دراسة في مصداقية الأناجيل – كيف تساعدنا أبحاث كشف الخداع على فهم الأناجيل؟ بحث ودراسة: Patricia Michael

في مقال نُشر في عام 2023 بعنوان “?How to Detect Deception” (كيف نكتشف الخداع؟)، يناقش الكاتب شين روزنثال Shane Rosenthal فكرة مثيرة للاهتمام تتعلق بكيفية التمييز بين الصدق والخداع. وينطلق من دراسة حديثة أجرتها جامعة أمستردام، خلصت إلى أن كشف الخداع لا يعتمد حصرًا على مراقبة لغة الجسد أو نبرة الصوت أو المظاهر العاطفية المصاحبة للكلام، بل إن الانتباه الدقيق إلى التفاصيل الواردة في الرواية نفسها قد يكون من أكثر الوسائل فاعلية في التمييز بين الحقيقة والكذب..
ثم يربط الكاتب هذه النتيجة بالدفاع التاريخي عن موثوقية الأناجيل، مشيرًا إلى أن الأناجيل القانونية تزخر بتفاصيل جغرافية وتاريخية وثقافية دقيقة يمكن التحقق منها من خلال المصادر الخارجية. ويستشهد بعدد من الباحثين المتخصصين، مثل ريتشارد بوكهام وبيتر جي. ويليامز وجون ديكسون وليديا ماكغرو، الذين يرون أن كثرة هذه التفاصيل ودقتها تعزز مصداقية كتّاب الأناجيل بوصفهم شهودًا موثوقين أو ناقلين أمناء للشهادة التاريخية.
ويخلص روزنثال Shane Rosenthal إلى أن المبدأ نفسه الذي يستخدمه الباحثون المعاصرون لاكتشاف الخداع يمكن تطبيقه على دراسة الأناجيل؛ فكلما ازداد التدقيق في تفاصيلها التاريخية، ازدادت الأدلة التي تشير إلى أننا أمام روايات تاريخية جديرة بالثقة، لا مجرد أساطير أو قصص مختلقة.
وفيما يلي ترجمة المقال:
في وقت سابق من هذا العام، نشر باحثون من جامعة أمستردام نتائج دراسة جديدة تهدف إلى تحسين قدرتنا على اكتشاف الكذب. أُجريت الدراسة في مختبر الكذب بالجامعة (Leugenlab أو LieLab)، ونُشرت في مجلة (Nature Human Behavior).
ووفقًا للبيان الصحفي:
في تسع دراسات شملت 1,445 شخصًا، طُلب من المشاركين تقييم مدى صدق أو كذب تصريحات مكتوبة بخط اليد، أو نصوص فيديوهات، أو مقابلات مصورة، أو مقابلات مباشرة. في الظروف العادية، كان المشاركون أحرارًا في استخدام جميع الإشارات الممكنة للحكم على صدق الشخص، مثل النظر في عينيه أو مراقبة علامات التوتر أو التأثر العاطفي في القصة. لكنهم وجدوا صعوبة كبيرة في التمييز بين الحقيقة والكذب، ولم يكن أداؤهم أفضل بكثير من التخمين العشوائي.
لكن عندما طُلب من المشاركين التركيز حصريًا على تفاصيل الرواية نفسها، تمكنوا باستمرار من التمييز بين الأكاذيب والحقائق. ولذلك خلص الباحثون إلى أن «بساطة ودقة» هذا الأسلوب القائم على فحص التفاصيل توفر طريقًا واعدًا لأبحاث كشف الخداع.
ويقول برونو فيرشوير (Bruno Verschuere)، الأستاذ المشارك في علم النفس الجنائي بجامعة أمستردام والمؤلف الرئيسي للدراسة:
“يبدو الأمر مخالفًا للحدس تمامًا؛ أن تكتفي بالاستماع إلى ما يقوله الناس دون الانتباه إلى إشارات أخرى مثل مدى إقناعهم أو عاطفيتهم أثناء السرد.”
لكنه أضاف:
“الأشخاص الذين يقولون الحقيقة يستطيعون تقديم وصف غني بالتفاصيل لأنهم عاشوا الحدث بالفعل، أما الكاذبون، فعلى الرغم من قدرتهم على اختراع تفاصيل، فإن ذلك يزيد من احتمال اكتشاف كذبهم.”
يرتبط هذا الموضوع ارتباطًا وثيقًا بالقضايا التي ناقشتها في بودكاست (The Humble Skeptic).
ففي إحدى الحلقات الأخيرة، أشار الباحث في العهد الجديد بجامعة كامبريدج ريتشارد بوكهام (Richard Bauckham) إلى أن:
“الأناجيل مليئة بأنواع مختلفة من التفاصيل الصغيرة المتعلقة بالأماكن والأشخاص والجماعات الدينية والجدالات القائمة آنذاك، وكل أنواع المعلومات المتعلقة بالسياق التاريخي الذي تدّعي الأحداث أنها وقعت فيه. وهذه إحدى الطرق المهمة للتحقق من مصداقية الأناجيل من خلال السياق الجغرافي والتاريخي الذي تصفه.”
ويضيف:
“مصطلح الشهادة (Testimony) يعني أننا لا نستطيع التحقق بشكل مستقل من كل ما يقوله الشاهد، لكن يمكننا تقييم ما إذا كان الشاهد موثوقًا أو غير موثوق. وإذا توصلت إلى أن الشاهد جدير بالثقة، فإنك تثق بشهادته.”
ويتفق بيتر ج. ويليامز (Peter J. Williams) مع هذا النهج. فهو مدير ، كامبريدج (Tyndale House, Cambridge)، ومؤلف كتاب «هل يمكننا الوثوق بالأناجيل؟» (?”Can We Trust the Gospels)، وهو كتاب مفيد وسهل القراءة حول هذا الموضوع.
وخلال الحلقة نفسها، أشار ويليامز إلى أنه:
“من اللافت كمية المعلومات الجغرافية الموجودة في الأناجيل، ومدى تجذرها في عادات ذلك الزمان والمكان.”
فالأناجيل ليست فقط مليئة بالتفاصيل، بل إن هذه التفاصيل تتوافق مع ما نعرفه عن يهودية القرن الأول. سواء تعلق الأمر بالمسافات بين المدن، أو الأسماء الشائعة، أو العملات المستخدمة، أو التفاصيل المعمارية، أو حتى المعلومات النباتية، فإن كتّاب الأناجيل يثبتون دقة ملحوظة عند مقارنتهم بالمصادر التاريخية الأخرى.
أما على النقيض من ذلك، فيشير ويليامز إلى أن الكتابات الغنوصية اللاحقة تكاد تخلو من التفاصيل الجغرافية. فعند قراءة إنجيل توما المنحول مثلًا:
“لا تكون لديك أي فكرة عن مكان وجود يسوع. لا تعرف إن كان في السماء أو في روما أو أورشليم أو الجليل؛ أنت ببساطة لا تعلم.”
أما الأناجيل الأربعة في العهد الجديد فهي، بحسب وصفه:
“شديدة الارتباط بالواقع اليومي.”
فيسوع لا يعلّم تلاميذه في فراغ، بل يفعل ذلك مثلًا في مجمع كفرناحوم.
ويؤكد ريتشارد بوكهام Richard Bauckham الفكرة نفسها بقوله:
“من الأمور المميزة في الأناجيل الأربعة مقارنة بالأناجيل الغنوصية أنها تضع يسوع بدقة داخل التاريخ، مع وفرة من التفاصيل التاريخية. أما الأناجيل الغنوصية فلا تهتم بذلك إطلاقًا؛ إذ يظهر فيها يسوع كشخصية أسطورية منفصلة عن التاريخ الحقيقي. ولذلك لا توجد وسيلة لفحصها من خلال السياق التاريخي.”
أما المؤرخ الأسترالي جون ديكسون (John Dickson)، الذي شارك أيضًا في البرنامج، فيرى أن أهم مهمة للمؤرخ هي:
“وضع ادعاءات الأناجيل في خلفية كل ما نعرفه عن الإمبراطورية الرومانية، والتاريخ اليهودي في زمن يسوع، والاقتصاد السائد آنذاك، ثم مقارنة الرواية الإنجيلية بهذه الخلفية لمعرفة مدى انسجامها معها.”
ويضيف:
“هذه هي المنهجية التاريخية الأساسية.”
وما النتيجة؟
بحسب ديكسون، عندما تُعامل الأناجيل بوصفها شهادات تاريخية تُقَيَّم في ضوء الخلفية التاريخية، فإنها تبدو:
“في وضع جيد جدًا.”
وعلى النهج نفسه، يشجع عالم الرياضيات في أكسفورد جون لينوكس (John Lennox) المؤمنين والمتشككين على السواء بقوله:
“اختبروا ما يقوله الكتاب المقدس عن الأمور القابلة للفحص والبحث، وانظروا إن كانت دقيقة.”
ويضيف:
“لقد أُجري هذا النوع من البحث بتفصيل كبير، وأصالة النصوص أمر يستحق التحقيق الجاد.”
في وقت سابق من هذا العام ناقشت أيضًا هذا الموضوع مع ليديا ماكغرو (Lydia McGrew)، التي أصدرت مؤخرًا كتابًا بعنوان «شهادات للحقيقة: لماذا يمكنك الوثوق بالأناجيل؟»
أما كتابها الأول «مختبئ أمام الأنظار» ( فقد ركز على ما يُعرف بـ «التوافقات غير المقصودة» (Undesigned Coincidences)، وهي ترابطات عرضية بين تفاصيل متناثرة في الأناجيل تشير إلى أصالتها التاريخية.
وفي كتابها الجديد، تقدم أمثلة عديدة على هذه الظاهرة، كما تقارن بين التفاصيل الواردة في الأناجيل وبين ما نعرفه من مصادر خارجية، فتناقش الجغرافيا، وأنماط التسمية، والعادات اليهودية في القرن الأول، بل وتخصص فصلًا كاملًا لما تسميه “التفاصيل غير الضرورية”.
والنتيجة التي تصل إليها هي أن كتّاب الأناجيل الأربعة لا يظهرون كمختلقين أو مزورين للأحداث، بل كمؤرخين موثوقين للغاية، كانوا إما شهود عيان على الأحداث أو ناقلين أمناء لشهادات الآخرين.
بحسب الباحثين في جامعة أمستردام (University of Amsterdam)، فإن أفضل طريقة لاكتشاف الخداع، سواء في التصريحات المكتوبة أو المقابلات المصورة أو الأحاديث المباشرة، هي الانتباه الدقيق إلى التفاصيل. ويبدو لي أنه عندما نبدأ بملاحظة التفاصيل الصغيرة المنتشرة في أنحاء الأناجيل في العهد الجديد، يصبح من الواضح أكثر فأكثر أننا لا نتعامل مع «خرافات مصطنعة » (2 بطرس 1: 16)، بل مع أحداث تاريخية حقيقية.
ولا شك أن الأحداث المسجلة في هذه الوثائق غير عادية، على أقل تقدير، لكن عند إخضاعها لفحص دقيق، تبدو هذه الروايات وكأنها كُتبت على يد رجال اتسموا بالدقة والأمانة والصدق. وكما يقول ريتشارد بوكهام (Richard Bauckham): «إذا قررت أن الشاهد موثوق، فإنك تثق بشهادته».
Rosenthal, Shane – How to Detect Deception (The Humble Skeptic Podcast, 2023)
Verschuere, Bruno et al. – Nature Human Behavior (University of Amsterdam deception detection studies, LieLab)
Bauckham, Richard – Jesus and the Eyewitnesses (2006)
Williams, Peter J. – Can We Trust the Gospels? (2018)
Dickson, John – A Doubter’s Guide to Jesus (2010)
McGrew, Lydia – Hidden in Plain View (2017)
McGrew, Lydia – Testimonies to the Truth (2020)
Lennox, John – Can Science Explain Everything? (2019)
DePaulo, Bella M. et al. – “Lying and detecting lies: A meta-analysis” (1996)
Vrij, Aldert – Detecting Lies and Deceit (2019)
Ekman, Paul – Telling Lies (1985)
ليكون للبركة