القائمة إغلاق

هل كان يوحنا المعمدان يعرف المسيح قبل المعمودية أم لا؟ يوحنا 1: 33 ومتى 3: 13-14

المحتوى

هل كان يوحنا المعمدان يعرف المسيح قبل المعمودية أم لا؟

الرد على شبهة يوحنا 1: 33 ومتى 3: 13-14 حول معرفة يوحنا بيسوع

هل كان يوحنا المعمدان يعرف المسيح قبل المعمودية أم لا؟ يوحنا 1: 33 ومتى 3: 13-14
هل كان يوحنا المعمدان يعرف المسيح قبل المعمودية أم لا؟ يوحنا 1: 33 ومتى 3: 13-14

تُثار شبهة حول معرفة يوحنا المعمدان بالرب يسوع قبل معموديته. ففي إنجيل يوحنا يقول المعمدان بوضوح: «وأنا لم أكن أعرفه». لكن في إنجيل متى، عندما جاء يسوع ليعتمد منه، حاول يوحنا أن يمنعه قائلًا: «أنا محتاج أن أعتمد منك، وأنت تأتي إليّ!» فهل كان يوحنا يعرف يسوع قبل المعمودية أم لم يكن يعرفه؟ وهل يوجد تناقض بين يوحنا ومتى؟

الإجابة المختصرة هي: لا يوجد تناقض. فمن الممكن أن يوحنا عرف يسوع معرفة شخصية أو عائلية أو عرف عنه بالسمعة، لكنه لم يكن يعرفه بعد بالمعرفة الإعلانية الكاملة كالمسيح المعلن لإسرائيل. عبارة «لم أكن أعرفه» لا تعني بالضرورة أن يوحنا لم يسمع عن يسوع قط أو لم يلتقِ به قط، بل تعني أنه لم يكن قد عرفه بعد في هويته المسيانية المعلنة علنًا، إلى أن نزل الروح القدس عليه وشهد الآب من السماء عند المعمودية.

موضع الإشكال

يقول يوحنا المعمدان في إنجيل يوحنا:

«وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لكِنِ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ، ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلًا وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ، فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ.»

يوحنا 1: 33

وقبل ذلك قال أيضًا:

«وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لكِنْ لِيُظْهَرَ لإِسْرَائِيلَ لِذلِكَ جِئْتُ أُعَمِّدُ بِالْمَاءِ.»

يوحنا 1: 31

لكن متى يذكر أن يوحنا عندما جاء إليه يسوع ليعتمد، حاول أن يمنعه وقال:

«حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى الأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ. وَلكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلًا: أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!»

متى 3: 13-14

فالشبهة تقول: كيف يقول يوحنا إنه لم يكن يعرف يسوع، بينما يبدو في متى أنه عرف عظمة يسوع قبل أن يعمده؟

أولًا: كلمة “أعرفه” قد تعني أكثر من نوع من المعرفة

ينبغي التمييز بين أنواع المعرفة. فقد يعرف الإنسان شخصًا من جهة القرابة أو السمعة أو اللقاء الشخصي، لكنه لا يعرف بعد دعوته الإلهية أو هويته العميقة كما سيعلنها الله.

فقد يقول شخص عن آخر: “لم أكن أعرفه”، مع أنه قابله من قبل، ويقصد: لم أكن أعرف حقيقته أو مقامه أو رسالته. بهذا المعنى، لا يلزم أن تكون عبارة يوحنا: «لم أكن أعرفه» نفيًا لكل معرفة شخصية سابقة، بل نفيًا للمعرفة الإعلانية الكاملة بأن يسوع هو المسيح الذي سيُعلن لإسرائيل.

ثانيًا: يوحنا ويسوع كانا قريبين بحسب الجسد

من الواضح من إنجيل لوقا أن أليصابات، أم يوحنا المعمدان، كانت نسيبة مريم أم يسوع. قال الملاك لمريم:

«وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَهذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الْمَدْعُوَّةِ عَاقِرًا.»

لوقا 1: 36

لذلك فمن الممكن أن يكون يوحنا قد عرف يسوع معرفة عائلية أو سمع عنه داخل إطار العائلة. لكن هذه المعرفة العائلية لا تعني بالضرورة أنه كان قد عرفه بعد كالمسيح المعلن رسميًا لإسرائيل.

بل إن لوقا يوضح أن يوحنا عاش حياة خاصة في البراري:

«أَمَّا الصَّبِيُّ فَكَانَ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، وَكَانَ فِي الْبَرَارِي إِلَى يَوْمِ ظُهُورِهِ لإِسْرَائِيلَ.»

لوقا 1: 80

بينما نشأ يسوع في الناصرة في خضوع ليوسف ومريم:

«ثُمَّ نَزَلَ مَعَهُمَا وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ وَكَانَ خَاضِعًا لَهُمَا. وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذِهِ الأُمُورِ فِي قَلْبِهَا.»

لوقا 2: 51

فحتى إن وُجدت صلة عائلية، فقد نشأ الاثنان في أماكن وظروف مختلفة، ولا يلزم أن يوحنا عاش مع يسوع أو عرف كل ما يخص دعوته العلنية قبل المعمودية.

ثالثًا: قد يكون يوحنا عرف يسوع بالسمعة لا بالإعلان الكامل

من الممكن أيضًا أن يوحنا كان يعرف عن يسوع بالسمعة أو من خلال قداسة حياته وتميزه، ولذلك قال: «أنا محتاج أن أعتمد منك». فقد أدرك أن يسوع أعظم منه وأنه بلا خطية تستدعي معمودية توبة كسائر الشعب.

لكن معرفة أن يسوع شخص قدوس وعظيم لا تساوي بالضرورة المعرفة الكاملة التي أعلنها الله عند المعمودية: أن هذا هو المسيح الذي يحل عليه الروح ويمسحه علنًا، وهو الذي يعمد بالروح القدس.

إذن يوحنا قد يكون عرف شيئًا عن يسوع قبل المعمودية، لكنه لم يعرفه بعد بالعلامة الإلهية المحددة التي أعطاها له الله.

رابعًا: يوحنا كان ينتظر علامة إلهية محددة

إنجيل يوحنا يوضح أن الله أعطى المعمدان علامة محددة يعرف بها المسيح في إعلانه الرسمي:

«لكِنِ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ، ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلًا وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ، فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ.»

يوحنا 1: 33

هذا يعني أن يوحنا لم يكن يعتمد على التخمين أو المعرفة العائلية أو السمعة. بل كان ينتظر إعلانًا إلهيًا واضحًا. والعلامة كانت نزول الروح القدس واستقراره على يسوع.

فبعد أن رأى العلامة، استطاع أن يشهد شهادة علنية مؤكدة:

«وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ.»

يوحنا 1: 34

خامسًا: المعمودية كانت لحظة الإعلان العلني للمسيح

يوحنا 1: 31 يوضح الهدف:

«لكِنْ لِيُظْهَرَ لإِسْرَائِيلَ لِذلِكَ جِئْتُ أُعَمِّدُ بِالْمَاءِ.»

يوحنا 1: 31

المسألة إذن ليست فقط معرفة يوحنا الشخصية، بل ظهور المسيح لإسرائيل. فحتى لو كان يوحنا يعرف يسوع بطريقة ما، لم يكن يسوع قد أُعلن بعد علنًا لإسرائيل بهذه الصفة المسيانية. المعمودية كانت لحظة الإعلان: الروح ينزل، والآب يتكلم، والابن يُعلن.

وهذا ينسجم مع رواية متى:

«فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ. وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلًا: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ.»

متى 3: 16-17

إذن بعد المعمودية صار لدى يوحنا إعلان إلهي علني، لا مجرد معرفة سابقة.

سادسًا: قول يوحنا في متى لا يلزم منه معرفته الكاملة بكل هوية المسيح

عندما قال يوحنا ليسوع: «أنا محتاج أن أعتمد منك»، فهذا يبين أنه أدرك عظمة يسوع وسموه الروحي. لكنه لا يلزم أن يكون قد عرف كل أبعاد هويته المسيانية قبل نزول الروح وشهادة الآب.

قد يكون يوحنا أدرك أن يسوع ليس محتاجًا إلى معمودية توبة مثل باقي الناس، وأنه أعظم منه روحيًا. ثم جاءت المعمودية لتؤكد وتعلن وتكشف أمام يوحنا وإسرائيل أن هذا هو ابن الله، الذي عليه يستقر الروح، والذي يعمد بالروح القدس.

فمعرفة يوحنا قبل المعمودية كانت حقيقية لكنها غير كاملة؛ أما بعد المعمودية فصارت معرفة إعلانية مؤكدة.

سابعًا: عبارة “لم أكن أعرفه” مرتبطة برسالة يوحنا العامة

ينبغي قراءة عبارة «لم أكن أعرفه» في سياق خدمة يوحنا. فهو لم يأتِ ليعلن شخصًا يعرفه من خلال علاقة عائلية أو قرابة، بل جاء كشاهد مرسل من الله:

«كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ اسْمُهُ يُوحَنَّا. هذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ، لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ.»

يوحنا 1: 6-7

يوحنا يوضح أن شهادته ليست مبنية على معرفة بشرية خاصة، بل على إعلان الله. لذلك يقول: «لم أكن أعرفه»، أي لم أكن أملكه كمعرفة ذاتية مستقلة، لكن الله الذي أرسلني أعطاني العلامة التي بها أعرفه وأشهد له.

ثامنًا: الله أراد أن تكون شهادة يوحنا مبنية على علامة علنية

لو كانت شهادة يوحنا قائمة فقط على أنه قريب ليسوع أو يعرفه سابقًا، لكان يمكن للناس أن يظنوا أنها شهادة عائلية أو شخصية. لكن نزول الروح وشهادة الآب جعلا الإعلان فوق كل معرفة بشرية.

ولهذا يقول يوحنا:

«وَشَهِدَ يُوحَنَّا قَائِلًا: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ.»

يوحنا 1: 32

شهادة يوحنا إذن مبنية على رؤية العلامة التي أعلنها الله، لا على مجرد معرفة بشرية سابقة.

تاسعًا: المسيح لم يكن معروفًا لإسرائيل كما سيُعلن عند المعمودية

قبل المعمودية، كان يسوع قد عاش حياة مخفية في الناصرة. لم يكن قد بدأ خدمته العلنية بعد، ولم يكن قد أُعلن لإسرائيل كالمسيا من خلال شهادة يوحنا ونزول الروح وصوت الآب.

لذلك يقول يوحنا:

«وَسْطَكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ.»

يوحنا 1: 26

لم يكن الشعب يعرف حقيقة يسوع، وكان يوحنا نفسه ينتظر العلامة الإلهية التي بها يعلنه. فالمعمودية كانت بداية الإعلان العلني لهويته ورسالته.

عاشرًا: الفرق بين المعرفة الشخصية والمعرفة اللاهوتية الإعلانية

يمكن تلخيص الحل في هذا التمييز: يوحنا ربما عرف يسوع معرفة شخصية أو عائلية أو بالسمعة، لكنه لم يكن يعرفه بعد بالمعنى اللاهوتي الإعلاني الكامل، أي باعتباره الشخص الذي يعلن الله أنه ابن الله، وحامل الروح، والمعمد بالروح القدس.

هذا يشبه أن يعرف إنسان شخصًا ما في حياته العادية، ثم يكتشف لاحقًا منصبه أو دعوته أو سلطانه الحقيقي. المعرفة الأولى لا تنفي المعرفة الثانية، بل تختلف عنها في النوع والعمق.

هل يوجد تناقض حقيقي؟

لا يوجد تناقض بين يوحنا 1: 33 ومتى 3: 13-14. متى يبين أن يوحنا أدرك عظمة يسوع وسموه قبل أن يعمده، وربما عرفه بالسمعة أو القرابة أو القداسة. أما يوحنا 1 فيتكلم عن معرفة يوحنا بالمسيح من خلال العلامة الإلهية التي تعلن يسوع لإسرائيل: نزول الروح واستقراره عليه.

فيوحنا لم يكن ينفي كل معرفة سابقة بيسوع، بل كان يقول إنه لم يعرفه بعد في هذه الصفة المعلنة من الله إلى أن رأى العلامة وشهد: «هذا هو ابن الله».

الخلاصة

لم يتناقض يوحنا ومتى في موضوع معرفة يوحنا المعمدان بيسوع. فقد يكون يوحنا عرف يسوع معرفة شخصية أو عائلية أو بالسمعة، خاصة أن مريم وأليصابات كانتا نسيبتين. لكنه لم يعرفه بعد كالمسيح المعلن لإسرائيل بالعلامة الإلهية المحددة إلا عند المعمودية.

عند معمودية يسوع، نزل الروح القدس عليه واستقر، وشهد الآب من السماء: «هذا هو ابني الحبيب». عندئذ صار لدى يوحنا إعلان إلهي كامل ومؤكد، فشهد قائلًا: «هذا هو ابن الله». لذلك فعبارة «لم أكن أعرفه» تعني: لم أكن أعرفه بهذا الإعلان المسياني العلني، لا أنه لم يعرف عنه شيئًا مطلقًا قبل ذلك.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 404. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل كان يوحنا المعمدان يعرف المسيح قبل المعمودية أم لا؟ الرد على شبهة يوحنا 1: 33 ومتى 3: 13-14 حول معرفة يوحنا بيسوع

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة