هل المسيح واحد مع الآب أم متمايّز عنه؟ يوحنا 10: 30
الرد على شبهة يوحنا 10: 30 ويوحنا 16: 28 ويوحنا 14: 28 حول وحدة الابن مع الآب وتمايّزه عنه

الرد على شبهة يوحنا 10: 30 ويوحنا 16: 28 ويوحنا 14: 28 حول وحدة الابن مع الآب وتمايّزه عنه
تُثار شبهة حول قول الرب يسوع: «أنا والآب واحد». فالبعض يسأل: إن كان المسيح واحدًا مع الآب، فلماذا يميّز نفسه عن الآب في مواضع أخرى؟ ولماذا يقول إنه خرج من عند الآب ويمضي إلى الآب؟ ولماذا يصلي إلى الآب في يوحنا 17؟ بل ولماذا يقول: «أبي أعظم مني»؟ فهل المسيح هو الآب نفسه؟ أم هو شخص متمايز عن الآب؟ وكيف نفهم الوحدة والتمييز معًا دون تناقض؟
لا يوجد تناقض. المسيح واحد مع الآب في الجوهر والطبيعة الإلهية، لكنه متمايز عن الآب في الأقنوم أو الشخص. أي أن الابن ليس هو شخص الآب، لكنه من نفس الجوهر الإلهي الواحد. لذلك يصح أن يقول: «أنا والآب واحد» من جهة الطبيعة الإلهية، ويصح أيضًا أن يقول إنه خرج من عند الآب ويمضي إلى الآب، وأن يصلي إلى الآب، لأن الآب والابن شخصان متمايزان داخل الثالوث الواحد.
موضع الإشكال
قال الرب يسوع:
«أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ.»
يوحنا 10: 30
لكن في موضع آخر قال:
«خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَيْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ.»
يوحنا 16: 28
وفي يوحنا 17 نرى المسيح يصلي إلى الآب:
«تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهذَا وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَ: أَيُّهَا الآبُ، قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضًا.»
يوحنا 17: 1
كما قال:
«سَمِعْتُمْ أَنِّي قُلْتُ لَكُمْ: أَنَا أَذْهَبُ ثُمَّ آتِي إِلَيْكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ لأَنِّي قُلْتُ أَمْضِي إِلَى الآبِ، لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي.»
يوحنا 14: 28
فهل المسيح واحد مع الآب أم مختلف عنه؟ وهل تعني الوحدة أن الابن هو نفس شخص الآب؟
أين يقع الالتباس؟
يقع الالتباس في عدم التمييز بين نوعين من الكلام: الكلام عن الجوهر أو الطبيعة، والكلام عن الشخص أو الأقنوم. فالكتاب يعلن أن الآب والابن واحد في الجوهر الإلهي، لكنه لا يعلّم أن الآب هو نفس شخص الابن.
لذلك عندما يقول المسيح: «أنا والآب واحد»، فهو لا يقول: “أنا هو شخص الآب”، بل يعلن وحدة الجوهر والقدرة والعمل الإلهي. وعندما يصلي إلى الآب أو يقول إنه يذهب إلى الآب، فهو يعلن تمييز الأقنومين: الابن يتكلم مع الآب، لا مع نفسه.
العقيدة المسيحية لا تقول إن الآب والابن شخص واحد، ولا تقول إنهما إلهان منفصلان. بل تقول: إله واحد في الجوهر، وثلاثة أقانيم متمايزة. لذلك فالمسيح واحد مع الآب في الطبيعة، ومتمايز عنه في الأقنوم.
أولًا: يوحنا 10: 30 يعلن وحدة الجوهر لا إلغاء التمييز
قول المسيح: «أنا والآب واحد» لا يعني أن الابن هو نفس شخص الآب. فالعبارة نفسها تتضمن تمييزًا ووحدة معًا. فهو يقول: «أنا والآب»؛ وهذا تمييز بين “أنا” و“الآب”. ثم يقول: «واحد»؛ وهذا إعلان للوحدة.
إذن النص لا يسمح بتفسيرين خاطئين:
- لا يسمح بالقول إن الابن منفصل عن الآب في الجوهر كإله آخر.
- ولا يسمح بالقول إن الابن هو نفس شخص الآب بلا تمييز.
بل يقدم الصيغة الكتابية الدقيقة: تمييز في الشخص، ووحدة في الجوهر.
ثانيًا: سياق يوحنا 10 يتكلم عن قدرة إلهية واحدة
قبل أن يقول المسيح: «أنا والآب واحد»، قال عن خرافه:
«وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي.»
يوحنا 10: 28
ثم قال:
«أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي.»
يوحنا 10: 29
ثم يختم:
«أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ.»
يوحنا 10: 30
السياق واضح: يد الابن ويد الآب تحفظان الخراف حفظًا إلهيًا لا يستطيع أحد أن ينقضه. هذه ليست مجرد وحدة هدف أخلاقي، بل وحدة قدرة وسلطان إلهي. فالابن يفعل ما للآب أن يفعله: يعطي الحياة الأبدية ويحفظ المؤمنين إلى الأبد.
ثالثًا: اليهود فهموا أن كلام المسيح يتضمن مساواة بالله
بعد قوله: «أنا والآب واحد»، كان رد اليهود:
«فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ.»
يوحنا 10: 31
وعندما سألهم يسوع عن سبب الرجم، قالوا:
«لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا.»
يوحنا 10: 33
هذا يبين أن معاصري المسيح فهموا أن كلامه ليس مجرد إعلان اتفاق في الرأي أو الهدف، بل ادعاء مقام إلهي. لم يقل لهم المسيح: “أنتم أسأتم الفهم، أنا لا أقصد أي نوع من الوحدة الإلهية”، بل استمر في الدفاع عن علاقته الفريدة بالآب.
رابعًا: تمييز الابن عن الآب لا يلغي وحدته معه
عندما يقول المسيح:
«خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَيْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ.»
يوحنا 16: 28
فهو يعلن تمييزه الشخصي عن الآب. الابن خرج من عند الآب في إرساليته وتجسده، وأتى إلى العالم، ثم يعود إلى الآب. هذا لا يعني أنه مخلوق أو أقل في الطبيعة الإلهية، بل يعني أن هناك علاقة حقيقية بين الآب والابن.
وهذا التمييز ضروري في الإيمان المسيحي. فلو كان الابن هو نفس شخص الآب، لما أمكن أن يخرج من عند الآب أو يذهب إلى الآب أو يصلي إلى الآب. لكن لأن الآب والابن أقنومان متمايزان، فهذه اللغة مفهومة تمامًا.
خامسًا: صلاة المسيح للآب تثبت التمييز لا الانفصال
في يوحنا 17، يصلي المسيح إلى الآب:
«أَيُّهَا الآبُ، قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضًا.»
يوحنا 17: 1
هذه الصلاة لا تنفي لاهوت المسيح، بل تكشف العلاقة الأقنومية بين الآب والابن في إطار التجسد. الابن المتجسد يصلي إلى الآب، لا لأن الابن ليس إلهًا، بل لأنه أخذ طبيعتنا البشرية ودخل في علاقة الطاعة الكاملة للآب بحسب التدبير الخلاصي.
واللافت أن نفس الصلاة تتضمن إعلان مجد الابن السابق للعالم:
«وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ.»
يوحنا 17: 5
إذن صلاة المسيح لا تقدمه كمجرد إنسان عادي، بل كابن له مجد أزلي عند الآب قبل كون العالم.
سادسًا: “أبي أعظم مني” لا تنفي المساواة في الجوهر
قول المسيح: «أبي أعظم مني» في يوحنا 14: 28 لا يعني أن الآب أعظم في الطبيعة الإلهية، وإلا ناقض ذلك نصوص يوحنا الواضحة عن لاهوت المسيح ووحدته مع الآب. بل المقصود العظمة من جهة الموقع التدبيري في التجسد والإرسالية.
فالابن، في تجسده، أخذ صورة العبد وصار في وضع الاتضاع والطاعة. يقول بولس:
«الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.»
فيلبي 2: 6-7
إذن المسيح مساوٍ للآب في الجوهر الإلهي، لكنه في التجسد اتخذ موضع العبد والطاعة. لذلك يمكن أن يقال إن الآب أعظم منه من جهة الوضع التدبيري، لا من جهة الطبيعة الإلهية.
سابعًا: وحدة الطبيعة لا تعني وحدة الشخص
العقيدة المسيحية تمايز بين الجوهر (essence / nature) والشخص أو الأقنوم (person). الآب والابن والروح القدس ليسوا ثلاثة آلهة، بل إله واحد في الجوهر. وفي نفس الوقت، الآب ليس الابن، والابن ليس الروح القدس، والروح القدس ليس الآب.
لذلك فقولنا إن المسيح واحد مع الآب يعني أنه واحد معه في اللاهوت والطبيعة الإلهية، لا أنه نفس الأقنوم. هذا التمييز يحفظ النصوص كلها:
- يحفظ نصوص وحدة المسيح مع الآب.
- ويحفظ نصوص صلاته للآب وإرساليته من الآب وعودته إلى الآب.
ثامنًا: يوحنا يعلن لاهوت المسيح وتمييزه عن الآب منذ البداية
افتتاحية إنجيل يوحنا تجمع نفس الحقيقة: الكلمة كان عند الله، والكلمة كان الله:
«فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.»
يوحنا 1: 1
عبارة «كان عند الله» تدل على التمييز الشخصي. وعبارة «وكان الكلمة الله» تدل على وحدة الطبيعة الإلهية. إذن يوحنا لا يعلّم لا خلطًا بين الآب والابن، ولا انفصالًا بينهما في الألوهية.
هذا هو نفس المعنى الذي يظهر في يوحنا 10: 30: تمييز ووحدة معًا.
تاسعًا: المسيح يعمل أعمال الآب لأن له نفس الطبيعة الإلهية
في موضع آخر قال المسيح:
«أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ.»
يوحنا 5: 17
وكان رد اليهود:
«فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلًا نَفْسَهُ بِاللهِ.»
يوحنا 5: 18
إذن إنجيل يوحنا يقدم أكثر من موضع يعلن فيه المسيح علاقة فريدة بالآب يفهمها اليهود كمساواة بالله. ومع ذلك يظل الابن متمايزًا عن الآب في العلاقة والإرسالية.
عاشرًا: هل هذا اختلاف أم تناقض؟
لا يوجد تناقض بين يوحنا 10: 30 وبين يوحنا 16: 28 أو يوحنا 17 أو يوحنا 14: 28. التناقض كان سيحدث لو قالت المسيحية إن المسيح هو نفس شخص الآب، ثم قالت إنه يصلي إلى الآب. أو لو قالت إن المسيح منفصل عن الآب في الجوهر، ثم قالت إنه واحد معه. لكنها لا تقول أيًا من هذين.
الإيمان المسيحي يقول إن الابن واحد مع الآب في الجوهر، ومتمايز عنه في الأقنوم. لذلك فالنصوص التي تؤكد الوحدة تتكلم عن الطبيعة الإلهية، والنصوص التي تؤكد التمييز تتكلم عن العلاقة الأقنومية والإرسالية والتجسد.
يوحنا 10: 30 لا يعني أن المسيح هو نفس شخص الآب، بل أنه واحد معه في الجوهر الإلهي. وصلاته للآب وذهابه إلى الآب لا تنفي لاهوته، بل تثبت التمييز بين الآب والابن داخل الثالوث.
خلاصة دفاعية
قول المسيح: «أنا والآب واحد» يعلن وحدته مع الآب في الجوهر والطبيعة الإلهية. لذلك فهم اليهود أن كلامه يتضمن مساواة بالله، وحاولوا رجمه قائلين: «وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا». لكنه في نفس الوقت يميز نفسه عن الآب، فيقول إنه خرج من عند الآب ويذهب إلى الآب، ويصلي إلى الآب، لأن الابن ليس هو شخص الآب.
إذن الحل ليس إنكار لاهوت المسيح، ولا الخلط بين الآب والابن، بل فهم العقيدة الكتابية: إله واحد في الجوهر، وثلاثة أقانيم متمايزة. المسيح واحد مع الآب في الطبيعة الإلهية، ومتمايز عنه في الأقنوم والإرسالية والتجسد. لذلك لا يوجد تناقض، بل إعلان دقيق لسر الثالوث ووحدة الابن مع الآب وتمايزه عنه.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 417. Victor Books: Wheaton, Ill.