وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع – العظة الخامسة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع – العظة الخامسة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع
4 ـ يقول الرب لموسى وهارون اللذين يستشيرانه ” لا تحذفا من سبط عشائر القهاتيين من وسط أبناء اللاويين، عشيرة قهات، لكن أفعلاً لهم هذا فيعيشوا ولا يموتوا عند اقترابهم من قدس الأقداس” (عد 4: 18). فلنفهم المعنى الحرفي من القصة، وبمساعدة المسيح الرب ننتقل من المعنى الحرفي إلى المعنى الروحي.
المعنى الحرفي
إذًا فلنفهم أولاً تجهيز خيمة الاجتماع، تخيل أيضًا قدس الأقداس، المنفصل عن القدس بواسطة حجاب، ولا يسمح لأي إنسان بالدخول فيه والنظر إليه إلا إذا كان كاهنًا، بعد ذلك نفهم كيف كانت الخيمة تطوى عند ارتحال المحلة.
وكيف كان الكهنة – هارون وأولاده في داخل قدس الأقداس، يغطون كل شئ بمفارشه وأغطيته، ثم يتركونها في أماكنها، وبعد ذلك يدخل أولاد قهات المخصصين لهذا الواجب ويجعلونهم يحملون على أكتافهم كل الأشياء التي قد غطتها أياديهم الكهنوتية، ولهذا السبب قد قال السيد الرب “ لا تحذفوا من سبط اللاويين عشيرة قهات” (عد4: 18)، لأنه كان يجب أن يحذفوا إذا لمسوا أشياء قدس الأقداس مكشوفة وبدون غطاء، وهو غير مسموح ليس فقط أن تلمس بل أن لا ينظر إليها أيضًا، إلا محجوبة.
السر: الأعمال والعلم
إذا فهمت القصة، اصعد الآن نحو بهجة السر، وتأمل نور الشريعة الروحية، إذا كانت عين إدراكك نقية. كل من هو ضمن كهنة الله، فهو مستحق بأن يكشف الأمور الإلهية وأن يرى الأسرار التي لا يكون غيرهم مؤهلين للتأمل فيها، وهو الذي يستطيع أن يدخل حيث لا يستطيع الآخرون الدخول.
هذا بالنسبة لنا هو هارون أو أحد أبناء هارون. بالنسبة لمثل هذا الإنسان فقط يكون تابوت العهد مكشوفًا بدون حجاب، ويرى القسط الذي فيه المن، ويتأمل ويفهم “الكفارة” أنه يتطلع على “الشاروبين الاثنين”، والمائدة المقدسة والمنارة المضيئة، ومذبح البخور، أنه يتأمل ويفهم كل هذا بالروح. إننا نعني الذي يهتم بكلام الله بأسرار الحكمة ولا ينشغل إلا بالله وبأدواته المقدسة[1].
ففي هذه الحالة ألم يحمل على الأكتاف قدس الأقداس مغطى بأحجبة[2]؟ لكي ندرك هذا بأكثر وضوح، سنقتبس أمثلة من الكتاب المقدس، فموسى بلا شك كان يعلم معنى الختان الحقيقي وكان يعلم معنى الفصح الحقيقي. وكان يعلم معاني أعياد الهلال الحقيقية والسبوت الحقيقية[3].
ومع أنه علم كل هذه الحقائق جيدًا بالروح. إلا أنه كان يحجبها تحت المظهر وظل الأشياء الجسدية، وبينما كان يعلم بأن “الفصح الحقيقي” الذي يجب أن يذبح، هو المسيح. كان يأمر بأن يذبح حمل الفصح الجسدي، وبينما كان يعلم بأن عيد الفطير يجب أن يحتفل به بفطير ” الإخلاص والحق” (1كو 5: 7، 8)، كان يأمر بعمل الفطير من الدقيق، كذلك قدس الأقداس، كان موسى يعطيه للآخرين لحمله بمعنى أنه كان يأمرهم بواجبات الأعمال ليتمموها. لكن سلمها لهم مغطاة ومحجوبة.
أما الأكتاف فقد أظهرنا مرارًا بأنها في كثير من نصوص الكتاب المقدس، رمز الأعمال أيضًا من ضمن حفظ القوانين الكنسية، ألا يجب بأن يتممها الكل بدون أن يعلموا السبب. مثلاً وضع الركوع في الصلوات[4]، والاتجاه نحو الشرق بخلاف كل اتجاه آخر[5]. اعتقد بأنه ليس سهلاً، معرفة السبب بالعقل أيضًا بالنسبة لإدراك سر الافخارستيا، أو شرح الطقوس في تأدية هذا السر، أو طقوس سر المعمودية، مع مراسيمه ورموزه، والأسئلة والأجوبة الخاصة بها.
من الذي يستطيع أن يشرح ذلك بدون صعوبة؟ لكن بينما نحن نحمل هذه الأثقال على أكتافنا مغطاة ومحجوبة، وعندما نتبع هذه الوصايا مثلما تسلمناها من الكاهن الأكبر وأولاده، إذن عندما نخضع لمثل هذه الأوامر بدون أن ندرك المعنى، فأننا نرفع على أكتافنا ونحمل السر الإلهي مغطى وملفوفًا إلا إذا وجد هارون أو أحد أبناء هارون، الذي له الحق في أن يراها عريانة ومكشوفة. وذلك غير مسموح لهم إلا بشرط أن يعرفوا واجبهم بأن يحجبوها ويغطوها، عندما يراد بأن تعطى للآخرين وتسلم لتتميم الأعمال.
أعمال الأعمال
2ـ بعد ذلك قيل للاويين بأنهم في الخدمة من بداية سن 25 سنة حتى خمسين سنة. “كل لاوى” يقول الكتاب المقدس “ الذي يتقدم لعمل الأعمال وللأعمال التي تجلب من خيمة الاجتماع والذي يعمل عمل الخدمة فيها” (عد4: 47).
تأمل هنا دقة الألفاظ في الكتاب الإلهي عندما تكون مسألة أعمال أولاد إسرائيل، أنه لا يقول عمل الأعمال، لكن الأعمال فحسب. عندما تكون خدمة اللاويين، أنه لا يقول الأعمال فقط، لكن أعمال الأعمال.
كذلك أيضًا بجانب الأشياء المقدسة، يوجد “قدس الأقداس”، وبالمثل بجانب الأعمال يوجد “عمل الأعمال”، من هنا استخلص بأن موسى كان مدركًا بأنه توجد أعمال مرئية، لكن مليئة بمعنى سرى ومخفي عبر عنها ليس فقط بكلمة أعمال لكن “عمل الأعمال”، وتلك التي أدركها موسى بأنها عامة ومحدودة في الوقت الحاضر، قد دعاها ببساطة أعمال.
إذًا يوجد “عمل الأعمال” بمعنى حسب رأيي كل التي كتبت سواء في النص الحاضر أو في سفر الخروج أو في أي كتب أخرى بموجب أسرار مختفية. والتي تتم جزئيًا في العهد الحاضر، وجزئيًا في العهد المستقبل. وفي غضون ذلك كما قلنا، عمل الأعمال ليست مخصصة لكل شخص لكن للاويين فقط.
العددان 25، 50
واللاويين أنفسهم لم يستدعوا لهذه الأعمال إلا من سن 25 سنة حتى خمسين. في العددين 25، 50 الرموز المقدسة ليست غائبة[6].
العدد 25 يعني كمال الخمس حواس بعملية ضرب 5× 5. هذا ما يثبت أن الإنسان الذي دعى لإنجاز عمل الأعمال في الأسرار هو الإنسان الكامل من كل نواحيه، بواسطة التعدد وطهارة الحواس. أما العدد 50 فإنه يتضمن رمزًا مقدسًا للعفو، والرحمة، وتوجد نصوص كثيرة عنه في الكتاب القدس أعطتنا مرارًا إثباتات عديدة عنه:
فإنه في السنة الخمسين الذي تدعى عند العبرانيين “اليوبيل”، السنة التي يتم فيها إسقاط الملكية وحق الاستخدام، والديون كذلك اليوم الخمسون بعد الفصح قد أعطى كيوم عيد في الشريعة. كذلك عندما كان المسيح الرب في الإنجيل يعلم مثل العفو والرحمة، وضع في المثل مديونين الواحد مدين بخسمين والآخر بخمسمائة دينار.
إذًا 50، 500 عددان نسبيان، حيث أن 50× 10 ـ 500 لكن هذا العدد هو مقدس لسبب آخر إذ السبع سبعات نضيف إليها كمال العدد واحد، سنحصل على خمسمائة. كذلك إذا أضفنا لسبعين سبعة كمال العدد عشرة سنحصل على خمسمائة، وإذا أردنا أيضًا أن نجمع أمثلة أكثر للسر المتضمن في العددين 50، 500 نجد في هذا الكتاب أيضًا أعدادًا بين يدينا البعض يقدم لله الـ 50 من الغنيمة، أي الذين لم يذهبوا للحرب، البعض يقدم خمس الخمسات
وليس بدون سبب هنا يوجد العددان 50، 500 وفي سفر التكوين عندما طرح الله موضوع المغفرة لسدوم، فرئيس الآباء إبراهيم، لإدراكه هذه الأسرار بدأ بعدد 50 متضرعًا لله لصالح سدوم وقال: “عسى أن يكون خمسون بارًا في المدينة ألا تصفح عن المدينة من أجل الخمسين بارًا الذين فيها؟” (تك18: 24).
الأحجبة
3ـ ولكن فلنعد لموضوعنا يجب على اللاويين أن يهتموا بالأشياء المقدسة حتى “سن الخمسين”. الذين في الدرجة الأقل يقومون بالأعمال، والأحسن يقومون “بعمل الأعمال”، بينما الذين هم أكثر سموًا فيجب عليهم أن يخدموا الأعمال الروحية، ويدخلوا “قدس الأقداس” (عد 4: 34)، هنا الأغطية التي يجب أن يغطي بها، وإعطاءه لأولاد قهات لحمله على أكتافهم وأخذه بأيديهم بينما الآخرون يرتبون كل واحد حسب رتبته.
كما شرح كل هذا من قبل عدة مرات. ولكن لكي لا يسبب هذا الحذر الزائد للأغطية والاحجبة اليأس والحزن لدى السامعين سنحاول أن نكشف بعض النقاط التي نستطيع أن نعلنها بدون خطر والتي نستطيع أن نتأمل فيها بدون تجديف، لأننا قد دعينا مثلما قلنا من قبل: “ جنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء” (1بط 2: 9).
أمتعة الخيمة:
القديسون
فلنفهم إذن أن خيمة الاجتماع هي مجموعة القديسين الذين يشملهم عهد الله. يوجد في هذه الخيمة شخصيات أكثر استحقاقًا وعلوًا في البر، بعضهم قد دعوا “منارة الضوء” هم بلا شك الرسل أنفسهم لأنهم يضيئون إلى الذين يقتربون إلى الله، ولكن آخرون أيضًا، في خيمة الله هذه يشيرون لكل الذين يدخلون نور المعرفة والحكمة، هؤلاء يحملون اسم المنارة الرمزي. وآخرون سيكونون “المائدة المقدسة” فهم كل الذين يمسكون خبز الله، الذي يجدد ويغذي النفوس “ الجائعة إلى البر” (مت 5: 6).
آخرون سيكونون “مذبح البخور” فهم كل الذين ينشغلون ليل نهار في هيكل الله في أصوام وصلوات، والذين لا يصلون لأنفسهم فقط بل أيضًا لأجل كل الشعب، الذين قد أوكل الله لهم هذه الأسرار قد سمّوا “تابوت العهد”.
والذين في ثقة قوية، بواسطة تقدمة الصلوات وفي تقريب الابتهالات والتضرعات، يصالحون الله مع الناس ويتوسلون إلى الله لأجل عصيان الشعب فهؤلاء سيدعون “مذبح الذهب”. والذين قد استحقوا فيض العلم وكثرة ثروة معرفة الله يستطيعون أن يكونوا “شاروبيم” حيث إن الشاروبيم تترجم إلى لغة آخرى: غزارة المعرفة.
المحمولون بواسطة الملائكة :
لكن كل الذين قد قدموا بالرموز المتعددة أعلاه يجب أن يحملوا، ويحملوا على الأكتاف. لذلك فالملائكة ” الذين أرسلوا للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب1: 14)، هم في رأيي الحاملون لكل الذين قد ذكرناهم.
حقًا عندما تطوي هذه الخيمة مرة أخرى، وعندما نبدأ الدخول هناك في القدس ونرحل نحو بلاد الموعد فالذين هم حقيقة قديسون يعيشون في قدس الأقداس وسيتقدمون موآزرين بواسطة الملائكة، وحتى تنصب خيمة الله مرة أخرى سيكونون محمولين على أكتاف الملائكة ومرفوعين على أيديهم.
وأمام هذه الصورة قال النبي بالروح: “ لأنه يوصى ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك، على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك” (مز91: 11ـ12).
الشيطان اعتقد بأنها يقصد بها المخلص، ولكن أعمته شراسته، فلم يفهم هذا الكلام السري لأن المخلص لم يكن في حاجة إلى الملائكة لكي لا تصدم بحجر رجله.
الشيطان يجدف على الكتاب الإلهي بتطبيق هذه الكلمات على المخلص، أنه ليس لأجله، لكن لأجل جميع القديسين، قيل إن الله قد أعطى أمرًا لملائكته إكرامًا لشعبه لكي لا تصدم بحجر رجله. كل هذا المزمور ينطبق على الأبرار أكثر من انطباقه على المخلص. فالذي يحفظه الرب من ” الهلاك ومن شيطان الظهيرة” (مز91: 6)، ليس هو المخلص، هذه الفكرة بعيدة عنا، حاشا لله لأن كل إنسان مبرر، والأبرار هم الذين في حاجة إلى عون ملائكة الله، حتى لا تسحقهم الأبالسة، وحتى لا يحرق قلبهم “ السهم الذي يطير في الظلمات“.
يؤكد بولس بنفس السر بأن البعض يجب أن يكونوا محمولين من الملائكة على السحب ” لكن نحن الأحياء، الباقين سنخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء” (1تس4: 16).
فالذين قد قبلوا تنقية عميقة وقد أصبحوا منخفضين من أثقال الخطية سوف يختطفوا بواسطة الملائكة، أما الذين مازالوا مثقلين ببعض بقايا النجاسة فسوف يحملون ركائز الخيمة والأروقة وكل الأشياء التي قد عددت بواسطة الكتاب المقدس فهل تحمل إذًا بواسطة اللاويين وليس بواسطة الإسرائيليين لسبب سبق أن أوضحناه بطريقة عابرة فقط، حتى نترك لأفكار السامعين الذي أوقدت فيهم الرغبة الحارة لكى يغتنوا باشتعال أنفسهم بنور العلم، وليكتشفوا الحقائق الكبيرة بنظرة خارقة.
أما نحن فنطلب من الرب أن يجعلنا محمولين أو مرفوعين بواسطة أمثال هؤلاء الحمال، وأن نكون محفوظين من السهم الذي يطير في الظلمات ومن الهلاك ومن شيطان الظهيرة، حتى لا تصدم رجلنا بحجر “حتى نصل إلى مكان الموعد بنعمة ربنا يسوع المسيح”. الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.
[1] بمعنى الذي ليس هو فقط “قديس” مكرس لله بنعمته لكن “كامل” الذي يكون منفصلاً كلية عن الروح العالمية والجسدانية، ومنشغل كلية في رؤية الله.
[2] تمييز بين العلم والأعمال، الكمال والأقل الأولون يعلمون السر، والآخرون لا يرون إلا مظهره وينفذون وصاياه بدون أن يفهموها.
[3] هذه الفكرة بأن موسى كان يعرف كل السر بالروح، هجرها علم اللاهوت المسيحي في العصور التالية. واعتبر موسى مجرد مفسر جزئي للسر بينما كشف السر بملئه للمسيحي الذي أخذ من المسيح مفتاح معرفة الأسرار.
[4] يجب ثنى الركب عندما يقر بخطاياه لله، طالبًا منه الشفاء والغفران، هذا الوضع هو رمز الإنسان الذي يخشع والذي يخضع. يجب أن نقر بأن هذه الرموز هي الأكثر بساطة في فهمها لكل مؤمن أما الوضع العادي للصلاة فكان وضع الوقوف.
[5] كذلك من الذي لا يعلم أن الشرق يعني صريحًا بأننا يجب عند الصلاة أن ننظر لهذه الناحية وهذا رمز لنفس ناظرة نحو الشرق أي نحو النور الحقيقي.
[6] يجب ربط هذه الخواطر حول الرقميين 25، 50 بتلك المتعلقة بالرقمين 5، 10 (عظة 22: 1؛ تكوين 16: 6).وعند فيلون الأسكندرى الرقم 50 هو رقم الحرية الكاملة. وهو يقول عنه “هو أقدس الأرقام” (الحياة التأملية 8: 65)، واكلميندس الأسكندرى يقدم تفسيرًا مماثلاً لتفسير أوريجينوس “العدد 50 هو رمز للرجاء والغفران في يوم الخمسين” (المتنوعات 6: 87).
وظائف اللاويين في خيمة الاجتماع – العظة الخامسة من عظات أوريجانوس على سفر العدد
منذ القرن الرابع وشخصية أوريجينوس[1] تحظى باهتمام كبير في الكنيسة فالقديس غريغريوس صانع العجائب يسميه “معلم الكتب المقدسة الأول” والقديس جيروم يرى فيه مثالاً يحتذي به.
وأثر أوريجينوس واضح في مجالات عديدة مثل محاولة الصلح بين التفسيرين الحرفي والرمزي للأسفار، واعتباره من الممهدين لظهور الرهبنة بما كتب عن علاقة الحب بين النفس وعريسها المسيح وكلامه عن الصلاة. وهو أيضًا المقتني للأخلاق الإنجيلية.
من هنا جاء اهتمامنا بنشر هذه العظات لأوريجينوس على سفر العدد. قام أوريجينوس بعمل هذه العظات في المدة بين 244 – 249م. وكما نفهم من النص أنه كان يعظ في الكنيسة ومعنى ذلك أنها موجهة لكل الشعب وليس لعدد قليل من التلاميذ.
طريقة أوريجينوس في الوعظ
نلاحظ أنه لم يكن يجهز عظاته سابقًا في هيئة محاضرات كاملة حول موضوع معين، ولكن كل مرة ينتهي القارئ من قراءة الإنجيل في الكنيسة، كان أوريجينوس يرتجل الكلام عفويًا ومن هنا يأتي الإحساس بأنه يقدم أفكارًا كثيرة لا علاقة لها بالنص الذي يعلق عليه. ولكن هذه هي طريقة التفسير التي كانت سائدة في عصره.
وهذا لا يمنع أن يحوي الوعظ والتفسير فكرة عامة عن السفر ثم أخذ نقطة أساسية تقوده خلال السفر كله وهذا نراه في بداية تفسيره لإنجيل يوحنا وتفسيره لنشيد الأناشيد.
سفر العدد
ماذا يمكن أن يقدم لنا سفر العدد، فيبدو أنه لا يحمل نفس الوحدة التي نجدها في سفر اللاويين أو التثنية وليس به أحداث تاريخية عظمى كالتي نراها مثلاً في سفر الخروج. وقليلون هم الذين شرحوا هذا السفر في تقليد الكنيسة.
أوريجينوس يهدف في عظاته إلى أن يقيم السامع من كسله وإهماله ويلهمه بأفكار سامية لكي يقوده إلى الله بالتوبة أي أن هدف تفسير أوريجينوس هو الرعاية، وخلاص النفوس وبنيانها ولهذا فهو لا يستطرد كثيرًا بل يذهب إلى الهدف مباشرة. ويعتبر العلماء أن عظاته على سفر العدد تصف طريق الخلاص بشكل أعمق ومباشر أكثر من كتاباته الكبيرة مثل “رده على كلسوس” أو كتاب “المبادئ”.
وإذا استثنينا كتابه عن سفر النشيد فإن أهم ما كتبه أوريجينوس عن اتحاد النفس بالله وأكثرها آثرًا هي العظة 27 على سفر العدد، وهي جزء من عظاته كلها، والتي نقدم منها الأربعة عشر عظة الأولى، في هذا الكتاب وسوف ننشر بإذن الله قريبًا ترجمة باقي العظات في جزء ثاني.
سفر العدد عند أوريجينوس لا يمثل أحداثًا متفرقة بل يمثل جزءًا من التاريخ الإلهي “تاريخ الخلاص”. وله هدف محدد فهو سرد للرحلة نحو أرض الميعاد أي رحلة النفس، لأن أوريجينوس يطبق كل أحداث العهد القديم على الكنيسة والإنسان المسيحي.
وهذا التفسير لمسيرة التاريخ الإلهي يختلف عن تفسير فيلون الأسكندرى وبولس الرسول واكليمندس. فبالنسبة لهؤلاء تكون الحادثة الرئيسية بعد الخروج بالشعب من مصر هي إعلان سيناء وإعطاء الوصايا، بينما أوريجينوس يرى أن دخول أرض الميعاد هو الشئ الأساسي (نرى أن الخلاف ليس في جوهر الأمر بل في طريقة رؤيته).
فسيناء ليست نهاية الرحلة بل هي محطة. والهدف النهائي هو الأردن.. هو أرض الميعاد، وهنا يأخذ تاريخ الخلاص عند أوريجينوس لونًا آخر. فالخروج ليس هروبًا بقدر ما هو ارتحال. فالأرض التي “تخرج لبنًا وعسلاً” تلقى بضوئها على رمال الصحراء… والطريق في سيناء والتوقف فيها ليس إلا محطات.
سفر العدد يمثل لأوريجينوس سفر الحركة، سفر الرحلة الإلهية، سفر رحيل النفس ومسيرتها نحو الله. وهو أيضًا سفر الصحراء والعنوان العبري للسفر معناه “إلى الصحراء” وهو الأكثر مناسبة.
منهج أوريجينوس التفسيري
أول خطوة في طريق فهم الأسفار عند أوريجينوس هي التفسير التاريخي أو الحرفي. ولكن أوريجينوس يعتبر أنه لا يليق أن تُحصْر كلمة “الله” في مجرد أحداث وتفاصيل صغيرة سواء تاريخية أو جغرافية بدون أهمية مباشرة لنا. فإذا كان موقف موسى في الصحراء قد تم بناءً على أوامر الرب فهذا تم أيضًا لأجل تعليمنا ولأجل إعدادنا نحن لرحلات خروج أخرى مشابهة لما فعله موسى.
فالهدف الحقيقي وراء سفر العدد هو رحلة النفس الروحية ومحطاتها المختلفة، أي درجات تصل إليها في نهاية الحياة الروحية والتقدم الذي نحققه خلال هذه الرحلة من خلال الانتقال من مرحلة إلى أخرى.
الظروف الفلسفية واللاهوتية (وقت إلقاء أوريجينوس لعظاته) من 244 إلى 24م.
هناك مبدأ هام يحسن مراعاته عند دراسة أي نص آبائي يرجع إلى القرون الأولى وهذا المبدأ هو محاولة فهم “كلما أمكن ذلك” الظروف التاريخية والاحتياجات الروحية التي صاحبت بل ونقول أدت إلى ولادة هذا النص. وعدم بذل هذه المحاولة سيؤدي بنا إلى عزل النص عن بيئته مع ما في ذلك من خطورة إسقاط مفاهيمنا عليه أو فهمه فهمًا جزئيًا وربما أدخلنا النص في جدل معاصر لم يكن أصلاً في ذهن الكاتب حينما عالج موضوعه، من النص بعض الفقرات التي تبرر تعليمًا خاصًا لا يتفق وكل الفكر الآبائي والكنسي.
تحول مفاجئ أم نمو متدرج
هذا السؤال لا يعتبر سؤالاً جديدًا فلقد حاولت الفلسفات القديمة أن تعالجه. هناك فلسفة كانت ترى أنه يجب الاختيار بين طريق الحكمة وطريق الجنون وليس هناك خيار أو درجات في هذا. وهم يرون الحياة عبارة عن تحول بالحكمة إلى عقل خالص، وليس نموًا هادئًا من درجة لأخرى وهذه هي الفلسفة الرواقية.
هذا لا يلغي أن الرواقيين قد آمنوا بجدوى التعليم ولجأوا إلى إدخال فكرة التعليم والنمو التي هي فكرة أفلاطونية.
في المناخ الفكري الأسكندرى في القرن الثالث بعد الميلاد كانت نظرية التقدم الأخلاقي درجة بعد أخرى هي الأكثر شيوعًا وهذا بفضل فيلون الأسكندرى وأفلوطين المصري. ولكن لم يكن هناك بعد نظام متجانس وواضح.
الفكر المسيحي
عاش الفكر المسيحي في القرون الأولى تطورًا مماثلاً، وقد أخذ طريقًا غير طريق الفلسفة. فقد كان لا يميل إلى عدم التركيز على الثنائيات، فرغم أن مثل حبة الحنطة والخميرة التي تخمر العجين يوضحان طريقًا تربويًا متدرجًا. إلا أن معظم صور العهد الجديد وأمثاله تتجه نحو القطيعة مع الماضي والبداية من جديد، أي يجب أن “تبيع كل ما تملك” أو “أحمل صليبك” أو حقيقة فكرة الولادة من فوق. أو فكرة الطريقين في كتاب (الديداكي).
إن مسيحي القرون الأولى كانوا مشغولين بتغيير الحياة أكثر من النمو التدريجي، ونلاحظ أن الرسول بولس يقبل الفروق الفردية بين المؤمنين في الكنيسة من جهة النمو التدريجي (1كو 3 : 1ـ 3؛ أف 4 : 13ـ 16)، ويرى (دي لوباك) عالم الآباء الفرنسي أن أساس التمييز بين مراحل النمو الروحي عند أوريجينوس موجود عند الرسول بولس.
ولكن نلاحظ أن خبرة الرسول بولس الشخصية وطريق دمشق تحركان أفكاره. وهو يفكر عن طريق المتضادات، الإيمان أو الناموس، الإنسان الجديد أو الإنسان العتيق، المسيح أو العالم.
فما يعنيه هو نشر الإيمان والتحول للمسيح وانسكاب المواهب على الكنائس التي أسسها. والذي يهمه بالدرجة الأولى هو الدخول إلى الإيمان بحسم وجدية وبعد ذلك يحتاج الإنسان إلى الصبر انتظارًا للمجيء الثاني.
تربية الله للبشرية
ولكن في القرن الثالث لم تكن خبرة طريق دمشق هي المنهج السائد لسببين:
أولاً: تأخر المجيء الذي كان متوقعًا وتكلم إيرينيوس عن منهج الله في تربية البشرية وبداية لاهوت التشبه بالله، فالمسيحي يبدأ غير كامل ثم ينمو.
ثانيًا: إن المسيحيين لم يعودوا هم المتحولين من الوثنية بل مولودين من أسر مسيحية. بما يعنيه ذلك من ضرورة تبني منهج التربية الأسرية وتسليم الإيمان، والتدرج في فهم أسرار الإيمان وهذا جعل المسيحيين يفهمون أن الروح يعمل ببطء أكثر من يوم الخمسين.
وأوريجينوس هو مثال لطفل مولود في أسرة مسيحية ولهذا كان يجب تعميق فكرة الولادة الروحية عند بولس وهناك ثمر للحياة في المسيح…
وهنا ظهرت فكرة النمو الروحي ودرجاته في الكنيسة وظهر هذا المنهج أولاً عند إيرينئوس ووجد صدى عند أكليمنضس وأوريجينوس. فأفلاطون وبسودنيوس وفيلون كانوا يؤكدون الخبرة المسيحية.
أوريجينوس ودرجات النمو الروحي
في هذا المناخ اللاهوتي والفلسفي كان أوريجينوس يعلم في الكنيسة. وعند أوريجينوس يكون النمو في الدرجات الروحية لا يخص فقط المؤمن في الكنيسة، بل إن كل التاريخ ومراحله هو رمز للمسيح. ففي تاريخ إسرائيل في أدق تفاصيله نرى المسيح متجسدًا.
وإسرائيل الجديد هو الكنيسة، وتاريخ إسرائيل يخص أيضًا كل نفس. فإسرائيل والمسيح والكنيسة وأورشليم السمائية والإنسان الباطن هي ملامح كثيرة لواقع واحد، ولا يمكن تناول إحدى هذه الملامح بدون الإشارة إلى الأخرى، ولهذا فكل ما كتبه عن إسرائيل يمثل إلى جانب المعنى التاريخي بعدًا نبويًا ينطبق على المسيح والكنيسة. وبعدًا اسخاتولوجيًا يعلن الدهر الآتي، وبعدًا داخليًا يعلن النسك والأسرار.
ولهذا فأوريجينوس يوظف كل هذه المعاني في شرحه، فهو ينتقل من المعنى التاريخي إلى المعنى النبوي أو إلى الأسرار والنسك الشخصي، أو ينتقل من الكلام عن الكنيسة إلى النفس الإنسانية لأن الكنيسة والنفس عند أوريجينوس هما وجهان لحقيقة واحدة.
وهذا ينطبق على فكرة أوريجينوس عن درجات النمو الروحي فكل شئ عنده درجات. وهذا نلاحظه من أول صفحات سفر العدد، أنه اتجاه عزيز على نفس أوريجينوس. فإسرائيل عُزِلَ من الأمم ولكنه أي إسرائيل يمثل درجة في معاملات الله مع البشر، ولكنه يحمل نظامًا متميزًا وهو اللاويين. اختلاف أعداد القبائل عند أوريجينوس هو درجات الكرامة، درجات القرابة في الميراث، درجات الطقوس في العهد القديم.
العظات على سفر العدد تقدم لنا مفتاح روحانية أوريجينوس. السفر هو سفر الصحراء والهجرة والترحال، وقد صار هذا السفر عند أوريجينوس هو أتون التجارب والتنقية للمرور من درجة روحية إلى درجة أعلى فهو سفر المسيرة نحو الله.
ما هي ملامح هذه الروحانية؟
1 ـ الإيمان هو للضعفاء، الذين بالإيمان بالمسيح المصلوب يخلصون.
2 ـ الأعمال: النسك بكل درجاته وهي عبارة عن الجهاد والنمو وتعلم العفة والفضائل والتوبة عن الخطايا والاتضاع ورفض المظاهر. وهناك من يجاهدون ليس عن أنفسهم فقط بل عن آخرين.
3 ـ القداسة: القديسون يختارون من بين المجاهدين بالأعمال، والقداسة ليست هي حالة عدم الخطية ولكنها تقديم الإرادة والنية “proairesis”. القديس لا يختلف عن الآخرين إلا في أنه في موقع مختلف، فهو مفرز، لقد ترك كل ماله… وشئون الدنيا ليتكرس لله بالكامل، وهذا هو تعريف القديس عند أوريجينوس.
ولكنه أحيانًا يستعمل تعبير قديس كمرادف للفظ كامل… هناك ترابط بين الاثنين… القداسة هي التجرد الكامل، والقديس يصير قديسًا بممارسة القداسة… فنحن ندعو طلبة الطب أطباء وطلبة الفلسفة فلاسفة قبل أن ينتهوا من دراستهم وطالبوا القداسة يدعون قديسين حتى ولو لم يكونوا قد وصلوا إلى نهاية طريق القداسة. يكفي أن عندهم النية الداخلية وقد خطوا الخطوات الأولى، والكمال يأتي بعد ذلك.
4 ـ الكمال: أوريجينوس يستعمل هذه الكلمة كثيرًا وهي لا تعني غياب الخطأ أو العصمة بل تعني الذي أنهى عملاً. فالكمال هو الهدف النهائي، الكمال هو رؤية الله، والكمال يستلزم المعرفة إلى جانب الأعمال.
5 ـ المعرفة: المعرفة هي الجزء الأساسي من الروحانية عند أوريجينوس… حتى ولو لم يستعمل اللفظ علانية، فكل مرة يتحدث عن الحكمة أو عن الأسرار أو الإعلان الإلهي، فهو يتحدث عن المعرفة ورغم أن هذا العلم أو المعرفة لا يعني المعرفة بمعناها المعاصر الآن إلا أنها تشتمل على جانب “اقتناء المعارف”: المعارف الدنيوية والثقافة والطب والفلسفة من ناحية، ومن الناحية الأخرى المعارف الكنسية أي معرفة تراث الكنيسة والكتب المقدسة والبحث في التقليد العبراني وقراءة مؤلفات علماء المسيحية الأوائل وحتى كتب الهراطقة ينصح أوريجينوس بقراءتها.
ونحن نعرف أن أوريجينوس كان يلزم تلاميذه بعمل دراسات ثقافية وفلسفية ضخمة. ودراسات موسوعية لكي يعدهم للتأمل في الكتب المقدسة، فرغم أن معرفة علوم الدنيا وثقافاتها تعتبر في نظر أوريجينوس كعلوم إعدادية إلا أنها لا يمكن الاستغناء عنها لفهم الإيمان.
أما عن العلم في ذاته فهو عند أوريجينوس يعني اقتناء حقائق إلهية. مثل أن الله غير مادي، وحدة العهدين، حضور اللوغوس في كل الخليقة.
العلم عند أوريجينوس يرتبط بنظرته للإنسان. فالإنسان ليس عقلاً خالصًا كما يقول “كانتKant” والذكاء هو أقرب إلى الحدس “Intuition”.
فالذكاء عند الأقدمين يفترض الحرية من الأوجاع “Apathia” وبدون العفة لا يوجد ذكاء. والعفة مرتبطة بالحب. والحب لا ينفصل عن الصلاة وتقديم الذات لله.
إسرائيل والإسرائيليون في تفسير أوريجينوس
كان أوريجينوس مثله مثل كل آباء الكنيسة في القرون الأولى يفسرون كلمة إسرائيل والإسرائيليين بحسب النظرة الروحية الدينية المحضة. ولهذا فهم يقارنون بين الإيمان بالله وقوة عمله في التاريخ كما أعلنت في العهد القديم وبين الألوهية المشوهة في الديانات الوثنية عند اليونانيين أو المصريين وغيرهم من شعوب الشرق، والتي كانت تخلط بين الله وصور المخلوقات.
ولذلك نجد أوريجينوس في هذه العظات يتحدث عن الإسرائيلي دون أن يكون هناك تحديد عنصري أو عرقي أو أي معنى سياسي بل يطبق كل ما هو في سفر العدد على المؤمنين في العهد الجديد والذين ليسوا من إسرائيل بحسب الجسد. لأن إسرائيل بحسب الرسول بولس وآباء الكنيسة هي كنيسة المسيح وهي شعب الله الحقيقي. ولا تزال الكنيسة الأرثوذكسية حتى الآن تلتزم بهذا التفسير.
وقد أعلنه بابا وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر قداسة البابا شنودة الثالث في خطابه الجامع بنقابة الصحفيين عام 1968 عن “المسيحية وإسرائيل” وفي يوم 5 ديسمبر 1971 والذي نشر في كتاب بنفس العنوان.
الترجمة الفرنسية لعظات سفر العدد
تمت ترجمة هذه العظات في السلسلة الفرنسية لنصوص الآباء “Sources Chretiennes” (المصادر المسيحية) المجلد رقـم (29) المنشور في باريس سنة 1951. وهذه الترجمة الفرنسية ترجمت عن النص اللاتيني الذي ترجمه الراهب روفينوس عن الأصل اليوناني سنة410م.
الترجمة العربية لهذه العظات
قام أحد أصدقاء “مركز دراسات الآباء” بترجمة هذه العظات الأربعة عشر عن الفرنسية، وتولى المركز مراجعتها وحاول ضبطها على النص الفرنسي بأقصى ما يمكن من جهد، وإضافة بعض الملاحظات ثم كتابة المقدمة.
ويسرنا أن نجرى طباعة هذه الترجمة العربية لعظات أوريجينوس على سفر العدد في نفس الوقت الذي ينعقد فيه “المؤتمر الدولي السادس للدراسات الأوريجنية” وموضوعه هذا العام “أوريجينوس والكتاب المقدس” ويعقد هذه المرة في فرنسا في الفترة من 30/ 8/ 1993 إلى 2/ 9/ 1993.
فليجعل الله هذه العظات بركة وبنيانًا لكنيسة المسيح في البلاد الناطقة بالعربية. ولإلهنا القدوس الآب والابن والروح القدس كل المجد وسجود وتسبيح الآن وإلى الأبد. آمين.
[1] هذا هو النطق الصحيح لأسم أوريجانوس رغم أن هذا النطق الأخير بالألف هو الذي شاع بالعربية.
العلامة أوريجانوس (185م -۲۰۳م) – دكتور سامح فاروق حنين
عظات أوريجانوس على سفر التكوين
أولاً: أهمية عظات أوريجانوس على سفر التكوين
عندما أنشئت في مدينة ليون الفرنسية عام 1942 سلسلة “المصادر المسيحية” (Sources Chrétiennes) تحت رعاية الأب فيكتور فونتوانون، كان الأب دوترولو قد انتهى للتو من ترجمة عظات أوريجانوس على سفر التكوين، وكان عدد قليل من النصوص مناسباً لإعداد أحد الأجزاء الأولى من هذه السلسلة. وإذا كان تفسير الكلمة المقدسة يعد نوعاً رئيساً في مجال أدب الآباء، فإن عظات أوريجانوس على سفر التكوين تعد إحدى الكتابات الأشد تأثيراً وفي هذا المضمار. ومع ذلك فلا يفي هذا القول بالغرض المقصود، لأن هذا العمل يعد عملاً فاصلاً في ذلك المجال، فعبقرية أوريجانوس قد أظهرت من خلاله تعبيراً كاملاً عن سر المسيحية المخفي من منظور جامع ملموس. لهذا فهي عظات على جانب كبير من الأهمية ليس فقط من أجل تاريخ تفسير الكلمة المقدسة ولكن أيضاً من أجل تاريخ الفكر والحياة الروحية المسيحية.
وقد ظل تفسير الكلمة المقدسة باللاتينية في العصور الوسطى ولقرون طويلة يعتمد قبل كل شيء على عملين أساسيين هما عظات أوريجانوس (التي يجب أن يضاف لها التعليق على سفر نشيد الأنشاد) من ترجمة روفينوس، والأخلاقيات من سفر أيوب للقديس غريغوريوس التي تم استكمالها بعظات في سفر حزقيال). علماً بأن القديس غريغوريوس كان يدين بالكثير لأوريجينيس.
وعلى الرغم من عدم نفي هذا الأمر فلم يشر إليه أحد أو على الأقل لم يهتم أحد بالإشارة إليه ولم يعترف أحد بحجمه الهائل، بيد أن دوم جان لوكلير هو لحسن الحظ من تفاعل ضد هذا التجاهل المعتاد عند بحثه حول مصادر القديس برنارد. والحقيقة أنه لو كانت هناك وحدة حقيقية لتفسير الكتاب المقدس في العصور الوسطى على الرغم من اختلاف المدارس التفسيرية والمدارس الأدبية والحقب الدينية والقرون، وإن كانت كذلك النهضتان الكبيرتان في العصور الوسطى في القرنين التاسع والثاني عشر، برغم التباين الواضح في العقلية والتوجهات، لا تمثلان عصرين متناقضين ولكن فترتين من كيان واحد، فالأمر يرجع غالباً إلى أثر أوريجانوس (المشترك) على الحقبتين.
وقد أهمل مؤرخو أوريجانوس في معظم الأحيان تلك العظات ولم ينظروا إليها بعين الاعتبار. والدافع واضح فهي كلها موجودة في ترجمة يشكك فيها البعض. وهي مصنفة كجنس أدبي من الدرجة الثانية ومن المعتاد ألا يوليها أحد إلا أهمية ضعيفة مقارنة بكتاب “عن المبادئ” (##) الذي في المقابل أخرج منه الكثيرون مجمل أفكار الواعظ السكندري. والعظات المشار إليها صادرة عن شخص كانت شخصيته دائما محل خلاف[1]. كما أن تلك العظات تهتم كثيراً بالروحانيات، وهذا مجال لا يحب الكثير من النقاد الخوض فيه، بل يفضلون ألا يرتادوه. وأخيراً هناك طابع التصوير الرمزي المجازي الذي يغلب على تلك العظات والذي يعترض الكثيرون على الصور الخيالية التي تحويه بحق أو بغير حق.
تلك الاعتراضات تعوق النقاد عن التمييز بين النقد المثير للجدل والأصل الصلب، وبسبب هذا الاضطراب في التمييز تم التعامل مع الثانوي باعتباره جوهراً وتضاعفت المفاهيم الخاطئة. كما حدث ابتعاد عن النصوص المطروحة، تلك النصوص التي استطاعت عقلية عظيمة أن تعد من خلالها لعدة أجيال غذاءً فكرياً عظيماً.
علاوة على هذا فإن الجدل الذي نتج عن الإصلاح الديني قد أضر كثيراً بأوريجينيس ولا سيما بعظاته، فرفض لوثر له هو أمر معلوم للكافة. وبشكل عام فإن الجدليين البروتستانت فيما مضى كانوا ينكرون ثلاثة أشياء على آباء الكنيسة في ألفاظ لا يرغب معظمنا في استعادتها الآن، فمنذ البداية كانوا يرون غزواً ثلاثياً من الحضارة الهلينية الوثنية لإفساد الإيمان الكتابي ويشمل هذا: غزو الفلسفة فيما يتعلق بالعقيدة؛ وغزو التصوف فيما يتعلق بالروحانية، وغزو المجاز فيما يتعلق بتفسير الكلمة المقدسة. وبينما كان من المفترض أن يهدأ الموقف العدائي لقدماء الجدليين، تم إحياؤه من خلال سوء الفهم الذي أتى به “عصر التنوير”.
وقد ساهمت روح الأدباء الرسميين المضادة للتصوف وعقولهم المحدودة في قسوة الحكم على أوريجينيس، فلنقرأ مثلا مؤرخ الكنيسة الكبير موشایم (Mosheim) أو مؤرخ التفسير جان جورج روزنموللر (Jean Georges Rosenmiller) فنجد أن هؤلاء الكتاب قد أصدروا لنا سلسلة من الأحكام تم تناقلها فيما بعد على لسان الكثير ممن جاءوا بعدهم. ولكن للمفارقة العجيبة صارت تلك الأحكام منذ ذلك الوقت تصدر على لسان الكتاب الكاثوليك أنفسهم، فقد حدث انقلاب في هذا الأمر من النقيض إلى النقيض، فما كان يعد بمثابة تجديف آثم بالنسبة للكثيرين من آبائنا الكاثوليك في القرنين السادس عشر والسابع عشر، تم اعتباره اليوم كرأي نقدي جازم وفي مقام الحكم الصائب. وعلى مشارف الثورة الفرنسية، بدأ الفكر الكاثوليكي يتأثر بشدة بروح العصر، فيصاب بالأنيميا والهزال بسبب التبادل اللاشعوري مع الكتاب “المستقلين من البروتستانت أو “العقلانيين” الذين يجب أن نعترف لهم بالتفوق العلمي في معظم الأحيان.
وفيما يتعلق بتفسيرات الآباء وخاصة تفسيرات أوريجينيس، فهناك مؤرخون قد جاءوا بالعديد من الإيضاحات الجيدة التي تساعد على تعريف أفضل وفهم أعمق للنفس البشرية. فتعلمنا منهم كيفية الفهم بعد أن تركونا للحيرة، ولتلك الحيرة الأولية سحرها وفضلها. ولذلك فقد نالت ترجمة “عظات أوريجانوس على سفر التكوين”. التي كانت من أوائل ما نشرته سلسلة “المصادر المسيحية (Sources Chrétiennes). نجاحاً منقطع النظير، وقد نفدت الطبعة بمنتهى السرعة. ولكن صعوبات السلسلة الناشئة، في الفترة اللاحقة للحرب والاحتلال لم تسمح بإلحاق النص اللاتيني بها والذي يعود الفضل فيه لروفينوس الأكويلي. أما الآن فقد صار الأمر مهيأ سلفاً وأصبحت هناك فرصة في هذه الطبعة الثانية لإعادة قراءة هذه العظات الشهيرة باهتمام متجدد. ومرة أخرى نقول إنها تعد ذات قيمة عليا حتى وإن اقتصر الأمر على قيمتها التاريخية التي لا تضاهي.
هنري دي لوباك 1958-1975
ثانياً: العظات في مواجهة النقد
تاريخ العظات وموقعها
في الحقيقة لا يمكننا معرفة تاريخ العظات الخاصة بسفر التكوين بالتحديد، فمن المعلومات التي وافانا بها يوسيبيوس[2] وبامفيلوس[3] وجيروم[4] يمكننا الاستنتاج بأنها قد ألقيت في قيصرية في العقد الرابع من القرن الثالث حين كان أوريجانوس في الستين من عمره. ويرجح أنها من العظات التي قد سمح للنساخ من مجيدي فن الاختزال، بتدوينها مباشرة أثناء إلقاء الواعظ لها، ففي تلك الحقبة التي تمثل المرحلة الأخيرة من حياته ابتعد أوريجانوس عن الارتجال بما تعلمه في غضون خمس وعشرين سنة، وبرجوعه المستمر للكتاب وبثقته في التعبير عن عقيدته وفي حسن نوايا مطران الإيبارشية، لم يكن يزعجه أن تدون كلماته لحظياً. وقد كان يعرف أن صديقه ومضيفه أمبروسيوس سوف يعرف متى ينشرها في الوقت المناسب. ولكن لو استطعنا تصور حجم العمل الذي قام به أمبروسيوس والنساخ العاملين معه لتبييض الخطب المختزلة قبلاً، فليس لدينا ما يشير إلى أي مدى استطاع أوريجانوس تنقيحها قبل النشر. وإذا كان يوسيبيوس قد أشار لهؤلاء النساخ المختزلين في حديثه عن تلك العظات، أليس ذلك بسبب أنه وجد بمكتبة قيصرية المسودات الأولية التي دونت في مرحلة ما قبل النسخ دون أن يتاح لأوريجينيس الوقت للاطلاع عليها مجدداً؟ لذا فإنه فيما يتعلق بهذا الموضوع ليس أمامنا سوى تقديم فرضيات. وأياً كان، فلم يتم الاحتفاظ بالعظات بلغتها الأصلية (اليونانية) عدا في موقع واحد سوف يرد ذكره لاحقا، حيث إنها وصلتنا فقط من خلال ترجمة روفينوس اللاتينية التي تركها لنا بعد قرن ونصف (400م-404م).
التقليد المدون
وفقا لبهرنز[5]، فإن المخطوطات التي تحوي عظات أوريجانوس على سفر التكوين عديدة جداً، وهي توجد دائماً مجمعة مع سلاسل العظات الأخرى على الأسفار وقد استخلص بهرنز أكثر من خمس وسبعين منها، وما زال هناك العديد. ولكن ليس لهذا تأثير بالنسبة لكيان النص، فكل المراحل والخطوات الممكنة قد تم استخدامها وما يستجد تتم إضافته في الإطار الموجود فعلياً.
۱. عدد العظات
كانت أولى النتائج التي أتى بها تقسيم بهرنز هو حل مشكلة عدد العظات؛ فالطبعات القديمة كانت تعتبرها سبع عشرة عظة، وقد كانت المخطوطات تحصيها أحياناً على أنها ست عشرة عظة وأحياناً أخرى باعتبارها سبع عشرة. ولكن بهرنز لاحظ أن المخطوطات التي كانت بها العظة السابعة عشرة حول “بركة آباء الأسباط” كانت كلها تنتمي للتصنيف (ج) ما عدا ثلاث أو أربع حيث يرجع وجود العظة فيها إلى ظروف خاصة مختلفة عن العظات الباقية (ولاحقة لها). وفي هذه الظروف يجب البحث عن المسئول عن تلك العظة السابعة عشرة في بداية التصنيف (ج) في النموذج المثالي لهذه المجموعة التي تضم على الأقل ۳۸ مخطوطاً. ورغم أن ذلك النموذج قد فقد لكن بهرنز يلفت النظر إلى أنه لا بد وقد تم إعداده في فرنسا من خلال صورة المخطوط بمدينة ليون والذي سوف نتحدث عنه لاحقاً، وقد استطاع إيسيذوروس الأشبيلي”[6] أن يستخدم محتواه في النصف الأول من القرن السابع عشر.
وهناك اعتراض يبرز من جهة القديس جيروم، ففي القائمة التي يعطيها جيروم لأعمال أوريجينيس. في الرسالة ۳۳ لباولا. يحدد أن هناك ۱۷ عظة على سفر التكوين. وفي الحقبة التي ظهرت فيها هذه القائمة (1847 م) وعلق عليها بيترا عام 1855[7]، احتوت الطبعات تحديداً على نفس عدد العظات، وبدا هذا طبيعياً جداً. ولكن حين نما الشك في صحة تلك العظة السابعة عشرة بعد ذلك[8]، صارت تأكيدات جيروم ذريعة للمناقضين. لذا فقد لزم وجود حجج قوية التفنيد ما قاله جيروم. وقد أتى بهرنز بتلك الحجج حيث أثبت حينها أنه لم يكن هناك إلا أربع مخطوطات[9] لرسالة جيروم رقم ۳۳، وأن الأربع جاءت من مصدر واحد وكانت تحتوي بنفس الطريقة على ذكر السبع عشرة عظة المتعلقة بسفر التكوين. وكان من السهل استخلاص أن رقم 17 في العظات قد أنتج كنوع من رد الفعل لرقم ۱۷ المذكور في رسالة جيروم. ويبدو أن أحد الكتاب قد أضاف بحسن نية شرطة زائدة للرقم 16 موفقاً بذلك بين أقوال جيروم وما يحويه المخطوط. أما الاعتراضات الأخرى التي تتعرض للتباين بين النصين فلا تقف أمام تأكيدات كاسيوذوروس بأن هناك ست عشرة عظة وأمام التحليل البنيوي للعظة السابعة عشرة الذي يبين أنها مكونة من جزئيين معكوسين من كتاب روفينوس حول مباركة الأسباط. فلا يمكن إذا الاعتماد على جيروم للدفاع عن تلك العظة السابعة عشرة.
٢. النموذج الأصلي
وإذا انتقلنا الآن مع بهرنز بعد موضوع عدد العظات إلى المخطوطات، فعن طريق لعبة الأخطاء والنواقص والاقتباسات من النص الكتابي، وبالرجوع للنصوص والوثائق القديمة وكذلك بالرجوع لاستنتاجات كوتشوه (Koetschau) وفي مقدمته لكتاب أوريجانوس (De Principiis) في مجموعة نصوص برلين، توصل بهرنز للنموذج الأصلي الوحيد لكل المخطوطات الذي يعود أصله إلى حوالي القرنين الخامس والسادس. وكان ذلك النموذج الأصلي، الذي ظهر في شكل مجموعة من المخطوطات. نظراً لكثرة النصوص لدى أوريجينيس. والمتحدر على الأرجح من مدينة نول حيث تم تنفيذه طبقاً لنفس نماذج روفينوس التي تم نقلها قبل مائة عام، قد وصل إلى صدیقه بولين، إلى أوجيبيوس (540م) رئيس دير كاستلوم لوکولانوم بجوار مدينة نابولي في بداية القرن السادس الميلادي. وهناك غالباً وجده واستعاره كاسيودور الذي كان يعرف أوجيبيوس[10]، وجعل فيفاريوم يأخذ منه نسخة. وكانت عظات أوريجانوس على الثمانية الأسفار، التي يميز فيما بينها 16 عظة خاصة بسفر التكوين، مجمعة في ثلاثة كتب الأول منها يحوي عظات على التكوين، ثم الخروج واللاويين، وقد استمرت مرتبطة عموما في المخطوطات التي وصلت إلينا، وقد جاءت هذه المخطوطات كلها من نسخة كاسيودور. ولكن هذه النسخة قد فقدت بالطبع، ولكنه قد دون نسخاً كثيرة ظهرت في مواقع مختلفة من أوروبا وأنتجت ما تبقى بين أيدينا من مخطوطات.
٣. مخطوطة مدينة ليون القديمة
من بين النسخ القريبة من نسخة كاسيودور أتيح لنا الاحتفاظ بنسخة غالية على قلب سكان مدينة ليون وهي النسخة الليونية القديمة 443 (443 Lugdunensis). وقد تعمق الباحثون في دراسة هذا المخطوط، وأفاد لوو المتخصص في الأدب اللاتيني أن هذا المخطوط كتب بمدينة ليون خلال القرن السابع على أقل تقدير[11]، في حين تصور بهرنز أنه من الممكن أن يكون قد كتب في نهاية القرن السادس. ولم يبرح المخطوط مدينة ليون منذ ذلك التاريخ ولكنه مع ذلك عانى من بعض التلفيات. ولنصرف النظر عن الثلاث عشرة صفحة التي تم نزعها بواسطة ليبري والتي صارت اليوم تعرف بالمخطوط الباريسي (le paris. Nouv. Acq. Lat. 1591)، فهي ليست ضمن نص العظات على سفر التكوين، كما هو الحال كذلك بالنسبة للصفحات من ۱۹۲ – ۲۷۹ والتي أضيفت في القرنين الثامن والتاسع. ولكننا مضطرون للتنويه، وبسبب أنها تعد جزء من العظات، أن الصفحتين الأوليين الأصليتين تنقصان حالياً من المخطوط، كما أن الصفحات ۷-۱۱ وكذا الصفحة ۷۷ قد تمت كتابتها في القرن التاسع وأنها بالتالي مقاطع لا تتسم نصوصها بذات أصالة النصوص الأخرى.
ومع ذلك وبالرغم من أننا نفضل هذا المخطوط إلا أنه لا يمكننا الاكتفاء به لإثبات نصوص العظات على سفر التكوين. فقدم تاريخه بل والاهتمام الذي أولاه له الناسخ أمداه بلا شك بقوة خاصة ولكن لا بد من مؤازرة المخطوطات الواردة من نموذج كاسيودور الإثبات النص. وقد توصل بهرنز لترتيب الـ 75 مخطوطة المحتوية على عظات سفر التكوين في رتب عديدة بشكل مفيد وذلك بعد عملية مقابلة النصوص واسعة النطاق. ولم يحتفظ لإثبات النص في كل عظة إلا بالمخطوطات التي بدت له ضرورية. ولنكتف هنا بذكر تلك المخطوطات باختصار حتى تسهل قراءة بعض الهوامش التي وضعناها في طبعتنا.
ترتيب المخطوطات
المجموعة أ
مخطوطة مدينة ليون رقم 423، القرنان السادس والسابع
المجموعة ب
مخطوطة برلين 4۲ (فيليب، ۱۹۷۰)، القرن العاشر
مخطوطة برلين ۳۲۹، القرن الحادي عشر
تحتوي هذه المجموعة على عشرين مخطوطاً أغلبها ألماني المصدر. هذه المخطوطات لا تشمل العظة السابعة عشرة الخاصة بسفر التكوين. كما تنسب الترجمة إلى اللاتينية إلى جيروم.
المجموعة ج
مخطوطة موناكو 14315، القرن التاسع
مخطوطة باريس ۱۹۲۸، القرن الثاني عشر
مخطوطة باريس 16834، القرن الثاني عشر. هذه مخطوطة استخدمها بهرنز فيما ندر. وتتضمن تصويبات علمية أجريت في القرن الثاني عشر.
وتحتوي هذه المجموعة على أكثر من ثلاثين مخطوطا (من مصادر عدة: فلاندرز، بافيار، النمسا، بوهيميا) والتي يأتي نموذجها الأصلي من فرنسا. والقاسم المشترك بينها هو احتواؤها على العظة السابعة عشرة الخاصة بسفر التكوين.
المجموعة د
مخطوطة كولوني 3 (دارمستادت ۲۰۰۶)، القرن التاسع. وهي مخطوطة مستقلة مميزة بتاريخها وأصلها الذي يعود للشمال وتشابهها مع المجموعة أ.
المجموعة هـ
مخطوطة كاسيني 342، القرن الثاني عشر
مخطوطة الفاتيكان 204، القرن الحادي عشر
وكلاهما يمثل عدداً يقارب العشرة مخطوطات والتي يقع نموذجها الأصلي في مدينة كاسينو حيث من المحتمل أن يكون قد صيغ بأسلوب مخطوط كاسيودور. وتجدر الإشارة بأن هذه المجموعة لا تحتوي على العظة السابعة عشرة الخاصة بسفر التكوين.
المجموعة و
مخطوطة فلورنس القديس ماركوس 607، القرن الحادي عشر وهي مخطوطة مستقلة.
المجموعة ز
مخطوطة باريس 1625، ما بين القرنين السابع والثامن. وهي تعكس تقليداً مستقلاً وتظهر ناقصة في بدايتها وأيضاً في نهايتها.
المخطوطات التي اعتمدت عليها الترجمة الحالية
لقد اتبعنا في الأغلب نص بهرنز، ولكن قد نأتي أحياناً باختيار جديد أو بتكهن ما، توضحه الهوامش وتعلل له. وهناك بعض التعديلات الطفيفة الأخرى منها ما قد اقترحها بهرنز نفسه في ملحقات ما كتب، وقد تمت الإشارة دائماً إلى تلك التصحيحات وتم تبريرها في الهوامش.
الشذرات اليونانية
هناك نقطة خاصة بدت لنا طبعة بهرنز غير كافية بالنسبة لها وهي المقطع اليوناني بالعظة الثانية، حيث يدور الموضوع حول وصف فلك نوح. وقد جذب ذلك المقطع البديع اهتمام الكتاب القدامى فنقلوا لنا عنه عدة أجزاء في “السلاسل”. وقد ترك لنا بروكوبوس المختص بتجميع العظات، والذي كان يماثل في طريقته كتاب “السلاسل، فقرة طويلة تبدو وكأنها قطعة واحدة ولكنها في حقيقة الأمر تحوي العديد من المقاطع مجهولة الأطوال.
وقد تصور بهرنز أنه يمكنه استكمال نص بروكوبوس عن طريق “السلاسل”، وربط هذه بتلك مما نتج عنه نص متصل ولكنه غير متجانس وغير دقيق. وقد يتصور القارئ أنه أمام كتابة أوريجانوس الأصلية. ولكن الحقيقة أن ما تحت أيدينا من مصادر لا يسمح لنا بإعادة الفقرة كما كتبها أوريجانوس بنفسه. وقد أراد بهرنز هو وبروكوبوس، كل بأسلوبه، أن يربطا نصوص أوريجانوس وديديموس (على سفر التكوين عن طريق القطع والتنقيح كما يوافقهما بحيث صار من المستحيل الرجوع لنموذج نص أوريجانوس الأصلي. ولكننا نستطيع فقط أن نقدم من ناحية نص بروكوبوس ومن ناحية أخرى نص المجموعات وأن نحاول في كل منهما أن نستوضح ما يعود لأوريجينيس بمقارنته بحكمة مع النص اللاتيني. وسوف نكتشف حينئذ أن جزءًا من النص اليوناني الذي طبعه بهرنز مصدره ديديموس. والواقع أن المجموعات من النوع الثاني[12] (والتي أجريت لها فحوص طفيفة عام 1916م) ترجع لديديموس الكثير من الفقرات التي لم يدرك بروكوبوس الفرق بينها والذي يقترب مضمونها من نص روفينوس. ويؤكد اكتشاف تعليق ديديموس على سفر التكوين بمدينة تورا عام 1941م على هذا التحليل. ولذا فلا ينبغي أن ننخدع بجملة المقتطفات اليونانية التي تقدمها طبعة برلين فبها أجزاء ليست من عظات أوريجينيس. والمقال الذي كرسناه منذ وقت ليس ببعيد لهذا الموضوع[13] يعفينا من إعادة ذكر ما ورد فيه هنا. كما أننا لن نحاول استخلاص الفقرات اليونانية الخاصة بأوريجينيس من روائع بروكويوس المعقدة ولا من “السلاسل” لمقارنتها بالعظة اللاتينية. وسوف نجد كافة الإرشادات المطلوبة في المقال السابق ذكره.
ترجمة روفينوس
كما قلنا سابقا لم يكن روفينوس مترجماً دقيقاً ولكنه كان مترجماً ذكياً، بل يمكن القول إنه كان مؤلفاً من حيث إنه يرتب الأفكار ويتقن الأسلوب. وأمام بعض الفقرات اليونانية الباقية تدهشنا السلاسة التي يقترب بها روفينوس في ترجمته من أوريجانوس دون محاكاة لأسلوبه اللفظي. فهو إما أشد إيجازاً أو أكثر إسهاباً. وهو يعيد ترتيب المفردات وقد يسقط بعضها حين يرى أنها لا تمثل قيمة للقارئ اللاتيني، كما يعمد إلى التفخيم في الأسلوب الذي لا يستطيع التحكم به، ولكنه يظل دائماً في تعديله أميناً في نقل فكر أوريجينيس.
ومن الأساليب البلاغية التي اعتاد روفينوس كمترجم وككاتب أنيق العبارة استخدامها أسلوب الثنائيات، حيث يبدو أنه يلذ له الإتيان بكلمتين من صنعته اللغوية في حين أن أوريجانوس لم يكن قد استخدم سوى كلمة واحدة فقط. أيكون قد أعطى بذلك معنى أفضل للنص اليونانية ليس ذلك مؤكدا إلا إذا رجعت الكلمتين معا للأصل اليوناني. ولذا لا يجب أن نرضخ في اللغة الفرنسية لكل تلك الثنائيات. وعلى كل حال، فإن توازن الجمل اللاتينية يعد أكثر انسجاماً من اليونانية.
هذا الميل للألفاظ وللجملة، وهذا الإحساس بالتناغم والبنية النحوية وكذلك الترتيب المعين في الإنشاء كل ذلك يخص روفينوس. بينما الإلهام والأفكار واختيار النصوص الكتابية وأيضاً الرؤى الروحية إنما يصدر عن أوريجينيس. وفيما يتعلق بعظاتنا وبالهدف الروحي المرجو منها يمكننا الثقة بروفينوس، فهو يضع أوريجانوس في متناول القارئ الذي لا يعرف اليونانية، ولا يخونه أبداً.
ل. دوترولو
[1] See: Histoire et Esprit (1950) et Exegese médievale, t. I (1959).
[5] له كتاب بالألمانية جمع فيه عظات أوريجينيس – طبعة ليبزج ۱۹۱۹..
A. BAEHRENS, Uberlieferung und Textgeschichte der lateinisch erhalten Origenshomilien zum Alten Testament, TU 42, 1, Leipzig 1916.
[6] يفترض كتاب. إيزيدور (Les Quaestiones in Genesim d’ISIDORE PL 83 ,207 – 288) أن بعد عظات أوريجينيس على سفر التكوين التي نهل منها بوضوح، وجد إيزيدور العظة السابعة عشرة عن مباركة الآباء التي استوحي منها في الفصل الحادي والثلاثين. ومن الممكن أن نجادل بأن الأفكار التي وردت في هذا الفصل قد جاءت من مصدر آخر مستقل من المرجح أنه كتيب روفينوس حول ذات الموضوع. ولكن بالإضافة إلى أن إيزيدور لم يذكر روفينوس بين مصادره، فإن نفس بنية فصل إيزيدور، الذي يغير ترتيب الآباء حسب العظة ۱۷ يجبرنا على تصور أن إيزيدور اطلع على نسخة تحتوي على العظات السبعة عشر لأوريجينيس
De Saint-Amand en Pevele, Paris 1628, s. XII ; de Saint-Martin de Tournai, Paris.1629, s. XII ; de Sainte-Marie d’Aulne; Bruxelles 912, S. XII; de Saint Vaast, Arras 849, s. XIII.
لقد عرفنا اثنتين أخريين عن بيهرنز وهيلبرج، ناشر رسائل جيروم في:
(CSEL: Berlin, Staatsbibl. Lat. Fol. 194, s. XII et Vat. Urb. Lat. 504, s. XV)
لكننا علمنا في آخر لحظة الرسالة لا توجد في مجموعة برلين على عكس مؤشرات الفهرس.
[10] CASSIODORE, De inst. Divin. Liter. 23, PL 70, 1137 AB.
[11] E. A. LOWE, Codices Lugdunenses antiquissimi, Lyon 1924, p. 37.
[12] لا يوجد من هذا النوع سوى مخطوطتين: Mosq . 385 , s . X ونسختها و .Vat Barberinianus 569 , s . XVI . كان بهرينز يعرفهما (TU 42, 1, p, 232-233) لكن يبدو أنه لم يستطع أن يصل اليهما وقت الحرب. لنضف Matrit . 4673 , s XVI . الذي أشار على بها بوتي F . Petit للتو. إذ لم توجد 385. Mosq، ساعدت 569 .Barb ناشري أوريجينيس القدامى. اقتبس دولارو نصوصها من ملفات كومبفيس .Combefis الذي يدين بها إلى نسخة معمولة على 569 .Barb. ارجع إلى:
DOUTRELEAU, Recherches autour de la Catena Romana de Combefis, dans Corona gratianum II (Melanges E. Dekkers), 1975, p. 367 – 388
[13] المقطع اليوناني لعظة أوريجينيس الثانية عن سفر التكوين. نقد للنص في:Revue d’Histoire des Textes, t. 77, 1975.
العلامة أوريجانوس – حياته وتعاليمه وخلافه – الأنبا مقار أسقف الشرقية
العلامة أوريجانوس – حياته وتعاليمه وخلافه – الأنبا مقار أسقف الشرقية
العلامة أوريجانوس- حياته وتعاليمه وخلافه – الأنبا مقار أسقف الشرقية
العلامة أوريجانوس هو بلا شك أحد أعظم الشخصيات الدراسية في التاريخ المسيحي. وهو الشخصية الأكثر إثارة للجدل، فهو الأغزر إنتاجاً والأكثر فقداً، الأقوى تأثيراً والأكثر تعرضاً للهجوم، الأكثر تطرفاً في الرمزية، وهو أيضا نموذج للتطبيق الحرفي للوصية. هو الفيلسوف والكاتب الكنسي والناسك والمعلم، وهو أيضا المغضوب عليه من قبل البعض والمحبوب من البعض الآخر.
ولد أوريجانوس – والذي يعني اسمه “الذي ولد في الجبل” -في بيت مسيحي بالإسكندرية سنة 185م. وأعتني والده ليونيديس Leonides بتعليمه الكتب المقدسة ومبادئ العلوم المدنية. وفي أثناء اضطهاد الإمبراطور ساويرس سنة ۲۰۲م مات والده شهيداً، وكان أوريجانوس يريد أن يلحق بوالده ليموت شهيداً، ولما لم يتمكن من تحقيق شهوة الاستشهاد كتب إلى والده يحثه على الثبات ويقول: “لا تأخذ طريقا آخر من أجلنا”. وصودرت حينها ممتلكات العائلة فتولى أوريجانوس إعالة أمه وأخوته عن طريق الاشتغال بالتعليم.
ورغم الظروف المادية الصعبة إلا أنه حصل -بفضل جلده واجتهاده وولعه الشديد بالعلم -على أفضل تعليم متاح سواء على المستوى اللغوي أو الفلسفي أو الكنسي. وصار تلميذاً نجيباً لإكليمندس السكندري الذي خلفه في رئاسة مدرسة الإسكندرية.
فبعد أن تعطلت مدرسة الإسكندرية فترة بسبب ترك مديرها إكليمندس لها بسبب الاضطهاد، أقام ديمتريوس أسقف الإسكندرية أوريجانوس مسئولاً عن مدرسة الموعوظين وهو لا يزال في الثامنة عشرة (حوالي ۲۰۳م)، فعلم وتعلم في آن واحد، وعاش عيشة الفلاسفة على حد تعبير يوسبيوس القيصري (3:6) “فهذب نفسه بالصوم وتحديد ساعات النوم ولم يتخذ لنفسه سريرا بل نام على الأرض. واكتفي برداء واحد ومشي حافي القدمين”.
وعلى يده وصلت مدرسة الإسكندرية إلى قمة الأهمية والتأثير؛ حيث كان له الفضل في وضع نظم للدراسة تراعي البعد الأكاديمي والبعد الاختباري للتعاليم المسيحية. وبفضل جهده وتنظيمه ازدادت أعداد المتقدمين من الطلبة الأمر الذي اضطره أن يقسم الدراسة إلى مستويات. وقد ساعده في هذا تلميذه ياروكلاس والذي صار مديراً للمدرسة بعد أوريجانوس وبعدها صار بطريركاً.
سار أوريجانوس على خطى معلمه إكليمندس في توجهه لتبشير الوثنيين وخصوصاً طبقة المثقفين منهم. كما ذاع صيته كشارح ومفسر للكتاب المقدس. وقد ركز في شرحه على إظهار البعد الروحي والجوانب اللاهوتية العميقة للنصوص المقدسة، كما شرح العهد القديم على أنه المدخل لفهم سر المسيح الذي فيه تحققت كل وعود العهد القديم.
وقد أخذ في الوقت نفسه عن أمونيوس سكاس Ammonios Sakkas الأفلاطونية الحديثة وتأثر بها بشدة في علم الكونيات وعلم النفس. وكان لها أثر كبير في كتاباته وأفكاره فيما بعد. وكان أوريجانوس يعتقد أن الفلاسفة سعوا لمعرفة حقيقة ذواتهم ولمعرفة الأشياء الجيدة والتي يجب الاجتهاد لنوالها والأشياء الشريرة والتي يجب الهرب منها. ولم يكن يأكل اللحم مطلقاً، وكان يكتفي بالقليل من الخبز، وكان بسيطاً في عاداته. ولم يكن يهتم حتى برعاية جسده.
ومن يتأمل حياة أوريجانوس يجده قد تأثر بمعاصريه مثل أفلوطين مؤسس الأفلاطونية المحدثة ليس على مستوى الفكر فقط ولكن حتى في سلوكه النسكي وطريقة المعيشة. ويبدو أن هذا الإعجاب كان متبادلاً حيث يذكر أنه حينما حضر أوريجانوس أحد دروسه أن أفلوطين قال في نهاية الدرس “إن حماس المعلم ينطفئ حينما يشعر أنه ليس لديه شيء آخر يمكن أن يضيفه لسامعيه”.
ومما رواه يوسبيوس أيضاً (8:6) أن أوريجانوس أخذ بالمعنى الحرفي للآية ۱۲ من الإصحاح 19 من إنجيل متى “فخصى نفسه من أجل ملكوت السموات”.
وذهب أوريجانوس في حوالي سنة 216 إلى فلسطين. وهناك طلب منه أساقفة قيصرية وأورشليم أن يعظ ويشرح الكتاب المقدس في إيبارشياتهم، فثارت ثائرة رئيسه البابا ديمتريوس السكندري وكتب إلى الإخوة الأساقفة في فلسطين يلومهم لأنهم سمحوا لعلماني أن يعظ في حضرتهم، وأمر أوريجانوس بالعودة إلى الإسكندرية فوراً ففعل كما أمر أسقفه.
وقد دعت “يولية مامية” والدة الإمبراطور ساويروس ألكسندروس، أوريجانوس إليها إلى إنطاكية لتسمع من فمه ما كان يقوله في الإيمان المسيحي، فذهب أوريجانوس إلى عاصمة الشرق وقابل الإمبراطورة الوالدة وشرح الإيمان المسيحي هناك وعاد إلى الإسكندرية مكرماً. وعلى الرغم من غضب البابا ديمتريوس عليه إلا أنه في سنة ۲۳۱ م وحينما انتشرت بعض البدع في الأوساط اليونانية في بلاد اليونان اهتم البابا ديمتريوس بالأمر وطلب من أوريجانوس أن يذهب إلى بلاد اليونان ليفحم المبدعين ويسكتهم. فمر في طريقه بفلسطين فسامه ألكسندروس أسقف أورشليم وثيوقتيستوس أسقف قيصرية كاهناً.
وهنا احتج البابا ديمتريوس السكندري على هذه السيامة لأنها تمت خارج الإسكندرية، ولكن الفلسطينيين رأوا في ذلك مظهراً من مظاهر الحسد، ونجد أن يوسبيوس القيصري يقول فيما بعد (6: 8) إن ديمتريوس انغلب من ضعف بشري حين رأي أوريجانوس قد صار عظيماً شهيراً عند الجميع. وعلى أثر هذا قام البابا ديمتريوس بإبعاد أوريجانوس عن الإسكندرية. فخرج أوريجانوس من الإسكندرية وأقام في قيصرية فلسطين، وهكذا بدأت الفترة الثانية من حياته. وتجاهل أسقف قيصرية قرارات الإسكندرية وطلب من أوريجانوس أن يؤسس مدرسة لاهوتية جديدة في قيصرية، فأنشأ اوريجانوس مدرسة جديدة هناك وأشرف عليها عشرين عاماً، ونظمها على غرار مدرسة الإسكندرية.
ثم عصف اضطهاد الإمبراطور داكيوس Decius 249م – 251م فذاق اوريجانوس ألواناً من العذاب؛ إذ يذكر يوسبيوس عنه: “أما مقدار البلايا التي حلت بأوريجانوس أثناء الاضطهاد، ومقدار شناعتها، وماذا كانت نتيجتها النهائية (فإن شيطان الشر جرد كل قواته، وحارب الرجل بكل حيلة وبأقصى جهده، هاجماً عليه بعنف أشد من سواه ممن هجم عليهم وقتئذ)، ومقدار ما تحمله من أجل كلمة المسيح، والقيود، والتعذيبات الجسدية، والتعذيبات بالطوق الحديدي وفي السجن.
وكيف مدت قدماه في المقطرة أياماً كثيرة، وكيف تحمل بصبر التهديد بالنار، وكل ما عذبه به الأعداء، وكيف وضع حد لآلامه نظراً لأن قاضيه بذل أقصى جهده لإنقاذ حياته، وما هي الكلمات التي تركها بعد هذه الأشياء مليئة بالتعزية لكل من يحتاج إلى العون . كل هذه تبينها كثير من رسائله بدقة وأمانة (تاريخ الكنيسة 6: ۳۹). وتوفي اوريجانوس سنة 253 وله من العمر 69 سنة بعد أن تدهورت صحته بسبب هذه العذابات.
طبيعة الخلاف بين أوريجانوس والبابا ديمتريوس:
حينما نتحدث عن الخلاف الذي حدث بين أوريجانوس والبابا دیمتریوس يجب أن نضع في الاعتبار عدة نقاط. أولاً: أن الكنيسة مثلما تحتاج إلى الموهبة الفذة والتي يمثلها أوريجانوس تحتاج أيضا إلى تنظيم كنسي والذي يمثله البابا ديمتريوس. ثانياً: يجب الأخذ في الاعتبار فارق السن الكبير بين اوريجانوس الذي كان في أوائل الأربعينيات والبابا ديمتريوس الذي كان في الثمانينيات من عمره.
وقد نشأ الخلاف حول بعض الأفكار التي ذكرها أوريجانوس في إطار تفسيره لسفر التكوين والتي كان يظن أنها آراء أفلاطونية، ومع زيادة شهرة اوريجانوس وسطوع نجمه وكذلك علاقته بالأغنياء مثل أمبروسيوس الغنوسي، تلك الأمور التي جعلت البعض ينظر له على أنه مركز قوة وخطر في نفس الوقت بجانب تأثره الواضح بالأفلاطونية. ورغم هذا ظلت نيران الخلاف كامنة تحت الرماد إلى أن ذهب أوريجانوس إلى قيصرية فلسطين وقيامه بالوعظ في الكنيسة، الأمر الذي اعتبره البابا ديمتريوس شيئاً غير مقبول. وحينها أرسل له شماسين وعاد معهما إلى الإسكندرية إلى حين.
ثم عاد الخلاف يشتعل أثناء زيارته الثانية إلى قيصرية فلسطين حيث سيم قساً هناك، حيث اعترض البابا ديمتريوس بشدة على تلك السيامة لأنها تمت دون تصريح منه، كما أرسل لأسقف قيصرية رسالة موضحاً فيها أفكار اوريجانوس غير المنضبطة ولا سيما مناداته بخلاص الشيطان. وقد دافع اوريجانوس عن نفسه دفاع شاملاً في خطاب صريح موضحاً رأيه. والجدير بالذكر أن أوريجانوس نفسه وصف خروجه الثاني من الإسكندرية إلى قيصرية فلسطين مثل خروج شعب بني إسرائيل من أرض مصر، فمن يا ترى كان المقصود بفرعون؟! وعلى الرغم من جلوس ياروكلاس تلميذ أوريجانوس النجيب على الكرسي السكندري خلفاً للبابا ديمتريوس إلا أن الوضع بقى على ما هو عليه.
وملخص الخلاف هو أن البابا ديمتريوس لم يحتمل عدم خضوع اوريجانوس وآراءه المثيرة للجدل، في حين لم يحتمل اوريجانوس أن يحد أحد من حريته الفكرية. والحقيقة أن الكنيسة كانت تحتاج في ذلك الوقت إلى من يواجه العالم الوثني مثل اوريجانوس وأيضاً من ينظم الروحيات والإداريات فيها مثل البابا ديمتريوس. وفي النهاية لا بد أن نؤكد على أن المنصب يجب أن يصحبه أبوة والموهبة يجب أن تتحلى بالخضوع.
والكنيسة لا ترفض كل ما كتبه وأيضاً لا تقبل كل ما كتب، بل إنها تنتقي من فكره ما تجده يتمشى مع إيمانها المسلم من القديسين.
الرب يجعل هذا الكتاب خطوة نحو فهم أعمق وإدراك لمعنى مختبئ وصورة أوضح لكتابه المقدس، بصلوات أمنا العذراء مريم والشهيد مارمينا العجائبي وطلبات أبينا البابا أنبا تواضروس الثاني وشريكه في الخدمة أبينا الأسقف أنبا إيسيذورس أسقف ورئيس دير البرموس.
أنبا مقار
خادم كرسي الشرقية ومدينة العاشر من رمضان
بدء صوم الميلاد نوفمبر 2015
العلامة أوريجانوس – حياته وتعاليمه وخلافه – الأنبا مقار أسقف الشرقية
العلامة أوريجانوس (185-203م) – دكتور سامح فاروق حنين
العلامة أوريجانوس (185م -203م) – دكتور سامح فاروق حنين
العلامة أوريجانوس (185م -203م) [1] – دكتور سامح فاروق حنين
حياة العلامة أوريجانوس
يعتبر العلامة أوريجانوس مجد الأدب الكنسي القديم وواحداً من أعظم الكتاب على مر العصور. ونستطيع أن نجمع معلومات عن حياة أوريجانوس من الكتاب السادس من «التاريخ الكنسي» ليوسيبيوس القيصري، الذي خصصه كله له والذي يعد بمثابة سيرة ذاتية” للعلامة السكندري. ويبدو أن يوسيبيوس القيصري قد استقى معلوماته عن أوريجانوس من معلمه بامفيلوس الذي ضمنها في “الدفاع” الذي كتبه عن أوريجانوس بمساعدة يوسيبيوس وذلك على أساس كتابات أوريجانوس ورسائله التي كانت محفوظة في مكتبة قيصرية فلسطين.
ويعتبر الكثيرون أوريجانوس هو ابن مصر الأصيل رغم أن اسمه يوناني وليس قبطيا (ابن الإله أور)، أما اسم أدامانتيوس ومعناه الماسي فقد أطلق عليه بسب سمو أخلاقه وندرتها وصلابة طاقاته الفكرية كالماس. وقد ولد أوريجانوس في الإسكندرية نحو عام 185م[2]، واستشهد أبوه ليونيديس الذي كان يعمل معلما للخطابة، في أيام الإمبراطور سبتميوس سيفيروس عام ۲۰۲م في حين كان أوريجانوس لا يزال في سن السابعة عشرة. وكان أبوه ليونيديس قد هذبه في بادئ الأمر بمعرفة الكتاب المقدس والدراسات الدينية قبل تعليمه العلوم اليونانية[3]. ويشهد بورفيريوس الأفلاطوني المحدث أن أوريجانوس “إذ درس الآداب اليونانية كيوناني انحرف إلى الطياشة البربرية.[4]”
ثم بعد ذلك اتجه إلى دراسة المسيحية. وقد أظهر الابن شغفاً عجيباً في هذا الأمر. ويقال إن والده كثيراً ما كان يقف بجوار الصبي وهو نائم، ويكشف صدره كأن روح الله قد استقر في داخله[5]، ويقبله بوقار معتبراً نفسه أنه قد تبارك بذريته الصالحة. ولما عهد إلى كليمندس تعليم الإيمان في الإسكندرية خلفا لبنتينوس صار أوريجانوس أيضا أحد تلاميذه وكان لا يزال صبياً[6]. وبالإشارة إلى بنتينوس وكليمندس كمعلمي أوريجانوس فإن هذا يعني أن الأخير كان يدرس في مدرسة الإسكندرية اللاهوتية وأنه قد تلقى تعليماً يونانياً ومسيحياً عالياً، وأنه قد سمع دروسهما وحضرها سواء أثناء فترة صباه أو بعد ذلك.
وقد عاصر ليونيديس، أبو أوريجينيس، الاضطهاد الذي أثاره سبتيموس ساويرس عام ۲۰۲م، والذي كان أكثر عنفاً على الكنيسة المصرية، حتى ظن كثيرون أن هذا الاضطهاد هو علامة على مجيء “المسيح الدجال”. فألقي القبض على ليونيديس ووضع في السجن، أما أوريجانوس الذي لم يكن بعد قد بلغ السابعة عشر من عمره، فلم يكن فقط يشجع أباه على الاستشهاد وأرسل له رسالة حثه فيها على ذلك، بل كان يتوق بشغف إلى إكليل الاستشهاد مع والده.
وفي اللحظة الحاسمة منعته أمه من تحقيق رغبته بإخفاء كل ملابسه حتى يلتزم البقاء في المنزل ليرعى شئون إخوته الستة. فأرسل إلى أبيه رسالة قائلاً له: “احذر من أن تغير موقفك بسببنا” هذا ما يمكن تدوينه كأول دليل على حكمة أوريجانوس في شبابه وعلى محبته الصادقة للتقوى[7].
وإذ صودرت ممتلكات ليونيديس بعد استشهاده صار أوريجانوس وعائلته، المكونة من أم وستة إخوة كان هو أكبرهم، في عوز، لهذا التجأ إلى سيدة غنية رحبت به في منزلها، لكنه لم يحتمل البقاء كثيراً هناك، لأنه كان لهذه السيدة ابن بالتبني اسمه بولس وكان أحد رؤساء الهراطقة بمدينة الإسكندرية، فلم يرد أوريجانوس أن يختلط به ولا أن يشترك معه في صلاة حسب قانون الكنيسة. فترك أوريجانوس بيت السيدة الغنية وعمل في تدريس الأدب الدنيوي والنحو لينفق على نفسه وعلى عائلته[8].
ولما اشتد الاضطهاد على معلمي الإيمان المسيحي في مدينة الإسكندرية وأغلقت مدرستها اللاهوتية التي كان يقوم القديس كليمندس بالتدريس فيها ورغب بعض الأميين في التعليم وتعلم الإيمان المسيحي، رجوا أوريجانوس أن يتولى هو هذا العمل، فقبل الأخير إذ وجد في تدريسه للأميين الأدب والنحو فرصته للشهادة للإيمان المسيحي قدر ما تسمح الظروف، فكان يسلط الضوء على ما تحتله الكتابات اللاهوتية من مكانة في الكتابات اليونانية.
وبهذا اجتذب أوريجانوس بعض الوثنيين الذين جاءوا يطلبون أن يسمعوا منه عن التعاليم المسيحية وكان من بينهم بلوتارخوس الذي نال إكليل الاستشهاد وأخوه هيراقليس (یاروكلاس) الذي صار بطريركاً على الإسكندرية. ولأنه كان يقوم بالتدريس في المنازل وبسبب حضور نسوة كي يستمعن إلى محاضراته، ولكي لا تحدث عثرة، رأى أن ينفذ حرفياً ما ورد في الإنجيل أن أناسا خصوا أنفسهم من أجل ملكوت الله (مت ۱۲:۱۹)، ويبدو أنه قدم توبة على هذا الفعل بعد ذلك، ولكن البابا ديمتريوس بطريرك الإسكندرية كان له تحفظ على هذه الفعلة وقد استخدمها ضده.
وإذ تركت مدرسة الإسكندرية اللاهوتية بلا معلم بسبب الاضطهاد ونياحة القديس كليمندس، قام البابا ديمتريوس بتعيين أوريجانوس رئيسا للمدرسة عام ۲۰۲م، إذ لم يجد لهذه المهمة من هو أفضل منه، فقد كان يمتاز بعبقرية نادرة وثقافة دينية ولاهوتية موسوعية. فأوقف أوريجانوس كل نشاط له خاصاً بتعليم الأدب الدنيوي والنحو حتى إنه باع كل كتبه الثمينة الأثيرة لديه، ليكرس حياته بالكامل للعمل الجديد الذي أوكل إليه كمعلم للموعوظين وذلك لمدة ثلاثين عاماً تقريباً جاذباً إليه جمعاً كثيراً من مسيحيين وأمم. وتتلمذ على يديه كثيرون نذكر على سبيل المثال القديس أليكسندروس أسقف أورشليم الذي كان يتطلع إلى أوريجانوس كمعلمه وصديقه.
ونوجز فيما يلي دور العلامة أوريجانوس في تطور مدرسة الإسكندرية:
ألقى العلامة أوريجانوس بكل طاقاته لا لدراسة الكتاب المقدس والتعليم به فحسب، بل لتقديم حياته مثلاً للحياة الإنجيلية. وفي هذا يقول ق. غريغوريوس العجائبي: “لقد جذبنا بأعماله التي فعلها أكثر من تعاليمه التي علمنا إياها” واتسم أيضاً أوريجانوس بالحياة النسكية مع ممارسة الصلاة بكونها جزءًا لا يتجزأ من الحياة النسكية، تسنده في تحرير النفس ودخوله إلى الاتحاد بالله بطريقة أعمق. وكان يرى في الصلوات أمراً ضرورياً لنوال نعمة خاصة من قبل الله لفهم كلمة الله. كما رأى أن الإنسان ينمو في الاتحاد مع الله من خلال حفظ البتولية؛ إذ ينسحب عن العالم وهو بعد يعيش فيه، مقدما تضحية في أمور الترف قدر ما يستطيع، محتقرا المجد البشري.
۲. في البداية ركز أوريجانوس على إعداد الموعوظين وتهيئتهم للعماد، لا بتعليمهم الإيمان المسيحي فحسب، وإنما بتقديم التعاليم الخاصة بالحياة المسيحية العملية أيضاً.
٣. لم يقف عمل العلامة أوريجانوس عند تهيئة الأعداد الضخمة المتزايدة لنوال سر العماد، وإنما كان عليه بالحري أن يهيئهم لقبول إكليل الاستشهاد، فكان كل من يقترب إليه إنما كان بالحري يجري نحو الاستشهاد.
٤. يعد أعظم أثر لأوريجينيس على مدرسة الإسكندرية هو تركيزه على تفسير الكتاب المقدس بطريقة رمزية (مجازية). وقد كرس حياته كلها لهذا العمل، حتى نسب هذا المنهج التفسيري لمدرسة الإسكندرية ولأوريجينيس.
وحوالي عام ۲۱۱م زار أوريجانوس روما، حيث وجد فرصة مواتية لمتابعة عظة للقديس هيبوليتس عن “كرامة المخلص”، وبعد إقامة قصيرة هناك عاد إلى الإسكندرية. وإذ كان جمهور تلاميذه يلتفون حوله من الصباح حتى المساء، رأي أوريجانوس أن يقوم بتعميق الفكر الدراسي وتقسيم الدارسين إلى فصلين، واختار تلميذه هيراقليس ليدرس المبتدئين المبادئ الأولى للتعاليم المسيحية، أما هو فكرس وقته لتعليم المتقدمين العلوم اللاهوتية والفلسفة معطياً اهتماماً خاصاً للكتاب المقدس[9]. ومن خلال هذا التكامل العلمي الغني أخذت مدرسة الإسكندرية اللاهوتية شكلاً جديداً متألقاً.
وقد قام أوريجانوس بعدة رحلات إلى بلاد العرب، أولها حوالي عام 214م، حيث ذهب إليها بناء على دعوة من حاكم تلك البلاد الذي كان يرغب في التعرف على التعاليم المسيحية منه. وكذلك حوالي عام 216م، حين نهب الإمبراطور كاراكلا (Caracalla) مدينة الإسكندرية وأغلق مدارسها واضطهد معلميها وذبحهم، قرر أوريجانوس أن يذهب إلى فلسطين، وهناك رحب به صديقه القديم أليكسندروس أسقف أورشليم، كما رحب به ثيؤكتستوس أسقف قيصرية، اللذان دعياه ليشرح الكتاب المقدس للشعب في حضرتهما. وقد أدى ذلك إلى غضب البابا ديمتريوس السكندري جداً، لأنه حسب عادة الكنيسة المصرية لا يستطيع غير الكاهن أن يعظ في حضرة الأسقف، فأمره بالعودة إلى الإسكندرية سريعاً، فأطاع وعاد[10]، وبدت الأمور تسير كما كانت عليه قبلاً.
ومع بداية حكم إسكندر سيفيروس (۲۲۲م. 225م) أرسلت يوليا مامايا (Julia Mammaea) والدة الإمبراطور حامية عسكرية تستدعي أوريجانوس إلى أنطاكيا ليشرح لها بعض الأسئلة، وقد استجاب للدعوة ثم عاد إلى مدرسته[11]. كما أرسل العلامة أوريجانوس إلى اليونان لضرورة ملحة تتعلق ببعض الشئون الكنسية. وذهب إلى آخائية ليعمل صلحاً، وكان يحمل تفويضاً كتابياً من بطريركه، وفي طريقه عبر بفلسطين، وفي قيصرية سامه أسقفها قساً، حيث بدا للأساقفة أنه لا يليق بمرشد روحي مثل أوريجانوس بلغ أعلى المستويات الروحية والدراسية أن يبقى غير كاهن.
وقد أرادوا أيضا أن يتجنبوا المخاطر التي يثيرها البابا ديمتريوس بسماحهم له أن يعظ وهو “علماني” في حضرتهم. وقد اعتبر البابا هذه السيامة أكثر خطأ من التصرف السابق، حاسباً إياها سيامة باطلة لسببين: الأول، أن أوريجانوس قد قبل السيامة من أسقف آخر غير أسقفه، دون أخذ تصريح من الأسقف التابع له، والسبب الثاني أن أوريجانوس كان قد خصى نفسه، وهذا يحرمه من نوال درجة كهنوتية. ولم يحتمل البابا ديمتريوس هذا الموقف فدعا لانعقاد مجمع من الأساقفة والكهنة بالإسكندرية عام ۲۳۱م حيث رفض المجمع القرار السابق وهو بطلان السيامة) مكتفين باستبعاده من التعليم في مصر.
ولم يرض البابا بهذا القرار فدعا مجمعاً من الأساقفة وحدهم عام ۲۳۲م، وقام بإعلان بطلان كهنوته واستبعده من الإسكندرية. وأرسل البابا السكندري القرار إلى كل الإيبارشيات، فدعا بونتياس Pontias أسقف روما مجمعاً أيد فيه القرار، وهكذا فعل كثير من الأساقفة، فيما عدا أساقفة فلسطين والعربية وآخائية وفينيقية وكبادوكيا الذين رفضوا القرار وهكذا اضطر المعلم العظيم أن يهجر المدينة التي ولد وعمل ودرس بها واستقر به المقام في قيصرية فلسطين محتملاً بشجاعة ورباطة جأش رياح التجارب. والجدير بالذكر أنه لا يتوفر لدينا.
حتى الآن -أي سند تاريخي يؤكد الرأي القائل بأن أوريجانوس قد تمت محاكمته أمام أي مجمع في تلك الفترة أو أنه قد صدر أي قرار ينص على كونه هرطوقيا. ولكن ما حدث هو أن البابا ديمتريوس قد قام بعمل مجمع مكاني أقر بكون أوريجانوس لم يعد يخدم في كنيسة الإسكندرية حيث أنه خالف النظام المتبع وقبل كهنوتاً بغير إذن أسقفه، أي أنه كان قراراً إدارياً يخص النظام الكنسي المتبع، ولم يحكم عليه بكونه هرطوقياً آنذاك.
وقد اضطر أوريجانوس أن يدافع عن نفسه ضد الاتهامات الخطيرة التي وجهت ضده. فقد أورد روفينوس في كتابه “عن الغش” (De Adulteratione) نبذة طويلة من خطاب كان قد وجهه أوريجانوس إلى أصدقاء له في الإسكندرية يشكو فيه من الملفقين الذين غيروا بعض فقرات من كتبه وشوهوها، ومن الذين نشروا في العالم المسيحي كتباً مزورة ليس من العسير أن نجد فيها ما يستحق السخط. كذلك يعرفنا القديس جيروم بوجود خطاب آخر كتبه أوريجانوس إلى فابيانوس أسقف روما يتهم فيه صديقه أمبروسيوس بأنه قد تسرع ونشر أحد كتبه في وقت غير مناسب وقبل أن يكمله أوريجينيس. كما جاء في مقاله الخامس والعشرين على إنجيل لوقا: “إنه من دواعي سرور أعدائي أن ينسبوا لي آراء لم أكن أتصورها ولا خطرت ببالي”.
وبتشجيع من أسقف قيصرية فلسطين ثيؤكتيستوس، أسس أوريجانوس هناك مدرسة لاهوتية استمرت حتى نياحته وقد رأسها قرابة سبعة عشر عاما من عام ۲۳۲م إلى عام 249م. وقد جذب أوريجانوس تلاميذ عديدين منهم القديس غريغوريوس صانع العجائب وأخوه أثينادوروس، وقد درس التلاميذ في هذه المدرسة فقه اللغة اليونانية والهندسة والفلك ثم الأخلاق والفلسفة ثم أخيراً علم اللاهوت.
وخلال حكم الإمبراطور جورديانوس (حوالي عام 24۰م) دعي أوريجانوس إلى العربية عدة مرات ليتناقش مع الأساقفة وقد أشار المؤرخ يوسيبيوس إلى اثنتين من هذه المناقشات، نذكر منهما أنه في عام 244م انعقد مجمع عربي لمناقشة وجهة نظر الأسقف بيريللوس في شخص الرب يسوع المسيح وقد انعقد هذا المجمع على مستوى واسع وأدين فيه الأسقف بسبب قوله إن الله أقنوم واحد، وقد حاولوا باطلاً إقناعه أن يعود إلى الإيمان المستقيم. وقد أسرع أوريجانوس إلى العربية ونجح في إقناع الأسقف الذي يبدو أنه بعث إليه برسالة شكر، وصار من أكبر المدافعين عنه.
وفي أيام الإمبراطور ديكيوس (249م -251م)، ثار الاضطهاد مرة أخرى، فألقي القبض على أوريجانوس حيث تعرض للتعذيب ووضع في طوق حديدي ثقيل وألقي في السجن الداخلي، وربطت قدماه في المقطرة أياماً كثيرة، وهدد بأن يعدم حرقاً. ولكنه احتمل هذه العذابات بشجاعة، وإن كان لم يمت أثناءها، لكنه مات بعد فترة قصيرة، ربما متأثراً بالآلام التي لحقت به.
وقبل أن يموت أرسل إليه البابا السكندري ديونسيوس الذي خلف هيراقليس، رسالة “عن الاستشهاد”، لعله بذلك أراد أن يجدد العلاقة بين العلامة السكندري أوريجانوس وكنيسة الإسكندرية. وفي عام 254م رقد أوريجانوس في مدينة صور في لبنان تقريباً وكان عمره 69 عاماً، تاركاً تراثاً ضخماً من تفاسير الكتاب المقدس، ومقدماً منهجه الرمزي في التفسير، وإن كان قد ترك أيضاً بلبلة شديدة في الكنيسة حول تعاليمه وقد تسببت في انقسامات ومتاعب لا حصر لها حتى بين الرهبان. وقد اهتم مسيحيو صور بجسده اهتماماً عظيماً فدفنوه إزاء المذبح وغطوا قبره بباب من الرخام نقشوا عليه: “هنا يرقد أوريجانوس العظيم”
وينتمي أوريجانوس إلى جماعة القادة الروحيين الذين أسسوا مدارس ولهم أثر واضح على التطورات الفكرية. وقد حاول جاهدا أن يعلي من شأن الإيمان المسيحي بمعرفة منظمة، أي بطريقة علمية على أسس فلسفية. ولكي يكتسب البنية الفلسفية الضرورية لهذا العمل تتلمذ على يد المعلم السكندري الشهير أمونيوس ساكاس. وقد قام بتطبيق المبادئ النظامية للفلسفة اليونانية على التفسير الروحي للكتب المقدسة. ورغم أنه في بعض الأمور كان قد مال عن تعاليم الكنيسة، إلا أنه أثرى الفكر اللاهوتي وأثر كثيراً في مسيرته. ويعزى إلى أوريجينس إدخال التعبيرات اللاهوتية الأساسية مثل: “طبيعة”، “أقنوم”، واحد في ذات الجوهر”، والتي أصبحت بعد ذلك أساس المناقشات اللاهوتية.
وقد امتد تأثير العلامة أوريجانوس إلى آباء القرن الرابع مثل القديس باسيليوس الكبير والقديسين غريغوريوس والقديس ديديموس الضرير وإيفاجريوس البنطي وكثيرين آخرين الذين استقوا من تعاليمه واستخدموا مصطلحاته وأفكاره. ومن شدة تأثير العلامة أوريجانوس وإعجاب الكثيرين به قام القديسان باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي بتجميع “أنثولوجيا” من أعمال أوريجانوس التفسيرية والتي سمياها “فيلوكاليا” أي مقتطفات.
ومن المفارقات الغريبة أن العلامة أوريجانوس قد حرم من بعض المجامع، في حين اعترف بأصدقائه وتلاميذه قديسين مثل القديس غريغوريوس صانع العجائب. وبالمثل سبب العلامة أوريجانوس اعتراضات شديدة واتهم بأنه أذكى نار الهرطقات حتى إن مقالاً مختصراً ينسب للإمبراطور جوستيان (542م -543م) في شكل أمر ملكي يتضمن عشرة حرومات ضد أوريجينيس. وقد قبل هذا الأمر الملكي مجمع القسطنطينية المحلي والبابا فيجيليوس بابا روما، كما حرم مجمع القسطنطينية الخامس (553 م) الأوريجينية تماماً.
كتابات العلامة أوريجانوس
يعد أوريجانوس أحد أكثر معلمي الكنيسة وآبائها كتابة وأغزرهم تأليفاً عبر كل العصور. وقد تساءل القديس جيروم في رسالته إلى باولا بخصوص هذا الشأن قائلاً: “هل يستطيع أحد أن يقرأ كل ما كتبه أوريجينيس؟!” (الرسالة رقم ۳۳).
وقد اختلف الكتاب القدامى بخصوص عدد ما كتبه أوريجينيس، فها هو إبيفانيوس يقول إن أوريجانوس كتب حوالي 600 كتاب (باناريون 13، 14)، في حين يؤكد يوسيبيوس القيصري أنه قام في “سيرة بامفيلوس” بعمل حصر شامل لأعمال أوريجانوس التي كانت موجودة ومحفوظة في مكتبة قيصرية فلسطين. وقد قام القديس جيروم بنسخ هذا الحصر الشامل المفقود حالياً والذي يخبرنا بأنه كان يحوي حوالي ۲۰۰۰ كتاب.
وهذه الأعداد الكبيرة من الكتب إنما تنم عن جلده واحتماله الشاق في الكتابة الروحية المستمرة والتي بسببها دعي “أدامانتيوس” أي “الماسي” وخالكينتروس” أي “الفولاذي.” ويبدو أن أوريجانوس قد ولد لكي يعظ ولكي يكتب. ومن الواضح أنه كانت لديه الأدوات اللازمة لهذا؛ إذ إنه كان يعرف اللغة اليونانية تمام المعرفة وكذلك كان مطلعاً على الأدب اليوناني الكلاسيكي والنظم الفلسفية القديمة والكتب المقدسة وتاريخ الفكر المسيحي.
وكثيراً ما كان أوريجانوس يدون أفكاره بنفسه عندما كان يتوفر له الوقت لهذا، أو كان يقوم هو بإملاء عظاته ومحاضراته على كتبة يقومون هم بتدوين ما يلقيه عليهم. ولذا غالباً ما نجد أن أعماله تشهد بهذا الأسلوب؛ إذ إنها تتكون من مجموعة من الموضوعات المتفرقة التي كان يلقيها على سامعيه. وبعض الأعمال كانت تعيبها هنات لأنها كانت تحتوي على الكثير من الإطناب والإعادات ونقص الأسلوب المنمق. ونادراً ما كان يجد أوريجانوس الفرصة ليعيد النظر فيما كتبه وأعده الكتبة من ملاحظاتهم المدونة.
وفي عام ۲۲۰م ارتبط بأوريجينيس أمبروسيوس الذي كان قبلا ينتمي إلى بدعة فالنتيانوس ثم انضم إلى العقيدة الأرثوذكسية وصار صديقاً لأوريجينيس وتابعاً له حتى إنه أصبح ناشر أعمال أوريجانوس متكفلاً بكل ما تتطلبه عملية التحرير والنسخ. ومن كثرة إلحاح أمبروسيوس على أوريجانوس لتدوين أعماله ونشرها كان الأخير يشكو من أن أمبروسيوس لا يدعه يستريح ولو قليلا لا أثناء الليل ولا حتى وقت الأكل. ويعتبر أمبروسيوس أقدم ناشر كتب معروف حيث كان يهدف إلى تزويد طلبة كلية اللاهوت السكندرية بالملازم اللازمة ونشر أعمال أوريجانوس على مستوى واسع. ويبدو أن أمبروسيوس كان يتعجل الغرض الثاني حتى إنه كان ينشر خفية أعمال أوريجانوس قبل أن يقوم أوريجانوس نفسه بمراجعتها ليطمئن من جهة خلوها من أية أخطاء واردة.
وقد دون أوريجانوس معظم كتاباته بعد سن الثالثة والعشرين عندما انتقل للعيش في قيصرية فلسطين حوالي عام ۲۱۸م، وبعضها دونه في الإسكندرية، والبعض الثالث أثناء إقامته القصيرة في أثينا تيروس ونيقوميديا. وقد فقد معظم كتابات أوريجانوس وربما يرجع السبب في ذلك إلى فترات. الاضطهاد التي كانت تزداد فيها ملاحقة الكتاب المسيحيين وحرق كتبهم، ولكن الأمر زاد بالنسبة الأوريجينيس نتيجة اتهامه بعد ذلك بالهرطقة.
يعتبر “الهيكسابلا” أهم أعمال أوريجانوس على الإطلاق، فهو عمل نقدي لغوي رائع لنص العهد القديم، أتمه أوريجانوس في قيصرية فلسطين بين عامي 232م و254م، ففي ستة أعمدة متوازية (ومن هنا جاء عنوانه “الهيكسابلا” أي “الكتب الستة” باليونانية) وضع أوريجانوس النصوص التالية:
وكان أوريجانوس يرى أن التفسير الصحيح للنص المقدس يتطلب نصاً موثوقاً محققاً ناتجاً عن مقارنة بين كل النصوص الأساسية الموجودة. وبهذا العمل يعد العلامة أوريجينيس، حسب ما هو معروف، أول عالم مسيحي يجري دراسة على النص الكتابي. ونجد أن اقتباسات العهد القديم عند أوريجانوس هي من السبعينية. وكان إسهامه الرئيس في علم الكتاب المقدس هو محاولة تأسيس نص مدقق للترجمة السبعينية، وتحديد العلاقات التفسيرية بين اليهود والمسيحيين لأن التلاميذ اليهود كانوا يتناحرون مع زملائهم المسيحيين بخصوص أن النصوص العبرية التي يستخدمها المسيحيون لتأييد آرائهم بشأن شخصية ربنا يسوع المسيح ليست متضمنة في نصوصهم العبرية.
ومن أجل هذا الهدف العظيم، الذي يعد أساس علم التدقيق النصي للكتاب المقدس، قرر أوريجانوس أن يدرس هذه النصوص؛ إذ كان قد درس اللغة العبرية قبل ذلك الوقت وكرس ثمانية وعشرين عاما ليجمع مادته من جميع أنحاء العالم المسيحي من حيث المخطوطات المختلفة وكذلك ترجمات السبعينية. وقد بدأ أوريجانوس هذا العمل في مدينة الإسكندرية ولكنه أكمله في قيصرية وأودع في مكتبة هناك، ولم يتم نسخه أبداً؛ إذ فقد ربما في القرن السابع الميلادي ولم يتبق منه سوى شذرات قليلة.
أما عمله “ضد كيلسوس” فيعد من أهم أعمال أوريجانوس الدفاعية وقد حفظ هذا العمل كاملاً في ثمانية كتب. وقد قام أوريجانوس في هذا العمل، بطريقة تستحق الإعجاب وبأدلة كتابية وأسانيد فلسفية، بتفنيد آراء الفيلسوف الأممي كيلسوس التي كان قد نشرها في أول كتاب عدائي وثني منظم ضد المسيحية بعنوان “القول الحقيقي” عام ۱۷۸م. ورغم أن عمل كيلسوس هذا قد فقد إلا أنه بفضل عمل أوريجانوس ضده يمكن جمع حتى ثلاثة أرباعه.
ويعتبر كتاب “عن المبادئ” (أربعة كتب) أكبر عمل نظري شاهد على تربية أوريجانوس اليونانية-المسيحية. وقد سعى أوريجانوس في هذا العمل لتأسيس علم اللاهوت المسيحي على أسس فلسفية، مستخدما البنية النظرية للفلاسفة اليونانيين القدماء. هذا هو العمل الذي اعتبر بعد ذلك خطراً على التعليم المسيحي وأدی إلى إدانة أوريجينيس.
وقد تميز أوريجانوس كمفسر للنصوص الكتابية ولم يأل جهداً في سبيل إتمام هذا العمل؛ ولهذا يعد من أوائل المفسرين وأكثرهم تميزاً في هذا المجال، إذ لم يترك أي جزء من نصوص الكتب المقدسة بدون تفسير بداية من سفر التكوين حتى سفر الرؤيا. وقد استخدم أوريجانوس طريقة التفسير المجازي السكندرية الشهيرة والتي طورها إلى حد المغالاة وكتب بها العديد من التفاسير والعظات. وقد حفظ القليل من هذه التفاسير في الأصل اليوناني ولكن الأغلبية منها قد فقدت أو حفظت على شكل شذرات أو ترجمات باللغة اللاتينية التي قام بها روفينوس.
وتختلف “التعليقات” عن “التفاسير؛ إذ إن التعليقات تعتبر مجرد ملاحظات تفسيرية مختصرة لنصوص من الكتب المقدسة صعبة الفهم. ولم يتبق من مثل هذه التعليقات إلا النزر اليسير.
أما “العظات” فقد ظهرت في مرحلة لاحقة في حياة أوريجينيس؛ إذ سمح لكتبة أن يقوموا بتدوين عظاته منذ عام 245م تقريباً. وكانت عظات أوريجانوس تلقى على القراءات اليومية في الكنيسة أو على أجزاء أخرى منتخبة من الكتب المقدسة ومنتقاة بقصد زرع مبادئ الأخلاق وتقوية إيمان الشباب المسيحي، ولهذا جاءت في شكل أخلاقي وتفسير روحي أكثر منها مناقشة الموضوعات اللاهوتية.
ويبقى أوريجانوس بشخصيته المحيرة؛ ولكنه رغم كل شيء هو شخصية مسيحية فذة، عالية الأخلاق، ومتعددة المواهب ويعتبر بحق رائداً وعالماً وفيلسوفاً ومعلماً جريئاً ظهر في زمن لم يكن فيه التعبير عن الإيمان قد وصل إلى كمال نضجه.
ونعيد هنا ما ذكرناه في مقدمة كتابنا “القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد. الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى” وهو أننا حين نحلل الفكر اللاهوتي لآباء القرون الثلاثة الأولى ونخص هنا أوريجانوس بالتحديد ينبغي أن نتذكر أنه ليس لدينا تصور كامل وشامل لتعليمه عن الإيمان المسيحي لأن نسخ كتاباته الأصلية قد فقدت تماماً، بل وقد اشتكي هو نفسه من تحريف بعض أفكاره والذي تم في حياته، ولا يمكن للنصوص المتوفرة لدينا أن تعطي صورة جدية أو كاملة عن الفكر اللاهوتي له.
والنقطة الأخرى التي يجب أيضا أخذها في الاعتبار عند التعامل مع كتاباته أن الشرح اللاهوتي للإيمان في القرن الثالث كان لا يزال في مهده، كما أن التعبيرات اللاهوتية لم تكن قد صيغت بشكل محدد بعد، ولم يكن هو-فيما ذكره من أمور لاهوتية-يعارض فكراً لاهوتياً مستقراً من قبل في الكنيسة بل كان يقدم محاولة جادة. وإن جانبها الصواب في بعض نقاط. لشرح الإيمان، وفي هذا تكمن ريادته كما سبق القول.
لذا فنحن عندما نقرأ لأوريجينيس يجب أن نتعامل مع أفكاره بطريقة تتناسب مع الظروف والملابسات الخاصة بزمنه والتي تختلف عن الطريقة التي يجب أن نتعامل بها مع تعاليم الآباء الذين جاءوا بعده، مثل القديس أثناسيوس والقديس كيرلس. وفي الحقيقة يكون من الخطأ بل والظلم أن نقوم بتقييم الفكر اللاهوتي لأوريجينيس على خلفية الفكر اللاهوتي الذي اكتمل نضوجه في الكنيسة في القرن الرابع.
ومن هذا المنطلق قام مركز باناريون للتراث الآبائي بترجمة ونشر الكتاب الأول للعلامة أوريجانوس “عظات على سفر التكوين” ضمن سلسلة:
“النصوص المسيحية في العصور الأولى”
وهذا الكتاب هو ترجمة عربية عن اللغة الفرنسية من سلسلة “المصادر المسيحية” (Sources Chrétiennes) المجلد ۷م، التي تصدر بمدينة ليون بفرنسا. ومن الجدير بالذكر أنه بعد المراجعة من اللغة الفرنسية تمت مراجعة الترجمة العربية مرة أخرى وضبطها على الترجمة اللاتينية التي تمت عنها الترجمة الفرنسية.
نسأل الله أن يبارك في هذا العمل.
وللثالوث القدوس المجد والإكرام والسجود الآن وإلى الأبد آمين.
الناشر
۳۰ بابه ۱۷۳۲ش. 10 نوفمبر 2015م
تذكار ظهور رأس القديس مارمرقس الإنجيلي
[1] قام دكتور سامح فاروق حنين بإعداد هذه المقدمة لمركز باناريون للتراث الآبائي.
[3] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۲، الفقرة 8).
[4] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۱۹، الفقرة 7).
[5] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۲، الفقرة ۱۰).
[6] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل 6).
[7] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۲، الفقرة 6).
[8] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۲، الفقرة ۱۰).
[9] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۱۰).
[10] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۱۹، الفقرة ۱۷).
[11] يوسيبيوس القيصري، تاريخ الكنيسة، (الكتاب 6، الفصل ۲۱، الفقرة 3-4).
[12] ترجمة أكويلا (Aquila) الذي يقال إنه كان يهوديا دخيلا بنطي الجنس، وقام بهذه الترجمة في حوالي عام ۱۳۰م. ويقال إن الدافع له للقيام بهذه الترجمة هو مقاومة ما كان للسبعينية من نفوذ، وبخاصة في استخدام المسيحيين لها في حوارهم مع اليهود، وكذلك إعادة ترجمة الفصول التي كان يستشهد بها المسيحيون من العهد القديم، ويطبقونها على الرب يسوع المسيح. وكان يغلب على ترجمته طابع الدقة الذي قد يصل إلى حد الترجمة الحرفية. ولا شك في أن تمشك أكويلا بالترجمة الحرفية جعل ترجمته مرجعا هاما في تحقيق النصوص، ولكن لم يصلنا منها سوى شذرات متفرقة في الهيكسابلا.
[13] ترجمة سيماخوس (Symmachus) قد ظهرت نحو نهاية القرن الثاني الميلادي بعد ترجمة أكويلا، ويقال إنه كان هرطوقيا من الأبيونيين، ويبدو أن ترجمته كانت يونانية فصيحة ولكن متحررة، ولكن لم يصلنا منها سوى شذرات متفرقة في الهيكسابلا أيضاً.
[14] ترجمة ثيودوتیون (Theodotion) الذي كان يهوديا نخيط من أفسس وهرطوقيا من الأبيونيين، وقد ظهرت ترجمته أيضا نحو منتصف القرن الثاني الميلادي. وكانت تلك الترجمة مبنية، في أغلب أجزائها، على الترجمة السبعينية، حيث يبدو أنه قد أجرى عليها بعض التنقيح على أساس النص العبري. ولم تكن ترجمته حرفية مثل ترجمة أكويلا، وفي نفس الوقت لم تكن متحررة مثل ترجمة سيماخوس، وكانت معرفته بالعبرية محدودة، ولم يكن في مقدوره القيام بالترجمة بدون وجود السبعينية.