القائمة إغلاق

هل شفى المسيح أعميين أم أعمى واحدًا؟ كيف نوفق بين متى الذي يذكر أعميين، ومرقس ولوقا اللذين يذكران أعمى واحدًا؟

هل شفى المسيح أعميين أم أعمى واحدًا؟

كيف نوفق بين متى الذي يذكر أعميين، ومرقس ولوقا اللذين يذكران أعمى واحدًا؟

هل شفى المسيح أعميين أم أعمى واحدًا؟ كيف نوفق بين متى الذي يذكر أعميين، ومرقس ولوقا اللذين يذكران أعمى واحدًا؟
هل شفى المسيح أعميين أم أعمى واحدًا؟ كيف نوفق بين متى الذي يذكر أعميين، ومرقس ولوقا اللذين يذكران أعمى واحدًا؟

الإشكال

يذكر إنجيل متى أن المسيح، عند خروجه من أريحا، شفى أعميين كانا جالسين على الطريق:

«وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ مِنْ أَرِيحَا تَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ. وَإِذَا أَعْمَيَانِ جَالِسَانِ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا سَمِعَا أَنَّ يَسُوعَ مُجْتَازٌ، صَرَخَا قَائِلَيْنِ: ارْحَمْنَا يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ!» (متى ٢٠: ٢٩–٣٠).

ثم يقول متى:

«فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَلَمَسَ أَعْيُنَهُمَا، فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَتْ أَعْيُنُهُمَا فَتَبِعَاهُ» (متى ٢٠: ٣٤).

لكن إنجيل مرقس يذكر أعمى واحدًا فقط، وهو بارتيماوس ابن تيماوس:

«وَجَاءُوا إِلَى أَرِيحَا. وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ أَرِيحَا مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَجَمْعٍ غَفِيرٍ، كَانَ بَارْتِيمَاوُسُ الأَعْمَى ابْنُ تِيمَاوُسَ جَالِسًا عَلَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي» (مرقس ١٠: ٤٦).

وكذلك يركّز لوقا على أعمى واحد:

«وَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ أَرِيحَا كَانَ أَعْمَى جَالِسًا عَلَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي» (لوقا ١٨: ٣٥).

فهل شفى المسيح أعميين كما يقول متى؟ أم أعمى واحدًا كما يذكر مرقس ولوقا؟ وهل يوجد تناقض واضح بين الروايات؟

الحل

لا يوجد تناقض بين الروايات، لأن مرقس ولوقا لا يقولان إن المسيح شفى «أعمى واحدًا فقط». هما يذكران أعمى واحدًا، لكن ذكر واحد لا ينفي وجود آخر. أما متى فيذكر العدد الكامل: كان هناك أعميان.

فالقاعدة المنطقية هنا بسيطة: إذا كان هناك اثنان، فمن الصحيح أن تذكر واحدًا منهما، خاصة إذا كان هذا الواحد معروفًا أو أكثر بروزًا في القصة. ومتى، كالعادة في بعض المواضع، يذكر العدد الكامل، بينما مرقس ولوقا يركزان على الشخص الأبرز في الحدث.

ومرقس يذكر اسم هذا الأعمى: «بارتيماوس ابن تيماوس». وهذا يدل غالبًا على أنه كان معروفًا للقراء أو للكنيسة الأولى، أو أن مرقس أراد التركيز على شخص محدد معروف بالاسم. لذلك لا يوجد تعارض: المسيح شفى أعميين، ومرقس ركز على واحد منهما، وهو بارتيماوس.

شرح النقاط المهمة

١. مرقس لا يقول: كان هناك أعمى واحد فقط

الاعتراض يفترض أن مرقس ولوقا ينفيان وجود أعمى ثانٍ، لكن النص لا يقول ذلك. مرقس يقول إن بارتيماوس الأعمى كان جالسًا على الطريق، لكنه لا يقول: «ولم يكن هناك غيره».

هناك فرق كبير بين أن يقول الكاتب: «شفى المسيح أعمى»، وبين أن يقول: «شفى المسيح أعمى واحدًا فقط». العبارة الأولى لا تنفي وجود آخر، أما الثانية فهي التي كانت ستعارض متى. ومرقس ولوقا لم يقولا العبارة الثانية.

٢. حيث يوجد اثنان، يوجد واحد بالضرورة

إذا قال شاهد إن المسيح شفى أعميين، وقال شاهد آخر إنه شفى بارتيماوس الأعمى، فلا يوجد تناقض. لأن وجود اثنين يتضمن بالضرورة وجود واحد منهما.

فمثلًا، لو أن شخصين حصلا على تكريم في مناسبة، وكان أحدهما معروفًا لديك، فمن الطبيعي أن تقول: «فلان حصل على التكريم»، دون أن تقصد أن الآخر لم يحصل عليه. أنت فقط ركزت على الشخص الذي تعرفه أو الذي يهمك ذكره.

هكذا فعل مرقس على الأرجح: ركز على بارتيماوس لأنه معروف بالاسم، بينما ذكر متى العدد الكامل للأعميين.

٣. متى أحيانًا يذكر العدد الكامل حيث يركز مرقس ولوقا على واحد

هذه ليست المرة الوحيدة التي يذكر فيها متى شخصين بينما يركز مرقس أو لوقا على واحد. ففي قصة مجنوني كورة الجدريين، يذكر متى مجنونين:

«وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْعَبْرِ إِلَى كُورَةِ الْجِرْجِسِيِّينَ، اسْتَقْبَلَهُ مَجْنُونَانِ خَارِجَانِ مِنَ الْقُبُورِ، هَائِجَانِ جِدًّا، حَتَّى لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَجْتَازَ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ» (متى ٨: ٢٨).

بينما يركز مرقس ولوقا على واحد. وهذا يشير إلى أسلوب سردي معروف: متى يذكر أحيانًا العدد الكامل، بينما يختار مرقس أو لوقا الشخصية الأبرز أو الأكثر ارتباطًا بالسرد.

٤. ذكر اسم بارتيماوس يفسر تركيز مرقس عليه

مرقس لا يكتفي بذكر أعمى مجهول، بل يذكر اسمه واسم أبيه:

«بَارْتِيمَاوُسُ الأَعْمَى ابْنُ تِيمَاوُسَ» (مرقس ١٠: ٤٦).

هذا التفصيل له دلالة مهمة. فذكر الاسم غالبًا يعني أن الشخص كان معروفًا في الدائرة المسيحية أو لدى قراء مرقس، أو أن شهادته كانت ذات أهمية خاصة. لذلك ركز مرقس عليه دون أن ينفي وجود أعمى آخر معه.

أما متى فاختار أن يبرز الحدث من جهة العدد الكامل: كان هناك أعميان صرخا معًا، ونالا الشفاء معًا، وتبعا المسيح معًا.

٥. اختلاف التركيز لا يعني اختلاف الحقيقة

الأناجيل لا تكتب بأسلوب نسخة مكررة حرفيًا من بعضها، بل تقدم شهادات متكاملة. كل بشير يختار ما يخدم غرضه وسرده. أحيانًا يذكر الكاتب الشخصين، وأحيانًا يركز كاتب آخر على الشخص الأشهر أو المتكلم أو المعروف بالاسم.

هذا لا يضعف صدق الرواية، بل يؤكد طبيعة الشهادة التاريخية. فالشهود الحقيقيون لا يروون الحدث دائمًا بنفس التفاصيل الدقيقة، لكنهم يتفقون في الحقيقة الأساسية: المسيح شفى الأعمى الجالس على الطريق عند أريحا، ومتى يضيف أن معه أعمى آخر أيضًا.

٦. لا يوجد تعارض بين «الأعمى» و«الأعميين»

التعارض الحقيقي كان سيظهر لو قال مرقس: «شفى المسيح أعمى واحدًا فقط ولم يكن معه أحد»، ثم قال متى: «كانا أعميين». لكن مرقس لم يقل ذلك. هو فقط ركز على بارتيماوس.

لذلك يمكن جمع الروايات هكذا: كان هناك أعميان عند الطريق، أحدهما هو بارتيماوس ابن تيماوس، وكان هو الأبرز أو المعروف بالاسم، فذكره مرقس ولوقا، بينما ذكر متى الاثنين معًا.

٧. جوهر الروايات واحد: رحمة المسيح وشفاؤه

رغم اختلاف مقدار التفاصيل، تتفق الروايات في جوهر الحدث: كان هناك أعمى أو أعميان على الطريق، صرخوا إلى المسيح طالبين الرحمة، والجموع حاولت إسكاتهم، لكن المسيح توقف، ودعاهم، وشفاهم.

في متى، يقول الأعميان:

«ارْحَمْنَا يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ!» (متى ٢٠: ٣٠).

وفي مرقس، يقول بارتيماوس:

«يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!» (مرقس ١٠: ٤٧).

والنداء واحد في معناه: إيمان بالمسيح ابن داود، وطلب للرحمة والشفاء.

الخلاصة

لم يخطئ متى عندما قال إن المسيح شفى أعميين، ولم يخطئ مرقس ولوقا عندما ركزا على أعمى واحد. فمرقس ولوقا لم يقولا إن المسيح شفى أعمى واحدًا فقط، بل ذكرا شخصًا واحدًا، وهو بارتيماوس، دون نفي وجود الآخر.

الأرجح أن بارتيماوس كان معروفًا بالاسم، لذلك ركز عليه مرقس، وذكر اسمه واسم أبيه. أما متى فذكر العدد الكامل للأعميين اللذين نالا الشفاء.

إذن، الروايات متناغمة: كان هناك أعميان، وأحدهما هو بارتيماوس. ذكر الواحد لا ينفي وجود الاثنين، بل يركز على الشخص الأبرز في القصة.

تنبيهات لاهوتية

ينبغي عدم اعتبار كل اختلاف في كمية التفاصيل تناقضًا. أحيانًا يذكر أحد الأناجيل العدد الكامل، بينما يركز إنجيل آخر على الشخص الأبرز أو المعروف بالاسم. هذا اختلاف في التركيز، لا تعارض في الحقيقة.

كما تكشف القصة عن رحمة المسيح واستجابته لمن يصرخ إليه بإيمان، حتى عندما تحاول الجموع إسكات الصوت المحتاج. فالمسيح توقف أمام صرخة الرحمة، وشفى من دعوه قائلين: «يا ابن داود، ارحمنا».

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 352). Victor Books: Wheaton, Ill.

هل شفى المسيح أعميين أم أعمى واحدًا؟

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة