غير مركب، لا يوجد فيه الا ثلاثة أقانيم، ولا يوجد وسيط بين كل أقنوم وآخر، بل هو جوهر وأحد للثالوث القدوس لا اختلاط فيه بين الأقانيم.

        برهان آخر: عندما تستعمل الاسفار المقدسة اسماء وتضيف اليها أداة التعريف “ال” فهي تقصد ان تتحدث عن كائن معين وليس آخر. وعندما لا توجد أداة تعريف “ال” فان الاسم يصبح عاماً يمكن ان يشترك فيه أكثر من وأحد. ومثال على ذلك، يوجد كثيرين دعوا إلهة. ولكن عندما يكون المقصود هو الله فان أداة التعريف تستخدم للدلالة عليه هو بذاته وليس آخر، فان عدم استخدام أداة التعريف “ال” معناه وأحد من هؤلاء الذين بالنعمة دعوا إلهة. وعلى نفس القياس، يوجد بشر كثيرين، ولكن عندما يستخدم المخلص أداة التعريف “ال” ويتحدث عن ابن الإنسان، فهو يقصد الكلام عن نفسه، كوأحد مخصص ضمن آلاف فإذا كانت الاسماء تعامل هكذا في الاسفار المقدسة، فكيف تفهم هذه العبارة، “في البدء كان الكلمة”. إذا كان المقصود من هذا كل كلمة من كلمات الله، فدع الخصوم يعرفوننا ذلك. لكن إذا كان الانجيلي يستخدم أداة التعريف “ال”، ويخصص الكلام عن وأحد معين، هو المقصود به “الكلمة” فان هجومهم قد أصاب لا شيء، بل بدلاً من الايمان بالكلمة، اخترعوا بديلاً له في الآب لكي يفصلوا الابن عن جوهر الآب. أما وقد ظهر ان هذا مستحيل، فاننا لا نملك الا ان نرفض مشورة الهراطقة.

برهان آخر يوضح ان الكلمة هو الابن نفسه المساوي للآب وانه ليس كلمة ذاتي غيره:

        لو كان الابن الوحيد، ابن الله دعي – حسب زعم الهراطقة – كلمة لأنه يأخذ المشورة من كلمة ذاتي في الآب، فلماذا لم يقل المخلص للتلاميذ “أنا وكلمة الآب وأحد” “والذي رآني فقد رأى كلمة الآب” ولكن حيث انه لا يوجد كلمة آخر غيره، بل هو وحده الابن الوحيد، فالابن ينسب نفسه للآب فقط، دون وسيط بل للآب الذي ولده من جوهره.

اعتراض من الخصوم:

        يقولون “لقد وجدنا ان الابن غير الكلمة الذاتي وهذا ليس اختراع وأوهام عقولنا بل ما تؤكده الأسفار المقدسة. ماذا نقول عندما نسمع الابن يقول للآب “مجد ابنك” (يو 12: 28).

        والآب يجيبه “مجدت وسوف أمجد ايضاً”؟ ألا يستدعي هذا الافتراض بأن الآب يجيب على الابن بكلمة؟ أليس الكلمة الذاتي هو المقصود والذي به يجيب الآب على الابن”.

ردود مختلفة مرتبة على هذا الاعتراض:

        ان الهراطقة غير المقدسين يستحقون النوح والدموع، بل وايضاً العجب، بل علينا ان نقول ما قاله النبي “لا تبك على الموتى ولا تندبهم، بل ابك بحرقة على كل من” يفكر ويتفوه بهذه الكلمات على الابن الوحيد (أرميا 22: 10) فهل يوجد من هو أكثر شقاوة من هؤلاء، لأنهم لو تصوروا ان هذا فعلاً صوت الآب نفسه الذي لم يسمعه فقط المخلص، بل والجموع الواقفة من اليهود، بل جماعة التلاميذ انفسهم؟ لقد كان بالأحرى ان يتصوروا الأمور التي تليق بالله وبكرامته وليس اخضاع هذه الأمور العالية إلى القوانين الخاصة بالحياة الإنسانية.

        ان السماع بالاذن يتطلب صوتاً يخرج من الفم إلى إلهواء او الذي لم يسمعه فقط المخلص، بل والجموع الواقفة من اليهود، كما لو كان مثل حركة العقل، والابن وحده يعرفها الذي هو في الآب بالطبيعة وهو حكمة الآب.

        أما الافتراض بأن الله يستخدم صوتاً مكوناً من مقاطع، فهذا ما لا يقبله العقل، طالما اننا نحفظ للطبيعة الإلهية كل ما يخصها ويجعلها تتفوق وتعلو على الخليقة. كما ان ربنا يسوع المسيح نفسه لم يقل ان هذا صوت الآب، وقيل ان هذا الصوت لم يحدث لأجله هو، بل انه لا يحتاج لآخر لكي يعلمه ارادة الآب ولذلك قال “أن هذا الصوت لم يصر لأجلي، بل لأجلكم” (يوحنا 12: 30) وكان الأجدر به ان يقول يا أصدقائي الأعزاء – لو كان رأيكم على صواب “لقد سمعتم معي صوت الآب” ولكنه قال العكس، وأعلن انه لا يحتاج إلى هذا الصوت، وانما جاء الصوت لأجل الواقفين.

        وهذا يعني ان الآب لم يتكلم، كما يتكلم البشر، وانما اعطى هذا الصوت لأجل الجموع. وإذا كان الآب يعمل كل شيء به اي بالابن، فقد تم هذا بالابن ايضاً، اي كان هو الصوت والاعلان وليس المحتاج إلى المشورة وإلى ان يتعلم ارادة الآب، التي يعرفها كابن، وانما جاء الصوت لكي يسمع الواقفون ويؤمنوا به.

        برهان آخر: لو صح كلامهم بان الابن يحتاج إلى كلمة ذاتي غيره في الآب لكي يعلم مشيئة الآب ومشورته فكيف نفهم قول بولس “المسيح قوة الله وحكمة الله”؟ (1كورنثوس 1: 24). كيف يكون الابن هو كلمة الله، وهو ناقص الحكمة ومحتاج ان يتعلم مشورة الله وان ينمو إلى الكمال الذي يحصل عليه من آخر ولو صح كلام الهراطقة لوجب علينا ان نقول ان عبارة بولس السابقة تعني ان حكمة الآب ناقصة، وإذا كان الابن هو حكمة الآب، فكيف تكون ارادة الآب معروفة لآخر غير الابن. لأن هذا يعني ان ارادة الله الآب ليست كاملة بالحكمة، اي الابن. ما أعظم هذا التجديف، وما أشد هذا الكفر. فليس هو الابن الذي يقبل ارشاداً من آخر لكي يعلم ارادة الآب، بل هو حكمة ومشورة وارادة الله الآب، لأنه يفحص كل شيء حتى أعماق الله، كما هو مكتوب عن الروح القدس ايضاً (1كو 2: 10).

        برهان آخر: تقدم لنا الأسفار المقدسة الابن على انه صورة ورسم جوهر الآب، والمخلص نفسه يقول “الذي رآني فقد رأى الآب” ولكن إذا كان الابن مثل الآب ومساوياً له. ولا يعرف ذاته ولا من هو، فعليه ان لا يتكلم ويعلن الآخر، بل عليه ان ينتظر حتى يتعلم من الآب. بل ان هذا يقودنا إلى ان نقول نفس الشيء عن الآب، طالما انه مساوي للابن .. وهذا مستحيل .. لأنه ادعاء بأن الجهل من صفات الطبيعة الإلهية، ولما كان من الكفر ان نفكر بهذا الشكل فعلينا ان نقبل التعليم الصحيح فهو نافع ومعين لنا.

        برهان آخر: يقول بولس عن الروح القدس “انه يفحص كل شيء، حتى أعماق الله” ويضيف “لا يعرف الإنسان الا روح الإنسان الذي فيه، كذلك أمور الله لا يعرفها أحد الا روح الله” (1كورنثوس 2: 10-11) فإذا كان الروح القدس يميز بدقة ويفحص كل شيء، والروح ليس روح الآب فقط، بل هو روح الابن ايضاً، فكيف يكون فيه الروح بسبب وحدة الجوهر، ويظل لا يعرف كل شيء، بل لا يعرف ارادة الآب؟ هراء هذا الادعاء الباطل ضد الحق، لأنه واضح لكي من يريد ان يعرف، ان الابن لا يتعلم ارادة الآب. وبذلك يهلك تماماً الادعاء بأن الابن يحتاج لكلمة ذاتي لكي يتوسط بينه وبين الآب ويعلمه الحكمة. وهذا يجعل مشورتهم الباطلة المؤسسة على عدم ادراكهم تتبدد تماماً، لأن الابن يعلم كل شيء من ذاته.

برهان مبني على استحالة رأي الخصم:

        الذين يتهجمون على أقنوم الابن الوحيد وجوهره قائلين انه لا يعرف ارادة الآب، وبالتالي احتاج لأن يتعلم من معلم آخر وهو الكلمة الذاتي الذي اخترعوه، فان عليهم ان يقولوا لنا، هل سيظل رأيهم قادراً على الثبات، خصوصاً إذا سألناهم، هل الكلمة الذاتي الذي اخترعوه، مساو للابن، وعلينا ان نعترف معهم انه له أقنوم وكيان خاص به، وان كانوا هم لم يحددوا سواء أكان الكلمة الذاتي أقل او أسمى من الابن. إذا قالوا انه أعظم وأسمى من الابن، فان هذا اتهام ذو حدين موجه للابن والآب معاً، أولاً اتهام وكفر بالآب لأنه ولد من هو أقل منه، بينما سمح بوجود كلمة ذاتي أعظم وأسمى. أما ما هو أعظم استحالة، هو انهم يدعون ان الآب أقل من الكلمة الذي اخترعوه، لأن الآب مساو للابن، والكلمة الذاتي أعظم من الابن، وبالتالي أعظم من الآب.

        ولكن أغلب الظن انه سوف يتراجع الهراطقة عن هذا التجديف ويقولوا لا ان الكلمة الذاتي، مساو للابن في الجوهر، وهنا تصل إلى النقطة الأخيرة في الموضوع كله.

        كيف يعلم الكلمة الذاتي الابن وهو مثله ومساو له؟ وكيف مع المساواة في الجوهر يصبح وأحد يعلم والآخر لا يعلم بل ويحتاج إلى تعليم؟

        ان تعليم هؤلاء الناس ضعيف جداً في كل الجوانب حيثما هاجمته ولقد ثبت الآن ان الابن هو في الله الآب، والابن هو الله الكلمة “الذي كان في البدء”.

        برهان آخر: يقول المبارك بولس الرسول عن الابن “مذخر فيه كل كنوز الحكمة والعلم” (كولوسي 2: 3). فإذا صح هذا القول فكيف يمكن الافتراض بأن هناك آخر يعلم الابن. ومن هو الآخر الذي سوف نطلبه لكي نتعلم منه المعرفة الكاملة؟ وكيف يمكن ان يوصف الابن بأن فيه كل كنوز الحكمة، وهو لا زال محتاجاً لآخر يعلمه؟ كيف صار الحكمة حكيماً بواسطة آخر؟

        كل هذه أسئلة يستحيل الاجابة عليها، وعلينا نحن ان نصغي إلى قول الروح القدس، وليس إلى أقوال الهراطقة، لأن الروح يقول على لسان بولس ان “فيه كل كنوز الحكمة والعلم” ولأنه في الآب فهو يعرف كل شيء. لأنه حكمة الآب الذي لا يحتاج لأحد آخر لكي يعلمه.

 

الفصل الخامس

“الابن بالطبيعة خالق مع الآب، وهو من جوهر الآب،

ولا يعمل مع الآب مثل خادم”

3- كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان:

        بعد ان قضى الانجيلي المبارك تماماً على كل تراكيب الاعتراضات التي قدمها الهراطقة غير المقدسين، وبعد ان أكمل كلامه الدقيق عن الابن الوحيد يصل الآن إلى أحد فخاخ الشيطان القديمة الخادعة، شوكة تعدد الإلهة، الخطأ الجسيم الذي جرح كثيرين وألقاهم صرعى في طريق الدينونة وفتح باب الموت الرهيب على مصراعيه، وجمع في داخله كثرة لا تحصى من نفوس البشر في جماعات وقطعان في الهاوية، فصار كل هؤلاء طعاماً دسماً للشيطان “ولحماً مختاراً” قدم اليه (حبقوق 1: 16س).

        ان ابناء اليونانيين الذين اشتغلوا بحكمة العالم، والذين سكنهم روح رئيس هذا العالم، وحملهم إلى خطأ تعدد الإلهة، مما أفسد جمال الحق، فصاروا مثل الذين يسيرون في الضباب تحيط بهم الظلمة، فسقطوا في حفرة الجهل، وعبدوا الإلهة التي بلا حياة، “وقالوا للخشب أنت أبي، وللحجر انت الذي ولدتني” (ارميا 2: 27) أما غيرهم فقد سقطوا مثلهم، بعد ان اخترعوا خطأ آخر صقلوه صقلاً ممتازاً، “فعبدوا المخلوق دون الخالق” (رومية 1: 25). وقدموا المجد اللائق بالخالق وحده إلى العناصر المخلوقة، لأجل كل هذا يقدم لنا الانجيلي الابن الوحيد كخالق وصانع: “كل شيء به كان” وايضاً “وبغيره لم يخلق شيء” وبذلك أغلق إلى الابد المدخل إلى خداع تعدد الإلهة، ويعلن الابن الوحيد، للذين لم يعرفوه كخالق الكل. وبهذه الكلمات يقول ان الخليقة قد خلقها الابن الوحيد، لكي يظهر انه لم يأت أحد إلى الوجود الا بقوة الابن الوحيد، لكي يظهر انه لم يأت أحد إلى الوجود الا بقوة الابن الوحيد، فهو القوة التي أتت بكل الكائنات من العدم إلى الوجود. لأنه من الممكن “عن طريق جمال الخليقة ان ننظر الخالق” (حكمة 13: 5)، وان نعرفه الذي هو الإله الحق الذي به خلقت كل الاشياء، بل به تستمر في البقاء.

        صاغ الانجيلي هذه الكلمات في افتتاحية الانجيل ضد العبادة المزيفة التي اخترعها اليونانيون، ولذلك عينه نحن نؤمن ان الابن الوحيد قد قدمه لنا الانجيلي صانعاً وخالقاً.

        من اللائق لكي نواجه اختراعات الهراطقة وخيالاتهم المنحرفة ان نقول أكثر مما قلناه.

“كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان”:

        يضع الانجيلي الكرامة الإلهية الخاصة بالابن لكن يوضح بشكل واضح انه وأحد في الجوهر مع الله الذي ولده، وان كل ما يخص الآب يخص الابن ايضاً، ولذلك يجب ان نعتقد انه الإله الحق، وليس كمن نال لقب الالوهية التي تعطى لنا (*) بالنعمة وحدها، حسب الكلمات “أنا قلت إنكم إلهة، وبني العلي كلكم” (مزمور 82: 6)، أما هو فغير ذلك تماماً، “لأن كل شيء به كان” وعندما يقول الانجيلي “كل شيء به كان” فهو لا يعطي اي استثناء لأي من الكائنات مهما كان. وليس المبارك قد فهم معنى كلمة “كل شيء”، لأنه عندما كان يتكلم عن المخلص قال ان “كل شيء قد أخضع تحت قدميه” (عبرانيين 2: 8)، وبيقين فائق يؤكد “وعندما يقول الكل، فهو لم يترك شيئاً غير خاضع له” (عبرانيين 2: 8). ولأننا نؤمن ان كل شيء قد خلق بواسطة الابن، فلا نستطيع ان نحسبه كوأحد من الكل (المخلوقات)، بل هو غيرها تماماً، لأنه ليس ضمن الطبائع المخلوقة، بل نعترف انه وحده بالطبيعة الإله الحق.

        ومن الذي يمكن ان يتوسط بين الله والمخلوق؟ أنا لا أعني الجوهر، فما أكثر الفروق، وانما أعني المكانة، ولذلك ما هي مكانة الابن وهو الذي يفوق كل المخلوقات، بل هو الخالق الذي لا يمكن مقارنته بها. “كل شيء به كان” لأنه القوة، وحكمة الله الآب، وليس مثل كلمة الإنسان وقوته الكامنة والمختفية، والتي تعتبر أحدى صفات الإنسان، وانما هو متميز بذاته، ولكنه مولود من الآب، بشكل فائق، حتى ان حكمة الآب وقوته تدرك انها هي حقاً الابن.

        ومع ان الانجيلي المبارك قال “كل شيء به كان”، فان هذه العبارة لا تعني بالمرة ان الابن أقل من الآب. فهي لا تعني ان الابن خدم أو يعمل من أجل آخر. منفذاً ارادته، وهو ما يتنافى مع الاعتقاد بأنه خالق، فهو لم ينل قوة من آخر لكي يخلق، وانما هو قوة الله الآب، الابن الوحيد، الذي يعمل كل شيء مع الآب والروح القدس، لأن كل شيء من الآب بالابن في الروح القدس.

        ونحن نؤمن بأن الآب هو مع الابن، وليس كمن بلا قوة تقدر على ان تخلق من العدم، وانما هو فيه تماماً، بسبب عدم تغير الجوهر، وبدون ان يكون بينه وبين الآب اي وسيط في ولادته الطبيعية من الآب. بل كمن يقول ان رائحة الزهرة هي مع الزهرة والزهرة دائماً مع الرائحة، لا سيما عندما تنتشر الرائحة، ولكن الرائحة من الزهرة طبيعياً. وقوة هذا التشبيه بسيطة بالمقارنة بالكلام عن الطبيعة الفائقة التي تفوق الإدراك.

        لذلك كيف نفهم “أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل” (يوحنا 5: 17)؟ ليس لأن الابن منفصل عن الآب قال “أبي يعمل وأنا أعمل”، او كأن الابن يعمل والآب يستريح، لأن الخالق في هذه الحالة لن يكون وأحداً، بل اثنين، إذا كان كل أقنوم يخلق منفصلاً عن الآخر. وبالإضافة إلى ذلك يصبح الآب محتاجاً إلى قوةلأن الابن منفصل عنه، وليس حاضراً فيه دائماً، كذلك الابن يصبح محتاجاً إلى قوة، لأن الآب ليس حاضراً فيه دائماً، كذلك الابن يصبح محتاجاً إلى قوة، لأن الآب ليس حاضراً فيه دائماً. ولو كان ممكناً ان يخلق الآب منفصلاً عن الابن، وان يخلق الابن منفصلاً عن الآب، لما استطاع الابن ان يقول “أنا في الآب والآب في” (يوحنا 14: 10).

        وما قلناه لا يعني فقط ان الجوهر وأحد، بل لا يسمح بالمرة لأن يكون الابن شبه الآب، او اننا نرى الابن في الآب كما نرى الصورة والأصل، بل اننا نرى الابن مولوداً دائماً مشرقاً من جوهر الآب، وهو فيه، وبه، متميزاً عن الآب لأنه الله الكلمة وايضاً نرى الآب في الابن، كما هو مولود من الجوهر نفسه، مثله في الطبيعة الإلهية، متميزاً عنه كأقنوم، لأن الآب يظل الآب، رغم انه مثل الابن في الطبيعة، ويشترك معه في ذات الجوهر، وهو في الابن مثل الشمس والشعاع. والابن ايضاً يظل هو الابن، رغم انه مثل الآب في الطبيعة ويشترك معه في ذات الجوهر، وهو في الآب مثل الشعاع في الشمس. وباعتقادنا بأن الآب هو الآب بالحق، والابن هو الابن، والروح القدس الذي له مكانه الخاص به معهما كأقنوم يصل الثالوث القدوس إلى اللاهوت الواحد نفسه.

        وكيف يكون الله وأحداً، لو انفصل كل أقنوم وانفرد تماماً عن الأقنومين الآخرين، او كيف يمكن ان يقال لكل أقنوم، الله، إذا انفصل تماماً عن مماثلة الطبيعة والمشاركة الجوهرية، مع الآخر؟ لذلك يجب علينا ان نؤمن بالآب والابن والروح القدس، كل اقنوم متميز، دون ان نخلط الأقانيم او الاسماء، بل يظل كل اقنوم كما هو، وفي نفس الوقت الذي تتميز فيه الأقانيم، تظل الطبيعة الإلهية الواحدة، بدون انفصال، لأن الابن دعي الكلمة والحكمة والبهاء، ورسم صورة الآب وقوته، فلا يعني هذا، ان الابن منفصل.

        الابن هو الكلمة والحكمة، لأنه هو كذلك بدون وسيط بينه وبين الآب، فهو من العقل وفي العقل، وبسبب قبول كل أقنوم للآخر وحضوره في الآخر، وبسبب وحدة الجوهر، يمكن ان نرى العقل في الكلمة والحكمة، وكذلك الكلمة في العقل، دون ان توجد قوة متوسطة قادرة على ان تفصل بين الاثنين.

        ويدعى الابن قوة الآب، لأنه القوة الكائنة في الآب، بدون انفصال او وساطة، حتى اننا لا نستطيع ان نفصل بين القوة والآب مثلما لا نستطيع ان نفصل بين الإنسان وقوته الا إذا دمرنا أحدهما.

        ورسم الجوهر (الأقنوم) ايضاً خاص بالابن، لأنه مثل الآب تماماً، لا يمكن ان ينفصل عن الجوهر الذي يعلنه أي الذي صار رسمه.

        كان هذا يقودنا إلى الإيمان بأن كل أقنوم في الآخر بشكل طبيعي، يعتمد على وحدة الجوهر، فعندما يعمل الآب، يعمل الابن، لأن الابن هو قوة أقنوم الآب، الخاصة به وبجوهره، وايضاً عندما يعمل الابن، يعمل الآب ايضاً، فالآب أصل الكلمة الخالق، وطبيعياً هو كائن في الابن مثل النار في الحرارة الصادرة منها.

        من الواضح ان كل الآراء التي قالها الخصوم عن الابن الوحيد هي باطلة لا سيما أولئك الذين يقدمونه للآخرين كمخلوق، تعلم الحكمة او كخادم، كل هذه الآراء الباطلة قد حكم عليها الانجيلي المبارك بقوله “كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان”.

        انني مندهش من الهراطقة غير المقدسين، فكل ما يبدو لهم انه ضد الوهية الابن الوحيد، وما يجعله اقل من الآب، أو الثاني بعد الآب، يجمعونه بكل غيرة ومن كل جهة يحشدون سمومهم القتالة، اما ما هو حقيقي ومفيد ونافع مما يؤكد ان الابن شريك لمجد الآب، يدفنونه في صمت تام. فليس لدى هؤلاء سوى هدف وأحد، وهو ان ينالوا من مجده ولكن هيهات، فكل الخليقة تمجده.

        وعندما يسمع الهراطقة ان “كل شيء به كان” تأخذهم الحمى فيسرعون ويطلقون عليه اسم الخادم، ويحلمون بأن الابن، عبد، وليس حر، وعابد وليس الرب. ولكن عندما يسمعون “وبغيره لم يكن شيء مما كان” لا يفكرون فيما يليق بعظمة وكرامة الابن. ولكن إذا كان الآب لا يخلق الا بالابن أي بحكمته، وقوته، والانجيلي يقول لا شيء مما كان قد خلق بدون الابن، فان النتيجة النهائية ان الابن الوحيد هو مجد الله الآب، (لأنه يمجد كخالق بالابن)، لأن الابن يعمل كل شيء ويحضر من العدم إلى الوجود كل الكائنات.

        وحسناً يفعل كل من يدرك عمق هذه الكلمات “بغيره لم يكن شيء مما كان” إذا تأمل جيداً ما قيل عن خلق الإنسان. لقد كتب “نخلق الإنسان على صورتنا وكشبهنا” (تكوين 1: 26)، لأن هذه الكلمات بالذات لا تعبر عن الابن كأقل او كخادم حسب تعبير الهراطقة. لأنه واضح ان الله الآب لا يأمر الابن الكلمة “أخلق الإنسان” بل كوأحد معه بالطبيعة وغير منفصل عنه لأن له ذات الطبيعة الإلهية وشريك له في العمل، وشريك له في المشورة الخاصة بالخلق، دون ان يعني هذا ان الآب كان يتوقع ان ينال معرفة من الابن، وانما بسبب وحدة الجوهر، الابن يعمل مع الآب، مثل العقل غير المنفصل، والذي لا يخضع لفترات زمنية تفصل بين فكرة وأخرى، بل كما تقوم الكلمة في العقل دون انفصال عنه كذلك الابن الكلمة الكائن في الآب دائماً، والذي يعمل معه في الخلق.

        ولا يليق بنا ان نقدم تشبيهاً عن هذا الأمر، فما يليق بالله لا يمكن تصويره. وانما عندما نقول انه يعمل مع الابن، فنحن لا نعتقد باثنين منفصلين، لأن هذا يؤدي إلى الايمان بإلهين، اجتمعا معاً وصارا وأحداً، بل مثل اجتماع النور والاشعاع في وحدة طبيعية، لأن مثال النور والاشعاع يؤكد التمايز، لأن الاشعاع الذي يشرق ويحمل جمال النور، ليس هو النور، ولكن الطبيعة وأحدة، والتمايز بين النور والاشعاع الذي يشرق لا يسمح بانفصال وأحد عن الآخر.

        ومع ذلك فالله فوق كل هذه التشبيهات وأعظم منها، ولا يوجد في المخلوقات من هو مثله، كما لا يوجد في الطبائع المخلوقة من يمكن ان نأخذه مثالاً للثالوث بدون ان نقع في أخطاء في العقيدة، لأن أي تشبيه لا ينطبق تماماً على الحق.

        وإذا ظن الهراطقة ان “كل شيء به” تحدد استعمال “به” بأن الابن اقل من الاب في الجوهر، وانه ليس رسم جوهره، بل هو خادم وليس خالقاً، أصبح من الحتمي على هؤلاء المجانين ان يقدموا اجابة على سؤالنا هذا: ماذا يجب علينا ان نعتقد في الآب نفسه؟ وماذا يكون الآب الذي تنسب اليه ايضاً “به” لأن كلمات الاسفار الإلهية واضحة، “أمين هو الله الذي به دعيتم إلى شركة ابنه” (1كورنثوس 1: 9) وايضاً “بولس رسول يسوع المسيح بإرادة الله” (2كورنثوس 1: 1) – (أفسس 1: 1) وايضاً “إذا لست عبداً، بل ابناً، وان كنت ابناً فوارث بالله” ([1]) (غلاطية 4: 7). فكل هذه النصوص خاصة بأقنوم الله الآب، ولست أظن ان أحداً سوف يسرع بجنون شديد ليقول ان الآب صار خادماً هو ايضاً لأن هناك أمور تتم “به”. فالأسفار الإلهية لا تهتم بالكلمات ولا تعامل الموضوعات الا بشكل يعتمد على المعنى العام أكثر من الاعتماد على استخدام خاص بالكلمات لا سيما حروف الجر، خصوصاً إذا كان الكلام عن الله ظاهر معناه. ولكن من المناسب ان نضيف هنا ان “مجد الرب تحجبه الكلمات” (أمثال 25: 2 سبعينية) فالكلمات مهما كانت قوية، هي قليلة جداً، خصوصاً إذا كانت تشرح مجد الله الفائق. علينا ان لا نتضايق لندرة ما كتب، بل ان نعتبر مجد هذه الأمور التي تفوق التعبير، وشهوة كل عقل واشتياقه للطبيعة الإلهية الفائقة هي التي تجعلنا اتقياء بدرجة ليست قليلة.

الفصل السادس

“الابن هو بالطبيعة الحياة، ولذلك هو غير مخلوق، بل من جوهر الآب”

4- “مما كان، فيه كانت الحياة”:

        يقدم لنا الانجيلي المبارك تعليمه عن الله الكلمة، فيشرح لأجل منفعتنا كل ما يخصه بالطبيعة كإله، لكي يسقط هجوم الهراطقة، ويعضد الذين يرغبون في النمو في الايمان الصحيح، ويعطي كل هذا ليس بكلمات وبراهين مأخوذة من الحكمة العالمية المنتفخة، بل “ببرهان الروح” يقدم جمال الحق (1كورنثوس 2: 4).

        وما يريد ان يعلمنا اياه بهذه الكلمات هو: لقد أرانا الآن ان الابن بالطبيعة هو الخالق والصانع “كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء”، فليس من الكائنات جميعاً كائن وأحد دعي للوجود من العدم بدون الكلمة. وحيث انه يمنح الخليقة نعمة الوجود، يعطي ايضاً نعمة البقاء، ويمنح من عنده الابدية، لكل الكائنات التي بطبيعتها ليست أبدية، فيصبح بذلك هو الحياة لكل من جاء إلى الوجود لكي يبقى في الحياة حسب حدود طبيعته. لذلك كان من الضروري ان يقول: “ما خلق فيه كانت الحياة” ولم يكتف بالقول “كل شيء به كان” وانما أضاف “كل شيء به كان فيه الحياة”، أي ان الابن الوحيد الله الكلمة، بدء وأصل ([2]) كل الكائنات المنظورة، السمائية والأرضية وما دون ذلك. فهو نفسه بالطبيعة الحياة، ويهب لكل الكائنات الكثير: الوجود والحياة والحركة، دون ان يعني هذا انه يقتطع من ذاته ويعطي، او انه هو نفسه يصير هذه الكائنات ويتحول من كائن إلى آخر. وانما كل كائن على حدة يصوره الكلمة بقوته وحكمته كخالق. وبينما وأحد فقط هو الحياة، وهو الذي يقدم الحياة للكل بالشكل الذي يتناسب مع طبيعة كل كائن وبالشكل الذي يليق به للاشتراك في حياة الكلمة. وحيث ان كل ما دعي من العدم إلى الوجود بالضرورة يتداعى وينحل، وكل ما له بداية، يسرع نحو النهاية، ما عدا الواحد وحده أي الطبيعة الفائقة التي لم تسبقها بداية، وهي حرة تماماً من النهاية، وبحكمة الخالق الذي يعلم ضعف المخلوقات يصنع لهم ابدية، لقد شاء ان يجعل كل جنس يظل حياً يتعاقب افراده بالتناسل وبالنمو، مما جعل الخليقة ظاهرة وباقية تحت سلطان الله خالقها. وحكمة الخالق: ان كل كائن يحتوي على بذار تزرع. فتثمر مثل جنسها وشبهها، حسب القرار الإلهي غير المسموع. هذا معنى “فيه كانت الحياة” وهذا هو موضوعنا.

        لكن يا سادتي الأعزاء، يمكن ان يحذر أي منا الهرطوقي ويقول له: والآن ماذا عندك ضد هذا القول، ها أنت تسمع الانجيلي يخبرنا بالحق وشهادة الروح الذي فيه يقول “فيه” نالت كل الكائنات التي خلقت “الحياة”، أي من الكلمة الذي كان في البدء‍‍‍‍‍‍‍! هل يتجاسر أحد ويقول ان الابن ليس من جوهر الآب، بل انه يحسب مخلوقاً من المخلوقات؟ فكيف لا نصرخ بالحق محتجبين على هذا القول؟ لأنه لو كان الكلمة موجوداً في الاشياء المخلوقة “كحياة” بالطبيعة، والمخلوقات تشترك فيه، فهو اذن آخر غير تلك المخلوقات التي يوجد فيها. ولكنه إذا كان بالطبيعة غير الكائنات المخلوقة فكيف لا يكون هو الله الكائن على الكل؟

        أما إذا لم يخجل الهراطقة، ولم يكفوا عن تخيل الابن مخلوقاً، وهو مانح الحياة في المخلوقات، فبذلك اولاً يعتبر الابن شيئاً كائناً في نفسه، وثانياً فانه يكون مشتركاً في نفسه، والتناقض هنا: انهم يكادون ان يدعوا بأن الابن وهو الحياة الذي اعطى الحياة، يصبح هو نفسه بعد ذلك كمخلوق محتاجاً إلى الاشتراك في حياته هو، وهل يوجد أغرب من الادعاء بأن “الحياة” توهب للكائنات، ثم نعود ونحسب “الحياة” انها من ضمن هذه الكائنات التي تنال “الحياة”. يا ليت الذين يقاومون الله يرون الاستحالة التامة لما وصلوا اليه. فلا يمكن ان يكون الكلمة الذي يحيي الكل ويهب المخلوقات الحياة هو من ضمن المخلوقات. وهكذا، فهو ليس مخلوقاً، بل هو بالطبيعة حياة كل المخلوقات.

        وسوف نرى من البراهين التالية صحة هذا:

البراهيــن

أولاً:

        لو كان الابن ليس من جوهر الآب بل هو من خارجه لصار خاضعاً للآب كالمخلوقات. فكيف اذن يحيي كل الاشياء، وهو من بين الاشياء المخلوقة؟ او نفس السؤال بشكل آخر: ما هو الفرق بين الخالق والمخلوق؟ وكيف نفهم كلمات الرسول بولس الخاصة بطبيعة الله “الذي يحيي الكل؟” (1 تيموثاوس 6: 13) لو كان الابن مخلوقاً، وهو قادر على ان يحيي الكل، لأصبحت الخليقة قادرة على ان تحيي نفسها، وليست محتاجة بالمرة إلى الله. ولم يعد في الطبيعة الإلهية ما يميزها عن المخلوقات، وأصبحت المخلوقات مثل الله قادرة على ان تفعل ما يفعله الله. وهذا مستحيل. اذن الابن ليس مخلوقاً، بل هو الله ولذلك فهو بالطبيعة الحياة ايضاً.

ثانياً:

        يتعجب المرنم في المزامير من الطبيعة الإلهية، وينسب اليها الكرامة الفائقة بقوله: “عندك ينبوع الحياة” (مزمور 36: 9). وحسب ادعاء الهراطقة جعل الآب الابن أقل منه، وليس من طبيعته ومع كل هذا يظل الابن يحيي الكائنات، وبالطبيعة الحياة الذي يحيي لماذا يتعب المرنم وهو يعلن ان ينبوع الحياة هو عند الله وحده؟ وطالما ان الابن مخلوق وأقل من الآب ومحيي، تصبح كل الخليقة قادرة ان تمنح الحياة حسب المشورة الرديئة للهراطقة. ولكن هذا مستحيل. اذن الابن هو بالطبيعة “الحياة”، إله من إله، حياة من حياة.

ثالثاً:

        لو كان الابن بالطبيعة “الحياة”، وفي نفس الوقت مخلوقاً وليس من جوهر الآب، حسب تصور الهراطقة، فان طبيعة المخلوقات تصبح مثل الابن وتدعى هي ايضاً الحياة، وبذلك تصبح كل المخلوقات محييه، حتى وان لم تمارس توزيع الحياة، بل تصبح ايضاً واجبة الوجود. فإذا صارت الخليقة كذلك، فماذا يبقى من الصفات التي تميز الله، ولماذا يشير الابن باطلاً إلى نفسه “أنا هو الحياة” (يوحنا 14: 6)؟ كان ألاجدر به ان يقول “أنا معكم الحياة”، وهذا يكون صحيحاً لو كان المخلوق هو الحياة.

        ولكن حيث انه هو وحده الحياة، وهذا هو صلاحه الخاص به، فمن الواضح انه لا يحسب نفسه مع المخلوقات، وانما مع جوهر الآب، الذي له هو ايضاً الحياة.

رابعاً:

        الذي يشترك في الحياة، ينالها، ولا تصبح الحياة حقه الطبيعي، بل تأتيه من مصدر آخر، فإذا كانت كل المخلوقات تشترك في حياة الابن، فالحياة تأتيها من الابن، وبذلك يصبح هو غير المخلوقات التي تشترك في حياته. اذن فهو ليس مخلوقاً، بل الله المحيي الذي نعترف بأنه من جوهر الآب وبذلك نعبد إلهاً وأحداً، ولا نسجد الا له وحده.

خامساً:

        إذا كنا نميز الأمور جيداً، فليس لدينا سوى الله والخليقة فقط وهذا يعني ان كل ما هو ليس الله بالطبيعة فهو بكل يقين مخلوق، وكل ما هو خارج أطار المخلوقات، يكون بكل يقين من دائرة الالوهية. فإذا تيقناً من هذا، فعلى الهراطقة ان يقولوا لنا، إذا فصلنا الابن عن جوهر الله الآب، فكيف يهب الحياة؟، لأننا على يقين من ان الطبيعة الإلهية لها الحياة كخاصية لها وهي لا تعطيها لغيرها. ولكن ان كان الابن مخلوقاً، وهو الحياة ايضاً، صارت نعمة وهبة الحياة خاصة بكل المخلوقات، وتصبح كل المخلوقات بالطبيعة، “الحياة”. فأي حاجة تدعو للاشتراك في الابن؟ وماذا يكسب الهراطقة من ذلك؟ ان ادعاءهم قادهم إلى ان يكونوا هم ايضاً “الحياة”. وهذا مستحيل، لأنهم بالضرورة يحتاجون إلى الحياة بالاشتراك في الابن. اذن الابن الوحيد وحده هو بالطبيعة الحياة، ولذلك لا يحسب مع الخليقة، بل مع ذاك الذي ولده الذي هو بالطبيعة الحياة أي الآب.

سادساً:

        إذا كان الابن هو بالطبيعة الحياة، فهو: أما غير الخليقة او مثل الخليقة. فإذا كانت له طبيعة مساوية لطبيعة الخليقة، فكيف لا يكون كاذباً عندما يقول: “أنا هو خبز الحياة، الذي نزل من السماء، والواهب الحياة للعالم” (يوحنا 6: 33، 35)، وحسب ادعاء الهراطقة تصبح الخليقة حية بذاتها. ولكن ان كان الابن غير مساو لطبيعة الخليقة، فانه يكون غير مخلوق، محتفظاً بصلاحه الخاص به. لأن الخليقة ليست هي بالطبيعة، الحياة بل بالحري تحتاج للحياة وتشترك في الحياة.

سابعاً:

        لو كان الابن هو بالطبيعة الحياة، ومساو للمخلوقات، بسبب عدم كونه من جوهر الله الآب، حسب ادعاء الهراطقة، فلماذا يقول المرنم في المزمور ان “السماء تبلى وتعتق مثل الثوب” (مزمور 102: 26) أما للابن فهو ينسب الصفات الإلهية ويصرخ بصوت عال “أنت أنت وسنوك لن تفنى” (مزمور 102: 27)، واما ان يفنى الابن ويشيخ معنا كمساوي لنا في الطبيعة، فهذا يعني انه ليس الحياة، او انه الحياة التي لا تفنى ولا تشيخ. لذلك فالابن ليس مخلوقاً مثلنا، وحيث انه الحياة بالطبيعة، فهو سيهب الحياة ايضاً لكل الاشياء التي يريد ان يهبها الحياة.

ثامناً:

        إذا كنت الاشياء لا تستطيع ان تشترك في حياتها لتأخذ حياة من حياتها، بل الخليقة تشترك في الابن لأنه الحياة، اذن الابن ليس مخلوقاً، ولا الخليقة حياة، بل الابن وحده هو الحياة.

تاسعاً:

        ان تهب الحياة مختلف تماماً عن ان تحصل على الحياة، فالأول عطاء والثاني أخذ. والابن يهب، فهو معطي، والخليقة تأخذ فهي تصير حية، لذلك فالابن ليس مثل الخليقة، لأن المحيي لا يكون مثل من ينال الحياة.

(*) تحسب لنا.

([1]) عدد من المخطوطات الرئيسية القديمة وجدت فيه الآية هكذا “وارث بالله” بدلاً من “وارث لله بالمسيح”.

([2]) حرفياً: جوهر.

شرح إنجيل يوحنا – الأصحاح الأول ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – ترجمة: د. جورج حبيب بباوي

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

 

أقدم للأحباء بحث بعنوان ”عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي“، هو عبارة عن بحث في عقيدة التأله بالنعمة في نصوص الكتاب المقدس، وفي كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وفي نصوص الليتورجية القبطية والسريانية.
 
يحتوي البحث على النقاط التالية:
١. عقيدة التأله في الكتاب المقدس.
٢. عقيدة التأله عند الآباء اليونانيين.
٣. عقيدة التأله عند الآباء السريان.
٤. عقيدة التأله في الليتورجية السريانية.
٥. عقيدة التأله عند الآباء اللاتين.
٦. التأله غاية خلق الإنسان.
٧. التأله غاية التجسد.
٨. تأله ناسوت المسيح.
٩. الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق.
١٠. الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر.
١١. الهرطقة الأفنومية وإنكار الحلول الأقنومي للروح القدس.
١٢. رد آباء الكنيسة على الهرطقة الأفنومية.
١٣. التأله بالأسرار المقدسة.
١٤. عقيدة التأله في الليتورجية القبطية.

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

تحميل البحث

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

كيف ينال المسيحي التأله بالنعمة؟

سنحاول الإجابة عن ذلك من خلال الكتاب المقدس وكتابات الآباء

قال السيد المسيح لنيقوديموس:

” أَجَابَ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ” (إنجيل يوحنا5:3).

هنا شرط دخول الملكوت والحياة الأبدية (التأله بالنعمة) هو الولادة من الماء والروح أي بالمعمودية ننال الحياة الأبدية والتأله بالنعمة.

قال السيد المسيح أيضًا لتلاميذه واليهود:

“مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (إنجيل يوحنا54:6).

هنا يؤكد السيد المسيح أن شرط الحياة الأبدية هو التناول من جسده ودمه الأقدسين لنوال الحياة الأبدية (التأله بالنعمة).

نستخلص مما سبق أن نوال الخلود والحياة الأبدية وهي حياة الله وصفة خاصة بالله يعطيها للإنسان كعطية من خلال الأسرار الكنسية كالمعمودية والميرون والافخارستيا والتأله بالنعمة هو شركة الطبيعة الإلهية وشركة الحياة الأبدية وشركة في صفات إلهية بالأساس كالقداسة والبر والصلاح والأبدية والحكمة والقوة وهذه كلها صفات إلهية يشترك فيها الإنسان مع الله كعطية وهبة ومنحة من الله للإنسان وهذا هو مفهوم “التأله بالنعمة” الذي تحدث عنه آباء الكنيسة الجامعة الذي يتحقق من خلا الأسرار كالتالي:

يقول ق. أغناطيوس الأنطاكي (الثيؤفوروس) عن الإفخارستيا إنها:

 “دواء الخلود وترياق عدم الموت” (الرسالة إلى أفسس ٢٠).

 فنحن بالتناول من جسد الرب ودمه ننال الخلود وعدم الموت أي ننال التأله بالنعمة من خلال الإفخارستيا.

يقول ق. إيرينيؤس أيضًا:

 “كيف يمكنهم أن يقولوا إن الجسد غير قادر أن يقبل عطية الله التي هي الحياة الأبدية، ذلك الجسد الذي اغتذى من جسد الرب ودمه وصار عضوًا فيه” (ضد الهرطقات ٥: ٢: ٣).

 يؤكد القديس إيرينيؤس أن الحياة الأبدية هي عطية إلهية ننالها من خلال التغذي من الإفخارستيا والحياة الأبدية هي مرادف لمفهوم التأله بالنعمة” كما ذكرنا من قبل.

يقول ق. أثناسيوس الرسولي في نفس السياق:

 “ونحن إنما نتأله لا باشتراكنا السري من جسد إنسان ما، ولكن بتناولنا من (جسد الكلمة) ذاته” (الرسالة إلى مكسيموس ٢).

يؤكد ق. أثناسيوس هنا على أننا ننال التأله بالنعمة من خلال الاتحاد السري بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا وبالتالي الأسرار الكنسية تعتبر ضرورية في نوال نعمة التأله والحياة الأبدية.

يقول ق. كيرلس الأورشليمي:

 “وإذ أنت تشترك في جسد المسيح ودمه، تصبح جسدًا واحدًا ودمًا واحدًا مع المسيح، وهكذا نصبح نحن (حاملي المسيح) بما أن جسده ودمه ينتشران في أعضائنا. وبهذه الكيفية نصبح على حد تعبير الطوباوي بطرس “شركاء الطبيعة الإلهية” (٢بط١: ٤)”

(العظة للموعوظين ٢٢: ٣).

 كما يؤكد ق. كيرلس هنا أيضًا على نوال شركة الطبيعة الإلهية (التأله بالنعمة) وباتحاد جسد ودم المسيح بأعضائنا من خلال الإفخارستيا ونصير نحمل المسيح داخلنا وفي أعضائنا.

يقول ق. غريغوريوس اللاهوتي:

  “بما أننا طبيعة مزدوجة أي من نفس وجسد، وبما أن الطبيعة الأولى غير منظورة (النفس) والثانية منظورة (الجسد) فعملية التطهير هي مزدوجة أيضًا أي بالماء والروح. وهكذا نتطهّر بصورة منظورة جسديًا وبصورة غير منظورة روحيًا، بالماء شكلاً ورسمًا، وبالروح حقيقةً، لأنه يقدر أن يُطهِّر الأعماق. هذا الروح يأتينا منحة إلى خلقتنا الأولى، ويردنا من العتاقة إلى الجِدّة، ومن الحالة التي نحن عليها الآن إلى حالة التأله، ويصهرنا بدون نار، ويعيد خلقتنا بدون إخفاء الجسد”

(عظة ٤٠: ١٠).

ونجد ق. غريغوريوس هنا يؤكد على أننا بالمعمودية ننتقل إلى حالة (التأله) من خلال تطهير الروح القدس لنا في أعماقنا الداخلية وإعادة خلقتنا لنصير من الحالة التي كنا عليها قبل المعمودية إلى حالة (التأله) ونلبس الإنسان الجديد ونترك الإنسان العتيق في جرن المعمودية.

يقول ق. غريغوريوس النيسي:

“كما أن الله الذي أظهر ذاته قد (مزج) نفسه بطبيعتنا المائتة حتى بهذا الشركة مع اللاهوت يتيسر للبشرية أن تصير (مؤلهة) في نفس الوقت. فيزرع ذاته بحسب خطة النعمة الخاصة به في كل المؤمنين بواسطة الجسد، الذي يستمد بقائه من الخبز والخمر، مازجًا ذاته بأجساد المؤمنين حتى أنه بواسطة الاتحاد بذاك الأزلي، يستطيع الإنسان أن يشترك في عدم الفساد”

(العظة التعليمية الكبرى ٣٧).

 يؤكد ق. غريغوريوس على نوال نعمة التأله من خلال سر الإفخارستيا حيث يزرع الله ذاته في كل المؤمنين في الإفخارستيا ويمزج ذاته بأجساد المؤمنين باتحاد حقيقي في الإفخارستيا لينالوا به عدم الفساد (التأله بالنعمة).

يقول ق. يوحنا الذهبي الفم:

“كذلك المسيح والكنيسة يُكوِّنان كيانًا كليًا واحدًا، ويتحقق هذا الاتحاد بالقوت السماوي (الإفخارستيا) الذي منحنا إياه المسيح… لأجل هذا وحَّد نفسه بنا كيانيًا، فمزج جسده ببشريتنا كالخميرة بالعجين، كي نصير كائنًا واحدًا في تماسك الجسد بالرأس”

(عظة ٣٠: ١ على رسالة ١كو).

 ونرى هنا ق. يوحنا يؤكد على اتحادنا الكياني بالمسيح ككيان واحد كلي من خلال الإفخارستيا ويسميها ” القوت السماوي” وهكذا يمزج المسيح جسده بجسد بشريتنا كامتزاج الخميرة والعجين وهكذا يصير الرأس (المسيح) والجسد (الكنيسة) كائن واحد متماسك.

يقول ق. باسيليوس الكبير:

“لذلك نحتاج من الآن فصاعدًا لأن نتغذى بطعام الحياة الأبدية، كما علّمنا ذلك الابن الوحيد الإله الحي… وفي مرة أخرى يكرر كلمة ” الحق” ليؤكد ما يقوله ويعطي الثقة التامة لسامعيه، فيقول:  “فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ”.  (يو56-53:6)”

(شرح المعمودية ٣: ١).

وهكذا يُسمي ق. باسيليوس القيصري الإفخارستيا ب(طعام الحياة الأبدية) الذي به ننال (التأله بالنعمة).

وأخيرًا يؤكد ق. كيرلس عمود الدين على أننا بالإفخارستيا أي “بشركة جسده الخاص الذي دخل فينا، ننال الشركة مع الله” (تفسير يو ٦: ٣٥).

التأله بالأسرار – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا موضوع الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق، هذا النور الذي يتسامى على الإطلاق لا على الحواس فقط، بل وعلى العقل نفسه، نور يلاقيه الذهن البشري ويتطابق معه، عندما يخرج الذهن البشري من ذاته ليصير أفضل مما هو عليه، عندما يتجاوز ذاته (أي الذهن البشري) ويتحد بالله.

سأتحدث عن الوصول إلى حالة الدهش والانخطاف الروحي في تعليم آباء الكنيسة، هذا الدهش والانخطاف الذي يحدث عندما تصلي النفس صلاة عقلية حارة*، وتنال مواهب الروح القدس، وتحقق هذه الصلاة بصورة سرية اتحاد النفس بينبوع هذه المواهب. وننوه بإمكانية نوال مواهب الروح هذه حتى في أوقات عمل الجسد، فالصلاة ليست انسلاخًا (أي ترك) عن الجسد.

يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق قائلاً:

“إنه ينزل من الأعالي حيث مقره لكيما تدخل إليه – إلى حد ما – الطبيعة المخلوقة”.

Homily 45: 11. PG 36: 637 B.

يتحدث مار اسحاق السرياني عن خبرة معاينة النور الإلهي غير المخلوق، وكيف ندرك هذا النور الإلهي العجيب بعيون نفوسنا الروحية كالتالي:

“إن لنفسنا حدقتين، ولكن النظر الخاص بكل منهما يختلف استعماله عن الآخر. فبإحدى هاتين الحدقتين نعاين أسرار الطبيعة، أعني قوة الله وحكمته وعنايته بنا، وندركها بفضل الجلال الذي يقودنا به. ونعاين بالحدقة الأخرى مجد طبيعته المقدسة حين يرتضي الله إدخالنا إلى الأسرار الروحية”. (عظة ٧٢)

ثم يتحدث مار اسحاق السرياني عن إشراق نور الثالوث القدوس مثل الشمس في نفس الإنسان النقي من الداخل، واستنشاقه للروح القدس كلي القداسة، وتساكنه الطبائع الروحية المقدسة (أي الملائكة) كالتالي:

“الرجل النقي النفس هي داخله. والشمس التي تشرق داخله هي نور الثالوث القدوس. الهواء الذي يستنشقه سكان تلك البلدة هو الروح القدس المعزي وكلي القداسة. والذين يسكنون معه هم الطبائع المقدسة الروحانية. المسيح هو نور نور الآب، هو حياتهم، وفرحهم، وسعادتهم.

مثل هذا الإنسان يبتهج كل ساعة بالرؤى الإلهية داخل نفسه*، ويسحره جمالها الخاص الذي هو بالحق أبهى مئة ضعف من لمعان الشمس نفسها. هذه هي أورشليم وملكوت الله المختفي داخلنا*، كما يقول الرب. هذا العالم هو سحابة مجد الله التي لا يدخلها إلا أنقياء القلب ليروا وجه سيدهم وليستنير عقلهم بشعاع نوره”.

مار اسحاق السرياني، الميامر النسكية، ترجمة: نيافة الانبا سيرافيم، (وداي النطرون: دير العذراء البراموس، ٢٠١٧)، الميمر ١٥، ص٢٢٣.

 

ويتحدث مار اسحاق السرياني عن كيفية الوصول إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق من خلال الصلاة التي نصليها كالتالي:

“وإذ يتخذ الروح القدس مادة من صلاة الإنسان التي يصليها، يتحرك داخله، وتفقد بذلك صلاة الإنسان حركتها أثناء الصلاة، ويرتبك ذهنه، ويُبتلع في الدهش والانذهال*، وينسى حتى الرغبة فيما كان يتوسل بشأنه*. تغطس حركات العقل في سكر عميق، ولا تعد في هذا العالم في مثل هذا الوقت*، لا يوجد تمييز بين النفس والجسد، كما لا يوجد تذكار لأي شيء، تمامًا كما قال العظيم غريغوريوس اللاهوتي: الصلاة هي نقاوة الذهن*، وهي تنتهي فقط بواسطة نور الثالوث القدوس من خلال الدهش والانذهال*.

هل رأيت كيف تنتهي الصلاة من خلال الدهش بالمفاهيم التي ولدتها الصلاة في العقل، كما قلت في بداية هذا الميمر وفي مواضع أخرى عديدة؟ ويكتب أيضًا نفس هذا القديس غريغوريوس: نقاوة العقل هي التحليق السامي والمرتفع للقدرات الذهنية*، وهي تشبه منظر السماء، وهي التي يشرق عليها ومن خلالها نور الثالوث القدوس وقت الصلاة*”.

المرجع السابق، الميمر ٢٣، ص ٢٧٨، ٢٧٩.

 

وهكذا يتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن معاينتنا للنور الإلهي غير المخلوق، وخبرة إشعياء النبي لهذا النور الإلهي في رؤياه كالتالي:

” وهذا نادى ذاك وقال: قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود. مجده ملء كل الأرض (إش٦: ٢، ٣). بالحقيقة هو قدوس لأنه جعل طبيعتنا مستحقة هذه الأسرار الكثيرة والعظيمة*، وصيرنا شركاء هذه الأمور التي لا تُوصف، لقد استوى عليَّ الفزع والرعدة (المقدسة) في أثناء إنشاد هذه التسبحة، وما يدعو للعجب أن هذا يحدث لي أنا الطين* المصنوع من تراب في اللحظة التي فيها حتى القوات السمائية تأخذها الدهشة العظيمة والدائمة؟ لذلك يديرون وجوههم ويغطونها بأجنحتهم كمثل ساتر، لأنهم لا يستطيعون تحمل اللمعان المنبعث من هناك.

وبالرغم من أن المشهد (الرؤيا) – كما يقال- كان يمثل تنازلاً للطبيعة الإلهية*. فلماذا إذًا لا يحتملون؟ فهل تسألني أنا ذلك؟! سل أولئك الذين يريدون أن يفحصوا الطبيعة غير الموصوفة وغير المقترب منها، أولئك الذين يتجرأون على ما لا يمكن التجرؤ منه […] بينما تجاسر الإنسان أن يتكلم أو بالحري أن يفكر بعقله في أنه يقدر أن يتطلع بدقة وبوضوح إلى تلك الطبيعة الإلهية البسيطة”.

يوحنا ذهبي الفم (قديس)، رؤيا إشعياء، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٢: ٢، ص ١٠٥، ١٠٦.

 

ويقول ق. يوحنا ذهبي الفم في نفس السياق:

“لأنه يقول: باثنين يُغطي وجهه (إش٦: ٢). كأنهما ستارتان يغطيان وجهه، لأنهم لا يتحملون اللمعان المنبعث من ذلك المجد. وباثنين يغطي رجله (إش٦: ٢) تحت تأثير نفس الانبهار، لأننا أنفسنا عندما يُسلط علينا جسم باهر، فإننا ننكمش ونخفي كل مكان في جسدنا.

ولماذا اتحدث فقط عن الجسد، طالما أن النفس ذاتها، عندما يحدث لها ذلك الأمر في تجلياتها السامية، تجذب كل طاقاتها، ثم تجمع ذاتها ضاغطةً إياها بعمق في الجسد كما لو كان هذا الجسد ملبسًا لها؟ وحين يسمع أحد الاندهاش والانبهار لا يظن أننا نتحدث عن صراع مقزز للنفس، لأنه مع هذا الاندهاش توجد نشوة* ممتزجة به لا تُحتمل من عظمتها. وباثنين يطيرون (إش٦: ٢)، وهذا يدل على أنهم دائمًا يشتهون الأمور العلوية (السمائية) ولا ينظرون إلى أسفل أبدًا”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٧٨، ١٧٩.

ويستطرد ق. يوحنا ذهبي الفم في حديثه عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وحالة الاندهاش والانخطاف الروحي كالتالي:

“لأن الأجسادةالبراقة، وإن كانت منيرة بشكل عظيم، حينئذ فإنها عادةً ما تثير ذهولنا لما نشاهدها للمرة الأولى بعيوننا، ولكن إن واصلنا التطلع فيها أكثر فبالتعود سوف ينتهي اندهاشنا، لأن عيوننا قد اعتادت على تلك الأجساد. لذلك فعندما نرى أيقونة ملوكية، وقد تم تكريسها حديثًا (تجهيزها) وهي تزهو بألوانها، فهي تُثير إعجابنا، ولكن بعد يوم ويومين يزول إعجابنا هذا.

ولكن لماذا أتحدث عن أيقونة ملوكية، طالما أن الأمر ذاته يحدث لنا مع أشعة الشمس، على الرغم من أنه لا يوجد جسم أكثر لمعانًا منها؟ وهكذا فأي جسد بسبب الاعتياد على النظر إليه يذهب الإعجاب به. غير أن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بمجد الله، بل على العكس تمامًا، لأنه كما واصلت تلك القوات (السمائية) في النظر إلى ذلك المجد كلما انبهرت بالأكثر وازداد تعجبها.

لذلك فبالرغم من أنهم يرون ذاك المجد منذ خلقتهم وحتى الآن، فلا يتوقفون عن الصراخ بانبهار، لأن ما نعاني منه، ويحدث لنا في برهة قصيرة من الزمن، عندما يأتي علينا ضياء ساطع، يحدث لتلك القوات القائمة قدامه باستمرار وبلا انقطاع، وبالرغم من ذلك يُظهِرون لذةً ما وتعجبًا.

لأنهم لا يصرخون فقط، بل يفعلون ذلك فيما بينهم، وهذه علامة على اندهاشهم الدائم، وهذا نفسه ما يحدث لنا* عندما نسمع رعدًا أو زلزالاً يهز الأرض، لا نقفز ونصرخ فقط، بل نُسرِع بالهرب الواحد تلو الآخر إلى بيته، وهذا هو ما يفعله السيرافيم، لذلك كل واحد يصرخ نحو الآخر قائلاً: قدوس، قدوس، قدوس”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٨٠، ١٨١.

وهكذا بعد جولة روحية عميقة وممتعة بين تعاليم آباء الكنيسة عن حالة الاندهاش والانخطاف الروحي التي تحدث لنا في الصلاة، وكيف تصل الصلاة الذهنية بنا إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وغير المحسوس والفائق الوصف، نصلي دائمًا من كل قلوبنا أن نصل إلى هذه الحالة الروحية الجميلة والطوباوية لنتمتع بلمحات من ملكوت الله ونحن سالكون في هذه الحياة الحاضرة المليئة بالمصاعب والضيقات.

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

أزعجني كثيرًا عندما قرأت أن تعليم الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو بدعة يجب محاربتها، وصدمني جدًا هذا الفكر الغريب. التعليم عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو في صلب الكتاب المقدس والتعليم الأرثوذكسي، فكيف يتجرأ البعض على دعوته بأنه بدعة؟!

نذكر تجلي إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح بنوره الإلهي غير المخلوق على جبل ثابور أمام تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا وإيليا وموسى، حيث يقول الكتاب:

1 وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَل عَال مُنْفَرِدِينَ. 2 وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ. 3 وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. 4 فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقُولُ لِيَسُوعَ: «يَارَبُّ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةٌ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ».  (إنجيل متى4-1:17)

وهكذا ستتجلى أجسادنا بهذا النور العجيب مثل تجلى جسد المسيح أمام تلاميذه في المجد والملكوت.

ولقد اختبر ق. بطرس الرسول النور الإلهي غير المخلوق وشهد عن ذلك قائلاً:

16 لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. 17 لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْدًا، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: «هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ». 18 وَنَحْنُ سَمِعْنَا هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ.  (رسالة بطرس الثانية18-16:1)

كما أختبر ق. بولس الرسول هذا النور الإلهي غير المخلوق وشهد عنه قائلاً:

6 فَحَدَثَ لِي وَأَنَا ذَاهِبٌ وَمُتَقَرِّبٌ إِلَى دِمَشْقَ أَنَّهُ نَحْوَ نِصْفِ النَّهَارِ، بَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلِي مِنَ السَّمَاءِ نُورٌ عَظِيمٌ. (سفر أعمال الرسل6:22)

كما أختبر ق. استفانوس أول شهداء المسيحية مجد هذا النور الإلهي غير المخلوق وشهد عنه قائلاً:

55 وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ. (سفر أعمال الرسل55:7)

واختبره أيضًا ق. يوحنا الرسول وشهد عنه قائلاً:

5 وَهذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَنُخْبِرُكُمْ بِهِ: إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ. 6 إِنْ قُلْنَا: إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ.  (رسالة يوحنا الأولى6-5:1)

 

فكيف بعد كل هذه الإعلانات الإلهية التي كان التلاميذ والرسل شهود عليها واختبروها أن نقول بعد ذلك على الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق بدعة؟! ألسنا في كارثة يا أخوة؟!

لقد تحدث ق. كيرلس السكندري الذي اختبر الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وقال عن هذا الاختبار:

“فنحن دُعينا من الظلمة إلى نوره العجيب. وإذا كان هذا حقًا، فالمخلوق ليس حقًا هو النور، بل الابن وحده بالحقيقة وبالضبط هو النور، أما المخلوقات فهي تصير نورًا باشتراكها فيه، ولذلك فهي ليست من ذات طبيعته”.

كيرلس السكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا ج١، ترحمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص ١٠٥.

ثم يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتى عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

” لنصبح نحن نورًا، كما سمع التلاميذ من النور الأعظم قوله لهم: أنتم نور العالم، بل ولنصر كأنوار في العالم، نضيء بين الأمم كما قال بولس الرسول في (في٢: ١٥): نحن قوة حية للآخرين. فلنتخذ شيئًا من الألوهة* ولنقتبس نورًا من النور الأول. لنسر نحو إشعاع هذا النور قبل أن تحجب بيننا وبينه الظلال”.

غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، ١٩٩٤)، عظة المعمودية والمعمدون، عظة ٤١، ص١٦٠.

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق التالي:

“ولكي تتقدموا أنتم كأنوار كاملة أمام النور الكبير، وأن تدخلوا إلى موكب النور النابع من النور الكبير متخذين* من النور الأبهى والأنقى، نور الثالوث الذي قبلتموه صبحًا من أصباح الألوهة الواحدة لشخص ربنا يسوع المسيح”.

المرجع السابق، عظة الظهور الإلهي في المسيح أو عظة عيد الأنوار، عظة ٣٩، ص ١٧٥.

 

كما يتحدث ق. باسيليوس الكبير عن اختبار النور الإلهي غير المخلوق لفهم وإدراك الإلهيات، وإنه بدون الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق لا يمكن أن تفكر النفس بصورة سليمة كالتالي:

“لأنه تمامًا كما هو النور المحسوس بالنسبة للعين، هكذا الله الكلمة بالنسبة إلى النفس، لأن الكتاب المقدس يقول: كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم (يو١: ٩). وبناءً على ذلك، فإن النفس التي ليس فيها نور، لا تستطيع أن تفكر بشكل صحيح […] وأن يقتربوا من هذه الولادة من خلال إشراقة النور الإلهي”.

باسيليوس الكبير (قديس)، ضد أفنوميوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، ص ١٤٨، ١٤٩.

 

كما يتحدث ق. باسيليوس الكبير في موضع آخر عن اتحادنا وتلامسنا مع بهاء الألوهة والاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“هؤلاء يوصيهم أن يقتربوا من الرب، ويتلامسوا مع بهاء ألوهيته، حتى أنهم بهذا الاقتراب، بعدما يستنيرون بنور الحقيقة، يقبلوا داخلهم هذا النور بواسطة النعمة، وكما هو الحال بالنسبة إلى النور المحسوس، فهو لا يشرق على الجميع بطريقة واحدة، بل يشرق فقط على الذين لهم أعين، وهم في حالة يقظة”.

باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج١، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، العظة السابعة على مز٣٤، ص ٢٢٧، ٢٢٨.

 

وهكذا يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“إن نور الحق يسطع علينا نحن الذين نواصل السير في هذا المساء الهادئ في الحياة، وينير أعين أرواحنا بأشعته. هذا الحق الذي تجلى لموسى بنور غامض لا يُوصف ولا يُنطق به هو الله”.

غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى، ترجمة: مجدي فهيم حنا، مراجعة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، ٢٠٢١)، ٢: ١٩، ص ٥٠.

ثم يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن اختبار القديس اسطفانوس للنور الإلهي غير المخلوق، الذي هو مثال لاتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“كيف رأى اسطفانوس مجد الله؟ مَن الذي فتح له أبواب السماء؟ تُرى هل هذه النعم محصلة قوة إنسانية؟ هل ملاك أصعد طبيعتنا التي كانت تنظر إلى أسفل إلى ذلك السمو؟ لم يحدث أي شيء من كل هذا. فكل ما له علاقة بهذه القصة، لم يذكر شيئًا مثل هذا، بمعنى أن اسطفانوس لم ير ما رأه لأنه كان قويًا للغاية، أو لأنه نال معونة كاملة من الملائكة.

فماذا قال النص الإنجيلي؟ قال: وأما هو فشخص إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأى مجد الله ويسوع قائمًا عن يمين الله (أع٧: ٥٥). لأنه من غير الممكن، كما يقول داود النبي، أن يرى أحد النور، إن لم يكن قائمًا داخل النور: بنورك نرى نورًا (مز٣٦: ٩). لأنه من المستحيل رؤية النور خارج النور.

أي كيف يمكن للمرء أن يرى الشمس، وهو موجود بعيدًا عن أشعتها؟ لأن نور الابن الوحيد الجنس هو داخل نور الآب، أي داخل الروح القدس المنبثق من الآب، لذا بعدما امتلأ (أي اسطفانوس) أولاً من الروح القدس استنار، حينئذ أدرك مجد الآب والابن”.

غريغوريوس النيسي (قديس) ، اسطفانوس أول شهداء المسيحية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، العظة الأولى، ص ٣٦، ٣٧.

 

ويتحدث أيضًا ق. ديونيسيوس الأريوباغي عن خبرة اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

” من جهتي، فهذا ما أصلي به، أما أنت أيها العزيز تيموثاوس، انشغل بشدة بالرؤى السرية، اترك الأنشطة الحسية والذهنية، كل ما يخص الحواس والعقل، كل الموجودات وغير الموجودات (نحيه جانبًا)، وترفع غير مستندًا على معرفة حتى تتحد قدر المستطاع بمَّن هو أعلى من كل جوهر ومن كل معرفة. عندما تصل إلى الدهش*، حيث تتحرر بالكلية من ذاتك، من كل الأشياء، عندما تنزع عنك كل شيء، وتعفي نفسك من كل شيء، سوف ترتفع إلى الشعاع الفائق الجوهر للظلمة الإلهية”.

ديونيسيوس الأريوباغي (المستعار)، اللاهوت الباطني، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، ص ١٠٤، ١٠٥.

وهكذا نجد أن تعليم الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو تعليم كتابي، ورسولي، وآبائي أرثوذكسي سليم اختبره التلاميذ والرسل وآباء الكنيسة على مر العصور.

يُتبع…

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي قراءتنا في فكر الهرطقة النسطورية، ونستعرض كيف يرى نسطوريوس آباء الكنيسة المنادين بالتأله بالنعمة بشكل عام، والقديس كيرلس عمود الدين بشكل خاص، حيث يقول التالي:

“يتميز هؤلاء بالفعل عن المانويين، لأنهم يعترفون حقًا بأن الجسد من طبيعتنا، وإنه لم يكن هيئة schêma الجسد، بل طبيعة الجسد. ولكن البعض من الآخرين الذين يكونون معهم (المشهورين)، لأنهم يعترفون بأن الجسد حقيقي، ولا ينتمي إلى الطبيعة البشرية، بل صار إلهيًا، ومن طبيعة اللاهوت.

فإنهم يتميزون في ذلك، ويسعون بكل قدرتهم إليه. وأولئك الذين يظنون أنهم يخدمون الكنيسة معترفين بأن الجسد من طبيعتنا، ومن أوسيتنا (جوهرنا)، وبالتالي تمييزه معروف لجميع البشر. بشكل عام، فإنهم يتنازعون ويتصارعون مع الجميع: مع المانويين، بخصوص نقطة إنه كان يوجد أوسيا (جوهرًا) وأوسيا (جوهرًا) في الحقيقة، ومع الآخرين، إنه لم يكن من طبيعة الله، بل من طبيعة آبائنا، أما مع الكنيسة، فإنهم يحولون الجسد إلى أوسيا (جوهر) الله.

وبالتالي، لأنهم لا يسمحون للجسد أن يظل في أوسياه (جوهره)، فإنهم يشبهون المانويين بتبديد أوسيا (جوهر) الجسد، ولكنهم يختلفون عنهم في أنهم يقولون أن الله كان بالتمام في هيولي hylê الجسد.

ولكنهم بذلك يحولون فورًا (الجسد) إلى أوسيا (جوهر) الله الكلمة، ويأبون الاعتراف بأن الله كان مع الجسد البشري، ويقبلون بنفس الرأي والشعور، عندما يقصون أوسيا (جوهر) الجسد، كأنما لم يوجد، مصرين سواء على تأليه أوسيا (جوهر) الجسد – أو كما يمكن القول – على جعل أوسيا (جوهر) الله يصير متجسدًا في أوسيا (جوهر) جسد اللاهوت”

(Heraclides 1: 32).

بالطبع هناك العديد من المغالطات في كلام نسطوريوس السالف الذكر، سنبينها ونبين فسادها بحسب اللاهوت الأرثوذكسي بخصوص التأله بالنعمة، والخريستولوجي عامةً:

١. يعترف نسطوريوس أن اللاهوت متحد بالناسوت باتحاد بروسوبوني، أي اتحاد في الهيئة فقط، وليس اتحادًا أقنوميًا كما قال آباء الكنيسة، فيشبه الأرثوذكس الذين يقولون بالاتحاد الأقنومي أنهم مانويون، لأنهم يمزجون ويخلطون الله بالمادة، وهذا بحسب فهمه الخاطئ للاهوت الأرثوذكسي، فلم يقل أحد من آباء الكنيسة باختلاط أو امتزاج الطبائع في المسيح الواحد.

٢. يرفض نسطوريوس فكرة أن يصير الجسد جسدًا إلهيًا، مستنكرًا ذلك، وهو بذلك خالف آباء الكنيسة، لأنه بالفعل في التجسد الإلهي، صار الجسد جسد الله الكلمة كما قال ق. أثناسيوس وغيره من الآباء الأرثوذكس.

٣. يظل نسطوريوس في جهله بسر المسيح كما اسماه ق. كيرلس، ويعتقد بأن القائلين بالتأله بالنعمة يحولون جوهر الجسد إلى جوهر الله، وهذا بعينه ما يقوله البعض في عصرنا الحالي، متهمين زورًا وبهتانًا المؤمنين بعقيدة التأله بالنعمة، أنهم يحولون طبيعة وجوهر الإنسان إلى طبيعة وجوهر الله.

٤.يقول نسطوريوس عبارة في منتهى الخطورة لينكر بها الاتحاد الأقنومي في المسيح، حيث يقول إن “الله كان مع الجسد البشري”، وليس متحدًا به، كما يعتقد. لأنه ينكر الاتحاد الأقنومي الحادث في المسيح الواحد. بل يقول بمجرد مصاحبة الله لجسد بشري.

٥. يتهم نسطوريوس المصرين على عقيدة التأله بالنعمة، إنهم بذلك يفنون ويبددون جوهر الجسد في الاتحاد الأقنومي، وهو مخطئ في ذلك، لأنه مَن مِن آباء الكنيسة قال بذلك، فهذه هي الهرطقة الأوطاخية بعينها. التي ترفضها كنيستنا القبطية الأرثوذكسية بشدة.

٦. وأخيرًا، يستنكر نسطوريوس على الجانب الأرثوذكسي قولهم بأن الله يصير متجسدًا في جسد اللاهوت، أي يستنكر اتحاد الله بالجسد اتحادًا أقنوميًا حقيقيًا، وأن يُنسب الجسد إلى اللاهوت، ويصير جسد اللاهوت. يا له من تخريب وتدمير لسر المسيح!

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

Exit mobile version