هل كل المدعوين يخلصون أم بعضهم فقط؟ رومية 8: 30
كيف يقول بولس إن المدعوين يتبررون ويتمجدون بينما قال المسيح «كثيرون يدعون وقليلون ينتخبون»؟

قال الرسول بولس:
«وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا» (رومية 8: 30).
لكن الرب يسوع قال:
«لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ» (متى 20: 16).
وقد يعترض البعض قائلًا: إذا كان بولس يقول إن كل الذين دعاهم الله يبررهم ويمجدهم، فكيف يقول المسيح إن كثيرين يُدعون لكن قليلين يُنتخبون؟ هل كل المدعوين يخلصون، أم أن بعض المدعوين فقط يخلصون؟
الإجابة المختصرة
لا يوجد تناقض، لأن كلمة «دعوة» تُستخدم هنا بمعنيين مختلفين. المسيح يتكلم عن الدعوة العامة، أي النداء أو الدعوة الموجهة إلى الجميع للتوبة والإيمان. هذه الدعوة يسمعها كثيرون، لكن لا يستجيب لها الجميع. أما بولس في رومية 8: 30 فيتكلم عن الدعوة الخاصة الفعالة، أي عمل الله الذي يأتي بالمؤمنين إلى الخلاص، ولذلك كل من يدعوهم بهذا المعنى يبررهم ويمجدهم.
الفكرة الأساسية: هناك دعوة عامة يسمعها كثيرون، ودعوة خلاص فعالة تتحقق في المؤمنين. اختلاف معنى الكلمة يزيل الإشكال.
موضع الاعتراض
الاعتراض يقوم على أن رومية 8: 30 يبدو أنه يجعل كل المدعوين مبررين وممجدين:
«وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا» (رومية 8: 30).
بينما متى 20: 16 يبدو أنه يقول إن هناك كثيرين مدعوين لا يصيرون مختارين:
«كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ» (متى 20: 16).
فلو كانت كلمة «يدعون» تعني الشيء نفسه في النصين، سيبدو أن هناك تعارضًا. لكن إن كانت الكلمة تُستخدم بمعنيين مختلفين بحسب السياق، فلا يوجد تناقض.
أولًا: الكلمة الواحدة قد تُستخدم بأكثر من معنى
ليس غريبًا في اللغة أن تُستخدم نفس الكلمة بمعنيين مختلفين بحسب السياق. فالكلمات لا تُفهم منفردة، بل من الجملة والموضوع الذي تُستخدم فيه.
يمكن تقريب الفكرة بمثال لغوي: قد نقول إن «الجرس يدعو الناس للاجتماع»، وقد نقول إن «الله يدعو الإنسان إلى الخلاص». الكلمة نفسها «يدعو» موجودة في المثالين، لكن معناها وعمقها يختلفان بحسب السياق.
وبنفس الطريقة، كلمة «دعوة» في متى 20 تشير إلى النداء العام الموجه إلى كثيرين، بينما في رومية 8 تشير إلى الدعوة الإلهية الخاصة التي تقود فعلًا إلى التبرير والتمجيد.
ثانيًا: دعوة المسيح في متى 20 دعوة عامة
عندما قال المسيح:
«كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ» (متى 20: 16).
كان يتكلم عن دعوة عامة أو نداء مفتوح. هذه الدعوة تصل إلى كثيرين، لكنها لا تعني أن كل من يسمعها يستجيب لها بالإيمان والطاعة.
فالإنجيل يُنادى به للجميع، والدعوة إلى الملكوت تُعرض على كثيرين، لكن البعض يرفضون الدعوة، أو يستجيبون ظاهريًا دون توبة حقيقية، أو يرفضون شروط الملكوت. لذلك قال المسيح إن الكثيرين يُدعون، لكن ليس كل المدعوين بهذا المعنى يكونون مختارين.
ثالثًا: دعوة بولس في رومية 8 دعوة فعالة للخلاص
أما في رومية 8: 30، فالكلام داخل سلسلة خلاصية واضحة:
«سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ… دَعَاهُمْ… بَرَّرَهُمْ… مَجَّدَهُمْ» (رومية 8: 30).
هذه ليست دعوة خارجية عامة قد تُقبل أو تُرفض فقط، بل دعوة إلهية فعالة مرتبطة بقصد الله الخلاصي. لذلك كل من هم داخل هذه السلسلة يصلون إلى التبرير والتمجيد.
فبولس لا يقول إن كل من سمع الوعظ بالإنجيل تبرر وتمجد، بل يتكلم عن الذين دعاهم الله دعوة خلاصية فعالة، أي الذين صاروا مؤمنين حقيقيين في المسيح.
رابعًا: الفرق بين الدعوة العامة والدعوة الخاصة
يمكن تلخيص الفرق هكذا:
| الدعوة العامة | الدعوة الخاصة |
|---|---|
| دعوة إلى الخلاص | دعوة الخلاص الفعالة |
| موجهة إلى جميع الناس | تتحقق في المؤمنين |
| قد لا تكون فعالة في كل السامعين | فعالة للخلاص |
إذن، في كلام المسيح، المقصود هو الدعوة العامة إلى الملكوت. أما في كلام بولس، فالمقصود هو الدعوة الخاصة الفعالة التي تأتي بالمؤمن إلى التبرير والتمجيد.
تمييز مهم: الدعوة العامة تُعلن الطريق للجميع، أما الدعوة الفعالة فتصف عمل الله في الذين يؤمنون وينالون الخلاص.
خامسًا: الدعوة العامة لا تعني خلاص كل السامعين
الإنجيل يُكرَز به للناس جميعًا، لكن سماع الدعوة وحده لا يعني الخلاص. فالإنسان قد يسمع كلمة الله ويرفضها، أو يسمعها دون إيمان حقيقي.
ولهذا قال المسيح في مواضع كثيرة إن الاستجابة للدعوة مهمة. فالدعوة العامة تكشف محبة الله ورغبته أن يأتي الناس إلى الحق، لكنها لا تعني أن كل من سمع الصوت الخارجي صار مبررًا وممجدًا.
لذلك، عندما يقول المسيح: «كثيرين يُدعون»، فهو لا يتكلم عن نفس الدعوة التي يصفها بولس بأنها تقود حتمًا إلى التبرير والتمجيد، بل عن النداء العام الذي يصل إلى كثيرين.
سادسًا: الدعوة الخاصة لا تلغي الكرازة العامة
قول بولس بوجود دعوة فعالة لا يعني إلغاء الدعوة العامة أو الكرازة للجميع. فالله يستخدم النداء العام بالإنجيل كوسيلة يدعو بها الناس، ومن خلال هذه الكرازة يعمل في المؤمنين ويأتي بهم إلى الخلاص.
إذن لا يوجد تعارض بين أن يُدعى الجميع لسماع الإنجيل، وبين أن تكون هناك دعوة خلاصية فعالة في المؤمنين. فالأولى هي نداء الخلاص للجميع، والثانية هي عمل الخلاص في الذين يستجيبون بالإيمان.
سابعًا: لماذا قال بولس إن المدعوين يتمجدون؟
في رومية 8، بولس يريد أن يعطي المؤمنين يقينًا أن خلاص الله لن يفشل. لذلك يضع سلسلة مترابطة من قصد الله إلى المجد:
«وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا» (رومية 8: 30).
فهو لا يناقش هنا كل من سمع الدعوة الخارجية، بل يتكلم عن المؤمنين الذين دخلوا في عمل الله الخلاصي. هؤلاء، من جهة قصد الله، دعوتهم مرتبطة بالتبرير والتمجيد.
ثامنًا: لماذا قال المسيح إن القليلين منتخبون؟
المسيح يركز على حقيقة أن الدعوة العامة لا تكفي دون الاستجابة الصحيحة. كثيرون يسمعون، لكن قليلين يستجيبون استجابة حقيقية. لذلك لا ينبغي للإنسان أن يتكل على مجرد سماع الدعوة أو وجوده في محيط ديني، بل أن يتوب ويؤمن ويثبت في الحق.
فكلام المسيح تحذيري، وكلام بولس تعزيتي. المسيح يحذر من الاكتفاء بالدعوة الخارجية، وبولس يعزي المؤمنين بأن دعوة الله الفعالة تقودهم إلى المجد.
المبدأ الدفاعي: النصان لا يتعارضان، لأن المسيح يتكلم عن اتساع الدعوة الخارجية، وبولس يتكلم عن يقين الدعوة الخلاصية الفعالة.
هل كل المدعوين يخلصون؟
الإجابة تعتمد على معنى كلمة «مدعوين». إن قصدنا الدعوة العامة، فلا، ليس كل من يسمع الدعوة يخلص، لأن كثيرين يُدعون وقليلين يُنتخبون. أما إن قصدنا الدعوة الخاصة في رومية 8: 30، فنعم، كل من يدعوهم الله بهذا المعنى يبررهم ويمجدهم.
لذلك لا يصح أن نأخذ معنى الكلمة من متى 20 ونفرضه على رومية 8، أو العكس. السياق هو الذي يحدد المعنى.
الرد المختصر على الشبهة
لا يوجد تناقض بين رومية 8: 30 ومتى 20: 16. كلمة «دعوة» تُستخدم بمعنيين مختلفين. في متى 20، المسيح يتكلم عن الدعوة العامة الموجهة إلى كثيرين، وهي دعوة قد لا يستجيب لها الجميع. أما في رومية 8، بولس يتكلم عن الدعوة الخاصة الفعالة التي بها يأتي الله بالمؤمنين إلى الخلاص، ولذلك من دعاهم بهذا المعنى بررهم ومجدهم.
الخلاصة
كل الذين دُعوا بالدعوة الفعالة في رومية 8 يخلصون، لأن هذه الدعوة جزء من عمل الله الخلاصي الذي يقود إلى التبرير والتمجيد. أما الدعوة العامة التي تكلم عنها المسيح فهي نداء الخلاص الموجه إلى كثيرين، وقد يرفضها البعض. لذلك فالكلمة واحدة، لكن المعنى مختلف بحسب السياق: دعوة عامة للجميع، ودعوة خلاص فعالة للمؤمنين.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 443). Victor Books: Wheaton, Illinois.