التجسد قصد الله منذ الأزل – د. أنطون جرجس عبد المسيح

التجسد قصد الله منذ الأزل – د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ديسمبر 2024

التجسد قصد الله منذ الأزل – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفهرست

التجسد قصد الله منذ الأزل. 1

الفصل الأول: التجسد تدبير الله الأزلي. 4

ق. أثناسيوس الرسولي. 6

الفصل الثاني: حالة الإنسان قبل السقوط. 8

ق. يوستينوس الشهيد 8

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي. 8

ق. إيرينيؤس أسقف ليون. 9

ق. كليمندس الإسكندري.. 10

العلامة ترتليان الأفريقي. 11

ق. ميثوديوس الأوليمبي. 11

ق. ديونيسيوس الإسكندري.. 11

ق. أثناسيوس الرسولي. 12

ق. غريغوريوس النزينزي.. 12

ق. غريغوريوس النيسي. 13

ق. كيرلس الإسكندري.. 13

أوغسطينوس أسقف هيبو. 13

الأب يوحنا الدمشقي. 14

مار يعقوب الرهاوي.. 14

مار ديونيسيوس بن الصليبي. 15

مار غريغوريوس بن العبري.. 15

مار سويروس يعقوب البرطلي. 16

الفصل الثالث: التأله غاية خلق الإنسان. 18

ق. يوستينوس الشهيد 19

ق. إيرينيؤس أسقف ليون. 20

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي. 21

العلامة أثيناغوراس الأثيني. 22

العلامة ترتليان الأفريقي. 23

نوفاتيان الأفريقي. 23

ق. أثناسيوس الرسولي. 23

ق. كيرلس الأورشليمي. 26

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان. 27

ق. غريغوريوس اللاهوتي. 28

ق. غريغوريوس النيسي. 28

ق. يوحنا ذهبي الفم 29

ق. مكاريوس الكبير. 29

ق. كيرلس الإسكندري.. 30

أوغسطينوس أسقف هيبو. 34

الأب مكسيموس المعترف.. 35

الأب يوحنا الدمشقي. 36

الفصل الرابع: التأله غاية التجسد الإلهي. 39

ق. إيرينيؤس أسقف ليون. 44

نوفاتيان الأفريقي. 45

ق. أثناسيوس الرسولي. 46

ق. كيرلس الأورشليمي. 48

ق. هيلاري أسقف بواتييه. 49

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان. 50

ق. غريغوريوس اللاهوتي. 51

ق. غريغوريوس النيسي. 52

ق. يوحنا ذهبي الفم 52

مار أفرام السرياني. 54

ق. كيرلس الإسكندري.. 54

أوغسطينوس أسقف هيبو. 55

مار فيلوكسينوس المنبجي. 56

مار يعقوب السروجي. 57

الأب مكسيموس المعترف.. 58

الفصل الخامس: استعلان الثالوث القدوس في التجسد الإلهي. 62

ق. أثناسيوس الرسولي. 64

الفصل السادس: المسيح هو شجرة الحياة 74

ق. أثناسيوس الرسولي. 75

ق. كيرلس الإسكندري.. 75

ق. مكاريوس الكبير. 75

ق. غريغوريوس النيسي. 76

مار أوغريس البنطي. 76

مار غريغوريوس بن العبري.. 77

الفصل السابع: تفسير عبارة قانون الإيمان ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“. 79

ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس.. 79

ق. كيرلس الإسكندري.. 80

الفصل الثامن: التجسد غير المشروط في الدراسات اللاهوتية الأكاديمية. 85

جوهانس كواستن. 85

توماس تورانس.. 85

جوستاف ألين. 91

لورانس جرينستيد 92

هستنجس راشدال. 92

التجسد قصد الله منذ الأزل

سوف نُناقِش في هذا البحث كيف أن التجسُّد الإلهيّ هو قصد الله منذ الأزل، وذلك في سياق عقيدة التأله، أو الخلود، أو شركة الطبيعة الإلهية، وعلاقة التأله بخلق الإنسان، وبالتجسُّد، وارتباط التأله بالتجسُّد غير المشروط بخطية آدم، وذلك من خلال دراسة عدة محاور رئيسية، أهمها:

التجسُّد هو تدبير الله الأزليّ قبل إنشاء العالم، فالتجسُّد موجودٌ في فكر وخطة الله منذ الأزل، وبالتالي، التجسُّد لم يكن مشروطًا بالسقوط في الخطية، بل كان التجسُّد سيتمُّ حتى لو لم يخطئ آدم، لأن تدبير الله للتجسُّد نابعٌ من صلاحه ومحبته وليس عن اضطرار.

المحور الثاني هو توصيف حالة الإنسان قبل السقوط وحاجته إلى الاتحاد بالله من أجل التأله والخلود، فالتأله هو غاية خلق الإنسان من البدء، وهذا هو المحور الثالث، حيث قصد الله للإنسان أن يتأله منذ أن خلقه، وكانت هذه الغاية النهائية للإنسان أن يتأله ويتَّحد بالله من خلال التجسُّد الإلهيّ، فالاتحاد بالله لا يكون بدون التجسُّد. والمحور الرابع سيكون التأله هو غاية التجسُّد الإلهيّ كتأكيد على المحور السابق، من أن تجسُّد الكلمة واتحاد بالطبيعة البشرية نفسًا وجسدًا، كان القصد منه هو تأليه الإنسان من خلال الاتحاد بالله في المسيح عن طريق التجسُّد الإلهيّ لأقنوم الكلمة، الذي وحَّد الاثنين معًا، الله والإنسان، وذلك من خلال تجسُّده وتأنُّسه.

أمَّا عن المحور الخامس فهو استعلان الثالوث القدوس في التجسُّد الإلهيّ، وذلك من أجل التأكيد على أنه بدون التجسُّد الإلهيّ لا يمكن للبشرية أن تتعرَّف على طبيعة وجوهر الله كثالوث مبارك في ثلاثة أقانيم، لذا كان من الضروريّ أن يتجسَّد الله من أجل أن يُعلِن عن طبيعته وجوهره كثالوثٍ مُباركٍ في ثلاثة أقانيم مُتساوية في الجوهر والطبيعة والألوهة.

بينما يهدف المحور السادس من هذا البحث إلى التأكيد على أن المسيح هو شجرة الحياة التي كانت موجودة في جنة عدن، وكان الإنسان مدعو للأكل من شجرة الحياة وهو في الجنة، لكي ينال الحياة الأبدية والخلود من شجرة الحياة، التي هي المسيح نفسه، وبالتالي، كان ينبغي للإنسان الأول أن يتَّحد بالمسيح شجرة الحياة في الفردوس لكي ينال الخلود والحياة الأبدية، وهذا الاتحاد بين الإلهيّ والإنسانيّ هو التجسُّد الإلهيّ عينه، وليس أيّ شيء آخر، لذا كان من الضروريّ للإنسان أن يتجسَّد الله لينال بواسطته ومن خلال الاتحاد به بالأكل من شجرة الحياة، التأله، والخلود، وعدم الموت، وشركة الطبيعة الإلهية.

ويأتي المحور السابع في نفس السياق وهو تفسير عبارة ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“ في الجزء الخاص بالتجسُّد في قانون الإيمان النيقاويّ القسطنطينيّ، الذي تتلوه كنيستنا في كل قداس، مُؤكِّدةً على حقيقة أن الله الكلمة تجسَّد من أجلنا، وليس فقط من أجل خلاصنا، وتحمل عبارة ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“ الكثير من المعاني والمفاهيم اللاهوتية التي سوف نستعرضها في هذا البحث، وكيف فهم آباء الكنيسة وفسَّروا عبارة ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“ في قانون الإيمان الأرثوذكسيّ، وتأكيدهم على حتمية التجسُّد الإلهيّ من أجل استعلان الله للبشرية، واتحاد الإنسان بالله في المسيح، وتأليه الإنسان، ونواله الحياة الأبدية والخلود وحياة عدم الفساد وعدم الموت. ثم سوف نستعرض في المحور الثامن الآراء اللاهوتية الأكاديمية من كبار الأساتذة والباحثين اللاهوتيين حول التجسُّد غير المشروط بخطية آدم.

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ديسمبر 2024

 

 

التجسد قصد الله منذ الأزل – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الأول

التجسد تدبير الله الأزلي

الفصل الأول: التجسد تدبير الله الأزلي

تدبير التجسُّد هو تدبير أزليّ حتميّ بشهادة آيات الكتاب المقدس التالية:

  • يُشِير بولس الرسول إلى تدبير ملء الأزمنة في المسيح الجامع في ذاته كل الأشياء مما في السماء ومما على الأرض، وهذا التدبير هو تدبير تجسُّده الإلهي العجيب قائلاً: ”لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ فِي ذَاكَ“ (أف10:1).
  • يتحدَّث بولس الرسول عن السر المكتوم منذ الدهور في الله بالمسيح يسوع، قاصدًا سر تجسُّده الإلهيّ غير المشروط بسقوط آدم أو خطيئته، بل هو تدبير أزليّ كائن في الله قبل كل الدهور قائلاً: ”وَأُنِيرَ الْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ فِي اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ“ (أف9:3).
  • يتحدَّث بولس الرسول عن سر حكمة الله المكتومة، أي سر التجسُّد الإلهيّ واتحاد الله بالبشرية في المسيح يسوع الذي عيَّنه الله قبل كل الدهور والأزمنة من أجل البشرية قائلاً: ”بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا“ (1كو 7:2).
  • يتحدَّث بولس الرسول عن السر المكتوم منذ الدهور، أي سر التجسد الإلهيّ الذي كان في فكر الله وتدبيره قبل كل الدهور، وغير المشروط بالسقوط والعصيان، بل نابع من صلاح الله ومحبته للبشرية قائلاً: ”السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ وَمُنْذُ الأَجْيَالِ، لكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ لِقِدِّيسِيهِ“ (كو ١: ٢٦).
  • يتحدَّث بولس الرسول أيضًا عن إعلان السر المكتوم في المسيح منذ الأزمنة الأزلية، أي سر التجسُّد قائلاً: ”وَلِلْقَادِرِ أَنْ يُثَبِّتَكُمْ، حَسَبَ إِنْجِيلِي وَالْكِرَازَةِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، حَسَبَ إِعْلاَنِ السِّرِّ الَّذِي كَانَ مَكْتُومًا فِي الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ، وَلكِنْ ظَهَرَ الآنَ، وَأُعْلِمَ بِهِ جَمِيعُ الأُمَمِ بِالْكُتُبِ النَّبَوِيَّةِ حَسَبَ أَمْرِ الإِلهِ الأَزَلِيِّ، لإِطَاعَةِ الإِيمَانِ، للهِ الْحَكِيمِ وَحْدَهُ، بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ“ (رو 16: 25-27).
  • يُشِير بولس الرسول إلى أزلية تدبير التجسُّد الإلهيّ الذي أُعطِيَ لنا في المسيح قبل الأزمنة الأزلية، وغير المشروط بخطية آدم وسقوطه، بل بمقتضى قصد ونعمة الله التي أُعطِيَت لنا في المسيح يسوع قائلاً: ”[الله] الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ“ (2تي 1: 9).
  • يتحدَّث بولس الرسول أيضًا عن رجاء الحياة الأبدية الذي وعد به الله البشرية قبل الأزمنة الأزلية، وهو غير مشروط بسقوط الإنسان أو خطيئته، بل مرتبط ومشروط بصلاح الله المنزَّه عن الكذب، والذي لا يرجع في وعوده الأزلية قائلاً: ”عَلَى رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، الَّتِي وَعَدَ بِهَا اللهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ، قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ“ (تي 1: 2).

جميع هذه الآيات كانت إشارات كتابية واضحة إلى أزلية وحتمية تدبير سر التجسُّد الإلهيّ، ولكن يدَّعي البعض أن هذا التدبير الإلهيّ الأزليّ كان من أجل علاج نتائج سقوط الإنسان، أي مشروط بسقوط الإنسان، بمعنى لو لم يسقط الإنسان في التعدي، لما حدث سر التجسُّد الإلهيّ. وهنا نتساءل: كيف يكون تدبير أزليّ حتميّ، ويكون مشروطًا في نفس الوقت بالسقوط؟ هل الله مُقيَّد بضرورة وحتمية السقوط ليُعلِن تدبيره وسره الأزليّ؟ هل الله يُدبِّر أموره وفقًا لمتغيرات المخلوقات؟ هل تدبير الله يتغيَّر وفقًا لمشيئة وإرادة مخلوقاته؟ هل يوجد في مشيئة الله وإرادته تغيُّر وتبدُّل وتحوُّل، ذاك الذي قيل عنه: ’الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ‘ (يع 1: 17)؟ بالتأكيد، لا، حاشا!

ق. أثناسيوس الرسولي

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أزلية إرادة التجسُّد الإلهي عند الله، وليس بسبب سقوط الإنسان تفاجأ الله فدبَّر التجسُّد، أو دبَّر التجسُّد أزليًا وأنتظر سقوط الإنسان، أو دبَّر التجسُّد أزليًا وكان سيتراجع عنه لو لم يخطئ الإنسان، فالتجسُّد تدبير أزلي حتمي من أجل تكميل الخلق واستمرار الخليقة كالتالي:

”كما أن تجديد خلاصنا قد تأسَّس في المسيح قبلنا، لكي يمكن إعادة خلقتنا من جديد فيه، فالإرادة والتخطيط قد أُعِدَ منذ الأزل، أما العمل فقد تحقَّق عندما استدعت الحاجة وجاء المخلِّص إلى العالم“.[1]

 

التجسد قصد الله منذ الأزل – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثاني

حالة الإنسان قبل السقوط

 

 

الفصل الثاني: حالة الإنسان قبل السقوط

سوف نتحدَّث في هذا الفصل عن طبيعة آدم قبل السقوط وما هو مصير الإنسان قبل السقوط بحسب تعاليم آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، لندرك مدى العلاقة الوثيقة بين التجسُّد غير المشروط وحالة آدم قبل السقوط، حيث لم يكن آدم كاملاً منذ خلقته، بل كان في مرحلة طفولة ومرحلة متوسطة بين العظمة والوضاعة، وكان في حالة نمو نحو الكمال والتأله والخلود، فالإنسان لم يكن خالدًا ومتألهًا بطبيعته، بل كان سيترقى ويتأله ويخلد بنعمة خالقه، لو أنه أبقى الله في معرفته وحفظ الوصية. لذلك كان الإنسان في احتياج للتجسُّد قبل السقوط من أجل الوصول إلى غايته وهي الكمال والتأله والخلود من خلال الاتحاد بالله في التجسُّد الإلهيّ، أعمق درجات الاتحاد والشركة مع الله.

ق. يوستينوس الشهيد

نبدأ بالقديس يوستينوس الشهيد الذي يرى أن الإنسان قبل السقوط كان مدعو للاشتراك في الخلود لو أنه حفظ الوصية، فالإنسان لم يكن خالدًا بالطبيعة، بل كان سينال الخلود كنعمة ومكافأة إلهية على طاعته للوصية كالتالي:

”عندما شكل الله الإنسان في البداية، فقد أرجأ أمور الطبيعة بإرادته، وجرَّب بوصية واحدة. لأنه قضى بأنه، إذا حفظ هذه الوصية، فإنه سوف يشترك في الخلود“.[2]

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي

ويتحدَّث ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي أن آدم كان في مرحلة الطفولة والنمو عند خلقته قائلاً:

كان آدم في عمر رضيع. ومن ثمَّ، لم يكن قادرًا بعد على اكتساب المعرفة بشكل صحيح. […] لذلك، لم يكن الله يشعر بالغيرة، كما يفترض البعض في أمره لآدم بألا يأكل من شجرة المعرفة. كذلك أراد الله أن يختبره ليرى هل سيظل بسيطًا ومخلصًا لوقت أطول محافظًا على طفولته“.[3]

ويُوضِّح ق. ثيؤفيلوس أن الإنسان لم يُخلق خالدًا أو فانيًا، بل في حالة وسطية بين الفناء والخلود كالتالي:

لذا لم يخلقه الله خالدًا أو فانيًا. لكن كما قلنا في السابق، قادرًا على كليهما. فإنْ توجَّه إلى حياة الخلود بحفظه وصايا الله، ربح الخلود كمكافأةٍ منه وصار إلهيًا. ولكن إنْ توجَّه إلى أعمال الموت عاصيًا الله، صار مسئولاً عن موته“.[4]

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

ويُؤكِّد ق. إيرينيؤس الليونيّ أن الله لم يخلق الإنسان كاملاً في البدء، بل كان الإنسان في مرحلة طفولة ونمو نحو الكمال قائلاً:

”ماذا إذًا ألم يكن يستطيع الله أن يُظهر الإنسان كاملاً من البدء؟ […] أما المخلوقات فيجب أن تكون أقل منه هو الذي خلقها […] ولكن بقدر أنها ليست غير مخلوقة، فلهذا السبب بالذات تقصر عن أن تكون كاملةً. لأنه بسبب أن هذه الأشياء هي من تاريخ متأخر، لذلك، فهي طفولية، وهي لم تتعود على النظام الكامل ولم تتدرب عليه“.[5]

ويُؤكِّد ق. إيرينيؤس أن الإنسان سيد الخليقة عند خلقته، كان لا يزال صغيرًا، وكان عليه أن ينمو ليُحقِّق كماله قائلاً:

”ولكن بينما كانت هذه الكائنات الأخيرة في قمة قوتها، كان سيدها، أيّ الإنسان، لا يزال صغيرًا، كان طفلاً عليه أن ينمو لكي يُحقِّق كماله“.[6]

ويشير ق. إيرينيؤس إلى أن الله لم يخلق الإنسان كاملاً من الأول، لكونه لا يزال طفلاً، لم يكن يستطيع أن ينال هذا الكمال كالتالي:

”كان ممكنًا لله نفسه أن يخلق الإنسان كاملاً من الأول، ولكن الإنسان لم يكن يستطيع أن ينال هذا الكمال، لكونه لا يزال طفلاً“.[7]

ق. كليمندس الإسكندري

ويُؤكِّد ق. كليمندس الإسكندريّ في نفس السياق أن الإنسان لم يكن كاملاً في خلقته، بل كان مهياءً لقبول الفضيلة كالتالي:

”هل خُلِقَ آدم كاملاً أم ناقصًا؟ حسنًا، إذا كان ناقصًا، فكيف يمكن أن يكون عمل الله الكامل […] وإذا كان كاملاً، فكيف تعدى الوصايا؟ لأنهم سوف يسمعون منا أنه لم يكن كاملاً في خلقته، بل مهياءً لقبول الفضيلة“.[8]

العلامة ترتليان الأفريقي

ويرى العلامة ترتليان القرطاچني في الغرب أن الإنسان كان عرَّضةً للموت بسبب حالته، ولكن كان رجاء التأله محفوظًا له في المستقبل كالتالي:

”والآن، على الرغم من أن آدم كان عرضةً للموت بسبب حالته تحت الناموس، إلا أن الرجاء كان محفوظًا له بقول الرب: هوذا آدم يصير كواحدٍ منا (تك ٣: ٢٢)، أيّ نتيجة اتخاذ الإنسان إلى الطبيعة الإلهية في المستقبل“.[9]

ق. ميثوديوس الأوليمبي

وهكذا يُؤكِّد ق. ميثوديوس الأوليمبي أن الإنسان لم يكن كاملاً، لذلك لم يكن مستعدًا لتقبل فكرة الكمال، أي البتولية كالتالي:

ولأن الإنسان في الأزمنة القديمة لم يكن كاملاً، لذلك لم يكن مستعدًا لتقبل فكرة الكمال، التي هي البتولية“.[10]

ق. ديونيسيوس الإسكندري

ويرى ق. ديونيسيوس الإسكندري أن آدم خُدع في بداية خلقته لأنه لم يكن إنسانًا كاملاً كالتالي:

خُدِعَ آدم لأنه لم يكن إنسانًا كاملاً، كان نفسًا حيةً (تك ٢: ٧)، ولم يصر بعد روحًا محييًا (١كو ١٥: ٤٥)“.[11]

ق. أثناسيوس الرسولي

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن الإنسان فانٍ بطبيعته لأنه مخلوقٌ عدميٌّ، وكان مدعو لأن يقاوم قوة فنائه الطبيعي ويبقى في عدم فناء، لو أنه أبقى الله في معرفته كالتالي:

فالإنسان فانٍ بطبيعته لأنه خُلِقَ من العدم، إلا أنه بسبب خلقته على صورة الله الكائن كان ممكنًا أن يقاوم قوة الفناء الطبيعي، ويبقى في عدم فناء، لو أنه أبقى الله في معرفته“.[12]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أن البشر كانوا بالطبيعة فاسدين، لكن كانت لديهم إمكانية الإفلات من الفساد الطبيعيّ بنعمة اشتراكهم في الكلمة لو أنهم بقوا صالحين، مما يُوضِّح أن نعمة الاشتراك في الكلمة هي شرطٌ أساسيٌّ وضروريٌّ للإفلات من الفساد الطبيعيّ، الذي كان من طبيعة الإنسان قبل السقوط، مما يُؤكِّد على ضرورة تجسُّد الكلمة من أجل أن يشترك الإنسان في نعمته قبل السقوط لكي ما يفلت من الفساد الطبيعيّ الذي كان في طبيعته قبل السقوط كالتالي:

”لأنهم كانوا – كما ذكرت سابقًا – بالطبيعة فاسدين لكنهم بنعمة اشتراكهم في الكلمة كان يمكنهم أن يفلتوا من الفساد الطبيعيّ لو أنهم بقوا صالحين“.[13]

ق. غريغوريوس النزينزي

ويُقرِّر ق. غريغوريوس النزينزيّ الحالة الوسطية للإنسان عند خلقته بين العظمة والوضاعة، وبين العدمية والخلود، مما يؤكد احتياجه للاتحاد بالله من أجل نوال الخلود والحياة الأبدية، وذلك لا يمكن أن يحدث بدون تجسُّد الكلمة قبل السقوط ليُؤمِّن للإنسان الخلود وعدم الموت كالتالي:

”لذلك خلق الإنسان. […] ولكنه في نفس الوقت تحت سلطان الملك السمائيّ، أرضيّ وسماويّ، زمنيّ وخالد، منظور وعقليّ، موجود في منزلة بين العظمة والوضاعة“.[14]

ق. غريغوريوس النيسي

ويُؤكِّد ق. غريغوريوس النيسيّ أن الطبيعة البشرية منذ خلقتها تحتل الوسط بين الطبيعة الإلهية والطبيعة الحيوانية غير العاقلة كالتالي:

الطبيعة البشرية تحتل الوسط بين طرفين متناقضين: أعني بين الطبيعة الإلهية التي لا جسد لها وبين حياة الحيوانات غير العاقلة“.[15]

ق. كيرلس الإسكندري

ويُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ أن الإنسان لم يُخلَق في حالة عدم فساد وعدم فناء مثل الله كالتالي:

”وعندما خلق الله الإنسان، أتى به من العدم إلى الوجود، دون أن يكون في طبيعة الإنسان عدم فساد وعدم فناء؛ لأن هاتين الصفتين من صفات الله وحده“.[16]

أوغسطينوس أسقف هيبو

وهذا هو ما يُؤكِّده أوغسطينوس أسقف هيبو في الغرب، فيرى أن الله لم يخلق الإنسان في البدء مساويًا للملاك، بل لو أطاع وظل أمينًا، كان سينتقل ويترقى كالملاك إلى حالة عدم الموت والخلود والسعادة الأبدية، فلم يكن الإنسان خالدًا بالطبيعة بل بالنعمة كالتالي:

”علمًا بأن الله لم يخلق الإنسان في البدء مُساويًا للملاك الذي لم تقدر الخطيئة أن توجهه إلى الموت، لو أطاع وبقي أمينًا، لانتقل، كالملاك، إلى حالة لا يعرف فيها الموت، شبيهةٍ بحالة الملاك، ومن ثم، إلى الخلود والسعادة الأبدية. لكنه عصى فأنزل به قرار الموت“.[17]

الأب يوحنا الدمشقي

ويشير يوحنا الدمشقيّ إلى حالة الإنسان الوسطية عند خلقته بين العظمة والضعة قائلاً:

”إذًا، لقد خلق الله الإنسان خاليًا من الشرِّ […] أرضيًا وسماويًا، وقتيًا وخالدًا، منظورًا ومعقولاً، وسطًا بين العظمة والضعة[18]

مار يعقوب الرهاوي

ويستشهد مار يعقوب الرهاوي، الأب السرياني الكبير، بكلمات ق. غريغوريوس النزينزي عن حالة الإنسان المتوسطة وانتقاله بعد ذلك وارتقائه إلى التأله بجنوحه نحو الله قائلاً:

”خلق [الله] الإنسان، إذ أخذ الجسد من المادة الموجودة من قبل، ووضع من ذاته الحياة التي تُعرف بالنفس العاقلة وصورة الله كعالمٍ ثانٍ […] يستمد سلطانه من فوق، أرضي وسماوي، زمني وغير مائت، منظور وعاقل، يتوسط العظمة والوضاعة […] حيوان يوجد وينتقل إلى مكان آخر، وختام السر، إنه يتأله بجنوحه نحو الله“.[19]

مار ديونيسيوس بن الصليبي

ويُؤكِّد مار ديونيسيوس بن الصليبي، الأب السرياني المعروف، أن آدم خُلق مائتًا في طبيعته لكنه لو حفظ الوصية لكان الله سينعم عليه بامتياز الخلود كالتالي:

خُلِقَ آدم مائتًا قابلاً للموت في طبيعته لكنه لو حفظ الوصية لكان تعالى أنعم عليه بامتياز الخلود. ونحن نتبع هذا المذهب لأننا نعتقده صحيحًا“.[20]

مار غريغوريوس بن العبري

وهذا عين ما يُؤكِّده مار غريغوريوس بن العبري، مفريان المشرق، داحضًا رأي الزاعمين بأن آدم خُلِق غير قابل للموت كالتالي:

ونقول ضد الزاعمين أن آدم خُلِقَ غير قابل للموت، أن الموت يُقال بنوعين، كما سبق فقلنا أعلاه، الموت الطبيعي وهو انفصال النفس عن الجسد، وموت الخطية، وهو انفصال النفس عن الله. فآدم إذًا خُلِقَ قابل للموت بحسب النوع الأول. لأنه خُلق إنسانًا، وكل إنسان مائت، وغير قابل للموت بحسب النوع الثاني [موت الخطية]، لأن الخطية لا تُخلق بالطبيعة، بل الإرادة تتسلط على الأهواء بقدر استطاعتها ليخطئ، وهكذا يمكنه أن لا يخطئ“.[21]

مار سويروس يعقوب البرطلي

وأخيرًا، يُشدِّد مار سويروس يعقوب البرطلي، الأب السرياني الكبير، أن آدم خُلق مائتًا بطبعه، وإنه كان سيُمنح عدم الموت لا في طبيعته، بل بنعمة خالقه، لو حفظ الوصية كالتالي:

”اتَّضح إذًا من خلال هذه كلها أن آدم خُلِقَ مائتًا بطبعه، ولكننا نقول: أنه كان سيُمنح عدم الموت لا بطبعه، بل بنعمة خالقه، لو أنه حفظ الوصية“.[22]

 

التجسد قصد الله منذ الأزل – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الثالث

التأله غاية خلق الإنسان

 

الفصل الثالث: التأله غاية خلق الإنسان

ينبغي أن نضع نصب أعيننا بعض الحقائق الكتابية قبل أن نناقش حقيقة أن التألُّه هو غاية خلق الإنسان.

  • يتحدَّث بولس الرسول عن أن الله فقط الذي له عدم الموت وحده، والخلود وعدم الموت في حالة المخلوقات هو مُجرَّد هبة أو عطية ممنوحة من الله الذي له عدم الموت وحده قائلاً: ”الْمُبَارَكُ الْعَزِيزُ الْوَحِيدُ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ، الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ“ (1تي 6: 15، 16).
  • يتحدَّث سفر الحكمة عن أن الله خلق الإنسان من أجل أن يحيا حياةً أبديةً، وصنعه على صورته الخالدة، ولكن الخلود في الإنسان ليس بالطبيعة، بل هو نعمة وعطية من الله كالتالي: ”خلق الله الإنسان لحياةٍ أبديةٍ، وصنعه على صورته الخالدة“ (حك 2: 23 مشتركة).
  • يتحدَّث يشوع ابن سيراخ عن أنه لا يوجد كمال في البشر، وأن الإنسان لا يخلد بدون الشركة مع الله قائلاً: ”ما من كمال عند البشر، لأن الإنسان لا يخلد“ (سي 17: 30 مشتركة).
  • يتحدَّث بولس الرسول أيضًا عن رجاء الحياة الأبدية الذي وعد به الله البشرية قبل الأزمنة الأزلية، وهو غير مشروط بسقوط الإنسان أو خطيئته، بل مُرتبط ومشروط بصلاح الله المنزَّه عن الكذب، والذي لا يرجع في وعوده الأزلية قائلاً: ”عَلَى رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، الَّتِي وَعَدَ بِهَا اللهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ، قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ“ (تي 1: 2).
  • ويُصرِّح المسيح نفسه له كل المجد أن الحياة الأبدية ما هي إلا معرفة الإنسان لله الآب الإله الحقيقيّ ويسوع المسيح ابنه الوحيد الذي أرسله لأجل البشرية ليمنحها الحياة الأبدية، وبالتالي، الحياة الأبدية مشروطة ومُرتبِطة بالاتحاد بالمسيح، والاتحاد بالمسيح غير مشروط بخطية آدم، بل هو قصد الله الأزليّ للبشرية كالتالي: ”وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ“ (يو 17: 3).
  • يُؤكِّد يوحنا الرسول أن المسيح هو وحده الإله الحق والحياة الأبدية، لذا بدون الاتحاد بالمسيح في سرّ التجسُّد الإلهيّ، لا يمكن للمخلوقات أن تحيا للأبد قائلاً: ”وَنَحْنُ فِي الْحَقِّ فِي ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هذَا هُوَ الإِلهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ“ (1يو 5: 20).
  • يُوضِّح يوحنا الرسول أن المسيح هو الحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهِرت لنا قائلاً: ”فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ [المسيح] الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا“ (1يو 1: 2).

ق. يوستينوس الشهيد

يشير ق. يوستينوس إلى أن البشر قبل السقوط حُسِبوا مُستحقين أن يصيروا آلهةً، وأن يكون لهم السلطان أن يصيروا أبناء العليّ، إلا أنهم سقطوا تحت الحكم والدينونة، كما حدث مع آدم وحواء، فالإنسان كان مدعو للتأله والتبني منذ البدء، ولا يمكن حدوث ذلك إلا من خلال الاتحاد بالله في التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”لقد بيَّن لنا المزمور (مز 82: 1-8) أنهم حُسِبوا مُستحِقين أن يصيروا آلهةً، ويكون لهم السلطان أن يصيروا أبناء العليّ (يو 1: 12)، إلا أنهم سقطوا تحت الحكم والديونة كما حدث مع آدم وحواء“.[23]

كما يُؤكِّد ق. يوستينوس أن تأليه البشر يحدث فقط من خلال قوة الكلمة [اللوغوس]، فهو الوحيد القادر على أن يهبنا الخلود ويجعل منَّا آلهةً، ويمنحنا الارتقاء من الأرض إلى الأماكن العليا، وهذا لا يمكن حدوثه بدون اتحاد اللوغوس بنَّا في التجسُّد، مما يُؤكِّد على حقيقة التجسُّد غير المشروط بخطية آدم كالتالي:

”إن قوة الكلمة [اللوغوس] هذه لا تصنع منَّا شعراءً أو فلاسفةً مُثقَّفين، أو خطباءً فصحاءً، ولكنها تُعطِينا الخلود، وتجعل منَّا آلهةً، وتنقلنا من الأرض إلى أماكن أعلى من أولمبوس“.[24]

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

يتحدَّث ق. إيرينيؤس، أسقف ليون بفرنسا والملقَّب بـ ”أبي التقليد الكنسيّ“، عن أن غاية الله من خلق الإنسان هي تأليه الإنسان بالنعمة، وأنه كان سينال ذلك بعد وقت طويل من خلقته، وليس أنه قد خُلِقَ مُتألهًا وخالدًا، بل كان مُجرَّد بشر ثم يتدرج بعد وقت ليصير إلهًا كالتالي:

”لأن هذه الحيوانات العجماوات، لا تتهم خالقها لأنهم لم يُخلَقوا بشرًا، بل كل منها بحسب ما خُلِقَ يُقدِّم الشكر؛ لأنه قد خُلِقَ. حيث أننا نحن نُوجِّه اللوم لله، لأننا لم نُخلَق آلهةً من البداية، ولكن خُلِقنا أولاً مُجرَّد بشر، ثم بعد وقت طويل آلهةً“.[25]

يتحدَّث ق. إيرينيؤس عن أن تألُّه الإنسان يحدث فقط من خلال اتحاد الله بالإنسان، وبالتالي يُؤكِّد على حقيقة التجسُّد غير المشروط بخطية آدم، لأنها جميعًا أمور مرتبطة ببعضها البعض، فتكميل خلق الإنسان ليصير إلهًا بالنعمة، لا يمكن حدوثه من دون اتحاد الله بالإنسان عن طريق سر التجسُّد الإلهيّ، ليجعل الله الإنسان شريكًا في عدم الفساد وعدم الموت (التألُّه)، وهذا لا يُمكِن حدوثه بدون الوسيط بين الله والناس، أيّ الإنسان يسوع المسيح. حيث يقول التالي:

ولو لم يكن الإنسان قد اتَّحد بالله، لما صار شريكًا في عدم الفساد إطلاقًا، لأنه كان إلزامًا على الوسيط بين الله والناس، من خلال علاقته بكل منهما أن يُحضِر كليهما إلى الصداقة، والوئام، ويُقدِّم الإنسان إلى الله، بينما يصير الله مُعلَنًا للإنسان“.[26]

ونستنتج مما سبق تأكيد ق. إيرينيؤس على أن التألُّه، أيّ حياة عدم الفساد، والخلود، وعدم الموت، كان الغاية من خلق الإنسان منذ البدء. كما أكَّد ق. إيرينيؤس أيضًا على أنه لا يوجد وسيلة أخرى لنوال الاتحاد بالله والشركة معه، ومن ثم نوال حياة عدم الفساد وعدم الموت والتألُّه إلا عن طريق تجسُّد الكلمة الابن الوحيد، مُؤكِّدًا على حقيقة التجسُّد غير المشروط للابن قبل السقوط ليُعطِي للإنسان الذي خُلِقَ ناقصًا منذ البدء وغير كامل كماله، وخلوده، وتألُّهه.

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي

يتحدَّث ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ، وهو أحد الآباء المعلِّمين في كنيسة أنطاكية في القرن الثاني، عن خلق الله للإنسان في حالة متوسطة بين الفناء والخلود، وكان عليه أن يسلك بحكمة حسب الوصية ليصير خالدًا وإلهيًا، وبالطبع لا يمكن أن يتم ذلك بدون الاتحاد بالله عن طريق التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”لكن قد يقول أحدهم لنا: هل خُلِقَ الإنسان فانيًا بالطبيعة؟ لا على الإطلاق. هل خُلِقَ الإنسان إذًا خالدًا؟ ولا نقول هذا أيضًا. ولكن سيقول أحدهم: هل خُلِقَ إذًا كلا شيء على الإطلاق؟ نحن لا نقول هذا أيضًا. في واقع الأمر، لم يكن الإنسان فانيًا أو خالدًا بالطبيعة. لأنه لو خلقه الله خالدًا من البداية، لكان جعله إلهًا. مرةً أخرى، لو خلقه فانيًا، كان سيبدو أن الله مسئول عن موته. لذا لم يخلقه الله خالدًا أو فانيًا. لكن كما قلنا في السابق، قادرًا على كليهما. فإن توجه إلى حياة الخلود بحفظه وصايا الله، ربح الخلود كمكافأة منه وصار إلهيًا. ولكن إنْ توجه إلى أعمال الموت عاصيًا الله، صار مسئولاً عن موته“.[27]

العلامة أثيناغوراس الأثيني

يتحدَّث الفيلسوف المسيحيّ أثيناغوراس الأثينيّ، والذي يُقَال إنه كان أحد مُديري مدرسة الإسكندرية اللاهوتية في عصره، عن أن الإنسان لم يكن خالدًا بطبيعته، وأن الخلود كان سيُمنَح له كعطية لو عاش بالشريعة والعدالة كالتالي:

”ولذلك فإنْ كان الإنسان قد خُلِقَ لا بدون سبب ولا هباءً (إذ ليس أيٍّ من أعمال الله هباءً، على الأقل على حد علم غاية صانعهم)، ولا لمنفعة الصانع، أو أيّ من الأعمال الخارجة عنه، فمِن الواضح بحسب الرؤية الأولى والأشمل للموضوع، أنه على الرغم من أن الله جبل الإنسان لنفسه وخلقه في سعي للخير والحكمة المتجلين في الخليقة، إلا أنه بحسب الرؤية المتلامسة مع الكائنات المخلوقة بشكل أقرب، فهو جبلهم لأجل حياة تلك المخلوقات […] لكن هؤلاء الحاملين في أنفسهم صورة الخالق ذاته، والمزوَّدة بعقل، ومُباركةٌ بتفكير عقلاني، فقد عيَّن الخالق لها وجودًا أبديًا، ذلك لكي يتعرفوا على صانعهم، وقوته، وقدرته، مُرشَدين بالشريعة والعدالة، لعلهم يتخطون وجودهم كله بلا معاناة حائزين تلك الصفات التي بها قد عاشوا بشجاعة حياتهم السابقة، على الرغم من أنهم عاشوا في أجساد مادية وقابلة للفساد“.[28]

العلامة ترتليان الأفريقي

يُؤكِّد العلامة ترتليان على أن التألُّه هو غاية خلق الإنسان، وإن الإنسان لو لم يسقط، كان سيُؤخَذ في المستقبل إلى الطبيعة الإلهية كالتالي:

”والآن، على الرغم من أن آدم كان عُرضةً للموت بسبب حالته تحت الناموس، إلا أن الرجاء كان محفوظًا له بقول الرب: ’هوذا آدم يصير كواحد منا‘ (تك٣: ٢٢)، أي نتيجة اتخاذ الإنسان إلى الطبيعة الإلهية في المستقبل. إذًا، ما الذي يلي ذلك؟ ’والآن، لئلا يمد يده، ويأخذ أيضًا من شجرة الحياة، (ويأكل)، ويحيا إلى الأبد‘. وبالتالي، يُظهِر بإضافة الجزء عن الوقت الحاضر ’والآن‘، أنه قد خلقه للوقت، وللحاضر، ولاستمرار حياة الإنسان“.[29]

نوفاتيان الأفريقي

يُؤكِّد نوفاتيان الأفريقيّ، أحد الآباء اللاتين، أن كل إنسان مُقيَّد بقوانين الفناء، ولا يمكنه أن يجعل نفسه حيًا إلى الأبد، ولكن المسيح فقط هو الذي يُعطِي الخلاص إلى الأبد كالتالي:

”وبالتالي، فكل إنسان مُقيَّد بقوانين الفناء، وبالتالي، لا يمكنه أن يجعل نفسه حيًا إلى الأبد. غير أن المسيح يعد أن يُعطِي الخلاص إلى الأبد“.[30]

ق. أثناسيوس الرسولي

يرى ق. أثناسيوس أن الإنسان لو حفظ الوصية والنعمة في الفردوس كان سينال وعد الله له بالخلود في السماء، فالإنسان لم يُخلَق خالدًا بالطبيعة في بداية الخلق وقبل السقوط، بل خُلِقَ في مسيرة نمو وتقدم نحو الخلود والتألُّه، كما قال الآباء السالف ذكرهم، وهذا أيضًا ما سوف يذكره ق. غريغوريوس اللاهوتيّ أيضًا في عظته الفصحية الثانية عن أن الإنسان كان مدعو ليصير إلهًا وينتقل لعالم آخر، وهنا نتساءل: كيف كان سيحدث هذا الخلود، سوى باتحاد الإلهيّ مع الإنسانيّ في التجسُّد الإلهيّ، لكي يُؤلِّه الإنسان مانحًا إياه الخلود، وهذا هو ببساطة تعليم التجسُّد غير المشروط بخطية آدم كالتالي:

”ولكن لعلمه أيضًا أن إرادة البشر يمكن أن تميل إلى أحد الاتجاهين (الخير أو الشر) سبق فأمَّن النعمة المعطَاة لهم بوصية ومكان، فأدخلهم في فردوسه وأعطاهم وصية حتى إذَا حفظوا النعمة واستمروا صالحين، عاشوا في الفردوس بغير حزن ولا ألم ولا هم بالإضافة إلى الوعد بالخلود في السماء“.[31]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على ضرورة التجسُّد الإلهيّ وذلك من أجل تكميل الخليقة، فالبعض يعتقد عن دون وعي أن الله خلق الإنسان قبل السقوط كاملاً دون النمو في هذا الكمال، ولكن الإنسان خُلِقَ منذ البدء في مسيرة نمو وتقدم نحو الكمال والتأله، ولا يمكن أن يصل الإنسان إلى الكمال والتأله بدون الاتحاد بالله والشركة معه في سر التجسُّد الإلهيّ، فالإنسان حتى قبل السقوط، وحتى بعد القيامة من الأموات ودخوله للملكوت، يظلّ في مسيرة تأله ونمو وتقدم نحو الكمال بصورة لا نهائية وغير مُنقطِعة، بل حتى الملائكة أنفسهم في نفس هذه المسيرة والرحلة من التأله والتقدم نحو الكمال بصورة لا نهائية ودائمة وبدون انقطاع كالتالي:

”إنَّ الأعمال التي يتحدَّث عنها هنا أن الآب قد أعطاها له ليُكمِّلها، هي تلك التي خُلِقَ من أجلها كما يقول في الأمثال: الرب خلقني أول طرقه لأجل أعماله“.[32]

يُشدِّد ق. أثناسيوس على حتمية وضرورة التجسُّد الإلهيّ من أجل الاتحاد بالله، لأنه بدون الاتحاد بالله لا يمكن للإنسان أن ينال الخلود والتأله والحياة الأبدية، ولم يكن الإنسان قبل السقوط يمتلك كل هذه الأمور، بل كان مدعو لذلك إنْ ثبت على محبة الله والشركة معه وإطاعة الوصية، والاستمرار في معية الله، فكان سينال كل هذه الأمور كمكافأة له على طاعته للوصية، ولم يكن يمتلك كل هذه الأمور قبل ذلك كالتالي:

”هذا لأن كلمة الله الذاتيّ عينه، الذي من الآب، قد لَبِسَ الجسد وصار إنسانًا، لأنه لو كان مخلوقًا ثم صار إنسانًا، فإن الإنسان يبقى كما كان دون أن يتَّحد بالله“.[33]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على حقيقة التجسُّد غير المشروط بخطية آدم وسقوطه، لأن حالة الإنسان في الجنة قبل العصيان، كان يلزمها تجسُّد الكلمة واتحاده بالجسد لكيلا تصير النعمة فقط من الخارج، بل مُتَّحِدةً بالجسد أيضًا من الداخل كالتالي:

”ولو أن الله قال كلمة واحدة – بسبب قدرته – وأبطل بها اللعنة، لظهرت قوة الذي أعطى الأمر، ولكن الإنسان كان سيظل كما كان آدم قبل العصيان، لأنه كان سيحصل على النعمة من الخارج دون أن تكون متَّحِدةً مع الجسد – فهذه كانت الحالة عندما وُضِعَ في الجنة – بل ربما صارت حالته الآن أسوأ مما كان في الجنة بسبب أنه قد تعلَّم كيف يعصي“.[34]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على حقيقة التجسُّد غير المشروط بخطية آدم من أجل ضمان النعمة وعدم ضياعها أو فقدانها مثلما أخذ آدم وفقد النعمة كالتالي:

”فهو رغم أنه ليس مُحتاجًا إلا أنه يُقَال عنه إن ما أخذه، قد أخذه إنسانيًا، وأيضًا لكي تبقى هذه النعمة مضمونة ما دام الرب نفسه قد أخذ، لأن الإنسان المجرَّد حينما يأخذ، فهو مُعرَّض لأن يفقد أيضًا كما ظهر في حالة (آدم)، لأنه أخذ وفَقَدَ. ولكن لكي تبقى النعمة غير مُتغيَّرة وغير قابلة للضياع وتظل محفوظة للبشر بشكلٍ أكيد، لذلك فهو يمتلك العطية لنفسه، ولهذا يقول إنه أخذ سلطانًا كإنسان، وهو السلطان الذي كان له دائمًا كإله“.[35]

ق. كيرلس الأورشليمي

يُؤكِّد ق. كيرلس الأورشليميّ على أن الخلود وعدم الفساد هما عطية من الله للنفس، وأنها ليست خالدةً بالطبيعة، لذا تحتاج للاتحاد بالله من خلال التجسُّد لتنال الخلود وعدم الفساد كالتالي:

”وعلاوة على ذلك، اعلم أن لك نفسًا حرةً هي أجمل صنائع الله، خلقها الله على صورته، إنها خالدةٌ لأن الله يمنحها الخلود. إنها كائن عاقل غير فاسد، لأن الله يمنحها عدم الفساد“.[36]

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان

يُفرِّق ق. أمبروسيوس بين عدم الموت الخاص بطبيعة الله، وبين عدم الموت الخاص بنا، ويؤكد على أن النفس البشرية تموت، وأن الملاك ليس خالدًا بصورةٍ مطلقةٍ، بل خلودهما يعتمد على مشيئة الخالق، فكل مخلوق في داخله إمكانية الفساد والموت، حتى لو لم يرتكب خطية، وبالتالي الخلود هو هبة من الله يهبها للإنسان والملاك، ولا يمكن أن يحدث الخلود في حالة الإنسان بدون اتحاده بالله من خلال التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”ولكن عدم الموت الخاص بطبيعته [أي بطبيعة الله] شيء، وعدم الموت الخاص بنا شيء آخر، لأن الأشياء القابلة للفناء لا يمكن مقارنتها بالطبيعة الإلهية. إن الألوهية هي الجوهر الوحيد الذي لا يمكن أن يلحقه الموت، ولذلك، فإنه الرسول مع أنه يعلم أن أرواح البشر والملائكة لا تموت، فإنه يُعلِن أن الله وحده هو الذي له عدم الموت (بطبيعته)، لأنه في الحقيقة حتى النفس يمكن أن تموت بحسب المكتوب: ’النفس التي تخطئ تموت‘ (حز 18: 20)، والملاك ليس خالدًا بصفةٍ مطلقةٍ، فخلوده يعتمد على مشيئة الخالق. […] فكل مخلوق، إذًا، يوجد في داخله إمكانية الفساد [الاضمحلال] والموت، حتى ولو كان في الوقت الحاضر لا يموت، أو لا يرتكب خطيةً، وحتى لو أنه لم يُسلِّم ذاته إلى الخطية، فإن هذا لا يكون بسبب طبيعته الخالدة، ولكن بسبب الجهاد النسكيّ أو النعمة. إذًا، فالخلود الناتج عن الهبة هو شيء، والخلود الذي ليست فيه أي قابلية للتغيير هو شيء آخر“.[37]

ق. غريغوريوس اللاهوتي

يُؤكِّد ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا على حقيقة أن التأله هو غاية خلق الإنسان، ويشير إلى انتقال الإنسان الأول قبل السقوط إلى عالم آخر في نهاية المطاف، ليصير إلهًا بشوقه لله كالتالي:

”هو نفسه [الإنسان] روح وجسد: روح بحسب النعمة، وجسد لكي يستطيع أن يسمو به. [بالروح] ليحيا ويُمجِّد [الله] المحسِن إليه، و[بالجسد] لكي يتألم ويُؤدَّب بوجعه، راميًا إلى الارتقاء نحو العظمة. كائن حيّ يُقِيم في الأرض، ولكنه ينتقل إلى عالم آخر، وفي نهاية المطاف، يصير إلهًا بشوقه إلى الله. لأنه حسب رأيي: إن نور الحق المعتدِل الذي يظهر لنا على الأرض يقودنا لنرى ونختبر بهاء الله، الذي كوَّننا [من الروح والمادة]، ولذي سيحلّ مُركَّبنا ثم يُعِيد تكوينه على وجه أبهى وأمجد“.[38]

ق. غريغوريوس النيسي

ويشير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الإنسان خُلِقَ مهيئًا كي يتمتع بالصالحات الإلهية، ومن ثم كان يجب أن يكون في حال قرابة بطبيعته مع ما دُعِيَ لأن يشترك فيه، أي الأبدية الإلهية، وبالتالي، لم يكن الإنسان خالدًا بطبيعته منذ خلقته، بل كان مدعوًا لأن ينال الأبدية والتأله فيما بعد من خلال اتحاده بالله في المسيح كالتالي:

”وبالمثل فالإنسان قد خُلِقَ مهيئًا كي يتمتع بالصالحات الإلهية، ومن ثمَّ، كان يجب أن يكون في حال قرابة بطبيعته مع ما دُعِيَ لأن يشترك فيه. لذلك، فإنه قد تزين بالحياة وبالكلمة وبالحكمة، وبكل ما يليق بصلاح الله حتى ما يستطيع بواسطة كل هذا أن يكون له الرغبة نحو ما له صلة بالصلاح الإلهيّ. وواحدة من تلك الصالحات التي تخص الطبيعة الإلهية هي الأبدية، فينبغي على كل حال ألا يكون تكوين طبيعتنا المخلوقة بلا نصيب من تلك الصالحات، بل أن تملك عدم الموت في ذاتها، حتى أنه بسبب القوة الكامنة تستطيع أن تتعرف على ما هو سامٍ، وأن تبغي الأبدية الإلهية“.[39]

ق. يوحنا ذهبي الفم

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم أنه كما دُعِيَ المسيح ابن الله وإلهًا، كان ينبغي أن يصير الإنسان ابن لله وإلهًا كالتالي:

”حيث إن المسيح دُعِيَ ابن الله ودُعِيَ أيضًا إلهًا، فالإنسان الذي دُعِيَ أيضًا ابن لله ينبغي أن يكون إلهًا، لأن الكتاب يقول: ’أنا قُلتُ إنكم آلهةٌ وبنو العليّ كلكم‘ (مز 82: 6)“.[40]

ق. مكاريوس الكبير

يرى ق. مكاريوس الكبير، أحد الآباء النساك العظام، أن النفس رغم خلقتها على صورة الله، إلا أنها لا تملك النور الإلهيّ، لأنه هكذا دبَّر الله لها وسُرَّ بأن تنال الحياة الأبدية، ولكن ليس من طبيعتها الخاصة، بل من لاهوته ومن روحه القدوس ومن نوره الخاص، وبالتالي، يؤكد ق. مكاريوس الكبير على حقيقة أن النفس البشرية لا تنال الحياة الأبدية بدون الاتحاد باللاهوت من خلال التجسُّد الإلهيّ، الذي هو أسمى وأعلى درجات الاتحاد بين الله والإنسان كالتالي:

”على نفس المنوال النفس أيضًا، فرغم خلقتها على صورة الله، إلا أنها لا تملك النور الإلهيّ، لأنه هكذا قد دبَّر الله لها وسُرَّ بأن تنال الحياة الأبدية، لكن ليس من طبيعتها الخاصة؛ بل من لاهوته هو ومن روحه ومن نوره الخاص تنال طعامًا وشرابًا روحانيًا ولباسًا سماويًا – الأمور التي هي حياة النفس بالحقيقة. فكما أن حياة الجسد – كما سبق وقلنا – لا تكون من ذاته، بل من خارجه، أي من الأرض، وبدون الأشياء الخارجة عنه لا يستطيع هذا الجسد أن يحيا؛ كذلك النفس أيضًا بدون أن تُولَد منذ الآن لأرض الأحياء تلك (مز 27: 13)، وتغتذي روحيًا من هناك، وتنمو وتتقدَّم في الربِّ، وتكتسي من اللاهوت بثياب البهاء السماويّ التي تفوق الوصف – بدون ذلك الغذاء لا تستطيع النفس أن تحيا في تمتُّع وراحة بغير فساد […] الويل كذلك للنفس إنْ هي اكتفت بطبيعتها وحدها، واتكلت على أعمالها فقط، ولم تقتن شركة الروح القدس، فسوف تموت لأنها لن تُحسَب أهلاً لحياة اللاهوت الأبدية“.[41]

ق. كيرلس الإسكندري

يشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الخلود لم يكن من طبيعة الإنسان عند خلقته، لأن عدم الفساد وعدم الفناء ليسا من طبيعة الإنسان، بل هما صفتان لله وحده، يمنحهما الله للإنسان بالنعمة، لذا كان من الضروريّ أن يتجسَّد الله لكي ما يتَّحد الإنسان به فينال الخلود والحياة الأبدية كالتالي:

”الإنسان مخلوق عاقل، ومُركَّب من النفس، ومن جسد ترابيّ قابل للفناء. وعندما خلق الله الإنسان، أتى به من العدم إلى الوجود، دون أن يكون في طبيعة الإنسان عدم فساد وعدم فناء؛ لأن هاتين الصفتين من صفات الله وحده. ولكن الإنسان خُتِمَ بروح الحياة، أي الاشتراك في الحياة الإلهية، فنال الإنسان بذلك الصلاح الذي يفوق الطبيعة الإنسانية، ولذلك قيل إن الله نفخ في أنفه نسمة حياة، فصار الإنسان نفسًا حيةً (تك 2: 7). وعندما عُوقِب الإنسان على معصيته، قيل له بالحق: ’لأنك تراب وإلى ترابٍ تعود‘ (تك 3: 19). فتعرى من النعمة أي نسمة الحياة، أي روح ذاك الذي يقول: ’أنا هو الحياة‘، ففارق الروح القدس الجسد الترابيّ، وسقط الإنسان فريسةً للموت، أي موت الجسد وحده. أما النفس فلم تمت. لأنه قيل عن الجسد وحده: ’أنت تراب وإلى التراب تعود‘“.[42]

يُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ أن أقنوم الكلمة وحده هو مَن يعطي المخلوقات نعمة الوجود، ونعمة البقاء، ويمنحها الأبدية من عنده، لأن الكائنات بطبيعتها غير أبدية، لذا كان ينبغي أن يتَّحد الله بها من خلال التجسُّد لكي تنال الخلود والحياة الأبدية كالتالي:

”فليس من الكائنات جميعًا كائن واحد دُعِيَ للوجود من العدم بدون الكلمة. وحيث إنه يمنح الخليقة نعمة الوجود، فهو يُعطِي أيضًا نعمة البقاء، ويمنح من عنده الأبدية، لكل الكائنات التي بطبيعتها ليست أبديةً، فيصبح بذلك هو الحياة لكل مَن جاء إلى الوجود لكي يبقى في الحياة حسب حدود طبيعته“.[43]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على أن كل ما دُعِيَ من العدم إلى الوجود، فإنه بالضرورة يتداعى وينحلّ، وكل ما له بداية يُسرِع نحو النهاية ماعدا الواحد وحده، أيّ الطبيعة الإلهية الفائقة التي لم تسبقها بداية، وهي حرةٌ تمامًا من النهاية، لذلك بحكمة الخالق الذي يعلم ضعف المخلوقات يصنع لهم أبديةً، فيبدو أن حكمة الخالق التي تصنع أبديةً للمخلوقات الضعيفة كانت تجسُّد الكلمة غير المشروط بخطية آدم من أجل تأبيد المخلوقات ومنحها الحياة الأبدية من خلال تجسُّده واتحاده بها كالتالي:

”وحيث إن كل ما دُعِيَ من العدم إلى الوجود بالضرورة يتداعى وينحلّ، وكل ما له بداية، يُسرِع نحو النهاية، ما عدا الواحد وحده، أيّ الطبيعة الفائقة التي لم تسبقها بداية، وهي حرةٌ تمامًا من النهاية، وبحكمة الخالق الذي يعلم ضعف المخلوقات يصنع لهم أبديةً“.[44]

يُفرِّق ق. كيرلس الإسكندريّ بين صورة الله ومثاله في الإنسان، حيث يرى أن لصورة الله معاني كثيرة، بينما المثال هو حياة عدم الفساد وعدم الاضمحلال، كما يؤكِّد على أن الإنسان لم يكن خالدًا بالطبيعة منذ خلقته، بل كان سينال الخلود بعد ذلك كعطية من الله على طاعته للوصية وثباته في الله كالتالي:

”ورغم أن حديثي أقل من المستوى اللازم، إلا أنني يجب أن أُواصِل مُوضِّحًا الحالة الأولى لطبيعتنا. فإني أعرف أننا إذ نقصد بإخلاص أن نُدرِك معنى الكلمات التي أمامنا، فإننا سنتجنب الأخطار الناتجة عن الكسل. إذًا، فهذا المخلوق العاقل أي الإنسان، قد خُلِقَ من البداية على صورة ذاك الذي خلقه حسب المكتوب (أنظر كو٣: ١٠). وصورة لها معاني مُتعدّدة. فيمكن أن تكون الصورة ليس حسب معنى واحد، بل حسب معاني كثيرة، أمَّا عنصر مُماثلة الله الذي خلقه، الذي يعلو الكل، فهو عدم الفساد وعدم الاضمحلال. فنحن نعرف أن المخلوق لا يمكن أن يكون كفوًا في ذاته أن يكون هكذا كالله بمُجرَّد قانون طبيعته الخاصة، لأنه كيف يمكن لذاك الذي هو من الأرض بحسب طبيعته الخاصة، أن يملك مجد عدم الفساد، إنْ لم يحصل على ذلك من الله الذي هو بالطبيعة عديم الفساد، وعديم الفناء، وهو دائم هكذا كما هو إلى الأبد، والله هو الذي يُغنِي الإنسان بهذه الهبة كما يهبه كل العطايا الأخرى؟“.[45]

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على حقيقة أن التألُّه هو غاية خلق الإنسان من البدء، لو لم يسقط في التعدي والعصيان، فالله كان سيجعله شريكًا للطبيعة الإلهية، كما يؤكِّد أيضًا على أن النفخة التي نفخها الله في الإنسان هي الروح القدس، روح الابن، وليس كما يُنكِر البعض بأن النفخة في بداية الخلق هي نفخة الروح القدس كالتالي:

”فكما يقول بولس الملهم بكل عقل وحكمة: وأيّ شيء لك لم تأخذه (١كو٤: ٧). لذلك، فلكي لا يتلاشى ذلك الذي خُلِقَ من العدم، ويعود إلى العدم مرةً أخرى، بل بالحري يُحفَظ على الدوام -كما كان قصد الذي خلقه- لذلك فإن الله يجعله شريكًا للطبيعة الإلهية، لأنه ’نفخ في أنفه نسمة حياة‘ (تك٢: ٧)، أي روح الابن، لأن الابن نفسه مع الآب هو الحياة، وهو يضبط كل الأشياء معًا في الوجود. لأن كل الكائنات التي تنال الحياة ’به تحيا وتتحرك‘ حسب كلمات بولس الرسول (أنظر أع١٧: ٢٨)“.[46]

ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن النفخة في بداية الخلق هي نفخة الروح القدس، ويقول إنه مَنْ يفترض أن نفخة الله في بداية الخلق صارت نفسًا مخلوقة هو إنسان لا يملك تفكيرًا سليمًا، ويشرح ذلك كالتالي:

”فإننا يجب أن نُكرِّر مرةً أخرى ونقول – لا يوجد أيّ إنسان ذو تفكير سليم، يمكن أن يفترض أن النسمة التي صدرت من الجوهر الإلهيّ صارت نفسًا مخلوقةً، بل إنه بعد أن صار للمخلوق نفسًا، أو بالحري بعد أن بلغ إلى كمال طبيعته بوجود النفس والجسد معًا، فإن الخالق طبع عليه ختم الروح القدس أي ختم طبيعته الخاصة أي نسمة الحياة، والتي بواسطتها صار المخلوق مُشكَّلاً بحسب الجمال الأصليّ، واكتمل على صورة ذاك الذي خلقه. وهكذا وُهِبت له الإمكانية لكل شكل من أشكال السمو بفضل الروح الذي أُعطِي له ليسكن فيه“.[47]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على أن كل شيء له بداية، يُسرِع نحو النهاية، ما عدا الله الخالق وحده الذي لا تسبقه بداية، وهو حر تمامًا من النهاية، ولأنه يعلم ضعف المخلوقات يصنع لهم أبدية كالتالي:

”ولأنه واحد فقط هو الحياة، فهو الذي يُقدِّم الحياة للكل بالشكل الذي يتناسب مع طبيعة كل كائن وبالشكل الذي يليق به للاشتراك في حياة الكلمة. وحيث إن كل ما دُعِيَ من العدم إلى الوجود بالضرورة يتداعى وينحَّل، وكل ما له بداية، يُسرِع نحو النهاية، ما عدا الواحد وحده، أي الطبيعة الفائقة التي لم تسبقها بداية، وهي حرةٌ تمامًا من النهاية، وبحكمة الخالق الذي يعلم ضعف المخلوقات يصنع لهم أبدية“.[48]

يتضَّح من هنا تأكيد ق. كيرلس الإسكندري على أن التألُّه هو غاية خلق الإنسان كما قصد الله، أي أن يصير شريكًا للطبيعة الإلهية، ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن نفخة الله في بداية الخلق لم تكن نسمة الحياة المخلوقة في الإنسان، بل ختم الروح القدس أي ختم طبيعته الخاصة في الإنسان، وليس كما ينكر البعض ويدَّعون أن نسمة الله في بداية الخلق هي مُجرَّد نسمة الحياة أو النفس المخلوقة في الإنسان.

أوغسطينوس أسقف هيبو

يتحدَّث أوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، مثله مثل الآباء السابقين، عن أن التألُّه هو غاية الله من خلق الإنسان منذ البدء، وإنه كان سيصير إلهًا لو لم يسقط بالتعدي والعصيان، وذلك لو لم نجحد نعمته، ولم نتخلف عن الاتحاد به، ويُؤكِّد أوغسطينوس هنا على أن الوسيلة الوحيدة لتأليه الإنسان هي الاتحاد بالله، وأن هذا الاتحاد لا يمكن أن يحدث بدون الاتحاد الحميم جدًا بين الله والإنسان في سر التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”هنالك في الراحة سوف ترى أنه هو الله، طبيعة سامية ادَّعيناها لنا حينما هبطنا من أعالي عهده على صوت الشيطان الذي أغوانا قائلاً: ’تصيران كآلهة‘، لم نحفظ الأمانة لهذا الإله الذي كان قادرًا على أن يجعل منا آلهةً، لو لم نجحد نعمه، ونتخلف عن الاتحاد به“.[49]

ويشير أوغسطينوس إلى أن الإنسان المخلوق بطبيعته ليس إلهًا، لكنه يصير إلهًا بدخوله شريكًا فيمَّن هو وحده الإله الحق، وهذا لا يمكن تحقيقه بدون التجسُّد الإلهي كالتالي:

”والحال إن الإنسان المخلوق ليس بطبيعته إلهًا، لكنه يصير إلهًا بدخوله شريكًا فيمَّن هو وحده الإله الحق. فإما أن يكون الربّ نصيبنا على نحو ما يختار البشر أنصبتهم، أو يتفق أن يحظى هذا أو ذاك بما يُبقِيه على قيد الحياة؛ أو أن يكون الربُّ نصيب الأبرار الذي يهبهم الحياة الأبدية“.[50]

الأب مكسيموس المعترف

يرى الأب مكسيموس المعترف أن غاية خلق الله للإنسان هي أن يصير شريكًا للطبيعة الإلهية، وأن يشترك مع الله في الأبدية، وبذلك يمكن أن يكون الإنسان مثله من خلال التأله بالنعمة كالتالي:

لقد خلقنا الله حتى يمكن أن نُصبح ’شركاء الطبيعة الإلهية‘ (2بط 1: 4)، ونُشارِكه في الأبدية، وبذلك يمكن أن ننكون مثله (1يو 3: 2) من خلال التأله بالنعمة. من خلال هذا التأله كُل الأشياء يُعَاد تشكيلها وتُحقِّق دوامها؛ ومن أجله ما هو غير موجود يأتي للوجود ويُعطَى وجودًا“.[51]

الأب يوحنا الدمشقي

يُؤكِّد الأب يوحنا الدمشقيّ، مثلما أكَّد الآباء السابقين عليه، على خلقة الإنسان في حالة وسطية بين الأرض والسماء، الزمن والخلود، العظمة والضعة، ويشير إلى حقيقة أن التأله هو غاية خلق الإنسان منذ البدء، ولا يمكن أن يحدث ذلك بدون اتحاد الإنسان بالله من خلال التجسُّد الإلهيّ قائلاً:

”إذًا، لقد صنع الله الإنسان خاليًا من الشرّ، مُستقِيمًا فاضلاً، لا غم ولا هم، زاهيًا بكل فضيلة، مُزدانًا بالصالحات كلها […] أرضيًا وسماويًا، وقتيًا وخالدًا، منظورًا ومعقولاً، وسطًا بين العظمة والضِعة، روحًا وجسدًا معًا، روحًا بالنعمة وجسدًا بالأصل، ذاك ليبقى ويُمجِّد المبدِع، وهذا ليشقى، وبشقائه يفطن ويرتدع عن الطموح إلى العظمة هنا – أي في الحياة الحاضرة – حيوانًا خاضعًا للتدبير، وهناك، في الدهر الآتيّ حيث المكافأة، ونهاية السرّ، يتألَّه بانقطاعه إلى الله بإشارة رضى منه تعالى. وتألهه اشتراك في الضياء الإلهيّ، لا انتقال إلى الجوهر الإلهيّ“.[52]

ويُؤكِّد المتروبوليت إيروثيؤس فلاخوس أن التأله هو الغاية الأخيرة لخلق الإنسان كالتالي:

”في التعليم الآبائيّ أنه في التجسُّد اتَّحد ابن الله وكلمته أقنوميًا بالطبيعة البشرية وهكذا تألهت هذه الطبيعة وصار الدواء الحقيقيّ والوحيد لخلاص الإنسان وتألهه. يستطيع الإنسان من خلال المعمودية المقدَّسة أن يصير عضوًا في جسد المسيح ويستطيع من خلال المناولة المقدَّسة أن يشترك في الجسد المؤله للمسيح، الجسد الذي أخذه من والدته السيدة. لو لم تتمَّ هذه الوحدة الأقنومية بين الطبيعتين الإلهية والبشرية، لما كان التأله ممكنًا. لهذا السبب، كان التجسُّد الغاية الأخيرة لخلق الإنسان. إن آلام المسيح وصليبه هي الأمور التي أضافها سقوط آدم. يقول الأب مكسيموس [المعترف] أن التجسُّد كان لخلاص الطبيعة، والآلام كانت بهدف تحرير أولئك الذين بالخطيئة امتلكهم الموت“.[53]

ويتَّضح مما سبق إجماع آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا على أن التأله هو الغاية الأخيرة للإنسان عندما خلقه الله، فقد أراد الله له أن يستمر في مسيرته الطبيعية نحو التأله والخلود من خلال الاتحاد به في التجسُّد الإلهيّ. فالتجسد الإلهيّ هو الوسيلة الوحيدة التي أعلن الله عنها من أجل الاتحاد به، وهذا ما سنراه في الفصل التالي.

 

 

الفصل الرابع

التأله غاية التجسد الإلهي

الفصل الرابع: التأله غاية التجسد الإلهي

يلزمنا قبل أن نُناقِش حقيقة أن تأليه الإنسان هو غاية التجسُّد الإلهيّ، أن ننتبه إلى بعض الحقائق الكتابية التي تُشِير إلى أن تأليه الإنسان كان في قصد الله منذ الأزل، وأعلنه عبر الكتاب المقدَّس من خلال عدة إشارات كتابية في العهدين القديم والجديد، وأن هذا التأليه أو مشتقاته من مصطلحات كالخلود وعدم الموت والحياة الأبدية وشركة الطبيعة الإلهية، لا يمكن أن يحدث بدون التجسُّد الإلهيّ واتحاد الله بالبشرية في هذا السر العظيم.

  • يدعو الله البشر صراحةً في المزمور بأنهم آلهة، وهنا لا يجب الخلط بين تأله الله بالطبيعة، وهذا شيء خاص وحصريّ بالله الثالوث القدوس وحده، وبين تأليه البشر والملائكة الأبرار بالنعمة الممنوحة من الله لهم، وبين التأله الباطل والكاذب للأصنام والشياطين، فينبغي عدم الخلط بينهم، وتوخي الحذر عند الحديث عنهم. التأله الكاذب والباطل هو التأله بمعزل عن الله، أمَّا تأليه الإنسان فهو نعمة إلهية ممنوحة من الله للإنسان بمسرته من خلال تجسُّده واتحاده بالبشرية في المسيح، ولا يجب الخلط بينه وبين تأله الله بالطبيعة والتأله الكاذب للشياطين والأصنام كالتالي: ”أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ“ (مز 82: 6).
  • ويُلقِّب الله موسى النبيّ بلقب ”الإله“ لأخيه هارون، ولا يجد الله غضاضة في ذلك، ولم يشعر الله بانتقاص لمجد ألوهيته عندما دعا موسى إلهًا لأخيه هارون، فلا يوجد مثل هذه الأمور في الله، حاشا! قائلاً: ”أَلَيْسَ هَارُونُ اللاَّوِيُّ أَخَاكَ؟ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ هُوَ يَتَكَلَّمُ، وَأَيْضًا هَا هُوَ خَارِجٌ لاسْتِقْبَالِكَ. فَحِينَمَا يَرَاكَ يَفْرَحُ بِقَلْبِهِ، فَتُكَلِّمُهُ وَتَضَعُ الْكَلِمَاتِ فِي فَمِهِ، وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَمَعَ فَمِهِ، وَأُعْلِمُكُمَا مَاذَا تَصْنَعَانِ. وَهُوَ يُكَلِّمُ الشَّعْبَ عَنْكَ. وَهُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا، وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ إِلهًا“ (خر 4: 14-16)
  • ويُلقِّب الله نفسه موسى النبيّ بلقب ”الإله“ لفرعون، فلا ينتقص هذا من مجد ألوهية الله في شيء، حاشا! بل بمسرته ونعمته أعطى هذا اللقب ”إله“ لموسى النبيّ كالتالي: ”فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: انْظُرْ! أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أَخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ. أَنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا آمُرُكَ، وَهَارُونُ أَخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ لِيُطْلِقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِهِ“ (خر 7: 1، 2).
  • يتحدَّث بطرس الرسول عن نعمة الله المعطاة لنا من خلال تجسُّده وتأنُّسه لكي نكون شركاء الطبيعة الإلهية دون أيّ انتقاص من ألوهيته أو مجده الإلهيّ على الإطلاق قائلاً: ”كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ، اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ“ (2بط 1: 3، 4).
  • ويرى يوحنا الرسول أن الله الآب سُرَّ أن يمنحنا عطية التبني، وأن نُدعَى أولاده، بل ويعدنا أننا نصير مثله، أي نتأله بنعمته، متى أُظهِر، لأننا سنراه كما هو في مجده وبهائه في المسيح يسوع ربنا كالتالي: ”اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ! مِنْ أَجْلِ هذَا لاَ يَعْرِفُنَا الْعَالَمُ، لأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُهُ. أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ“ (1يو 3: 1، 2)
  • يشير بولس الرسول إلى غايتنا جميعًا نحن البشر وهي أن ننتهي إلى الإنسان الكامل، أي إلى قامة ملء المسيح، وهذا لا يحدث بدون الاتحاد بالله في التجسُّد الإلهيّ بواسطة المسيح كالتالي: ”لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ“ (أف 4: 12، 13)
  • يُؤكِّد بولس الرسول على حقيقة نمونا اللانهائيّ نحو رأسنا يسوع المسيح، لأنه ينبغي علينا أن يصير كل واحد منَّا مسيحًا من خلال الاتحاد بالمسيح في سر تجسُّده الإلهيّ غير المشروط بخطية آدم أو سقوطه قائلاً: ”صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ، الَّذِي مِنْهُ كُلُّ الْجَسَدِ مُرَكَّبًا مَعًا، وَمُقْتَرِنًا بِمُؤَازَرَةِ كُلِّ مَفْصِل، حَسَبَ عَمَل، عَلَى قِيَاسِ كُلِّ جُزْءٍ، يُحَصِّلُ نُمُوَّ الْجَسَدِ لِبُنْيَانِهِ فِي الْمَحَبَّةِ“ (أف 4: 15، 16)
  • ويحثنا بولس الرسول على معرفة محبة المسيح الفائقة المعرفة التي يمكن من خلالها أن نمتلئ إلى كُل ملء الله، وهذا الملء هو ملء لانهائيّ وغير محدود بالنسبة لنا، فنحن مدعوين إلى الامتلاء بكل ملء الله، وهذا بالطبع لن ينتقص من ملئه غير المحدود، لأننا لا نمتلئ بمعزل عنه، بل بنعمته ومسرته ومشيئته الصالحة لنا كالتالي: ”وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ“ (أف 3: 19)
  • يُعلِن المسيح علانيةً للآب أنه مُمجَّد فينا وذلك من فيض وغنى نعمته، ولم ينتقص هذا الإعلان من مجد وكرامة المسيح، بل هو من فيض محبته وصلاحه نحونا قائلاً: ”وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ، وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي، وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ“ (يو 17: 10)
  • يُؤكِّد المسيح له المجد أنه كائنٌ فينا ويطلب من الآب أن يكون فينا الحب الذي أحبه الله الآب له، وهنا لم يجد المسيح أي غضاضة في أن يمنحنا هذا الحب اللانهائيّ الذي يحبه الآب له، ولم ينتقص هذا من مقدار الحب الأزليّ واللانهائيّ بينه وبين الآب، بل بمشيئته سُرَّ أن يهبنا ويمنحنا ويُشرِكنا في هذا الحب اللانهائيّ وغير المحدود قائلاً: ”وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ“ (يو 17: 26)
  • يُصرِّح بولس الرسول بل ويترجى أن يتصوَّر ويتشكَّل المسيح في داخلنا، ويأتي مَن يرفض هذا الفيض الجزيل من النعمة والحب، ويُزِايد على بولس الرسول وعلى المسيح نفسه، وكأنه يرفض هبة المسيح، أو لا يقبل ولا يصدق كلام بولس الرسول، أو يتجرأ ليُجاهِر أنه يعلم أكثر منهما كالتالي: ”يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ“ (غلا 4: 19) المسيح بنفسه مُتصوِّر فينا نحن البشر.
  • يُصرِّح بولس الرسول أن المسيح الرأس يملأ كليًا الكنيسة جسده من ملء نعمته وفيضه الجزيل قائلاً: ”وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ“ (أف 1: 22، 23).
  • يطلب الابن الوحيد من الآب أن تصير وحدتهما فينا، ونصير نحن واحدًا مثلهما قائلاً: ”أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ“ (يو 17: 11).
  • يُصرِّح المسيح نفسه أنه يُقدِّس ذاته، أي بشريته، لأجلنا، لكي ما يُقدِّس بشريتنا نحن المتَّحِدة به، ونصير مُقدَّسين في الحق، الذي هو المسيح نفسه قائلاً: ”وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ“ (يو 17: 19).
  • يطلب الابن الوحيد من الآب لأجلنا لكي ما نصير واحدًا ومُتَّحِدين في شركة حقيقة مع الثالوث القدوس، شركة الوحدة والتأله بالنعمة، قائلاً: ”لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا“ (يو 17: 21).
  • لا يمكننا أن نتَّحد بالله الذي هو رأس المسيح بدون الاتحاد بالمسيح نفسه، ولا يمكن أن نتَّحد بالمسيح نفسه بدون التجسُّد الإلهيّ، وبالتالي، التجسُّد الإلهيّ غير مشروط بخطية آدم، بل مشروط ومرتبط بحقيقة وضرورة ارتباطنا واتحادنا بالله من خلال المسيح في تجسُّده وتأنُّسه قائلاً: ”وَلكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُل هُوَ الْمَسِيحُ، وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ، وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ“ (1كو 11: 3)
  • لم يستح المسيح أن يُعطِينا مجده الذي أعطاه له الآب، أي التأله بالنعمة، ولم ينتقص هذا من مجده الإلهيّ غير المحدود وغير المتناهي قائلاً: ”وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ“ (يو 17: 22). فالمسيح قد أعطانا بنفسه المجد الذي أعطاه الآب له، وهذا المجد هو مجد التألُّه، فالمسيح هو الابن الوحيد للآب بالطبيعة، وله المجد بالولادة الأزلية من الآب، أمَّا نحن فقد سُرَّ المسيح أن يمنحنا ويهبنا هذا المجد الذي له بالطبيعة كهبة وعطية لنا من أجل تأليهنا وتمجيدنا فيه وبه من خلال اتحاده بنا في تجسُّده وتأنُّسه، والذي لولاه لما حصلنا على أيّ شيء مما نحن فيه لا قبل السقوط ولا بعد السقوط.
  • يُصرِّح بولس الرسول أن حياتنا نحن البشر مُستترة ومخفية ومكنونة مع المسيح في الله، حياتنا البشرية التي تألهت وتمجَّدت بالاتحاد بالله من خلال المسيح في تجسُّده وتأنُّسه كالتالي: ”لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ. مَتَى أُظْهِرَ الْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ فِي الْمَجْدِ“ (كو 3: 3، 4). حياتنا نحن البشر رغم الموت مخفية ومُستترة ومحفوظة مع المسيح في الله نفسه، لذا حينما سيظهر المسيح سنتمجَّد معه، ونظهر معه وفيه وبه مُمجَّدين.
  • يُعلِن بولس الرسول أن الله لم يستح، ولم يغير، ولم ينتقص هذا من مجده، أن يُقِيمنا معه، وأن يُجلِسنا معه في السماويات في المجد في المسيح يسوع قائلاً: ”وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ“ (أف 2: 6) وهكذا يُجلِسنا الله معه في المجد في السماويات، ويا لا عظم هذا المجد الذي يمنحه الله لنا في المسيح يسوع، نحن المتَّحِدين به وفيه!

جميع الأمور السابقة هي بركات ونعم تأليه الإنسان التي صارت من خلال تجسُّد الابن الوحيد، والتي لا يمكن أن تحدث بدون التجسُّد الإلهيّ، سواء قبل السقوط أو بعده.

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

يُؤكِّد ق. إيرينيؤس على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، وبدون التجسُّد لا يُمكِن أن يصير الإنسان في حياة عدم الفساد والخلود والتأله، وبالتالي، كان لا بد لله أن يتجسَّد سواء قبل السقوط أو بعده، لكي يتَّحد الإنسان بالله وينال الخلود والتأله وشركة الطبيعة الإلهية، فالتجسُّد الإلهيّ هو أعلى درجات الاتحاد بالله، ولا يضاهيه أي اتحاد، وهناك حقيقة واضحة أن الاتحاد بالله هو درجات ومراتب يصعدها الإنسان إلى ما لانهاية دون انقطاع، وأعظم وأسمى درجات الاتحاد بالله هي في تجسُّد الكلمة الذي اتَّحد بالطبيعة البشرية ليهبها التأله والخلود كالتالي:

لأنه لهذا الهدف، قد صار الكلمة إنسانًا، الذي هو ابن الله صار ابن الإنسان، ذلك الإنسان الذي إذ قد أُخِذَ في داخل الكلمة، وإذ نال التبني، يصير ابن الله، لأنه لم يكن ممكنًا أن نبلغ إلى عدم الفساد والخلود بأية وسيلة أخرى، لو لم نتَّحد بعدم الفساد. ولكن كيف كان ممكنًا أن نتَّحد بعدم الفساد وعدم الموت. لو لم يصر عدم الفساد وعدم الموت أولاً، هما ذلك الذي هو نحن أيضًا، حتى أن الفاسد يُبتلَع في عدم الفساد، والمائت يُبتلَع في عدم الموت لكي ننال تبني البنين“.[54]

يُؤكِّد ق. إيرينيؤس أيضًا أنه لا يوجد طريق آخر لنصير في شركة مع الله ونتأله سوى تجسُّد الابن الوحيد، مما يُؤكِّد حتمية التجسُّد غير المشروط بخطية آدم كالتالي:

”فبأية طريقة كان يُمكِننا أن نصير شركاء تبني البنين، لو لم نكن قد نلنا منه تلك الشركة معه هو نفسه من خلال الابن، لو لم يكن الكلمة الذي صار جسدًا قد دخل في شركة معنا؟“.[55]

نوفاتيان الأفريقي

يرى نوفاتيان الأفريقيّ، أحد الآباء اللاتين، أنه كان على الكلمة أن يصير جسدًا لكيما يُوحِّد في اتحاد الأرضيات مع السماويات، وبناءً على ذلك، يمكن لابن الله أن يصير ابن الإنسان، وأن يصير ابن الإنسان ابنًا لله، مؤكدًا على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان ونواله التبني، وأنه لا توجد وسيلة أخرى ممكنة لحدوث ذلك إلا التجسُّد الإلهيّ، وبالتالي، لا يمكن أن يكون التجسُّد الإلهيّ مشروطًا بخطية آدم، بل من أجل تأليه الإنسان كغاية نهائية له، لأن التجسُّد هو تدبير أزليّ من الله للبشرية قبل الأزمنة، بلغ تمامه في الربِّ يسوع المسيح، الذي هو الله والإنسان، لكي ما يُحضِر الجنس البشريّ إلى التمتُّع بالخلاص الأبديّ كالتالي:

”كان على الكلمة أن يصير جسدًا لكيما يُوحِّد في نفسه اتحاد الأرضيات والسمائيات بدمج تعهدات كلا الطرفين في ذاته، وهكذا يتَّحد الله بالإنسان والإنسان بالله. وبناءً على ذلك، يمكن لابن الله أن يصير ابن الإنسان بأخذه جسدًا، ويصير ابن الإنسان ابنًا لله بقبول كلمة الله. هذا السرّ العميق والعويص، والذي تعيَّن لخلاص الجنس البشريّ قبل الأزمنة، بلغ تمامه في الربِّ يسوع المسيح، الذي هو الله والإنسان، لكيما يُحضِر الجنس البشريّ بواسطته إلى التمتُّع بالخلاص الأبديّ“.[56]

ق. أثناسيوس الرسولي

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن غاية التأنُّس والتجسُّد هي تأليه الإنسان في عبارته الشهيرة التي تقف حجرة عثرة أمام كثيرين كالتالي:

”لأن كلمة الله صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا نحن، وأظهر نفسه في جسد لكي نحصل على معرفة الآب غير المنظور“.[57]

ويُكرِّر ق. أثناسيوس نفس الأمر في موضع آخر مُؤكِّدًا على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان كالتالي:

”فإن هذا الأمر لا يُسبِّب لنا عارًا، بل على العكس مجدًا ونعمةً عظمى. لأنه قد صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته“.[58]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أن الوسيلة الوحيدة لتأليه الإنسان هي اتحاد الكلمة بالإنسان المخلوق في التجسُّد، فلا يمكن أن يدخل الإنسان المخلوق إلى ملكوت السموات بدون اتحاد الله به وتأليهه ليكون على مثال صورته كالتالي:

”ولذلك، فقد لبس الجسد البشريّ المخلوق، لكي بعد أن يُجدِّده كخالقٍ، فإنه يُؤلِّه هذا الجسد في ذاته هو نفسه، وهكذا يُدخِلنا جميعًا إلى ملكوت السموات على مثال صورته. لأنه ما كان للإنسان أن يتأله لو أنه اتَّحد بمخلوقٍ أو لو أن الابن لم يكن إلهًا حقيقيًا. وما كان للإنسان أن يقف في حضرة الآب لو لم يكن الذي لبس الجسد هو بالطبيعة كلمته الحقيقيّ“.[59]

ويرى ق. أثناسيوس أن الكلمة أخذ الإنسان في داخله وكانت هذه الرفعة والارتقاء من أجل تأليه الإنسان، فلا يمكن أن يتأله الإنسان بدون الاتحاد بالمسيح في التجسُّد كالتالي:

”وبحسب هذه الرفعة، إذًا، أخذ الإنسان في داخله، وكانت هذه الرفعة من أجل تأليه الإنسان، أمَّا اللوغوس فله خاصية التأليه هذه بحسب الألوهية والكمال الأبويّ الخاصين به“.[60]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أننا نتألَّه بواسطة الاتحاد بالكلمة ولهذا فنحن نرث الحياة الأبدية وبدون اتحادنا بالكلمة في التجسُّد لا يمكننا أن نتألَّه ولا أن نرث الحياة الأبدية، وهذا كان وضع آدم أيضًا قبل السقوط، فلو لم يكن المسيح قد اتحد به لما كان سيتأله ويرث الحياة الأبدية، لأنه لم يكن خالدًا ومتألهًا بطبعه عند خلقته كالتالي:

”لأنه كما أن الربَّ بلبسه الجسد قد صار إنسانًا، هكذا نحن البشر فإننا نتأله بالكلمة باتحادنا به بواسطة جسده، ولهذا فنحن سنرث الحياة الأبدية“.[61]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أنه كان من المستحيل بالنسبة للإنسان الاتحاد بالله بدون التجسُّد الإلهيّ، مما يُؤكِّد على حتمية التجسُّد الإلهيّ من أجل اتحاد الإنسان بالله، وأنه بدون التجسُّد الإلهيّ يستحيل على الإنسان الاتحاد بالله، وبالتالي، فقد كان التجسُّد الإلهيّ ضرورةٌ حتميةٌ سواء قبل السقوط أو بعده من أجل توحيد الإنسان بالله في شخص الكلمة المتجسِّد كالتالي:

”وإنْ كان من المستحيل أن يتَّحد الإنسان بالله، إلا أنه هو [الكلمة] الذي جعل هذا ممكنًا أن يحدث، بأن صار هو إنسانًا“.[62]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس، في حضه للعذارى على البتولية، أنه لو لم يصر اللوغوس جسدًا لما اتَّحدن به والتصقن به، ولكن لما لبس الربُّ جسد البشرية، صار الجسد مستودعًا للوغوس، ولذلك، فقد صارت العذارى عرائس للمسيح باتحاد الكلمة بالجسد البشريّ، مما يُؤكِّد على ضرورة تجسُّد الكلمة سواء قبل السقوط أو بعده من أجل الاتحاد والالتصاق بالله كالتالي:

فلو لم يصر اللوغوس [الكلمة] جسدًا، كيف كُنتن ستتَّحدن به وتلتصقن به الآن؟ لكن لمَّا لَبِسَ الربُّ جسد الناسوت، صار الجسد مستودعًا للوغوس. من أجل ذلك، قد صرتن الآن عذارى وعرائس للمسيح“.[63]

ق. كيرلس الأورشليمي

يرى ق. كيرلس الأورشليميّ أن البشر ينبغي أن يشتركوا في جسد الحمل الروحيّ، أيّ المسيح، لا بد من أن يشتركوا في الرأس، الذي هو الألوهية، وأن يشتركوا في القدمين، أيّ الطبيعة البشرية التي اتَّخذها، مما يُؤكِّد على ضرورة التجسُّد الإلهي من أجل اشتراك الإنسان في المسيح كله لاهوتًا وناسوتًا، ومن ثمَّ، ينال التأله من خلال التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”ونحن الذين أُهِّلنا للاشتراك في جسد الحمل الروحيّ، لنشترك في الرأس والقدمين (خر 12: 9): يعني الرأس الألوهية والقدمان الطبيعة البشرية التي اتَّخذها“.[64]

ق. هيلاري أسقف بواتييه

يسير ق. هيلاري أسقف بواتييه، الملقَّب بـ ”أثناسيوس الغرب“، على نفس النهج الذي نهجه الآباء السابقون عليه، في أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، وأنه لا يمكن تأليه الإنسان بدون اتحاد الله بالإنسان في التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”فالخطية الموجَّهة ضد الروح هي إنكار كمال قوة الله، ونقض للجوهر الأزلي في المسيح، الذي صار من خلاله الله في الإنسان، ليصير الإنسان إلهًا“.[65]

يُؤكِّد ق. هيلاري في نفس السياق على الحقيقة السابقة بأن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، ولا يمكن أن يحدث هذا التأليه بدون اتحاد الله بالطبيعة البشرية في سر التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”فإنه حينما وُلِدَ الله ليكون إنسانًا، لم يكن الغرض هو فقدان الألوهية، بل ببقاء الألوهية، يجب على الإنسان أن يُولَد ليصير إلهًا“.[66]

يُشدِّد ق. هيلاري أيضًا على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، وأنه لا يمكن حدوث تأليه الإنسان بدون التجسُّد الإلهي، واتحاد الله بالإنسان في التجسُّد كالتالي:

”فإنه حينما وُلِدَ الله ليكون إنسانًا، لم يكن الغرض هو فقدان الألوهية، بل ببقاء الألوهية يُولَد إنسانًا كي يكون إلهًا. فمِن ثم إن اسمه هو عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا (مت١: ٢٣)، كي لا يُقلِّل من شأن الله إلى مستوى الإنسان، بل يُرفَع من شأن الإنسان إلى الاتحاد بالله. وعندما طلب [المسيح] أن يتمجَّد، لم يكن هذا تمجيدًا لطبيعته الإلهية بأيّ شكل، بل للطبيعة الأقل التي اتَّخذها؛ فإنه يطلب هذا المجد، الذي كان له قبل تأسيس العالم“.[67]

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان

يرى ق. أمبروسيوس أسقف ميلان أن المسيح هو الوحيد الذي يمكنه أن يمنحنا شركة الطبيعة الإلهية، أي التأله، لأنه بواسطة الابن فقط يمكننا أن نمضي في شركة الطبيعة الإلهية، مما يجعل من الضروريّ أن يتجسَّد الله سواء قبل السقوط أو بعده كالتالي:

”حسنًا، طالما بواسطة الابن نمضي في شركة الطبيعة الإلهية، ربما يمكنه أن يمنح هذا الذي لا يملكه؟ إذًا، لا يوجد شك في أنه يمنح مما له، وهكذا لديه الطبيعة الإلهية، هذا الذي يمنحنا الشركة في الطبيعة الإلهية، وأن نكون شركاء الطبيعة الإلهية“.[68]

ويستخدم ق. أمبروسيوس صيغة التأله التبادلية الشهيرة، أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له، ليؤكِّد على حتمية وضرورة التجسُّد الإلهيّ من أجل تأليه الإنسان قائلاً:

”لك أن تُميِّز ما هو خاصٌ بي، ولك أن تُميِّز ما هو خاص باللوغوس [الكلمة]. فما كان لذاك، لم يكن لديَّ، وما كان خاصًا بيّ لم يكن لديه. أخذ ما هو خاصٌ بي [البشرية]، لكي يمكنه أن يُوزِّع ما هو خاصٌ به [الألوهة]. لم يأخذ لكي يمزج، بل ليُكمِّل“.[69]

ق. غريغوريوس اللاهوتي

يُؤكِّد ق. غريغوريوس اللاهوتيّ على نفس كلام الآباء السابقين عليه أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان قائلاً:

والإنسان الأرضيّ الذي اتَّحد بالجسد بوساطة روح، صار إلهًا عندما امتزج بالله، وصار واحدًا يغلب فيه الأفضل والأرفع، وبذلك أُصبِح أنا إلهًا بقدر ما أصبح هو إنسانًا“.[70]

ويُشدِّد ق. غريغوريوس اللاهوتيّ في موضع آخر على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، ولا يمكن أن يحدث تأليه الإنسان بدون اتحاد الله بالطبيعة الإنسانية في التجسُّد الإلهيّ قائلاً:

”وكما تشبَّه المسيح بنا، فلنتشبَّه نحن أيضًا به؛ صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا، قَبِلَ كل ما هو قابل للفساد حتى يهبنا الأسمى“.[71]

ويستخدم ق. غريغوريوس نفس صيغة التأله الشهيرة ليُؤكِّد على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، حيث تنازل أقنوم الابن إلى درجة البشرية حتى ترتفع البشرية إلى عتبات الألوهة قائلاً:

”تنازل [الابن] إلى درجة البشرية حتى ترتفع أنت إلى عتبات الألوهة“.[72]

ق. غريغوريوس النيسي

يُؤكِّد ق. غريغوريوس النيسي أيضًا على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، وأنه لا يمكن تأليه الإنسان بدون التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”وبما أن هذا الجسد الذي صار وعاءً للألوهة، قد نال ذلك أيضًا لكي يستمر في الحفاظ على وجوده، كما أن الله الذي أظهر ذاته، قد مزج نفسه بطبيعتنا المائتة حتى بهذه الشركة مع اللاهوت، يتيسر للبشرية أن تصير مُؤلَّهةً في نفس الوقت“.[73]

ق. يوحنا ذهبي الفم

يستخدم ق. يوحنا ذهبي الفم الصيغة التبادلية الشهيرة، التي استخدمها من قبله ق. إيرينيؤس وق. أثناسيوس الرسوليّ، ليُؤكِّدوا على أن هدف التجسُّد الإلهيّ هو تأليه البشر ونوالهم التبني لله الآب كالتالي:

”إن الإنجيليَّ قال: ’والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا‘، وإذ قد أعلن أن الذين قبلوه وُلِدوا من الله، وصاروا أولادًا لله، فهو أقام العلة والسبب لهذا الشرف الذي لا يُنطَق به. إن السبب هو ’إن الكلمة صار جسدًا‘، والسيد أخذ شكل العبد وصار ابن الإنسان، مع أنه هو الابن الحقيقيّ لله [الآب]؛ لكي يجعل أبناء البشر أولادًا لله. وبالحق إذَا خلطنا العالي مع الوضيع، فهذا الأمر لا يُسبِّب أي نقصان لكرامة العالي، بل يرتفع بالوضيع من حالته المنحطة. بناءً على ذلك، فهذا الأمر حقيقيّ أيضًا في حالة المسيح. إنه بهذا النزول لم يحط أبدًا من قدر طبيعته [الإلهية]، بل رفعنا نحن الذين كُنَّا في حالة ظلمة وخزي إلى مجدٍ لا يُنطَق به“.[74]

ويدحض ق. يوحنا ذهبيّ الفم إنكار الهراطقة لألوهية الابن الوحيد مُستخدِمًا عقيدة التأله، حيث يتعجب كيف لا يكون إلهًا حقيقيًا، ذاك الذي يجعلنا آلهةً وأبناءً لله الآب، وهكذا يربط أيضًا بين التبني لله الآب وبين عقيدة التأله كغاية لتأنس الابن الوحيد. ويدحض ق. يوحنا ذهبيّ الفم مُنكِري عقيدة تأليه الإنسان في العصر الحديث بنفس الحجة التي استخدمها ق. أثناسيوس الرسوليّ مع الآريوسيين والمنحرِفين الهراطقة في دفاعه عن ألوهية الكلمة والروح القدس، وهي حجة تأليه الإنسان بواسطة اتحاد الكلمة الإلهيّ بطبيعتنا البشرية وسُّكنى الروح القدس فينا أقنوميًا كالتالي:

”لعلني أتساءل: ومَن هو ليس إنسانًا حقيقيًا، فماذا نُسمِّيه؟ بالطبع، لن نُسمِّيه إنسانًا. وهكذا لو أن الابن ليس إلهًا حقيقيًا، فكيف يكون إلهًا؟ علاوة على ذلك، كيف يجعلنا هو آلهةً وأبناءً، إنْ كان هو ليس إلهًا حقيقيًا؟ لكن أنا قد ناقشت هذه الأمور بتفصيلٍ أكثر في موضع آخر، لذلك فلنكمِل الحديث مع النص الذي يلي ذلك“.[75]

مار أفرام السرياني

يتحدَّث مار أفرام السريانيّ أيضًا عن حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، فالله في تجسُّده صنع معنا مُبادلةً، حيث وهب لنا اللاهوت، ووهبنا نحن له الناسوت كالتالي:

”الشكر لمَّن آتى بالبركة، وأخذ منا الصلاة، المسجود له نزل إلينا، أصعد منا السجود، وهب لنا اللاهوت، فوهبنا له الناسوت، آتى إلينا بالمواعيد، فوهبنا له إيمان ابراهيم حبيبه، اقترضنا منه الصدقات، نقود أيضًا وبطلبها منه“.[76]

ق. كيرلس الإسكندري

يُردِّد ق. كيرلس الإسكندريّ، نفس كلمات ق. أثناسيوس، وصيغة التأله التبادلية الشهيرة، مُشِيرًا إلى أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان كالتالي:

”إنه عندما صار واحدًا منَّا كإنسانٍ، لكي يجعلنا نحن أيضًا نصير مثله، أيّ آلهةً وأبناءً“.[77]

ويُؤكِّد ق. كيرلس أنه لا يستطيع أحدٌ إطلاقًا أن يتَّحد بالله الآب إلا عن طريق وساطة المسيح، لأنه هو الوسيط بين الله والناس، فمن خلاله وفي نفسه يُوحِّد البشرية بالله، وهذه حقيقةٌ لا تتغيَّر قبل سقوط الإنسان أو بعده كالتالي:

ولن يستطيع أحدٌ إطلاقًا أن يتَّحد بالله الآب إلا عن طريق وساطة المسيح. لأنه هو الوسيط بين الله والناس، فهو من خلال نفسه وفي نفسه يُوحِّد البشرية بالله“.[78]

ويُوضِّح ق. كيرلس أنه باتحاد البشر بالمسيح يصيرون آلهةً لأن المسيح هو الله، فالوسيلة الوحيدة للتأله هي الاتحاد بالمسيح في التجسُّد، سواء قبل السقوط أو بعده كالتالي:

”عندما لَبِسَ الكلمة وضاعتنا لكي يُصعِدنا إلى علوه، لا لكي يظلَّ هو أسفل مثلنا نحن على الجانب الآخر، بينما نحن من جهة الطبيعة بشرٌ، صرنا آلهةً (1يو 3: 1)؛ لأننا باتحادنا بالمسيح نكون آلهةً؛ لأن المسيح هو الله“.[79]

ويؤكد ق. كيرلس أن كلمة الله وحَّد ذاته بنا بسبب محبته العظيمة والفائقة لا لكي يصير مثلنا، بل اتَّحد بنا بذاته لكي يُغيِّرنا نحن إلى ما هو عليه، فعندما سكن داخل الجسد دُعِيَنا أبناءً وآلهةً بحسب النعمة وليس بحسب الطبيعة كالتالي:

بسبب محبته العظيمة والفائقة اتَّحد كلمة الله ذاته بنَّا، لا لكي يصير مثلنا؛ لأنه هو غير المتحوِّل ولا يعرف التغيير، لكنه اتَّحد بنَّا بذاته لكي يُغيِّرنا نحن إلى ما هو عليه. لأنه مثلما أصبح لدينا نحن الذين قَبِلَناه كل ما يخصه؛ لأنه سكن في داخل الجسد إذ قد دُعِيَنا ’أبناءً‘ (1يو 3: 1) و ’آلهةً‘ (مز 82: 6؛ يو 10: 34)، ليس بحسب الطبيعة مثله، بل بحسب النعمة“.[80]

أوغسطينوس أسقف هيبو

ويُردِّد أوغسطينوس، أسقف هيبو بشمال أفريقيا، نفس الصيغة الشهيرة التبادلية لتأليه الإنسان بواسطة تجسُّد الله، مُؤكِّدًا على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان قائلاً:

”لأنه صُلِبَ بحسب صورة العبد، ولكنه رب المجد المصلوب؛ لأن هذا الاتخاذ [أيّ التجسُّد] قد جعل الإله إنسانًا، والإنسان إلهًا“.[81]

يتحدَّث أوغسطينوس عن حقيقة أن تأليه الإنسان والشركة في اللاهوت هي غاية الإخلاء والتجسُّد الإلهيّ، مُستخدِمًا صيغة التألُّه التبادلية الشهيرة كالتالي:

”لكن المسيح، مُعلِّم التواضع، الذي جعل نفسه شريكًا لنا في سقمنا، ليجعلنا شركاءً في لاهوته، ونزل من السماء ليُعلِّمنا الطريق، ويكون هو طريقنا (يو١٤: ٦)“.[82]

ويُؤكِّد أوغسطينوس على حقيقة أن تأليه الإنسان لا يمكن أن يحدث بدون التجسد الإلهيّ، حيث ينفي إمكانية أن نُشارِك الله في ألوهته، لو لم يُشارِكنا هو في بشريتنا كالتالي:

والحال أننا ما كُنَّا لنُشارِكه ألوهته، لو لم يُشارِكنا بشريتنا. وفي الإنجيل أننا دُعِينا لنُشارِكه في الألوهة: ’والذين يُؤمنون باسمه أعطاهم سلطانًا أن يكونوا أولاد الله، الذين لا من دم ولا من مشيئة لحم ولا من مشيئة رجل، بل من الله وُلِدوا‘ (يو 1: 12، 13)“.[83]

مار فيلوكسينوس المنبجي

يستخدم مار فلوكسينوس المنبجيّ صيغة التألُّه التبادلية الشهيرة مُوضِّحًا معاني تأليه الإنسان من إعادة خلق الطبيعة البشرية من جديد في المسيح، ونوال التبني لله الآب، ويُؤكِّد على حقيقة أن تأليه الإنسان هو غاية التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”لأن الكلمة، الذي هو الله، رغب أن يجعل البشر أبناء الله، فنعترف بأنه أخلى ذاته، وصار جسدًا، ولَبِسَ طبيعة إنسانية كاملة لكي يُعِيد خلق الكيان الإنسانيّ بالكامل في نفسه، ولأنه أصبح إنسانًا فينا، نحن أيضًا تألَّهنا وأصبحنا أبناء الآب“.[84]

يتحدَّث مار فلوكسينوس المنبجيّ أيضًا عن أننا صِرنا أبناءً للآب في الابن، وصِرنا مُتألِّهين في الله الذي صار إنسانًا لأجلنا، مُؤكِّدًا على حقيقة أن تأليه الإنسان هو غاية سر التجسُّد الإلهيّ، وأنه لا يمكن أن يتألَّه الإنسان بدون الاتحاد بالله والشركة معه في التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”لقد أصبحنا جميعًا أولادًا في الابن الذي صار إنسانًا، لقد تألَّهنا جميعًا في الله الواحد الذي أصبح إنسانًا“.[85]

مار يعقوب السروجي

يتحدَّث مار يعقوب السروجيّ، الملقَّب بـ ”كنارة الروح القدس وقيثارة السريان“، بنفس صيغة التأله الشهيرة الخاصة بالقديس أثناسيوس ”صار كلمة الله إنسانًا لكي يُؤلِّهنا نحن“، مُؤكِّدًا بذلك على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهي هي تأليه الإنسان كالتالي:

”لما نزل، أنزل معه من العلويين، ولما صعد، أصعد معه من السفليين، أنزل الروح وأصعد الجسد، وكمَّل الأمرين: صار إنسانًا، وجعل الكثيرين آلهةً“.[86]

ويستخدم مار يعقوب السروجيّ مُجدَّدًا صيغة التأله التبادلية المشهورة للتأكيد على أن غاية التجسُّد الإلهيّ وهدفه هو تأليه الإنسان، ولا يمكن حدوث تأليه الإنسان بدون التجسُّد الإلهيّ قائلاً:

”ولهذا آتى الكلمة الذي شاء أن يصير لحمًا، لينتمي إلى جنس الناس ويُخلِّصهم، هو صار منَّا من بطن الممجَّدة، وجعلنا منه من ميلاد المعمودية، صار ابن الإنسان وجعل البشر آلهةً، وأصعدهم ليدعوا السماويّ: أبانا“.[87]

الأب مكسيموس المعترف

ويُؤكِّد الأب مكسيموس المعترف أن كلمة الله الآب صار إنسانًا وابنًا للإنسان لكي ما يجعل البشر آلهةً وأبناءً لله، مشيرًا إلى حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان كالتالي:

”إذَا أصبح كلمة الله الآب ابنًا للإنسان وإنسانًا، فهو قادرٌ على أن يجعل الناس آلهةً وأبناءً لله“.[88]

يُشِير الأب مكسيموس المعترف إلى حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ واتحاد اللوغوس بالطبيعة البشرية هو تأليه الإنسان، ولا توجد وسيلة أخرى لتأليه الإنسان سوى عن طريق تجسُّد الكلمة واتحاده بطبيعتنا البشرية كالتالي:

لأنه يصبح حقًا إنسانًا حتى يجعلنا بالنعمة آلهةً“.[89]

ويُوضِّح الأب مكسيموس المعترف أن هدف الإخلاء غير المدرَك للابن الوحيد هو من أجل تأليه طبيعتنا البشرية، وأن هدف المشورة الإلهية هو تأليه طبيعتنا البشرية، مُؤكِّدًا على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه طبيعتنا البشرية، وأنه لا يمكن تأليه الإنسان قبل أو بعد السقوط بمعزل عن تجسُّد ابن الله الوحيد كالتالي:

”يقول داود: ’وأفكار قلبه من جيلٍ إلى جيل‘ (مز 33: 11). ربما تكون مشورة الله الآب التي يُشير إليها داود هنا هي إخلاء الذات غير المدرَك الذي للابن الوحيد الذي قام به من أجل تأليه طبيعتنا [البشرية]، والذي وضع حدًا للدهور؛ […] إذَا كان هدف المشورة الإلهية هو تأليه طبيعتنا [البشرية]، وغاية الأفكار الإلهية هي إمداد حياتنا بالمتطلبات الأساسية، فبناءً على ذلك، يجب أن نعرف ونُنفِذ قوة الصلاة الربانية والكتابة عنها بطريقةٍ لائقةٍ“.[90]

ويُشدِّد المتروبوليت إيروثيوس فلاخوس على استقلالية سر التجسُّد عن سقوط الإنسان قائلاً:

”هذه النظرة اللاهوتية مقبولةٌ إذَا افتكرنا أن المسيح هو بداية خلق العالم وتأله الإنسان ووسطهما ونهايتهما. فقط من هذا المنظار يمكننا أن نرى أن سرَّ التجسُّد مستقلٌ عن سقوط الإنسان. يقول الأب مكسيموس المعترف أن ربنا يسوع المسيح هو ’بداية الأجيال ووسطها ونهايتها، الماضية والحاضرة والمستقبلة‘. وفي تفسير هذا الكلام يقول الأب نيقوديموس الآثوسيّ أن هذا السرّ هو بداية الخلائق، لأن هدف هذا السرّ كان بداية المعرفة السابقة لخلق كل الخلائق وسبب هذه المعرفة وهذا الخلق. إنه الوسط لأنه منح الملء لمعرفة الله المسبقة وبالتالي، الثبات للملائكة وعدم الموت وعدم الفساد والخلاص للبشر. إنه أيضًا النهاية لأن هذا السرّ صار الكمال والتأله والمجد والبركة للملائكة والبشر ولكل الخليقة“.[91]

يتضَّح من أقوال مُعلِّمي الكنيسة المقدَّسة شرقًا وغربًا أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان سواء قبل السقوط أو بعده، وبالتالي، كان التجسُّد سيحدث حتى لو لم يخطئ آدم، لكي يُؤلِّه الله الإنسان باتحاده به في التجسُّد ليهبه الخلود والحياة الأبدية أي حياة الله، لأنه يجعلني اشترك فيها معه باتحادي به في المسيح الكلمة المتجسِّد، ولا يوجد وسيلة أخرى أعلنها الله من أجل تحقيق ذلك سوى التجسُّد الإلهيّ.

 

 

الفصل الخامس

استعلان الثالوث القدوس في التجسد الإلهي

الفصل الخامس: استعلان الثالوث القدوس في التجسد الإلهي

ينبغي أن نضع نصب أعيننا بعض الحقائق الكتابية التي يُقرها الكتاب المقدَّس بخصوص استعلان الله الثالوث القدوس للبشرية، فالطريقة الوحيدة والأكمل والأوضح لاستعلان الثالوث القدوس للبشرية كانت من خلال تجسُّد الكلمة واتحاده بالطبيعة البشرية. وبالتالي، يُؤكِّد ذلك على حقيقة التجسُّد الإلهيّ غير المشروط بخطية آدم وسقوطه من أجل استعلان الثالوث القدوس للإنسان، فبدون التجسُّد الإلهيّ لا يمكن للإنسان أن يعرف أن الله ثالوث.

  • يُقرِّر يوحنا الرسول في افتتاحية إنجيله أن الوحيد الذي يمكنه أن يُعرِّف البشر بالله الآب ويُخبِّر عنه هو الابن الوحيد نفسه الكائن في حضن الآب، وهذا لم يحدث إلا من خلال تجسُّده وتأنُّسه قائلاً: ”اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ“ (يو 1: 18).
  • ويُؤكِّد يوحنا الرسول على نفس الحقيقة أنه لا أحد يمكن أن يرى ويعرف الله الآب إلا الذي من الله الآب، أي الابن نفسه، الذي رأى وعَرِف الآب ويُخبِّر عنه للبشر في تجسُّده وتأنُّسه كالتالي: ”لَيْسَ أَنَّ أَحَدًا رَأَى الآبَ إِلاَّ الَّذِي مِنَ اللهِ. هذَا قَدْ رَأَى الآبَ“ (يو 6: 46).
  • ويحصر البشير متى معرفة الآب في الابن فقط، فلا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومَن أراد الابن أن يُعلِن له، وهذا الإعلان من قِبَل الابن لم يتمَّ إلا من خلال تجسُّده وتأنسه فقط، ولا توجد وسيلة أخرى للإعلان عن الآب إلا بتجسُّد ابنه كالتالي: ”وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ“ (مت 11: 27).
  • يُصرِّح المسيح له المجد بكل وضوح أنه لا يستطيع أحد أن يأتي ويتَّحد بالله الآب إلا من خلاله، وهذا لا يمكن حدوثه إلا من خلال تجسُّد الابن نفسه واتحاده بالبشرية في التجسُّد سواء قبل السقوط أو بعده، فذلك حقيقة أزلية سواء قبل السقوط أو بعده كالتالي: ”قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي“ (يو 14: 6).
  • يُقرِّر المسيح نفسه حقيقة الاحتواء المتبادل بينه وبين أبيه، لأنه في الآب والآب فيه منذ الأزل، وبالتالي، الطريق الوحيد للاتحاد بالله هو من خلال الاتحاد بالمسيح، وحيد الآب، وذلك لا يمكن إلا من خلال تجسُّده سواء قبل السقوط أو بعده، لأن هذا الأمر حقيقة واقعة أزلية سواء قبل السقوط أو بعده، ولا تتوقف على سقوط الإنسان من عدمه كالتالي: ”وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ، فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ“ (يو 10: 38).
  • يُؤكِّد المسيح له كل المجد على حقيقة أن رؤية ومعاينة الله الآب لا تتمّ إلا من خلاله لأنه مَن يرى الابن فقد رأى الآب، ولا يمكن معاينة الآب ورؤيته إلا من خلال الابن، وذلك لا يتمّ إلا من خلال تجسُّده وتأنُّسه، وهذا الأمر حقيقة واقعة مُرتبِطة بالله سواء قبل السقوط أو بعده، وبالتالي، يصير تجسُّد الابن أمرًا ضروريًا وحتميًا من أجل معاينة ورؤية الآب كالتالي: ”قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟“ (يو 14: 9).
  • يُقرِّر المسيح له المجد حقيقة الاحتواء المتبادل بينه وبين أبيه، لأنه في الآب والآب فيه منذ الأزل وقبل كل الدهور، وبالتالي، الطريق الوحيد للاتحاد بالله هو من خلال الاتحاد بالمسيح، وذلك لا يمكن إلا من خلال تجسُّده سواء قبل السقوط أو بعده، لأن هذا الأمر حقيقة واقعة أزلية سواء قبل السقوط أو بعده، ولا تتوقف على سقوط الإنسان من عدمه كالتالي: ”أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟“ (يو 14: 10).
  • يُؤكِّد المسيح له كل المجد على نفس الأمر السابق، ويُشدِّد على حقيقة الاحتواء المتبادل بينه وبين أبيه، لأنه في الآب والآب فيه منذ الأزل، وبالتالي، الطريق الوحيد للاتحاد بالله هو من خلال الاتحاد بالمسيح، وحيد الآب، وذلك لا يمكن إلا من خلال تجسُّده سواء قبل السقوط أو بعده، لأن هذا الأمر حقيقة واقعة أزلية سواء قبل السقوط أو بعده، ولا تتوقف على سقوط الإنسان من عدمه قائلاً: ”لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ. صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ“ (يو 14: 10، 11).

ق. أثناسيوس الرسولي

يُشِير ق. أثناسيوس إلى ضرورة تجسُّد الكلمة من أجل أن تعرف الخليقة الآب، وذلك من خلال الكلمة في تجسُّده، لذا كان التجسُّد حتميّ وضروريّ قبل السقوط وبعده من أجل استعلان جوهر وطبيعة الثالوث القدوس في ثلاثة أقانيم كالتالي:

”ولكن إنْ اعترفوا بوجود كلمة الله، وأنه المهيمن على الكون، وأن الآب خلق به الخليقة كلها، وأن الكل ينالون النور والحياة والوجود بعنايته، وأنه يملك على الكل، ولهذا فلأنه يُعرَف من أعمال عنايته، وبواسطته يُعرَف الآب“.[92]

يُوضِّح ق. أثناسيوس أن الله الآب بسبب صلاحه خلق البشر على صورته ومثاله، أيّ يسوع المسيح ابنه الوحيد، فهكذا عندما يرون تلك الصورة، أيّ كلمة الآب، يمكنهم عن طريقه أن يصلوا إلى معرفة الآب، وهكذا يعرفون خالقهم، فيحيون حياةً حقيقيةً مغبوطةً، مما يُؤكِّد على أنه بدون تجسُّد الكلمة لا يمكن للبشر معرفة الله الآب، فالابن الوحيد هو الوسيلة الوحيدة من أجل إدراك ومعرفة الآب، ولا يمكن أن تصل البشرية إلى معرفة الآب خالقهم بدون الاتحاد بالكلمة صورته، وذلك لا يمكن أن يحدث بأيّ طريقة بدون تجسُّده واتحاده بالبشرية في التجسُّد كالتالي:

”ولأنه صالحٌ في ذاته، فقد جعل لهم نصيبًا في صورته الذاتيّ [الذي هو] ربنا يسوع المسيح، وخلقهم على صورته ومثاله، حتى أنه – بسبب تلك النعمة – فإنهم عندما يرون تلك الصورة، أيّ كلمة الآب، يمكنهم عن طريقه أن يصلوا إلى معرفة الآب، وإذ يعرفون خالقهم، فإنهم يحيون حياةً سعيدةً مغبوطةً“.[93]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على حاجة البشرية إلى تجسُّد كلمة الله الذي يعرف النفس والعقل، وهو المحرِّك لكل ما في الخليقة التي يجعل الآب من خلالها معروفًا، فهو الذي يُجدِّد التعليم والمعرفة عن الآب فينا بتجسُّده واتحاده بنا كالتالي:

”فإلى مَن، إذًا، كانت الحاجة إلا إلى كلمة الله الذي يُبصِر ويعرف النفس والعقل، وهو المحرِّك لكل ما في الخليقة، والتي من خلالها يجعل الآب معروفًا؟ لأن ذلك الذي – بأعمال عنايته وتدبيره لكل الأشياء – يُعلِّم عن الآب، هو الذي يستطيع أيضًا أن يُجدِّد ذلك التعليم عينه“.[94]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على حقيقة وضرورة التجسُّد غير المشروط بخطية آدم، وضرورة التجسُّد الإلهيّ قبل وبعد السقوط، حيث استخدم الكلمة الجسد كأداة ليُعلِن الآب به للإنسان، ومن ثم، يُعلِن عن طبيعة الله وجوهره كثالوث كالتالي:

”وبنفس الطريقة، لا يمكن أن يكون أمرًا غير معقول – إنْ كان الكلمة وهو الذي يضبط كل الأشياء ويُعطِيها الحياة وأراد أن يجعل نفسه معروفًا للبشر – قد استخدم جسدًا بشريًا كأداةٍ له يُظهِر فيه الحق ويُعلِن الآب، لأن البشرية أيضًا هي جزء حقيقي من الكل“.[95]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن غاية تجسُّد الكلمة هي تأليه الإنسان وحصول البشر على معرفة الآب غير المنظور، فلا توجد وسيلة أخرى لكي يعرف البشر أن الله ثالوث بدون تجسُّد الابن واتحاده بالجسد لكي يُعلِن الآب غير المنظور، الذي لم يره أحدٌ قط، ولا يقدر أحد أن يراه إلا من خلال تجسُّد الابن الوحيد صورة الله غير المنظور، لأن الابن في الآب، والآب في الابن، ومَن رأى الابن فقد رأى الآب، والابن يُعلِن الآب غير المنظور في تجسُّده للبشرية قائلاً:

”لأن كلمة الله صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا نحن، وأظهر نفسه في جسد لكي نحصل على معرفة الآب غير المنظور“.[96]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على احتياج البشر إلى تجسُّد الكلمة قبل السقوط أو بعده كالتالي:

”لأنه حتى وإنْ لم تكن الأعمال قد خُلِقَت، إلا أن كلمة الله كان كائنًا، و ’كان الكلمة الله‘. أمَّا صيرورته إنسانًا فما كانت لتحدث لو لم تكن حاجة البشر هي السبب“.[97]

يرى البروفيسور توماس تورانس أنه كان لابد من التجسُّد سواء قبل أو بعد سقوط آدم لكي يمكن للجنس البشريّ أن يدخل إلى معرفة الله بطريقة عملية من خلال التجسُّد الإلهيّ، أي من خلال معرفة ذاته كثالوث من خلال نقطة في ذاته وفي كياننا كمخلوقات، حيث يقول التالي: ”الأمر الأول: أنه إذَّا أرادنا حقًا أن نعرف الله فلابد أن يكون قد أُعطِيت لنا نقطة للدخول إليه، بحيث تكون هذه النقطة في كل من الله ذاته، وفي كياننا نحن كمخلوقات. وهذا هو بالتحديد ما حصلنا عليه في التجسُّد، حيث إعلان الله عن ذاته ’كآب‘ يتم من خلال إعطائه ذاته لنا في يسوع المسيح ابنه، وعندما يُعطِينا الله أن نصل إلى معرفته بهذه الصورة فهو يفعل هذا في إطار ظروف المكان والزمان؛ أي داخل حدود ما يمكن أن نفهمه نحن البشر. وفي نفس الوقت، فإن المعرفة التي يُعطِيها لنا الله عن ذاته في ابنه المتجسِّد يكون مركزها في الله ذاته، وبالتالي، يكون كل فهمنا البشريّ لله، وكل تصوراتنا عنه يمكن فحصها وضبطها وفقًا لطبيعته الإلهية. لذلك عندما نقترب إلى الله ’كآب‘ من خلال الابن، فإن معرفتنا للآب في الابن يكون أساسًا قائمًا في صميم كيان الله، كما أن هذه المعرفة تتحدَّد بما هو الله بالحقيقة في طبيعته الذاتية. وبما أننا في يسوع المسيح، نستطيع بالحقيقة أن نعرف الله وفقًا لطبيعته الذاتية كآب وابن، فإننا من الممكن أن نعرفه بطريقة تقوية ودقيقة معًا“.[98]

كما يُؤكِّد الأب چورچ فلوروفسكي على أن هناك الكثير من اللاهوتيين الكاثوليك المدرسيين، مثل: روبرت من دويتش، وأونوريوس أسقف أوتون، ودنس سكوتس؛ الذين تحدَّثوا عن التجسُّد غير المشروط، حيث يقول التالي: ”يبدو أن روبرت من دويتش[99] Rupert of Deutz (توفي عام 1135 القرن الثاني عشر) هو الأول من بين اللاهوتيين في العصر الوسيط الذي أثار وبشكلٍ رسمي السؤال عن دافع التجسُّد الإلهيّ، وكانت نظريته أو قناعته أن التجسُّد الإلهيَّ يخص التصميم الأصيل للخلق، ومن ثم كان مُستقلاً عن السقوط، كان التجسُّد الإلهيّ بحسب تفسيره ورؤيته، هو تمام وكمال تحقيق غاية الله الأولى من الخلق أصلاً، وهو هدف في حد ذاته، وليس مُجرَّد علاج بالفداء والخلاص للفشل البشريّ. وكان أونوريوس أسقف أوتون[100] Honorius of Autun (توفي عام 1152 في القرن الثاني عشر) يتبع نفس القناعة. أما علماء القرن الثالث عشر العظماء، مثل: ألكسندر أسقف هيلز[101]، وألبرت ماجنوس[102]، فقد تبنيا فكرة التجسُّد مُستقلاً عن السقوط كأكثر الحلول إقناعًا ومُوائمةً للمشكلة. أمَّا دنس سكوتس[103] (Duns Scotus 1266-1308) فقد شرح وفسَّر المفهوم بأكمله بمنتهى الحيطة والحذر والرصانة المنطقية“.[104]

ثم يستطرد الأب چورچ فلوروفسكي شارحًا مفهوم التجسُّد غير المشروط عند دنس سكوتس كالتالي: ”فإن التجسُّد الإلهيّ بالنسبة له وبمعزل عن السقوط، لم يكن مُجرَّد افتراض موائم ومناسب، بل تجسُّد ابن الله كان بالنسبة له هو السبب ذاته لظهور فعل وتدبير الخلق. وإلا كما فكَّر هو؛ فإن هذا الفعل الفائق الذي أتمَّمه الله يُفترض أنه كان مُجرَّد شيء ما عارض، أو حادث، أو ظرفي. مرةً أخرى، فإنْ كان السقوط هو علة وسبب ما سبق أن عيَّنه الله لمجيء المسيح، لنجم تبعًا لذلك، إنْ كان العمل الأعظم لله هو مُجرَّد فعل عارض، أو حادث، أو ظرفي، أو طارئ، فإن مجد الكل لن يكون بهذه الكثافة التي لمجد المسيح، ولبدا الأمر غير معقول، وغير منطقيّ التفكير فيه أن الله قد سبق وأتَّم مثل هذا العمل بسبب خير آدم أو عمله الصالح، إنْ لم يكن آدم قد أخطأ. إن السؤال بأكمله بالنسبة للباحث دنس سكوتس كان وبالضبط حول أمر ’سبق التعيين‘، أو الهدف الإلهيّ أي ترتيب وفق الأفكار التي في المشورة الإلهية للخلق. وكان المسيح، ذلك المتجسِّد هو أول موضوع وهدف مشيئة الله الخالقة، ولكان لأجل المسيح أيّ شيء آخر قد تم خلقه لأجل الجميع“.[105]

ويقتبس الأب فلوروفسكي فكرة دنس سكوتس عن أسباب التجسُّد غير المشروط كالتالي: ”إن تجسُّد المسيح لم يكن قد تمَّ النظر فيه هكذا عرضيًا أو بشكلٍ طارئ، بل قد تمَّ النظر إليه كغايةٍ فورية وحاسمة بواسطة الله منذ الأزل، هكذا، وحين نتحدَّث عن أمور قد سبق، وأن عيَّنها الله، فإن المسيح بالطبيعة البشرية، كان قد سبق وعَيَّن مثل الآخرين، إذ هو الأقرب إلى نهاية وقصد ما“.[106]

ويُؤكِّد الأب فلوروفسكي أن توما الأكوينيّ تبنَّى فكرة التجسُّد غير المشروط مُعتمِدًا على أوغسطينوس كالتالي: ”وقد ناقش الأكويني أيضًا (1224- 1274) تلك المشكلة بإفاضة طويلة. وقد رأى الثقل كله للمجادلات لصالح الرأس بأنه، حتى بمعزل عن السقوط: ’فإنَّ الله رغم ذلك سيتجسَّد‘، وقد اقتبس عبارة أوغسطينوس: ’في تجسُّد المسيح، لابد من اعتبار أمور أخرى إلى جانب غفران الخطايا ورفعها‘ (الثالوث13: 17)“.[107]

يُعطِي الأب فلوروفسكي تقريرًا عن حرص بونافنتورا وذلك عند مناقشة التجسُّد غير المشروط أو التجسُّد المشروط بالسقوط كالتالي: ”وقد اتبع بونافنتورا (1221-1274م) نفس الحرص؛ مُقارِنًا الرأيين – أحدهما لصالح التجسُّد بمعزل عن السقوط، والآخر مُعتمِدًا عليه، وخَلُصَ إلى أن: كلا الرأيين يُحفِّز النفس على التكريس بعدة اعتبارات مختلفة: الأول [أي التجسُّد غير المشروط]، رغم ذلك، والأكثر توافقًا مع حُكم المنطق والعقل، ومع ذلك يبدو أن الأمر الثاني أكثر قبولاً لتقوى الإيمان“.[108]

يسرد الأب فلوروفسكي العديد من اللاهوتيين الكاثوليك (خاصةً الرهبان الفرنسيسكان) والبروتستانت المؤمنين بالتجسُّد غير المشروط كالتالي:

”وبالإجمال، فإن دنس سكوتس قد تبعته الأغلبية من اللاهوتيين في النظام الفرنسيسكانيِّ، بل وبواسطة عدد ليس بالقليل خارجه، على سبيل المثال: يوتيسيوس كارتوسيانوس، وجابرييل بييل، وچون فيسيل، وفي عصر مجمع ترنت بواسطة چياكومو ناتشيانتي أسقف تشيوزان، وچاكوبوس ناكلانتوس، وأيضًا بواسطة بعض المصلحين الأوائل، على سبيل المثال: بواسطة أندرياس أوسياندر […] ومن بين الأبطال الكاثوليك الغربيين عن القانون المطلق للتجسُّد الإلهيّ [أيّ التجسُّد غير المشروط]، على المرء أن يذكر وبصفة خاصة فرانسوا دو سال، ومالبرانش، ولقد أصرَّ مالبرانش وبشدة على الضرورة الميتافزيقية لسر التجسُّد بمعزل نهائيّ عن السقوط، وإلا هكذا يزعم، لما صار هنا من سبب مقبول ومضبوط أو هدف لفعل الخلق ذاته […] ومن بين الأنجليكان، وفي القرن الأخير، فإن الأسقف ديسكوت يتذرع وبقوة بما يُسمَى ’الدافع المطلق‘ في مقاله الرائع المثير للإعجاب حول ’إنجيل الحق‘. أما الأب الراحل سيرچي بولجاكوف، فقد كان من المؤيِّدين بشدة للرأي القائل بأن سر التجسُّد الإلهيّ لابد أن نعتبره قانونًا مُطلقًا وضعه الله، حتى قبل كارثة ومأساة السقوط“.[109]

 

 

الفصل السادس

المسيح هو شجرة الحياة

الفصل السادس: المسيح هو شجرة الحياة

لا بد أن نضع في أذهاننا بعض الإشارات الكتابية التي تُؤكِّد على حقيقة أن المسيح هو شجرة الحياة في الفردوس، التي كان ينبغي أن يأكل الإنسان منها، بمعنى أن يتَّحد بالمسيح، لكي يحيا إلى الأبد. وهذا يُؤكِّد على حقيقة التجسُّد الإلهيّ غير المشروط بخطية آدم وسقوطه، لأن غاية الإنسان أن يأكل من شجرة الحياة لكي يحيا إلى الأبد، أي أن يتَّحد بالمسيح شجرة الحياة، سواء قبل السقوط أو بعده.

  • يشير سفر التكوين إلى أن الله وضع شجرة الحياة في وسط الجنة قائلاً: ”وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ، وَشَجَرَةَ الْحَيَاةِ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ“ (تك 2: 9)
  • يُوضِّح سفر التكوين حقيقة أن الأكل من شجرة الحياة يمنح الحياة الأبدية، وما الحياة الأبدية إلا المسيح نفسه، الطريق والحق والحياة كالتالي: ”وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ“ (تك 3: 22).
  • لذا عندما طرد الله الإنسان من الجنة وضع الكروبيم ولهيب سيف مُتقلِّب لحراسة الطريق إلى شجرة الحياة، لئلا يأكل الإنسان منها ويحيا إلى الأبد في الشرّ والخطية كالتالي: ”فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ“ (تك 3: 24).
  • ويظهر في سفر الرؤيا وعد الله للبشر الغالبين بأن يأكلوا من شجرة الحياة الموجودة في وسط أو مركز فردوس الله، ليحيوا إلى الأبد، وما شجرة الحياة الكائنة في وسط فردوس الله إلا المسيح نفسه كالتالي: ”مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ“ (رؤ 2: 7).

ق. أثناسيوس الرسولي

يُشِير ق. أثناسيوس إلى أن المسيح ابن الآب بالحقيقة هو شجرة الحياة مثلما قيل عنه أنه الكرمة والطريق والباب كالتالي:

”أمَّا مَن هو ابن بالحقيقة، فيقولون عنه إنه كلمة بالاسم فقط، مثلما قيل إنه كرمةٌ، وطريقٌ، وبابٌ، وشجرة حياة“.[110]

ق. كيرلس الإسكندري

يُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا إلى أن المسيح هو شجرة الحياة التي كانت موجودةً في الجنة قبل السقوط كالتالي:

المسيح هو الذي دُعِيَ شجرة الحياة. […] إذًا، فبالمسيح شجرة الحياة يصير كل ما هو مرٌ حلوًا“.[111]

ق. مكاريوس الكبير

يُؤكِّد ق. مكاريوس الكبير على أن المسيح هو شجرة الحياة والفردوس، وهكذا كان الإنسان مدعو في الفردوس للاتحاد بالمسيح من خلال الأكل من شجرة الحياة ليحيا إلى الأبد قائلاً:

”يُعلِّمك [المسيح] هكذا ويُعطِيك الصلاة الحقيقية، والمحبة الحقيقية التي هي هو نفسه صائرًا فيك كل شيء: الفردوس، وشجرة الحياة (رؤ 2: 7؛ 22: 14)، الجوهر والإكليل، البنَّاء والفلاح، المتألم والمنزَّه عن الألم، الإنسان والإله، الخمر والماء الحيّ، الحمل والعريس، رجل الحرب والسلاح، المسيح الكل في الكل“.[112]

ق. غريغوريوس النيسي

يشير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن سليمان يدعو الربَّ يسوع المسيح، الذي هو أقنوم الحكمة، بشجرة الحياة كالتالي:

”فداود يقول: ’ولتنعم بالربِّ نفسك‘ (مز 36: 4)، وسليمان يدعو الحكمة التي هي الربّ ’شجرة الحياة‘ (أم 3: 18)“.[113]

مار أوغريس البنطي

يشير مار أوغريس أو إيفاجريوس البنطيّ إلى أن المسيح هو شجرة الحياة، التي كان ينبغي على آدم أن يأكل منها لكي ينال الخلود والحياة الأبدية قائلاً:

”الثالوث المبارك هو علامة المياه المباركة، وشجرة الحياة هي المسيح الذي يشربه“.[114]

ويطلب مار أوغريس منَّا أن نستشير المسيح شجرة الحياة ولن نموت أبدًا، في إشارة إلى أن شجرة الحياة هي مصدر الحياة الأبدية في الفردوس، وشجرة الحياة هي المسيح كالتالي:

يسوع المسيح هو شجرة الحياة (أم 3: 18)، استشره كما يجب، ولن تموت أبدًا“.[115]

مار غريغوريوس بن العبري

يستعرض مار غريغوريوس بن العبريّ مصير الإنسانين الأولين قبل السقوط في تعدي الوصية، حيث يرى أنهما كانا سيعيشان حياةً بعيدةً عن الشقاء والضيق والعذاب والحاجات الضرورية، وكان سينجبان بلا زواج وهكذا يمتلئ الفراغ الحاصل بين الملائكة بسقوط الشيطان، ويصلان إلى الملكوت شيئًا فشيئًا، ويرتفعان بجسديهما إلى الملكوت مثل الروحانيين الذين كانوا سعداء مع الذي تجسَّد كالتالي:

”لو لم يتعد أبونا آدم الوصية بل حفظها لعاشا حياةً بعيدةً عن الشقاء والضيق والحاجات الضرورية، وينعم بأطايب مزارع الفردوس دون تعب وعذاب مقتاتين من شجرة المعرفة بترخيصٍ من الشريعة، ومن شجرة الحياة متسامين عن موت الخطيئة، ولأنجبا من دون زواج ولامتلأ الفراغ الحاصل بين الملائكة بسقوط الشيطان، ووصلا إلى الملكوت شيئًا فشيئًا، وبذلك يكونان قد ارتفعا بجسديهما إلى الملكوت حتى الآن، مثل الروحانيين الذين كانوا سعداء مع الذي تجسَّد، وكما كانا بحاجة إلى القيامة مع الأموات، ولا ذاقا الموت بنوعيه الجسديّ والروحيّ. وبعد القيامة صارا في وسط ملكوت الله. لا يمكن خوض أعماق الله لكي يحصلا على الدرجة المناسبة. وقد أشار الابن إلى أن الفردوس قد يكون أحد هذه“.[116]

 

 

الفصل السابع

تفسير عبارة قانون الإيمان ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“

الفصل السابع: تفسير عبارة قانون الإيمان ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“

نرى في هذا الجزء من قانون الإيمان الأرثوذكسيّ: ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“، أن الله لم يتجسَّد فقط من أجل الخلاص، بل من أجلنا أولاً نحن البشر، وهذا يضعنا أمام حقيقة واضحة، وهي أن التجسُّد والتأنُّس هو من أجل الإنسان قبل كل شيء، وبالتالي، لا يتوقف التجسُّد على الخلاص من خطية آدم فقط، بل التجسُّد هو تدبير من أجل الإنسان أولاً وأخيرًا.

ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس

يرى ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص، والملقَّب بـ ”صائد الهرطقات“، أن أقنوم الكلمة صار في جسدٍ له نفس لأجلنا، وهذا يتفق مع الحقيقة المعلَنة في قول قانون الإيمان: ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“ كالتالي:

”فإن أولى طرق الاستقامة بحسب الإنجيل هي أن الكلمة لأجلنا قد صار جسدًا له نفس، في جسد مريم، لكي يُظهِر الأمور الأعلى لاحقًا“.[117]

يُشِير ق. إبيفانيوس إلى أن المسيح هو ”الطريق“ لأننا نسير من خلاله نحو الملكوت وإلى الآب، وهو ”الباب“ لأننا ندخل من خلاله، فلا يوجد وسيلة أخرى للوصول إلى الملكوت وإلى الآب إلا بالمسيح، سواء قبل السقوط أو بعده. فلا يوجد عند الله مثل هذه التقسيمات، فالله ليس ردة فعل لشيء، ولم يتفاجئ بشيء، بل كل الأمور مكشوفة أمامه منذ الأزل، وهكذا بدون التجسُّد الإلهيّ في المسيح لا يمكننا أن نصل إلى الملكوت وإلى الآب كالتالي:

”فنحن نعرف سبب كتابة تلك الأشياء: ’الطريق‘ لأننا نسير من خلاله [المسيح] نحو الملكوت، إليه وإلى الآب؛ ’الباب‘ لأننا ندخل من خلاله“.[118]

ق. كيرلس الإسكندري

يُفسِّر ق. كيرلس الإسكندريّ عبارة قانون الإيمان ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“، بأن الابن تجسَّد من أجل إعلان أن الربَّ هو فوق الكل بالطبيعة والمجد، وتجسَّد من أجلنا، بمعنى أنه أراد أن يأتي إلى مشابهتنا ويُضِيء على العالم بالجسد، فالابن هو الوحيد المخبِر عن الآب الذي لم يره أحد قط، فكان لا بد أن يتجسَّد الابن سواء قبل السقوط أو بعده من أجل إعلان الله الثالوث القدوس في شخصه كالتالي:

”وبسبب هذا قالوا [آباء مجمع نيقية]: ’الذي لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا نزل وتجسَّد وتأنس‘. لاحظوا كيف تصير هذه العبارة بنظامٍ وترتيبٍ مناسبٍ جدًا. قد قالوا إنه نزل لكي نعرف بهذا أن الربَّ هو فوق الكل بالطبيعة وبالمجد، ونزل أيضًا من أجلنا، وأنا أعني أنه كانت له الرغبة في أن يأتي إلى مُشابهتنا، ويُضِيء على العالم بالجسد. لأنه مكتوب في سفر المزامير: ’سيأتي الله إلهنا ظاهرًا ولن يصمت‘ (مز 49: 3 سبعينية)“.[119]

لذا يُناقِش الأب سرجيوس بولجاكوف Sergius Bulgakov موضوع التجسُّد غير المشروط، مُستخدمًا نص قانون الإيمان النيقاوي القسطنطينيّ للتأكيد على تعليم التجسُّد غير المشروط كالتالي: ”السؤال الأعم والأكثر استباقية الذي ينشأ هنا هو هل التجسُّد هو وسيلة فقط للفداء ومصالحة الله مع الإنسان؛ أي هل بهذا المعنى هو نتيجة السقوط: ’فيا لا ذنب آدم السعيد‘، وفعل سوتيريولوچيّ [خلاصيّ]، أم هل بمعنى مُحدَّد هو مستقل عن السوتيريولوچيّ، وفعل مُحدَّد مسبقًا في حد ذاته. بمعنى آخر، كيف يُطرَح هذا السؤال عادةً في علم اللاهوت والآبائيات، ويتمُّ الإجابة عليه بالطريقتين، بالرغم من هيمنة التفسير السوتيريولوچيّ [الخلاصيِّ] للتجسُّد (خاصةً في علم الآبائيات). كما يُقدَّم التجسُّد عادةً أيضًا في الكتاب المقدَّس بعيدًا عن النصوص المقدَّمة أعلاه،[120] على أنه لخلاص الإنسان من الخطية، ورفع حمل الله خطايا العالم على نفسه على نحوٍ ذبائحيّ. ويتفق ذلك مع التحقيق الحقيقيّ والثابت للتجسُّد: ’من أجلنا، ومن أجل خلاصنا‘. ولكن الجزء الأول من صيغة قانون إيمان نيقية: ’من أجلنا‘ له معنى عام أكثر من استعماله المحدَّد في الجزء الثاني: ’من أجل خلاصنا‘. علاوة على ذلك، لا تشير النصوص المعروضة أعلاه إلى الهدف المباشر والفدائيّ [الخلاصيّ] للتجسُّد، بل إلى غايته النهائية والعالمية: غاية اتحاد وانجماع كل شيء سماويّ وأرضيّ في المسيح“.[121]

كما يُناقِش الأب سرجيوس بولجاكوف موضوع هل كان تدبير التجسُّد الأزليّ لسبق علم الله بسقوط الإنسان، فأعدَّ له التجسُّد أم أنه كان سيحدث سواء أخطأ أو لم يخطئ؛ حيث يرى أن القائلين أنه بسبب علم الله السابق بالسقوط فأعدَّ التجسُّد بأنهم يُقحِمون تصوراتهم البشرية، ويفرضونها على الله، ما يَعتبره أنثروبومورفيزم Anthropomorphism [أنسنة اللاهوت أو إقحام تصوُّرات بشرية على اللاهوت] كالتالي: ”ولا يوجد إما/أو بمحاذاة هاتين الغايتين، بل يوجد فقط كلاهما/و. فعلى وجه التحديد أكثر، المعضلة السوتيريولوچية [الخلاصية] مُتضمَنة في المعضلة الأسخاتولوچية [الأخروية] كالوسيلة في الغاية: فالفداء هو الطريق إلى ’مجدنا‘. لذلك ربما أفضل طريقة للإجابة على سؤال: هل كان من الممكن حدوث التجسُّد دون السقوط هي الاعتراض على السؤال نفسه كسبب غير منطقيّ، أو كأنثروبومورفيزيم Anthropomorphism [أنسنة اللاهوت] غير لائق من جهة أعمال الله“.[122]

يشرح الأب سرجيوس بولجاكوف عدم منطقية السبب أي أن السقوط فقط هو علة تجسُّد الله، حيث يقول التالي: ”يتشكَّل السبب غير المنطقيّ هنا في الاعتقاد بأنه لو لم يخطئ الإنسان، فكان من الممكن أن يترك الله نفسه بدون تجسُّد. وهكذا صار التجسُّد مُعتمِدًا على الإنسان، وبالأخص على سقوطه، وعلى خطيته الأولى، وبالتحليل النهائيّ، حتى على الحية [أي الشيطان]. ولكن تُشِير شهادات الكتاب المقدَّس المقتبَسة أعلاه إلى العكس، حيث كان سر التجسُّد مُعَدَّ ’قبل إنشاء العالم‘، أي أنه يُعبِّر عن العلاقة المقرَّرة والضرورية أكثر بين الله والعالم، وليس فقط بحدث مُعيَّن في حياة العالم، حتى لو كان حدثًا له أهمية ضرورية لأجلنا. فلم يستخدم العالم سقوط الإنسان لإجبار الله على أن يجعل نفسه مُتجسِّدًا (لأنه كيف يمكن للعالم أن يضطر الله على فعل أي شيء؟)، بل بالأحرى خلق الله العالم من أجل التجسُّد“.[123]

يُشِير الأب كاليستوس وير Kallistus Ware إلى تعليم الآباء الشرقيين بالتجسُّد غير المشروط كالتالي: ”التجسُّد هو فعل محبة الله للبشر. ويدَّعي العديد من المؤلفين الشرقيين بأنه حتى لو لم يكن الإنسان قد تعرَّض للسقوط، فإن الله في محبته للبشر، كان سيصير إنسانًا. ويقولون أيضًا إنه يقتضي فهم التجسُّد على أنه جزء من قصد الله الأزليّ، وليس مُجرَّد رد فعل على السقوط. تلك كانت وجهة نظر مكسيموس المعترف ومار اسحاق السريانيّ، وكذلك آراء بعض اللاهوتيين الغربيين، ولا سيما دنس سكوتس (1265-1038)“.[124]

 

الفصل الثامن

التجسد غير المشروط في الدراسات اللاهوتية الأكاديمية

الفصل الثامن: التجسد غير المشروط في الدراسات اللاهوتية الأكاديمية

سوف نستعرض في هذا الفصل موضوع التجسد غير المشروط بخطية آدم كما جاء في الدراسات الحديثة والمعاصرة لنرى موقف العالم الأكاديميّ من هذا الأمر.

جوهانس كواستن

يُؤكِّد عالم الآبائيات المعروف چوهانس كواستن على أن أساس التعليم اللاهوتي للقديس أثناسيوس المتعلِّق بعقيدة الفداء والخلاص يرتبط بالتأله كالتالي:

”إن أساس ما كان يدافع عنه ق. أثناسيوس فيما يخص اللوغوس هو عقيدة الفداء والعبارات التالية تعبر عن التعليم اللاهوتي للقديس أثناسيوس: ’لقد صار (كلمة الله) إنسانًا لكي ما يؤلهنا θεοποιηθώμεν […]‘ (تجسد الكلمة: ٥٤) […] لذلك يستدل ق. أثناسيوس على ضرورة تجسد الكلمة وموته من مشيئة الله لفداء البشر، فلم يكن ممكنًا أن نحصل على الفداء، إذا لم يكن الله نفسه قد صار إنسانًا، وإذا لم يكن المسيح هو الله، ولذا فإن اللوغوس باتخاذه الطبيعة البشرية، قد آلّه البشر، وقد غلب الموت ليس من أجل نفسه، بل من أجلنا كلنا“.[125]

توماس تورانس

يستفيض أكثر عالم الآبائيات المعروف توماس تورانس في التأكيد على حقيقة التعليم بالتجسد غير المشروط عند القديس أثناسيوس، وارتباطه بتكميل عقيدة الخلق من العدم عند الآباء، حيث يقول:

”لقد لعبت عقيدة التجسد دورًا إضافيًا في عقيدة (الخلق من العدم) عند الآباء، إذ كشفت أن العالم كان في وضع غير مستقر وغير ثابت تمامًا، مما استدعى من الله الابن أن يوحده بذاته لكي يحفظه وينقذه […] وهكذا بالنظر إلى التجسد بهذه الطريقة، فإنه ينبغي أن يُفهم على أنه (أي التجسد) يكمل عمل الخلق ويُتمِّم علاقة الخليقة (الاعتمادية) بالله، إذًا، فبصورة ما يجب اعتبار أن الخليقة من البداية كانت متوقفة على (أو مشروطة بـ) التجسُّد“.[126]

وبالتالي، يؤكد البروفيسور توماس تورانس على أن التعليم بالتجسد غير المشروط هو تعليمٌ أصيلٌ عند ق. أثناسيوس.

وهكذا يُفرِّق توماس تورانس بين أمرين هما قانون الموت وحكم الموت، فيرى أن:

  • قانون الموت؛ أيّ أننا مخلوقون من العدم وإننا نؤول إلى العدم والفناء بحسب طبيعتنا العرضية الاعتمادية؛ التي تعتمد على الحياة المأخوذة من الله، وبدون الله نصير عدمًا كما كنا قبل الخلق، وآدم حتى وهو في الفردوس كان مُعرَّضًا لهذا الموت الطبيعيّ بحسب القانون الطبيعيّ لطبيعته العدمية.
  • حُكم الموت أي ”يوم أن تأكل منها موتًا تموت“؛ وهنا المقصود هو رفض معية الله والإبحار في الله، وأستبدل الإنسان ذلك بالإبحار في ذاته بعيدًا عن معية وشركة الله، فأوقع نفسه بإرادته تحت حكم الموت؛ كما قال ق. غريغوريوس اللاهوتي: ”أنا اجتذبت لي قضية الموت“.

يشرح القديس أثناسيوس هذه المسألة في واحدة من أهم فقرات كتاب ”تجسد الكلمة“، فيقول:

”الله صالح، بل هو بالحري مصدر الصلاح. والصالح لا يمكن أن يبخل بأي شيء وهو لا يحسد أحدًا حتى على الوجود. ولذلك خلق كل الأشياء من العدم بكلمته يسوع المسيح ربنا، وبنوع خاص تحنن على جنس البشر. ولأنه رأى عدم قدرة الإنسان أن يبقى دائمًا على الحالة التي خُلق فيها، أعطاه نعمة إضافية، فلم يكتف بخلق البشر مثل باقي الكائنات غير العاقلة على الأرض، بل خلقهم على صورته، وأعطاهم شركة في قوة كلمته حتى يستطيعوا بطريقة ما – ولهم بعض من (ظل الكلمة) وقد صاروا عقلاء – أن يبقوا في سعادة ويحيوا الحياة الحقيقية، حياة القديسين في الفردوس“. [127]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس هنا، في سياق شرحه لطبيعة آدم عند خلقه وقبل السقوط، على عدة أمور:

  • خلقة الإنسان من العدم بواسطة اللوغوس أي يسوع المسيح ربنا.
  • أعطى الله الإنسان نعمة إضافية وليس كما خلق الحيوانات العجماوات، بل خلقه على صورته في البر والقداسة والحكمة وإلخ.
  • أعطاه شركة في قوة الكلمة، وأسماها أيضًا ظل الكلمة، وأسماها أيضًا بذرة اللوغوس Σπερματικός λόγος في كتابه ”ضد الوثنيين“، حيث يقول:

”لا أقصد باللوغوس (الأقنوم) تلك القوة الغريزية المودعة في كل الأشياء المخلوقة – التي أعتاد البعض أن يدعوها ببذرة الكلمة – والعديمة النفس والتي لا تملك المنطق والتفكير، لكنها تعمل من الظاهر حسب فطنة مَن يستخدمها“. [128]

  • لو حفظ هذه النعمة الإضافية سيبقى في سعادة وحياة حقيقية وحياة القديسين في الفردوس، كلها مرادفات لمفهوم الشركة والمعية مع الله في الفردوس. ثم يكمّل ق. أثناسيوس قائلاً:

”ولكن لعلمه إن إرادة البشر يمكن أن تميل إلى أحد الاتجاهين (الخير أو الشر). سبق فأمَّن النعمة المعطاة لهم بوصية ومكان، فأدخلهم في فردوسه وأعطاهم وصية حتى إذا حفظوا النعمة واستمروا صالحين عاشوا في الفردوس بدون حزن أو ألم أو هّم، بالإضافة إلى الوعد بالخلود في السماء“.[129]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا أيضًا على عدة أمور:

  • حرية الإرادة الإنسانية في اختيار الخير أي اختيار المعية والشركة الإلهية أو الشر الانفصال عن الله.
  • تأمين النعمة السابقة المعطاة لهم (قوة/ظل/بذرة اللوغوس) بوصية ومكان.
  • لو حافظوا على النعمة يستمرون صالحين في الفردوس بدون نتائج السقوط والعصيان (الحزن والألم والهم؛ وهي آلام نفسية صعبة أختبرها الإنسان بعد السقوط، لم تكن من قبل في طبيعته).
  1. ويشير ق. أثناسيوس هنا لنقطة محورية وهي ”الوعد بالخلود في السماء“، هل لو كان الإنسان مخلوق خالد بطبيعته هل يسمي ق. أثناسيوس هذا ”وعدًا“ أم يسميه حقيقة أصيلة في طبيعة الإنسان؟ ولكنه يسميه وعدًا؛ والوعد هو ما سيتحقق في المستقبل وليس في الحاضر، مما يؤكد أن الإنسان لم يكن خالدًا في الفردوس، بل كان مُعرضًا لقانون الموت الطبيعي؛ كما أسمَّاه توماس تورانس في الفقرة أعلاه.

ثم يكمّل ق. أثناسيوس في نفس السياق قائلاً:

”أمَّا إذا تعدوا الوصية وارتدوا (عن الخير) وصاروا أشرارًا فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم بحسب طبيعتهم ولن يحيوا بعد في الفردوس، بل يموتون خارجًا عنه ويبقون إلى الأبد في الفساد والموت“. [130]

ويفرق ق. أثناسيوس هنا بين نوعين من الموت وهما:

  • أ‌- الموت الطبيعي الذي اسماه ق. أثناسيوس ”بحسب طبيعتهم“، وأسماه تورانس ”قانون الموت“، بمعنى أن موت الإنسان كان سيحدث حتى لو لم يكن قد أخطأ لأنه بطبيعته مائت وعدمي وعرضي واعتمادي الوجود.
  • ب‌- الموت الأبدي وهو الانفصال التام والنهائي عن الشركة الإلهية، والبقاء الأبدي في ذلك الموت خارج الفردوس؛ أي معية الله وشركته.

يكمل ق. أثناسيوس أيضًا في نفس السياق قائلاً:

”وهذا ما سبق وحذرنا منه الكتاب المقدس بفم الله قائلاً ’من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت‘ و ’موتًا تموت‘ لا تعني بالقطع مجرد الموت فقط، بل البقاء في فساد الموت إلى الأبد“. [131]

ويفرق ق. أثناسيوس هنا أيضًا بين نوعين من الموت هما:

  • الأول اسمَّاه ”الموت فقط“ وهو قانون الموت الطبيعي مما يؤكد موت الإنسان الأول في الفردوس بسبب طبيعته العدمية العرضية الاعتمادية.
  • الثاني اسماه ”البقاء في الموت إلى الأبد“ وهو حكم الموت الأبدي بالانفصال عن الله بتعدي الإنسان وعصيانه.

أخيرًا، يؤكِّد ق. أثناسيوس على حتمية التجسد غير المشروط بعصيان وخطية آدم -والذي قال عنه تورانس: ”أن الخليقة من البداية متوقفة على أو مشروطة بالتجسد“- في قوله:

”ولو أن الله قال كلمة واحدة – بسبب قدرته – وأبطل اللعنة، لظهرت قوة الذي أعطى الأمر ولكن الإنسان كان سيظل كما كان قبل العصيان لأنه سيحصل على النعمة من الخارج دون أن تكون متحدة مع الجسد – فهذه كانت الحالة عندما وُضِعَ في الجنة – بل ربما صارت حالته الآن أسوأ مما كان في الجنة بسبب أنه قد تعلم كيف يعصي. فلو كانت حالته هكذا وأغوي مرة أخرى بواسطة الحية لصارت هناك حاجة أخرى أن يأمر الله ويبطل اللعنة وهكذا تستمر الحاجة إلى ما لانهاية. وتظل البشر تحت الذنب بسبب استعبادهم للخطية إذ هم يقترفون الآثم. ولظلوا على الدوام لمَن يعفو عنهم ولما خلصوا قط. ولكونهم أجسادًا بحسب طبيعتهم فإنهم يظلون مقهورين دائمًا بالناموس بسبب ضعف الجسد“. [132]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس هنا على قانون الموت الطبيعي الذي خُلِق الإنسان به في الفردوس، حيث كانت له وهو في الجنة نعمة خارجية (ظل اللوغوس أو بذرة اللوغوس أو قوة اللوغوس)، ولكنه كان محتاجًا للتجسد الإلهي ليعطيه النعمة داخليًا ويتَّحد بها، وإنه كان سيموت بحسب القانون الطبيعي (قانون الموت) حتى لو لم يخطأ، ولم يأكل من الشجرة، ويتعدى على الوصية (حكم الموت)، وهكذا بتجسُّد الكلمة أزال كل من قانون الموت، وحكم الموت عن البشرية كلها في جسده، وضفَّر نعمة الحياة الأبدية والخلود والتأله بالنعمة بطبيعة جسدنا؛ وهكذا نلنا الشركة الأبدية مع الله في الكلمة المتجسِّد.

جوستاف ألين

يتحدَّث بروفيسور جوستاف ألين أيضًا عن تعليم التجسد غير المشروط عند ق. أثناسيوس كالتالي:

”لذلك يتساءل [أثناسيوس] في موضع ما (تجسد الكلمة: ٧) هل كان من الممكن أن يتخذ الله طريق آخر غير طريق التجسد، ويجيب [أثناسيوس] أنه من أجل الحصول على الخلاص، كان من الممكن أن يكفي جدًا أن يتوب الإنسان، إن كانت المشكلة الوحيدة هي مشكلة الخطية، وليس مشكلة الفساد والموت كنتيجة للخطية، ولكن بما أنه عن طريق الخطية، قد فقد البشر الصورة الإلهية، وصاروا خاضعين للموت، فلهذا السبب، كان ينبغي على الكلمة أن يأتي ويخلصهم من سلطان الفساد. يبدو أنه من مثل هذه الفقرات أن الحاجة إلى مجيء المسيح وعمله الفدائيّ قد نشأت بشكل خاص وحصريّ من نتائج الخطية، وليست من الخطية نفسها، وبالتالي، كان عمل المسيح له فقط علاقة غير مباشرة بالخطية. أما مثل هذا التفسير لم يكن فقط سواء لأثناسيوس، أو للآباء اليونانيين الآخرين. حيث لم يعتبر ق. أثناسيوس الخطية في الحقيقة هي السبب بشكل مجرّد للفساد، الذي أحتاج البشر الخلاص منه، بل لأنهم متجانسون ومتَّحِدون معه. وربما يمكن القول بأن عمل المسيح له علاقة مباشرة بالخطية، بحيث أنه جاء لكي ما يحطّم سلطان الخطية على الحياة البشرية. لقد جاء ’لكي ما يحرر الجميع من الخطية ولعنة الخطية، ولكي ما يحيا الجميع في الحق إلى الأبد أحرارًا من الموت، وليلبسوا عدم الفساد وعدم الموت‘ [ضد الآريوسيين ٢: ٦٩]، ويمكن القول حقًا أن غفران الخطايا لم يتمَّ التأكيد عليه بنفس القوة كما بواسطة المصلحين، فلم يتعمق اللاهوتيون اليونانيون مثل لوثر في ذلك. ولكن لا يبرر هذا الزعم بأن فكرة الخطية تأخذ مرتبة أدنى فقط، حيث أن مفهومه [أي أثناسيوس] عن الخلاص هو ببساطة ’مادي‘ و ’طبيعي‘، وهبة عدم الموت في الطبيعة البشرية هي من خلال طبيعة المسيح اللاهوتية“. [133]

لورانس جرينستيد

يوضح البروفيسور لورانس جرينستيد التقارب بين تعليم أثناسيوس بالتجسد غير المشروط وبين تعليم جون دانس سكوتس اللاهوتي اللاتيني عن نفس الموضوع، حيث يقول التالي:

”يبدأ الاختلاف بين النظامين [أيّ الأكوينيّ والسكوتيّ] من رأيهما عن التجسُّد، حيث يجادل سكوتس ضد أي صلة بين التجسد وسقوط الإنسان. حيث الرأي القديم للآباء اللاتين أن المسيح أخذ ناسوتًا لكي ما يسدّد دَّين الإنسان [أيّ التعليم اللاتينيّ الغربيّ]، فهو [دنس سكوتس] هنا يعطي مكانًا للرأي الذي يشبه كثيرًا جدًا رأي بعض الآباء اليونانيين الأوائل، وبشكلٍ دقيق رأي ق. أثناسيوس. ولكنه بالرغم من ذلك، لم يكن سكوتس مستيكيًا بالكفاية ليجعل رأيه الخاص هو المفهوم اليوناني للاتحاد الأبديّ بين الكلمة وخليقته. ولكن بالنسبة له أيضًا، التجسد هو حقيقة أزلية. على كل حال، كان ينبغي أن يأتي [الكلمة] ليكون الرأس الثاني للجنس البشري. حيث سبق تعيين واختيار طبيعته البشرية منذ كل الأزل، وكانت بشكل ما سابقة على السقوط“. [134]

هستنجس راشدال

يؤكد البروفيسور هستنجس راشدال على تعليم القديس أثناسيوس بعقيدة التجسد غير المشروط من أجل إعطاء الإنسان هبة عدم الفساد وعدم الموت كالتالي:

”يحاول ق. أثناسيوس أن يبين أن القابلية للفساد ليست عقوبةً جزائيةً فرضها الله، بل هي نتيجةٌ طبيعيةٌ وحتميةٌ للخطية. لم يكن الإنسان بالطبيعة غير قابل للفساد أو غير قابل للموت، بل كان جسده، وكما يبدو بوضوحٍ حتى نفسه العاقلة، قابلين للموت بالطبيعة. ولكن خُلق الإنسان فقط بين الحيوانات على ’صورة الله‘، وينبغي القول بأنه هو الوحيد الممنوح هبة العقل، التي تحمل معها فرصة الفوز بعدم الفساد من خلال الفعل الحر بحسب العقل، وكانت هذه الهبة بسبب الشركة مع اللوغوس (تجسد الكلمة ٣: ٣)“. [135]

ويُعلِّق راشدال على الفقرة السابقة في حاشية رقم (3) ومفهوم ق. أثناسيوس عن حالة الإنسان قبل السقوط وبعده قائلاً:

”يبدو أن الفقرات التالية تفترض أن أثناسيوس ظن أنه بعد السقوط، توقف الإنسان بالفعل عن أن يكون خالدًا، وأن نفوس البشر ماتت مع أجسادها، وظلت مائتةً حتى أعاد عمل المسيح عدم الموت (الخلود) إلى النفس والجسد على حد السواء، بينما لا يدعم أثناسيوس (مثل أوغسطينوس) إنه لن يكون هناك موت جسدي إلا بسبب السقوط (تجسد الكلمة ٣: ٤)“. [136]

يُؤكِّد البروفيسور راشدال في الحاشية السابقة على أن ق. أثناسيوس يختلف في تعليمه عن ق. أوغسطينوس، حيث يعلم الأخير بأنه لا يوجد أي موت سواء جسدي أو روحي قبل السقوط، وأن الموت الجسدي والروحي بسبب السقوط، بينما يعلم ق. أثناسيوس أن الموت الجسدي كان موجود قبل السقوط، طالما أخذ الإنسان جسد مُتغيِّر طبيعي يأكل ويشرب وينمو ويتكاثر ويثمر، فهو بالتالي قابل للفساد الطبيعي، وبالتالي قابل للموت الطبيعيّ (البيولوجيّ الإكلينيكيّ)، وإلا كان جسد غير طبيعي أو فوق الطبيعي، وهذا لا يتفق مع كونه خاضعًا للاحتياجات البشرية العادية، وقابل للموت البيولوجي الطبيعي، حيث يؤكد أثناسيوس والآباء السابقين واللاحقين له أن الإنسان لم يكن خالد بالطبيعة، بل كان سيُعطى نعمة الخلود وعدم الموت باتحاد الكلمة به لكي يهبه الحياة الأبدية وعدم الموت.

 

 

 

[1] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٢: ٢٢: ٧٧، ص 272، 273.

[2] Justin Martyr, Fragment 5, Otto, Corpus Apologet. Christian. Vol. III, p. 250ff & see Clark, ANF03, p. 358

[3] ثيؤفيلوس الأنطاكي (قديس)، الرد على أتوليكوس، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، ٢٠١٩)، ٢: ٢٥، ص ٨٠.

[4] المرجع السابق، ٢: ٢٧، ص ٨٢.

[5] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، ٤: ٣٨: ١، ص ٢٥٨-٢٥٩.

[6] إيرينيؤس (قديس)، برهان الكرازة الرسولية، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٠٩)، فصل ١٢، ص ٧٨.

[7] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، ٤: ٣٨: ١، ص ٢٥٩.

[8] Clement of Alexandria, ANF02, trans. by Alexander Roberts & James Donaldson, ed. Philip Schaff, CCEL, Stromata 6: 12, p. 1069.

[9] Tertullian, ANF03, trans. by Dr. Holmes, Ed. by Philip Schaff, CCEL, Against Marcion 2: 25, p. 444.

[10] ميثوديوس الأوليمبي (قديس)، الكتابات النسكية المسيحية الأولى (وليمة العشر عذراى)، ترجمة: الراهب تيموثاوس المحرقي، (القاهرة، ٢٠٠٩)، ١: ٤، ص ٩٨.

[11] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير: معلم الكنيسة الجامعة، ترجمة وإعداد: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، شذرات على سفر أيوب، ص ٢٢٩.

[12] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٠٣)، ٤: ٦، ص 11-12.

[13] المرجع السابق، 5: 1، ص 13.

[14] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات عيد القيامة، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز القبطي الأرثوذكسي، ٢٠١٥)، العظة الفصحية الثانية : 7، ص ٢٣.

[15] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٢١)، فصل ١٦، ص ٨٦-٨٧.

[16] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص ١٣١-١٣٢.

[17] أوغسطينوس أسقف هيبو، مدينة الله مج٢، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، ٢٠١٥)، ١٣: ١، ص ١٠٩.

[18] يوحنا الدمشقي (أب)، المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، ترجمة: الأرشمندريت أدريانوس شكور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ١٩٨٤)، ٢: ٢٦: ١٢، ص ١١٥-١١٦.

[19] يعقوب الرهاوي (مار)، الأيام الستة، ترجمة: متروبوليت غريغوريوس صليبا، ١٩٩٠، مقالة ٧، ص ٢٢٨-٢٢٩.

[20] ديونيسيوس بن الصليبي (مار)، الدر الفريد في تفسير العهد الجديد ج٢، ترجمة: الراهب عبد المسيح الدولباني السرياني، (لبنان، ٢٠١٧)، تعليق على (يو ٣: ١٣)، ص ٣٦٣.

[21] غريغوريوس بن العبري (مار)، منارة الأقداس، ترجمة: مار ديونيسيوس بهنام، (سوريا: دار ماردين للنشر، ١٩٩٦)، ٣: ١، ص ٣٦٣.

[22] سويروس يعقوب البرطلي (مار)، الكنوز، ترجمة: الشماس بهنام دانيال، (سوريا: دار ماردين للنشر، ٢٠٠٧)، فصل ٣٢، ص ٢٤٢.

[23] يوستينوس الشهيد (قديس)، القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد (الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى)، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2012)، الحوار مع تريفون اليهودي : 124، ص 299.

[24] المرجع السابق، خطاب إلى اليونانيين : 5، ص 387.

[25] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، ٤: ٣٨: ٤، ص 261.

[26] المرجع السابق، ٣: ١٨: ٧، ص ٩٤.

[27] ثيؤفيلوس الأنطاكي (قديس)، الرد على أتوليكوس، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2019)، ٢: ٢٧، ص 82.

[28] أثيناغوراس الأثيني (فيلسوف)، أثيناغوراس الفيلسوف الأثيني، ترجمة: مارك ألفونس، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، مقالة عن قيامة الأموات، الفصل ١٢، ص 143، 144.

[29] Tertullian, ANF03 (Against Marcion), Trans. by Dr. Holmes, Edit. By Phillip Schaff, (Grand Rapids, MI: Christian Classics Ethereal Library, 1845- 1916), 2: 25, p. 444.

[30] نوفاتيان (الأفريقي)، عن الثالوث، ترجمة: د. عادل ذكري، (القاهرة: دار رسالتنا للنشر والتوزيع، 2022)، 15: 9، ص 76.

[31] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، ٣: ٤، ص 8، 9.

[32] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٢: ٢١: ٦٦، ص 256.

[33] المرجع السابق، ٢: ٢١: ٦٧، ص 257.

[34] المرجع السابق، 2: 21: 68، ص 259.

[35] المرجع السابق، ٣: ٢٧: ٣٨، ص 344.

[36] كيرلس الأورشليمي (قديس)، العظات للموعوظين، ترجمة: الأب چورچ نصور، (لبنان: جامعة الكسليك، 1982)، عظة 4: 18، ص 63.

[37] أمبروسيوس أسقف ميلان (قديس)، شرح الإيمان المسيحي، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 3: 3: 19، 20، ص 164، 165.

[38] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات عيد القيامة (العظة الفصحية الثانية)، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2015)، عظة 45: ٧، ص 23.

[39] غريغوريوس النيسي (قديس)، تعليم الموعوظين، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2022)، 2: 5: 5-6، ص 124، 125.

[40] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 3، ص 36.

[41] مكاريوس الكبير (قديس)، العظات الخمسون، ترجمة: الراهب يونان المقاري، إشراف: نيافة الانبا إبيفانيوس المقاري، (وادي النطرون: دير القديس أبو مقار، 2019)، عظة 1: 10-12، ص 133، 134.

[42] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي الدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص 131، 132.

[43] المرجع السابق، ص 83.

[44] المرجع السابق، تعليق على (يو 1: 4)، ص 83-84.

[45] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي الدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص ٢١٤.

[46] المرجع السابق.

[47] المرجع السابق، ص ٢١٥.

[48] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي الدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص 83، 84.

[49] أوغسطينوس أسقف هيبو، مدينة الله ج٣، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، ٢٠١٤)، ٢٢: ٣٠، ص ٤١٣.

[50] أوغسطينوس أسقف هيبو، العظات على المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، عظة 16 على (مز 118) : 1، ص 399.

[51] مكسيموس المعترف (أب)، الفيلوكاليا مج2، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا يسطس، (القاهرة، 2017)، نصوص متنوعة في علم معرفة الله والتدبير الإلهي والفضيلة والرذيلة 1: 42، ص 167.

[52] يوحنا الدمشقي، المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، ترجمة: الأرشمندريت أدريانوس شكور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1984)، 2: 26: 12، ص 115، 116.

[53] إيروثيوس فلاخوس (متروبوليت)، الأعياد السيدية، ترجمة: الأب أنطوان ملكي، (لبنان: مكتبة البشارة، بانياس، 2017)، القسم الثاني، ص 362.

[54] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، ٣: ١٩: ١، ص ٩٥، ٩٦.

[55] المرجع السابق، ٣: ١٨: ٦، ص ٩٤.

[56] نوفاتيان (الأفريقي)، عن الثالوث، ترجمة: د. عادل ذكري، (القاهرة: دار رسالتنا للنشر والتوزيع، 2022)، 23: 6-8، ص 111.

[57] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، ٥٤: ٣، ص 159.

[58] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أدلفيوس المعترف : 4، ص 27.

[59] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 2: 21: 70، ص 261-262.

[60] المرجع السابق، 1: 11: 45، ص 116.

[61] المرجع السابق، 3: 26: 34، ص 338.

[62] أثناسيوس الرسولي (قديس)، إطلالات على تراث الأدب القبطيّ ج1 (الرسالة إلى العذارى)، ترجمة: د. صموئيل قزمان معوض، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2022)، مقطع 40، ص 165.

[63] المرجع السابق، مقطع 43، ص 166-167.

[64] كيرلس الأورشليمي (قديس)، العظات للموعوظين، ترجمة: الأب چورچ نصور، (لبنان: جامعة الكسليك، 1982)، عظة 12: 1، ص 182.

[65] Hilary of Poitiers, The fathers of the church vol. 125 (Commentary on Mathew), Trans. By D. H. Williams, Edit. By David G. Hunter, (Washington DC: The catholic University of America Press, 2012), on Mt 5: 15, p. 84.

[66] هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، (البحر الأحمر: دير أنبا أنطونيوس، 2017)، ١٠: ٧، ص 690.

[67] المرجع السابق، ١٠: ٧، ص ٦٩٠.

[68] أمبروسيوس أسقف ميلان (قديس)، سر تجسد الرب، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، 8: 85، ص 106.

[69] المرجع السابق، 4: 23، ص 53، 54.

[70] غريغوريوس النزينزي (قديس)، الخطب 27- 31 اللاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1993)، خطبة ٢٩: ١٩، ص 100.

[71] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات على عيد القيامة (العظة الفصحية الأولى)، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2015) 44: 5، ص 15.

[72] غريغوريوس النزينزي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس النزينزي اللاهوتي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، 1994)، عظة المعمودية والمعمدين، ص 164.

[73] Gregory of Nyssa, Or. Cat: 37, PG 45.97b.

[74] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 11، ص 107.

[75] يوحنا ذهبي الفم (قديس، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج3، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 80، ص 128.

[76] أفرام السرياني (مار)، أناشيد الإيمان ج١ (١- ٤٠)، ترجمة: الخوري بولس الفغالي، (لبنان: منشورات الجامعة الأنطونية، ٢٠٠٧)، نشيد ٥: ١٧، ص ٤٣.

[77] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو 20: 17)، ص 497.

[78] المرجع السابق، تعليق على (يو 14: 5-6)، ص 150.

[79] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 23: 11، ص 356.

[80] المرجع السابق، مقالة 24: 13، ص 370.

[81] أوغسطينوس أسقف هيبو، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، تقديم: نيافة الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، ١: ١٣: ٢٨، ص 153.

[82] أوغسطينوس أسقف هيبو، عظات في المزامير ج٢، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، ٢٠١٤)، عظة ٥٨: ٧، ص ٥٥٨.

[83] أوغسطينوس أسقف هيبو، العظات على المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، عظة 16 على (مز 118) : 6، ص 402.

[84] Tractatus tres de trinitate et incarnatione, 299: 15 = 15- 129: 2.

[85] Ibid, 8- 243. 7.

[86] يعقوب السروجي (مار)، ميامر مار يعقوب السروجي مج١، ترجمة: الأب د. بهنام سوني، (بغداد، ٢٠٠٣)، ميمر ٦: ٤٨٦، ٤٨٧، ص ٤٨٦.

[87] المرجع السابق، ميمر ٩٤: ١٦٥- ١٦٧، ص ١٤٩٨.

[88] مكسيموس المعترف (أب)، الفيلوكاليا مج2، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا يسطس، (القاهرة، 2017)، مئتا نص في علم معرفة الله والتدبير الإلهي لتجسد ابن الله كُتِبَت إلى طلاسيوس، 2: 25، ص 138، 139.

[89] المرجع السابق، نصوص متنوعة في علم معرفة الله والتدبير الإلهي والفضيلة والرذيلة، 2: 26، ص 187.

[90] مكسيموس المعترف (أب)، الفيلوكاليا مج2، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا يسطس، (القاهرة، 2017)، في الصلاة الربانية (تفسير مختصر مرسل إلى مسيحي ورع)، ص 278.

[91] إيروثيوس فلاخوس (متروبوليت)، الأعياد السيدية، ترجمة: الأب أنطوان ملكي، (لبنان: مكتبة البشارة، بانياس، 2017)، القسم الثاني، ص 369.

[92] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 41: 4، ص 119.

[93] المرجع السابق، 11: 3، ص 29.

[94] المرجع السابق، 14: 6، ص 42.

[95] المرجع السابق، 42: 6، ص 122، 123.

[96] المرجع السابق، 54: 3، ص 159، 160.

[97] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 2: 20: 56، ص 242.

[98] توماس ف. تورانس، الإيمان بالثالوث، ترجمة: د. عماد موريس، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2010)، ص75، 76.

[99] يناقش روبرت من دويتش قضية التجسُّد غير المشروط على النحو التالي: ”هنا من المناسب أولاً أن نسأل هل كان ابن الله، الذي يتناوله الخطاب، سيصير إنسانًا أم لا، حتى لو لم تدخل الخطيئة التي يموت بسببها الجميع. لا شك أنه لم يكن ليصير مائتًا ويتَّخذ جسدًا مائتًا لو لم تحدث الخطيئة وتسبَّبت في أن يصبح الإنسان مائتًا؛ فلا يمكن إلا لغير المؤمن أن يجهل هذا الأمر. والسؤال هو: هل كان هذا ليحدث؟ وهل كان من الضروريّ بطريقةٍ ما للبشرية أن يصير الله إنسانًا، رأسًا وملكًا للجميع، كما هو الآن؟ وما هي الإجابة؟“. ثم يقتبس روبرت من أوغسطينوس بخصوص سبق التعيين الأزليّ للقديسين (مدينة الله 14: 23)، ويتابع قائلاً: ”بما أنه فيما يتعلَّق بالقديسين وجميع المختارين، فلا شك أنهم سيوجدون جميعًا حتى العدد المعيَّن في خطة الله، الذي يقول عنه في البركة قبل الخطيئة: ’اثمروا وأكثروا‘، فمن السخافة أن نعتقد أن الخطيئة كانت ضروريةً للوصول إلى هذا العدد، فما ينبغي أن نفكر في رأس وملك كل المختارين، الملائكة والبشر، إلا أنه لم يكن لديه حقًا سببًا ضروريًا ليصير إنسانًا، ولكن ’لذات محبته ستكون مع بني البشر‘ (أم 8: 31). لذلك، نقول على الأرجح، وليس أكثر، أن الإنسان [خُلِقَ] ليُشكِّل عدد الملائكة [أيّ هؤلاء الساقطون]، ولكن الملائكة والبشر قد خُلِقوا بسبب إنسان واحد، يسوع المسيح، حتى أنه، كما وُلِدَ هو نفسه إلهًا من إله، وكان لا بد أن يوجد إنسانًا، وكان لديه عائلةً مُعدّةً من كلا الجانبين […] فمنذ البداية، قبل أن يخلق الله أيّ شيء، كان في خطته أن يتجسَّد كلمة الله [اللوغوس]، الله الكلمة [اللوغوس]، ويسكن بين البشر بحبٍ عظيمٍ وأعمق اتضاع، وهما مسراته الحقيقية (أم 8: 31)“.

See Rupertus Tuitensis, De Gloria et honore Filii hominis super Matthaeum, lib. 13, (M., P.L. 148, col. 1628); Cf. also Glorijicatione Trinitatis, lib. 3, 20 (M., P.L. 169, col. 72).

[100] يرفض أونوريوس من أوتون أن تكون خطيئة آدم هي سبب تجسد المسيح، ويرى أن سبب تجسد المسيح هو تحديد الله مسبقًا منذ الأزل أن يتأله الإنسان من خلال التجسد الإلهيّ قائلاً: ”ولذلك، فإن خطيئة الإنسان الأول لم تكن سبب تجسد المسيح، بل كانت سبب الموت والدينونة. كان سبب تجسد المسيح هو تحديد تأليه الإنسان مسبقًا. لقد كان الله قد حدَّد مسبقًا منذ الأزل أن يتأله الإنسان، لأن الربَّ قال: ’أيها الآب، لقد أحببتهم قبل إنشاء العالم‘ (يو 17: 24)، أيّ أولئك الذين يتألهون بواسطتي […] كان من الضروريّ، إذًا، أن يتجسَّد، حتى يمكن تأليه الإنسان، وبالتالي، لا يتبع ذلك أن الخطيئة كانت سبب تجسُّده، ولكن يتبع ذلك بشكلٍ أكثر منطقيةً أن الخطيئة لا يمكن أن تُغيِّر خطة الله لتأليه الإنسان؛ لأن سلطة الكتاب المقدس والمنطق الواضح يعلنان في الواقع أن الله كان ليتَّخذ إنسانًا حتى لو لم يخطئ الإنسان أبدًا“.

See Honorius of Autun, Libellus Octo quaestionum de angelis et bomine, Cap. 2 (M., P.L. 172, col. 72).

[101] Alexander Halensis, Summa Theologica, ed. ad. Claras Aquas, dist. 3, q. 3, m. 3.

[102] يقول ألبرتوس ماجنوس التالي: ”وفيما يتعلَّق بهذا السؤال، لا بد من القول أن الحل غير مؤكَّد، ولكن بقدر ما أستطيع التعبير عن رأيي، فأنا أعتقد أن ابن الله كان ليصير إنسانًا حتى لو لم تكن الخطيئة موجودةً أبدًا“.

See Albertus Magnus, In 3, 1. Sententtarum, dist. 20, art. 4, ed. Borgnet, t. 28, 361.

[103] يناقش دنس سكوتس قضية التجسد غير المشروط بخطية آدم في سياق عقيدة سبق التعيين والاختيار الأزلي كالتالي: ”ولكني أقول مع ذلك إن السقوط ليس سببًا في سبق تعيين المسيح. فحتى لو لم يسقط ملاكٌ واحدٌ أو إنسانٌ واحدٌ، لكان الله قد اختار المسيح مسبقًا على هذا النحو – حتى لو لم يخلق غيره بل المسيح فقط. وأنا أثبت ذلك على هذا النحو: إن كل مَن يريد بنظامٍ يريد أولاً غايةً، ثم يريد على الفور تلك الأشياء التي تؤدي إلى الغاية فورًا. ولكن الله يريد بنظامٍ أكثر؛ ولذلك فهو يريد على هذا النحو: فهو أولاً يريد ذاته وكل ما هو جوهريّ بالنسبة له؛ وبصورةٍ مباشرةً أكثر، فيما يخص الأمور الخارجية، فهي روح المسيح. ولذلك، فإنه فيما يتعلَّق بأيّ استحقاق وقبل أيّ استحقاق متوقع، فإنه يرى مسبقًا أن المسيح لا بد وأن يتَّحد به في اتحادٍ جوهريّ […] فيكون التدبير وسبق التعيين كاملين أولاً فيما يتعلَّق بالمختارين، ثم يتمُّ عمل شيءٌ ما من ناحية المرفوضين كعملٍ ثانويّ، لئلا يفرح أحدٌ كما لو كان فقدان آخر مكافأةً لنفسه؛ لذلك، قبل السقوط المتوقع، وقبل أيّ خلل، كانت العملية برمتها الخاصة بالمسيح متوقعةً […] لذا أقول هذا: أولاً، يحب الله ذاته؛ ثانيًا، يحب ذاته من خلال الآخرين، وهذا الحب نقيّ؛ ثالثًا، يريد أن يحبه شخصٌ آخر، شخصٌ يمكنه أن يحبه لأقصى درجة (عند الحديث عن محبة شخص خارجيّ)؛ رابعًا، يرى اتحاد تلك الطبيعة التي ينبغي أن تحبه إلى أقصى درجة، على الرغم من عدم سقوط أحد (أيّ حتى لو لم يسقط أحدٌ) […] وبالتالي، في الحالة الخامسة، يرى وسيطًا قادمًا سيتألم ويفدي شعبه؛ لم يكن ليأت وسيطًا ليتألم ويفدي، لو لم يخطئ أحدٌ أولاً، ولو لم ينتفخ مجد الجسد بالكبرياء، ولو لم يكن هناك شيءٌ يحتاج إلى الفداء؛ وإلا لكان على الفور هو المسيح الممجَّد بالكامل“.

See John Duns Scotus, Opus Oxoniense 13, dist. 19, ed. Wadding, t. 7, p. 415; Cf. Reportata Parisiensia, lib. 3, dist. 7, q. 4, Schol. 2, ed. Wadding, t. 11. 1, p. 451.

[104] چورچ فلوروفسكي (أب)، التجسد والفداء (مقالات لاهوتية)، ترجمة: د. جرجس كامل يوسف، (القاهرة: جذور للنشر، 2016)، ص 105، 106.

[105] المرجع السابق، ص 106.

[106] المرجع السابق، ص106، 107.

[107] المرجع السابق، ص 107.

[108] المرجع السابق، ص108.

[109] المرجع السابق، ص 108، 109.

[110] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 2: 18: 37، ص 211.

[111] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، مقالة 5، ص 202-203.

[112] مكاريوس الكبير (قديس)، العظات الخمسون، ترجمة: الراهب يونان المقاري، إشراف: نيافة الأنبا إبيفانيوس المقاري، (وداي النطرون: دير القديس أبو مقار، 2019)، عظة 31: 4، ص 470.

[113] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس سليم بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 19، ص 104.

[114] أوغريس البنطي (مار)، مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البنطي، مراجعة: نيافة الأنبا إيسيذورس، (وادي النطرون: دير السيدة العذراء البرموس، 2021)، كيفالايا غنوستيكا أو فصول غنوسية، 5: 69، ص 214.

[115] المرجع السابق، أقوال روحية 3: 17، ص 594.

[116] غريغوريوس بن العبري (مار)، الأشعة، ترجمة: المطران صليبا شمعون، (سوريا، 2016)، 7: 10: 4، ص 209.

[117] إبيفانيوس أسقف سلاميس (قديس)، أنكوراتوس (المثبَّت بالمرساة)، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، تقديم: نيافة الأنبا يسطس، (البحر الأحمر: دير أنبا أنطونيوس، 2018)، 43: 9، ص 249.

[118] المرجع السابق، 45: 5، ص 253.

[119] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. موريس تاوضروس ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، الرسالة رقم 55 في شرح قانون الإيمان : 19، ص 244.

[120] يقصد النصوص التالية: (1بط1: 19-20؛ 1كو2: 7؛ أف1: 4؛ أف1: 5، 6؛ يو3: 16-17؛ 1يو4: 9، 19).

[121] Sergius Bulgakov, The Lamb of God, Trans. by Boris Jakim, (USA & U.K: Grand Rapids, Michigan/Cambridge, 2008), p.180.

[122] Ibid.

[123] Ibid.

[124] كالستوس وير (أب)، الكنيسة الأرثوذكسية: إيمان وعقيدة، (القاهرة: جذور للنشر، 2016)، ص35.

[125] چوهانس كواستن، علم الآبائيات ”باترولوجيا“ مج٣، ترجمة: الراهب غريغوريوس البرموسي ود. نارد مدحت، (القاهرة: إصدار باناريون للتراث الآبائي، 2022)، ص ٩٢، ٩٣.

[126] توماس تورانس، الإيمان بالثالوث، ترجمة: د. عماد موريس، (القاهرة: إصدار باناريون، ٢٠١٠)، ص ١٤٥، ١٤٧.

[127] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. جوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، ٣: ٣.

[128] أثناسيوس (قديس)، ضد الوثنيين، ترجمة: د. جوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، ٤٠: ٤.

[129] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. جوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، ٣: ٤.

[130] المرجع السابق، ٣: ٤.

[131] المرجع السابق، 3: 6.

[132] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٢: ٦٥.

[133] Aulén, Gustaf, Christus Victor, trans. by A. G. Hebert, (London: S. P. C. K, 1975), p. 43 & 44.

[134] Grensted, L. W., A short History of The Doctrine of Atonement, (London & New York: Manchester University Press, 1920), p. 158.

[135] Rashdal, Hastings, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), Lect 4, p. 296.

[136] Ibid, p.296, n.3.

 

 

التجسد قصد الله منذ الأزل – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود والمتهودين – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود والمتهودين – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود والمتهودين – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود والمتهودين – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – سبتمبر 2023م

 

 

الفهرست

تعاليم آباء الكنيسة ضد بدع التهود والمتهودين. 1

الآباء الرسوليون. 2

رسالة برنابا 2

إلغاء الذبائح والفرائض الناموسية. 2

الرسالة إلى ديوجنيتوس… 3

رفض المعتقدات والحرفية اليهودية. 3

ق. أغناطيوس الأنطاكي. 4

رفض التهود والمتهودين. 4

الرفض التام للتفاسير اليهودية. 4

الآباء المدافعون. 6

ق. يوستينوس الشهيد 6

إبطال العهد الجديد للعهد القديم 6

ق. إيرينيؤس أسقف ليون. 7

رفض التهود والارتداد إلى الناموس.. 7

التهود ورفض التجسُّد الإلهي. 7

ق. ميلتيوس أسقف ساردس… 9

الناموس العتيق ووقتية المثال. 9

إبطال مثال الناموس بحقيقة الإنجيل. 9

الآباء اليونانيون. 11

العلامة أوريجينوس… 11

التهود وإتباع ناموس اليهود 11

ق. أثناسيوس الرسولي. 11

التهود والتظاهر بالمسيحية. 11

التهود ورفض التبني لله الآب.. 12

التهود وتحريف تفسير نصوص الكتاب المقدس.. 13

التهود وإلباس اليهودية اسم المسيحية. 13

يوسابيوس القيصري.. 14

التهود والخلاص بالناموس والمسيح. 14

ق. باسيليوس القيصري الكبير. 15

الناموس هرم وشاخ. 15

ق. غريغوريوس النيسي. 16

الناموس ظل وصورة 16

ق. يوحنا ذهبي الفم. 16

الناموس القديم جزئي وناقص… 16

العهد الجديد أكثر أهمية من القديم 17

ق. كيرلس الإسكندري.. 18

كلمات الناموس مجرد رموز وظلال. 18

معرفة الناموس ناقصة. 19

عدم كمال الناموس.. 20

الخلاصة. 21

 

 

 

 

 

تعاليم آباء الكنيسة ضد بدع التهود والمتهودين

سوف نحاول في هذا البحث تسليط الضوء على قضية من أخطر القضايا التي واجهت الكنيسة، وهي قضية التهود، والتهود في معناه البسيط هو الارتداد عن المسيحية إلى الطقوس والعقائد والممارسات اليهودية، وتُعتبر هذه القضية من أخطر القضايا التي واجهت الكنيسة منذ نشأتها وحتى عصرنا هذا.

فلا يوجد عصر من العصور لم يتسلل فيه التهود إلى الكنيسة، ولا يوجد عصر من العصور لم يوجد فيه المتهودون المؤمنون بالأفكار والعقائد اليهودية بشكلٍ مباشرٍ أو بشكلٍ غير مباشر. ويتسلل التهود إلى الكنيسة بطريقة خفية من خلال دراسة الخلفية اليهودية للعهد الجديد من الناحية التاريخية والطقسية والعقائدية، وهذا شيء لا غبار عليه، ولكن عند التوغل في هذه الدراسة لدرجة تصل إلى تفسير العهد الجديد على مقياس العهد القديم فهذا يدق ناقوس الخطر، وينبئ عن انزلاق غير محسوس نحو التهود، وعودة الفكر اليهوديّ مرة أخرى ليسود الكنيسة في ثوبٍ جديدٍ، ويُعتبر هذا من أخطر الأمور على الإيمان المسيحيّ الأرثوذكسيّ، لأن الذين يقومون بذلك يقعون فريسة للتهود دون دراية بدافع دراسة الخلفية اليهودية لنصوص العهد الجديد، فيبدأ هنا الارتداد عن المسيحية للسقوط في هوة التهود.

سوف نستعرض في هذا البحث كيف واجه آباء الكنيسة قضية التهود منذ العصر الرسوليّ وفي القرون الأولى للمسيحية، وسوف نستعرض أهم صور التهود التي رفضها آباء الكنيسة وحاربوها بشدة، وسوف نطرح وجهة نظر آباء الكنيسة حول عقائد وممارسات وطقوس العهد القديم وعلاقتها بعقائد وممارسات وطقوس العهد الجديد.

 

 

الآباء الرسوليون

سوف نستعرض في هذا الجزء موقف الآباء الرسوليين من بدع التهود في بداية المسيحية منذ القرن الأول وما بعده، وسوف نرى كيف كانت الكنيسة تنظر إلى الناموس والذبائح اليهودية في العصر الرسوليّ.

رسالة برنابا

إلغاء الذبائح والفرائض الناموسية

يشير كاتب رسالة برنابا إلى رفض الله لكافة الذبائح والمحرقات والتقدمات اليهودية عن طريق أنبيائه، وأنه ألغى كل الأمور الناموسية لكي يكون ناموس ربنا يسوع المسيح الجديد خاليًا من نير الفروض والإجبار كالتالي:

لأن [الله] أعلن لنا عن طريق كل أنبيائه أنه لا يحتاج ذبائح، ولا محرقات، ولا تقدمات، قائلاً: ’لماذا كثرة ذبائحكم لي؟ يقول الرب. شبعتُ من محرقات الكباش ودهن الحملان، ولا أريد دم العجول والتيوس، ولا أن تأتوا لتظهروا أمامي. لأنه مَنْ طلب هذا من أيديكم؟ لا تسيروا في ساحتى مرةً أخرى. حينما تحملون لي دقيقًا فاخرًا، فهو بلا قيمة لي، وحين تُقدِّمون بخورًا فهو نجس، ولم أعد أحتمل أعياد أول الشهور والسبوت التي لكم‘ (إش 1: 11-13). وهكذا ألغى [الله] كل هذه الأمور، لكي يكون ناموس ربنا يسوع المسيح الجديد حاليًا من نير الإجبار، ولا يقبل تقدمة يُجبَر البشر على تقديمها“.[1]

ولكن بعد ذلك نجد البعض بمنتهى الغرابة ينادي بالإلغاء الجزئيّ للناموس اليهوديّ وفرائضه، وينادون بكل جرأة بأن أحكام الناموس اليهوديّ لازالت قائمة وسارية في المسيحية وعلى الكنيسة المسيحية، يا له من تعليم متهود فاسد!

الرسالة إلى ديوجنيتوس

رفض المعتقدات والحرفية اليهودية

يطلب كاتب الرسالة إلى ديوجنيتوس من المؤمنين المسيحيين ألا يتعلموا أيّ شيء بشأن المعتقدات والتأويلات اليهودية حول الطعام، وأيام السبوت، والختان، والصوم، والأعياد اليهودية، ويطلب منهم الابتعاد عن سخافات اليهود النجسة كالتالي:

”وبالنسبة لأولئك الذين يظنون أنهم يُقدِّمون له ذبائح دموية ورائحة دهن الذبائح، والمحرقات، ويعتقدون أنهم يُكرِّمونه بواسطة هذه التقدمات، فبالنسبة لي، فإن هؤلاء لا يختلفون شيئًا عن أولئك الذين يُقدِّمون هذه الكرامة للأوثان الصماء […] وأكثر من ذلك وسوستهم بخصوص الطعام، ومعتقداتهم بخصوص أيام السبوت، وتباهيهم الباطل بالختان، وزعمهم بخصوص الصوم وأوائل الشهور، فهذه أمور سخيفة، ولا تستحق أيّ حديث، وأنا لا أظن أنك تحتاج إلى أن تتعلَّم مني أيّ شيء من تلك الأمور […] أعتقد الآن، أنك قد تعلَّمت بشكلٍ كافٍ أن المسيحيين هم على حق في ابتعادهم عن سخافات اليهود النجسة هذه، وحرفيتهم الخادعة، وافتخارهم، ولكن بالنسبة لسر عبادتهم الخاصة، فلا تتوقع أن تستطيع تعلُّمها من إنسان“.[2]

ق. أغناطيوس الأنطاكي

رفض التهود والمتهودين

يرفض ق. أغناطيوس الأنطاكيّ التهود بكل أشكاله رفضًا قاطعًا مُستنكرًا أن يتلفظ البعض باسم يسوع المسيح، ولكنهم مازالوا يعيشون ويُفكِّرون كما يعيش ويُفكِّر اليهود، فليست المسيحية هي التي آمنت باليهودية، بل اليهودية بالمسيحية كالتالي:

”اِطرحوا عنكم الخمير الفاسد العتيق، وتحوَّلوا إلى الخمير الجديد الذي هو يسوع المسيح. وليكن هو ملح حياتكم حتى لا يفسد واحدٌ منكم، لأنكم من رائحتكم تُعرَفون. إنه من غير اللائق أن تتلفظ باسم يسوع المسيح، وأنت تعيش كما يعيش اليهود. فليست المسيحية هي التي آمنت باليهودية، بل اليهودية بالمسيحية، التي فيها اجتمع كل إنسان يؤمن بالله“.[3]

الرفض التام للتفاسير اليهودية

يُشدِّد ق. أغناطيوس الأنطاكيّ على مقاطعة أيّ أحد يُفسِّر المسيحية من خلال التفاسير اليهودية، ويُشبِّه هؤلاء المتهودين الذين لا يتحدَّثون عن المسيح بتاتًا بأنهم كشواهد القبور الحجرية وكقبور الأموات تحمل فقط أسماء الأشخاص المائتين كالتالي:

إذَا فسَّر لكم أحدٌ وفقًا لليهودية، فلا تسمعوا له. لأنه مِن الأفضل أن تسمعوا مختونًا يكرز بالمسيحية، مِن أن تسمعوا غير مختونٍ يكرز باليهودية. وإذَا لم يكلِّمكم أيٌّ منهما عن يسوع المسيح، فهما بالنسبة لي كشواهد القبور الحجرية، وكقبور الأموات، كُتِبَ عليها فقط أسماء الأشخاص الموتى“.[4]

 

 

الآباء المدافعون

سوف نستعرض بداية وتطور حركة التهود التي أزعجت الكنيسة في القرون الأولى لأنها كانت رافضة لرسالة الإيمان المسيحيّ، وذلك في كتابات الأباء المدافعين في القرون الأولى للمسيحية.

ق. يوستينوس الشهيد

إبطال العهد الجديد للعهد القديم

يُؤكِّد ق. يوستينوس الشهيد في القرن الثاني على رفض الكنيسة للتهود والمتهودين، بل ويشير إلى أن ناموس المسيح قد أبطل الناموس الموسويّ وفرائضه ووصاياه، وأن المقصود منه كان اليهود فقط وليس المؤمنين المسيحيين. بل ويُصرِّح ق. يوستينوس الشهيد تصريحًا، قد يبدو للمتهودين في أيامنا هذه تصريحًا صادمًا، وهو أن العهد الجديد قد أبطل العهد القديم، وأنه حلَّ محله، ولا يُفرَض علينا أيً من فرائضه أو وصاياه. فهل كان ق. يوستينوس الشهيد بهذا التصريح ماركيونيًا كما يدَّعي البعض كذبًا في هذه الأيام على الناطقين بالحق الأرثوذكسيّ بأنهم ماركيونيون؟ فيقول التالي:

غير أن رجاءنا ليس بموسى أو الناموس، وإلا صارت عاداتنا كعاداتكم. وقد قرأت أنه ينبغي أن يكون هناك ناموسًا حاسمًا وعهدًا مُلزِمًا أكثر من العهود الأخرى، يحترمه جميع الذين يسعون إلى ميراث الله. فإن الناموس الذي أُعطِيَ على جبل حوريب قد أُبطِلَ وكان المقصود به اليهود فقط. بينما الناموس الذي أتحدَّث عنه أنا هو ببساطة لجميع الناس. وكما أن أيّ قانون جديد إذَا تعارض مع قانون القديم، فهو يُبطِل القديم، فهكذا العهد الجديد يحل محل القديم. لقد أُعطِيَنا ناموسًا أبديًا كاملاً، وهو المسيح ذاته، وأخذنا عهدًا جديرًا بالثقة لن يكون بعده أيّ ناموس أو فريضة أو وصية“.[5]

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

رفض التهود والارتداد إلى الناموس

يُوضِّح ق. إيرينيؤس في صراعه مع التهود أن الرب لا يريد للمؤمنين المسيحيين أن يرتدوا إلى ناموس موسى، لأن الناموس قد تحقَّق بالمسيح، وأننا نخلُص بواسطة الإيمان والمحبة نحو ابن الله وبجدة الحياة بمعونة الكلمة كالتالي:

”وأيضًا يُعرِّفنا إشعياء أن الرب لا يريد للمؤمنين أن يرتدوا إلى ناموس موسى، لأن الناموس قد تحقَّق بالمسيح، لكن بواسطة الإيمان والمحبة نحو ابن الله نخلُص بجدة الحياة بمعونة الكلمة، بقوله: ’لا تذكروا الأوليات والقديمات لا تتأملوا بها. هأنذا صانع أمرًا جديدًا. الآن ينبت. ألا تعرفونه. اجعل في البرية طريقًا في القفر أنهارًا. يُمجِّدني حيوان الصحراء الذئاب وبنات النعام لأني جعلت في البرية ماء أنهارًا في القفر لأسقي شعبي مختاري. هذا الشعب جبلته لنفسي، يُحدِّث بفضائلي‘ (إش 43: 18-20 سبعينية)“.[6]

التهود ورفض التجسُّد الإلهي

يتحدَّث ق. إيرينيؤس عن شيعة الأبيونيين، وهم فرقة مسيحية مُتهودة كانت تُحافِظ على التقاليد والتفاسير اليهودية جنبًا إلى جنب مع التفاسير المسيحية، وكانوا يُوؤِّلون نصوص العهد الجديد في ضوء نصوص العهد القديم، حيث يرفضون عقيدة التجسُّد الإلهيّ واتحاد الله بالإنسان في المسيح كالتالي:

”باطلون أيضًا هم الأبيونيون، الذين لا يقبلون الإيمان في نفوسهم بالاتحاد بين الله والإنسان، بل يظلون في الخميرة القديمة التي للميلاد الطبيعيّ، ولا يريدون أن يفهموا أن ’الروح القدس حلَّ على مريم، وقوة العلي ظلَّلتها‘ (لو 1: 35)، لذلك، فالذي وُلِدَ منها قدوس وابن العلي، الله آب الكل، الذي تمَّم تجسُّد هذا الكائن، وأظهر نوعًا جديدًا من الولادة، حتى أنه كما بالولادة السابقة ورثنا الموت، هكذا بهذه الولادة الجديدة نرث الحياة.

لذلك، هؤلاء الناس يرفضون مزج الخمر السمائيّ، ويريدون أن يكون ماء العالم فقط، فلا يقبلون الله لكي يكون لهم اتحاد معه، بل يظلون في ذلك الآدم، الذي انهزم وطُرِدَ من الفردوس، غير مُقدِّرين أنه كما في بداية خلقتنا في آدم أن نسمة الحياة التي صدرت من الله إذ اتَّحدت بما كان قد شُكِّلَ قبلاً، فإنها أحيت الإنسان، وأظهرته ككائن مُنِحَ له عقل، هكذا أيضًا في أزمنة النهاية، فإن كلمة الآب وروح الله، إذ قد صارا مُتَّحِدين بالجوهر القديم لخلقة وتكوين آدم، جعلا الإنسان حيًا كاملاً، ومستعدًا لتقبل الآب الكامل، حتى كما في آدم الطبيعيّ، كُنا جميعًا مائتين، هكذا في الروحانيّ نصير كُلنا أحياء“.[7]

ق. ميلتيوس أسقف ساردس

الناموس العتيق ووقتية المثال

يشير ق. ميلتيوس أسقف ساردس إلى سر الفصح بأنه كان قديمًا بحسب الناموس، ولكنه جديدًا بحسب الكلمة نفسه، وأنه كان مؤقتًا بحسب المثال، ولكنه خالدًا بحسب النعمة كالتالي:

”فافهموا، إذًا، يا أحبائي، كيف يكون سر الفصح: جديدًا وقديمًا، أبديًا ومؤقتًا، قابل للفساد وغير قابل للفساد، زائلاً وخالدًا. قديمًا بحسب الناموس ولكنه جديدًا بحسب الكلمة. مؤقتًا بحسب المثال، لكنه خالدًا بحسب النعمة. قابل للفساد بذبح الحمل، وغير قابل للفساد بحياة الرب. زائلاً بدفنه في الأرض، وخالدًا بقيامته من بين الأموات. قديم هو الناموس، ولكن جديد هو الكلمة. مؤقت هو المثال، أبدية هي النعمة […] ففي الخروف كان المثال، وفي الرب ظهرت الحقيقة“.[8]

إبطال مثال الناموس بحقيقة الإنجيل

يعقد ق. ميلتيوس مقارنة بين الناموس والإنجيل، وبين الشعب الإسرائيليّ والكنيسة، ويُؤكِّد على أن الناموس هو كتاب الأمثال والرموز، ولكن الإنجيل هو شرح الناموس وكماله، وليس العكس كما يدَّعي المتهودون الجدد ذلك، ويُحاولون تفسير العهد الجديد في ضوء العهد القديم. كما يشير ق. ميلتيوس إلى إبطال مثال الناموس مانحًا صورته للإنجيل الذي هو حقيقيّ بالطبيعة، وهكذا بطُل الشعب الإسرائيليّ لمَّا قامت الكنيسة كالتالي:

”فشعب إسرائيل كان مثال الصورة الأولية، والناموس كان كتاب الأمثال؛ والإنجيل كان شرح الناموس وكماله، والكنيسة هي مستودع الحق. وهكذا، فالمثال كان مُكرَّمًا قبل الحقيقة، والرمز كان عجيبًا قبل التفسير؛ أعني أن الشعب كان مُكرَّمًا قبل أن تُشيَّد الكنيسة، والناموس كان عجيبًا قبل أن يُنير الإنجيل. ولكن، لمَّا شُيَّدت الكنيسة، وظهر الإنجيل، بطُلَ المثال مانحًا قوته إلى ما هو حقيقيّ، وأُكمل الناموس مُسلِّمًا قوته للإنجيل. وبنفس الطريقة، حين بطُلَ المثال مانحًا صورته لِما هو حقيقيّ بالطبيعة، وحين أُكمِلَ الرمز مُستنيرًا بالتفسير، هكذا، أُكمِلَ الناموس لمَّا أضاء الإنجيل، وبطُلَ الشعب لمَّا قامت الكنيسة؛ ونحلَّ المثال بظهور الرب. واليوم، ما كان مُكرَّمًا مرةً بات مُحتقرًا، بعد أن ظهر ما هو مُكرَّمًا بالطبيعة“.[9]

 

 

الآباء اليونانيون

سوف نبحث في هذا الجزء صراع الآباء اليونانيين مع بدع التهود والمتهودين التي ظلَّت تلاحق الكنيسة على مر عصورها وإلى يومنا هذا.

العلامة أوريجينوس

التهود وإتباع ناموس اليهود

يشير العلامة أوريجينوس إلى جماعة الأبيونيين المتهودين الذين كانوا يتظاهرون بالمسيحية، حيث كانوا يقبلون بيسوع ويفتخرون بأنهم مسيحيون، ولكنهم مازالوا يريدون العيش وفق ناموس اليهود كجموع اليهود، ولكن يُقرَّ العلامة السكندريّ بأنهم يُقدِّمون أفكارًا غريبةً لا تنسجم مع العقائد التقليدية التي تسلَّمناها من الرب يسوع لنكون مسيحيين كالتالي:

ولنعترف بأن البعض يقبلون يسوع أيضًا، ولهذا السبب يفتخرون بأنهم مسيحيون مع أنهم لا يزالون يريدون العيش وفق ناموس اليهود كجموع اليهود. هذه هي طائفتا الأبيونيين، الأولى تعترف كما نفعل بأن يسوع وُلِدَ من عذراء، والثانية تؤمن بأنه لم يُولَد فيها بهذه الطريقة، ولكن مثل الرجال الآخرين“.[10]

ق. أثناسيوس الرسولي

التهود والتظاهر بالمسيحية

يُشبِّه ق. أثناسيوس الآريوسيين بأنهم مثل اليهود، لا يؤمنون بألوهية المسيح، ويطالبهم بأن يُختتنوا مثل اليهود، ولا يتظاهرون بالمسيحية، ويحاربونها في الخفاء، وهذه هي صورة التهود التي تتسلل دائمًا إلى الكنيسة، حيث يتظاهر البعض بالمسيحية والدفاع عن العقائد المسيحية، بل ويلبسون ثياب المسيحية، ولكن للأسف عقولهم وقلوبهم وأفكارهم مملوءة ومتشبعة بأفكار التهود وعقائده غير المسيحية قائلاً:

لماذا، إذًا، وهم يعتقدون مثل اليهود، لا يختتنون مثلهم، بل يتظاهرون بالمسيحية، بينما هم يحاربونها، لأنه لو كان غير موجود، أو لو كان موجودًا ثم رُقِيَ فيما بعد، فكيف خُلِقَت كل الأشياء بواسطته، وكيف يفرح به الآب لو لم يكن كاملاً؟“.[11]

التهود ورفض التبني لله الآب

ويصف ق. أثناسيوس بدعة الآريوسيين مُنكري ألوهية اللوغوس، بأنها بدعة المتهودين المعاصرين، حيث يشرح المتهودون الثالوث بصورة تتطابق مع الشرح الآريوسيّ، بحيث أن السامع لا يمكنه إدراك الفرق بين الأرثوذكسية والتهود أثناء الحديث، ويتعجب ق. أثناسيوس من كلام المتهودين الجدد الذين يرفضون بنوة الله الآب، وإعلان الابن المتجسِّد عنه كأب حقيقيّ للبشر كالتالي:

”وهؤلاء المشارِكون الأولون كيف لا يُشارِكون اللوغوس؟ وهذا التعليم ليس حقيقيًا، بل هو بدعة المتهودين المعاصرين. فكيف، إذًا، في هذه الحالة –يمكن لأيّ أحد على الإطلاق، أن يتعرَّف على الله كأب؟ لأن من غير المستطاع أن يحدث التبني بغير الابن الحقيقيّ، وهو نفسه القائل: ’ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومَن أراد الابن أن يُعلِن له‘ (مت 11: 27)“.[12]

التهود وتحريف تفسير نصوص الكتاب المقدس

يُشبِّه ق. أثناسيوس الآريوسيين، بأنهم مثل اليهود يتبنون أسلوب قيافا في تحريف معاني أقوال الكتاب المقدَّس، حيث أنهم بذلك يريدون أن يتهودوا، وهكذا يُحرِّفون معاني الكتاب المقدَّس لخدمة أغراضهم غير الأرثوذكسية، بل ولا يستخدمون الأقوال الرسولية في العهد الجديد كالتالي:

”ولكنهم بدلاً من المعنى الحقيقيّ، فإنهم يلقون بذور سم هرطقتهم الخاصة، لأنهم ’لو عرفوا لما صلبوا رب المجد‘ (1كو 2: 8)، ولما كانوا يُحرِّفون معاني أقوال الكتاب الحسنة. إذًا، فإنْ كانوا يتبنون أسلوب قيافا صراحةً، فإنهم يكونون تبعًا لذلك قد قرَّروا أن يتهودوا، حتى أنهم يجهلون المكتوب بأنه ’حقًا سيسكن الله على الأرض‘ (زك 2: 10)، دعهم لا يفحصون الأقوال الرسولية، لأن هذا ليس من سمة اليهود“.[13]

التهود وإلباس اليهودية اسم المسيحية

ويُحارِب ق. أثناسيوس تهود الآريوسيين، الذين يتظاهرون بالمسيحية، ولكنهم في حقيقتهم ينكرون حقيقة التجسُّد الإلهيّ، وينكرون ألوهية وأزلية المخلِّص، مثل اليهود، فيدعوهم أن يُختتنوا ويتهودوا علانيةً. نفس االأسلوب الذي يتبعه المتهودون في كل عصر، يتظاهرون بالمسيحية، وهم ينكرون في داخلهم العقائد المسيحية الأرثوذكسية، ويحاولون إلباس اليهودية اسم المسيحية كالتالي:

”إذًا، طالما أن هذا الضلال هو يهوديّ، ويُوصَف هكذا نسبةً إلى يهوذا الخائن، فدعهم إذًا يعترفون صراحةً بأنهم تلاميذ قيافا وهيرودس، بدلاً من أن يُلبِسوا اليهودية اسم المسيحية، ولينكروا تمامًا كما سبق أن قُلنا حضور المخلِّص في الجسد، لأن هذا الإنكار أقرب إلى بدعتهم.

أو إنْ كانوا يخافون أن يُختتنوا ويتهودوا علنًا بسبب خضوعهم للملك قسطنطيوس، ولأجل أولئك الذين خُدِعوا منهم، إذًا، فدعهم لا يقولون ما يقوله اليهود، لأنهم إنْ تخلوا عن الاسم فيلزمهم عن حق أن يرفضوا العقيدة المرتبطة بالاسم، لأننا نحن مسيحيون. أيها الآريوسيون –نعم نحن مسيحيون ونحن نتميَّز بأننا نعرف جيدًا ما تقوله الأناجيل عن المخلِّص، ونحن لا نرجمه مع اليهود عندما نسمع عن ألوهيته وأزليته، كما أننا لا نعثر معكم، في الكلمات المتواضعة التي قالها من أجلنا كإنسان“.[14]

يوسابيوس القيصري

التهود والخلاص بالناموس والمسيح

يتحدَّث يوسابيوس القيصريّ عن جماعة المتهودين التي تُدعَى بـ ”الأبيونية“، التي نادت بأن المسيح مُجرَّد إنسانًا عاديًا، وأنه تبرَّر فقط بسبب فضيلته السامية، وإنه كان ثمرة لاجتماع رجل مُعيَّن مع القديسة مريم، ويعتقدون بأنه مِن الضروريّ الاحتفاظ بالناموس الطقسيّ، لأنهم لا يستطيعون الخلاص بالإيمان بالمسيح فقط كالتالي:

”وقد كان الأقدمون مُحقين إذ دعوا هؤلاء القوم ’أبيونيين‘ لأنهم أعتقدوا في المسيح اعتقادات فقيرة ووضيعة. فهم اَعتبروه إنسانًا بسيطًا عاديًا، قد تبرَّر فقط بسبب فضيلته السامية، وكان ثمرة لاجتماع رجل مُعيَّن مع مريم. وفي اعتقادهم أن الاحتفاظ بالناموس الطقسيّ ضروريّ جدًا، على أساس أنهم لا يستطيعون أن يخلُصوا بالإيمان بالمسيح فقط وبحياة مماثلة. […] وقد حافظوا مثلهم على السبت وسائر نظم اليهود، ولكنهم في نفس الوقت حافظوا على أيام الرب مثلنا كتذكار قيامة المخلِّص. ولهذا أُطلِقَ عليهم اسم ’أبيونيون‘ الذي يُعبِّر عن فقرهم في التفكير. لأن هذا هو الاسم الذي يُطلَق على رجلٍ فقير بين العبرانيين“.[15]

ق. باسيليوس القيصري الكبير

الناموس هرم وشاخ

يُشدِّد ق. باسيليوس الكبير على أننا ينبغي أن نعبد الله لا بالمعنى القديم للحرف، بل بالمعنى الجديد للروح. لأنه مَن لا يلتزم بحرف الناموس، بل بفهم روح الناموس، هذا يغني للرب أغنية جديدة كالتالي:

”’غنوا له أغنية جديدة‘ (مز 33: 3) بمعنى، أن تعبدوا الله، ليس بالمعنى القديم للحرف، بل بالمعنى الجديد للروح. فهذا الذي لا يلتزم بحرف الناموس، بل بفهم روح الناموس، هذا يُغنِي للرب أغنية جديدة. لأن ذلك الذي هرم وشاخ، قد مضى وانقضى من الوعد. أمَّا نحن فقد تَبِعنا الترنيمة الجديدة والمتجدِّدة التي لتعليم الرب، والذي يُجدِّد مثل النسر شبابنا (مز 3: 1-5)، عندما يفنى إنسان الخارج، ونتجدَّد يوما فيوم“.[16]

ق. غريغوريوس النيسي

الناموس ظل وصورة

يرى ق. غريغوريوس النيسيّ أن الناموس الذي أُعطِيَ منذ البدء هو ظل وصورة لمَّا سيأتي، لذا فإنه يظل غير صالح للمعارك الحقيقية، ولكن المسيح هو مُتمِّم الناموس كالتالي:

والناموس الذي أُعطِيَ منذ البدء كظلٍ وصورةٍ لمَّا سيأتي، يظلُّ غير صالحٍ للمعارك الحقيقية (عب 8: 5). وقائد الجيش هو الذي ’يُتمِّم الناموس‘؛ وهو الذي بُشِّر به مِن قبل وكان مُشترِكًا في الاسم مع خليفة موسى [يشوع] الذي كان على رأس جيش إسرائيل“.[17]

ق. يوحنا ذهبي الفم

الناموس القديم جزئي وناقص

يشير ق. يوحنا ذهبيّ الفم إلى أن المعرفة بناموس العهد القديم كانت جزئية وناقصة إذَا ما قُورنت بمعرفة العهد الجديد الآتية، وهكذا يُبطل الجزئيّ والناقص بالمعرفة الأخرى الكاملة، لأنه متى جاء الكامل فحينئذٍ يبطل ما هو بعض، فهل يجرؤ أحد المتهودين الجدد على الإدعاء بأن ذهبيّ الفم كان ماركيونيًا أو يتبع فكر الهرطقة الماركيونية؟ حيث يقول التالي:

”مِن كل هذه الاعتبارات يتضح أنه ليس مِن أيّ سوء في ناموس العهد القديم فشل في أن يأتي بنا، وإنما لأنَّ الوقت الآن هو وقت الوصايا الأسمى. وإنْ كان أنقص من الجديد فلا يعني هذا أنه شرير: وإلا بناءً على هذا المبدأ سيكون الناموس الجديد ذاته في الحالة نفسها شريرًا. فإن معرفتنا، في الحقيقة، إنْ قُورنت بالمعرفة الآتية، فهي نوع من الأمر الجزئيّ والناقص الذي يبطل بمجيء المعرفة الأخرى (الكاملة). يقول: ’لكن متى جاء الكامل فحينئذٍ يبطل ما هو بعض‘ (1كو 13: 10)، كما حدث للناموس القديم من خلال الجديد. ومع ذلك فنحن لا نلوم الناموس الجديد على هذا، لأنه يُفسِح المجال لحصولنا على الملكوت، لكنا ندعوه عظيمًا بسبب هذا كله“.[18]

العهد الجديد أكثر أهمية من القديم

يناقش ق. يوحنا ذهبي الفم معضلة صعوبة تفسير نبوات العهد القديم وسهولة تفسير العهد الجديد، رغم أن العهد الجديد يتحدَّث في أمور أكثر أهمية من العهد القديم، مثل: ملكوت السموات، وقيامة الأموات، والخيرات التي لا تُوصَف قائلاً:

”فدعونا نفتح آذاننا، طالما سوف نستمع إلى ألغاز نبوية لأن أقوال الأنبياء تُشبِه الألغاز، وتوجد صعوبة شديدة لفهمها في العهد القديم كما أن أسفاره عسرة الفهم، بينما العهد الجديد أكثر وضوحًا وأكثر سهولةً. ويمكن لأيّ أحد أن يتساءل ولماذا قد دُوِّن العهد القديم بهذه الطريقة، مع أن العهد الجديد يتحدَّث في أمور أكثر أهمية مثل ملكوت السماوات، وعن قيامة الأموات، وعن الخيرات التي لا تُوصَف وتتجاوز حدود العقل البشريّ؟“.[19]

ق. كيرلس الإسكندري

كلمات الناموس مجرد رموز وظلال

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ بدع المتهودين بضرورة إتباع الناموس، حيث يُؤكِّد على أن كلمات أسفار موسى هي مُجرَّد ظلال ورموز لكلمات المخلِّص الرب يسوع المسيح، لأن كلمات المسيح أسمى وهي الحق، فهل يمكن أن يتجرأ المتهودون الجدد في عصرنا على الإدعاء بأن ق. كيرلس الإسكندريّ كان ماركيونيًا في جعله لكلمات المسيح أسمى وأحق من كلمات أسفار موسى؟! فيقول التالي:

”قد يظن وبشكلٍ خاطئ أن أسفار موسى تفوق كلمات المخلِّص. لأن هذا ما تبدو عليه الآية بحسب الظاهر، وبقدر ما يقول قائل، معتبرًا الآية دون تدقيق، تسبغ على أسفار موسى شهرة أكثر من كلمات المخلِّص. لأنه بقوله: ’فإن كُنتم لستم تصدقون كُتب ذاك، فكيف تصدقون كلامي‘ (يو 5: 47). فإنه بطريقة ما يعطينا أن نفهم أن كتب موسى في موضع أسمى من كلماته هو. لكن طبيعة الأمر إذَا ما تفحصناه بعمقٍ سوف يكشف لنا عن مدى حماقة تلك الفكرة البعيدة عن التصديق والقبول، لأنه كيف يمكن أن تُعرَف كتب موسى بأنها تفوق كلمات المخلِّص، بينما كلماته كانت رموزًا وظلالاً وكلمات المسيح هي الحق؟“.[20]

معرفة الناموس ناقصة

يرى ق. كيرلس أن تعليم الناموس لم يكن كافيًا لتتميم حياة التقوى في خدمة الله، ولم يُكمِّل شيئًا. ويرى أن المعرفة التي أُعطِيت عن الله في الناموس هي معرفة ناقصة، ولكن يُعلِّم ربنا يسوع المسيح بأمورٍ أفضل مما كانت تحت الناموس. فهل يجرؤ أحد المتهودين الجدد في عصرنا على اتهام ق. كيرلس الإسكندريّ، الملقَّب بـ ”عمود الدين“، وبـ ”ختم الآباء“، بأنه كان ماركيونيًا؟ حيث يقول التالي:

”لأنه كما أن الناموس حينما أتى بهذا التعليم، الذي لم يكن كافيًا لتتميم حياة التقوى في خدمة الله، لم يُكمِّل شيئًا. هكذا أيضًا المعرفة التي أُعطِيت عن الله تحت الناموس كانت ناقصة، وكانت فقط تستطيع أن تمنع الناس من عبادة الآلهة الكاذبة، وتُقنِعهم أن يعبدوا الإله الحقيقيّ الواحد، لأنه يقول: ’لا يكن لك آلهة أخرى أمامي‘ (خر 20: 3)، و ’للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد‘ (مت 4: 10 من تث 6: 13).

ولكن يُعلِّم ربنا يسوع المسيح بأمور أفضل من التي كانت تحت الناموس، ويُعلِّم تعليمًا أوضح من وصية الناموس، ويُقدِّم للجميع معرفةً أفضل وأوضح من معرفة العهد القديم. لأنه أوضَّح لنا بأن وضع نفسه أمامنا على أنه صورة الآب قائلاً: ’مَن رآني فقد رأى الآب‘ (يو 14: 9). وأيضًا ’أنا والآب واحد‘ (يو 10: 30)“.[21]

عدم كمال الناموس

يشير ق. كيرلس إلى أن المسيح أنقص من قوانين الناموس، وأضاف إليها مُحوِّلاً الرمز إلى الحقيقة، فالمسيح لم يكن مثل الكتبة الذين كانوا يُطبِّقون تعليم الناموس في كل مرة في أحاديثهم معه، بل لم يكن المسيح يتبع الرموز التي كانت في كتب الناموس كأنه مُستعبَد لها، بل كانت كلمته مُميَّزةً بالقوة الإلهية كالتالي:

”لأن الكتبة كانوا يُطبِّقون تعليم الناموس في كل مرة في أحاديثهم معهم [أي اليهود]، أمَّا ربنا يسوع المسيح فلم يكن يتبع الرموز التي في كتب الناموس كأنه مُستعبَد لها، بل إذ هو يجعل كلمته مميَّزةً بالقوة الإلهية، فإنه يُنادِي: ’سمعتم إنه قيل في القديم لا تزن. أمَّا أنا فأقول لكم […] لا تشتهي‘ (مت 5: 27، 28). رغم أن الناموس يقول صراحةً إنه لا ينبغي لأيّ واحد أن يضيف على قوانين الله أو يُنقِص منها. ولكن المسيح أنقص منها وأيضًا أضاف إليها، مُحوِّلاً الرمز إلى الحقيقة. لذلك، فلا يمكن أن يُحسَب أنه مِن بين الذين هم تحت الناموس، أيّ مِن بين المخلوقات، لأن مَن وُضِعت على طبيعته وصية العبودية، يكون بالضرورة تحت الناموس“.[22]

تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود والمتهودين – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الخلاصة

نخرج من هذا البحث ببعض النتائج الهامة والضرورية، وهي أن مجال الدراسات اليهودية هو مجال بحثيّ وأكاديميّ مهم في فهم الخلفية الحضارية، والتاريخية، والاجتماعية، والدينية لنصوص العهد الجديد، ولكن تفسير عقائد وتعاليم العهد الجديد ينبغي أن يكون في ضوء عمل المسيح وتدبيره للخلاص، وليس في ضوء تعاليم العهد القديم العتيق.

حيث يُؤكِّد آباء الكنيسة الجامعة على أن قد تحرَّرنا من أحكام ووصايا الناموس اليهوديّ، وحارب آباء الكنيسة بدع التهود والمتهودين في القرون الأولى منذ نشأة المسيحية، متمثلة في جماعة الأبيونيين وغيرهم من المسيحيين المتهودين، الذين كانوا يتظاهرون بقبول المسيحية، ولكنهم مازالوا يتبعون ناموس اليهود وتفاسيرهم وتأويلاتهم، ويقومون بتطبيقها في تفسير نصوص العهد الجديد، وهو ما نراه الآن يحدث في عصرنا الحديث تحت دعوى دراسة الخلفية اليهودية للأناجيل والرسائل على اعتبار أن المسيح والرسل كانوا يهودًا في الأصل، ولكن هذه في الحقيقة دعوات للارتداد إلى التهود بصورةٍ مُقنَّعةٍ وغير واضحة.

لقد أكَّد جميع الآباء والمعلمين الكنسيين بلا استثناء في القرون الأولى للمسيحية على أن العهد الجديد قد أبطل وصايا وشرائع العهد القديم، لأن العهد القديم كان مُجرَّد ظل وصورة ورمز للعهد الجديد. كما واجه آباء الكنيسة خطر التهود والارتداد إلى اليهودية، الذي بدا واضحًا في دخول التفاسير والتأويلات اليهودية للعقائد المسيحية الأساسية، فحذَّر آباء الكنيسة المؤمنين الحقيقيين من الانسياق وراء هذه المعتقدات والتفاسير والتأويلات اليهودية. وناشد آباء الكنيسة المؤمنين المسيحيين الحقيقيين عدم التعاطي مع هذه المعتقدات والأفكار اليهودية الدخيلة على إيمان الكنيسة المسلَّم من المسيح إلى الرسل.

وأشار آباء الكنيسة أيضًا إلى أن تعاليم وناموس العهد القديم هي تعاليم رمزية ومؤقتة بطُلت بمُجرَّد مجيء المرموز إليه وهو شخص الرب يسوع نفسه، مُتمِّم الناموس ومُكمِّله، وحجر الزاوية لكنيسة العهد الجديد. كما أكَّد آباء الكنيسة على أن تعاليم الناموس والعهد القديم هي تعاليم جزئية وناقصة كمُلت بمجيء تعاليم العهد الجديد الأسمى والأكمل، وأنه حينما يأتي الكامل فحينئذٍ يبطُل كل ما هو جزئيّ وناقص.

وعندما كان آباء الكنيسة يصفون تعاليم العهد الجديدة بتلك الأوصاف، لم يخشوا من الاتهامات بالهرطقة الماركيونية، التي يُطلِقها البعض في أيامنا هذه عن جهل وعدم وعي، على كل مؤمن حقيقيّ يريد التمسُّك بتعاليم الأرثوذكسية كما هي في الكتاب المقدَّس، وكما شرحها آباء الكنيسة بكل أمانة وتقوى. فهل يجرؤ هؤلاء المتهودون الجدد على إطلاق هذه الاتهامات الباطلة على آباء الكنيسة الأرثوذكسيين في سياق وصفهم لتعاليم العهد القديم، بأنها تعاليم ناقصة وجزئية عند مقارنتها بتعاليم العهد الجديد الكاملة والسامية؟!

[1] الآباء الرسوليون، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2019)، رسالة برنابا 2: 4-6، ص 39، 40.

[2] المرجع السابق، الرسالة إلى ديوجنيتوس 3: 5؛ 4: 1-6، ص 429، 430.

[3] المرجع السابق، رسالة ق. أغناطيوس الأنطاكي إلى كنيسة مغنيسيا 10: 2، 3، ص 336، 337.

[4] المرجع السابق، رسالة ق. أغناطيوس الأنطاكي إلى كنيسة فيلادلفيا 6: 1، ص 356، 357.

[5] القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد (الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى)، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2012)، الحوار مع تريفون اليهودي: 11، ص 148، 149.

[6] إيرينيؤس (قديس)، برهان الكرازة الرسولية، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2009)، الفصل 89، ص 146.

[7] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 5: 1: 3، ص 274.

[8] ميلتيوس أسقف ساردس (قديس)، رحلة عبورنا إلى القيامة (العظة الفصحية)، ترجمة: القس لوقا يوسف، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2009)، الفصول 2-4، ص 25-27.

[9] المرجع السابق، الفصول 40-43، ص 43.

[10] أوريجينوس (علامة)، ضد كلسس ج2، ترجمة: القس بولا رأفت، (القاهرة، 2022)، 5: 61، ص 269.

[11] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 11: 38، ص 104.

[12] المرجع السابق، 1: 11: 39، ص 106.

[13] المرجع السابق، 1: 13: 53، ص 130، 131.

[14] المرجع السابق، 3: 26: 28، ص 329.

[15] يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، ترجمة: القمص مرقس داود، (القاهرة: مكتبة المحبة، 1999)، 3: 27، ص 130.

[16] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج 1، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، عظة 6: 2، ص 186، 187.

[17] غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى أو الكمال في مجال الفضيلة، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1996)، القسم الثاني، ص 85.

[18] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح إنجيل متى ج 1، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 1996)، عظة 16: 6، ص 182.

[19] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، القصد من غموض النبوات، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة 1: 3، ص 53، 54.

[20] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 3: 1، ص 313.

[21] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 369.

[22] المرجع السابق، ص 390.

 

تعاليم آباء الكنيسة ضد التهود والمتهودين – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تفسير رسالة يوحنا الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يوحنا الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الأول – التجسد الإلهي

 

يتحدث الرسول في هذا الأصحاح عن:

1.تجسد الله الكلمة واهب الحياة                 ١.

2.غاية التجسد:

 أ. يكون لنا شركة وتمتع بالحياة والفرح      ٢-٤.

 ب. نتبع الله ونسلك في النور                   ٥-٧.

 ج. نعترف بخطايانا                                 ٨-١0.

 د. نقبل الرب شفيعًا كفاريًا                    (1 يو 2: 1-2).

 

 

  1. تجسد الله الكلمة واهب الحياة

 

“الذي كان من البدء،

الذي سمعناه،

الذي رأيناه بعيوننا،

الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة” [1].

لاق بالرسول يوحنا أن يبدأ رسالته بهذه الشهادة القوية، لأنه كان أكثر التلاميذ والرسل دالة عند ربنا. انفرد باتكائه على صدره (يو 13: 23)، فتشرّب منه أسرارًا عميقة، وعاين مع يعقوب وبطرس أمجاد الابن على جبل تابور (مت 17: 1)، ورافق ربنا في خدمته حتى الصليب، متسلمًا منه الأم الحنون العذراء مريم أمًا له (يو 19: 25-27)، ونظر ولمس مع التلاميذ آثار جراحات ربنا القائم من بين الأموات (لو 24: 39).

ولعل القديس يوحنا كان في ذلك الوقت الرسول الوحيد الذي كشاهد عيان للرب لم ينتقل بعد، لذلك قال “الذي كان من البدء“، أي الأزلي غير المنظور، هذا صار جسدًا. أخذ ناسوتًا حقيقيًا هذا “الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا“، أي جاء الابن متأنسًا، فسمعناه ورأيناه ولمسناه، فأدركته قلوبنا “من جهة كلمة الحياة“. جاءنا لكي نراه من جهة الناسوت، فتتلامس معه أرواحنا، وتحيا به، إذ هو الإله الحي مصدر الحياة (يو 1: 1، 3).

وكما يقول القديس أغسطينوس: [من كان يستطيع أن يلمس الله الكلمة لو لم يكن الكلمة قد صار جسدًا وحلَّ بيننا؟! لقد أخذ الكلمة المتجسد بداية ناسوته من مريم العذراء، لكن ليست هذه هي بداية الكلمة، إذ يقول الرسول: “الذي كان من البدء”، شريك الآب في الأزلية[1].]

جاء الكلمة متجسدًا لكي يعلن للبشر محبته لهم. فهو لا يريد أن يكون غريبًا عنهم بل قريبًا إليهم، يسمعون صوته في داخل نفوسهم ويرونه بقلوبهم، وتلمسه حياتهم الداخلية. وبهذا يتمتعون بكلمة الحياة، إذ يقول الرسول: “لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء، أي ليحدر المسيح. أو من يهبط إلى الهاوية، أي ليصعد المسيح من الأموات. لكن ماذا يقول؟ الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك” (رو ١٠: ٦–٨).

ويعلق العلامة ترتليان على هذا النص فيقول: بأن الله لا يراه أحد ويعيش (خر 33: 20؛ يو 1: 18). فالآب غير منظور، والابن غير منظور، لكنه أخذ جسدًا فصار منظورًا. هذا الابن، الذي وحده له عدم الموت، “ساكنًا في نورٍ لا يُدنى منه” (1 تي 6: ٦) أخذ جسدًا فمات عنا (1 كو 15: ٣) وصار منظورًا (1 كو 15: 8). لكن عندما رآه الرسول لم يكن قادرًا أن يبصره من أجل بهائه (أع ٢٢: ١١)، ولم يستطع بطرس ويعقوب ويوحنا أن يحتملوه (مت ١٧: ٦؛ مر ٩: ٦)[2].

إذن جاء الابن الكلمة متجسدًا حتى تسمعه مع يوحنا وبقية التلاميذ ينادي الخطاة والعشارين بأسمائهم مترفقًا بهم بلا عتاب أو توبيخ. تسمعه بأذنين نقيتين يغفر لك خطاياك، مصالحًا إياك مع أبيه، دافعًا ثمن المصالحة: دمه الثمين.

وتشاهده يبحث عنك كراعٍ صالحٍ وأبٍ حقيقيٍّ. يذهب بإرادته إلى الصليب ويفتح جنبه حصنًا وسترًا لك، ترى فيه الأحشاء الملتهبة حبًا لك. تراه قائمًا من بين الأموات، صاعدًا إلى السماوات، فيرتفع قلبك به ومعه ويستقر فيه، لتكون حيث هو جالس.

تلمسه مع أمه العذراء مريم فتشتاق إليه، مقدمًا نفسك عروسًا بتولاً عذراء نقية له، وتلمسه مع تومًا معترفًا بألوهيته وربوبيته. تلمس قدميه مع المرأة الزانية، وتغسلهما بدموعك. فلا يستنكف منك بل يطوِّبك ويباركك. لا يرفض لمسات يدك ولا يستخف بدموعك، بل يحرص عليها كجواهرٍ ثمينةٍ لديه.

لأجلي ولأجلك جاء ربنا متجسدًا حتى تتمتع بالحياة التي أظهرها لنا “فإن الحياة أظهرت [2]. وكما يقول القديس أغسطينوس: [لقد ظهر المسيح… كلمة الحياة بالجسد للبشر. في البدء ظهر للملائكة لا للناس، فعاينوه واقتاتوا به كخبز لهم. والآن صار خبزًا لنا إذ يقول الكتاب: “أكل الإنسان خبز الملائكة” (مز 78: 25)[3].]

كما يقول: [لقد أُظهرت الحياة في الجسد، حتى أن من يمكن رؤيته بواسطة القلب وحده يُرى أيضًا بالعينين، حتى تُشفى القلوب[4].]

ويقول العلامة ترتليان: [لقد جاء المسيح لكي يظهر ذاته كحياة للنفس البشرية، مخلصًا الإنسان من موته الروحي، وليس بقصد الكشف لنا عن أسرار النفس[5].]

هذا هو غاية تجسد الكلمة. هذا هو ما رآه التلاميذ وشهدوا به.

  • عندما يقول: “الذي كان من البدء” يشير إلى ميلاد الابن الذي بلا بداية، إذ هو موجود أزليًا مع الآب. ففعل “كان” هنا يعني “الأزلية”، بكونه الكلمة نفسه، أي الابن الذي هو واحد مع الآب، ومساوي معه في الجوهر، أزلي غير مخلوق. وعندما يقول: “لمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة” لا يعني جسد الابن مجردًا بل قوته أيضًا[6].

القديس أثناسيوس الرسولي

  • يظن كثيرون أن هذه الكلمات تنطبق على ظهورات يسوع بعد القيامة. يقولون بأن يوحنا يتحدث عن نفسه وعن التلاميذ الآخرين، الذين سمعوا أولاً أن الرب قد قام، وبعد ذلك رأوه بأعينهم، لدرجة أنهم لمسوا قدميه ويديه وجنبه، وتحسسوا آثار المسامير. فإنه إن كان توما هو الوحيد الذي تلامس معه بالفعل جسديًا، فقد كان ممثلاً للآخرين. فقد طلب منهم المخلص أن يلمسوه ويروا ذلك بأنفسهم (لو 24: 39).

لكن آخرين رأوا في هذه الكلمات معنى أعمق، مدركين أنهم لم يتحدثوا على مجرد اللمس، بل أيضًا عن تدبير “كلمة الحياة الذي من البدء”. فإلى من يشير هذا إلا إلى الذي قال: “أنا هو الذي هو” (خر 3: 14).

يوجد تفسير آخر وهو أننا نرى علانية بأعيننا ذاك الذي كان من البدء، الذي تحدث عن الناموس والأنبياء أنه سيجيء. لقد جاء حقًا ونُظر في الجسد، وبعد معالجة ضخمة للنصوص الكتابية التي تشهد له. هذا ما نؤمن به بخصوص كلمة الحياة[7].

القديس ديديموس الضرير

وقد رأينا ونشهد” [2].

يقول القديس أغسطينوس: [إن كلمة “نشهد” تعني “صرنا شهداء”. فعندما نقول “رأينا ونشهد” كأنما نقول “رأينا وصرنا شهداء”، لأن الشهداء احتملوا العذابات بسبب شهادتهم الحقة لما رأوه وسمعوه عنه من الذين شاهدوا. هذه الشهادة أغضبت من جاءت ضدهم، فصار الشهود شهداء. وهذه هي مسرة الله أن يشهد الناس له، ليشهد هو أيضًا لهم[8].]

إذن لنرى ربنا في حياتنا، ونشهد له بتجاوبنا مع عمله، حاملين سماته في حياتنا، مذبوحين كل يوم من أجله.

  1. غاية التجسد

أ. أن يكون لنا شركة وتمتع بالحياة والفرح

ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا.

الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به” [2].

تتلخص رسالة ربنا يسوع في تقديم نفسه للبشرية لكي يقبلوه رأسًا غير منفصلٍ عنهم ولا هم عنه، بل يصيرون من لحمه وعظامه (أف ٥: ٣٠)، أعضاء حية في جسده السري.

لقد أماتت الخطية النفس البشرية إذ حجبتها عن الله مصدر حياتها، فجاء الابن الكلمة متجسدًا. واهب الحياة نفسه نزل إلينا ومات عنا وقام وصعد بقوة سلطانه، حاملاً إيانا على كتفيه كغنائم حية كسبها المنتصر الغالب الموت والظلمة، داخلاً بمجد عظيم، لا بمفرده بل حاملاً المفديين، لنكون معه ونتمتع به في السماويات.

وكما يقول القديس مقاريوس الكبير: [لقد تنازل الله غير المنحصر، الجائز كل إدراك، صلاحًا منه ولبس أعضاء هذا الجسد، وتخلى عن المجد الذي لا يمكن الدنو منه… صار جسدًا واتحد به ليأخذ إليه النفوس المقدسة المقبولة الأمينة، ويصير معها روحًا واحدًا كقول الرسول بولس (١ كو ٦: ١٧)… لتعيش النفس باتفاق تام، وتتذوق الحياة الخالدة وتصير شريكة في المجد الذي لا يفسد[9].]

ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [والآن نحن الذين قبلاً حُسبنا غير مستأهلين البقاء في الأرض (تك 6: 7) رُفعنا إلى السماوات. نحن الذين كنا قبلاً غير مستحقين للمجد الأرضي، نصعد إلى ملكوت السماوات وندخل السماوات ونأخذ مكاننا أمام العرش الإلهي[10].]

هذا ما رآه التلاميذ وسمعوه يخبروننا به، فهل نحن لا نتمتع مثلهم؟ لهذا أضاف الرسول:

لكي يكون لكم أيضًا شركة معنا” [3].

نحن شركاؤهم في الإيمان وفي الحياة الأبدية. إذ لمسه توما، قائلاً: “ربي وإلهي” لمسته أيدي البشرية كلها. لأننا وإن كنا لم نلمس بأيدٍ جسدية، لكننا نسمع ذلك التطويب الصادر من الفم الإلهي: “لأنك رأيتني آمنت. طوبى للذين آمنوا ولم يروا”.

لقد قام المسيح وتأكدنا من قيامته، وصارت لنا القيامة فيه. وبهذا اشتركنا مع التلاميذ في إيمانهم وتمتعنا معهم بالقيامة معه والحياة به.

  • شركتنا هي في وحدة إيماننا هنا على الأرض، وفي مسكن الله الأبدي في السماء[11].

هيلاري أسقف آرل

وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح.

نكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً” [3-4].

لمسه التلاميذ كشهود عيان بالحواس الخارجية، وأدركوه بالحواس الداخلية. وسلموا هذه الشهادة للأجيال التالية، فيتسلم كل جيل من سلفه بفرح “الإيمان المسّلم مرة للقديسين” (يه ٣).

وإذ يكون لنا هذا الإيمان الرسولي، الإيمان الواحد عبر كل الأجيال للكنيسة الواحدة نستطيع خلال الكنيسة وليس خارجها أن نتمتع بالشركة مع الآب والابن عريس الكنيسة، وبهذا يتحقق لنا الفرح الكامل من أجل الشركة والحب والوحدة الحقيقية، متمتعين هنا بعربون الحياة الأبدية.

وليس بالأمر العجيب ألا يذكر الرسول شركتنا مع الآب والابن إلاَ بعد قوله: “يكون لكم شركة معنا“، لأنه ليس لنا شركة إلاَ معهم، أي مع كل الرسل في داخل الكنيسة كأعضاء حية في جسد المسيح، مرتبطين بالإيمان الواحد للكنيسة مستقيمة الرأي.

  • يحل كمال الفرح عندما نكون في شركة مع الرسل، كما مع الآب والابن والروح القدس[12].

هيلاري أسقف آرل

ب. أن نتبع الله ونسلك في النور

غاية التجسد أن نتعرف على ربنا مخلصنا ونقبل الشركة معه، مقدمًا رأسمالها كله أي النور، وأما مساهمتنا نحن الذين في الظلمة والضعف، فباتحادنا مع النور تزول ظلمتنا لنسلك في النور.

يقول القديس أغسطينوس:

[“وهذا الخبر الذي سمعناه ونخبركم به“، ما هو الخبر الذي سمعوه ولمسوه بأيديهم؟… “أن الله نور وليس فيه ظلمة البتة” [5].

هذا ما ينبغي أن نعلنه. فمن يجرؤ ويقول أن الله فيه ظلمة؟!

ما هو النور؟ وما هي الظلمة؟ فربما يقصد الرسول مفهومهما العام.

الله نور“. يقول البعض أن الشمس نور والقمر نور والشمعة نور. إذن لابد أن يكون دلك النور أعظم بكثير من هذا كله. بل وأكثر سموًا وعلوًا. فما أبعد الله عن المخلوق!!

يمكننا أن نقترب من هذا النور إن عرفناه، وسلمنا له نفوسنا لتستنير به. فنحن بأنفسنا ظلمة، ولا نصير نورًا إلاَ إذا استنرنا به هو وحده!

وإذ نحن متعثرون بذواتنا ينبغي ألا نتعثر به. ومن ذا الذي يتعثر به إلاَ الذي لا يدرك أنه خاطئ؟!

وماذا تعني الاستنارة به سوى أن يعرف الإنسان أن نفسه قد أظلمت بالخطية. ويرغب في الاستنارة بالنور فيقترب منه. وكما يقول المزمور: “اقتربوا إلى الرب واستنيروا، ووجوهكم لا تخزى” (مز 3٤: ٥). فإنك لن تخجل من هذا النور عندما يكشف لك ذاتك، ويعرفك أنك شرير. فتحزن على شرَّك، وعندئذ تدرك جمال النور[13].]

ويقول العلامة أوريجينوس: [حقًا إن الله هو النور الذي يضيء أفهام القادرين على تقبل الحق، كما قيل في المزمور 36 “بنورك نعاين النور“. أي نور به نعاين النور، سوي الله الذي يضيء الإنسان فيجعله يرى الحق في كل شيء، ويأتي به إلى معرفة الله ذاته الذي يدعى “الحق”. فبقوله “بنورك يا رب نعاين النور” يعني أنه بكلمتك وحكمتك أي بابنك نرى فيه الآب[14].]

  • لا يعرِّف يوحنا جوهر الله… بولس أيضًا يدعو الله “نور لا يُدنى منه” (1تي 16: 6).

عندما يقول يوحنا أنه لا توجد ظلمة في نور الله يؤكد أن كل أنوار الآخرين يشوبها بعض العيوب[15].

القديس جيروم

  • الله هو نور الأذهان الطاهرة، وليس نور الأعين الجسدية. هناك (في السماء) سيكون الذهن قادرًا على معاينة هذا النور، الذي حتى الآن لا تقدر أن تعاينه[16].

القديس أغسطينوس

إن قلنا أن لنا شركة معه وسلكنا في الظلمة نكذب

ولسنا نعمل الحق” [6].

جاء النور الحقيقي ليضيء لكل إنسان. “وهذه هي الدينونة، أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة” (يو ٣: 19). فمن يرفض السلوك في النور لا تكون له شركة مع الله بل يكون مخادعًا غير سالك في الحق.

  • ليس للكذب شركة مع الحق، كما ليس للنور شركة مع الظلمة. فإن وجود الواحد يستبعد الآخر[17].

القديس إيريناؤس

  • الحق هو نور، فإن لم نُسر حسب الحق فنحن في الظلمة[18].

هيلاري أسقف آرل

ولكن إن سلكنا في النور كما هو في النور،

فلنا شركة بعضنا مع بعض،

ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية [7].

هذه هي علامة الشركة مع الله: السلوك في النور. وهذه هي علامة السلوك في النور أن يكون لنا شركة مع بعضنا البعض، أي لنا الحب والوحدة القائمة على ارتباطنا جميعًا بإيمان واحدٍ مستقيم كأعضاء في الجسد الواحد. وأن يكون لنا تمتع مستمر بالتطهر من كل خطية خلال التوبة والاعتراف وذلك باستحقاق دم المسيح.

لقد وضع الرسول شركتنا مع بعضنا البعض، أي وحدتنا الإيمانية المملوءة حبًا ككنيسة واحدة قبل أن يقول: “ودم يسوع المسيح يطهر”، لأنه لا يستطيع إنسان أن يتمتع بدم المسيح خارج هذه الكنيسة الواحدة.

  • كان دم الذبائح الحيوانية كافيًا لغسل الشعب من خطايا معينة ارتكبوها،، أما دم المسيح ففيه الكفاية في تطهير الذين يسلكون بالحب من كل الخطايا[19].

هيلاري أسقف آرل

ج. أن نعترف بخطايانا

“إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا.

إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل

 حتى يغفر لنا خطايانا، ويطهرنا من كل إثم.

إن قلنا أننا لم نخطئ نجعله كاذبًا وكلمته ليست فينا” [8-10].

  • من يظن أنه يعيش بدون خطية فهو بهذا لا ينزع عنه خطيته، بل يفقد الغفران[20].
  • قد يقول قائل: ماذا أفعل؟ كيف أكون نورًا، وها أنا أعيش في الشرور والآثام؟! وبهذا يتطرق إليه اليأس والحزن، إذ ليس لنا خلاص بدون الشركة مع الله، والله نور وليس فيه ظلمة البتة، والخطية ظلمة، فكيف أتطهر منها؟! يكمل الرسول قائلاً: “ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية“. يا لعظم هذا الضمان الذي وهبه لنا! إننا بحكم وجودنا في هذا العالم وسط التجارب قد يتعثر الإنسان بعدما غفرت له خطاياه في المعمودية، لذلك يجب علينا أن نبذل ما في وسعنا معترفين بحالنا كما هو حتى يشفينا السيد المسيح بدمه[21].

القديس أغسطينوس

  • أي أحدٍ يسلك في ظلمة الخطية ويدّعي أن ذهنه لم يظلم، وأن له علاقة مع الله فهو كاذب[22].

القديس ديديموس الضرير

لكن قد يسأل سائل: هل من حاجة للاعتراف أمام أب الاعتراف؟[23]

لكننا نسأل مع أغسطينوس قائلين: ولماذا تهرب من الاعتراف؟ هل بدافع الخجل؟ أم بسبب الكبرياء؟

  • هل يمكن للرب أن ينطق بكلامٍ لغوٍ حينما أعطى التلاميذ سلطان الحل (يو٢٠ :22؛ مت 18: 18)؟!
  • يخبرنا سفر الأعمال: “وكان كثيرون من الذين آمنوا يأتون مقرين ومخبرين بأفعالهم” (أع ١٩: ١٨).
  • يقول القديس أغسطينوس: [أقام الرب لعازر، والذين حوله (التلاميذ) حلوه من الأربطة. ألم يكن قادرًا الذي وهب الحياة أن يحل الأربطة؟!]
  • تقابل شاول مع الرب مباشرة، والرب حوّله إلى حنانيا.
  • عاشت الكنيسة منذ القرن الأول على الاعتراف لدى الكاهن، فيقول الآباء:

أ. كما أن المعمد يستنير بنعمة الروح القدس هكذا بواسطة الكاهن ينال التائب الغفران بنعمة المسيح (البابا أثناسيوس الرسولي).

ب. إن سلطان حل الخطاة أعطى للرسل والكنائس التي هم أسسوها إذ أرسلوا من الله، وللأساقفة الذين خلفوهم. (الشهيد كبريانوس).

ج. اسكبوا قدامي دموعًا حارة وغزيرة وأنا أعمل معكم هذا العمل عينه. خذوا خادم الكنيسة شريكًا أمينًا لكم في حزنكم وأبًا روحيًا، واكشفوا له أسراركم بجسارة اكشفوا له أسرار نفوسكم كما يكشف المريض جراحه الخفية للطبيب فينال الشفاء (غريغوريوس أسقف نيصص).

أما الذي يظن أنه ليس في حاجة للتوبة والاعتراف أي يحسب نفسه بارًا فهذا:

  1. يضل نفسه [٨]، إذ يتجاهل حقيقة ضعفه وامكان سقوطه في أية لحظة.
  2. ليس الحق فيه [٨]، لأن الحق نور، فيكشف للإنسان حقيقته.
  3. يجعله كاذبًا [١٠]، أي يتهم الله نفسه الذي يؤكد إنه لا صلاح للإنسان في ذاته، وأنه مهما بلغ من درجات القداسة يمكن أن يسقط إن تكبر أو تراخى في الجهاد.
  4. وكلمته ليست فيه [١٠]، لأن هذه هي كلمة الله ووصيته أن نطلب في كل يوم قائلين: “اغفر لنا ذنوبنا”.

أن نقبل ربنا شفيعًا كفاريًا (1 يو 2: 1).

[1]St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[2] Cf. Tertullian: Against Praxeas 15.

[3] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[4] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John..

[5] Tertullian: On the Flesh of Christ.

[6] Adumbration: of Ancient Christian Commentary of Scripture, vol 11, p. 166.

[7] Comm. On 1 John PG 39:1775-76.

[8] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[9] The author: The Divine Love, 1967, p. 726-27 (in Arabic).

[10] The author: The Divine Love, 1967, p. 732

[11] Introductory Commentary on 1 John.

[12] Introductory Commentary on 1 John.

[13] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[14] Origen: De Principiis.

[15] Against the Pelagians 2:7.

[16] Letter, 92.

[17] Adv. Haer. 3:5:1.

[18] Introductory Commentary on 1 John.

[19] Introductory Commentary on 1 John.

[20] St. Augustine: City of God 9:14.

[21] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of St. John.

[22] من “دراسات في رسالة يوحنا الرسول الأولى” للدكتور موريس تاوضروس.

[23] The author: The Pastoral Love (in Arabic).

تفسير رسالة يوحنا الأولى 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

من كان يحكم الكون عندما نزل المسيح من السماء؟ – سر التجسد

من كان يحكم الكون عندما نزل المسيح من السماء؟ – سر التجسد

 

من كان يحكم الكون عندما نزل المسيح من السماء؟ – سر التجسد

 

 

الفصل الثاني عشر

من كان يحكم الكون عندما نزل المسيح من السماء؟

 

 

س : من كان يحكم الكون عندما نزل المسيح من السماء ، وعندما كان في بطن العذراء ، وعندما كان ينام وينعس ، وعندما كان علي الأرض بصفه عامة ؟

ج : المسيح لكونه الله فهو غير محدود بلاهوته الذي يملأ كل شئ ويحيط بكل شئ ، ” أما أملا أنا السموات والأرض يقول الرب ” (أر24:23) ، انه الغير محدود علي الإطلاق ، بلاهوته ، يقول الرب لشعب إسرائيل في القديم : 

† ” الرب هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من اسفل ، ليس سواه ” (تث39:4) .

† ” لأن الرب إلهكم هو الله في السماء من فوق وعلي الأرض من اسفل “(يش11:2).   

† وقال لأرمياء النبي موجها كلامه إلى بني إسرائيل ؛ ” العلي اله من قريب يقول الرب ولست ألها من بعيد . إذا اختبأ إنسان في أماكن مستتره أفما أراه أنا يقول الرب . أما أملا أنا السموات والأرض يقول الرب ” (ار23:23-24) .  

  وعندما حل في بطن العذراء وظهر في الجسد ، لم يكن حلوله أو نزوله هذا انتقال من مكان الي آخر ومن السماء الي الأرض ، كلا ، حاشا ، فاللاهوت لا يمكن أن ينتقل من مكان الي آخر بينما هو يملأ كل شئ ويحيط بكل شئ ، فهو  غير محدود في الزمن وا المكان فكيف يحده مكان ، سواء كان هذا المكان هو السماء أو الأرض أو بطن العذراء ، أو حتى الناسوت الذي حل فيه واتحد به وظهر فيه وبه ومن خلاله للناس .

– 119 –

  كما انه لم يكن جزء من اللاهوت لأن اللاهوت واحد لا يتجزأ ” فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا ” (كو9:2) .

  لكنه كان متجسدا في صورة إنسان وشكل العبد المحدود بالمكان ومع ذلك فقد كان يملأ الكل بلاهوته غير المحدود ، حل في الجسد المحدود وهو الغير محدود بلاهوته ، نزل علي الأرض دون أن يفارق السماء ، كان في بطن العذراء ومع ذلك كان جالسا علي العرش يدير الكون بقوه لا هوته غير المحدود . فهو كما يقول الكتاب ” حامل كل الأشياء بكلمة قدرته “(عب3:1) ، و” الذي فيه يقوم الكل “(كو16:1).

  نزل من السماء ولكن دون أن يخلي مكانه فيها ، نزل منها دون أن يفارقها وذلك لأنه مالئ كل شئ ويحوي كل شئ ولا يحويه شئ .   

  ولم يكن نزوله انتقالا من مكان لآخر وانما كان تنازلا إذ كما يقول الكتاب ” أخلى نفسه أخذا صورة عبد … وضع نفسه ” (في6:2-7) انه أخلى نفسه ، وضع نفسه أي تنازل عن مجد لاهوته واتخذ فقر ناسوتا كما قال الكتاب ” افتقر وهو غني ” (2كو9:8) ، تنازل عن كونه ” رب المجد ” (1كو8:2) ، واخذ صورة العبد الفقير ، النجار الناصري ، وأحتمل ما لا يمكن أن يحتمله لولا تنازله وتجسده .

 ومع تنازله وتجسده واتخاذه الطبيعة الإنسانية المحدودة فقد كان موجوداً في كل مكان ، ويملأ الكل بلاهوته . وقال هو نفسه عن هذه الحقيقه ” وليس أحد صعد الي السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو كائنا- في السماء ” (يو13:3) ، فهو يقول انه نزل من السماء ومع ذلك فهو كائن ، موجود ، حاضر في السماء ، انه موجود في السماء وعلي الأرض في آن واحد ، برغم تجسده وظهوره في هيئة عبد واتخاذه صورة الإنسان ، نزل في صورة الإنسان . نزل من السماء ومع ذلك ظل موجودا في السماء ، نزل الي الأرض ولم يخل من وجوده السماء ، ظل فيها مع انه كان متجسدا علي الأرض .

  ومع انه كان متجسدا كانسان ، وظاهرا في الجسد المحدود فقد قال أيضا : ” لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثه بأسمى فهناك أكون (أنا) في وسطهم ” (مت20:18)

– 120 –

وأيضا ؛ ” إن احبني أحد يحفظ كلامي ويحبه ابي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلا ” (يو23:14) . وعند صعوده بالجسد الي السماء قال ؛ ” وها أنا معكم كل الأيام الي انقضاء الدهر ” (مت20:28) . فهو يقول انه في السماء وعلي الأرض في آن واحد مع انه كان محدودا بالناسوت ، بالجسد ، ولكنه الغير محدود بلاهوته .

  وفي هذه الآيات يقول انه يمكن أن يكون مع أي شخص يحبه في أي مكان أو زمان ، حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثه باسمه في أي مكان علي الأرض وفي أي زمان يكون حاضرا معهم وهذا يعني انه غير محدود بالمكان وأيضا بالزمان . ولما صعد الي السماء بجسده ظل علي الأرض في كل مكان بلاهوته ، يقول لتلاميذه : ” وها أنا معكم كل الأيام الي انقضاء الدهر ” .

† قال القديس كيرلس عامود الدين :

  ” أن طبيعة الكلمة لا يمكن بتاتا أن تحد علي الرغم من أننا نقول انه يسكن كما في هيكل مقدس ، في الجسد المولود من القديسة العذراء “(1) .

  وقال أيضا : ” إذا قيل أن الله الكلمه نزل إلينا فلا يفزع أحد ظانا كيف نزل غير المادي من مكان الي آخر . ولا يجب أن يظن أحد انه ينسحب من مكان لآخر ، فهو يملأ كل الأشياء ، بل علينا أن نفهم أن نزوله ومجيئه ليس تنقلا من مكان لآخر ، بل قبول الكلمة الخدمة المقدسة وأرسالية سلمت بعد ذلك لتلاميذ المسيح “(2).    

  وأيضا ” ونحن نعترف بأن الكلمه الله هو معنا ، دون أن يكون محصورا في مكان ما ، لأنه أي مكان لا يوجد فيه الله الذي يملأ كل الأشياء “(3).

† قال بروكلس بطريرك القسطنطينيه وخلف نسطور : ” كان في حضن أبيه وهو هو في مستودع البتول ، هو كان محمولا علي ذراعي أمه وهو محمولا علي أجنحة الرياح مسجودا له من الملائكه ، جالس مع العشارين والشار وبيم لا يجسرون أن ينظروا إليه “(4).

† قال ساويرس المقفع :

  ” لأن قولنا نزل (لا يعني) أن السماء كانت خاليه منه ، ولا هو محدود في موضع دون موضع ، إنما ذكر النزول ها هنا يعني به كونه أتضع واتحد بالجسد ، وصار إنسانا لأن هذا اعظم نزول انه صار موجودا محسوسا وملموسا ومحدودا بالجسد الذي اتحد به لله “(5).

  انه نزل من السماء افتقر وهو غني ، أخلى ذاته وأخذ صورة العبد دون أن يفارق عرشه في السماء ودون إن يخلو منه مكان ما في الكون ودون أن يتغير عن كونه الله ، أخلي نفسه لأجل الطبيعه البشريه التي اتخذها ، وصار في صورة عبد ، شابهنا في كل شئ ما عدا الخطيه وحدها ، وهو ملء اللاهوت الذي يملأ الكل ويحيط بالكل وفوق الكل ” عظيم هو سر التقوى لله ظهر في الجسد تبرر في الروح ترآي لملائكته كُرز به بين الأمم أُو من به في العالم رُفع في المجد ” .

† قال القديس اغسطينوس :

  ” أو ليس هو ذاك الذي جاء الي أرضنا دون أن يبتعد عن السماء ؟ أو ليس هو ذاك الذي صعد الي السماء دون أن يتخلي عنا “(6).

(1)  في سر التجسد 35 .

(2)  شرح تجسد الابن الوحيد 27 .

(3) المرجع السابق 2 .

(4) الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة جـ 1 : 468 .

(5) الدر الثمين في إيضاح الدين 55 .

(6) شرح رسالة يوحنا الأولى م 6 : 13 .

 

من كان يحكم الكون عندما نزل المسيح من السماء؟ – سر التجسد

لماذا ظهر الله في الجسد؟ – سر التجسد

لماذا ظهر الله في الجسد؟ – سر التجسد

 

لماذا ظهر الله في الجسد؟ – سر التجسد

 

 

الفصل الحادي عشر

لماذا ظهر الله في الجسد ولم ينزل ظاهرا بلاهوته؟

 

 س 1 : لماذا اتخذ جسدا ؟ ولماذا لم يظهر بلاهوته ، بدون التجسد ، فيراه الجميع علي حقيقته ؟ أليس هذا اكرم له وأليق بعظمته ومجده ؟

& الله بلاهوته ، بجوهره ، بطبيعته غير مرئي وغير مدرك بالحواس ولا يمكن أن يراه أو يدركه مخلوق بالحواس ، ولذلك لم يره أحد قط من جميع المخلوقات سواء التي تري أو التي لا تري ، البشر أو الملائكة . يقول الوحي الإلهي :

† ” الله لم يره أحد قط ” (يو18:1) .

† ” الله لم ينظره أحد قط ” (1يو2:4) لماذا ؟ لأنه :

† ” الذي وحده له عدم الموت ساكنا في نور لا يدني منه ، الذي لم يره أحد ، من الناس ولا يقدر أن يره ” (1تي16:6) .

  أنه نور وساكن في نور ولا يري علي الإطلاق ولا تدركه الحواس حتى الملائكة الواقفين حول العرش لا يمكن أن يروا جوهره ، جوهر لاهوته ، لأنه بطبيعته غير مرئي وغير مدرك بالحواس .

  والسرافيم الممتلؤن عيونا والمتقدون نارا لا يجرؤن علي مجرد التفكير في رؤيته بجوهره إذ يقول الكتاب أن لكل ” واحد ستة أجنحة . باثنين يغطي وجهه وباثنين يغطى رجليه وباثنين يطير ” (أش2:6) ، لماذا يغطون وجوههم لأنهم لا يستطيعون النظر إليه والي ضياء ولمعان مجده ولا يوجد في الخليقة كلها من يقدر أن يدرك جوهره ، جوهر لاهوته ، يقول الكتاب أنه يرى فقط في خليقته ؛ ” لأن أموره غير

– 109 –

 المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته ” (رو20:1) . جاء في القداس الإلهي :

  ” السرافيم والشاروبيم (يقفون أمامك) فبجناحين يغطون وجوههم من أجل لاهوتك الذي لا يستطاع النظر إليه ولا التفكير فيه(1) .

  وقد اشتهي جميع الأنبياء أن يروا مجده ولكنهم لم يستطعيوا ، لماذا ؟ لأن الله غير مرئي ولا يستطيع أي مخلوق مهما كان أن يقف أمامه أو أن يراه . قال أيوب البار بأسلوب مجازي ؛ ” يحجب كرسيه باسطا عليه سحابة 000 أعمدة السموات ترتعد وترتاع من زجره ” (أي5:26،11) .

  هو ، بلاهوته ، بطبيعته وجوهره الإلهي ، غير مرئي وغير مدرك بالحواس كما أنه أيضا غير محدود في المكان أو في الزمان ، كلي الوجود :

† ” أما املأ أنا السموات والأرض يقول الرب ” (ار23:23) .

† ” منذ الأزل والي الأبد أنت الله ” (مز2:90) .

  وقد اشتهى جميع الآباء والأنبياء في القديم أن يروه ، أن يروا مجده ، أن يروا الله في جوهره وكيانه ولكنهم لم يروا سوى شبه للرب في الرؤى والأحلام ، وبرغم امتياز موسى النبي عن جميع الأنبياء إلا أنه لم ير سوي ” شبه الرب ” ، قال الله لهارون أخو موسى ولمريم أختهما ؛ ” اسمعا كلامي أن كان منكم نبي للرب فبالرؤيا استعلن له في الحلم أكلمه ، وأما عبدي موسى فليس هكذا بل هو آمين في كل بيتي ، فما إلى فم وعيانا أتكلم معه لا بالألغاز وشبه الرب يعاين “(عد6:12-8) .

  قال الرب يسوع المسيح ” الحق أقول لكم أن أنبياء وأبرار كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا “(مت17:13).

  وعندما طلب موسى من لله أن يراه وقال له ” ارني مجدك ” ، قال له الله ” أجيز كل جودتي قدامك وأنادى باسم الرب قدامك وأتراءف على من أتراءف وارحم من ارحم ” ، ثم قال له ” لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش ” ، ولما أراد الله أن يكشف له عن شيء من مجده قال له ” هوذا عندي مكان فتقف على الصخرة ، ويكون متى اجتاز مجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة وأسترك بيدي حتى اجتاز ، ثم ارفع يدي فتنظر ورائي وأما وجهي فلا يرى “(خر18:33-23).

  وبالرغم من أن موسى لم يرى سوى شيء من المجد الإلهي وهو مختبئ في قلب الصخرة إلا أن جلد وجهه صار يلمع من انعكاس هذا القليل من المجد الإلهي ، يقول الكتاب ؛ ” وكان لما نزل موسى من جبل سيناء 000 لم يعلم أن جلد وجهه صار يلمع في كلامه معه ، فنظر هرون وجميع بني إسرائيل موسى وإذا جلد وجهه يلمع فخافوا أن يقتربوا إليه ” ، وهذا ما أضطر موسى النبي أن يضع برقع على وجهه ” ولما فرغ موسى من الكلام معهم جعل على وجهه برقعا ، وكان موسى عند دخوله أمام الرب ليتكلم معه ينزع البرقع حتى يخرج ثم يخرج ويكلم بني إسرائيل بما يوصى ، فإذا رأى بنو إسرائيل وجه موسى أن جلده يلمع كان موسى يرد البرقع على وجهه حتى يدخل ليتكلم معه ” (خر29:34-35) .

  ولما نزل الله علي الجبل في هيئة وشكل مظاهر الطبيعة المختلفة ” وكان جبل سيناء كله يدخن من اجل أن الرب نزل عليه بالنار وصعد دخانه كدخان الآتون وارتجف كل الجبل جدا ، فكان صوت البوق يزداد اشتدادا جدا وموسى يتكلم والله يجيبه بصوت ” (خر18:19،119) . ” ولما رأي الشعب ذلك ارتعدوا ووقفوا من بعيد . وقالوا لموسى تكلم أنت معنا فنسمع ولا يكلمنا الله لئلا نموت ” (خر19:20) . وقالوا  بعد ذلك  ” لأنه من هو من جميع البشر الذي سمع صوت الله الحي يتكلم من وسط النار مثلنا وعاش ” (تث26:5) ، لقد سمعوا صوت فقط يأتيهم من وسط النار التي ظهر الله من خلالها ، ولكنهم لم يروا الله ظاهرا ، في طبيعته وجوهره لأته لا يراه الإنسان ويعيش . ويقول الكتاب أن موسى نفسه وهو الذي خاطب الله وتناقش معه وحاوره (خر9:34) قال عندما جاء إلي الجبل المضطرم بالنار الذي كان الله متجليا عليه ” أنا مرتعب ومرتعد ” (عب21:12) .

  فإذا كان مجرد سماع صوت الله يميت فماذا يحدث لو ظهر الله بجوهره ،

– 111 –

بطبيعته ، بلاهوته علي الأرض ؟ وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يحدق في الشمس وهي إحدى مخلوقات الله ، فكيف نفكر في نزول الله وظهوره بلاهوته غير المرئي بلا حجاب ؟

† طلب موسى أن يري الله فوعده أن يريه مجده ووضعه في نقره ، وأخفاه لأنه لا يستطيع أيضا أن يري مجده في تمام بهائه ولمعانه ومع ذلك نزل موسى من علي الجبل وكان جلد وجهه يلمع من انعكاس بهاء مجد الله عليه ، من انعكاس لمعان بهائه علي وجهه مما أضطر موسى أن يضع برقعا علي وجهه حتى يستطيع هرون وبنو إسرائيل أن يتكلموا معه . فإذا كانت الجماعة قد خافت أن تقترب من موسى لأن جلد وجهه كان يلمع بسبب كلامه مع الله ورؤيته شبه مجده فماذا يحدث لهم لو رأوا مجد الله وبهاءه واللمعان الخارج منه ؟ ماذا يحدث لو رأوه ظاهرا بلا حجاب ؟ إذا كانوا قد خافوا أن يروا إنساناً أنعكس عليه نور مجد الله ، ليس نور وإنما لمعان من النور ، فماذا يحدث لو رأوا البهاء الذي أنعكس منه هذا اللمعان وليس جوهر اللاهوت نفسه ؟

† سمع إيليا صوت الله منخفضا وكان في مغارة في جبل تابور فخرج من المغارة بعد أن ” لف وجهه بردائه ” (1مل13:19) ، وعندما عبر مجد الله بعد أن سبقه ريح ونار عظيمة تشققت الجبال والصخور (1مل11:19) ؟ فماذا يحدث للبشر إذا كان الريح والنار (1مل14:19) التي وجدت بحضوره قد شققت الصخور والجبال ؟ كما أن إيليا لف وجهه لسماعه صوت الله .

† عندما ظهر ملاك الله لدانيال النبي علي نهر دجله في رؤيا سقط علي وجهه وتحولت نضارته إلى فساد وسقط علي وجهه إلى الأرض (دا9:10) ، وإذا كان دانيال وهو النبي المحبوب عند الله لم يستطيع أن يثبت أمام الملاك بل سقط علي الأرض وتحولت نضارة جسده إلى فساد ، شيخوخة ، فكيف تحتمل البشرية رؤية رب الملائكة ؟

† ولما تجلي الرب يسوع المسيح علي الجبل أمام تلاميذه وأظهر شيئا من مجد

– 112 –

لاهوته ، يقول الكتاب ؛ ” أضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور ” (مت2:17) ، فارتعد التلاميذ وخافوا وسقطوا علي الأرض مع أنهم أكلوا مع المسيح وشربوا معه ولكن عند رؤيتهم شيئا من مجد لاهوته لم يحتملوا رؤية مجده ، فماذا يحدث لو أن المسيح ظهر بلا هوته بدون حجاب الناسوت ؟

† ولما ظهر الرب يسوع المسيح لشاول الطرسوسي – القديس بولس فيما بعد – بعد قيامته وصعوده إلى السماء رأي ، شاول ، نورا وصفه بأنه افضل من لمعان الشمس” رأيت في نصف النهار في الطريق 000 نورا من السماء افضل من لمعان الشمس قد ابرق حولي وحول الذاهبين معي ” (أع13:26) ، فسقط هو والذين معه علي الأرض ، وبعد أن كلمه الرب يسوع المسيح وقام من علي الأرض كان وهو مفتوح العينين لا يبصر ” (أع8:9) ، ولما ابصر علي يد تلميذ المسيح حنانيا سقط من علي عينيه ” شئ كأنه قشور فأبصر في الحال ” (أع18:98) .

  فإذا كانت رؤية القديس بولس لنور المسيح من خلال حجاب الناسوت ، بعد القيامة والصعود ، قد أعمت بولس وجعلت علي عينيه ما يشبه القشور لأن الرب كان يريده ، فماذا كان يحدث لو لم يكن الرب يريده ؟ ماذا يحدث للآخرين الذين كانوا معه لو رأوا مجده كما رآه شاول ؟ ماذا يحدث لو نزل المسيح ظاهرا بلاهوته وبدون حجاب الناسوت الذي احتجب به ؟ 

† ولما ظهر للقديس يوحنا وهو منفي في جزيرة بطمس في رؤيا سقط عند رجليه كميت برغم أنه التلميذ الذي ” كان الرب يحبه “(2)، والذي سبق أن اتكأ علي صدره (يو23:13). فماذا كان يكون الأمر لو ظهر له حقيقة بلاهوته وليس في رؤيا ؟

† يذكر سفر الرؤيا أن ملاكا واحد نزل من السماء واستنارت الأرض من بهائه ” (رؤ1:18) ، فإذا كان ملاكا واحد أنار الأرض واستنارت من بهائه وهو المخلوق والذي لا يستطيع رؤية الخالق فكم وكم يكون بهاء مجد الله لو نزل علي الأرض ظاهرا كما نزل الملاك ؟ 

  لقد اتخذ المسيح جسدا ، تجسد ، اخذ صورة العبد ليحجب لاهوته ، ليحجب بهاء مجده والنور خارج منه . تجسد لكي يستطيع البشر أن يروه . وبعد أن كان غير مرئيا صار مرئي بالجسد وفي الجسد الذي اتخذه ، رآه البشر ورأته كذلك الملائكة ، رأته الملائكة ورآه السرافيم الذين يخفون وجوههم بأجنحتهم وهم وقوف قدامه ، رأته الملائكة بعد أن تجسد وصار مرئيا بناسوته ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة(1تي16:3،17) .

† قال يوحنا ذهبي الفم في عظمته الخاصة علي الإنجيل للقديس يوحنا :

  ” أن كنا لا نقدر مطلقا أن نشاهد أي قوه روحيه حتى المخلوقة ” لذلك يقول بولس : ” الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه ” (1تي16:6) هل هذه الخاصية تخص الأب وحده دون الابن ؟ حاشا لنا أن نفكر هكذا إنما تخص الابن أيضا لكي تعرف هذا اسمع بولس يقول عنه ذات الأمر ” صورة الله غير المنظور ” (كو15:1) ، فأن كان هو صورة غير المنظور يلزم أن يكون غير منظور وإلا فلا يكون صورته . لا تعجب من بولس حين يقول في موضع آخر : ” الله ظهر في الجسد ” فقد تحقق الظهور خلال الجسد ، لكن ليس ظهورا للجوهر .

  أضف إلى هذا أن بولس يتحدث عنه كغير منظور ، ليس فقط بين البشر ، بل وأيضا بين القوات العلوية ، إذا بعد قوله ” ظهر في الجسد ” يقول ” تراءى لملائكة ” .

  عندما لبس الجسد صار منظورا حتى بالنسبة للملائكة . أما قبلا فلم تره الملائكة إذ جوهره غير منظور حتى بالنسبة لهم(3) .

† وقال أغناطيوس الأنطاكي عن ظهوره بالجسد مخاطبا القديس بوليكاربوس ؛ ” وليكن نظرك علي من لا يتغير ، أي ذاك الذي يعلو الزمان ولا يرى ولكن قد صار مرئيا لأجلنا (4) .

† وفي أقوال القديس اكليمندس الإسكندري يوضح أنه بعملية التجسد اصبح الكلمة ، ابن الله ، منظورا ومدركا في حيز الأشياء التي نراها وندركها بحواسنا(5)

† وقال القديس اغريغوريوس النيزنزي :

  ” كلمه الله الذي هو قبل العوالم ، غير مرئي وغير المدرك ، الذي لا جسم له (غير المحوي) البدء من البدء . نور من نور ، أصل الحياة والخلود ، صورة الله وختم جوهره ، الصورة غير المتغيرة صوره الأب وكلمته جاء لصورته (يقصد  الذي خلق علي صورته ومثاله) وأخذ جسدا لأجل جسدنا “(6) .

E س 2 : ماذا يعني الكتاب برؤية بعض الأنبياء لله ؟

  ماذا يعني إذا قول الكتاب أن بعض الأنبياء رأوا الله ؟ وما الفرق بين ظهوره في القديم واتخاذه جسدا ، وبمعني أدق ما الفرق بين الجسد الذي ظهر به في القديم والجسد الذي اتخذه في التجسد ؟

& يذكر الكتاب أن الله قد ظهر لإبراهيم في هيئة رجل ” وظهر له الرب عند بلوطات ممرا ” (تك1:18) ، واستضافه وأكل معه (تك3:18،8) ، وظهر لأسحق ” وظهر له الرب وقال 000  فظهر له الرب في تلك الليلة وقال أنا اله إبراهيم أبيك ” (تك2:26،24) ، وظهر ليعقوب ” وظهر الله ليعقوب أيضا حين جاء من فدان أرام وباركه ” (تك9:35) ، وأن يعقوب رأي الله ” وجها لوجه ” (تك30:32) ، وأن والد شمشون ووالدته رأيا الله وقالا ” نموت موتا لأننا قد رأينا الله ” (قض22:13) ، وكذلك اشعياء يقول ” رأيت السيد (الرب) جالس وأذياله تملأ الهيكل ” (اش1:6) .

  والقديس يوحنا يقول أن اشعياء رأي مجد المسيح ” قال (اشعياء) هذا حين رأي مجده ” (يو41:12) ، وحزقيال رأي ” شبه كمنظر نار من منظر حقويه ” (حز3:8) ، ودانيال رآه في صورة ” قديم الأيام ” الجالس علي عرش الدينونة (دا9:7) .

  ولكن هذه الظهورات هي رؤى وامثال ، شبه ، ظهورات وقتيه وليست تجسدات حقيقية . ظهر في هيئة شكليه لرجل أو ملاك وتكلم من خلال النار والريح والسحاب أو في رؤى . وهذه كلها ظهورات وقتيه بأشكال وقتيه وغير ثابتة . أنها أشكال اتخذها الله للظهور بها مؤقتا ولكنها لم تكن أجسادا حقيقية ، كانت تمهد الطريق والذهن البشري للتجسد الحقيقي ، الاتحاد الحقيقي ، واتخاذ جسدا من لحم ودم وعظام ، باتحاد ابدي لا ينفصل ولا ينحل . اتحاد حقيقي كامل ” والكلمة صار جسدا ” .

  ظهر الله للآباء البطاركة ، إبراهيم وأسحق ويعقوب ، ثم لموسى النبي في العليقة وتخاطب معهم ” فماً لفم ” وسمعوه بآذانهم كما يسمع صوت الطبيعة وكل ما له صوت مسموع ، وظهر لهم في أشكال مرئية للعين ، رأوا فيها ” شبه الرب ” ، أو كما قيل عن موسى النبي ” وشبه الرب يعاين ” ، ولكن دون أن يروه بلاهوته ، في طبيعته اللاهوتية ، النورانية والروحية ، وجوهره الذي لا يُرى . ظهر لهم في أشكال مؤقتة وهيئات جسمية مثل الرجال .

  هذه الظهورات أسماها علماء اللاهوت ” الثيؤفانيا –  θεοφανια- Theophania “(7) أو ” ثيؤفاني – θεοφανη –  Theophany ” ، أي ظهور إلهي . وهذا التعبير اللاهوتي مأخوذ ومركب من كلمتين يونانيتين هما ” ثيؤس θεος – Theos ” ، أي ” الله ” و” فانين  φανειν – Phanein ” أي ” يظهر ” .

  ويقدم لنا العهد الجديد في المثالين التاليين نموذجين للظهورات الإلهية في هيئات جسمية مرئية :

1 – في معمودية الرب يسوع المسيح من يوحنا المعمدان يقول الكتاب ” ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسّمية مثل حمامة ” (لو22:3) ، ” وصوت من السماء قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ” (مت17:3) .

2 – وعند حلول الروح القدس على التلاميذ يوم الخمسين يقول الكتاب ؛ ” صار بغتةً من المساء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كانها من نار واستقرت على كل واحد منهم وامتلأ الجميع من الروح القدس . وابتدءوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح القدس أن ينطقوا ” (أع1:2-4) .

  وهنا نرى أن الروح القدس الذي هو روح الله ، الله روح ، غير المرئي ، يظهر في العماد في ” هيئة جسمية مثل حمامة ” ، وفي اليوم الخمسين يظهر في شكل وهيئة ” ألسنة منقسمة كانها من نار ” ، إذا ليس هو حمامة ولكنه ظهر في هيئة وشكل ” مثل ” حمامة ، وليس هو نار مادية وإنما ظهر في هيئة وشكل السنة منقسمة ” كأنها ” من نار .

  والعهد الجديد يتكلم أيضا عن ظهور الله لإبراهيم ” ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم ” (أع2:7) ، وظهور ” ملاك الرب ” لموسى النبي ” ظهر له ملاك الرب في برية جبل سيناء في لهيب نار عُلّيقة ” (أع31:7) ، ويستخدم الفعل اليوناني  ” οπτομαι – Optomai ” والذي يعنى ” يرى ، يعاين ، يظهر ” والذي استخدمه الكتاب بالروح حوالي 48 مرة من 55 مرة للتعبير عن ظهورات إلهية وملائكية كظهور الله لإبراهيم وملاك العهد لموسى النبي وظهور الملاك في بستان جثسيمانى (لو32:22) ، وظهور موسى وإيليا مع الرب يسوع المسيح على جبل التجلي (مت3:17) ، وظهورات الرب القائم من الموت بعد القيامة للتلاميذ والرسل (لو34:24 ) ، وظهوراته عند المجيء الثاني (مت30:24؛64:26) ، ومشاهدة ورؤية رؤى وإعلانات في رؤى كرؤى القديس يوحنا(8) ، وفي كل الأحوال يعنى رؤية ظهورات واضحة ومرئية للعين الخارجية ، ورؤى سماوية مدركة بالعين الداخلية ، وكلاهما مدرك بالعقل والحواس أيضا لأنهما مرتبطان بمعجزات ظاهرة ومحسوسة وملموسة ، ونبوات تمت بعد هذه الإعلانات سواء في أيام الأنبياء وحياة معاصريهم أو بعد ذلك بقليل أو كثير .

  كانت الأجساد في الظهورات السابقة إعلانات ، رؤى وأمثال قال الله لهوشع النبي ” كلمت الأنبياء وكثرت الرؤى وبيد الأنبياء مثلت أمثالا ” (هو10:12) .

E س 3 : ما الفرق بين الظهورات في القديم والتجسد ؟ 

& ظهر الله في القديم في أشكال مختلفة وبطرق متنوعة ، ظهر في هيئة رجل أو ملاك أو تكلم من خلال النار والريح والسحاب وهذه كلها كانت مجرد ظهورات وقتيه تنتهي بمجرد انتهاء المهمة التي ظهر لأجلها أنها كانت أشباه ، أمثله ، مثلها مثل ظهور الملائكة في هيئة رجال ، في هيئة مرئية ، الله روح لطيف لا جسم له ولما ظهر في القديم اتخذ مظهر الجسد ، ظهر في شبه مثال للتجسد الآتي . ولكن لم يكن تجسدا كاملا من لحم ودم وعظام كما حدث في التجسد الذي تم في ملء الزمان و” يمكن القول أنه جسد خيالي أو جسد أثيري يتكون من الأثير ثم ينتهي بمجرد انتهاء مهمة هذا الظهور وذلك بتحلل هذا الجسد فيتبدد ويزول “(9) .

 علي آية حال فقد ظهر الله في أشكال ولم تكن تجسدات حقيقية وهو وحده الذي يعلم كيفيتها .

(1) القداس الكيرلسي .

(2) أنظر  يو26:19؛2:20؛ 7:21،20 .

(3) On John Hom . 5.

(4) الرسالة إلى بوليكاربوس 3 : 2 .

(5) Storm 5 , 39 ; 16, 5 .

(6) Sec. Oration On  Easter : 9  .

(7) أنظر كتابنا ” الإعلان الإلهي وكيف كلم الله الإنسان ” ف 2 .

(8) رؤ7:1؛ 19:11؛ 1:12،3؛ 4:22 .

(9) كتاب ” في ليلة عيد الميلاد ” لنيافة الأنبا أغريعوريوس ، ص 25 .

لماذا ظهر الله في الجسد؟ – سر التجسد

هل نعبد المخلوق أم الخالق؟ – سر التجسد

هل نعبد المخلوق أم الخالق؟ – سر التجسد

 

هل نعبد المخلوق أم الخالق؟ – سر التجسد

 

الفصل العاشر

هل نعبد المخلوق أم الخالق؟

 

 س : إذا كان المسيح بناسوته ، جسده ، هو من مريم العذراء ، فهل يعني هذا أننا نعبد المخلوق ؟

& نحن لا نعبد المخلوق وإنما نعبد الخالق ، فهو وحده الذي يجب أن تقدم له العبادة . أننا نعبد المسيح لأنه الإله القدير ، الحكيم ، العظيم ، الواحد ، المبارك ، القدوس ، الله الذي ظهر في الجسد ، عمانوئيل الله معنا .

  فهو قد اتخذ جسدا واتحد به اتحادا أبديا لا ينفصل ، وصار هذا الجسد هو جسده الخاص به وغير المنفصل عنه لحظة واحدة ولا طرفة عين . لأن الجسد هو جسده الذي اتخذه ” الكلمة صار جسدا ” (يو14:1) ، وظهر فيه وبه ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد ” (1تي16:3) ، إذ حل فيه حلولا كاملا بتمام وكمال لاهوته ” الذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا ” (كو9:2) ، ولأنه واحد مع جسده شخص واحد ، اقنوم واحد ، طبيعة واحدة متحدة من طبيعتين بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ، لذا نعبد المسيح بلاهوته ، كإله دون أن نفصل عنه ناسوته ، نعبد المسيح الواحد ، عمانوئيل ، الله معنا ، الله الظاهر في الجسد دون تفرقه بين لاهوته وناسوته كالإله المتجسد ، الكامل في لاهوته والكامل أيضا في ناسوته .

  أننا نعبد يسوع المسيح ، الله المخلص ، الرب يسوع المسيح ، الذي له يسجد كل من في السماء ومن علي الأرض ، جميع الخلائق ، باعتباره خالق الكل ” فانه فيه خلق الكل ما في السموات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان

 

عروشا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين الكل به وله قد خلق ، الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل ” (كو16:1-17) ؛ ” لكي تجثو باسم يسوع كل ركبه ممن في السماء ومن علي الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب ” (في10:2،11) فهو ” رب الكل ” (أع30:10) ، رب العالمين الذي تتعبد له كل الخليقة ، كما قال الكتاب ” لتتعبد له جميع الشعوب والأمم والألسنة ، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض ” (دا14:7) .

  إذا فالرب يسوع المسيح ، الإله المتجسد ، بلاهوته وناسوته ، هو المعبود والذي يقدم له الجميع السجود والعبادة . فقد دعى تلاميذه أنفسهم عبيداً له ، عبيد ليسوع المسيح ، الرب يسوع المسيح ، وقدموا له الإكرام وكل ما يتعلق ويليق به وعبادته كرب الكون المعبود :

† قال له توما ” ربى وإلهي ” (يو28:20) ، وهذا يعنى عبادته كإله ورب العالمين .

  وجاء في افتتاحيات رسائل الرسل إعلان إجماعهم على أنهم عبيدا للمسيح .

† ” يعقوب عبد 000 يسوع المسيح ” (يع1:1) .

† ” يهوذا عبد يسوع المسيح ” (يه 1) .

† ” بطرس عبد يسوع المسيح ” (2بط1:1) .

† ” بولس عبد ليسوع المسيح ” (رو1:1) .

† ” بولس وتيموثاوس عبدا يسوع المسيح ” (في1:1) .

† ” ابفراس الذي هو منكم عبد للمسيح ” (كو12:4) .

  ويقول القديس بولس بالروح القدس ” لأن من دعى في الرب وهو عبد فهو عتيق الرب. كذلك أيضاً الحر المدعو هو عبد للمسيح . قد اشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيداً للناس ” (1كو22:7-23) .

  الجميع يعلنون أنهم عبيد للمسيح ويقول الروح القدس بفم ولسان القديس بولس الرسول ” لا تصيروا عبيداً للناس ” مما يؤكد أن الرب يسوع المسيح ليس مجرد إنسان ولكنه الإله المتجسد ، الرب ، المعبود ، رب الكل ، رب العالمين . والقديس

يوحنا يقول بالروح في بداية سفر الرؤيا ” إعلان يسوع المسيح الذي أعطاه الله إياه ليرى عبيده ما لابد أن يكون مرسلاً بيد ملاكه لعبده يوحنا ” (رؤ1:1) . فهو ، يسوع المسيح ، الإله المتجسد ، بلاهوته وناسوته ، رب الملائكة والبشر .

  ويقول دانيال النبي بالروح متنبئاً عن ربوبية المسيح للكون ، يسوع المسيح ، الرب يسوع المسيح ، الإله المتجسد ، المعبود بلاهوته وناسوته ، كإله وإنسان :

  ” كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه ، فأعطي سلطانا ومجدا وملكوتا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة سلطانه سلطان ابدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض ” (دا13:7-14) .

  وهو هنا المعبود كابن الإنسان ، الإله المتجسد ، بلاهوته وناسوته ، كما أنه المسجود له كالرب المعبود ، بلاهوته وناسوته ، فعند ميلاده جاء المجوس قائلين ” أتينا لنسجد له ” (مت2:2) ، وسجدوا له ” خروا وسجدوا له ” (مت11:2) .

† ” وأذ أبرص قد جاء وسجد له ” (مت2:8) .

† ” وفيما هو يكلمهم بهذا إذا رئيس قد جاء فسجد له ” (مت18:9) .

† ” والذين في السفينة جاءوا وسجدوا له قائلين بالحقيقة أنت ابن الله ” (مت33:14)

† ” وإذا امرأة كنعانية.. أتت وسجدت له قائلة يا سيد أعنى ” (مت25:15) .

† ” حينئذ تقدمت إليه أم أبني زبدى مع أبنيها وسجدت ” (مت20:20) .

† ” وكذلك تلاميذه بعد القيامة ” لما رأوه سجدوا له ” (مت17:28) .

† ” والمريمتين ” أمسكتا بقدميه وسجدتا له ” (مت9:28) .

† ” والمولود أعمى الذي خلق له عينين ” سجد له ” (يو38:9) .

† ” وإذا ابرص قد جاء وسجد له ” (مت2:8) .

† ” وفيما هو يكلمهم بهذا إذا رئيس (مجمع لليهود) قد جاء فسجد له ” (مت18:9) .

  ومكتوب عن الرب يسوع المسيح ” ومتى أدخل البكر إلى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله ” (عب6:1) ، وأيضاً يقول الكتاب ؛ ” لأننا جميعاً سنقف أمام كرسي

 

المسيح لأنه مكتوب حي أنا يقول الرب أنه ستجثو لي كل ركبة وكل لسان سيحمد الله ” (رو10:14-11) . وهاتان الآيتان تؤكدان أن كل الخلائق تسجد للرب يسوع المسيح ، الإله المتجسد ، رب العالمين ، بلاهوته وناسوته ، ” تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ” (في11:2) .

  وتقدم له الصلوات باعتباره المعبود والإله المتجسد ، المسيح الواحد ، بلاهوته وناسوته ، والصلاة لا تقدم لغير الله ، والرب يسوع المسيح يطلب أن يٌصلى إليه:

† ” حيثما أجتمع اثنان أو ثلاثة بأسمى فهناك أكون في وسطهم ” (مت20:18) .

† ” ليس كل من يقول لي يا رب يا رب بدخل ملكوت السموات ” (مت21:7) .

† ” لماذا تدعونني يا رب يا رب وأنتم لا تفعلون ما أقوله ” (لو46:6) .

  وصلت إليه الكنيسة عند اختيار متياس بدلا من يهوذا الأسخريوطي :

† ” وصلوا قائلين أيها الرب العارف قلوب الجميع عين أنت من هذين الاثنين أيا اخترته ” (أع24:1) .

  والقديس بولس يصلى إليه ضارعاً أن يخلصه من شوكة الجسد :

† ” من جهة هذه تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني . فقال لي تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل . فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل على قوة المسيح ” (2كو7:12ـ9) .

† ويشكره لأنه قواه ” وأنا أشكر ربنا الذي قواني ” (1تي12:1) .

  والصلاة إليه تؤكد حضوره في كل مكان وزمان ” وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر ” (مت19:28) .

  وهو الذي يستجيب الصلاة ويعطي الغلبة والقوة والنعمة باعتباره الرب المعبود ، يسوع المسيح ، الإله المتجسد ، بلاهوته وناسوته ، المسيح الواحد :

† ” فبكل سرور أفتخر بالحرى في ضعفاتي لكي تحل على قوة المسيح ” (2كو9:12) .

† ” وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذي قواني ” (كو29:1) .

– 104 –

† ” المسيح فيكم رجاء المجد 000 الذي لأجله أتعب أيضاً مجاهراً بحسب عمله الذي يعمل بقوة ” (1تي12:1) .

† ” أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني” (في13:4) .

† ” وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذي قواني أنه حسبني أميناً جعلني للخدمة ” (1تي12:1) .

† ” ولكن الرب وقف وقواني لكي تتم بي الكرازة ” (2تي17:4) .

† ” لأني لا أجسر أن أتكلم عن شيء مما لم يفعله المسيح بواسطتي ” (رو18:15) .

  ولأنه هو الرب المعبود فهو الذي يعطى النعمة  ، يقول عنه الكتاب أنه الغني والذي يعطى الجميع من غناه ونعمته ، كالمسيح الواحد ، الإله المتجسد ، بلاهوته وناسوته ، الرب يسوع المسيح :

† ” فأنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع أنه من أجلكم أفتقر وهو غني لكم تستغنوا أنتم بفقره ” (2كو9:8) .

† ” نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم ” (رو24:16) .

† ” النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا ” (يو13:1) .

† ” فقال لي تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل ” (2كو9:12) .

† ” نعمة ورحمة وسلام من الله الآب ومن الرب يسوع المسيح ” (أف7:2) .

ويصف الكتاب الرب يسوع المسيح بملك الملوك ورب الأرباب ، والرب الواحد والكائن على الكل الإله المبارك ، والإله القدير ، ولا يتكلم عنه كإله فقط ولكن كالرب يسوع ، الإله المتجسد ، بلاهوته وناسوته :

† ” وهؤلاء سيحاربون الحمل ، والحمل سيغلبهم لأنه رب الأرباب وملك الملوك ” (رؤ14:17) .

† ” وله على ثويه وعلى فخذه أسم مكتوب ملك الملوك ورب الأرباب ” (رؤ16:19) .

† ” ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به ” (1كو6:8) .

† ” ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل الإله المبارك إلى الأبد “(رو5:9).

– 105 –

† ” إلهنا ومخلصنا العظيم يسوع المسيح ” (تي13:2) .

† ” يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى أسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام ” (اش6:9) .

  وقد وصف المسيح ، باعتباره الإله المتجسد ، بالصفات الإلهية والبشرية في آن واحد ، ومن ثم تقدم له العبادة باعتباره الرب الواحد ، المسيح الواحد لأنه لما تجسد الله الكلمة واتخذ جسدا لم يفصل بين جسده ، كونه إنسانا ، وبين لاهوته ، لأن ” لاهوته لم ولا ولن يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين ” . فقد اتحد اللاهوت بالناسوت اتحادا أبديا لا ينفصل ” والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءًا نعمة وحقا ” (يو14:1) .

  ومن ثم لا يمكن أن نفصل بين اللاهوت والناسوت ، الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية اللتان اتحدتا في طبيعة واحدة متحدة بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ، لأنه من بعد التجسد ليس هناك سوى المسيح الواحد من طبيعتي اللاهوت والناسوت ، برغم احتفاظ كل طبيعة بخواصها ، وبدون أن تذوب أو تتلاشى طبيعة في الأخرى .

  ولأن المسيح واحد ، رب واحد ، شخص واحد ، فكل ما ينسب للاهوته ينسب أيضا لناسوته ، وما ينسب لناسوته ينسب أيضا للاهوته ، وهذا ما يسميه آباء الكنيسة وعلماؤها بـ ” تبادل الخواص ” بين اللاهوت والناسوت ، فيقول الكتاب أن ” الله سفك دمه ” (أع28:20) ، وأن ” رب المجد صلب ” (1كو8:2) ، وأن الأبدي الأزلي ، الذي لا بداية له ولا نهاية ، الأول والأخر ، الألف والياء ، البداية والنهاية ، الحي إلى أبد الآبدين ، قد مات (رؤ:81،11؛ 6:21؛ 13:22) !! كما يقول أيضا أن ” ابن الإنسان ” هو الرب ، والديان ، وغافر الخطايا ، والحي ، ومعطي الحياة ، والجالس عن يمين العظمة في السماويات ، والذي له المجد والسلطان ، وملك الملوك ورب الأرباب .  

† قال العلامة اوريجانوس : 

  ” انه بسبب الاتحاد الذي لا ينفك بين الكلمة والجسد ، كل شئ يختص بالجسد ينسب أيضا للكلمة وكل ما يخص بالكلمة يحمل علي الجسد “(1) .

† وقال اثناسيوس الرسولي :

  ” أن صفات الجسد الخاصة كالجوع والعطش والتعب وما إليها مما هو في إمكان الجسد تحمل عليه (أو توصف كأنها له) لأنه هو كان فيها ، بينما من جهة أخري ، أن الأعمال الخاصة باللوغوس نفسه كإقامة الموتى ، ورد البصر إلى الأعمى وشفاء المرأة النازفة الدم ، قد صنعها بجسده وقد احتمل الكلمة (اللوغوس) ضعفات الجسد كأنها ضعفاته هو لأن الجسد هو جسده والجسد خدم أعمال اللاهوت لأن اللاهوت كان فيه أو أن الجسد كان جسد الله . وعندما تألم الجسد لم يكن الكلمة (اللوغوس) خارجا عنه ، ولهذا فأن الآلام كانت آلامه هو ، وعندما اجترح بأسلوب إلهي أعمال أبيه لم يكن الجسد خارجا عنه ، ولكن الرب صنعها في الجسد نفسه”(2)

† وقال مفصلا أننا نعبد المسيح الواحد ، كلمة الله المتجسد : 

  ” نحن لا نعبد المخلوق ، حاشا 000 ولكننا نعبد رب الخليقة المتجسد ، كلمة الله . لأنه إن كان الجسد نفسه ، في حد ذاته هو جزء من عالم المخلوقات ، ولكنه صار جسد الله ، فنحن من ناحية لا نفصل الجسد عن الكلمة ونعبد مثل هذا الجسد في حد ذاته ، ومن ناحية أخري ، عندما نريد أن نعبد الكلمة ، فأننا لا نفصل الكلمة عن الجسد ، ولكننا ـ كما سبق أن قلنا ـ إذ نعرف أن ” الكلمة صار جسدا ” فأننا نعرفه كإله أيضا ، بعد أن صار في الجسد ، وتبعا لذلك ، فمن هو أحمق إلى هذه الدرجة حتى يقول للرب ” انفصل عن الجسد لكي أعبدك ؟ ” . أو من هو عديم التقوى لدرجة أن يقول له مع اليهود الحمقى لماذا وأنت إنسان تجعل نفسك ألها (يو33:10) ، ولكن الأبرص لم يكن من هذا النوع ، فأنه عبد الله في الجسد ، وعرف انه الله قائلا : ” يارب ، إن أردت تقدر أن تطهرني ” (مت3:8)  (3).

  ” ونحن نعرف انه ” في البدء كان الكلمة ، والكلمة عند الله ” (يو1:1) ، فأننا نعبد ذاك الذي صار هو نفسه أيضا أنسانا لأجل خلاصنا ، لا كما لو كان هذا الذي صار جسدا هو مساو للجسد بالمثل ، بل (نعبده) كسيد أخذا صورة عبد ، وكصانع وخالق صائرا في مخلوق أي (الجسد) 000 نعبد حضوره المتجسد ” . 

† وقال القديس كيرلس عمود الدين :

  ” واحد فقط نسجد له ـ كما قلت سابقا ـ حتى عندما تجسد وصار البكر من ضمن أخوه كثيرين . واحد هو الذي سجد له المولود أعمي عندما شفي بمعجزة ، لان الإنجيلي يذكر : ” ووجده يسوع في الهيكل وقال له : هل تؤمن بابن الله ؟ فقال الذي شفي : ومن هو يا سيد حتى أومن به ؟ 000 عندئذ أعلن المسيح عن نفسه متجسدا بالكلمات التالية ” الذي قد رأيته والذي يتكلم معك هو هو ” ، وهنا استخدم المسيح صيغه المفرد وهذا يعني انه لم يسمح بأن نفصل اللاهوت عن الناسوت ، لذلك إذا أراد أحد ما أن يصف عمانوئيل بأنه إنسان فقط فعليه أن يتذكر أن الاسم لا يشير إلى الإنسان فقط بل إلى كلمه الله الذي اتحد بطبيعتنا والواحد ذاته سجد له التلاميذ عندما رأوه ماشيا علي المياه : سجدوا له قائلين بالحقيقة أنت ابن الله (مت33:14) ، ونحن لا نقول أننا نعبد الناسوت مع اللاهوت لأن في هذا القول فصل شنيع 00 لذلك كل من يقول انه يعبد الناسوت مع اللاهوت يعتقد بدون شك بوجود ابنين ، ويفصل اللاهوت عن الناسوت(4) .

† وقال أيضا ” أننا لا نعبد المسيح الإله المجرد عن الجسد لأننا لم نعرفه إلا في الجسد . ونحن نعبد المسيح الواحد دون أن نفصل بين لاهوته وناسوته لأن كل عبادة تقدم للمسيح هو اقتراب من الأب “(5) .

(1) النسطورية للأنبا أغريغوريوس 19 .

(2) النسطورية ص 20 و Against Ar. 3,31 .

(3) الرسالة إلى أدلفوس : 3 .

(4) شرح تجسد الابن الوحيد : 36 .

(5) هامش شرح تجسد الابن الوحيد :27 .

 

هل نعبد المخلوق أم الخالق؟ – سر التجسد

هل جسد المسيح حاملا للخطية؟ – سر التجسد

هل جسد المسيح حاملا للخطية؟ – سر التجسد

 

هل جسد المسيح حاملا للخطية؟ – سر التجسد

 

الفصل التاسع

هل كان جسد المسيح حاملا للخطية أو قابلا لها؟

 

 س 1 : إذا كان المسيح ، كلمة الله ، وقد اتخذ جسدا حقيقيا كاملا ، فهل يعني هذا أنه كان حاملا للخطية أو قابلا لها ؟

& الكتاب المقدس يبين بوضوح وبلا لبس أن المسيح ، كإنسان ، بناسوته ، هو الوحيد الذي ظهر على الأرض وكان معصوما من الخطأ ، وأنه طاهر وبلا خطية ، فهو لم يكن حاملا للخطية أو وارثا لها بأي حال من الأحوال . كان جسده خاليا من الخطية تماما .

  قال هو نفسه متحديا معترضيه من اليهود ” من منكم يبكتني علي خطية ؟ ” (يو46:8) ، أي من منكم يجرؤ أن ينسب لي ، أو يقول لي ، أنى فعلت خطيئة واحدة مهما كانت ، أو يقول أنه رآني افعل خطية واحدة مهما كانت ، أو سمع أنني فعلت خطيئة واحدة مهما كانت . ولم يجرؤ أحد بالفعل أن ينسب إليه أنه فعل خطية علي الإطلاق . قال هذا في الوقت الذي أعلن فيه جميع الرسل والأنبياء أنهم خطاه بالفعل أو بالقول(1) .

† فها أيوب النبي يعترف بخطيئته قائلا ؛ ” أخطأت 000 لماذا لا تغفر ذنبي وتزيل أثمي ” (أي20:7-21) .

† وداود النبي يقول بالروح ؛ ” إليك وحدك أخطأت والشر قدام عينيك صنعت 000 لأني هأنذا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي ” (مز3:51،4) .

† واشعياء النبي يقول بالروح ؛ ” ويل لي أنى هلكت لأني أنسأن نجس الشفتين ” (اش5:6) .

† وقال القديس بولس بالروح ؛ ” أما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية ” (رو14:7) .

† وقال القديس يوحنا بالروح ؛ ” أن قلنا أننا بلا خطية نخطئ وليس الحق فينا ” (1يو8:1) .

  اعترف الجميع بخطيئتهم بل وبخطيئة البشرية كلها ” ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد ” (مز3:53) . عدا المسيح وحده الذي تحدي الجميع أنه قدوس وبار وأنه لم يعمل الخطية . كان قدوسا وبارا برغم أنه أشترك معنا في كل ما للبشرية من صفات وخصائص وطبيعة إنسانية ولكن ماعدا الخطية لأنه كما يقول الكتاب ” جاء في شبه جسد الخطية ” (رو8:3) . وقد أعلن الجميع بالوحي أن المسيح قدوس وبار وأن قداسته وبره تفوق السموات والأرض فقد اجتاز الأرضيات وصار أعلي من السموات .

  قال داود النبي بالوحي ؛ ” أنت ابرع جمالا من بني البشر انسكبت النعمة علي شفتيك 000 كرسيك يا الله إلى دهر الدهور قضيب استقامة قضيب ملكك ، أحببت البر وأبغضت الإثم من اجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج اكثر من رفقائك ” (مز8:45،9) ، وبعد أن أعلن الروح القدس لاشعياء النبي أن المسيح هو عمانوئيل ، الله معنا وأنه الإله القدير ” قال عنه أيضا : ” أنه لم يعمل ظلما ولم يكن في فمه غش ” (اأش9:53) .

† ” جاء في شبه جسد الخطية ” (رو3:8) .

† ” مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية ” (عب15:4) .

† ” قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات ” (عب26:7) .

† ” الذي لم يعرف خطية ” (2كو21:5) .

† ” ليس فيه خطية ” (1يو5:3) .

† ” الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر ” (1بط22:2) .

  وترجع طهارة المسيح وبره وقداسته إلى عدة أسباب :

 

  فقد ولد من أم بلا أب ، لم يعرفها رجل ولم تعاشر معاشرة الأزواج . قال داود النبي ” بالإثم صورت وبالخطية حبلت أمي ” (مز5:51) . وقال أيضا ” زاغ الخطاة من الرحم ، ضلوا من البطن ” (مز3:57) . ووصف الله إسرائيل ؛ ” من البطن سميت عاصيا ” (اش8:38) . 

  ولد الجميع من أباء أما المسيح فقد ولد من أم بلا أب لكنه ولد من الروح القدس  ومن مريم العذراء .

  لم يولد بصوره طبيعية ولكن ولد من العذراء بفعل الروح القدس ، أعد لنفسه جسدا خاصا ” هيأت لي جسدا ” (عب5:10؛ مز6:39) ، حل الروح القدس علي مريم العذراء وطهرها وقدسها وقام بتهيئة وعمل الجسد ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك ” ، ونتيجة لذلك فالمولود منها قدوس ، بار ، ابن الله ” فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعي ابن الله ” (لو35:1) ، أنه العظيم وابن العلي .

  لم يكن من زرع بشر ولكن من عمل الروح القدس ” وجدت حبلي من الروح القدس ” (مت18:1) ، ” لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس ” (مت20:1) . ونحن نؤمن أنه ” تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس ” (قانون الإيمان النيقاوي) . وإذا كان الروح القدس قد طهر مستودع العذراء ، رحمها ، كما قام بعمل ، وتهيئة الجسد ، فيستحيل أن ” الذي من الروح القدس ، ومن العذراء

القديسة مريم ” (القداس الإلهي) يكون قد حمل الخطية أو كان قابلا لها .

† وقال القديس ديديموس الضرير :

  ” أن خطيئة الأبوين الأولين (أدم وحواء) هي الخطيئة القديمة التي طهرنا منها يسوع المسيح في المعموديته 000 أن جميع أولاد آدم ورثوها ، وانتقلت إليهم بالخلفة والتوالد عن طريق المعاشرة الجنسية بين الوالدين ، وهذا هو السبب في أن المسيح ولد من عذراء لم تتلوث أو تتلطخ بها . وبالمعمودية ييطهر الإنسان من الخطيئة الأصلية “(2) .

  عندما خلق الله الإنسان خلقه ” علي صورته ومثاله ” (تك27:1) وذلك في البر والقداسة ، خلقه خاليا من الخطية والخطية ليست أصيلة فيه وإنما دخيلة عليه بغواية الشيطان وبحسد إبليس له(3) .

دخلت الخطية إلى العالم بحسد إبليس وغوايته ولم تكن مخلوقه مع الإنسان ولكنها دخلت إليه من الخارج بعد خليقته علي صورة الله ومثاله ، دخلت إليه بعد غواية آدم وحواء ، دخلت الخطية إلى آدم الذي كان مخلوقا بلا خطية ومن آدم انتقلت الخطية إلى كل الجنس البشري ” كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا أجتاز الموت إلى جميع الناس ذا اخطأ الجميع ” (رو12:5) .  والمسيح هو آدم الثاني ، الذي هو ” الرب من السماء ” (1كو47:15) ، الذي ولد بدون زرع بشر بل من الروح القدس ومن مريم العذراء.

لم تنتقل إليه الخطية من أمه العذراء القديسة مريم التي تطهرت بالروح القدس ، تطهر مستودعها الذي حل فيه اللاهوت وهيأ لنفسه منها جسدا بعمل وفعل وزرع الروح القدس . لم تنتقل إليه الخطية لأنه ولد بدون أب بشري ، لكن ولد من الروح ، ولد خاليا من الخطية ولم يرثها. والخطية لم تدخل إليه من الخارج ولم يكن في الظن أنها تدخل إليه لأنه ولد قدوسا وبارا وبرغم كل ضعفات الجسد إلا أنه لم يكن حاملا للخطية أو قابلا لها علي الإطلاق لاتحاد اللاهوت بالناسوت .

  ولأن المسيح هو الله الظاهر في الجسد ، الذي يحل فيه كل ملء اللاهوت جسديا ، والذي اتحد فيه اللاهوت بالناسوت منذ اللحظة الأولى التي قبلت فيها العذراء بشارة الملاك لها ” هوذا أنا أمة الرب ليكن لي كقولك ” (لو38:1) ، لذا لا يمكن أن يكون فيه خطية أو أن يكون قابلا للخطية بأي حال من الأحوال . فجسده ، ناسوته ، هو جسد الله .

† ” لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه ” (أع20:28) .

† ” لو عرفوا لما صلبوا رب المجد ” (1كو8:2) .

† ” أنا هو الأول والأخر والحي وكنت ميتا وها أنا حي إلى ابد الآبدين “(رؤ11:1) .

  وإذا كان هو الله الظاهر في الجسد ، الكلمة الذي صار جسدا ، وجسده هو جسد الله فلا يمكن أن يخطئ لأن ” الله نور وليس فيه ظلمه البتة ” (1يو5:1) .

† قال القديس اثناسيوس الرسولي :

  ” صار الجسد جسد الإله ، ليس كمساوٍ له في الجوهر ، لأنه ليس أزليا مع الكلمة وإنما ” صار ” معه بالطبيعة جسده دون أن ينفصل اللاهوت عن الناسوت بسبب قوة الاتحاد(4)

† وقال مدافعا عن خلو جسد المسيح من الخطية :

  ” وحيث أن الرب صار إنسانا وأخذ طبيعة إنسان ولم يكن هذا مجرد خيال فلا معني لإثارة موضوع الخطية كاعتراض علي التجسد ، لأن الذي تجسد هو خالق الجسد . أما عن الصراع الكامن في طبيعتنا فهو ما اخترعناه نحن من شرور نبتت من غواية الشيطان الذي علمنا كيف نعصي الله وزرع هذه الغواية في طبيعتنا ، هذا الصراع لا يزال يدور في داخلنا بسبب ضعفنا . أما الرب فقد تجسد دون أن يتخلى عن ألوهيته ، وهو ما يعني أنه لا يوجد فيه صراع داخلي صادر من  الطبيعة القديمة أي إنساننا القديم

فقد صار الرب إنسانا وكان بلا خطية ” وصار بذلك الإنسان الجديد الكامل .. “(5) .

† ويقول القديس كيرلس عمود الدين :

  ” أن الجسد (جسد المسيح) هو الذي نال كمالا عظيما نتيجة اشتراكه مع الكلمة واتحاده به “(6) .

  ” لأن الجسد هو جسده وليس جسد أحد آخر سواه ، هكذا يمنح الكلمة جسده كل ما يخص لاهوته من قوه “(7) .

  ” ولكن علينا أن نلاحظ أنه عندما صار مثلنا قيل عنه أنه رفع معه الجسد إلى مجد الألوهه “(8) .

† وقال الأنبا بولس البوشي :

  ” واتحاد لاهوته غير المدرك بطبيعتنا ، الطبيعة الضعيفة التي قد هلكت فجعلها قويه غالبه الموت ، وقاهره لإبليس وجنوده ” (مقالات الأنبا بولس البوشي : 12) .

 

 

 

(1) يذكر الكتاب أن جميع الناس ، بدون استثناء سقطوا في الخطية ” الجميع زاغوا وفسدوا معا ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد ” (مز3:14 ؛رو12:3) ، وذلك بما فيهم الأنبياء ، فيذكر الكتاب أن نوح قد سكر وتعرى برغم وصفه له بأنه بار وكامل (تك21:9) وإبراهيم كذب على فرعون (تك11:12ـ20) وكذلك أسحق (تك7:26ـ11) ، ويعقوب كذب على أبيه (تك18:27ـ28) ، وكذلك يهوذا ابن يعقوب (تك26:37) ، وموسى قتل المصري (حر11:2ـ15) ، وداود زنى (2صم 11) 00 الخ

(2) كتابه (في الثالوث 12:2) ؛ مع كتاب (أنت المسيح ابن الله جـ 93:7) .

(3) القداس الإلهي مع سفر يشوع بن سيراخ  .

(4) تجسد ربنا يسوع المسيح : 12.

(5) المرجع السابق : 17 .

(6) في سر التجسد .

(7) شرح تجسد : 9 .

(8) السابق : 12 .

هل جسد المسيح حاملا للخطية؟ – سر التجسد

جسد المسيح روحي أزلي أم مادي زمني؟ – سر التجسد

جسد المسيح روحي أزلي أم مادي زمني؟ – سر التجسد

 

جسد المسيح روحي أزلي أم مادي زمني؟ – سر التجسد

 

الفصل الثامن

جسد المسيح روحي أزلي أم مادي زمني؟

وما معنى عبارة

” مولود غير مخلوق ” ؟

 

 س 1 : جسد المسيح ؛ هل هو روحي أزلي أم مادي زمني ؟

  ونقول في قانون الإيمان النيقاوي ” نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور نور من نور إله حق من إله حق ، مولود غير مخلوق ” ، فما معني عبارة ” مولود غير مخلوق ” ؟

& أولا : جسد المسيح وهل هو روحي أم مادي ، أزلي أم زمني :

  قلنا إن المسيح كإله ، بلاهوته ، صورة الله غير المنظور ، بهاء مجد الله الآب ورسم جوهره ،  قوه الله وحكمة الله ، انه الله ناطقا عقل الله الناطق ، الله معنا ، الله الظاهر في الجسد ، الإله القدير ، الكائن على الكل الإله المبارك ، الإله الواحد ، الإله العظيم ، رب المجد ، رب الأرباب ، رب الكل (العالمين) ، وقلنا أن ” الله روح ” (يو24:4) ، و ” أما الرب فهو الروح ” (كو7:3) ، والروح كما يقول الرب يسوع المسيح ” ليس له لحم وعظام ” (لو39:24) ، فهو بسيط وغير مركب ، انه ” نور و ” ساكن في نور لا يدني منه ” (1تي16:6) ، وغير مرئي وغير مدرك بالحواس .

  أما جسد المسيح ، المسيح كإنسان ، بناسوته ، فهو كما ذكر الكتاب مكون من لحم ودم وعظام ونفس إنسانية وروح إنسانية ، مولود من مريم العذراء وقد تكون في أحشائها ومن أحشائها ، هيأ لنفسه منها جسدا ” فلذلك يقول عند دخوله إلى العالم :

ذبيحة وقربانا لم ترد ولكن هيأت لي جسدا ” (عب5:10) ، اعد الجسد داخل أحشائها من لحمها ودمها ، حل الروح القدس عليها وطهر أحشاءها ، حل اللاهوت ، الكلمة في بطن العذراء وهيأ لنفسه جسدا منها ، من لحمها ودمها ، فهو ثمرة بطنها  المولود منها بقوة الروح القدس : ” أن الابن ( اللوجوس ) قد حل في بطن القديسة العذراء ، وأخذ له ناسوتا منها ثم ولدته “(1) .

  انه آدم الثاني ، الإنسان الكامل المولود بغير زرع بشر ، انه من نفس جبلتنا فقد أخذ من لحم ودم مريم العذراء المجبولة من نسل آدم . انه من جنسنا .

† ” من ثم كان ينبغي انه يشبه اخوته في كل شئ ” (عب17:2) انه مولود من مريم العذراء فهو كإنسان ابن مريم وابن داود وابن إبراهيم .

† ولد في ملء الزمان ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة ” (غل4:4) .  

† وبالتالي فالمولود من البشر هو بشر أو كما قال السيد نفسه : ” المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح ” (يو5:3) ، والمولود من المادة هو مادة ، والمولود من الزمني هو زمني ، فالجسد المولود من العذراء هو من لحمها ودمها ومن نفس جوهرها وطبيعتها كإنسان ، انه كإنسان من نفس طبيعتنا وجنسنا وجوهرنا ، من نفس طبيعة العذراء وجوهرها ، مولود منهما فهو ثمرة بطنها . وهو كإنسان شابهنا في كل شئ من لحم ودم وعظام وروح إنسانية عاقلة ونفس إنسانية . انه مولود من العذراء وكإنسان بدأ في العذراء وتكون منها وفيها وكإنسان حبلت به وكإنسان ولد منها وهو ابنها .

  قبل التجسد كان اللاهوت ولم يكن الناسوت ، وقبل العذراء مريم لم يكن للناسوت أي وجود وإنما وجد بعد وجودها لأنه منها . والعذراء مجبولة ، فهو مجبول من العذراء ، والعذراء حادثة زمنية مخلوقه وهو مولود منها ، حبلت به وولدته ورضع من لبنها ودعي ابنها ، ابن مريم ، مع انه الموجود منذ الأزل بلاهوته فقد كان بلاهوته منذ الأزل ، فهو الله الدائم الوجود ، الأبدي الأزلي ، غير الزمني ، الذي بلا بداية وبلا نهاية . 

† قال القديس أثناسيوس الرسولي موضحا جوهر وطبيعة ناسوت المسيح ، المسيح بناسوته ، المسيح كإنسان في كتابه تجسد الكلمة :

  ” ولكنه اتخذ جسدا من جنسنا 000، وليس ذلك فحسب ، بل من عذراء طاهرة وبلا لوم ، لم تعرف رجلا ، جسدا طاهرا وخاليا بالحق من زرع البشر . لأنه بالحق هو القادر عل كل شيء ، وبارئ كل شيء ، أعد الجسد في العذراء كهيكل له ، وجعله جسده بالذات ، وأتخذه أداه له وفيه أعلن ذاته ، وفيه حل(2) .

† ” وهكذا إذ اخذ جسدا  من أجسادنا جسدا مماثلا لطبيعتها “(3) .

† ” فقد اخذ لنفسه جسدا لا يختلف عن جسدنا “(4) .

† ” وإذ رأى ” الكلمة ” أن فساد البشرية لا يمكن أن يبطل إلا بالموت كشرط لازم ، وأنه مستحيل أن يتحمل الكلمة ” الموت لأنه غير مائت ولأنه ابن الآب ، لهذا اخذ لنفسه جسدا قابلا للموت حتى باتحاده بالكلمة ، الذي هو فوق الكل ، يكون جديرا أن يموت نيابة عن الكل(5) .

† ” فأنه إذ أتى إلى عالمنا ، واتخذ أقامته في جسد واحد بين أترابه “(6) .

† ” لهذا إذ ابتغي منفعة البشر كان طبيعيا أن يأتي إلينا كإنسان أخذا لنفسه جسداً كسائر البشر ، ليعلمهم الأمور الأرضية  ـ أي بأعمال جسده “(7) .

† ” وما دام الجسد قد اشترك في ذات الطبيعة مع الجميع لأنه كان جسدا بشريا وان كان قد اخذ من عذراء فقط بمعجزه فريدة ، فكان لابد أن يموت أيضا كسائر البشر نظرائه ، لأنه كان جسدا قابلا للموت . ولكنه بفضل اتحاده ” بالكلمة ” لم يعد خاضعا للفساد بمقتضى طبيعته ، بل خرج عن دائرة الفساد بسبب الكلمة الذي أتى ليحل فيه(8).    

† وجاء في رسالته إلى ادلفوس :

  ” لأنه إن كان الجسد في حد ذاته هو جزء من عالم المخلوقات لكنه صار جسد الله “(9) .

  و ” لذلك فانه عند اكتمال الدهور أيضا فقد لبس هو نفسه ما هو مخلوق ( أي الجسد ) لكي يجدده مره أخري بنفسه كخالق ، ولكي يستطيع أن يقيمه “(10).

† وجاء في رسالته ابكتيتوس :

  ” العذراء هي التي ولدته . وجبرائيل حمل إليها البشارة بيقين كامل ولم يقل مجرد ” المولود فيك ” حتى لا يظن أن الجسد غريب عنها ومجلوب إليها من الخارج ، بل قال ” المولود منك ” لكي يعتقد الجميع أن المولود خارج منها . إذ أن الطبيعة تبين هذا بوضوح ، فمن المستحيل على عذراء أن تدر لبنا أن لم تكن قد ولدت . ومن المستحيل أن الجسد يتغذى باللبن ويقمط أن لم يكن قد ولد بصورة طبيعية قبل ذلك “(11).

† ” وهكذا فان المولود من مريم هو بشري بالطبيعة ، بحسب الكتب الإلهية ، وأن

جسده جسد حقيقي ، وهو حقيقي لأنه نفس جسدنا ، حيث أن مريم هي أمنا ، لأننا نحن جميعا ( هي ونحن ) أيضا من آدم “(12).

† ” أن الجسد الذي كان فيه الكلمة لم يكن من نفس جوهر اللاهوت ، بل هو حقا مولود من مريم ، والكلمة نفسه لم يتحول إلى عظام ولحم ، بل قد صار في الجسد 000 أنه صار جسدا لا بتحوله إلى جسد بل باتخاذه جسدا حيا من أجلنا ، وصار إنسانا 000 وبما أن هذا هو معنى النص المشار إليه ، فانهم يدينون أنفسهم أولئك الذين يظنون أن الجسد المولود من (مريم) كان موجودا قبل مريم ، وأن الكلمة كان له نفس بشرية قبلها (قبل مريم) “(13) .

† وجاء في كتاب تجسد ربنا يسوع المسيح والمنسوب إلى القديس اثناسيوس : ” لقد تم اتحاد لاهوت كلمه الله بالناسوت في أحشاء القديسة مريم ، عندما نزل الكلمة من السماء ، أي أن الناسوت لم يكن له وجود قبل نزول الكلمة وتجسده ، بل لم يكن للناسوت أي وجود حتى قبل وجود مريم والده الإله التي ولدت من آدم “(14).

† ” أما هؤلاء الذين نفند آراءهم ( الهراطقة ، المبتدعون ) فهم يتوهمون أن الكلمة متغير أو يفترضون أن تدبير الآلام هو غير حقيقي ولم يحدث ، لأنهم يطلقون علي جسد المسيح أوصافا مثل ” غير مخلوق ” و ” سمائي ” و أحيانا يقولون أن الجسد ” من ذات جوهر اللاهوت “(15) .

† وقال القديس كيرلس عمود الدين في شرح تجسد الابن الوحيد :

  ” وإذا كان هناك أحد ما يتجرأ أو يعلم بأن الجسد الترابي (أي مريم العذراء) هو الذي ولد الطبيعة الإلهية غير الجسدانية ، أو أن العذراء حبلت بالطبيعة التي هي فوق كل الخليقة ، فان هذا هو الجنون بعينه ، لان الطبيعة الإلهية ليست من تراب الأرض حتى تولد منه (من التراب ولا تلك الخاضعة للفساد تصبح أما لعدم الموت ولا تلك الخاضعة للموت تلد الذي هو حياه الكل ، ولا غير المادي يصبح ثمره للجسد الذي بطبيعته خاضع للميلاد وله ابتداء في الزمان ، الجسد لا يمكنه أن يلد الذي لا بداية له 000 هكذا الكلمة هو الله لكنه تجسد أيضا وولد حسب الجسد وبطريقه بشرية ، لذلك تدعي التي ولدته والدة الإله “(16) .

† وأيضا ” لأنه عندما تجسد أخذ جسدا ارضيا من تراب الأرض ، ولذلك قيل انه مات به (الجسد) مثلنا ، رغم انه بطبيعته هو الحياة “(17) .

† وقال في تفسير يوحنا ؛ ” لم يكن (جسد المسيح) خيالا أو شبحا استتر في شكل بشري ، أو كما يدعي البعض جسدا روحيا من مادة خاصة أثيرية مختلفة تماما عن الجسد الذي علق علي الصليب ، وهذا ما يفهمه البعض من تعبير ” الجسد الروحي(18)(19) ، ” لأنه كيف ، وبأي وسيلة يمكن لأثار المسامير والجروح وتناول الطعام المادي أن تنسب لروح عارية من الجسد ؟ كل هذه الأمور تناسب الجسد وأحواله وحده . وما فعله المسيح لا يعطي الفرصة لأحد لكي يعتقد أن المسيح قام (من الأموات روحا فقط) ، أو أن جسده كان خيالا أو جسدا أثيريا ، وهو ما يطلق عليه البعض اسم الجسد الروحي “(20) .

† وقال في تفسير أمثال 23:8 ؛ ” لبس جسدنا كما لو كان من الأرض “(21) .

† وقال تعليقا علي أمثال 1:9 ؛  ” لقد صار بيتا للحكمة ، مبنيا بها ، هذا الجسد العادي المولود من القديسة العذراء “(22) .

† وهاجم القديس اعناطيوس في أواخر القرن الأول  الذين أنكروا بشرية جسد المسيح وقالوا انه كان شبه أو خيال وانه لم يتألم بالحقيقة كبشر ولكن شبه لهم :

  ” إذا كان يسوع المسيح ـ كما زعم الذين بلا اله ، أي الملحدين ـ لم يتألم إلا في الظاهر 000 فلماذا أنا مكبل بالحديد لماذا أتوق إلى مجابهة الوحوش ؟ “(23) .

† وقال اغريغوريوس النيزنزي في رسالة إلى كليدونيوس ضد ابوليناريوس : ” وإذ قال أحد أن جسده جاء من السماء وليس من هنا أو منا (نحن) علي الرغم من انه فوقنا فليكن محروما ، لان الكلمات : ” الإنسان الثاني الرب من السماء ” (1كو47:15) وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضا (1كو48:15) ” ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء ” (يو13:3) وما شابه ذلك تفهم باعتبار الاتحاد مع السماوي حتى أن كل الأشياء خلقت بالمسيح والمسيح يحل في قلوبكم “(24) .

† قال البابا تاودوسيوس البطريرك الـ 23(528 ـ 559م) :

  ” وإذا المسيح خرج من زرع داود وأخذ شبهنا في كل شئ ما خلا الخطية فنحن اخوته بحق كما نص الرسول “(25) .

† وقال البابا بنيامين البطريرك الـ 38 (617 ـ 656م) :

  ” الذي هو الله الكلمة صار جسدا بأقنومه وحده بدون افتراق ولا اختلاط من جسد ودم والده الإله مريم المقدسة التي هي عذراء في كل زمان . جسدا مساويا لنا متألما له نفس عاقلة ناطقة “(26) .

† وقال يوحنا الدمشقي :

  ” تم التجسد الإلهي علي أثر التبشير 000 إذ بعد إن قبلت العذراء القديسة (بشارة الملاك لها) حل الروح القدس عليها 000 فطهرها ومنحها أيضا قوة استيعاب لاهوت الكلمة مع ولادته . وللحال ظللتها حكمه الله العلي وقوته 000 فاستخلص لذاته من دمائها النقية الجزيلة الطهارة جسدا حيا ، نفساً ناطقة عاقلة 000 لم يتحد بجسم له أقنومه قائم في ذاته بل أنه لما حل في أحشاء العذراء القديسة وهو غير محصور في أقنومه ـ قد أقام له جسدا حيا ذا نفس ناطقة وعاقلة ، وذلك من انقي دماء الدائمة البتولية “(27) .

† وقال البابا مقار الـ 59 (923ـ 943م) :

  ” بمشيئة الآب وفعل الروح القدس ومن مريم الطاهرة حين ناداها رئيس الملائكة جبرائيل فحبلت من ثم بالكلمة المتأنس تسعه شهور تامة وولدت بأمر عجيب 000 وهكذا ولد من العذراء “(28) .

† وقال البابا مينا الثاني الـ 61 (948 ـ 966م) :

  ” نزل إلينا بدون مفارقة حصن أبيه وانفصاله عن جوهره وحل في بطن العذراء البتول : وإنما صنع له جسما بشريا من الروح القدس ومن دمائها الطاهرة بنفس ناطقة عاقلة من نسل إبراهيم ولذلك صار الكلمة لحما 00 “(29) .

† وقال ساويرس ابن المقفع أسقف الاشمونين :

 ” انه تراءى وظهر لنا في آخر الزمان في جسد خلقه من جسم العذراء مريم “(30).

† قال الأنبا بولس البوشي في ميمر له علي الميلاد :

  ” المولود من الآب قبل الدهور ميلادا أزليا بلا ابتداء لا يدرك ولا يحد له زمان ولد اليوم للخلاص ” .

† وجاء في مذكرة طبيعة المسيح لقداسه البابا شنوده الثالث :

  ” الطبيعة اللاهوتية (الله الكلمة) اتحدت بالطبيعة الناسوتية التي أخذها الكلمة (اللوجوس) من العذراء مريم بعمل الروح القدس . الروح القدس طهر وقدس مستودع العذراء طهارة كاملة حتى لا يرث المولود منها شيئا من الخطية الأصلية ، وكون من دمائها جسدا اتحد به ابن الله الوحيد وقد تم هذا الاتحاد منذ اللحظة الأولى للحبل المقدس في رحم السيدة العذراء “(31) .

† وجاء في كتاب أنت المسيح ابن الله الحي للأنبا أغريغوريوس ردا علي سؤال ” هل جسد المسيح مخلوق ؟ ” . ” أقول نعم أن الجسد من حيث هو جسد ، مخلوق ، وقد تكون بالروح القدس من مريم العذراء ، من دمها ولحمها 00 فلذلك يقول عند دخوله إلى العالم : ذبيحة وتقدمه لم تشأ ولكن هيأت لي جسدا “(32) .

  ” ومع ذلك بعد التجسد لا نجرؤ علي أن نفصل بين ناسوت المسيح ولاهوته لأنهما منذ التجسد قد اتحدا بغير افتراق ولا انفصال ولا يجوز بتاتا أن نميز أو نفصل بين اللاهوت والناسوت أو نفرق بينهما وإذا فصلنا بين خصائص الناسوت وخصائص اللاهوت نفصل بين الخصائص فصلا ذهنيا بينهما بعد الاتحاد ، لأنه اتحاد كامل لا يقبل الانفصال أو الافتراق “(33)

& ثانيا : مولود غير مخلوق :

E س 2 : إذا ما معني عبارة ” مولود غير مخلوق ؟ “

  عبارة ” مولود غير مخلوق ” تخص اللاهوت ، الطبيعة الإلهية فالمسيح من حيث هو اله ، من حيث لاهوته ، فهو مولود من الآب قبل الأزمان ولادة لا مادية ولا حسية ، فهو نطق الله الذاتي وعقله الناطق يصدر من ذات الآب بالولادة بلا انفصال ، بولادة روحيه فوق الجنس والحس والعقل والإدراك في كامل التنزيه والتجريد والتوحيد ، يصدر من ذاته وفي ذاته ، فهو عقل الله ناطق ، الله ناطقا ، كلمه الله وقوة الله وحكمة الله ورسم جوهره .

  انه مولود غير مخلوق ” من حيث هو كلمة الله ، وكلمة الله مولود من الآب ” ، ” أنت ابني أنا اليوم ولدتك ” (مز7:2) ، فهو كلمة الله الذي هو الله نفسه : ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة (هو) الله ” (يو1:1) .

  وعبارة ” مولود غير مخلوق ” وردت في قانون الإيمان الذي صدر عن مجمع نيقية سنه 325م ، والذي رد بها علي بدعة اريوس الذي أنكر أزلية المسيح وولادته من ذات الآب كابن الله وكلمة الله ونطقه الذاتي العاقل وقال انه مخلوق وموجود قبل الزمان وقبل العالم ومتميز عن الآب وهو حسب اعتقاد اريوس كائن متوسط بين الآب والعالم ، ورفض فكرة ولادة الابن والكلمة من ذات الله واعتبر أن الولادة لا تتفق مع روحانية الله لان الولادة تقتضي المادية كما تقتضي الشهوة الجنسية والتغير ، ورفض أن يكون الابن من جوهر الآب أو أن يكون صادرا منه وإنما قال أن الابن وجد بعملية خارجية محدودة أو بفعل صادر عن أراده الآب .

  وهو بهذا يتجاهل أقوال وإعلانات الكتاب المقدس عن أزلية المسيح وكونه الله ذاته ، الله الكلمة ، عقل الله ونطقه العاقل وكلمة الله المولود منه ولادة روحية لا حسية ولا مادية وانه ” مساو للآب في الجوهر ” لأنه صورة الله غير المنظور المساوي الله لأنه هو الله . انه ابن الله ، كلمته المولود منه بلا بداية ولا انفصال .

† ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله ” (يو1:1) .

† ” أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الإله الكائن والذي كان والذي يأتي ” (رؤ8:1) .

† ” أنا هو الألف والياء . الأول والأخر ” (رؤ11:1) .

† ” أنا الألف والياء الأول والأخر . البداية والنهاية ” (رؤ13:22) .

† ” ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (مي5:2) .

† ” الكل به وله قد خلق وهو قبل كل شئ وفيه يقوم الكل ” (كو17:1) .

  انه البدء ومبدىء الحياة ، الله ، الأزلي الأبدي ، الذي بلا بداية وبلا نهاية ، الدائم الوجود ، غير الزمني ، الذي لا يحد . ولم يكن هناك وقت لم يكن ، فهو كلمة الله

الذاتي الذي لا يحد . ولم يكن هناك وقت لم يكن فيه ، فهو كلمة الله الذاتي الأزلي ولم يكن هناك وقت كان الله فيه بدون عقله وكلمته ” منذ وجوده أنا هناك ” (اش16:48) .

† قال القديس امبروسيوس :

  ” الابن هو قبل الزمن وخالقه ولا يمكن أن يكون قد بدأ في الوجود بعد خليقته “(34).

† وقال القديس اثناسيوس الرسولي :

  ” كلمته أزلي وهو ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور ، نور من نور اله حق من اله حق ، مساو للآب في الجوهر الذي به كان كل شئ ولم يكن قبل وجوده زمان ولا بدء له 000 قبل كل الدهور كلها وليس بمكون ولا كان من بعد أن لم يكن “(35) .

  وقد جاء نص قانون الإيمان النيقاوي الذي رد فيه علي إنكار اريوس لأزلية المسيح هكذا :

  ” نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد ، المولود من الآب قبل كل الدهور ، نور من نور اله حق من اله حق ، مولود غير مخلوق مساو للآب في الجوهر ، الذي به كان كل شئ الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس ” .

  واضح هنا انه مولود من الآب قبل كل الدهور كإله ، كالله الكلمة ، بلاهوته وان ولادته من الآب هي المقصود بها انه مولود غير مخلوق ، مولود من ذات جوهر الآب بلا انفصال وليس مخلوق كما قال أريوس ، وانه مساو للآب في الجوهر أو واحد مع الآب في الجوهر كما قال ” أنا والآب واحد ” (يو30:10) ” كل ما للآب هو لي ” (يو15:16) و ” من رآني فقد رأي الآب أنا في الآب والآب فيّ ” (يو9:14،10) . 

  والملاحظ في تسلسل قانون الإيمان انه يتكلم عنه كإله أولا ، مولود من الآب قبل كل الأزمان وليس مخلوق وانه خالق كل شئ ثم يحدث عن تجسده أو ميلاده من العذراء في ” ملء الزمان ” تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس ” .

  فالمسيح له ميلادان ، ميلاد أزلي من ذات الله الآب وفي ذاته بلا انفصال ” الابن الوحيد الذي في حضن الآب (يو18:1) ، فهو كلمة الله ونطقه العاقل ، الله الكلمة ، الله ناطقا ، وميلاد زمني من مريم العذراء في ملء الزمان الذي هو تجسده ، ميلاد أزلي دائم وغير منفصل وهو الذي يعبر عنه قانون الإيمان بقوله : ” مولود غير مخلوق ” ، وميلاد زمني له بداية ، حادث ويعبر عنه قانون الإيمان بالقول : ” نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس ” ، فهو أزلي زمني في آن واحد ، أزلي كإله ، باعتبار لاهوته وزمني كإنسان باعتبار ناسوته 

† قال القديس كيرلس الإسكندري :    

  ” أن المسيح الواحد هو عينه الابن الوحيد المولود من الآب . وهو ذاته البكر بين أخوه كثيرين . هو عينه أزلي كإله ، وهو ذاته مولود في الزمان جسديا . هو ذاته قدوس حسبما هو اله ، وهو ذاته تقدس معنا لما طهر أنسانا “(36) .

(1) طبيعة المسيح لقداسة البابا شنوده الثالث ص 9 .

 

(2) تجسد الكلمة ف3:8 .

(3) السابق ف 4:8 .

(4) السابق ف 2:8 .

(5) السابق ف 1:9 .

(6) السابق ف 4:9 .

(7) السابق ف 8:14 .

(8) السابق ف 4:20 .

(9) الرسالة إلى أدلفوس : 3 .

(10) السابق : 8 .

(11) الرسالة إلى أبيكتيتوس : 5 .

(12) إلى أبيكتيتوس : 7 .

(13) إلى أبيكتيتوس : 8 .

(14) الفصل الرابع .

(15) الفصل الثاني .

(16) الفصل الثامن والعشرون .

(17) الفصل السادس الثلاثون .

(18) تعبير نادى به وظهر في الأوساط الغنوسية في القرنين الأول والثاني للميلاد ، ويبدوا أنه ظل سائدا حتى القرن الرابع الميلادي .

(19) تفسيره ليوحنا 24:20،25 .

(20) السابق 28:20 .

(21) في سر التجسد 29 .

(22) السابق 29 .

(23) رسالته إلى ترالس : 10 .

(24) To Cledonius

(25) الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة جـ 1 : 41 .

(26) اعترافات الآباء .

(27) المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي : 46 .

(28) اعترافات الآباء .

(29) السابق .

(30) مصباح العقل 5 : 15 .

(31) اللاهوت المقارن جـ 2 ؛ وطبيعة المسيح ص 1 .

(32) أنت المسيح ابن الله الحي جـ 7 : 74 .

(33) السابق .

(34) The  ch.  F . 58 .

(35) كمال البرهان ص 59 .

(36) علم اللاهوت للقمص ميخائيل مينا جـ 1 : 355 .

 

جسد المسيح روحي أزلي أم مادي زمني؟ – سر التجسد

جسد المسيح من السماء أم من العذراء؟ – سر التجسد

جسد المسيح من السماء أم من العذراء؟ – سر التجسد

 

جسد المسيح من السماء أم من العذراء؟ – سر التجسد

 

الفصل السابع

جسد المسيح من السماء أم من العذراء؟

 

 س 1 : إذا كان كلمة الله لم يتحول إلى جسد بل اتخذ جسدا ، فهل كان جسده حقيقيا أم شبه جسد (هيئة جسد) ؟

& أولا : جسد حقيقي من مريم العذراء :

 يقول الكتاب ” لكنه أخلى نفسه اخدا صورة عبد ” (في7:2) ، اتخذ الكلمة جسدا حقيقيا ، حبلت به العذراء ، تكون من لحمها ودمها داخل أحشائها ثم ولدته فكان هو وليدها وثمرة بطنها ، أبنها المولود منها والذي حبلت به تسعه أشهر ، ونما داخل أحشائها بقول الكتاب :

  تنبأ اشعياء النبي بالروح القدس قائلا :

† ” ها العذراء تحبل وتلد ابنا ” (اش14:7) تحبل وتلد .

† ” لأنه يولد لنا ولد ونعطي ابنا ” (اش6:9) يولد 00 ولد .

  وقال الملاك جبرائيل للعذراء :

† ” وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا ” (لو31:1) ، تحبل وتلد .

† ” أيضا القدوس المولود منك ” (لو35:1) ، مولود منها . أي من أحشائها .

  وقالت القديسة اليصابات للعذراء مريم بالروح القدس :

† ” مباركه أنت في النساء ومباركة هي ثمرة بطنك ” (لو42:1) ، ثمرة بطنها .

  وقال القديس بولس :

† ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة ، مولودا تحت الناموس

† ” (غل4:4) ، مولودا من العذراء .

† ” ومنهم (بنو إسرائيل) المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلها مباركا إلى الأبد آمين ” (رو5:9) ، من إسرائيل بحسب الجسد .

† ” فإذ كان (داود) نبيا وعلم أن الله حلف له بقسم انه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه ” (أع30:2) ، من ثمرة صلب داود حسب الجسد .

  وقد استخدم الكتاب هنا كلمة ” مولودا (εγένετο egeneto ) وهي نفس الكلمة التي استخدامها في الإنجيل للقديس يوحنا ” والكلمة صار ” ، أي ” صائرا من امرأة ” و ” صائرا تحت الناموس ” . وكما تعني عبارة ” صار جسدا ” انه اتخذ جسدا حقيقيا ، هكذا ، أيضا ، تعني عبارة ” صائرا من امرأة ” انه اخذ جسده حقيقة من المرأة ، فهو ” نسل المرأة ” الذي وعد الله انه ” يسحق رأس الحية ” (تك15:3) ، فهو مولود المرأة ، العذراء ، وثمرة بطنها ، حبلت به مثل سائر المواليد ولما ” تمت أيامها لتلد ” (لو7:2) ولدته وخرج من رحمها الذي تكون فيه ومنه ونما فيه ، وكان هو ابنها البكر والوحيد (لو6:2) الذي حبلت به من الروح القدس وبدون زرع بشر ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك القدوس المولود منك يدعي ابن الله ” (لو35:1) .

  اتخذ جسدا حقيقيا لم يأت به من السماء ولم يكن مجرد شبه أو خيال أو هيئه البشر دون أن يكون بشرا حقيقيا ، إنما هو جسد حقيقي تكون من أحشاء العذراء مريم ونما في رحمها . انه جسد من لحم ودم وعظام ، كما يقول الكتاب :

† ” إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما 000 من ثم كان ينبغي أن يشبه اخوته في كل شئ ” (عب14:2،15) .

  قال الرب يسوع المسيح نفسه لتلاميذه بعد القيامة :

† ” جسّوني وانظروا فان الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي ” (لو339:24) .

†  وتنبأ المرنم أن عظامه ستظل سليمة عند صلبه وموته ولن تكسر :

† ” يحفظ جميع عظامه وواحدة منها لا تنكسر ” (مز20:34) .

  وأكد القديس يوحنا الإنجيلي بالروح إتمام ذلك :

† ” ليتم الكتاب القائل عظم لا يكسر منه ” (يو23:19-36) .

  انه اتخذ جسدا حقيقيا مكون من لحم ودم وعظام وبالتالي فقد كان كاملا من الناحية الفسيولوجية (الجسمية) ، فكان يجوع ويعطش ويأكل ويشرب ويتعب وينام ويتألم ، فبعد أن صام أربعين يوم وأربعين ليله ” جاع أخيرا ” (مت2:4) وأيضا ” جاع ” (مت21:11) بعد أن خرج مع التلاميذ من بيت عنيا ، وعطش علي الصليب وقال ” أنا عطشان ” (يو28:19) ، وذلك لفقدانه لكمية كبيره من الدم والسوائل من جسده علي الصليب . وكان يأكل ويشرب ، ومن ابرز ما يذكره الكتاب هو أكله مع تلاميذه الفصح (لو15:22) ، وأكله معهم ” سمكاً مشوياً وشيئا من شهد العسل ” (لو42:24،43) بعد القيامة .

  وأكل في بيت لعازر ومريم ومرثا (يو1:12،2) ، وفي بيت متي العشار (مت9:9-11) الذي صار له تلميذا ورسولا وإنجيليا . وأكل في بيت سمعان الفريسي حتى اتهمه الكتبة والفريسيون انه ” أكول وشريب ” (مت19:11) ، وانه ” يأكل ويشرب مع العشارين والخطاة ” (مر16:2؛لو2:15) ، وطلب من السامرية أن تعطيه ليشرب ” اعطني لأشرب ” ( يو7:4) ، وقال هو عن نفسه ” جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب ” (لو34:7) ، ونام علي ظهر السفينة وأيقظه تلاميذه (مر38:4-40 )(1) .

  كما تعب وجلس علي بئر يعقوب (يو6:4) وأنّ (مر43:7) وتألم ومات علي الصليب (يو19) . وكذلك أيضا كان يفرح ويتهلل ويحزن ويبكي ، أي كان كاملا من الناحية السيكولوجية (النفسية) ، فقد بكي علي قبر لعازر (يو35:11) ، كما بكي علي أورشليم (لو41:19) ، كما حزن حزنا شديدا في البستان ” ابتدأ يحزن ويكتئب ” (مت37:26) ، ” ابتدأ يدهش ويكتئب ” (مر33:14) ، ” وقال لهم نفسي حزينة جدا حتى الموت ” (مت38:26) وفرح قبل إقامة لعازر وقال لتلاميذه ” وأنا افرح لأجلكم ” (يو15:11) ، وتهلل بعد عودة السبعين رسولا من إرساليتهم ” تهلل يسوع بالروح ” (لو21:10) .  وهكذا يقول الكتاب : ” كان ينبغي أن يشبه أخوته في كل شئ ” (عب17:2) .

  كما جرب من إبليس (مت1:4-3) ، وانتصر عليه وجاءت ملائكته لتخدمه (مت11:4) ، كما جربه الكهنة والكتبة والفريسيون مرات عديدة لكي يوقعوا به أمام اليهود فيظهرونه وكأنه مجدف وناقض لناموس موسى أو لكي يوقعوا به في قبضة الرومان كثائر ضد الاستعمار الروماني لفلسطين (مت1:16) . وكثيرا ما كان يقول لهم ” لماذا تجربوني ” (مت18:22) ، ” لماذا تجربوني يا مرأون ” (مر15:12) ، وكان دائما يجتاز التجربة بقوه وعظمة وان كانت تترك أثرا نفسيا عليه فقد جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله (يو11:1) .

  قال بولس الرسول بالروح ” لأن ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي لضعفاتنا بل مجرب في كل شئ مثلنا بلا خطيه ” (عب15:4) .

& ثانيا : أباء الكنيسة وميلاد المسيح من العذراء :

  وقد أدرك أباء الكنيسة منذ بدء المسيحية حقيقة كمال ناسوت المسيح وحقيقة ميلاده ، متجسدا من العذراء مريم وحتمية ذلك ودافعوا ضد الذين قالوا أن جسده خيالا ، مثل الغنوسيين الذين هاجمهم القديس يوحنا قائلا :

† ” كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله . وكل روح لا يعترف بالمسيح انه قد جاء في الجسد فليس من الله . وهذا هو روح ضد المسيح ” (1يو2:4-3) . 

† وأيضا ” لأنه قد دخل إلى العالم مضلون كثيرون لا يعترفون بيسوع المسيح آتيا في الجسد . هذا هو المضل والضد للمسيح ” (2يو7) .

  وسار علي نهجه تلميذه القديس بوليكاريوس الذي قال مستخدما نفس عباراته :

  ” كل  من لا يعترف بان يسوع المسيح قد جاء في الجسد هو ضد المسيح “(2) .

† وقال القديس اعناطيوس الإنطاكي :

  ” المسيح يسوع الذي من نسل داود والمولود من مريم الذي ولد حقا وأكل حقا

وشرب حقا وصلب حقا علي عهد بيلاطس البنطي ومات حقا “(3) .

† وقال القديس ايريناؤس أسقف ليون : 

  ” إن لم يكن المسيح إنسانا حقا وإلها حقا لأصبح خلاصنا مستحيلاً وعندما جاء المسيح إلى عالمنا مخلصا أخذ جسدا حقيقيا كأجسادنا لأن الرسول يقول : ” والكلمة صار جسدا “(4) .

  وقال أيضا ” أن المسيح آدم الأخير كان لحما ودما من دمنا كان إنسانا بكل ما تحمله الكلمة من معني(5) .

† وقال ميليتوس أسقف ساردس في القرن الثاني :

  ” فهوذا المسيح ” الذي صار جسدا في بطن العذراء والذي لم تكسر عظامه علي الخشبة “(6) .

† وقال اكلمندس الإسكندري :

  ” بعملية التجسد أصبح الابن منظورا ومدركا في خير الأشياء التي نراها والتي ندركها بحواسنا(7) .

† وقال يوستينوس الشهيد في حواره مع تريفو اليهودي :

  ” من البديهي لدي جميع الناس إن لا أحد من جنس إبراهيم حسب الجسد قد ولد من عذراء ، ولم يقل أبدا عن أحد انه ولد من عذراء ، إلا عن المسيح . وقيل عنه ” ها العذراء تحبل وتلد ابنا ” لأنه إن لم يكن المولود من العذراء هو ذلك الذي يتكلم عنه اشعياء النبي فمن الذي قال عنه الروح القدس : ” ولكن يعطيكم السيد نفسه آيه 000 ” ولكن الآية الحقيقية التي صارت سببا لرجاء الجنس البشري ، هي أن بكر كل الخليقة صار جسدا من الحشا البتولي وولد “(8) .

† وقال القديس اثناسيوس الرسولي :

  ” كانت مريم في الحقيقة مفترضة من قبل . ليأخذ الكلمة منها (جسدا) ويقدمه من أجلنا كذاته 000 أنها ولدته ، وأنها ” قمطته ” ولذلك فان الثديين اللذين رضعهما يعتبران مباركين . وقد قدم ذبيحة . لأنه بولادته فتح الرحم وهذه كلها براهين علي أن العذراء هي التي ولدته .

  وجبرائيل حمل إليها البشارة بيقين كامل ولم يقل مجرد ” المولود فيك ” ، حتى لا يظن أن الجسد غريب عنها ومجلوب إليها من الخارج ، بل قال ” المولود منك ” لكي يعتقد الجميع أن المولود خارج منها . إذ ان الطبيعة تبين هذا بوضوح ، فمن المستحيل علي عذراء تدر لبنا إن لم تكن قد ولدت . ومن المستحيل أن الجسد يتغذى باللبن ويقمط أن لم يكن قد ولد بصوره طبيعية قبل ذلك “(9) .

& ثالثا : الإنسانية الكاملة :

  كان كاملا في ناسوته ، إنسانيته ، إذ قد تكون جسده من لحم ودم وعظام وأيضا من روح ونفس . أي كان جسدا كاملا بنفس وروح إنسانية عاقلة . وقد استخدم الكتاب في النصوص والآيات الدالة علي تجسده اتخاذه جسدا ، كلمه ” σαρζ – sarx ” ، أي جسد flesh ، الطبيعة البشرية . فقد استخدم الكتاب عبارات : ” صار جسدا ” ، ” في الجسد ” ، ” من جهة الجسد ” ، ” حسب الجسد ” للتعبير عن تجسده واتخاذه ، الجسد الكامل أو الإنسانية الكاملة ” والكلمة صار جسدا ” (يو14:1).

† الله حلف (لداود) ” بقسم انه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ” σαρζ – sarx ” (أع30:2) .

† ” الذي صار من نسل داود حسب الجسد ” ” σαρζ – sarx ” (رو3:1) .

† ” الذي إذا أرسل ابنه في شبه جسد ” σαρζ – sarx ” الخطية ” (رو3:8) .

† ” ومنهم ( نسل إبراهيم ) المسيح حسب الجسد ” σαρζ – sarx ” (ررو5:9) .

† ” وان كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد ” σαρζ – sarx ” (2كو16:5) .

† ” قد صالحكم الآن في جسم (σώματι – swma) بشريته (σαρκός της – Tis sarxos ) (كو21:1-22) . 

† ” مماتا في الجسد ” σαρζ – sarx ” (1بط18:3) .

† ” تألم المسيح لأجلنا في الجسد ” σαρζ – sarx ” (1بط1:4) .

  وكلمة ” σαρζ – sarx ” يقابلها في العبرية كلمة ” بسر – basar “(10) ، أي إنسان ، ويقابلها في العربية ” بشر “(11) ، وتعني الإنسان ، الإنسانية ، وقد استخدمها العهد الجديد عن المسيح للتعبير عن إنسانيته الكاملة مع الإشارة إلى تجسده بشكل ظاهر ومحسوس ومدرك . كما استخدمها في أحوال كثيرة متضمنة النفس والروح(12) .

  وهي عكس كلمه (σώματι – swma) ، أي جسم ، body ، وتترادف مع كلمة ” انثروبوس ” ανθρωπος –  anthrwpos ” ، أي إنسان ، بشر ، رجل ، والتي استخدمها السيد عن نفسه باعتباره كامل في ناسوته فقال :

  ” أنا إنسان ” ανθρωπον – anthrwpon ” قد كلمكم بالحق ” (يو40:8) .

  وكما رآه اليهود كإنسان فقط فقالوا له معترضين علي قوله انه ابن الله :

  ” فانك وأنت إنسان ” ανθρωπος –  anthrwpos” تجعل نفسك إلها ” (يو33:10) . وقالوا عنه أيضا : ” لم يتكلم قط إنسان ” ανθρωπος –  anthrwpos ” مثل هذا الإنسان ” ανθρωπος –  anthrwpos ” (يو46:7) .  

  وقال القديس بولس الرسول :  

† ” لأنه يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان ” ανθρωπος –  anthrwpos ” يسوع المسيح ” (1تي5:2) ، فهو الوسيط  كإنسان وكإله . وكإنسان كامل في ناسوته ، إنسان كامل .

  ومنه أيضا لقب ابن الإنسان ” ανθρωπου ό υίος  – anthrwpou ho uios ” الذي استخدمه الرب يسوع المسيح كثيرا .

& رابعا : إعلان الكتاب المقدس عن نفسه وروحه الإنسانية :  

  والكتاب لم يكتف بهذا الكلام فقط عن إنسانية المسيح الكاملة بل أكد أن له نفسا روحا إنسانية عاقلة . فعندما مات علي الصليب قال ” يا أبتاه في يديك استودع روحي ” (لو46:23) ، ثم ” اسلم الروح ” (مت5:27) ، أي خرجت روحه الإنسانية من جسده الإنساني وهو يستخدم نفس التعبير الذي استخدمه القديس استيفانوس لحظة وفاته ” أيها الرب يسوع أقبل روحي ” (أع9:7) .  

  وعن نفسه الإنسانية قال : ” نفسي حزينة جدا حتى الموت ” (مر34:14) . وهكذا يثبت الكتاب ويؤكد أن المسيح فعلا كان مجربا مثلنا ، شابهنا في كل شئ ” ما عدا الخطية ” (عب15:4) .

  وقد عبر الآباء عن اتخاذ الله للإنسانية الكاملة بتعبير ” تجسد وتأنس(13) ، أي كما يري الآباء إن كلمة ” تأنس ” تفيد انه صار إنسانا كاملا نفسا وجسدا وروحا “(14) ، وجاء في قانون الإيمان مجمع نقيه (325م) ” نزل من السماء وتجسد من الروح ومن مريم العذراء تأنس ” أي اخذ إنسانيتنا الكاملة .

† قال يوستينوس الشهيد :

  ” أن ناسوت المسيح كان يشمل جسدا ونفسا “(15) .

† وقال العلامة اوريجانوس :

  ” لأنه من المستحيل أن تتحد الطبيعة الإلهية بالجسد بدون عامل وسيط وهي

النفس البشرية “(16) .

† وجاء في الابصلمودية المقدسة :

  ” وهكذا أيضا تجسد منك يا مريم بغير تغيير ، بجسد ناطق ، مساو لنا كامل . وله نفس عاقلة(17) .

† ونصلي في القداس الإلهي قائلين :

  ” أنت بغير استحالة تجسدت وتأنست وشابهتنا في كل شئ ما خلا الخطية وحدها 000 وأكملت التدبير بالجسد(18) .

† وقال القديس اثناسيوس الرسولي متسائلا :

  ” كيف تجسد المخلص وحل بيننا ؟ هل اخذ جزءًا من الإنسان أي الجسد فقط ؟ وهل هذا يعني انه كان عاجزا عن أن يخلص النفس أي يخلص الإنسان كله ؟ اشمأز من العقل الإنساني لأنه اخطأ أم أنه كان يخاف أن يخطئ هو أيضا ؟ وكيف يخاف وهو الإله الذي إذا تجسد وصار إنسانا استمر في صلاحه وكماله . أن الذين يفكرون بهذا الأسلوب هم بلا شك مملؤون بالكفر “(19) .

  ثم يجيب : ” وإذا كانت الأناجيل تقول أن يسوع ” اضطرب بالروح ” (يو21:13) فقد أعلن الرب بكلمات أخرى انه يعني عقله الإنساني بقوله ” نفسي قد اضطربت ” (يو27:12) ، وإذ كشف الرب بهذا عن عقله الإنساني فقد أعلن بذلك إن فيه ذات العنصر الذي فينا وهذا ما جعله يترفق بنفوسنا “(20) ، وأيضا ” هو اله تام ، وهو إنسان تام ذو نفس ناطقة وجسد بشري ذو كيان ووجود “(21) .

† قال البابا ثيئوفيلوس الإسكندري (358 – 412م) :

  ” لم يكن المسيح جسداً بدون نفس ، وان الله الكلمة لم يحل فيه ( في هذا الجسد ) محل النفس ” (في سر التجسد 13) ، ” يجب أن يعرف 000 انه قد اتخذ مثيل حالتنا تماما ، وأنه إذا قد شاركنا ليس فقط في جسد أو نفس غير ناطقة وبلا عقل     vous (nous) ،ولكن في الجسد كله والنفس كلها، فقد اظهر فيه إنسانا كاملا “(22).

† وقال القديس ديديموس الضرير (313 – 398م) :

  ” ظهر ناسوته لنا في كل شئ ، فيما عدا الخطية ولم يكن جسده بغير نفس 00 أن نفس يسوع 00 عاقلة ومطابعة لنفوس الناس (أو من ذات جوهرها) ، كما أن جسده † وقال البابا داماسوس أسقف روما في رسالة كتبها سنة 375م :

الخارج من مريم كان مطابعا لأجساد الناس (أو من ذات جوهرها) “(23) .

  ” يلزم أن نعترف بأن الحكمة ذاته ، الكلمة ، ابن الله ، اتخذ جسدا ونفسا وعقلا (nous) بشريين ، اعني آدم كله ، وبعبارة أوضح كل إنساننا العتيق ، فيما عدا الخطية “(24) .

† وقال القديس كيرلس الإسكندري :

  ” فهوذا (المسيح) كلمة الله الآب الذي تجسد وصار إنسانا كاملا ونحن نؤمن أن الجسد الذي اتحد به ، فيه نفس عاقلة ، ولهذا فالاتحاد كامل وحقيقي “(25) .

  ” لذلك عندما نسمع أن الكلمة صار جسدا فلنعتقد انه تجسد وصار إنسانا له نفس وجسد لان الكلمة الذي تجسد وصار إنسانا كاملا ودعي ابن الإنسان لأن له نفسا وعقلا ، اتحد بكل مكونات الإنسان اتحادا حقيقيا بطريقه يعرفها هو وحده “(26).

  وأيضا ” (يجب أن) يعرف أن جسد الرب المأخوذ من مريم كانت له أيضا نفس ، ليس كتلك التي تمتلكها الكائنات غير العاقلة وإنما (التي تملكها) الأناس العاقلة “(27).

† وقال القديس البابا ديوسقوروس (444 – 454م) :

  ” إلا انه مع أخذه الجسد ذا النفس العاقلة استمر إلها مثلما كان “(28) .

† وقال يوحنا الدمشقي :

  ” وان المسيح بالتجسد قد أقام له جسدا حيا ذا نفس ناطقة وعاقلة وذلك من انقي دماء الدائمة البتولية ، فاتخذ باكورة الجبلة البشرية صار الكلمة نفسه أقنوما للجسد ، حتى أن هذا الجسد كان معا جسد ابن الله وجسد ذا نفس ناطقة وعاقلة “(29) .

† وقال الأنباء ساويروس المقفع (القرن العاشر) :

  ” اتخذ الابن الإله جسدا هكذا من مريم العذراء له روح عاقلة ناطقة ” .

  ” والكلمة صار جسدا ” 00 أخذ الجسد بكامله . ذو نفس عاقلة كما قال سفر الخليقة أن الإله اتخذ ترابا من الأرض فخلق الإنسان 000 كذلك قال “والكلمة صار جسدا ” فدل إن الجسد كامل بكماله ذو نفس عاقلة ناطقة ولهذا سمي آدم الثاني “(30).

 

(2) رسالته إلى فيلبي 1:7 .

(3) ” رسالته إلى ترالس :9 .

(5) Adv. Her. 5:14:2. 

(6) Quasten 267.

(7) Strom 5 ;39 ; 16;5.

(8) قتلة الأنبياء ، ترجمة مليكة ويوسف حبيب 13 ، 14 .

(9) الرسالة إلى ابيكتيتوس : 5 .

(10) Theological Dic. Of NT vol.2: 127.

(11) كما تعني في العبرية أيضا اللحم (حز6:37) والقرابة الجسدية ، النسب (تك23:8،24) ، كما تعني كلمة بشر في العربية أيضا ” البشره ” أي ظاهر جلد الإنسان ؛ مختار الصحاح ص 54 .

(12) The Pulpit vol. 17:17.

(13) القداس الإلهي .

(14) القديس أثناسيوس الرسولي ، للأب متى المسكين ص 386 .

(15) Just. Dial. C. Trypho 102.

(16) De Princip. ii , 6;3 .

(17) ثيؤتوكية الثلاثاء .

(18) القداس الغريغوري ، صلاة الصلح .

(19) تجسد ربنا يسوع 37 .

(20) تجسد ربنا يسوع 40،49 .

(21) قانون الإيمان الأثناسيوسي ف 30 .

(22) في سر التجسد 13 .

(23) السابق 16 .

(24) السابق 16 .

(25) شرح تجسد الابن الوحيد 38 .

(26) المرجع السابق 40 

(27) تفسيره لإنجيل يوحنا 27:12 .

(28) البابا ديسقوروس ، للأنبا أغريغوريوس 168 .

(29) المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي 46 .

(30) الدر الثمين في إيضاح الدين 55 ؛ وكتاب المجامع ، مخطوط بدير السريان 136 لاهوت .

 

جسد المسيح من السماء أم من العذراء؟ – سر التجسد

معني اتحاد اللاهوت بالناسوت – سر التجسد

معني اتحاد اللاهوت بالناسوت – سر التجسد

معني اتحاد اللاهوت بالناسوت – سر التجسد

 

 

الفصل السادس

ما معني اتحاد اللاهوت بالناسوت وكيف تم؟

 

 س 1: إذا كان المسيح واحداً هو كلمة الله الذي صار جسدا أو هو الله الذي ظهر في الجسد ؛ فما معني تعبيرات : ” تجسد ” و ” اتحاد اللاهوت بالناسوت ” و” طبيعة واحدة متجسدة ” و ” طبيعتين ” و ” في طبيعتين ” و ” من طبيعتين ” و ” أقنوم ” و ” إله تام وإنسان تام ” و كامل في لاهوته وكامل في ناسوته ” ؟

& أوضحنا أن الكتاب المقدس لم يتكلم سوي عن مسيح واحد هو كلمة الله الذي هو الله والذي صار جسدا في ملء الزمان ، الله الذي ظهر في الجسد ، صورة الله المساوي لله الذي أتخذ صورة العبد ، وهو نفسه يتكلم عن نفسه باعتباره شخص واحد ، مسيح واحد ، وان كان قد تكلم عن نفسه تارة كإله وتارة كإنسان . ومن تأملنا في شخصه الإلهي نري بمنظار الكتاب المقدس انه الإله القدير الذي ظهر في الجسد وصار الإله المتجسد ، أي الذي أتخذ جسدا ، والذي أصبح يحوي في ذاته اللاهوت والناسوت .

  فهو الله الأبدي الأزلي ، الذي لا بداية له ولا نهاية ، الإله الواحد ، الإله العظيم ، الإله الحكيم ، الإله القدير ، الإله المبارك ، وهو أيضا كلمة الله وحكمة وقوة الله وصوره الله وبهاء مجده ورسم جوهره . هو الله بجوهره وكيانه أي بطبيعته(1) . وبعد أن صار جسدا ، في ملء الزمان ، وحل بيننا ، ظهر في الجسد ورأته الخليقة في صورة العبد وفي شبه الناس وهيئة الإنسان ، اصبح إنساناً وابن إنساناً ، فقد ولد من العذراء حقا ومن ثمرة بطنها من لحم ودم وعظام وروح ونفس ، ومن ثم فهو أيضا إنسان بجوهره وكيانه أي بطبيعته ، فهو كامل (تام) في لاهوته وكامل (تام) في ناسوته (إنسانيته) . 

  ونظرا لأن جوهر الله غير مدرك ولا محسوس ، أو كما قال السيد نفسه ” الله روح ” والروح بسيط وغير مركب ، وجوهر الإنسان مدرك بالحواس ومركب وهو عكس الروح ” لأن الروح ليس له لحم ولا عظام ” (لو39:24) ، وان الله لما تجسد لم يتحول إلى جسد إنما اتخذ جسدا وحل فيه وظهر فيه وبه بين الناس ” والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا ” (يو18:1) ، وكما قلنا انه كامل في لاهوته وكامل في ناسوته بدون تغيير أو تحول ، ومن ثم فقد اضطر آباء الكنيسة وعلماؤها (كما بينّا في الفصول الأولى) لوضع مصطلحات وصيغ لاهوتية مبنية ومستخرجة ومأخوذة من نصوص الكتاب المقدس ذاته واستخدموها سواء في المجامع المسكونية المقدسة أو في كتاباتهم سواء الدفاعية أو التفسيرية وذلك لتحديد الإيمان السليم المبني علي المسيح نفسه وكتابه المقدس . ومع ذلك نؤكد أن هذه المصطلحات والصيغ لا تعبر عن حقيقة التجسد الذي هو سر يفوق العقل ولا يعلمه إلا الله وحده ، إنما تقربه من عقولنا فقط .

† فقد استخدموا كلمة ” أقنوم – Hypostasis  – όηποστασις ” بمعنى الكيان ، فعندما نقول أقنوم واحد نعني كيان واحد ، فالإنسان المكون من روح وجسد هو أقنوم واحد ، كيان واحد ، وشخص واحد . والرب يسوع المسيح بلاهوته وناسوته هو أقنوم واحد ، هيبوستاس واحد ، وشخص واحد .

† وكلمة طبيعة (φύσις – physis – فيزيس) والتي تعبر عن جوهر الكائن ؛ فالطبيعة إذا هي ما يجعل الكائن علي ما هو عليه(2). لشرح كيف أن شخص المسيح يضم في ذاته ، بعد التجسد ، طبيعة اللاهوت (طبيعة الله) وطبيعة الناسوت (طبيعة الإنسان) في أقنوم واحد هو شخص المسيح أو ” طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة ” ، ” واحدة هي طبيعة الكلمة المتجسد ” .

: واستخدموا كلمة ” اتحاد –   Unity /Union- ενοςιν) ” للتعبير عن الوحدة بين اللاهوت والناسوت أو الاتحاد الكائن بين لاهوت الرب يسوع المسيح وناسوته . وأيضا ” الاتحاد الأقنومي – Hypostatic Union ” الذي وصفه القديس كيرلس بكونه ” اتحاداً طبيعياً ” ، ” اتحاداً شخصياً ” ، ” وحدة حقة ” اتحد ابن الله بطبيعتنا وجعلها خاصة به(3)، فتحقق فيه اتحاد حق بين اللاهوت والناسوت برغم اختلاف الطبيعتين ، في طبيعة واحدة متجسدة ” طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة ” و ” أقنوم وحد متجسد لله الكلمة ” . فكيف تم هذا الاتحاد بين اللاهوت والناسوت ؟

E س 2 : إذا كيف تم الاتحاد بين اللاهوت والناسوت ومتي تم ؟ وهل أوجد الله الناسوت أولا ثم حل فيه وأتحد به أم ماذا ؟

& أولا : لم يستخدم الكتاب تعبير الاتحاد بين اللاهوت والناسوت وإنما استخدام نصوص اقوي وأبلغ دلاله من الاتحاد وذلك للتعبير عن تجسد كلمة الله :

† ” والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا ” (يو14:1) .

† ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد ” (1تي16:3) .

† ” الذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا ” (كو9:2) .

 †” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب مساواته لله اختلاسا لكنه أخلى نفسه أخذا صورة عبد صائراً في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت ” (في5:2-7) .

† ” هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (اش14:7؛ مت23:1) .

† ” لأنه يولد لنا ولد ونعطي ابنا وتكون الرياسة علي كتفه ويدعي اسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا أبا أبديا رئيس السلام ” (اش6:9) .

† ” وأنت يا بيت لحم ارض يهوذا 000 سيخرج منك مدبرا 000 ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (مي2:5) . 

† ” إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما 000 من ثم كان ينبغي أن يشبه اخوته في كل شئ ” (عب14:2) .

  هذه الآيات ، وغيرها ، هي التي استخدمها الكتاب المقدس للتعبير عن تجسد الله الكلمة .

  فقد قال الكتاب انه ، المسيح ، قد حبل به من العذراء وولد ولدا من بني إسرائيل بحسب الجسد ؛ ” ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلها مباركا إلى الأبد آمين ” (رو5:9) ، انه ولد من العذراء ، بالجسد ، وفي بيت لحم ، بالجسد ، ومن نسل إبراهيم وداود بحسب الجسد وكان تجسده حقيقيا إذ اخذ جسدا حقيقيا من لحم ودم وعظام كما كان له روح ونفس .

  ولكن كيف اتخذ هذا الجسد ؟ فقد ” صار جسدا ” ، ” ظهر في الجسد ” ، ” حل اللاهوت في الناسوت ” ، ” أخلى نفسه ” ، وضع نفسه وصار جسدا ، أخذا صورة العبد وصائرا في هيئة الإنسان بل وشابه الإنسان في كل شئ ما عد الخطية ” مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية ” (عب15:4) ، لأنه جاء ” في شبة جسد الخطية ” (رو3:8) .

   وهذه التعبيرات ؛ ظهر في الجسد ، حل اللاهوت في الناسوت ، صار الكلمة جسدا ، أخلى صورة الله ذاته ووضع نفسه وأخذ صورة الإنسان ، ولد من العذراء من نسل إبراهيم وداود ، وفي بيت لحم ، اخذ كل ما للبشرية وشابهنا في كل شئ  وهو الله ذاته ، بكل ملء لاهوته ، صورة الله المساوي لله ، الله معنا ، الإله القدير ، الأزلي الأبدي ، الكائن علي الكل ، الله المبارك ؛ وضع لها الآباء تعبير ؛ الاتحاد ، اتحاد اللاهوت والناسوت ، اتحاد اللاهوت بالناسوت للتعبير عن تجسد الكلمة

الذي تم في ملء الزمان .

   أما كيف تجسد الكلمة وكيف صار جسدا وكيف اتخذ صورة الله صورة العبد ، كيف ظهر الله في الجسد وكيف حل اللاهوت في الناسوت وكيف حبلت به العذراء وولدته فهذا مالا يدركه عقل ، لا عقل البشر ولا حتى اسمي وأرفع الملائكة رتبه . انه سر يفوق أدراك جميع المخلوقات ولا يعلمه سوي الله وحده لأنه يختص به وحده ، فهو الذي تجسد وهو وحده الذي يعرف كيف تجسد ، وقد أعلن الرب يسوع المسيح أن اليهود وان كانوا قد عرفوه انه ” النجار ابن مريم ” (مت55:13؛ مر6:3) ، لكنهم لم يعرفوا حقيقة شخصه وحقيقة تجسده ، كما أن التلاميذ وإن كانوا قد عرفوا ، بالروح ، انه ” المسيح ابن الله الحي ” (مت16:16) لكنهم ، قبل أن يحل الروح القدس عليهم ، لم يعرفوا حقيقة شخصه كما يجب ولا عرفوا سر تجسده . وان كان الملائكة قد عرفوا حقيقة شخصه إذ بشر الملاك جبرائيل العذراء بالحبل به وولادته وهتفت الملائكة يوم مولده قائلين :

† ” انه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب ” (لو11:2) .

† ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة ” (لو14:2) .

  وكانوا خداما له في أيام تجسده علي الأرض ” وصارت الملائكة تخدمه ” (مت11:4؛ مر13:1) ، إلا انهم لم يعرفوا كيفية تجسده فهذا سر يختص به وحده ولا يعلمه سوي هو وحده ، فهو الغير محدود في الزمان أو المكان أو العلم أو القدرة ولا تدركه عقول المخلوقات المحدودة ، وقد قال عن نفسه :

† ” ليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له ” (مت27:11؛ لو22:10) ، انه وحده الذي يعرف ذاته وحقيقة تجسده ، ولذا كرر لمستمعيه :

† ” لستم تعرفونني أنا ولا أبي لو عرفتموني لعرفتم أبى أيضا ” (يو19:8) .

  لماذا ؟ يقول ؛ ” انتم من أسفل . أما أنا فمن فوق انتم من هذا العالم أما أنا فلست من هذا العالم  ” (يو23:8) .

 

† ” لو كنتم عرفتموني لعرفتم أبى أيضا ” (يو17:4) .

† ” انهم لم يعرفوا الأب ولا عرفوني ” (يو3:16) .

  وقال عنه يوحنا المعمدان بالروح :

† ” في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه ” (يو26:1) .

  وقال عنه يوحنا الإنجيلي واللاهوتي بالروح:  

† ” كان في العالم وكون العالم به ولم يعرفه العالم ” (يو10:1) .

  وقال القديس بولس الرسول بالروح :

† ” لا يقدر أحد أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس ” (1كو3:12) .

  لماذا ؟ لأن الروح القدس هو ” روح المسيح ” (رو9:8) ، كما انه روح الآب (يو26:15) ، وطبعا روح الله الذي هو الله يعرف حقيقة ذات الله ؛ ” الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله ” (1كو10:2) ، ” لأن من من الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه . هكذا أيضا أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله ” (1كو11:2،12) . انه وحده الذي يعرف حقيقة ذاته وحقيقة تجسده أما نحن ، البشر ، فلا نعرف شيئاً عن الله سوي الأشياء الموهوبة لنا من الله (1كو12:2) ، كما يقول القديس بولس الرسول بالروح .

  وقد دعا الكتاب المقدس تجسد الكلمة بالسر العظيم :

† ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد ” (1تي16:3) .

  انه سر لا يعلمه سوي صاحبه وصاحبه هو الله :

† ” السر الذي كان مكتوما في الأزمنة الأزلية ” (رو16 : 25) .

† ” سر الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا ” (1كو7:2) .

† ” السر المكتوم منذ الدهور في الله خالق الجميع بيسوع المسيح ” (أف9:3) .

† ” السر المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال لكنه الآن قد اظهر لقديسيه ” (كو26:1).

  وإذا كان آباء الكنيسة وعلماؤها قد عرفوا هذا السر ، سر التجسد ، انه اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص السيد المسيح ، انه اتحاد الطبيعة الإلهية بالطبيعة

الإنسانية ، وان السيد المسيح بتجسده وبحلول لاهوته في الناسوت وصيرورته بشر قد جمع في ذاته اللاهوت والناسوت ، وانه بطبيعة واحدة متحدة ” طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة ” من طبيعتين (اللاهوت والناسوت) تجتمع فيها جميع خواص وصفات اللاهوت وجميع خواص وصفات الناسوت بدون اختلاط وامتزاج أو تغيير أو استحالة ، وبأقنوم واحد ” أقنوم واحد متجسد لله الكلمة ” ، إلا انهم وقفوا أمام كيفية حدوث هذا الاتحاد ، هذا التجسد ، هذا الظهور الإلهي ، هذا الحلول الإلهي في الناسوت ، هذه الصيرورة إلى بشر واتخاذ الجسد ومشاركة الإله للبشرية في كل شئ ، في اللحم والدم والعظام والروح والنفس ، هذه المشابهة مع البشرية في كل شئ ما عدا الخطية ، هذا التنازل والتواضع والفقر ، الاختياري ، ، الذي اختاره رب المجد ” أفتقر وهو غني ” (2كو2:8) ، ” أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان ” (في6:2) ، وقفوا مشدوهين ومبهورين أمام عظمته ، وعاجزين عن وصفه أو إدراكه أو فهمه وقالوا عنه انه : 

† السر الذي لا تدركه افهام .

† السر الذي لا ينطق به .

† انه سري بصفة مطلقة .

† السر الذي يفوق العقل .

† انه سري وفائق للعقل .

† الاتحاد الذي يفوق العقل ولا يوصف .

† قال القديس كيرلس الإسكندري وهو اشهر من درس وعلم في اتحاد اللاهوت بالناسوت :

  ” عندما نقول أن كلمة الله اتحد بطبيعتنا فان كيفية هذا الاتحاد هي فوق فهم البشر 000 فهو اتحاد لا يوصف وغير معروف لأي من الناس سوي الله وحده الذي يعرف كل شئ . وأي غرابه في أن يفوق (اتحاد اللاهوت بالناسوت) إدراك

 

العقل ؟!! 000إذا طُلب إن نحدد كيفية اتحاد اللاهوت بالناسوت وهو أمر يفوق كل فهم بل صعب جدا “(3) .

  وقال أيضا ؛ ” الكلمة تجسد وصار إنسانا كاملا 000 بطريقة يعرفها هو وحده(4) . وأيضا ” وأنا لا أنكر أن كل ما ذكرناه يفوق كل التعبيرات البشرية الممكنة ، لكن لا يجب أن نتوقف عن التأمل والإيمان بسر المسيح بسبب وجود صعوبة مثل هذه بل ليظل هذا السر باستحقاق موضع إكرامنا ، لأنه كلما كان السر فوق أدراك العقول وبعيدا عن إمكانية التعبير عنه بكلمات ، ازداد إيماننا بعظمته وروعته “(5)

† وقال القديس اغريغوريوس النيزنزي :

  ” ولد من العذراء بلا عيب وبطريقة تفوق الوصف(6) .

† وقال القديس ثاؤدوطس أسقف انكوريا في خطبه له علي التجسد تليت في مجمع افسس : ” أن الواحد نفسه هو اله أزلي وإنسان له ابتداء من الزمان فأحد هذين الأمرين كان في الوجود سابقا والأخر صار من بعد . فان قلت كيف صار الوحيد عبدا باقيا ما كان وصائرا ما لم يكن أجبتك إن كنت تريد أن تعلم هذا فاعلم انه صار ولكن كيف صار فلا يعلم ذلك إلا صانع العجائب وحده(7)

† وقال القديس يعقوب البرادعي اشهر من دافع عن عقيدة الطبيعة الواحدة المتحدة في القرن السادس :

  ” وكان اتحاد اللاهوت بالناسوت اتحادا سريا لا تدركه الأفهام ولا تتصوره (تصوره) الأوهام فلا لاهوته صار لحما ولا ناسوته (ولحمه ) صار لاهوتا “(8) .

س 3 : كيف شرح الآباء اتحاد اللاهوت بالناسوت ؟ وما هي الأمثلة التي استخدموها في ذلك ؟

  شبه آباء الكنيسة وعلى رأسهم القديس كيرلس عمود الدين اتحاد اللاهوت بالناسوت بالروح والجسد في الإنسان وبالنار المشتعلة في العليقة والعليقة لم تحترق وجمرة اشعياء النبي واتحاد الحديد بالنار .

1 – الروح والجسد في الإنسان : فالإنسان مكون أساساً من روح عاقلة وجسد أي من مادتين مختلفين وجوهرين مختلفتين ،  وبرغم اختلاف طبيعة الجسد عن الروح إلا أنهما يكونان الإنسان الواحد ، كله كوحدة واحدة ، ولذا فنحن لا نتكلم عن الروح على حده ولا نتكلم عن الجسد على حده ، بل نتكلم عن الإنسان الواحد ، كوحدة واحدة ، لا نفصل بين روحه وجسده ، ونميز بينهما في ذهننا فقط ، فلا نقول أن جسد فلان يتألم أو أن روحه سعيدة ، إنما نقول فلان يتألم وأيضا فلان سعيد ، ونميز ذهنيُاً فقط بين آلامه بالجسد وسعادته بالروح . يقول القديس كيرلس ”  عندما نقول إن كلمة الله اتحد بطبيعتنا فإن كيفية هذا الاتحاد هي فوق فهم البشر . وهذا الاتحاد مختلف تماماً 000 فهو اتحاد لا يويصف وغير معروف لأي من الناس سوى الله وحده الذي يعرف كل شئ 000 فما هي كيفية اتحاد نفس الإنسان بجسده ؟ من يمكنه أن يخبرنا ؟!! ونحن بصعوبة نفهم وبقليل نتحدث عن اتحاد النفس بالجسد . ولكن إذا طلب منا أن نحدد كيفية اتحاد اللاهوت بالناسوت وهو أمر يفوق كل فهم بل صعب جداً ، نقول أنه من اللائق أن نعتقد أن اتحاد اللاهوت بالناسوت في عمانوئيل هو مثل اتحاد نفس الإنسان بجسده – وهذا ليس خطأ لأن الحق الذي نتحدث عنه هنا تعجز عن وصفه كلماتنا . والنفس تجعل الأشياء التي للجسد هي لها رغم أنها (النفس) بطبيعتها لا تشارك الجسد آلامه المادية 000 لكنها لا تشارك الجسد رغباته ، ومع ذلك تعتبر أن تحقيق الرغبة هو تحقيق لرغبتها هي (النفس) . فإذا ضرب الجسد أو جرح بالحديد مثلا فأن النفس تحزن مع جسدها ،

ولكن بطبيعتها لا تتألم بالآلام المادية التي تقع على الجسد .

  ومع هذا يلزم أن نقول أن الاتحاد في عمانوئيل هو أسمى من أن يشبه باتحاد النفس بالجسد ، لأن النفس المتحدة بجسدها تحزن مع جسدها وهذا حتمي حتى أنها عندما تقبل الهوان تتعلم كيف تخضع لطاعة الله . أما بخصوص الله الكلمة فأنه من الحماقة أن نقول أنه كان يشعر – بلاهوته – بالإهانات ، لأن اللاهوت لا يشعر بما نشعر به نحن البشر . وعندما اتحد بجسد له نفس عاقلة وتألم لم ينفعل – اللاهوت – بما تألم به ، لكنه كان يعرف ما يحدث له . وأباد كإله كل ضعفات الجسد ، رغم أنه جعلها ضعفاته هو فهي تخص جسده . لذلك (بسبب الاتحاد) قيل عنه أنه عطش وتعب وتألم لأجلنا .

  ولذلك فأن اتحاد الكلمة بطبيعتنا البشرية يمكن على وجه ما أن يقارن باتحاد النفس بالجسد ، لأنه كما أن الجسد من طبيعة مختلفة عن النفس ، لكن الإنسان واحد من أثنين (النفس والجسد) ، هكذا المسيح واحد من الأقنوم الكامل لله الكلمة ومن الناسوت الكامل ، واللاهوت نفسه والناسوت نفسه في الواحد بعينه الأقنوم الواحد . وكما قلت أن الكلمة يجعل آلام جسده آلامه هو ، لأن الجسد هو جسده وليس جسد أحد آخر سواه . هكذا يمنح الكلمة جسده كل ما يخص لاهوته من قوة ، حتى أن جسده قادر على أن يقيم الموتى ويبرئ المرضى “(9).

2 – العليقة المشتعلة بالنار : كما شبه آباء الكنيسة اتحاد اللاهوت بالناسوت  بظهور الله في هيئة نار في العليقة ومع هذا لم تحترق العليقة بالنار يقول الكتاب ؛ ” وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عليقة فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق ، فقال موسى أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم لماذا لا تحترق ، فلما رأى الرب انه مال لينظر ناداه الله من وسط العليقة وقال موسى موسى فقال هانذا ” (خر2:3-5) .

  يقول القديس كيرلس ” باطل هو إدعاء من يقول أننا باعترافنا بطبيعة واحدة للابن المتجسد والمتأنس نحدث اختلاط أو امتزاجا ” بين اللاهوت والناسوت ” 000 فإنهم إذا اعتبروا أن طبيعة الإنسان لكونها ضئيلة جدا أمام الطبيعة الإلهية الفائقة فلا بد أن تتلاشى إذا ما اتحدت بها ، فإننا نجيبهم ” تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله ” (مت29:22) فإنه لم يكن مستحيلا على الله محب الصلاح أن يخضع نفسه لحدود البشرية ، وهذا هو ما سبق موسى وأعلنه لنا في سر مبينا لنا في مثال كيفية التجسد . فأن الله قد نزل في العليقة في البرية بمنظر النار وكان يضيء العوسج (العليقة) ولا يحرقه . وكان موسى يتعجب من هذا المنظر . لأن الخشب ” بطبعه ” لا يحتمل النار . فكيف استطاعت هذه المادة القابلة للاحتراق أن تحتمل اشتعال النار فيها ” بدون أن تحترق ” ؟ لقد كان هذا كما قلت مثالا للسر الذي به استطاعت طبيعة اللوغوس الإلهية أن تخضع نفسها لحدود البشرية ، لأنه أراد ذلك ولا يستحيل عليه شيء قط 000 وكما أن النار كانت تضيء العليقة دون أن تحرقها هكذا أيضا اللوغوس لما تجسد لم يحرق الجسد الذي اتحد به بل على العكس جعله جسدا محيياً “(10).

  وأيضا : ” إن النار لم تستطع أن تلتهم العليقة ، بل كانت تداعبها وتتآنس مع طبيعتها الخشبية 000 بهذه الطريقة كان اللاهوت يتلاطف مع الناسوت “(11).

  ” فكما أن النار كانت تنير العليقة دون أن تلتهمها ، هكذا أيضا اللوغوس في تجسده لم يحرق الجسد الذي اتحد به ، بل جعله على العكس جسدا محييا . كان الكلمة نوراً وناراً في الجسد ، في الناسوت ولم يحترق ولم يتلاشى هذا الناسوت بالنار الآكلة ، بل أصبح الجسد مناراً ومنيراً لأته فيه حل ملء اللاهوت جسدياً “(12)

3 – جمرة اشعياء : وشبه اتحاد اللاهوت بالناسوت أيضا باتحاد النار مع الخشب ، الفحم ، في جمرة اشعياء ، والنار المتحدة مع الفحم تكوّن معه وحدة واحدة لا نستطيع فيها أن نميز بين النار والفحم ، ومع ذلك يظل الفحم فحماً وتظل النار ناراً . ” يقول اشعياء النبي : ” وجاء الي واحد من السرافيم وبيده جمرة متقدة أخذها بملقط من على المذبح وقال لي هذه ستلمس شفتيك لكي تنزع إثمك وتطهرك من خطاياك ” (اش6:6،7) . ونحن نقول أن الجمرة المتقدة هي مثال وصورة الكلمة المتجسد 000 مثالا لكلمة الله المتحد بالطبيعة البشرية دون أن يفقد خواصه ، بل حول ما أخذه (الطبيعة البشرية) وجعله متحداً به ، بل بمجده وبعمله . لأن النار عندما تتصل بالخشب (الفحم) تستحوذ عليه ، لكن الخشب يظل خشباً 00 فقط يتغير إلى شكل النار وقوتها ، بل يصبح له كل صفات النار وطاقتها ويعتبر واحدا معها . هكذا أيضا يجب أن يكون اعتقادنا في المسيح ، لأن الله الكلمة اتحد بالإنسانية بطريقة لا ينطق بها ، ولكنه أبقى على خواص الناسوت على النحو الذي نعرفه ، وهو نفسه لم يفقد خواص اللاهوت عندما اتحد به (بالناسوت) بل جعله واحدا معه ، وجعل خواص (الناسوت) خواصه . بل هو نفسه قام بكل أعمال اللاهوت فيه (في الناسوت)(13).

  ويقول أيضا ” والمسيح يشبه بالجمرة لأنه مثلها يعتبر من شيئين مختلفين ولكنهما باجتماعهما معا قد أقترنا معا في وحدة واحدة ، لأن النار حينما تدخل في الخشب “الفحم” تحوله بنوع ما إلى مجدها الخاص ومع ذلك فهو يبقى على ما كان عليه ” أي خشباً ” (14)

4 – اتحاد الحديد بالنار : ويشبه القديس كيرلس ، أيضاً ، اتحاد اللاهوت بالناسوت ، مثل جمرة النار ، بمثل الحديد والنار ، فكما يتحد الحديد مع النار ويصيران قطعة ملتهبة ، إلا أن النار تبقى ناراً والحديد يظل كما هو ، وعندما نطرق الحديد المتحد بالنار لا تتأثر النار بذلك ؛ ” كما أن الحديد إذا قربناه من نار شديدة يكتسب للوقت مظهر النار ويشترك في صفات ذلك العنصر الغالب ، هكذا أيضا طبيعة الجسد التي اتخذها لنفسه اللوغوس غير الفاسد والمحيي لم تبقى على حالها الأول بل قد أنعتقت من الفساد ومن الفناء وسادت عليهما ” .

  ” إذا وضعتم حديداً في النار ، فأنه يمتلئ كذلك بقوة النار 000 وهكذا الكلمة المحيي لما وحُد بذاته جسده الخاص – بالكيفية التي هو وحده يعلمها – جعل هذا الجسد محيياً “(15).

(1) كتاب ” قانون الإيمان جـ 2 التجسد ” للأنبا يوحنا نوير ص 71 .

(2) المرجع السابق ص 71 .

(3) كتاب”  الاصطلاحان طبيعة أو أقنوم ” للقمص تادرس يعقوب ملطي ص 15 .

(3) شرح تجسد الابن الوحيد ص 18 .

(4) المرجع السابق ص 50 .

(5) السابق

(6) On The Holy Baptism 45 .

(7) الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة جـ 1 : 469 .

(8) كتاب ” أمانة القديس يعقوب البرادعي ” مخطوط بدير السريان (لاهوت) .

(9) شرح تجسد الابن الوحيد 18و19.

(10) التجسد الإلهي للقديس كيرلس الكبير للأب متى المسكين ص 22 و 23 . أنظر المسيح واحد ص 52 و 53 .

(11) تاريخ الفكر جـ3 : 107 .

(12) السابق 108 .

(13) شرح تجسد ص 20 و21 .

(14) التجسد الإلهي ص 24و25 .

(15) التجسد الإلهي ص 25 .

 

معني اتحاد اللاهوت بالناسوت – سر التجسد

Exit mobile version