هل وافق بولس على العبودية عندما أعاد أنسيمس إلى فليمون؟ فليمون 1: 16
بولس لم يثبت العبودية، بل وضع أساسًا إنجيليًا لهدمها: العبد أخ محبوب في المسيح

يظن البعض أن الرسول بولس وافق على مؤسسة العبودية لأنه أرسل أنسيمس، العبد الهارب، إلى فليمون سيده. وبما أن العبودية تناقض كرامة الإنسان وحريته، يتساءل المعترض: كيف يمكن لرسول مسيحي أن يعيد عبدًا إلى سيده؟ وهل يعني ذلك أن الكتاب المقدس يبارك العبودية؟
لا، بولس لا يوافق على العبودية ولا يباركها. بل إن رسالته إلى فليمون تهدم أساس العبودية من الداخل، لأنها تطلب من فليمون أن يقبل أنسيمس «لا كعبد في ما بعد، بل أفضل من عبد: أخًا محبوبًا». فالإنجيل يعلن كرامة الإنسان بالمخلوقية والفداء، وهذا هو الأساس الذي قاد لاحقًا إلى رفض العبودية.
الشبهة
يقول بولس لفليمون عن أنسيمس:
«لاَ كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدٍ: أَخًا مَحْبُوبًا، وَلاَ سِيَّمَا إِلَيَّ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ إِلَيْكَ، فِي الْجَسَدِ وَالرَّبِّ جَمِيعًا.»
فليمون 1: 16
ويقول المعترض: بما أن بولس أعاد أنسيمس إلى فليمون، ألا يعني ذلك أنه يؤيد مؤسسة العبودية؟ أليس هذا ضد الحرية الإنسانية والكرامة التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان؟
الخطأ هو افتراض أن تعامل بولس مع واقع اجتماعي قائم يعني موافقته الأخلاقية عليه. بولس لم يبارك العبودية، بل خاطب واقعًا موجودًا في زمنه، ووضع داخله مبدأ إنجيليًا ينسف جوهر العبودية: العبد ليس ملكية مهينة، بل إنسان وأخ في المسيح.
أولًا: العبودية ضد كرامة الإنسان المخلوق على صورة الله
من البداية يعلن الكتاب أن الإنسان، كل إنسان، مخلوق على صورة الله:
«فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.»
تكوين 1: 27
هذا المبدأ وحده يهدم أي نظام يحوّل الإنسان إلى سلعة أو أداة أو ملكية مجردة لغيره. فكرامة الإنسان ليست هبة من المجتمع أو القانون، بل مؤسسة في خلق الله له على صورته.
ويؤكد بولس هذا المبدأ عندما يقول إن الله:
«وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ.»
أعمال 17: 26
فجميع البشر من أصل واحد، وليس هناك جنس أو طبقة تملك بطبيعتها حق استعباد غيرها.
ثانيًا: شريعة العهد القديم حدّت من العبودية ولم تجعلها نموذجًا مثاليًا
رغم أن العبودية كانت موجودة في ثقافات الشرق القديم، فإن شريعة العهد القديم لم تتركها بلا ضوابط، بل وضعت قيودًا لحماية المظلومين، وطلبت إطلاق العبيد في أزمنة محددة:
«إِذَا اشْتَرَيْتَ عَبْدًا عِبْرَانِيًّا، فَسِتَّ سِنِينَ يَخْدِمُ، وَفِي السَّابِعَةِ يَخْرُجُ حُرًّا مَجَّانًا.»
خروج 21: 2
كما لم تسمح الشريعة بمعاملة العبيد كأنهم بلا كرامة أو بلا حقوق. وهذا يبيّن أن الكتاب، في تعامله مع واقع اجتماعي منحرف، كان يضع مبادئ تحدّ من الشر وتفتح الطريق نحو التحرير.
ثالثًا: إسرائيل نفسه تذكّر دائمًا أنه كان عبدًا وتحرر
كان تاريخ إسرائيل في العبودية بمصر حاضرًا دائمًا في وصايا الله. فقد قال لهم:
«وَاذْكُرْ أَنَّكَ كُنْتَ عَبْدًا فِي أَرْضِ مِصْرَ، فَأَخْرَجَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ هُنَاكَ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَذِرَاعٍ مَمْدُودَةٍ.»
تثنية 5: 15
فخروج إسرائيل من العبودية لم يكن مجرد حدث تاريخي، بل صار نموذجًا أخلاقيًا ولاهوتيًا يذكّر الشعب أن الله محرر، لا مؤسس للعبودية المهينة.
رابعًا: في المسيح تسقط الحواجز التي تجعل إنسانًا أعلى من آخر
يعلن العهد الجديد أن الوحدة في المسيح تهدم تفوق العرق أو الطبقة أو الجنس أمام الله:
«لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.»
غلاطية 3: 28
هذه ليست دعوة سطحية للمساواة الشكلية فقط، بل إعلان عميق أن كل المؤمنين يقفون أمام الله بقيمة واحدة في المسيح. ومن هنا لا يمكن للنظرة المسيحية أن تعتبر العبد أقل إنسانية أو كرامة من الحر.
خامسًا: العهد الجديد يدين تجارة البشر
لا يوافق الكتاب على النظام الشرير الذي يتاجر بأجساد الناس ونفوسهم. ففي وصف سقوط بابل، يذكر سفر الرؤيا ضمن تجارتها الشريرة:
«وَقِرْفَةً وَبَخُورًا وَطِيبًا وَلُبَانًا وَخَمْرًا وَزَيْتًا وَدَقِيقًا وَحِنْطَةً وَبَهَائِمَ وَغَنَمًا وَخَيْلًا وَمَرْكَبَاتٍ وَأَجْسَادَ النَّاسِ وَنُفُوسَهُمْ.»
رؤيا 18: 13
إدراج «أجساد الناس ونفوسهم» ضمن نظام التجارة المدان يوضح بشاعة تحويل البشر إلى بضاعة. وهذا يتفق تمامًا مع مبدأ كرامة الإنسان وصورة الله فيه.
سادسًا: أوامر بولس للعبيد لا تعني قبول العبودية
عندما يكتب بولس:
«أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ.»
أفسس 6: 5
فهو لا يعلن أن العبودية نظام صالح، بل يتعامل مع واقع اجتماعي قائم في زمنه، ويعطي توجيهات للمؤمنين كي يعيشوا بأمانة وتقوى داخل ظروفهم. ذكر واقع معيّن لا يعني تزكيته أخلاقيًا.
فكما يمكن أن يعطي الكتاب تعليمًا للمؤمن المضطهد دون أن يوافق على الاضطهاد، كذلك يمكن أن يعطي تعليمًا للعبد في واقع اجتماعي قائم دون أن يوافق على العبودية ذاتها.
سابعًا: رسالة فليمون لا تثبت العبودية بل تهدمها من الداخل
أهم نقطة في رسالة فليمون أن بولس لا يطلب من فليمون أن يستقبل أنسيمس كملكية راجعة إليه، بل يقول:
«لاَ كَعَبْدٍ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ أَفْضَلَ مِنْ عَبْدٍ: أَخًا مَحْبُوبًا…»
فليمون 1: 16
هذه العبارة تقلب العلاقة من سيد وعبد إلى أخ وأخ. فإذا كان أنسيمس «أخًا محبوبًا» في الرب، فمعاملته كعبد مهانٍ لم تعد منسجمة مع الإنجيل.
بولس لا يكتب بيانًا سياسيًا مباشرًا لإلغاء النظام الروماني كله في لحظة واحدة، لكنه يضع في قلب الكنيسة مبدأ روحيًا وأخلاقيًا لا يمكن أن تتعايش معه العبودية طويلًا: كل إنسان في المسيح أخ محبوب، لا سلعة ولا أداة ولا ملكية.
هل يوجد تناقض؟
لا يوجد تناقض بين تصرف بولس وبين كرامة الإنسان الكتابية. فبولس لم يوافق على العبودية، بل تعامل بحكمة مع وضع قانوني واجتماعي قائم، ووجّه فليمون إلى رؤية أنسيمس لا كعبد بل كأخ محبوب. هذا التغيير في النظرة هو الأساس الأخلاقي الذي يهدم العبودية من جذورها.
بولس لم يبارك مؤسسة العبودية، بل أعلن مبدأ ينسفها: أن العبد إنسان مخلوق على صورة الله، وفي المسيح هو أخ محبوب. الكتاب المقدس لا يؤسس للعبودية، بل يضع الأسس الروحية والأخلاقية التي تكشف بطلانها.
خلاصة دفاعية
الاعتراض يفشل لأنه يخلط بين تعامل الكتاب مع واقع تاريخي موجود وبين موافقته الأخلاقية عليه. رسالة فليمون لا تجعل أنسيمس مجرد عبد عائد إلى سيده، بل ترفعه إلى مقام الأخ المحبوب. ومن خلال تعليم الخلق على صورة الله، ووحدة البشر، والمساواة في المسيح، وإدانة تجارة النفوس، يقدّم الكتاب المبادئ التي قادت إلى رفض العبودية واستعادة كرامة الإنسان وحريته.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 509. Victor Books: Wheaton, Ill.