هل يوجد شيء مستحيل على الله؟
كيف يقول المسيح: «كل شيء مستطاع عند الله» بينما يقول العبرانيين إن الله لا يمكن أن يكذب؟

الإشكال
قال المسيح في إنجيل متى:
«هذَا عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلكِنْ عِنْدَ اللهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ» (متى ١٩: ٢٦).
وقد يبدو من هذه العبارة أن الله يستطيع أن يفعل أي شيء على الإطلاق، بلا أي تمييز أو قيد. لكن الرسالة إلى العبرانيين تقول:
«حَتَّى بِأَمْرَيْنِ عَدِيمَيِ التَّغَيُّرِ، لاَ يُمْكِنُ أَنَّ اللهَ يَكْذِبُ فِيهِمَا» (عبرانيين ٦: ١٨).
فكيف يقول الكتاب إن «كل شيء مستطاع عند الله»، ثم يقول في موضع آخر إن الكذب «لا يمكن» على الله؟ هل توجد أشياء مستحيلة على الله؟ وهل هذا يناقض قدرته الكلية؟
الحل
لا يوجد تناقض بين متى ١٩: ٢٦ وعبرانيين ٦: ١٨، لأن كل نص يتكلم في سياق مختلف.
في متى ١٩، كان المسيح يتكلم عن أمر مستحيل على الإنسان، لا عن كل الاحتمالات المنطقية والأخلاقية بصورة مجردة. لذلك قال أولًا:
«هذَا عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ» (متى ١٩: ٢٦).
ثم أضاف:
«وَلكِنْ عِنْدَ اللهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ» (متى ١٩: ٢٦).
أي إن ما يعجز الإنسان عن فعله، لا يعجز الله عنه. أما عبرانيين ٦: ١٨ فيتكلم عن أمور مستحيلة على الله لأنها تناقض طبيعته القدوسة والصادقة. فالله لا يكذب، لا لأنه ضعيف، بل لأنه كامل في قداسته وحقه.
شرح النقاط المهمة
١. متى ١٩ يتكلم عن المستحيل بشريًا
سياق متى ١٩ هو حديث المسيح عن صعوبة دخول الغني إلى ملكوت السماوات. بعد أن قال المسيح:
«وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنَّ مُرُورَ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ» (متى ١٩: ٢٤).
تعجب التلاميذ جدًا وقالوا:
«فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟» (متى ١٩: ٢٥).
فأجابهم المسيح:
«هذَا عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلكِنْ عِنْدَ اللهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ» (متى ١٩: ٢٦).
إذن، المقصود ليس أن الله يفعل التناقضات أو الشرور، بل أن خلاص الإنسان، المستحيل بقوة الإنسان، مستطاع بنعمة الله وقدرته.
٢. «كل شيء مستطاع» لا تعني أن الله يفعل ما يناقض طبيعته
عندما يقول الكتاب إن الله قادر على كل شيء، فالمقصود أنه قادر على كل ما يليق أن يكون موضوعًا للقدرة، أي كل ما هو ممكن فعله ولا يناقض طبيعته ولا الحق ولا المنطق.
أما الكذب، أو الشر، أو نفي الله لنفسه، فهذه ليست أفعالًا تعبّر عن قوة، بل عن نقص وفساد وتناقض. والله لا يفعلها، ليس لأنه عاجز، بل لأنه كامل.
لذلك تقول الرسالة إلى تيطس:
«عَلَى رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، الَّتِي وَعَدَ بِهَا اللهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ، قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ» (تيطس ١: ٢).
فاستحالة الكذب على الله تعني كمال صدقه، لا نقص قدرته.
٣. الله لا يستطيع أن يكذب لأن الكذب يناقض قداسته
الكذب ليس «قدرة» عظيمة يفتقدها الله، بل هو انحراف أخلاقي. والكتاب يعلن أن الله قدوس وصادق وأمين. لذلك لا يمكن أن يكذب، لأن الكذب يناقض ما هو عليه في ذاته.
يقول الكتاب:
«لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلاَ يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلاَ يَفِي؟» (عدد ٢٣: ١٩).
فالله لا يكذب لأنه إله الحق، وكلمته ثابتة، ومواعيده أمينة.
٤. الله لا يفعل ما يناقض ذاته
هناك أمور لا يفعلها الله لأنها تناقض طبيعته الإلهية. فهو لا يستطيع أن يتوقف عن كونه الله، ولا أن يصير غير قدوس، ولا أن ينكر نفسه.
يقول بولس الرسول:
«إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ» (٢ تيموثاوس ٢: ١٣).
وهذا لا يحد من قدرة الله، بل يعلن ثباته وكماله. لأن القدرة الكاملة لا تعني القدرة على النقص، بل القدرة المنسجمة دائمًا مع الكمال الإلهي.
٥. الله لا يفعل المستحيلات المنطقية
بعض الأسئلة التي تُطرح عن قدرة الله تكون مبنية على تناقض منطقي، مثل: هل يستطيع الله أن يصنع دائرة مربعة؟ أو هل يستطيع أن يخلق حجرًا كبيرًا جدًا لا يستطيع أن يرفعه؟
هذه ليست أشياء حقيقية حتى تكون موضوعًا للقدرة. «الدائرة المربعة» تناقض في اللفظ، لأنها تطلب من الشيء أن يكون دائرة ومربعًا في نفس الوقت وبنفس المعنى. وكذلك فكرة «حجر لا يستطيع الله رفعه» تحاول أن تجعل المخلوق أعظم من الخالق، وهذا تناقض.
الله لا يفعل التناقضات، لا لعجز فيه، بل لأن التناقض لا يمثل شيئًا ممكنًا أصلًا. قدرة الله تتعلق بكل ما يمكن فعله، لا بما هو ممتنع في ذاته.
٦. الله لا يجبر الإنسان أن يحبه بحرية
من الأمثلة المهمة أيضًا أن الله لا «يجبر» الإنسان أن يحبه بحرية، لأن العبارة نفسها متناقضة. الحب الحر لا يكون حرًا إذا كان مفروضًا بالقسر. يستطيع الله أن يدعو، ويعلن، ويعمل في القلب، ويجذب الإنسان بنعمته، لكنه لا يجعل «الإكراه» هو نفسه «حرية» في الوقت ذاته وبنفس المعنى.
إذن، عدم فعل التناقض ليس عجزًا، بل هو انسجام مع الحق.
٧. القدرة الكلية تعني أن الله قادر على كل ما هو ممكن
القدرة الكلية لا تعني أن الله يفعل الشر أو التناقض أو ما يناقض طبيعته. بل تعني أن الله قادر على كل ما هو ممكن فعله، وأنه لا يعجز عن تحقيق مقاصده الصالحة.
ولهذا قال أيوب:
«قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ» (أيوب ٤٢: ٢).
كما أن الكتاب يدعو الله «القدير»، أي صاحب السلطان المطلق والقدرة الكاملة، لا إلهًا محدودًا أو عاجزًا.
٨. استحالة الكذب على الله سبب للثقة لا للاعتراض
عبرانيين ٦: ١٨ لا يقدم مشكلة ضد قدرة الله، بل يقدم أساسًا لتعزية المؤمنين وثقتهم. لأن الله لا يكذب، فمواعيده لا تفشل. ولأن الله لا يتغير، فرجاؤنا فيه ثابت.
النص يقول:
«حَتَّى بِأَمْرَيْنِ عَدِيمَيِ التَّغَيُّرِ، لاَ يُمْكِنُ أَنَّ اللهَ يَكْذِبُ فِيهِمَا، تَكُونُ لَنَا تَعْزِيَةٌ قَوِيَّةٌ، نَحْنُ الَّذِينَ الْتَجَأْنَا لِنُمْسِكَ بِالرَّجَاءِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا» (عبرانيين ٦: ١٨).
إذن، استحالة الكذب على الله ليست ضعفًا، بل هي مصدر رجاء قوي، لأن الله أمين تمامًا لما وعد به.
الخلاصة
لا يوجد تناقض بين قول المسيح: «عند الله كل شيء مستطاع» وقول العبرانيين: «لا يمكن أن الله يكذب». فمتى ١٩ يتكلم عن المستحيل على الإنسان، خصوصًا خلاص الإنسان، الذي لا يتحقق بقوة البشر بل بقدرة الله ونعمته.
أما عبرانيين ٦ فيتكلم عن أمر مستحيل على الله لأنه يناقض طبيعته الصادقة والقدوسة. الله لا يكذب، ولا ينكر نفسه، ولا يصير غير قدوس، ولا يفعل التناقضات المنطقية. وهذا ليس نقصًا في قدرته، بل كمال في طبيعته.
الله قادر على كل ما هو ممكن فعله، ولا يعجز عن شيء يتفق مع طبيعته ومقاصده. أما الشر والتناقض والكذب فهي ليست تعبيرات عن القدرة، بل عن النقص، والله كامل لا نقص فيه.
تنبيهات لاهوتية
ينبغي فهم قدرة الله في ضوء طبيعته. فالله ليس قوة عمياء تفعل أي شيء بلا معنى، بل هو الإله القدوس الصادق الحكيم. قدرته لا تنفصل عن قداسته وحقه وحكمته.
كما يجب التمييز بين «المستحيل على الإنسان» و«المستحيل في ذاته». ما يستحيل على الإنسان قد يكون مستطاعًا عند الله، أما ما يناقض طبيعة الله أو يناقض المنطق، فليس موضوعًا حقيقيًا للقدرة أصلًا.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 351). Victor Books: Wheaton, Ill.