تخطى إلى المحتوى

كيف يفعل الأمم بالطبيعة ما في الناموس وهم بالطبيعة أبناء غضب؟ رومية 2: 14-15

  • بواسطة

كيف يفعل الأمم بالطبيعة ما في الناموس وهم بالطبيعة أبناء غضب؟ رومية 2: 14-15

هل تناقض رومية 2: 14 أفسس 2: 3 في معنى «الطبيعة»؟

كيف يفعل الأمم بالطبيعة ما في الناموس وهم بالطبيعة أبناء غضب؟ رومية 2: 14-15
كيف يفعل الأمم بالطبيعة ما في الناموس وهم بالطبيعة أبناء غضب؟ رومية 2: 14-15

قال الرسول بولس عن الأمم الذين ليس عندهم ناموس موسى:

«لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً» (رومية 2: 14-15).

لكن بولس نفسه يقول في رسالة أفسس:

«الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلًا بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا» (أفسس 2: 3).

فكيف يقول بولس إن الأمم «بالطبيعة» يفعلون ما في الناموس، ثم يقول إن البشر «بالطبيعة» أبناء غضب؟ هل الطبيعة تقود الإنسان إلى عمل الناموس أم إلى الخطية والغضب؟

الإجابة المختصرة

لا يوجد تناقض، لأن بولس يستخدم الكلام عن «الطبيعة» في سياقين مختلفين. في أفسس 2: 3 يتكلم عن ميل الإنسان الساقط إلى الخطية، أي عن سبب الأفعال الخاطئة ودافعها الداخلي. أما في رومية 2: 14-15 فيتكلم عن المعيار الأخلاقي المكتوب في قلب الإنسان، أي عن الناموس الطبيعي والضمير الذي يشهد بما ينبغي فعله. فهناك فرق بين ما يميل الإنسان الساقط إلى فعله بسبب فساده، وبين ما يعرف في ضميره أنه ينبغي عليه فعله بحسب ناموس الله المكتوب في القلب.

الفكرة الأساسية: أفسس يتكلم عن ميل الطبيعة الساقطة إلى الخطية، ورومية يتكلم عن شهادة الناموس الطبيعي في الضمير. الميل شيء، والمعيار شيء آخر.

موضع الاعتراض

الاعتراض يقوم على أن بولس يبدو كأنه يقول أمرين متضادين. ففي رومية 2: 14 يقول إن الأمم «بالطبيعة» يفعلون ما في الناموس. وهذا يبدو كأن طبيعة الإنسان قادرة على فعل ما يرضي الله.

لكن في أفسس 2: 3 يقول إن البشر «بالطبيعة أبناء الغضب»، أي أن طبيعتهم الساقطة تجعلهم مستحقين للدينونة. فكيف يجتمع القولان؟

الحل هو الانتباه إلى أن كلمة «الطبيعة» لا تُستخدم هنا بنفس الجهة تمامًا. مرة يتكلم بولس عن الميل الفاسد، ومرة عن الشهادة الأخلاقية الداخلية.

أولًا: أفسس 2 يتكلم عن سبب الأفعال الخاطئة

في أفسس 2، يصف بولس حالة الإنسان الساقط قبل النعمة. فهو يتكلم عن الناس وهم يسلكون بحسب شهوات الجسد، ويعملون مشيئات الجسد والأفكار:

«عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ» (أفسس 2: 3).

ثم يقول:

«وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ» (أفسس 2: 3).

فالكلام هنا عن حالة الإنسان الداخلية الساقطة، أي عن ميله إلى الخطية وحاجته إلى الخلاص. «بالطبيعة أبناء الغضب» لا تعني أن الإنسان بلا أي معرفة أخلاقية، بل تعني أن طبيعته الساقطة مائلة إلى العصيان، وتجعله تحت حكم الدينونة إن تُرك بلا نعمة.

ثانيًا: رومية 2 يتكلم عن معيار الأفعال في الضمير

أما في رومية 2، فبولس لا يقول إن الأمم بلا خطية أو أنهم يطيعون الله طاعة كاملة بالطبيعة. بل يقول إنهم، رغم أنهم لا يملكون ناموس موسى المكتوب، يملكون شهادة أخلاقية داخلية:

«يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ» (رومية 2: 15).

إذن، رومية 2 يتكلم عن القاعدة أو المعيار الذي يعرف به الإنسان أن هناك خيرًا وشرًا. فالأمم، دون أن يكون عندهم ناموس موسى، يعرفون في ضمائرهم بعض ما يوافق الناموس: مثل أن القتل والسرقة والخيانة والظلم أمور شريرة.

ثالثًا: الفرق بين الميل والمعيار

هذا هو مفتاح حل الشبهة: هناك فرق بين ما يميل الإنسان إلى فعله، وبين ما يعرف أنه ينبغي أن يفعله.

فالإنسان قد يعرف في ضميره أن الصدق خير، ومع ذلك يكذب. وقد يعرف أن الظلم شر، ومع ذلك يظلم. وقد يعرف أن الأمانة واجبة، ومع ذلك يخون. إذن وجود الناموس الطبيعي في القلب لا يعني أن الإنسان يطيعه دائمًا، بل يعني أنه مسؤول لأنه يعرف المعيار الأخلاقي.

أفسس يتكلم عن الميل الساقط الذي يدفع الإنسان إلى الخطية، ورومية يتكلم عن المعيار الأخلاقي الذي يشهد ضد الإنسان أو له.

تمييز مهم: الضمير لا يخلّص الإنسان، لكنه يشهد عليه. فهو يبيّن أن الإنسان يعرف شيئًا من الحق، حتى عندما يخالفه.

رابعًا: رومية 2 لا تنفي فساد الإنسان

رومية 2 لا تعلّم أن الأمم صالحون بالطبيعة أو أنهم يستطيعون أن يخلصوا بأعمالهم. بل بولس في نفس الرسالة يعلن بعد ذلك بوضوح:

«إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ» (رومية 3: 23).

إذن، عندما يقول إن الأمم يفعلون «بالطبيعة» ما في الناموس، فهو لا يقصد أنهم يطيعون الناموس كاملًا أو أنهم أبرار أمام الله. بل يقصد أنهم أحيانًا يفعلون ما يوافق الناموس لأن لديهم ضميرًا وناموسًا طبيعيًا مكتوبًا في القلب.

خامسًا: أفسس 2 لا تنفي وجود الضمير

في المقابل، أفسس 2 لا تعني أن الإنسان فقد كل حس أخلاقي أو أنه صار عاجزًا عن معرفة أي خير. فحتى الإنسان الساقط يبقى إنسانًا مخلوقًا على صورة الله، وله ضمير، ويمكن أن يعرف بعض الحق الأخلاقي.

لكن هذا لا يلغي أن طبيعته الساقطة مائلة إلى الخطية. فالإنسان ليس جاهلًا تمامًا بالخير، لكنه أيضًا ليس قادرًا أن يبرر نفسه أمام الله بمجرد معرفته للخير أو فعله لبعض الأمور الصالحة خارجيًا.

سادسًا: الناموس المكتوب في القلب يزيد المسؤولية

الهدف من كلام بولس في رومية 2 هو أن يبيّن أن الأمم أيضًا مسؤولون أمام الله. فاليهودي له الناموس المكتوب في الأسفار، أما الأممي فله شهادة الضمير والناموس الطبيعي المكتوب في القلب.

لهذا يقول:

«وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً» (رومية 2: 15).

فالضمير تارة يشتكي، أي يدين الإنسان عندما يفعل الشر، وتارة يحتج أو يدافع عندما يفعل ما يوافق الحق. وهذا يثبت أن الإنسان ليس بلا نور أخلاقي، حتى لو كان بلا ناموس موسى.

سابعًا: لماذا يستخدم بولس كلمة «بالطبيعة» في الموضعين؟

في أفسس، كلمة «بالطبيعة» مرتبطة بحالة الإنسان الساقطة وما صار إليه الإنسان في الخطية. أما في رومية، فهي مرتبطة بما هو موجود في الإنسان كإنسان، أي الضمير والشعور الأخلاقي العام الذي يجعله يعرف بعض مقتضيات الناموس دون أن يتسلم الناموس المكتوب.

فالطبيعة الإنسانية، بعد السقوط، تحمل جانبين في هذا النقاش: من جهة، هي ساقطة ومائلة إلى الشر. ومن جهة أخرى، لم تُمحَ منها تمامًا شهادة الله في الضمير والناموس الطبيعي. لذلك لا تعارض بين النصين.

مثال توضيحي

يمكن تشبيه الأمر بشخص يعرف قوانين المرور جيدًا، لكنه يميل إلى السرعة والتهور. معرفته للقانون شيء، وميله إلى مخالفته شيء آخر.

هكذا الإنسان يعرف في ضميره شيئًا من ناموس الله، وهذا ما تقوله رومية 2. لكنه يميل بطبيعته الساقطة إلى العصيان، وهذا ما تقوله أفسس 2. فلا تناقض بين معرفة المعيار ومخالفة المعيار.

المبدأ الدفاعي: بولس لا يقول إن الإنسان صالح بالطبيعة في رومية، ولا يقول إنه بلا ضمير في أفسس. بل يقول إن الإنسان يعرف المعيار، ومع ذلك يميل إلى مخالفته بسبب الخطية.

الرد المختصر على الشبهة

لا يوجد تناقض بين رومية 2: 14-15 وأفسس 2: 3. أفسس يتكلم عن طبيعة الإنسان الساقطة من جهة ميلها إلى الخطية واستحقاقها الغضب. أما رومية فيتكلم عن الناموس الطبيعي المكتوب في قلب الإنسان، أي المعيار الأخلاقي الذي يشهد له ضميره. فالإنسان قد يكون مائلًا إلى الخطية، ومع ذلك يعرف في ضميره أن بعض الأمور صالحة وبعضها شرير. الميل إلى الخطية لا يلغي وجود الضمير، ووجود الضمير لا يلغي فساد الطبيعة الساقطة.

الخلاصة

رومية 2: 14-15 لا تقول إن الأمم صالحون بالطبيعة أو أنهم يخلصون بأعمالهم، بل تقول إن عندهم شهادة أخلاقية داخلية تجعلهم مسؤولين أمام الله. وأفسس 2: 3 لا تقول إن الإنسان بلا أي معرفة أخلاقية، بل تقول إن طبيعته الساقطة تميل إلى الخطية وتجعله محتاجًا إلى النعمة. لذلك فالنصان يتكاملان: الإنسان يعرف الناموس في ضميره، لكنه يحتاج إلى الخلاص لأن طبيعته الساقطة لا تطيعه كاملًا.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 440). Victor Books: Wheaton, Illinois.

كيف يفعل الأمم بالطبيعة ما في الناموس وهم بالطبيعة أبناء غضب؟ رومية 2: 14-15