هل ضاعت رسالة موحى بها من بولس؟ 1 كورنثوس 5: 9
هل ذكر بولس لرسالة سابقة يعني أن الله سمح بضياع جزء من الوحي؟

قال الرسول بولس لأهل كورنثوس:
«كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ فِي الرِّسَالَةِ أَنْ لاَ تُخَالِطُوا الزُّنَاةَ» (1 كورنثوس 5: 9).
وقد يعترض البعض قائلًا: يبدو أن بولس يشير هنا إلى رسالة سابقة كتبها إلى كنيسة كورنثوس، وهذه الرسالة غير موجودة بين أسفار العهد الجديد. فإذا كانت رسالة رسولية موجهة إلى كنيسة، وتحتوي تعليمًا روحيًا وسلطانيًا، فهل كانت موحى بها؟ وإن كانت موحى بها، فكيف يسمح الله بضياع رسالة موحى بها؟
الإجابة المختصرة
لا يلزم أن تكون كل رسالة كتبها رسول مقصودة من الله لتكون جزءًا من قانون الكتاب المقدس. فقد يكون بولس كتب رسالة رعوية حقيقية إلى كورنثوس، لكنها لم تكن معدّة من الله للحفظ القانوني الدائم مثل أسفار العهد الجديد. وهناك احتمالات أخرى: قد تكون هذه الرسالة ليست مفقودة أصلًا، بل جزءًا من 2 كورنثوس، أو قد يكون بولس في 1 كورنثوس 5: 9 يشير إلى نفس الرسالة التي يكتبها في ذلك الوقت، باستخدام أسلوب لغوي معروف. لذلك لا يثبت النص أن جزءًا من الوحي القانوني ضاع.
الفكرة الأساسية: وجود رسائل رسولية غير محفوظة في القانون لا يعني ضياع الوحي، لأن الوحي القانوني هو ما قصده الله أن يُحفظ للكنيسة كلها.
موضع الاعتراض
الاعتراض يقوم على عبارة بولس:
«كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ فِي الرِّسَالَةِ» (1 كورنثوس 5: 9).
فقد تُفهم العبارة على أنها إشارة إلى رسالة سابقة قبل الرسالة التي نعرفها باسم 1 كورنثوس. فإذا كانت تلك الرسالة رسولية وموجهة إلى كنيسة، فكيف لا تكون جزءًا من الكتاب المقدس؟ وإذا كانت جزءًا من الوحي، فكيف فُقدت؟
لحل هذه الشبهة، يجب التمييز بين أمرين: أن يكتب رسول رسالة نافعة أو سلطانية في ظرف معين، وبين أن يقصد الله أن تُجمع هذه الرسالة ضمن قانون الكتاب المقدس وتحفظ للكنيسة عبر الأجيال.
أولًا: ليس كل ما كتبه الرسل كان بالضرورة جزءًا من القانون
الاحتمال الأول أن بولس كتب فعلًا رسالة أخرى إلى كورنثوس، لكنها لم تكن مقصودة من الله لتدخل ضمن قانون العهد الجديد. فليس كل ما كتبه رسول أو كل ما قيل في زمن الرسل كان معدًا بالضرورة ليكون كتابًا مقدسًا محفوظًا للأجيال.
لوقا يشير إلى وجود كثيرين كتبوا عن أحداث الإنجيل:
«إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا» (لوقا 1: 1).
لكن هذا لا يعني أن كل كتابة عن المسيح كانت جزءًا من القانون. كذلك يوحنا يوضح أن هناك أمورًا كثيرة صنعها المسيح ولم تُكتب كلها:
«وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ» (يوحنا 20: 30).
«وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ» (يوحنا 21: 25).
إذن، الاختيار القانوني لا يعني أن كل كلام أو كل رسالة أو كل حدث غير مكتوب كان بلا قيمة، بل يعني أن الله حفظ للكنيسة ما قصده أن يكون قاعدة إيمان وتعليم دائمة.
ثانيًا: الرسالة الرسولية ليست تلقائيًا سفرًا قانونيًا
كون بولس رسولًا لا يعني أن كل ملاحظة أو خطاب أو رسالة عملية كتبها في كل ظرف صارت تلقائيًا جزءًا من الكتاب المقدس. فالله يستطيع أن يستخدم الرسول في تعليم رعوي معين لكن لا يقصد حفظ كل وثيقة رعوية ضمن القانون.
القانون الكتابي هو مجموعة الأسفار التي قصد الله أن تُحفظ كقاعدة إيمان وممارسة للكنيسة كلها. أما الرسائل الظرفية التي لم تُحفظ، إن وُجدت، فقد أدّت غرضها المحلي والزمني ولم تكن جزءًا من القصد القانوني الدائم.
تمييز مهم: ليس السؤال: هل كتب بولس شيئًا نافعًا؟ بل: هل قصد الله أن يكون هذا المكتوب جزءًا من قانون الكتاب المقدس المحفوظ للكنيسة كلها؟
ثالثًا: قد لا تكون الرسالة مفقودة بل جزءًا من 2 كورنثوس
يرى بعض الدارسين أن الرسالة المشار إليها في 1 كورنثوس 5: 9 قد لا تكون مفقودة أصلًا، بل ربما تكون محفوظة داخل ما نعرفه اليوم برسالة 2 كورنثوس، خاصة في الإصحاحات 10-13.
ويستند هذا الرأي إلى أن نبرة 2 كورنثوس 10-13 مختلفة بوضوح عن نبرة الإصحاحات 1-9. فالإصحاحات الأولى أكثر تعزية ومصالحة، أما الإصحاحات الأخيرة ففيها لهجة دفاعية وحادة تجاه المعارضين. لذلك اقترح بعضهم أن هذه الفصول ربما كانت رسالة أو جزءًا من رسالة كتبت في مناسبة مختلفة ثم جُمعت لاحقًا مع بقية الرسالة.
وهذا الرأي لا يثبت بالضرورة، لكنه يبين أن القول بضياع رسالة كاملة ليس الاحتمال الوحيد. فقد يكون النص المشار إليه محفوظًا ضمن كتاب موجود في العهد الجديد.
رابعًا: ذكر «رسائل» بولس لا يثبت ضياع رسالة قانونية
يستشهد البعض بقول المعارضين عن بولس:
«لأَنَّ الرَّسَائِلَ يَقُولُونَ ثَقِيلَةٌ وَقَوِيَّةٌ، وَأَمَّا حُضُورُ الْجَسَدِ فَضَعِيفٌ، وَالْكَلاَمُ حَقِيرٌ» (2 كورنثوس 10: 10).
ويُقال إن صيغة الجمع «الرسائل» تدل على وجود أكثر من رسالتين إلى كورنثوس. لكن هذا لا يلزم منه أن هناك رسالة قانونية مفقودة. فقد تكون الإشارة عامة إلى طريقة بولس في الكتابة، أو إلى أكثر من خطاب معروف آنذاك، أو إلى أجزاء محفوظة ضمن الرسائل الموجودة.
وفي كل الأحوال، لا يثبت مجرد وجود مراسلات أخرى أن شيئًا من قانون الوحي ضاع.
خامسًا: قد يكون بولس يشير إلى نفس رسالة 1 كورنثوس
الاحتمال الثالث أن بولس في 1 كورنثوس 5: 9 لا يشير إلى رسالة سابقة مفقودة، بل إلى نفس الرسالة التي يكتبها الآن. في اليونانية يمكن أن يُستخدم الفعل الماضي في الرسائل بمعنى ما يقرؤه المستقبل عند وصول الرسالة، وهو ما يُعرف بالأسلوب الرسائلي.
بمعنى أن الكاتب، وهو يكتب الآن، يتكلم من زاوية القارئ الذي سيقرأ الرسالة لاحقًا، فيقول «كتبت إليكم» بمعنى «أنا أكتب إليكم الآن في هذه الرسالة».
وبهذا الفهم، لا توجد رسالة مفقودة أصلًا، بل بولس يشير إلى التوجيه الذي يكتبه داخل الرسالة الحالية بشأن عدم مخالطة الزناة.
سادسًا: الزمن اليوناني لا يحسم أنها رسالة سابقة
يشير المصدر إلى أن صيغة الماضي اليونانية المستخدمة هنا قد تشير إلى رسالة سابقة، لكنها قد تُستخدم أيضًا في نفس الرسالة الجارية. كما أن الزمن في اليونانية لا يطابق دائمًا فكرة الماضي الزمني البسيط كما في العربية أو الإنجليزية، بل قد يركز على نوع الفعل أو اكتماله.
لذلك لا يصح بناء شبهة كبيرة على أن «كتبت» لا بد أن تعني رسالة ضائعة. السياق واللغة يسمحان بأن يكون بولس يتكلم عن ما يكتبه الآن بطريقة حاسمة.
سابعًا: بولس يستخدم هذا الأسلوب في نفس الرسالة
يوجد مثال قريب في نفس 1 كورنثوس، حيث يقول بولس:
«وَلكِنِّي لَمْ أَسْتَعْمِلْ شَيْئًا مِنْ هذَا. وَلاَ كَتَبْتُ هذَا لِكَيْ يَصِيرَ فِيَّ هكَذَا» (1 كورنثوس 9: 15).
ومع أنه يقول «كتبت»، فهو يتكلم عن أمور يكتبها في نفس الرسالة، لا عن رسالة سابقة بالضرورة. وهذا يدعم إمكان أن يكون قوله في 1 كورنثوس 5: 9 من نفس النوع.
ثامنًا: كلمة «الآن» لا تلزم بوجود رسالة سابقة
قد يستدل البعض من 1 كورنثوس 5: 11، حيث يقول بولس:
«وَأَمَّا الآنَ فَكَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَنْ كَانَ أَحَدٌ مَدْعُوٌّ أَخًا زَانِيًا…» (1 كورنثوس 5: 11).
ويقولون إن «الآن» تقابل «حينئذٍ» في رسالة سابقة. لكن كلمة «الآن» يمكن أن تُفهم أيضًا بمعنى «بل بالحري» أو «في الواقع» أو «أما المقصود فهو»، أي أنها توضّح وتصحح سوء فهم محتمل.
فبولس قد يكون يقول: لم أقصد أن لا تخالطوا زناة هذا العالم مطلقًا، بل المقصود فعليًا أن لا تخالطوا من يُدعى أخًا وهو يعيش في هذه الخطية بلا توبة.
تاسعًا: لا يوجد دليل تاريخي مبكر على رسالة مفقودة معروفة
من النقاط المهمة أيضًا أنه لا يوجد دليل واضح في تاريخ الكنيسة المبكر على وجود رسالة بولسية أخرى إلى كورنثوس غير 1 و2 كورنثوس كانت معروفة ثم ضاعت كجزء من القانون.
لو كانت هناك رسالة قانونية موحى بها ومعروفة للكنيسة الجامعة ثم ضاعت، لكان من المتوقع أن نجد أثرًا واضحًا لهذا في شهادة الكنيسة الأولى. لكن لا توجد إشارة قاطعة إلى رسالة قانونية مفقودة من بولس إلى كورنثوس.
المبدأ الدفاعي: غياب وثيقة محلية محتملة لا يعني ضياع سفر قانوني. القانون هو ما حفظه الله للكنيسة كقاعدة إيمان دائمة.
هل يمكن أن يضيع الوحي؟
إذا قصدنا بالوحي كل توجيه أو تعليم قاله رسول في موقف رعوي، فقد تكون هناك أقوال ورسائل لم تُحفظ، كما أن أشياء كثيرة صنعها يسوع لم تُكتب. لكن إذا قصدنا الوحي القانوني، أي الأسفار التي أراد الله حفظها كأساس للكنيسة، فلا يثبت هذا النص أن شيئًا منها ضاع.
الله لم يَعِد أن يحفظ كل وثيقة كُتبت في العصر الرسولي، بل حفظ ما أراد أن يكون كتابًا مقدسًا للكنيسة. لذلك فوجود احتمال رسالة غير قانونية لا يمس كفاية الكتاب المقدس ولا عصمة الأسفار القانونية.
الاحتمالات الثلاثة باختصار
يمكن تلخيص المسألة في ثلاثة احتمالات:
- رسالة حقيقية غير قانونية: كتب بولس رسالة رعوية لم يقصد الله حفظها ضمن قانون العهد الجديد.
- رسالة محفوظة داخل 2 كورنثوس: ربما تكون الإشارة إلى جزء من رسالة محفوظة في الإصحاحات 10-13 من 2 كورنثوس.
- إشارة إلى 1 كورنثوس نفسها: ربما يستخدم بولس أسلوبًا رسائليًا يعني به ما يكتبه الآن في نفس الرسالة.
وفي كل الاحتمالات، لا يوجد دليل أن سفرًا موحى به قانونيًا ضاع من الكتاب المقدس.
الرد المختصر على الشبهة
1 كورنثوس 5: 9 لا يثبت أن رسالة موحى بها من القانون ضاعت. قد يكون بولس كتب رسالة أخرى لم تكن مقصودة للحفظ القانوني، كما أن كثيرًا مما فعله المسيح لم يُكتب كله. وقد تكون الرسالة المشار إليها محفوظة ضمن 2 كورنثوس، أو قد يكون بولس يشير إلى نفس 1 كورنثوس مستخدمًا أسلوبًا رسائليًا. لذلك فالنص لا يهدد كفاية الكتاب المقدس ولا يعني أن الله سمح بضياع جزء من الوحي القانوني.
الخلاصة
لا يلزم من قول بولس «كتبت إليكم» وجود رسالة قانونية مفقودة. وإن كانت هناك رسالة سابقة فعلًا، فلا يلزم أنها كانت مقصودة من الله لتكون جزءًا من قانون الكتاب المقدس. الله حفظ للكنيسة ما أراد أن يكون قاعدة إيمان وتعليم دائمة، ولا يوجد دليل تاريخي أو نصي قاطع على أن سفرًا موحى به من أسفار العهد الجديد قد ضاع.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 452). Victor Books: Wheaton, Illinois.