تخطى إلى المحتوى

كيف اقتبس بولس من أليفاز مع أن الله وبّخه؟ 1 كورنثوس 3: 19

  • بواسطة

كيف اقتبس بولس من أليفاز مع أن الله وبّخه؟ 1 كورنثوس 3: 19

هل كل كلام أليفاز كان خطأ، أم أن بولس اقتبس عبارة صحيحة أقرّها الوحي؟

كيف اقتبس بولس من أليفاز مع أن الله وبّخه؟ 1 كورنثوس 3: 19 هل كل كلام أليفاز كان خطأ، أم أن بولس اقتبس عبارة صحيحة أقرّها الوحي؟
كيف اقتبس بولس من أليفاز مع أن الله وبّخه؟ 1 كورنثوس 3: 19 هل كل كلام أليفاز كان خطأ، أم أن بولس اقتبس عبارة صحيحة أقرّها الوحي؟

قال الرسول بولس لأهل كورنثوس:

«لأَنَّ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ هِيَ جَهَالَةٌ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: الآخِذُ الْحُكَمَاءَ بِمَكْرِهِمْ» (1 كورنثوس 3: 19).

وهذا الاقتباس مأخوذ من كلام أليفاز التيماني في سفر أيوب:

«الآخِذُ الْحُكَمَاءَ بِحِيلَتِهِمْ، فَتَتَهَوَّرُ مَشُورَةُ الْمَاكِرِينَ» (أيوب 5: 13).

لكن في نهاية سفر أيوب قال الرب لأليفاز:

«قَدِ احْتَمَى غَضَبِي عَلَيْكَ وَعَلَى كِلاَ صَاحِبَيْكَ، لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ» (أيوب 42: 7).

وقد يعترض البعض قائلًا: إذا كان الله وبّخ أليفاز لأنه لم يتكلم بالصواب عن الله، فكيف يقتبس بولس من كلامه ويقول: «مكتوب»؟ وهل يمكن اعتبار كلام أليفاز موحى به أو صحيحًا؟

الإجابة المختصرة

لا يوجد تناقض. الله لم يقل إن كل جملة نطق بها أليفاز باطلة، بل وبّخه هو وصاحبيه لأنهم أخطأوا في تفسير سبب آلام أيوب، إذ اتهموه ضمنيًا بأن الله يعاقبه بسبب خطية خفية. هذا كان خطأهم الأساسي. لكن هذا لا يعني أن كل عبارة قالوها داخل حواراتهم كانت كاذبة. فالعبارة التي اقتبسها بولس، «الآخذ الحكماء بمكرهم»، هي عبارة صحيحة في ذاتها، وأقرّها الوحي في العهد الجديد عندما قدّمها بولس بعبارة «مكتوب».

الفكرة الأساسية: أليفاز أخطأ في تطبيق الحق على أيوب، لا في كل حقيقة قالها. بولس اقتبس حقيقة صحيحة، لا اتهامه الخاطئ لأيوب.

موضع الاعتراض

الاعتراض يقوم على أن بولس اقتبس من أليفاز مستخدمًا صيغة كتابية سلطانية:

«لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ» (1 كورنثوس 3: 19).

لكن أليفاز نفسه وُبّخ من الله في نهاية السفر:

«لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ» (أيوب 42: 7).

فيبدو كأن بولس يقتبس كلام شخص أعلن الله أنه لم يتكلم بالصواب. لكن الحل هو التمييز بين مضمون عام خاطئ في خطاب أليفاز، وبين عبارة محددة صحيحة قالها داخل هذا الخطاب.

أولًا: الله لم يقل إن كل كلام أليفاز باطل

توبيخ الله لأليفاز لا يعني أن كل جملة قالها في سفر أيوب كانت خطأ. المقصود أن أليفاز وأصحابه لم يتكلموا بالصواب عن الله في تفسيرهم لمحنة أيوب، لأنهم افترضوا أن آلام أيوب جاءت عقابًا مباشرًا على خطية معينة.

لكن بداية السفر تكشف أن أيوب لم يكن يتألم لأنه شرير أو مراءٍ، بل لأن الله سمح بتجربته لإظهار أمانته:

«فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ» (أيوب 2: 3).

إذن، خطأ أليفاز وأصحابه كان في اتهام أيوب وتفسير الألم تفسيرًا آليًا خاطئًا: بما أنك تتألم، فلا بد أنك مذنب. هذا هو موضع الخطأ، لا كل عبارة عامة نطقوا بها عن الله.

ثانيًا: يمكن أن يقول الشخص المخطئ عبارة صحيحة

ليس كل إنسان يخطئ في موضع يكون كل كلامه باطلًا. قد يبني شخص استنتاجًا خاطئًا على بعض الحقائق الصحيحة، أو يستخدم حقًا صحيحًا في تطبيق خاطئ.

وهذا ما حدث مع أليفاز. فقد قال أشياء صحيحة عن الله، مثل:

«الصَّانِعُ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ. الْمُعْطِي مَطَرًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، وَالْمُرْسِلُ مِيَاهًا عَلَى الْبَرَارِيِّ» (أيوب 5: 9-10).

هذه العبارة صحيحة في ذاتها: الله يعطي المطر ويرسل المياه. وبنفس الطريقة، قوله إن الله «يأخذ الحكماء بحيلتهم» صحيح في ذاته، حتى لو كان تطبيق أليفاز العام على حالة أيوب خاطئًا.

ثالثًا: العبارة التي اقتبسها بولس صحيحة في ذاتها

العبارة المقتبسة هي:

«الآخِذُ الْحُكَمَاءَ بِحِيلَتِهِمْ» (أيوب 5: 13).

وبولس استخدمها في سياق نقد حكمة العالم المتكبرة:

«لأَنَّ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ هِيَ جَهَالَةٌ عِنْدَ اللهِ» (1 كورنثوس 3: 19).

فبولس لم يقتبس اتهام أليفاز لأيوب، ولم يوافق على تفسيره الخاطئ لآلام أيوب. بل اقتبس مبدأ صحيحًا: أن الله يكشف مكر الحكماء المتكبرين، ويمسكهم في حيلهم.

تمييز مهم: الخطأ كان في توظيف أليفاز للحق ضد أيوب، أما المبدأ نفسه الذي اقتبسه بولس فهو صحيح: الله يبطل مكر الحكمة المتكبرة.

رابعًا: صيغة «مكتوب» تعطي العبارة سلطانًا كتابيًا

بولس لم يقتبس العبارة كحكمة بشرية عابرة، بل قال:

«لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ» (1 كورنثوس 3: 19).

وهذه صيغة يستخدمها العهد الجديد عادة لتقديم نص كتابي له سلطان. فالرب يسوع نفسه استخدم هذه الصيغة في التجربة:

«مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ» (متى 4: 4).

«مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلهَكَ» (متى 4: 7).

«لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ، وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ» (متى 4: 10).

لذلك، استخدام بولس لعبارة «مكتوب» يعني أن الروح القدس، في العهد الجديد، يقرّ هذه العبارة المحددة كحقيقة صحيحة ذات سلطان كتابي.

خامسًا: وحي السفر لا يعني أن كل متكلم داخله قال الحق دائمًا

من المهم فهم طبيعة الوحي في الأسفار التاريخية والحوارية. عندما يسجل الكتاب كلام شخص ما، فالوحي يضمن أن التسجيل أمين وصادق لما قيل، لكنه لا يعني أن كل جملة قالها كل شخص داخل القصة صحيحة لاهوتيًا.

فمثلًا، الكتاب يسجل كلام فرعون، وكلام الشيطان، وكلام أعداء الله، دون أن يعني ذلك أن مضمون كلامهم صحيح. لكن عندما يأتي كاتب موحى به في العهد الجديد ويقتبس عبارة محددة على أنها «مكتوبة»، فهو يقرّ صحة هذه العبارة المحددة، لا كل موقف الشخص الذي قالها.

وهنا بولس لا يعلن عصمة كل خطابات أليفاز، بل يقتبس جملة صحيحة من نص موحى به، ويستخدمها تحت سلطان الروح القدس.

سادسًا: الله نفسه يؤكد نفس المبدأ في أيوب

الفكرة التي اقتبسها بولس ليست غريبة عن إعلان الله في سفر أيوب. ففي نهاية السفر، حين يتكلم الله عن عظمة حكمته، يظهر نفس المعنى: أن الله لا يهاب حكمة المتكبرين ولا يخضع لها.

«لِذلِكَ يَهَابُهُ النَّاسُ. لاَ يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ حَكِيمِ الْقَلْبِ» (أيوب 37: 24).

فالمبدأ العام موجود في سفر أيوب نفسه: الله أعلى من حكمة الإنسان المتكبر، ويكشف ضعفها. لذلك كان مناسبًا أن يقتبس بولس قول أليفاز في 1 كورنثوس 3: 19.

سابعًا: خطأ أليفاز كان في اتهام أيوب لا في كل تعليمه العام

أليفاز وأصحابه أخطأوا لأنهم جعلوا آلام أيوب دليلًا على خطية شخصية مستترة. لكن القارئ يعرف من بداية السفر أن هذا التفسير غير صحيح. أيوب كان رجلًا كاملًا ومستقيمًا، والتجربة جاءت في إطار صراع أعمق كشف أمانته لله.

لذلك قال الرب في النهاية إنهم لم يقولوا فيه الصواب كما قال عبده أيوب. أي أنهم شوّهوا صورة تعامل الله مع أيوب، وجعلوا الله كأنه يعاقب أيوب بسبب شر خفي، بينما الحقيقة أن أيوب كان موضع شهادة إلهية عن التقوى والاستقامة.

ثامنًا: بولس يقتبس الحق لا الخطأ

الاقتباس الكتابي لا يعني الموافقة على كل الخلفية الكلامية التي وردت فيها العبارة من جهة المتكلم البشري. بولس أخذ عبارة صحيحة وأدخلها في موضعها الصحيح: بيان أن حكمة العالم جهالة عند الله.

فأليفاز استخدم حقائق عامة عن الله ليبني اتهامًا خاطئًا ضد أيوب، أما بولس فاستخدم هذه الحقيقة نفسها استخدامًا صحيحًا ضد افتخار البشر بحكمة العالم.

المبدأ الدفاعي: العبارة الصحيحة تبقى صحيحة حتى لو قالها شخص أخطأ في موضع آخر أو أساء تطبيقها.

هل يعني هذا أن كلام أليفاز موحى به كله؟

لا. سفر أيوب موحى به في تسجيله الأمين للحوار كله، لكن ليس كل رأي في الحوار صحيحًا لاهوتيًا. لذلك يجب قراءة أقوال أليفاز وأصحابه في ضوء حكم الله النهائي في السفر.

لكن العبارة التي اقتبسها بولس في 1 كورنثوس 3: 19 نالت تصديقًا رسوليًا صريحًا، لأنها مبدأ حق: الله يأخذ الحكماء بمكرهم. فالوحي لا يصدق كل اتهامات أليفاز، لكنه يصدق هذه العبارة المحددة.

الرد المختصر على الشبهة

بولس لم يعتبر كل كلام أليفاز صحيحًا، ولم يوافق على اتهامه لأيوب. الله وبّخ أليفاز لأنه أخطأ في تفسير آلام أيوب، لا لأن كل جملة قالها كانت كاذبة. العبارة التي اقتبسها بولس، «الآخذ الحكماء بمكرهم»، صحيحة في ذاتها، وقد أقرها العهد الجديد بصيغة «مكتوب». لذلك لا يوجد تناقض بين توبيخ الله لأليفاز وبين اقتباس بولس لعبارة صحيحة من كلامه.

الخلاصة

1 كورنثوس 3: 19 لا يعلّم أن كل خطابات أليفاز صحيحة، بل يقتبس عبارة صحيحة من داخل كلامه. أليفاز أخطأ في تطبيقه على أيوب، لأن آلام أيوب لم تكن عقابًا على خطية خفية. لكن قوله إن الله يأخذ الحكماء بمكرهم حق كتابي، وقد استخدمه بولس بوحي الروح القدس لإدانة حكمة العالم المتكبرة. لذلك فالمشكلة ليست في الاقتباس، بل في عدم التمييز بين الخطأ العام في موقف أليفاز والحق المحدد في العبارة المقتبسة.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 452). Victor Books: Wheaton, Illinois.

كيف اقتبس بولس من أليفاز مع أن الله وبّخه؟ 1 كورنثوس 3: 19