القائمة إغلاق

هل رفض المسيح عقوبة الإعدام في قصة المرأة الزانية؟ يوحنا 8: 3-11

المحتوى

هل رفض المسيح عقوبة الإعدام في قصة المرأة الزانية؟ يوحنا 8: 3-11

الرد على شبهة يوحنا 8: 3-11 ورومية 13: 4 حول المرأة الزانية وعقوبة الإعدام

هل رفض المسيح عقوبة الإعدام في قصة المرأة الزانية؟ يوحنا 8: 3-11
هل رفض المسيح عقوبة الإعدام في قصة المرأة الزانية؟ يوحنا 8: 3-11

تُثار شبهة حول موقف الرب يسوع من عقوبة الإعدام في قصة المرأة التي أُمسكت في زنا. فالشريعة الموسوية كانت تتضمن عقوبة الرجم في حالات معينة، وبولس في رومية 13 يتكلم عن سلطان الدولة الذي «لا يحمل السيف عبثًا». لكن في يوحنا 8 لم يطلب يسوع رجم المرأة، بل قال: «من كان منكم بلا خطية فليرمها أولًا بحجر»، ثم قال لها: «ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تخطئي أيضًا». فهل معنى ذلك أن المسيح رفض مبدأ عقوبة الإعدام؟ أم أن المشكلة في هذا الموقف كانت في فساد الإجراء، وسوء نية المشتكين، ومخالفتهم للشريعة التي زعموا الدفاع عنها؟

الإجابة المختصرة:
لا، يوحنا 8: 3-11 لا يثبت أن المسيح رفض مبدأ عقوبة الإعدام. المسيح رفض فخًا غير عادل رتّبه الكتبة والفريسيون، لأنهم لم يطبقوا الشريعة تطبيقًا صحيحًا، ولم يأتوا بالطرفين كما تتطلب الشريعة، وكانت نيتهم اصطياد المسيح لا طلب العدل. كما أن اليهود كانوا تحت سلطان روماني، وفي موضع آخر قالوا لبيلاطس: «لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا». إذن النص لا يناقش مبدأ سلطة الدولة في العقاب كما في رومية 13، بل يفضح محاكمة دينية فاسدة ودوافع خبيثة.

موضع الإشكال

يقول بولس عن السلطة الحاكمة:

«فَإِنَّهُ خَادِمُ اللهِ لِلصَّلاَحِ. وَلكِنْ إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ، لأَنَّهُ لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا، إِذْ هُوَ خَادِمُ اللهِ، مُنْتَقِمٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ.»

رومية 13: 4

لكن في يوحنا 8، جاء الكتبة والفريسيون بامرأة أُمسكت في زنا، وقالوا ليسوع:

«يَا مُعَلِّمُ، هذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ. وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟»

يوحنا 8: 4-5

فأجابهم المسيح:

«مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ.»

يوحنا 8: 7

ثم قال للمرأة:

«وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا.»

يوحنا 8: 11

فهل بهذا ألغى المسيح عقوبة الإعدام أو رفض مبدأ العقوبة المدنية نهائيًا؟

أين يقع الالتباس؟

يقع الالتباس في تحويل القصة إلى سؤال عام عن كل عقوبة إعدام، مع أن النص يتكلم عن موقف محدد مليء بالمخالفات: جهة دينية تحاول نصب فخ، تطبيق ناقص للشريعة، غياب الطرف الآخر في الجريمة، وسياق سياسي خاضع للسلطة الرومانية.

النص لا يضع يسوع أمام محكمة مدنية عادلة تطبق القانون بطريقة سليمة، بل أمام خصوم يريدون استخدام المرأة كأداة لإحراجه واتهامه. لذلك ليس من الدقة أن نجعل القصة رفضًا شاملًا لمبدأ سلطة الدولة في العقاب.

مفتاح فهم الشبهة:
المسيح لم يرفض العدل، بل رفض محاكمة فاسدة. القضية لم تكن: هل للدولة سلطان العقاب؟ بل: هل يحق لهؤلاء أن يستعملوا الشريعة بفوضى وانتقائية ومكر ليوقعوا بالمسيح؟

أولًا: رومية 13 يتكلم عن سلطة الدولة لا عن فخ ديني فاسد

في رومية 13، الكلام عن السلطة الحاكمة كخادمة لله في حفظ النظام ومعاقبة الشر. يقول بولس إن الحاكم «لا يحمل السيف عبثًا». هذا يختلف عن مشهد يوحنا 8، حيث لم تكن القضية منظورة أمام سلطة رومانية مختصة، بل أمام كتبة وفريسيين يحاولون امتحان يسوع.

إذن المقارنة المباشرة بين رومية 13 ويوحنا 8 تحتاج إلى دقة. رومية يتكلم عن وظيفة السلطة المدنية، أما يوحنا 8 فيكشف محاولة دينية غير عادلة لاستخدام الشريعة كفخ.

ثانيًا: اليهود كانوا تحت الحكم الروماني

في زمن المسيح، كان اليهود تحت سلطان روما. وهذا مهم جدًا في فهم الموقف. ففي محاكمة المسيح، قال اليهود لبيلاطس:

«فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاحْكُمُوا عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِكُمْ. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا.»

يوحنا 18: 31

هذا يثير سؤالًا مهمًا: إذا كانوا فعلًا لا يملكون قانونيًا حق تنفيذ القتل، فلماذا كانوا مستعدين هنا لرجم المرأة؟ ولماذا احتاجوا إلى بيلاطس في قضية المسيح؟ هذا يوضح أن موقفهم في يوحنا 8 لم يكن مجرد تطبيق قانوني مستقيم، بل كان موقفًا ملتبسًا ومشحونًا بالمكر.

ثالثًا: الكتبة والفريسيون لم يطبقوا شريعة موسى نفسها تطبيقًا صحيحًا

الذين جاءوا بالمرأة زعموا أنهم يدافعون عن ناموس موسى. لكن الشريعة لم تكن تقول بإحضار المرأة وحدها مع تجاهل الرجل. يقول سفر التثنية:

«إِذَا وُجِدَ رَجُلٌ مُضْطَجِعًا مَعَ امْرَأَةٍ زَوْجَةِ بَعْل، يُقْتَلُ الاثْنَانِ: الرَّجُلُ الْمُضْطَجِعُ مَعَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ إِسْرَائِيلَ.»

تثنية 22: 22

وفي الحالات المرتبطة بالرجم في نفس الإصحاح، لا تكون العقوبة على طرف واحد مع تجاهل الآخر. فإذا كانت المرأة أُمسكت «في ذات الفعل»، فأين الرجل؟ كيف وُجد الفعل دون الطرف الآخر؟

غياب الرجل يكشف أن القضية لم تكن طلبًا نزيهًا للعدل، بل انتقائية في تطبيق الشريعة. وهذا وحده يكفي لإسقاط شرعية موقفهم الأخلاقي والقانوني.

رابعًا: الدافع الحقيقي كان اصطياد المسيح لا إقامة العدل

يوحنا نفسه يشرح نية الكتبة والفريسيين:

«قَالُوا هذَا لِيُجَرِّبُوهُ، لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ.»

يوحنا 8: 6

إذن المرأة لم تكن في نظرهم نفسًا تحتاج إلى حق وعدل وتوبة، بل أداة في خطة للقبض على المسيح. كانوا يريدون أن يضعوه بين خيارين: إن رفض الرجم اتهموه بمخالفة موسى، وإن وافق على الرجم ربما اتهموه أمام الرومان أو صوّروه كقاسٍ ومتمرد.

لذلك تعامل المسيح مع الموقف لا كقضية قضائية طبيعية، بل كفخ مكشوف ومناورة شريرة.

خامسًا: قول المسيح “من كان منكم بلا خطية” ليس إلغاءً للقانون

قال المسيح:

«مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ.»

يوحنا 8: 7

هذا لا يعني أن أي قاضٍ أو سلطة لا يجوز لها أن تعاقب مجرمًا إلا إذا كان القاضي بلا خطية مطلقًا. لو كان هذا هو المعنى، لتعطلت كل قضاء وكل عقوبة، لأن كل البشر خطاة. لكن المسيح كان يخاطب مشتكيين متورطين في نفاق ومكر ومخالفة للعدل.

المعنى أن من أراد أن ينفذ الحكم وهو يزعم الدفاع عن الشريعة، فليكن هو نفسه مستقيمًا في تطبيقها، غير متلاعب بها، وغير مدفوع بالشر. المسيح كشف ضمائرهم، ولذلك انسحبوا واحدًا فواحدًا.

سادسًا: المسيح لم يبرر الزنا بل دعا المرأة إلى التوبة

قال المسيح للمرأة:

«وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا.»

يوحنا 8: 11

هذه العبارة لا تساوي تبرير الخطية. المسيح لم يقل لها: “ما فعلته ليس خطية”، بل قال: «لا تخطئي أيضًا». أي أنه دعاها إلى ترك الخطية وحياة التوبة.

إذن رحمة المسيح لا تلغي قداسته، وغفرانه لا يعني أن الخطية صارت مباحة. هو لم يسمح للفريسيين باستخدامها كأداة في فخ، لكنه أيضًا لم يبرر سلوكها.

سابعًا: المسيح رفض الانتقائية في تطبيق الشريعة

من أخطر ما في المشهد أن المشتكين أرادوا تطبيق العقوبة على المرأة وحدها، مع أن الشريعة تتكلم عن الطرفين. هذا ليس عدلًا، بل انتقائية.

والمسيح، بدل أن يدخل في لعبتهم، أعاد المسألة إلى ضمائرهم. فالذي يستخدم القانون ضد غيره وهو يكسر روح القانون نفسه ليس طالب حق. لذلك انكشفوا وانصرفوا:

«وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ، خَرَجُوا وَاحِدًا فَوَاحِدًا، مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ.»

يوحنا 8: 9

ثامنًا: النص لا يصلح كدليل ضد مبدأ عقوبة الإعدام

بناء على ما سبق، لا يصلح يوحنا 8 كنص لإثبات أن المسيح رفض مبدأ عقوبة الإعدام في كل الحالات. لأن النص لا يناقش تطبيقًا قضائيًا صحيحًا، بل يفضح سوء استخدام ديني وقانوني للشريعة.

لو أراد أحد أن يناقش موضوع عقوبة الإعدام كتابيًا، فعليه أن يدرس كل النصوص المتعلقة بالسلطة المدنية والعدل والعقوبة، مثل رومية 13: 4، وتكوين 9: 6، ومتى 26: 52. أما يوحنا 8 وحده فلا يثبت أن المسيح أبطل مبدأ العقوبة المدنية.

تاسعًا: نصوص أخرى تتكلم عن مبدأ العقاب والسيف

يقول سفر التكوين:

«سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ. لأَنَّ اللهَ عَلَى صُورَتِهِ عَمِلَ الإِنْسَانَ.»

تكوين 9: 6

وقال المسيح لبطرس:

«رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ.»

متى 26: 52

هذه النصوص لا تعني أن كل استخدام للعقوبة صحيح أو عادل، لكنها تبين أن الكتاب لا يختزل الموضوع في إلغاء مبدأ العقاب. بل يميّز بين سلطان الدولة الشرعي وبين العنف الشخصي أو الظلم أو الانتقام أو المحاكمات الفاسدة.

عاشرًا: الفرق بين الرحمة الشخصية والسلطة القضائية

ينبغي التمييز بين رحمة المسيح تجاه الخاطئ التائب أو المنكسر، وبين وظيفة القضاء العام في حماية المجتمع. المسيح أظهر رحمة للمرأة، ودعاها للتوبة، وكشف نفاق المشتكين. لكن هذا لا يعني أنه ألغى كل نظام قضائي أو كل عقوبة مدنية.

رومية 13 يتكلم عن وظيفة السلطة العامة، أما يوحنا 8 فيتكلم عن موقف ديني فاسد استُخدمت فيه امرأة خاطئة كطُعم لإدانة المسيح. الخلط بين الاثنين يؤدي إلى سوء فهم النصين.

حادي عشر: هل هذا اختلاف أم تناقض؟

لا يوجد تناقض بين يوحنا 8 ورومية 13. رومية 13 يتكلم عن سلطة الدولة في معاقبة الشر. أما يوحنا 8 فيتكلم عن رجال دين لم يلتزموا حتى بمتطلبات الشريعة التي استندوا إليها، وكانوا يتحركون بدافع اصطياد المسيح لا طلب العدل.

التناقض كان سيحدث لو قال الكتاب إن السلطة لا تملك أي حق في العقاب، ثم قال إنها تحمل السيف كخادمة لله. لكن يوحنا 8 لا يقول ذلك. بل يبين أن المسيح رفض فخًا فاسدًا، لا أنه ألغى وظيفة القضاء.

خلاصة الفكرة:
يوحنا 8 ليس نصًا عن إلغاء عقوبة الإعدام، بل عن كشف محاكمة غير عادلة: بلا سلطة صحيحة، بلا الطرفين، وبلا نية نقية. المسيح لم يبرر الخطية ولم يلغِ العدل، بل كشف النفاق ودعا الخاطئة إلى التوبة.

خلاصة دفاعية

قصة المرأة الزانية في يوحنا 8: 3-11 لا تثبت أن المسيح رفض مبدأ عقوبة الإعدام. فالكتبة والفريسيون لم يأتوا كقضاة عادلين، بل كمشتكين ماكرين يريدون اصطياد المسيح. كما أنهم خالفوا الشريعة نفسها عندما أحضروا المرأة وحدها دون الرجل، رغم أن الشريعة تتكلم عن الطرفين. وكانوا أيضًا في واقع سياسي تحت الحكم الروماني، وقد قالوا لاحقًا: «لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا».

لذلك قال المسيح: «من كان منكم بلا خطية فليرمها أولًا بحجر»، فكشف نفاقهم ومكرهم. ثم قال للمرأة: «ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تخطئي أيضًا»، فجمع بين الرحمة والدعوة إلى التوبة. إذن النص يرفض الظلم والانتقائية والفخاخ الدينية، ولا يصلح دليلًا على أن المسيح أبطل كل عقوبة مدنية أو رفض مبدأ سلطان الدولة في معاقبة الشر كما في رومية 13.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 415. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل رفض المسيح عقوبة الإعدام في قصة المرأة الزانية؟ يوحنا 8: 3-11 — الرد على شبهة يوحنا 8: 3-11 ورومية 13: 4 حول المرأة الزانية وعقوبة الإعدام

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة