هل رفض بولس كل الممارسات المثلية أم المسيئة فقط؟ 1 كورنثوس 6: 9
هل عبارة “homosexual offenders” تعني نوعًا مسيئًا فقط من الفعل، أم الفعل نفسه؟

قال الرسول بولس لأهل كورنثوس:
«أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ، وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ، وَلاَ فَاسِقُونَ، وَلاَ مَأْبُونُونَ، وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ، وَلاَ سَارِقُونَ، وَلاَ طَمَّاعُونَ، وَلاَ سِكِّيرُونَ، وَلاَ شَتَّامُونَ، وَلاَ خَاطِفُونَ، يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ» (1 كورنثوس 6: 9-10).
ويعترض البعض بالاستناد إلى ترجمة NIV الإنجليزية التي استخدمت تعبير “homosexual offenders”، فيقولون إن بولس لا يدين الممارسة المثلية في ذاتها، بل يدين فقط الأفعال المثلية «المسيئة» أو «الاعتدائية» أو «المؤذية». وبحسب هذا الاعتراض، يكون النص ضد شكل فاسد أو مؤذٍ من الممارسة، لا ضد كل ممارسة جنسية بين نفس الجنس.
فهل كان بولس يدين كل السلوك المثلي بحسب التعليم الكتابي؟ أم فقط نوعًا مسيئًا منه؟
الإجابة المختصرة
بولس لا يميز هنا بين ممارسة مثلية «مسيئة» وأخرى «غير مسيئة»، بل يدرج الفعل نفسه ضمن قائمة الخطايا التي لا توافق ملكوت الله. تعبير “homosexual offenders” في NIV لا يعني أن الإدانة محصورة في نوع مؤذٍ فقط، بل يعني أن الفعل المثلي نفسه هو نوع المخالفة المقصود. ولو كان المقصود هو إدانة النوع المسيء فقط، لكان يجب تطبيق نفس المنطق على الزنا وعبادة الأوثان والسرقة المذكورة في نفس القائمة، فيقال إن بولس يدين فقط الزنا المسيء أو عبادة الأوثان المسيئة، وهذا غير معقول. كما أن باقي نصوص الكتاب لا تضع هذا التقييد أصلًا.
الفكرة الأساسية: النص لا يدين «نوعًا مسيئًا» فقط من الممارسة، بل يذكر الممارسة نفسها كنوع من الخطية ضمن قائمة أوسع من الخطايا.
موضع الاعتراض
الاعتراض يعتمد على قراءة معينة لتعبير “homosexual offenders” في بعض الترجمات الإنجليزية. فيُقال إن كلمة “offenders” تعني «المسيئين» أو «المعتدين»، وبالتالي فبولس لا يرفض العلاقة المثلية في ذاتها، بل يرفض فقط السلوك المثلي المؤذي أو الاستغلالي.
لكن هذا التفسير يحمّل الترجمة ما لا تحتمله، ويتجاهل سياق القائمة كلها، ويتجاهل بقية التعليم الكتابي في هذا الموضوع.
أولًا: المقصود هو نوع المخالفة لا نوع الإساءة
في التعبير الإنجليزي “homosexual offenders”، كلمة “homosexual” تصف نوع المخالفة المشار إليها. أي أن المقصود هو الذين يمارسون هذا النوع من السلوك الجنسي. ليست الفكرة أن هناك «إساءة مثلية» في مقابل «ممارسة مثلية غير مسيئة»، بل أن السلوك نفسه يُذكر كفعل مخالف.
بعبارة أخرى، الترجمة لا تقول إن الخطأ هو فقط «المثلية عندما تكون مسيئة»، بل تقول إن الممارسة المثلية نفسها هي نوع المخالفة المقصود في هذا الموضع.
ثانيًا: سياق القائمة لا يسمح بهذا التقييد
بولس يضع هذا الفعل داخل قائمة خطايا متعددة:
«لاَ زُنَاةٌ، وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ، وَلاَ فَاسِقُونَ، وَلاَ مَأْبُونُونَ، وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ، وَلاَ سَارِقُونَ، وَلاَ طَمَّاعُونَ، وَلاَ سِكِّيرُونَ، وَلاَ شَتَّامُونَ، وَلاَ خَاطِفُونَ، يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ» (1 كورنثوس 6: 9-10).
لو قلنا إن بولس يدين فقط «الممارسة المثلية المسيئة»، فماذا سنفعل ببقية القائمة؟ هل نقول إن بولس يدين فقط «الزنا المسيء» لا الزنا في ذاته؟ أو «عبادة الأوثان المسيئة» لا عبادة الأوثان في ذاتها؟ أو «السرقة المسيئة» لا السرقة في ذاتها؟
هذا غير منطقي. فالقائمة لا تميز بين صور مسيئة وغير مسيئة من الخطايا، بل تذكر أنواعًا من السلوك لا توافق ملكوت الله.
تمييز مهم: إذا كان التقييد بـ«المسيء فقط» غير مقبول في الزنا والسرقة وعبادة الأوثان، فلا يصح فرضه على هذا الفعل وحده داخل نفس القائمة.
ثالثًا: بولس لا يستخدم لغة الاستغلال فقط
لو كان بولس يريد إدانة الاستغلال أو الاعتداء فقط، لكان يمكنه استخدام لغة مباشرة عن الظلم أو الاستغلال أو العنف. لكنه في 1 كورنثوس 6: 9 يذكر نوعًا من السلوك الجنسي ضمن قائمة أخلاقية عامة.
النص لا يقول: لا يرث ملكوت الله الذين يستغلون الآخرين جنسيًا فقط. بل يضع «مضاجعي الذكور» ضمن أفعال يرفضها التعليم الرسولي كخطايا تحتاج إلى توبة وتغيير.
رابعًا: رومية 1 لا يقيّد الإدانة بالأفعال المسيئة فقط
تعليم بولس في رومية 1 يوضح أكثر أنه لا يتكلم فقط عن أفعال اعتدائية أو مسيئة، بل عن ترك الاستعمال الطبيعي واستبداله بما هو على خلاف الطبيعة:
«لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ، لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ. وَكَذلِكَ الذُّكُورُ أَيْضًا تَارِكِينَ اسْتِعْمَالَ الأُنْثَى الطَّبِيعِيَّ، اشْتَعَلُوا بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَاعِلِينَ الْفَحْشَاءَ ذُكُورًا بِذُكُورٍ» (رومية 1: 26-27).
بولس هنا لا يقول إن المشكلة هي فقط الاستغلال أو الإكراه أو الإساءة، بل يصف الفعل من جهة مخالفته للاستعمال الطبيعي بحسب قصد الخلق. لذلك لا يصح عزل 1 كورنثوس 6 عن رومية 1.
خامسًا: العهد القديم لا يضع هذا التقييد أيضًا
في سفر اللاويين جاء النهي بصورة عامة:
«وَلاَ تُضَاجِعْ ذَكَرًا مُضَاجَعَةَ امْرَأَةٍ. إِنَّهُ رِجْسٌ» (لاويين 18: 22).
والسياق بعد ذلك يتكلم عن ممارسات ترفضها قداسة الله:
«لاَ تَتَنَجَّسُوا بِكُلِّ هذِهِ، لأَنَّهُ بِكُلِّ هذِهِ قَدْ تَنَجَّسَ الشُّعُوبُ الَّذِينَ أَنَا طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكُمْ» (لاويين 18: 24).
النص لا يقول إن المرفوض هو فقط النوع المؤذي أو الاعتدائي. بل يضع النهي ضمن تعليم عام عن القداسة الجنسية ورفض ممارسات الأمم المحيطة.
سادسًا: 1 تيموثاوس 1 يضع نفس الفعل ضمن مخالفة الناموس الصحيح
بولس يتكلم في 1 تيموثاوس عن الناموس الصحيح، ويذكر ضمن قائمة الخطاة:
«لِلزُّنَاةِ، لِمُضَاجِعِي الذُّكُورِ، لِسَارِقِي النَّاسِ، لِلْكَذَّابِينَ، لِلْحَانِثِينَ، وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ آخَرُ يُقَاوِمُ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ» (1 تيموثاوس 1: 10).
مرة أخرى، لا يوجد تقييد يقول إن المشكلة هي فقط نوع مسيء أو اعتدائي. الفعل نفسه يُذكر كشيء يقاوم التعليم الصحيح.
سابعًا: يهوذا 7 يؤكد مبدأ الانحراف الجنسي عن القصد الطبيعي
تتحدث رسالة يهوذا عن سدوم وعمورة قائلة:
«كَمَا أَنَّ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَالْمُدُنَ الَّتِي حَوْلَهُمَا، إِذْ زَنَتْ عَلَى طَرِيقٍ مِثْلِهِمَا، وَمَضَتْ وَرَاءَ جَسَدٍ آخَرَ، جُعِلَتْ عِبْرَةً، مُكَابِدَةً عِقَابَ نَارٍ أَبَدِيَّةٍ» (يهوذا 7).
ومع أن قصة سدوم تشمل أكثر من خطية، ومنها العنف والاعتداء، إلا أن نص يهوذا يربطها أيضًا بالانحراف الجنسي و«جسد آخر». وهذا ينسجم مع الإطار الكتابي العام الذي لا يحصر المشكلة في الإساءة فقط، بل في الخروج عن قصد الله للجنس.
ثامنًا: لا يصح بناء عقيدة على ظلال ترجمة واحدة
الاعتماد على صياغة “homosexual offenders” وحدها لبناء فكرة أن النص لا يدين إلا النوع المسيء هو اعتماد غير كافٍ. فالترجمة ليست نصًا مستقلًا عن بقية الكتاب، ولا يجوز أن تُحمَّل تعبيرًا لا يقصده السياق.
ينبغي تفسير اللفظ في ضوء القائمة التي ورد فيها، وتعليم بولس في رسائله الأخرى، والخلفية الكتابية العامة في العهد القديم والجديد.
المبدأ الدفاعي: الترجمة تُفهم من السياق، والسياق لا يفتح بابًا لتمييز بين ممارسة مثلية خاطئة وأخرى مقبولة كتابيًا.
تاسعًا: النص لا يُستخدم لإدانة انتقائية بل للدعوة إلى التوبة والنعمة
مع وضوح التعليم الأخلاقي، يجب ألا يُستخدم النص بروح احتقار أو انتقاء. بولس لا يذكر خطية واحدة فقط، بل قائمة طويلة تشمل خطايا جنسية وغير جنسية: الزنا، عبادة الأوثان، السرقة، الطمع، السكر، الشتيمة، الخطف.
والنص لا ينتهي عند التحذير، بل يعلن نعمة المسيح القادرة أن تغير:
«وَهكَذَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْكُمْ. لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا» (1 كورنثوس 6: 11).
إذن، الهدف ليس وصم الناس أو حصرهم في خطية معينة، بل إعلان أن كل الخطاة، أيا كانت خطاياهم، مدعوون إلى الغسل والتقديس والتبرير في المسيح.
هل كان بولس ضد كل السلوك المثلي أم المسيء فقط؟
بحسب سياق 1 كورنثوس 6 وبقية تعليم الكتاب، كان بولس يرفض السلوك المثلي نفسه، لا فقط نوعًا مسيئًا منه. فالتفسير الذي يحصر النص في الأفعال المسيئة فقط لا يستند إلى السياق، ولا ينسجم مع رومية 1، ولا مع لاويين 18، ولا مع 1 تيموثاوس 1.
ومع ذلك، يجب أن يُقدَّم هذا التعليم ضمن رسالة الإنجيل الكاملة: الخطية حقيقية، لكن النعمة حقيقية أيضًا، والتغيير والتقديس والتبرير في المسيح متاحون للتائبين.
الرد المختصر على الشبهة
تعبير “homosexual offenders” لا يعني أن بولس يدين فقط الأفعال المثلية المسيئة أو المؤذية، بل يعني أن الممارسة المثلية نفسها هي نوع المخالفة المقصود. فلو كان بولس يدين فقط النوع المسيء، لكان يجب أن نقول الشيء نفسه عن الزنا وعبادة الأوثان والسرقة في نفس القائمة، وهذا غير صحيح. كما أن بقية نصوص الكتاب لا تضع تقييدًا كهذا. لذلك فبولس يرفض السلوك المثلي نفسه بحسب التعليم الرسولي، لا مجرد شكله المسيء.
الخلاصة
1 كورنثوس 6: 9 لا يميز بين ممارسة مثلية مسيئة وأخرى مقبولة، بل يذكر السلوك المثلي ضمن قائمة خطايا لا توافق ملكوت الله. والسياق الكتابي الأوسع يؤكد أن التعليم لا يقتصر على صور الاستغلال أو الاعتداء فقط. لكن نفس النص يفتح باب الرجاء في العدد التالي: «اغتسلتم، تقدستم، تبررتم»، لأن الإنجيل لا يكتفي بإدانة الخطية، بل يعلن نعمة المسيح القادرة أن تغسل وتقدس وتبرر.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 455). Victor Books: Wheaton, Illinois.
