أين شفى المسيح المجانين: في كورة الجدريين أم الجرجسيين؟
هل يوجد تناقض بين متى ومرقس ولوقا في تحديد مكان معجزة إخراج الشياطين؟

الإشكال
تذكر الأناجيل الثلاثة الأولى: متى ومرقس ولوقا، حادثة شفاء المسيح للمجانين أو الممسوسين بالشياطين. لكن يظهر أمام القارئ إشكال في اسم المكان.
فإنجيل متى يقول:
«وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْعَبْرِ إِلَى كُورَةِ الْجِرْجِسِيِّينَ اسْتَقْبَلَهُ مَجْنُونَانِ خَارِجَانِ مِنَ الْقُبُورِ، هَائِجَانِ جِدًّا، حَتَّى لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَجْتَازَ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ» (متى ٨: ٢٨).
بينما يذكر مرقس:
«وَجَاءُوا إِلَى عَبْرِ الْبَحْرِ، إِلَى كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ» (مرقس ٥: ١).
ويقول لوقا:
«وَسَارُوا إِلَى كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ الَّتِي هِيَ مُقَابِلُ الْجَلِيلِ» (لوقا ٨: ٢٦).
فهل تمت المعجزة في كورة الجدريين أم كورة الجرجسيين؟ وهل هذا اختلاف جغرافي حقيقي بين الأناجيل، أم أن الأمر مرتبط بمشكلة نصية أو اختلاف في تسمية المنطقة؟
الحل
الإشكال هنا ليس تناقضًا في الحدث نفسه، بل هو مرتبط بمسألة نصية وجغرافية في اسم المكان. فبعض المخطوطات تذكر الاسم بصيغة، ومخطوطات أخرى تذكره بصيغة مختلفة. ولذلك نجد في الترجمات والمراجع اختلافًا بين «الجدريين»، و«الجرجسيين»، وأحيانًا «الجراسيين» بحسب الشواهد النصية التي اعتمدت عليها الترجمة.
ويشير النص النقدي اليوناني للعهد الجديد، مثل نص نستله-آلاند وجمعيات الكتاب المقدس المتحدة، إلى قراءة تجعل مرقس ولوقا منسجمين مع متى في الإشارة إلى «كورة الجدريين» أو القراءة القريبة منها بحسب الشاهد النصي. لكن توجد مخطوطات أخرى تعطي اسم المنطقة على أنه «كورة الجراسيين» أو «الجرجسيين».
وهذا يعني أن المشكلة ليست في أن البشيرين اختلفوا في أصل الحدث، بل في أن بعض النساخ أو التقاليد النصية نقلت اسم المنطقة بصورة مختلفة. وهذه من المسائل المعروفة في النقد النصي، ولا تمس جوهر الرواية ولا حقيقة المعجزة.
شرح النقاط المهمة
١. اختلاف اسم المكان لا يعني اختلاف الحدث
الأناجيل الثلاثة تتفق في جوهر القصة: المسيح عبر إلى الناحية الأخرى من البحر، وهناك واجه أشخاصًا تحت سلطان الأرواح النجسة، وأخرج الشياطين منهم، ثم دخلت الشياطين في قطيع الخنازير، وانتهى الأمر بخروج أهل المنطقة ليطلبوا من المسيح أن ينصرف عن تخومهم.
فمتى يقول:
«فَإِذَا قَطِيعُ خَنَازِيرَ كَثِيرَةٍ تَرْعَى بَعِيدًا مِنْهُمْ. فَالشَّيَاطِينُ طَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: إِنْ كُنْتَ تُخْرِجُنَا فَأْذَنْ لَنَا أَنْ نَذْهَبَ إِلَى قَطِيعِ الْخَنَازِيرِ. فَقَالَ لَهُمُ: امْضُوا. فَخَرَجُوا وَمَضَوْا إِلَى قَطِيعِ الْخَنَازِيرِ، وَإِذَا قَطِيعُ الْخَنَازِيرِ كُلُّهُ قَدِ انْدَفَعَ مِنْ عَلَى الْجُرْفِ إِلَى الْبَحْرِ، وَمَاتَ فِي الْمِيَاهِ» (متى ٨: ٣٠–٣٢).
ومرقس يذكر نفس الجوهر:
«وَكَانَ هُنَاكَ عِنْدَ الْجِبَالِ قَطِيعٌ كَبِيرٌ مِنَ الْخَنَازِيرِ يَرْعَى. فَطَلَبَ إِلَيْهِ كُلُّ الشَّيَاطِينِ قَائِلِينَ: أَرْسِلْنَا إِلَى الْخَنَازِيرِ لِنَدْخُلَ فِيهَا. فَأَذِنَ لَهُمْ يَسُوعُ لِلْوَقْتِ. فَخَرَجَتِ الأَرْوَاحُ النَّجِسَةُ وَدَخَلَتْ فِي الْخَنَازِيرِ، فَانْدَفَعَ الْقَطِيعُ مِنْ عَلَى الْجُرْفِ إِلَى الْبَحْرِ. وَكَانَ نَحْوَ أَلْفَيْنِ، فَاخْتَنَقَ فِي الْبَحْرِ» (مرقس ٥: ١١–١٣).
فالاتفاق واضح في الحدث، أما الإشكال فهو في اسم الإقليم أو المنطقة.
٢. قد يكون الاختلاف بسبب تسمية المنطقة بأكثر من اسم
من الممكن أن يكون اسم «جدرة» أو «غدرة» مرتبطًا بمدينة أو مركز رئيسي في تلك المنطقة، ولذلك يُطلق على الإقليم كله اسم «كورة الجدريين»، حتى لو لم يكن كل سكان المنطقة من داخل المدينة نفسها.
وهذا أمر معروف في التعبير الجغرافي؛ فقد تُسمى المنطقة الواسعة باسم مدينة مهمة أو عاصمة إقليمية، كما يمكن أن يُشار إلى نفس الموضع باسم إقليمي أوسع. وبذلك لا يلزم أن يكون هناك تعارض بين أن يصف أحد البشيرين المنطقة من جهة اسم محلي أو إقليمي، بينما يستخدم آخر وصفًا أوسع أو مختلفًا.
٣. قد يكون هناك خطأ نسخي في بعض المخطوطات
من الاحتمالات القوية أن يكون بعض النساخ قد ظن أن الاسم في أحد الأناجيل يحتاج إلى توحيد مع اسم آخر، أو أنه فهم الإشارة في متى على أنها اسم مدينة محددة لا اسم شعب أو منطقة، فحاول تعديل الاسم في النسخ التي بين يديه. ومن هنا ظهرت قراءات مختلفة مثل «الجدريين»، و«الجراسيين»، و«الجرجسيين».
لكن وجود اختلاف نسخي في اسم مكان لا يعني وجود خطأ في النص الأصلي. النقد النصي يتعامل مع هذه القراءات ويقارن بين الشواهد، ولا توجد ضرورة للقول إن الأناجيل الأصلية كانت متناقضة.
٤. أفضل الشواهد النصية تميل إلى قراءة «الجدريين» عند عدد من الدارسين
يرى جايزلر وهاو أن أفضل الأدلة النصية تميل إلى قراءة «الجدريين»، مع الاعتراف بوجود آراء مختلفة بين المفسرين. والمهم هنا أن الاختلاف لا يمس العقيدة ولا الحدث الأساسي، بل يتعلق باسم منطقة في نقل المخطوطات.
فحتى لو اختلفت قراءة بعض المخطوطات، لا يوجد دليل يثبت وجود تعارض في المخطوطات الأصلية. بل الأرجح أن الإشكال نشأ في عملية النسخ أو بسبب اختلاف طريقة الإشارة إلى نفس الإقليم.
٥. لا يوجد تناقض جوهري بين الأناجيل
التناقض الحقيقي يكون عندما يثبت أن نصين يقرران أمرين متضادين لا يمكن اجتماعهما في نفس المعنى ونفس الجهة. أما هنا فلدينا عدة احتمالات معقولة: اختلاف تسمية المنطقة، أو استخدام اسم المدينة للدلالة على الإقليم، أو اختلاف نسخي لاحق في بعض الشواهد.
ولذلك لا يصح تحويل اختلاف اسم جغرافي في بعض المخطوطات إلى اتهام للأناجيل بالتناقض، خصوصًا أن مضمون المعجزة وسلطان المسيح على الأرواح النجسة ثابت وواضح في الروايات الثلاث.
الخلاصة
الإشكال في متى ٨: ٢٨–٣٤ ومرقس ٥: ١–٢٠ ولوقا ٨: ٢٦–٣٩ ليس تناقضًا في معجزة المسيح، بل يرتبط باسم المنطقة في بعض الشواهد النصية.
من الممكن أن تكون المنطقة قد عُرفت بأكثر من تسمية، أو أن تكون مدينة رئيسية مثل جدرة قد أعطت اسمها للإقليم، أو أن تكون بعض القراءات المختلفة قد نشأت من خطأ نسخي أو محاولة من بعض النساخ لتوحيد الأسماء.
وبناءً على ذلك، لا يوجد دليل على وجود تعارض في المخطوطات الأصلية، ولا يوجد خطأ يمس صدق الرواية الإنجيلية. فالأناجيل تتفق في جوهر الحدث: المسيح أظهر سلطانه على الأرواح النجسة، وشفى الممسوسين، وأعلن أن سلطانه لا يقتصر على المرض الجسدي، بل يمتد أيضًا إلى عالم الأرواح.
تنبيهات لاهوتية
لا ينبغي الخلط بين الاختلافات النصية في أسماء الأماكن وبين التناقضات العقائدية أو التاريخية. فوجود قراءة مختلفة في بعض المخطوطات لا يعني أن الوحي أخطأ، بل يعني أن عملية النسخ اللاحقة تحتاج إلى دراسة نصية دقيقة للتمييز بين القراءات.
كما أن هدف الرواية ليس تقديم درس جغرافي مجرد، بل إعلان سلطان المسيح على الشياطين، وقدرته على تحرير الإنسان من العبودية الروحية. وهذه الحقيقة ثابتة بوضوح في متى ومرقس ولوقا.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 336). Victor Books: Wheaton, Ill.