هل ينبغي أن تكون الصلاة مستمرة أم قصيرة؟
الرد على شبهة لوقا 18: 1-7 ومتى 6: 7 حول الصلاة بلجاجة وكثرة الكلام

تُثار شبهة حول تعليم الرب يسوع عن الصلاة. فمن جهة، حذّر المسيح من الصلوات الطويلة المكررة التي يظن أصحابها أنهم يُستجابون بسبب كثرة كلامهم. ومن جهة أخرى، شجّع في مثل قاضي الظلم على الصلاة الدائمة وعدم الملل، وتكلم عن المختارين الذين يصرخون إلى الله نهارًا وليلًا. فهل يريد المسيح صلاة قصيرة أم صلاة مستمرة؟ وهل توجد مشكلة بين متى 6 ولوقا 18؟
الإجابة المختصرة هي: لا يوجد تناقض. فالمسيح لم يرفض الصلاة الطويلة في ذاتها، بل رفض التكرار الباطل والكلام الكثير الخالي من القلب، كأن كثرة الألفاظ هي التي تُجبر الله على الاستجابة. وفي المقابل، شجّع على الصلاة المستمرة الصادقة، الخارجة من قلب مؤمن يصرخ إلى الله بثقة واتضاع. المشكلة ليست في طول الصلاة، بل في طبيعتها: هل هي تكرار فارغ أم صرخة صادقة؟
موضع الإشكال
قال الرب يسوع في الموعظة على الجبل:
«وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلًا كَالأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ.»
متى 6: 7
ويبدو من هذا النص أن المسيح يرفض كثرة الكلام في الصلاة. لكن في لوقا 18، قدّم الرب مثلًا عن أرملة كانت تلحّ على قاضٍ ظالم حتى أنصفها، ثم قال:
«وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا مَثَلًا فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ.»
لوقا 18: 1
وقال أيضًا:
«أَفَلاَ يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ، الصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَارًا وَلَيْلًا، وَهُوَ مُتَمَهِّلٌ عَلَيْهِمْ؟»
لوقا 18: 7
فالشبهة تقول: هل الصلاة المقبولة قصيرة أم مستمرة؟ وهل نهى المسيح عن كثرة الصلاة ثم عاد وشجّع عليها؟
أولًا: المسيح لم يدن طول الصلاة بل التكرار الباطل
النص في متى 6 لا يقول: “لا تصلوا طويلًا”، بل يقول: «لا تكرروا الكلام باطلًا». فالمشكلة التي يواجهها المسيح ليست طول الصلاة، بل نوعية الصلاة التي تتحول إلى ألفاظ متكررة بلا قلب، أو إلى محاولة لإقناع الله بالكثرة اللفظية.
وهذا واضح من قوله:
«فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ.»
متى 6: 7
إذن الخطأ ليس أن يطيل الإنسان صلاته إذا كان قلبه حاضرًا، بل أن يظن أن الله يستجيب بسبب عدد الكلمات، أو بسبب التكرار الآلي، أو بسبب صيغة دينية تُقال بلا إيمان ولا توبة ولا علاقة حقيقية بالله.
ثانيًا: الله لا يستجيب بسبب كثرة الكلمات بل بسبب صدق القلب
الصلاة المسيحية ليست تعويذة، وليست تكديسًا لعبارات دينية. الله لا يحتاج إلى ضغط لفظي لكي يسمع، ولا يحتاج أن نكرر الكلام كأننا نذكّره بما لا يعرفه. فالرب يسوع قال مباشرة بعد التحذير من التكرار الباطل:
«فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ، لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ.»
متى 6: 8
فالصلاة ليست لإعلام الله بما يجهله، بل للدخول في علاقة ثقة واتكال وخضوع أمامه. لذلك ليست القيمة في كثرة الألفاظ، بل في صدق التوجه إلى الله.
ثالثًا: لوقا 18 يعلّم الاستمرار لا التكرار الفارغ
في لوقا 18، المسيح لا يشجع على تكرار باطل، بل على الثبات في الصلاة وعدم اليأس. يقول لوقا بوضوح إن هدف المثل هو:
«أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ.»
لوقا 18: 1
هذا تعليم عن المثابرة الروحية. فالمؤمن قد يواجه تأخر الاستجابة، أو ضيقًا طويلًا، أو ظلمًا، أو احتياجًا عميقًا، فيحتاج أن يظل ثابتًا في الصلاة، لا أن ييأس أو يفقد الثقة في صلاح الله.
إذن لوقا 18 لا يتحدث عن صلاة آلية مكررة بلا معنى، بل عن لجاجة مؤمنة وصبر روحي. وهذا يختلف تمامًا عن التكرار الباطل الذي أدانه المسيح في متى 6.
رابعًا: الفرق بين اللجاجة المقدسة وكثرة الكلام الباطل
ينبغي التمييز بين نوعين من الصلاة:
اللجاجة المقدسة
هي استمرار الإنسان في الطلب من الله بإيمان واتضاع وثقة، مع تسليم لمشيئة الله. هذه صلاة تنبع من قلب محتاج، يثق في صلاح الآب، ولا يترك الصلاة حتى لو تأخرت الاستجابة.
كثرة الكلام الباطل
هي ترديد كلمات كثيرة بلا روح، أو ظن الإنسان أن طول الصلاة في ذاته يجبر الله على الاستجابة، أو أن التكرار اللفظي له قوة مستقلة. هذا هو ما رفضه المسيح.
إذن ليس كل تكرار خطأ، وليس كل صلاة طويلة باطلة. الخطأ هو التكرار الفارغ، لا الإلحاح المؤمن. والخطأ هو كثرة الكلام كبديل عن القلب، لا استمرار القلب في الصراخ إلى الله.
خامسًا: الكتاب نفسه يقدّم أمثلة لصلاة طويلة وصادقة
لو كان طول الصلاة مرفوضًا في ذاته، لكان من الصعب فهم أمثلة كثيرة في الكتاب المقدس عن رجال الله الذين صلوا طويلًا أو تضرعوا بإلحاح. لكن الكتاب يمدح الصلاة الحارة الصادقة.
يقول يعقوب:
«طِلْبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا.»
يعقوب 5: 16
ويتكلم عن إيليا قائلًا:
«كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا، وَصَلَّى صَلاَةً أَنْ لاَ تُمْطِرَ، فَلَمْ تُمْطِرْ عَلَى الأَرْضِ ثَلاَثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ.»
يعقوب 5: 17
المعيار هنا ليس عدد الكلمات، بل قوة الطلبة وصدقها. فالصلاة قد تكون قصيرة وعميقة، وقد تكون طويلة وعميقة أيضًا. كما قد تكون قصيرة بلا قلب، أو طويلة بلا قلب. القضية في القلب والإيمان، لا في الزمن وحده.
سادسًا: المسيح نفسه صلى طويلًا
من أقوى الأدلة أن المسيح لم يرفض طول الصلاة في ذاته أن الرب يسوع نفسه قضى أوقاتًا طويلة في الصلاة. يقول لوقا:
«وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ للهِ.»
لوقا 6: 12
فالمسيح الذي حذّر من التكرار الباطل هو نفسه قضى الليل كله في الصلاة. هذا يثبت أن المشكلة لم تكن في طول الصلاة، بل في الصلاة الفارغة التي تعتمد على كثرة الكلام دون علاقة حقيقية بالله.
سابعًا: الصلاة المستمرة لا تعني تكرار نفس الكلمات بلا وعي
عندما يقول الكتاب إن المؤمنين يصرخون إلى الله نهارًا وليلًا، لا يعني ذلك أنهم يرددون نفس الجمل بلا فهم، بل يعني أن حياتهم متجهة إلى الله باستمرار، وأنهم لا يتركون الرجاء ولا يكفون عن الاتكال عليه.
يقول الرسول بولس:
«صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ.»
1 تسالونيكي 5: 17
وهذه العبارة لا تعني أن المؤمن لا يفعل شيئًا سوى ترديد كلمات الصلاة طوال اليوم، بل تعني أن يعيش في روح الصلاة الدائمة، في علاقة مستمرة مع الله، يرجع إليه في كل حين، ويضع احتياجاته أمامه بثقة.
ثامنًا: الله يسمع الصرخة الصادقة لا الاستعراض الديني
الفريسيون كانوا أحيانًا يستخدمون الصلاة كاستعراض ديني أمام الناس. وقد حذّر المسيح من هذا أيضًا:
«وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ.»
متى 6: 5
وهذا يوضح أن المشكلة في الصلاة ليست مجرد طولها، بل الدافع وراءها. فهناك صلاة طويلة لأنها صرخة قلب، وهناك صلاة طويلة لأنها استعراض. الأولى مقبولة، والثانية مرفوضة.
تاسعًا: لماذا استخدم المسيح مثل الأرملة وقاضي الظلم؟
مثل الأرملة وقاضي الظلم لا يعني أن الله يشبه القاضي الظالم، بل يستخدم المسيح المقارنة من الأقل إلى الأعظم. إن كان قاضٍ ظالم قد أنصف الأرملة بسبب إلحاحها، فكم بالحري الله العادل يسمع مختاريه الصارخين إليه؟
يقول المسيح:
«اسْمَعُوا مَا يَقُولُ قَاضِي الظُّلْمِ! أَفَلاَ يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ، الصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَارًا وَلَيْلًا، وَهُوَ مُتَمَهِّلٌ عَلَيْهِمْ؟»
لوقا 18: 6-7
المقصود إذن تشجيع المؤمنين على الثقة في عدل الله، لا تعليمهم أن يكثروا الكلمات بطريقة آلية. فالله يسمع، لكنه قد يتمهل بحسب حكمته، والمؤمن مدعو أن يظل ثابتًا في الصلاة.
عاشرًا: الصلاة المقبولة تجمع بين الصدق والمثابرة
الصلاة التي يعلّمها المسيح ليست مجرد كلمات قليلة ولا كلمات كثيرة، بل صلاة صادقة ومثابرة. قد تكون قصيرة مثل صرخة العشار:
«اَللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ.»
لوقا 18: 13
وقد تكون طويلة مثل صلاة المسيح طوال الليل. المهم أن تكون صلاة حقيقية من قلب متضع مؤمن، لا تكرارًا باطلًا ولا استعراضًا دينيًا.
هل يوجد تناقض حقيقي؟
لا يوجد تناقض. متى 6: 7 يدين التكرار الباطل وكثرة الكلام التي يظن الإنسان بسببها أنه يُستجاب له. أما لوقا 18: 1-7 فيعلّم الثبات في الصلاة واللجاجة الصادقة وعدم اليأس. فالأول يرفض الصلاة الفارغة، والثاني يشجع على الصلاة المستمرة الحية.
التناقض الحقيقي كان سيحدث لو قال المسيح: “لا تصلوا طويلًا أبدًا”، ثم قال: “صلوا طويلًا دائمًا”. لكنه لم يقل هذا ولا ذاك. بل قال: لا تجعلوا كثرة الكلام أساس الاستجابة، وفي الوقت نفسه لا تتركوا الصلاة ولا تيأسوا.
الخلاصة
لم يناقض المسيح نفسه في تعليمه عن الصلاة. فهو لم يدن الصلاة الطويلة، بل أدان التكرار الباطل والكلام الكثير الخالي من القلب. وفي لوقا 18، لم يشجع على الثرثرة الدينية، بل على الصلاة المستمرة الصادقة التي لا تمل ولا تفقد الرجاء.
الله لا يسمعنا بسبب كثرة كلماتنا، بل يسمع صرخة القلب المؤمن. لذلك يمكن أن تكون الصلاة قصيرة ومقبولة إذا خرجت من قلب صادق، ويمكن أن تكون طويلة ومقبولة إذا كانت مملوءة بالإيمان والاتضاع. أما الصلاة المرفوضة فهي التي تعتمد على الشكل والكثرة والتكرار بلا روح.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 393. Victor Books: Wheaton, Ill.