هل مكافآت الملكوت متساوية للجميع أم تختلف بحسب الأمانة؟
كيف نوفق بين مثل فعلة الكرم وبين النصوص التي تتكلم عن درجات مختلفة من المكافأة؟

الإشكال
في مثل فعلة الكرم، قال المسيح إن صاحب الكرم أعطى كل عامل نفس الأجرة، رغم أن بعضهم عمل من الصباح، وبعضهم عمل ساعات أقل، وبعضهم جاء في الساعة الأخيرة:
«فَجَاءَ أَصْحَابُ السَّاعَةِ الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ وَأَخَذُوا دِينَارًا دِينَارًا. فَلَمَّا جَاءَ الأَوَّلُونَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَكْثَرَ، فَأَخَذُوا هُمْ أَيْضًا دِينَارًا دِينَارًا» (متى ٢٠: ٩–١٠).
وقد يبدو من هذا المثل أن المكافآت في ملكوت الله واحدة للجميع، بلا اختلاف بين من تعب كثيرًا ومن تعب قليلًا. لكن الكتاب المقدس في مواضع أخرى يتكلم عن اختلاف المكافأة بحسب العمل والأمانة.
يقول بولس الرسول:
«إِنْ بَقِيَ عَمَلُ أَحَدٍ قَدْ بَنَاهُ عَلَيْهِ، فَسَيَأْخُذُ أُجْرَةً» (١ كورنثوس ٣: ١٤).
ويقول أيضًا:
«لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا» (٢ كورنثوس ٥: ١٠).
ويقول المسيح في سفر الرؤيا:
«وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي، لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ» (رؤيا ٢٢: ١٢).
فهل المكافآت واحدة للجميع؟ أم أنها تختلف بحسب أمانة كل شخص وعمله؟ وهل يتعارض مثل فعلة الكرم مع النصوص التي تتكلم عن درجات مختلفة من المكافأة؟
الحل
لا يوجد تعارض بين مثل فعلة الكرم وبين النصوص التي تتكلم عن اختلاف المكافآت. فالكتاب يعلّم أن هناك درجات مختلفة من المكافأة بحسب أمانة المؤمن للمسيح في حياته على الأرض. لكن قصد مثل متى ٢٠ ليس أن كل المكافآت ستكون متساوية في الدرجة، بل أن كل المكافآت هي في النهاية نعمة من الله.
المثل لا يعلّم أن الله يتجاهل الأمانة أو العمل، بل يعلّم أن الله لا يكافئ الناس بطريقة ميكانيكية تعتمد فقط على كمية الإنجاز الظاهر أو طول مدة الخدمة، بل ينظر أيضًا إلى الفرصة المتاحة، والدافع الداخلي، والأمانة بحسب ما أُعطي لكل إنسان.
بعبارة أخرى: المكافآت تختلف في الدرجة، لكنها كلها تقوم على نعمة الله وعدله وحكمته، لا على استحقاق بشري مستقل عن النعمة.
شرح النقاط المهمة
١. الكتاب يعلّم وجود درجات مختلفة من المكافأة
توجد نصوص واضحة تؤكد أن الله يجازي كل واحد بحسب عمله. المسيح نفسه قال في سفر الرؤيا:
«وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي، لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ» (رؤيا ٢٢: ١٢).
هذه العبارة لا تقول إن الجميع سينالون نفس المكافأة بغض النظر عن العمل، بل تقول إن المجازاة تكون «كما يكون عمله». وهذا يدل على أن أمانة الإنسان وعمله لهما وزن في دينونة المكافآت.
٢. بولس يوضح أن عمل المؤمن سيُختبر
في ١ كورنثوس ٣، يستخدم بولس صورة البناء، ويقول إن كل واحد يبني على الأساس الذي هو المسيح، لكن المواد تختلف: ذهب، فضة، حجارة كريمة، أو خشب، عشب، قش.
«فَعَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ سَيَصِيرُ ظَاهِرًا، لأَنَّ الْيَوْمَ سَيُبَيِّنُهُ. لأَنَّهُ بِنَارٍ يُسْتَعْلَنُ، وَسَتَمْتَحِنُ النَّارُ عَمَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ» (١ كورنثوس ٣: ١٣).
ثم يقول:
«إِنْ بَقِيَ عَمَلُ أَحَدٍ قَدْ بَنَاهُ عَلَيْهِ، فَسَيَأْخُذُ أُجْرَةً. إِنِ احْتَرَقَ عَمَلُ أَحَدٍ فَسَيَخْسَرُ، وَأَمَّا هُوَ فَسَيَخْلُصُ، وَلكِنْ كَمَا بِنَارٍ» (١ كورنثوس ٣: ١٤–١٥).
هذا يوضح أن الخلاص شيء، والمكافأة شيء آخر. فالمؤمن يخلص بالنعمة، لكن أعماله تُختبر، وما يبقى منها ينال عنه أجرة.
٣. كرسي المسيح يعلن عدل المكافأة
يقول بولس:
«لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا» (٢ كورنثوس ٥: ١٠).
فالمؤمنون لا يقفون أمام كرسي المسيح لكي يُدانوا للهلاك، بل لكي تُفحص أمانتهم وأعمالهم. وهذا يؤكد أن الله يأخذ حياة المؤمن بجدية، ويجازي بحسب الأمانة لا بحسب المظهر فقط.
٤. مثل فعلة الكرم لا ينفي اختلاف المكافآت
النقطة الأساسية في مثل متى ٢٠ ليست أن كل المكافآت الأبدية ستكون متساوية، بل أن الله صاحب السلطان في نعمته، وأنه يكافئ بحسب جوده وحكمته، لا بحسب حسابات البشر الضيقة.
في المثل، لم يكن كل العمال لديهم نفس الفرصة. البعض بدأ من الصباح، والبعض لم يجد عملًا إلا في وقت متأخر. صاحب الكرم لم يظلم الأولين، لأنه أعطاهم ما اتفق معهم عليه، لكنه أظهر كرمًا للآخرين.
«فَأَجَابَ وَقَالَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَا صَاحِبُ، مَا ظَلَمْتُكَ! أَمَا اتَّفَقْتَ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟ فَخُذِ الَّذِي لَكَ وَاذْهَبْ. فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَ هذَا الأَخِيرَ مِثْلَكَ» (متى ٢٠: ١٣–١٤).
إذن، المثل يبرز نعمة الله وحرية جوده، لا يلغي تعليم الكتاب عن اختلاف درجات المكافأة.
٥. الله يكافئ بحسب الفرصة لا بمجرد الإنجاز الظاهر
قد يعمل شخص مدة طويلة، ويعمل آخر مدة قصيرة، لكن الثاني لم تُتح له نفس الفرصة. وقد يكون إنسان أمينًا جدًا في ظروف محدودة، بينما آخر لديه فرص واسعة لكنه غير أمين بالقدر نفسه.
الله لا ينظر فقط إلى كمية العمل الخارجية، بل إلى القلب، والدافع، والفرصة، والأمانة في حدود ما أُعطي للإنسان.
لهذا قال المسيح في موضع آخر:
«فَكُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ، وَمَنْ يُودِعُونَهُ كَثِيرًا يُطَالِبُونَهُ بِأَكْثَرَ» (لوقا ١٢: ٤٨).
فالمعيار الإلهي ليس مجرد حجم الإنجاز الظاهر، بل الأمانة بحسب النور والفرصة والمسؤولية.
٦. الله ينظر إلى التصرف الداخلي كما ينظر إلى الفعل الخارجي
الأعمال مهمة، لكن الله لا يزن الأعمال كأرقام فقط. هو يعرف لماذا فعل الإنسان ما فعل، وبأي روح خدم، وبأي أمانة استجاب للفرصة التي أُعطيت له.
قد تبدو خدمة شخص عظيمة في نظر الناس لكنها مبنية على دوافع مختلطة، وقد تبدو خدمة آخر صغيرة لكنها أمينة ومحبّة ونقية أمام الله.
لذلك فمكافأة الله عادلة لأنها مبنية على معرفة كاملة بالقلب والعمل والفرصة والدافع.
٧. الخلاص بالنعمة والمكافأة بحسب الأمانة
ينبغي التمييز بين الخلاص والمكافأة. الخلاص ليس أجرة يستحقها الإنسان بأعماله، بل هو عطية نعمة في المسيح. أما المكافأة فهي مجازاة أبوية عادلة على أمانة المؤمن بعد أن صار لله.
يقول بولس عن الخلاص:
«لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال، كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ» (أفسس ٢: ٨–٩).
ثم يضيف مباشرة عن الأعمال:
«لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا» (أفسس ٢: ١٠).
إذن، الأعمال لا تشتري الخلاص، لكنها ثمرة الخلاص، والله يكافئ الأمانة فيها.
٨. المثل يواجه روح التذمر والمقارنة
من أهم مقاصد مثل فعلة الكرم أنه يكشف خطر مقارنة الإنسان نفسه بغيره والتذمر من نعمة الله للآخرين. فالعمال الأولون لم يُظلموا، لكنهم تضايقوا لأن صاحب الكرم أظهر كرمًا لمن جاءوا في آخر النهار.
قال لهم صاحب الكرم:
«أَوْ مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَفْعَلَ مَا أُرِيدُ بِمَا لِي؟ أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟» (متى ٢٠: ١٥).
إذن، المثل لا ينفي المكافآت المختلفة، بل يعلّم أن نعمة الله لا تخضع لحسد الإنسان أو حساباته الضيقة.
الخلاصة
الكتاب يعلّم أن هناك درجات مختلفة من المكافأة في السماء بحسب أمانة المؤمن وعمله ودوافعه وفرصته. وهذا واضح في ١ كورنثوس ٣، و٢ كورنثوس ٥، ورؤيا ٢٢.
أما مثل فعلة الكرم في متى ٢٠ فلا يهدف إلى القول إن كل المكافآت متساوية في الدرجة، بل يعلّم أن كل مكافأة هي نعمة، وأن الله يكافئ بحسب الفرصة والأمانة، لا بمجرد الحساب الظاهري للإنجاز أو طول مدة الخدمة.
لذلك لا يوجد تناقض. المكافآت تختلف بحسب الأمانة، لكنها كلها تقوم على نعمة الله وعدله. والله لا ينظر إلى العمل فقط، بل إلى القلب، والدافع، والفرصة، ومدى أمانة الإنسان فيما أُعطي له.
تنبيهات لاهوتية
لا ينبغي استخدام مثل فعلة الكرم لإلغاء تعليم الكتاب عن كرسي المسيح والمكافآت، ولا ينبغي استخدام تعليم المكافآت لتحويل النعمة إلى أجرة بشرية مستقلة عن الله.
التوازن الكتابي هو أن الخلاص بالنعمة وحدها، وأن المؤمنين، بعد الخلاص، يُدعون إلى حياة أمانة وخدمة، والله في عدله ونعمته يجازي كل واحد بحسب عمله.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 351). Victor Books: Wheaton, Ill.