حجج العقل – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو
هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو
حجج العقل – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو
Pilgrimage of Reason
لنبدأ بمثال، تخيل أن هاتفاً مرتبطاً بقمر صناعي سقط على ساحل جزيرة نائية تسكنها قبيلة لم يكن لها أي اتصال مع الحضارة الحديثة. يبدأ أبناء القبيلة بالعبث بالأزرار الموجودة على سطح الهاتف وعندها سمعوا أصواتاً مختلفة عند الضغط على تسلسل معين من للأرقام. في البداية سوف يفترضون أن الهاتف هو من يصدر هذه الأصوات، أما أبناء القبيلة الأذكياء ولنقل علماء هذه القبيلة فأعادوا الضغط على نفس تسلسل الأرقام وعندها سمعوا الصوت نفسه، وحينها يكون الاستنتاج لديهم واضحاً، فهذا المركب الذي يتكون من بلورات ومعادن ومواد كيماوية يصدر صوتاً يشبه صوت الإنسان، وهذا يعني ببساطة أن هذه من خصائص الهاتف.
لكن مجلس حكماء القبيلة اجتمع لمناقشة الأمر، وبعد نقاش طويل وعاصف للموضوع يتوصلون إلى نتيجة مفادها: أن الأصوات التي تصدر من الجهاز يجب أن تكون آتية من أناس مثلهم، وهؤلاء الناس أحياء يتمتعون بالوعي ولكنهم يتكلمون لغة أخرى. بدلاً من افتراض أن الأصوات تأتي من سماعة الهاتف فإن عليهم استكشاف إمكانية أنهم ومن خلال الوصول إلى فهم أكبر للعالم الذي يتجاوز جزيرتهم. لكن علماء القبيلة ضحكوا أمام حكيم القبيلة قائلين: “إذا كسرنا هذه الأداة فإن الأصوات ستتوقف، وهذا يعني بوضوح أن هذه الأصوات ليست سوى أصوات تصدر من خليط من الليثيوم وشريحة طباعة أرقام وصمامات ثنائية باعثة للضوء.
في هذا المثال، نرى كيف أن النظريات المسبقة تشكل الطريقة التي نرى بها الدليل بدلاً من أن ندع الدليل يشكل نظرياتنا، وعندها يمكن أن نتجنب القفزة الكوبرنكية (نسبة إلى كوبرنيكس[1] Nicolaus Copernicus)، من خلال الآلاف من أفلاك التدوير البطلمية[2]، وهنا كما يبدو تكمن الخطورة والشر المستشري للإلحاد العقائدي. تأمل في كلام مثل “علينا أن لا نطلب تفسيراً للكيفية التي وجد بها العالم، إنه موجود وكفى” أو “بما أننا لا نستطيع قبول مصدراً متعالي للحياة فإننا نختار أن نؤمن باستحالة: انبثاق هذه الحياة فجأة بطريق المصادفة من المادة” أو أن “القوانين الفيزيائية هي قوانين اللاقوانين التي ظهرت من فراغ – وانتهى النقاش”.
في البداية، قد تبدو هذه العبارات كحجج منطقية لها صلاحية خاصة لا حاجة لمناقشتها، ولكن بالتأكيد فإن ذلك ليس أكثر من أن تكون إشارة إلى أن هذه العبارات إما أنها عقلانية وإما أنها حجج. لكي نقدم حجة عقلانية بأن شيئاً ما كذا وكذا، فإن من الضروري تقديم الأسباب التي تدعم ذلك. ولكن لنفترض أننا نشك بأن هناك ثمة ثغرة في هذا الكلام، أو لنكن أكثر تطرفاً فنقول إن لدينا شك بأن كل ما قيل له أي قيمة أصلاً. كمحاولة لفهم ما يقصده هؤلاء علينا أن نحاول إيجاد الدليل الذي يؤكد حقيقة ما يزعمون.
لأن هذا الكلام إذا كان عقلانياً وحجة، فلا بد من تقديم الأسباب التي تؤيده من الناحية العلمية أو الفلسفية. وأيضاً لا بد من تقديم ما يمكن اعتباره ضد هذا الكلام أو تقديم ما يمكن أن يقنع المعترض بالانسحاب والاعتراف بأنه كان مخطئاً. ولكن إذا لم يقدم أي دليل أو سبب في صالحه، فإنه ليس هناك ما يدعونا للقول بأن هذا الكلام حجة عقلانية.
عندما يقول حكيم القبيلة للعلماء بأن عليهم أن يستكشفوا جميع أبعاد الدليل فإنه يريد أن يقول إن الفشل في استكشاف ما يعتبر لأول وهلة منطقياً ومقبولاً يعيق بطبيعة الحال فهماً أفضل للعالم الذي يتجاوز الجزيرة التي تسكنها هذه القبيلة. غالباً ما يبدو للناس غير الملحدين كما لو لم يكن هناك دليلاً مقبولاً يقنع الملحدين أصحاب التفكير العلمي الجزمي ليكون علة كافية للقول “قد يكون هناك إلهاً في نهاية المطاف”. ولذلك فأنا أسأل زميلي السابق الملحد السؤال المركزي البسيط: “ما الذي ينبغي أن يحدث أو يجب أن يحدث لكي تعتبره على أقل تقدير سبباً للتفكير في وجود عقل خارق؟”.
وضع الأوراق على الطاولة
Laying The Cards On The Table
لأترك المثال جانباً، لألقي أوراقي على الطاولة، وأعرض أفكاري والأسباب التي تدعم ذلك. أنا الآن أومن بأن الكون قد جاء إلى الوجود بواسطة ذكاء لا محدود. أنا أؤمن بأن قوانين الكون المعقدة تبين ما أسماه العلماء عقل الإله. أنا أؤمن بأن الحياة وإعادة الخلق أساسها مصدر إلهي.
لماذا أؤمن بذلك مع أني دافعت عن الإلحاج لأكثر من نصف قرن؟ الجواب باختصار هو أن هذه هي صورة العالم التي نبعت من العلم الحديث. العلم سلط الضوء على ثلاثة أبعاد للطبيعة وهي تشير إلى الإله.
الأول هو أن الطبيعة تخضع لقوانين.
الثاني هو بُعد الحياة في الكائنات الذكية المنظمة التي نتجت عن المادة.
الثالث هو الوجود الحقيقي للطبيعة.
ولكن ليس العلم فقط هو من قادني لذلك. ولكنني استفدت من الدراسة المستحدثة للحجج الفلسفية التقليدية.
إن تراجعي عن الإلحاد لم يكن بسبب أي ظاهرة أو حجة جديدة. فخلال العقدين الماضيين كان مجمل الإطار الفكري لي في حالة تبدل. وكان هذا نتيجة تقييمي المستمر لأدلة الطبيعة. وعندما وصلت في النهاية إلى الإيمان بالإله، لم يكن ذلك تبدلاً للنموذج الإرشادي Paradigm Shift، فنموذجي الإرشادي ما زال على حاله، وهو كما قال أفلاطون في الجمهورية على لسان سقراط “يجب أن نتبع الدليل حيثما ذهب بنا”.
قد يتساءل شخص كيف أنني وأنا فيلسوف أتحدث في مواضيع عالجها العلماء. إن أفضل جواب على هذا السؤال هو بطرح سؤال آخر: هل نحن الآن بصدد العلم أم بصدد الفلسفة؟ عندما تدرس التفاعل المتبادل بين جسمين ماديين ولنقل على سبيل المثال اثنين من الجسيمات دون الذرية فإنك تتحدث في المجال العلمي، أما إذا كنت تسأل كيف ولماذا توجد هذه الجسيمات – أو أي جسم مادي – فأنت تتحدث حينها في الفلسفة. عندما تستنتج نتيجة فلسفية من معلومات علمية فأنت تفكر كفيلسوف.
التفكير كفيلسوف
Thinking as a Philosopher
دعونا نتطرق لهذه النظرة هنا. في عام 2004، قلت بأن أصل الحياة لا يمكن تفسيره إذا بدأنا بالمادة فقط. رد المنتقدون بروح المنتصر قائلين بأنني لم أقرأ قط مقالاً في مجلة علمية ولا تابعت التطورات العلمية الحديثة المتعلقة بالتولد التلقائي (التولد الذاتي من كائنات غير حية). هم بهذا النقد لم يفهموا الهدف الرئيسي من كلامي، فاهتمامي لم يكن منصباً على هذه الحقيقة أو تلك في الكيمياء أو في علم الجينات، بل كان اهتمامي منصباً على السؤال الرئيسي عن معنى أن يكون شيء ما حياً، وما علاقة ذلك بالحقائق الكيميائية والجينية ككل. أن تفكر على هذا المستوى، فأنت تفكر كفيلسوف. وحتى لا أبدو متواضعاً أكثر من اللازم يجب أن أقول إن هذا عمل الفلاسفة وليس عمل العلماء كعلماء. التخصص الدقيق للعلماء لا يعطيهم أية ميزة عند مناقشة هذا السؤال، بالضبط كما أن لاعب البيسبول ليس من شأنه أن يحدد أي نوع من معاجين الأسنان أفضل.
بالطبع للعلماء، وللفلاسفة، ولأي شخص الحرية الكاملة في أن يقول ما يريد. وبالتأكيد لن يتفق كل العلماء معي في تفسيري الخاص للحقائق التي يتوصلون إليها، ولكن اختلافهم معي يجب أن يقوم على قدمين فلسفيتين. وبعبارة أخرى، إذا انخرط العلماء في تحليل فلسفي، فلا سلطتهم ولا خبرتهم بوصفهم علماء، هي ذات صلة، ويجب أن يكون ذلك واضحاً. عندما يقدمون رأيهم في علم الاقتصاد مثل تقديم ادعاءات حول عدد الوظائف التي يوفرها العلم والتكنولوجيا، فإن عليهم أن يقدموا تحليلهم في إطار التحليل الاقتصادي، وكذلك العلماء الذين يتحدثون كفلاسفة عليهم أن يطرحوا رأيهم في الإطار الفلسفي، وكما قال ألبرت أينشتين Albert Einstein “رجل العلم هو فيلسوف ضعيف”[3].
ولحسن الحظ أن الأمر ليس كذلك دائماً، فقادة العلم خلال مئات السنين الماضية وبعضهم من العلماء المعاصرين المؤثرين قدموا رؤية فلسفية تنبثق من عقل لاهوتي. وكذلك الحال معي، فأنا أقدم رؤيتي الخاصة عن العالم والتي أعتقد أنها قائمة فلسفياً على تفسير العديد من الظواهر التي واجهها العلماء والناس العاديين على حد سواء.
ثلاثة أبعاد من البحث العلمي كانت على وجه الخصوص مهمة بالنسبة لي، على ضوء الأدلة المتداولة اليوم. أول هذه الأبعاد هو السؤال الذي حير ولا زال يحير الكثير من العلماء اللامعين، وهو من أين جاءت قوانين الطبيعة؟ والثاني هو السؤال الواضح للجميع: كيف جاءت الحياة من اللاحياة؟ والثالث وهو السؤال الذي يوجهه الفلاسفة لعلماء الكون: كيف جاء الكون – بكل ما يحتويه من أشياء مادية – إلى الوجود؟
عودة الحكمة
A Recovery of Wisdom
بناءً على موقفي الجديد من نقاش الفلسفة التقليدية حول وجود إله، فإن أكثر ما أقنعني هو حجة الفيلسوف ديفيد كونوي David Conway المؤيدة لوجود إله في كتابه “عودة الحكمة: من هنا إلى البحث عن الحكمة” The Recovery of Wisdom: From Here to Antiquity in Quest of Sophia. كونوي فيلسوف بريطاني مميز في جامعة ميديلسيكس Middlesex، وهو معروف بالخصوص في مجالي الفلسفة التقليدية والحديثة معاً.
الإله الذي ندافع أنا وكونوي عن وجوده هو الإله الذي تحدث عنه أرسطو، فقد كتب كونوي قائلاً:
“وخلاصة القول، إن أرسطو حدد الصفات التالية للكائن الذي يفسر وجود العالم بمعناه الواسع: الثبات، غير مادي، على كل شيء قدير، بلك شيء عليم، يتصف بالوحدانية، غير قابل للتجزئة، يتصف بالخير المطلق ووجوب الوجود. هناك تشابه عجيب بين هذه الصفات وبين تلك الصفات التي ذُكرت للإله في التقليد اليهودي – المسيحي.
وهذا ما يبرر قولنا بأن أرسطو كانت لديه نفس فكرة الإله كمسبب للوجود وهو نفسه الإله الذي يستحق العبادة في هاتين الديانتين”[4].
وكما يرى كونوي، فإن الإله الذي تؤمن به الديانات التوحيدية له نفس صفات الإله الذي يؤمن به أرسطو. في كتابه، يحاول كونوي الدفاع عما أسماه التصور التقليدي للفلسفة. وهذا التصور يرى أن تفسير وجود العالم ينبثق من أن الإله كلي القدرة وكلي العلم خلق هذا العالم لكي يوجد ويستمر وجود الكائنات العاقلة عليه[5].
خلق الإله الكون من أجل أن يخلق جنس الكائنات العاقلة. يعتقد كونوي وأنا أشاركه في ذلك أنه من الممكن معرفة وجود وطبيعة هذا الإله الأرسطي عن طريق التجربة دون الحاجة إلى استدلال بشري.
لا بد أن أؤكد على أن اكتشافي للألوهية مر عبر مستوى طبيعي صرف، دون الرجوع إلى أية ظواهر غير طبيعية (خارقة). لقد كان اكتشافي للألوهية عبارة عن ممارسة ما يسمى باللاهوت الطبيعي[6]، وليس له علاقة بأي نوع من أنواع الوحي الديني. وأنا لا أدعي أنه حصلت لي أية تجربة شخصية مع الإله أو أية تجربة يمكن اعتبارها إعجازية أو غير طبيعية. باختصار، اكتشافي للألوهية كان عبارة عن رحلة عقل وليس رحلة إيمان.
[1] نيكولاس كوبرنيكس: أول من صاغ نظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها في كتابه “في ثورات الأجواء السماوية”.
[2] المدافعون عن نظرية بطليموس بأن الأرض مركز الكون والرافضين لنموذج كوبرنيكس الشمس عن طريق استخدام تصور أفلاك التدوير للاعتراض على ملاحظة حركة الكواكب التي تتعارض مع نموذجهم.
[3] Albert Einstein, Out of My Later Years (New York: Philosophical Library, 1950), 58.
[4] David Conway. The Rediscovery of Wisdom (London Macmillan, 2000), 74.
إعادة النظر في الإلحاد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو
إعادة النظر في الإلحاد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو
إعادة النظر في الإلحاد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو
Atheism Calmy Considered
كان جورج هيرمن روث George Herman Ruth أفضل لاعب في الدوري، وكان في بدايته أفضل ضارب، وبعد ذلك أصبح لاعب وسط يسجل 29 هدفاً في المباراة الواحدة، وفي الوقت نفسه لعب في مركز الضارب في 17 مباراة، وكان ذلك في عام 1919. بعد ذلك باع مالك نادي بوستون هاري فريزي Harry Frazee – الذي قيل في وقتها إنه يحتاج للأموال – باع روث إلى نادي نيويورك مقابل 125,000 دولار. قاد روث نادي نيويورك للبطولة الأمريكية في سبعة مواسم، وقاده أيضاً أربع مرات لبطولة العالم، ولم يستطع نادي نيويورك أن يحصل بعدها على البطولة إلا في عام 2004، أي بعد خمس وثمانين سنة.
من المثير أن عام 2004 كان العام الذي أعلنت فيه في نيويورك أيضاً تحولي إلى التوحيد بعد أكثر من ستة عقود من الإلحاد، حيث أعلنت أنني غيرت “فريقي” إن صح التعبير، ولكنني بدأت أيضاً أنظر إلى الأمور من زاوية أخرى، لأنني كنت لا أزال أمارس نفس “اللعبة” بنفس الحماس والمبادئ كما كنت في السابق.
واجب تجاه الحوار
A Duty To Dialgue
توجت رحلتي نحو التوحيد بنشر كتاب “فرضية التوحيد” The Presumption of Atheism، وفي كتاباتي اللاحقة تناولت عدة مواضيع بشكل مختلف تماماً. في الواقع إنني كتبت في مقالة نشرت ضمن كتاب صدر في عام 1986 تحت عنوان “الفلسفة البريطانية اليوم” British Philosophy بينت فيها أنني أرغب بعمل أشياء أخرى إن سمع لي الوقت بذلك.
أود على سبيل المثال أن أستكشف النزاعات التاريخية الكبيرة حول هيكل الثالوث Structure of the Trinity وحول ما يجري في القربان المقدس Eucharist. مع ذلك، وبحلول أواخر الستينات من القرن الماضي أصبح واضحاً لي أن الحاجة لجهودي ماسة في مكان آخر. كنت على قناعة بأن عليّ في بقية حياتي تركيز طاقاتي في المجالات العلمية الشاملة مثل فلسفة العلوم الاجتماعية والفلسفة الاجتماعية.
بما أنني قلت الكثير حول فلسفة الدين خلال سنوات طويلة، فأجد نفسي ملزماً من الناحية الفكرية بأن أرد على أي انتقاد قدر الإمكان، إما بالاعتراف بأنني كنت مخطئاً أو ببيان سبب عدم اتفاقي مع منتقدي، ولذلك استمريت في النقاش مع المدافعين عن التوحيد الذين استمروا هم أيضاً في نقد وتحدي أفكاري حتى بعد انتقالي إلى مواضيع فلسفية أخرى، ولم يكن هذا التحدي شيئاً جديداً بالنسبة لي.
في الواقع لقد أمضيت مسيرتي الفلسفية كلها في حوارات حماسية ونقاش عام مع مفكرين يختلفون معي في العديد من المواضيع التي تتراوح ما بين الفلسفة الاجتماعية، ومشكلة البدن – العقل، ومشكلة الإرادة الحرة – الحتمية فيما يتعلق بوجود الإله. لقد استغرق النقاش في هذه المواضيع أكثر من نصف قرن من حياتي الفكرية.
في عام 1950، سعيت لتحديد ماذا يقصد بالقول “إن الإله يحبك”؟ وفي عام 1976 حاولت أن أوضح “هل مفهوم الإله متماسك؟”، وفي عام 1986 كنت أحاول أن أحدد على من يقع عبء تقديم الدليل؟ وفي عام 1988 كنت أناقش تداعيات الانفجار الكوني الكبير، خلال كل ذلك، لم يساعد اشتراكي في المناظرات والنقاشات اللاهوتية على تقوية آرائي فحسب، بل أتاح لي فرصة التعرف على العديد من الزملاء والخصوم الذي يستحقون الاحترام رغم اختلافي معهم.
الاحتفاظ بأسلحتي
Sticking to My Guns
من بين كل المناظرات التي شاركت فيها، كانت هناك مناظرتان في عامي 1976، 1998 اعتبرهما الأفضل، الأولى مناظرة عام 1976 مع توماس وارن Thomas Warren في مدينة دينتون بولاية تكساس، حيث كان الحضور ولعدة أيام يتراوح ما بين خمسة إلى سبعة الآلاف متابع، أما المناظرة عام 1998 فكانت مع وليام لين كريغ William Lane Craig في مدينة مديسون في ولاية ويسكنسن، وكان الحضور يقدر بأربعة الآلاف، فقط في هاتين المناظرتين لعبت دور البطل في مناظرة عامة.
تعقد المناظرات في المملكة المتحدة عادة بحضور أكاديمي قليل، لذا كانت تجربتي الأولى في مواجهة جمهور كبير كمناظرة في مواجهة البروفيسور الراحل الفيلسوف المسيحي توماس وارن Thomas B. Warren، وقد عقدت المناظرة في جامعة شمال تكساس، في مدينة دينتون، على مدى أربعة ليالي متتالية، بداية من 20 سبتمبر من عام 1976، وهو التاريخ الذي تزامنن مع المناظرة الرئاسية الأولى بين جيمي كارتر Jimmy Carter وجيرالد فورد Gerald Ford.
أمام جمهور متحمس، قدم البروفيسور ورن مجموعة مؤثرة من الرسوم واللوحات التوضيحية، والمثير أن جزءًا كبيراً من محاضرته ذهب للهجوم على نظرية التطور Theory of Evolution، والتي كانت بالنسبة لي في ذلك الوقت مشروعاً غير مألوف، وعندما سألني البروفيسور ورن عما إذا كنت أعتقد بأن هناك موجوداً نصف قرد ونصف إنسان كان ردي بأن ذلك يشبه السؤال عما إذا كان شخص ما أصلعاً أم لا. كان رأس المشرف على رسالتي في الدكتوراه غلبرت رايل يشبه البيضة (لم يكن على رأسه أية شعرة)، وليس هناك شك بأن أي شخص لا بد أن يقول إنه أصلع، ولكن ليس من السهل تعريف من هو الأصلع ومن هو غير الأصلع.
ومع ذلك، وآخذاً لآرائي الحالية بالاعتبار، ربما يكون عدد قليل من عباراتي الإخبارية[1] Declarative Statements (الجمل التي ليست سؤال أو أمر أو استفهام) في تلك المناظرة مهماً في توضيح قوة اعتقاداتي الإلحادية في هذه النقطة من قبيل:
“أنا أعرف أنه ليس هناك إله”
“منظومة الاعتقاد المتعلقة بالإله” تتضمن “نفس التناقض” الموجود في “الأزواج غير المتزوجين أو المربعات الدائرية”.
“أنا أميل إلى الاعتقاد بأن الكون لا بداية له وسيظل دون نهاية، وفي الحقيقة أعتقد أنه لا جدوى من تحي أي من هذين الاعتقادين”.
“أعتقد أن الكائنات الحية تطورت على مدى فترة طويلة لا يمكن حسابها من مواد غير حية”.
لقد تأثرت بالاستقبال الحافل من قبل المستضيفين، ولكن المناظرة انتهت بتمسكي وتمسك ورن بأسلحتنا.
كانت مناظرتي التالية بعد عشرة سنوات من تلك المناظرة، وكانت أيضاً في تكساس، وعقدت في دالاس في عام 1985، وقد شعرت بأن الوضع يبدو كإطلاق النار المشهور على زريبة O.K. اشترك معي في المناظرة ثلاث من مشاهير الملحدين: والاس ماتسون Wallace Matson وكي نلسن Kai Nielsen وبول كيرتز Paul Kurtz. وقد واجهنا مجتمعين مجموعة من كبار الفلاسفة اللاهوتيين: ألفن بلانتينغا Alvin Plantinga ووليام ألستون William P. Alston وجورج مافرودس George Mavrodes ورالف ماكنيري Ralph McInerny.
على عكس المعارك المشهورة، لم تشهد هذه المناظرة أية ألعاب نارية لأن كلا الفريقين لم يرغب بجذب الانتباه لخصمه، وكلا الفريقين تمسك برأيه بأن مهمة تقديم الدليل تقع على عاتق الطرف الآخر. اعتبرت أن تقديم الدليل هي مسؤولية المدعي، وليس مسؤولية المنكر، أما على الطرف الموحد فإن بلانتينغا أصر على أن الإيمان بالإله أمر أساسي، وهو ما يعني أن الموحدين ليسوا ملزمين بتقديم الحجج على صحة ادعائهم، كما أنهم ليسوا ملزمين بتقديم حجج على اعتقادات أساسية مثل وجود العالم. أما في جانبنا الملحد، فإن نلسون جادل بأن فلسفة الدين مملة، في حين اعتبر ماتسون بأن الحجج التقليدية على وجود الإله معيبة، أما كيرتز فادعى أنه من غير الممكن استنتاج وجود موحى مقدس اعتماداً على الادعاء بوجود وحي مقدس.
بينما كنت في دالاس، قابلت اثنين من فلاسفة المسيحية الإنجيلية، وهما تيري ميثي Terry Miethe، وهو يعمل في مركز دراسات أكسفورد، وغاري هيبرماس Gary Habermas من كلية لينجبيرغر Lynchburg بولاية فرجينيا، واللذين أصبحا صديقاي منذ ذلك الوقت.
في السنوات التي تلت ذلك نُشرت لي مناظرتان، الأولى عن قيامة المسيح مع هيبرماس، ومناظرة أخرى عن وجود الإله مع ميثي. من جهتي – في مناظرتي مع ميثي – أعدت تأكيد مجموعة من مواقفي التي طورتها خلال سنوات عن انسجام تصور الإله وفرضية الإلحاد، أما ميثي فقدم نسخة رائعة من الحجة الكونية المبنية على المقدمات التالية:
بعض الكائنات المتغيرة بنحو محدود، موجودة.
الوجود الحاضر لكل كائن متغير بنحو محدود، ناتج عن آخر.
لا يمكن أن يكون هناك تسلسل (تراجع) لا نهائي لأسباب الكائنات، لأن التسلسل اللانهائي للكائنات المتناهية لن يكون “سبباً” لوجود أي شيء.
إذاً، يوجد سبب أول للوجود الحاضر لهذه الكائنات.
السبب الأول يجب أن يكون لا متناهياً، ضرورياً، خالداً، وواحداً.
السبب الأول الذي لا سبب له، متطابق مع إله التقليد اليهودي – المسيحي.
هذه الحجة لا تستند إلى مبدأ العلة الكافية Sufficient Reason [3]– الذي رفضته، وإنما تستند إلى مبدأ السببية الوجودية. رفضت هذه الحجة على أساس أن الأسباب الفاعلة في الكون تكون فاعلة بذاتها دون الحاجة إلى علة فاعلة أولى. مع ذلك، قلت إنه رغم الاعتقاد بالوجود المستمر للكون الفيزيائي – وهو ما يحتاج إلى تفسير خارجي – فإن من السهل إقناع العامة بأن الانفجار الكبير يستلزم وجود علة أولى.
الاستمرار بسرعة
Holding Fast
في الوقت الذي كنت أقوم فيه بالتدريس عام 1980، في جامعة بولنغ غرين Bowling Green بولاية أوهايو كانت لي مناظرة طويلة مع ريتشارد سوينبيرن، وهو كما ذكرت سابقاً بأنه خلفني في جامعة كييل، وبعد ذلك أصبح أستاذاً في أكسفورد.
أصبح سوينبيرن أشهر مدافع عن التوحيد في الدول الناطقة بالإنكليزية، وقد أشاد أحد زملائي السابقين من التيار الشكي ترنس بينلهم Terence Penelhum بكتاب سوينبرن وهو بعنوان “اتساق التوحيد” The Coherence of Theism بقوله “أنا لا أعرف أي دفاع ضد الفلسفة الشكية المعاصرة يمكن مقارنته من حيث النوعية والوضوح في الفكر”. أحد التصورات التي دافع عنها سوينبرن بقوة هو تصور روح غير مادية عالمة بكل شيء – وهو أحد أهم التصورات التي تناولها في كتاب “الإله والفلسفة” – وكما هو الحال في مناظرتي مع بلانتيغا فإن مناظرتي مع سوينبرن انتهت إلى طريق مسدود حيث تمسك كلانا بموقفه، ولم أجد أي مبرر لتصور روح غير مادية، بينما لم يجد سوينبيرن مبرراً لأي شخص في رفض تلك الفكرة. لم تنته حواراتي مع سوينبرن إلى هذا الحد كما سيتضح لاحقاً في هذا الكتاب، بل استمرت إلى اليوم (وبالمناسبة فعندما انتشر خبر تحولي إلى التوحيد علق بلانتينغا على ذلك بالقول “إن هذا يدل على إخلاص البروفيسور فلو، فهو بعد كل تلك السنين من معارضة فكرة الخالق، ها هو يغير موقفه استناداً إلى الدليل”).
تلت المناظرة مع سوينبرن مناظرة أخرى مع وليام لين كريغ William Lane Craig في عام 1998 في ميدسون بولاية ويسكنسون، وقد عقدت المناظرة بمناسبة الذكرة الخمسين لمناظرة محطة الإذاعة البريطانية البي بي سي BBC الشهيرة بين برتراند رسل وفريدريك كوبلستون Frederick Copleston.
جادل كريغ بأن أصل الكون والنظام المعقد فيه يمكن تفسيره بأفضل نحو بوجود إله، وقد قمت بالرج عليه بأن معرفتنا عن الكون يجب أن تتوقف عند الانفجار الكبير، والذي ينبغي رؤيته على أنه الحقيقة النهائية Ultimate Face، أما ما يتعلق بحجة التصميم فأشرت إلى أنه حتى أعظم الكيانات تعقيداً في الكون – البشر – هي نتاج قوى فيزيائية وميكانيكية.
في هذه المناظرة كررت موقفي من أن الإله الذي هو على كل شيء قدير، يمكن أن يجعل البشر يختارون طواعية، وهذا يعني أن الدفاع التقليدي عن الإرادة الحرة لا يستطيع تجنب ما يترتب على ذلك من أن الإله حدد مصير كل الأشياء بما فيها الاختيارات الحرة.
كنت أرفض على الدوام الاعتقاد بفكرة المصير المسبق والتي تنص على أن الإله حتم الخطيئة على معظم البشر. من خصائص هذه المناظرة رفض كريغ لأفكار المصير المسبق التقليدية ودفاعه عن الإرادة الحرة الليبرالية. ذهب كريج إلى أن الإله يتدخل مباشرة في النتائج (المسببات) ولا يتصرف كعامل ثانوي، ولذلك فقد كان من المستحيل أن يخلق الإله عالماً مكوناً من كائنات حرة دائماً تفعل الأمر الصائب، واستشهد كريغ بنصوص من الإنجيل تؤكد على رغبة الإله في أن يعيش كل الناس بأمان.
حديثاً، وجدت أن جون ويسلي John Wesley – والذي اعتبره أحد أعظم أبناء بلدي – قاد حملة ضد فكرة المصير المسبق وتأييداً للبديل “الأرمني”[4] Arminian alternative، وخصوصاً في ورقته البحثية العظيمة “إعادة النظر بهدوء في المصير المسبق”. أتفهم أن يعتبر بعض المفسرين اليوم كتابات القديس بول St. Paul في فكرة المصير المسبق كمرجعية لدور أفراد خاصين في أعمال الكنيسة وليس إلى خلاصهم أو هلاكهم.
ظهوري الأول في نيويورك
My New York Debut
المناظرة العمومية الأخيرة لي كانت في ندوة في جامعة نيويورك، وتمت في مايو من عام 2004، وكان المشاركون الآخرون هم العالم الإسرائيلي جيرالد شرويدر Gerald Schroeder مؤلف أفضل الكتب مبيعاً في مجال العلم والدين وهو بعنوان “علم الإله” The Science of God، وكان من ضمن المشاركين أيضاً الفيلسوف الأسكتلندي جون هالين John Haldane. والذي كان مشاركاً في مناظرة “التوحيد والإلحاد” حول وجود الإله إلى جانب صديقي جاك سمارت Jack Smart.
وكمفاجأة لجميع المهتمين، أعلنت في البداية أنني الآن أقبل بوجود الإله، ما اعتبر في وقته تبادلاً حاداً لوجهات النظر المتعارضة أثناء المناظرة انتهى إلى أن يصبح بحثاً مشتركاً في التطورات العلمية الحديثة التي يبدو أنها تشير إلى ذكاء خارق. في الفيديو الذي عرض في الندوة، ادعى عريف الندوة أن الإله هو أعظم اكتشافات العلم الحديث، وعندما سُئلت في هذه الندوة إن كان بحثي حول أصل الحياة يشير إلى ذكاء إبداعي، أجبت بالقول: “نعم”، أنا الآن أعتقد بذلك… بشكل شبه كامل بسبب اكتشافات الحمض النووي DNA، ما قدمه اكتشاف الحمض النووي أوضح التعقيد الشديد غير القابل للتصديق للترتيبات اللازمة لخلق حياة، وهو الأمر الذي يوجب أن يكون هناك ذكاء خارق يجعل هذه العناصر المختلفة تعمل معاً. إنه التعقيد الخارق لهذه العناصر والدقة الهائلة في الطرق التي تتفاعل فيما بينها، واجتماع هذه الأمرين في الوقت المناسب بالصدفة هو ببساطة أمر مستحيل، فلا بد من أن الأمر يتعلق بتعقيد هائل أنتج ما وصلنا إليه، وهو ما بدا لي أنه نتاج ذكاء”.
هذا التصريح مثّل بالطبع تغييراً كبيراً بالنسبة لي، ولكنه مع ذلك كان يتسق مع المبدأ الذي تبنيته منذ بداية مسيرتي الفلسفية في اتباع الحجة حيثما قادتني. لقد تأثرت بشكل خاص بالتفنيد المفصل الذي قام به جيري شرودر Gerry Schroeder لما أسمتيه “مبرهنة القرد” monkey theorem، وهي الفكرة التي قدمت بطرق مختلفة كرد على القائلين باحتمال حدوث الحياة بالصدفة مستخدمين تشبيه قيام مجموعة من القردة بالعبث على لوحة مفاتيح الكمبيوتر لينتج في النهاية قصيدة السونيته لشكسبير.
أشار شرودر في البداية إلى تجربة قام بها المجلس الوطني البريطاني للفنون، حيث تم وضع كمبيوتر في قفص بداخله ستة قرود، وبعد شهر من العبث به بالإضافة لاستخدامه كمرحاض أنتجب القرود خمسين صفحة مكتوبة ولكن دون كلمة واحدة! وقد علق شرويدر بالقول: “إن هذه كانت هي النتيجة بالرغم من أن الكلمة باللغة الإنجليزية يمكن أن تتكون من حرف واحد فقط (L, a)، فالحرف A يمكن أن يصبح كلمة فقط عندما يكون هناك مسافة على يمينه ويساره، فإذا كان هناك ثلاثون حرفاً ورقماً على لوحة المفاتيح فإن احتمال الحصول على كلمة مكونة من حرف واحد هو 30X 30X 30 وحاصله 27,000.
بعد ذلك قام شرودر بتطبيق قوانين الاحتمال Probability Rules على قصيدة السونيتة Sonnet لشكسبير، وتسائل شرودر: ما هو احتمال الحصول على قصيدة السونيتة لشكسبير؟ وأكمل قائلاً: “كل بيت من أبيات القصيدة مكون من نفس العدد من الحروف، والقصيدة مكونة من 14 بيت، وقد اخترت القصيدة التي تبدأ بجملة “Shall I Compare thee to A summer’s”، وقمت بحساب عدد الحروف فكان عددها 488 حرفاً. ما هي احتمالية أن تعبث على لوحة المفاتيح لتكتب 488 حرفاً بنفس تعاقب أحرف هذه الجملة؟ النتيجة هو 10 أس 80. هذا الرقم (10 أس 80) هو 1 مع 80 صفر بعده. 10 أس 690 هو 1 مع 690 صفر بعده. لا يوجد في الكون جسيمات كافية لتدوين المحاولات.
عدد الجسيمات في الكون ليس حبات من الرمل، فنحن نتكلم عن بروتونات وإلكترونات ونيترونات، إذا أخذت الكون بأكمله وحولته إلى شرائح كمبيوترية، يزن كل منها 1 من المليون غرام، وكانت قدرة كل شريحة على الاختيار من بين 488 محاولة خلال جزء من المليون من الثانية لاختيار رقم عشوائي، فإن عدد المحاولات الناتجة منذ بدء الزمان سوف تصبح 10 أس 90، وببساطة لن تستطيع أيداً أن تنتج قصيدة السونيتة بالصدفة. هذا يتطلب أن يكون الكون أكبر بمقدار 10 أس 600، في حين أن العالم يتوقع أن القرد يستطيع عمل ذلك[5].
بعد أن استمعت إلى محاضرة شرويدر Schroeder قلت له: إنه توصل بصورة مرضية وحاسمة إلى أن “مبرهنة القرد” مجرد كومة من القمامة، وأنه كان من المناسب اختيار قصيدة السونتية كمثال لأن البعض يستخدم أعمال شكسبير أو مقطوعة موسيقية لهاملت كمثال، فإذا لم تكن المبرهنة قادرة على الصمود في قصيدة واحدة، فمن المؤكد أنه ببساطة من المستحيل القول بأن عملاً رائعاً مثل أصل الحياة حدث بالصدفة.
مبارزة مع دوكنز
Dueling With Dawkins
بالإضافة إلى مناظرتي العامة، اشتركت في مناقشات جدلية كتابية متعددة، ومن الأمثلة البارزة على هذه المناقشات السجال الذي حصل مع العالم ريتشارد دوكنز Richard Dawkins. فرغم أنني كنت من الممتدحين لأعماله الإلحادية فإنني كنت أيضاً من الناقدين لجين الأنانية في مدرسته الفكرية. في كتابي “التطور الداروني”، أشرت إلى أن الانتخاب الطبيعي لا ينتج بنحو إيجابي، وأنه فقط يقوم بالتخلص أو يميل للتخلص من كل الأشياء غير القادرة على المنافسة. فتحقق التنوع في الكون ليس بحاجة لتنشيط أي مزية واقعية تنافسية لتفادي الإقصاء؛ فمن الكافي أن لا تكون تلك المزية عبثاً على حاملها وأن لا تضعف موقفه التنافسي.
لنقدم شرحاً مبسطاً، افترضوا أنني أملك أجنحة لا فائدة منها تحت ملابسي، ولكن هذه الأجنحة من الضعف بحيث لا تستطيع رفعي عن الأرض، ولذلك فإن هذه الأجنحة لا تمكنني من الهروب من الحيوانات المفترسة ولا تمكنني من جمع الطعام، ولكنها ما دامت لا تجعلين “أكثر” عرضة للحيوانات المفترسة فإني سوف أحتفظ بها وأورثها إلى أحفادي.
خطأ دارون كان في المبالغة في تقدير حجته، حيث قال إن الانتخاب الطبيعي ينتج شيئاً ما، والمبالغة تأتي بسبب توظيفه لتعبير “الانتخاب الطبيعي” أو “البقاء للأصلح” بدلاً من تعبيره المفضل في نهاية مقالته “الحمالة الطبيعية” Natural Preservation، لقد ذهبت للإشارة إلى أن كتاب دوكنز “الجين الأناني” كان تدريباً رئيسياً على ممارسة التضليل الشعبي. كفيلسوف ملحد، اعتبرت أن هذا النوع من العمل الشعبوي مدمر في كل جوانبه بمثابة إما “كقرد عار” أو “كحديقة حيوان بشرية” اللذان كتبهما ديسمود موريس Desmond Morris، قدم موريس في أعماله، كنتيجة لأبحاثه الحيوانية قدراً إضافياً من النفي المنهجي لفكرة أن المكونات المميزة لنا كنوع تبدو كظاهرة بيولوجية، ولكنه تجاهل الاختلاف الواضح بين البشر وبقية الأنواع.
من ناحية أخرى، اجتهد دوكنز في التقليل والانتقاص من ثمرة أكثر من خمسين عاماً من الأبحاث في مجال الجينات والتي توصلت إلى أن قسماً كبيراً من الصفات الظاهرة للكائنات الحية تتكيف نتيجة للتفاعل فيما بين مجموعة من الجينات، في حين أن معظم الجينات لها تأثيرات متعددة على هذه الصفات. يعتبر دوكنز أن الأمر الأساسي الذي ينتج السلوك البشري يعود إلى خصائص الجينات الموجودة لدى الأفراد. وبالتالي، بعد أن أصر على أننا جميعاً مخلوقات غير مختارة نتيجة لنوع جيناتنا، استنتج دوكنز أن كل ما نستطيع فعله هو أن نتقاسم صفاتنا غير المحببة مع الكائنات أحادية الخلية.
الجينات بالطبع لا هي أنانية ولا هي غير أنانية أكثر مما هو حال بقية الكائنات غير الواعية في المنافسة أو الاختيار. (الانتخاب الطبيعي المتداول، ليس انتخاباً؛ بل هو بنحو ما حقيقة منطقية غير مألوفة، بمعنى أنه تحت المستوى البشري، الصراع من أجل الوجود ليس “تنافسياً” بالمعنى الحقيقي للكلمة)، ولكن ذلك لم يمنع دوكنز من القول بأن كتابه “ليس كتاباً في قصص الخيال العلمي… إنه علم…. نحن آلات قادرة على البقاء…. الروبوتات هي آلات مبرمجة بشكل أعمى للحفاظ على مكونات أنانية تعرف كجينات”، ورغم أن دوكنز أنكر ذلك بعض المرات إلا أنه يحذر في كتابه من أخذ كلامه بصورة حرفية، وأضاف بشكل مثير بأن حجة الكتاب العامة هي أننا – كحال بقية الحيوانات – مجرد آلات صنعت بواسطة جيناتنا[6].
لو كان ثمة صحة لهذا الكلام، فإنه لا حاجة للاستمرار في النقاش، كما فعل دوكنز بالتبشير بالقول “دعونا نتعلم الكرم والإيثار لأننا ولدنا أنانيين”، لا بلاغة بمقدورها تحريك الروبوتات، فالجينات كما نشاهد لا تجعل أعمالنا حتمية، لا هي قادرة على حساب وفهم متطلبات التصرف بأنانية مفرطة أو برحمة مضحية.
اعتزل بيبي روث كرة القدم الأمريكية في عمر الأربعين، وها أنا الآن لي ضعف عمره؛ في الثمانين من عمري، ورغم أنني غيرت موقفي المتعلق بوجود إله، إلا أنني آمل أن يكون دفاعي عن الإلحاد ومناظراتي مع الموحدين والآخرين قد أوضحا اهتمامي الدائم بالأسئلة اللاهوتية واستعدادي لمواصلة البحث عن إجابات متعددة ليقل المحللون والأطباء النفسيون ما يشاؤون، ولكن “الجنين” الذي في داخلي سوف يظل كما كان، يسعى دوماً إلى الحجج السليمة والاستنتاجات الصحيحة، وأتمنى أن يتم التعامل معي بنفس القدر من الشغف والمبدية التي كنت عليها دائماً. في الجزء الثاني من الكتاب سوف أعرض لموقفي الحالي والأدلة التي قادتني للتمسك به.
[1] العبارات الإخبارية هي العبارات التي تحتمل الصدق أو الكذب. وتأتي في مقابل العبارات الإنشائية التي تنطوي على سؤال أو أمر أو استفهام… الخ، ولا تحتمل في ذاتها الصدق أو الكذب، إلا إذا تم تحويلها إلى عبارات إخبارية.
[2] قصة تصور تبادل إطلاق النار بين أحد رعاة البقر الخارجين عن القانون وبين رجال الشرطة قرب زريبة خيول في الريف الأمريكي، وتم إنتاج فيلم بنفس اسم هذه القصة.
[3] العلة الكافية قضية أو مجموعة قضايا معروف أنها صادقة، منها يمكن اشتقاق النتيجة منطقياً.
إلى أين يقود الدليل؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو
إلى أين يقود الدليل؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو
إلى أين يقود الدليل؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو
Where the Evidence Leads
عندما سرحت Alice بخيالها وهي تنظر في المرآة في رواية لويس كارول Lewis Carroll الشهيرة التقت بالملكة التي ادعت بأن عمرها 101 سنة وخمسة أشهر ويوم واحد.
قالت Alice: لا أستطيع تصديق ذلك.
قالت الملكة بصوت خافت: ألا تستطيعين؟ حاولي مرة أخرى، خذي نفساً عميقاً وأغمضي عينيك.
ضحكت أليس Alice وقالت: لا فائدة من ذلك، لأن الشخص لا يمكن أن يصدق أشياء مستحيلة.
قالت الملكة: أعتقد أنك لم تدرسي على ذلك بالقدر الكافي، فعندما كنت في عمرك كنت أقوم بذلك نصف ساعة يومياً (لأني كنت أعتقد بالكثير من المستحيلات بقدر الأشياء الست المستحيلة قبل تناول طعام الإفطار).
أحسب أن عليّ أن أتعاطف مع أليس Alice، وخاصة عندما أتذكر كيف تغير مسار حياتي ودراستي حتى بعد أن درست الفلسفة تحت إشراف غلبرت رايل. أنا واثق أن ما حصل لي لم يكن مرجحاً إن لم يكن مستحيلاً.
بالكاد يمكنني تخيل أنني عندما قمت بتأليف كتابي “اللاهوت والتكذيب” وخلال نصف القرن القادم سوف أنشر خمساً وثلاثين كتاباً في شتى مواضيع الفلسفة، ورغم شهرتي في الكتابة في موضوع وجود الإله، فإن ذلك لم يكن على الإطلاق مجال اهتمامي الوحيد.
على مر السنين كتبت في مواضيع تتراوح ما بين فلسفة اللغة إلى المنطق، من الفلسفة الأخلاقية والاجتماعية والسياسية إلى فلسفة العلوم، ومن علم ما وراء النفس Parapsychology ومن التعليم إلى النقاش حول الجبر والاختيار وموضوع الحياة بعد الموت، وعلى الرغم من أنني أصبحت ملحداً في الخامسة عشرة من عمري وقيامي بتطوير اهتماماتي غير الفلسفية عندما كنت في مدرسة كنغزوود، فإن عملية إنضاج وترسيخ آرائي الفلسفية استغرقت سنوات، وفي ذلك الوقت توصلت إلى مبادئ إرشادية لم تتحكم في طريقة كتابتي وتفكيري فحسب، بل في الحقيقة قادتني في النهاية إلى عملية التحول الجذري من الإلحاد إلى الإيمان.
الاكتشافات المبكرة…. والمواقف المحرجة
Early Explorations…. And Embarrassment
بعض آرائي الفلسفية تشكلت حتى قبل أن أدخل إلى مدرسة كنغزوود، لقد كنت معتنقاً الشيوعية في فترة تسجيلي في المدرسة، وقد استمريت كاشتراكي يساري نشيط حتى بداية الخمسينات من القرن الماضي عندما استقلت من حزب العمال Labour Party، وهو الحزب الذي يمثل تاريخياً الحركة اليسارية في بريطانية.
ما منعني من الاشتراك الواقعي في الحزب الشيوعي – كما كان حال بعض زملائي – هو سلوك الحزب الشيوعي البريطاني بعد المعاهدة الألمانية – السوفياتية عام 1939 حيث كنت مراهقاً آنذاك. هذا الحزب الذليل والغادر بدأ بإدانة الحرب ضد ألمانية الاشتراكية القومية (النازيين) باعتبارها حرباً “إمبريالية”، وكنتيجة لذلك لم يكن يعتقد بأن البريطانيون معنيين. استمرت هذه الإدانات حتى عام 1940 في الوقت الذي كانت البلاد تتعرض لخطر الغزو. لكن ما سمي بالحرب الإمبريالية أصبح فجأة “حرباً تقدمية، حرب الشعوب” (حسب وجهة النظر الشيوعية) وذلك عندما غزت ألمانيا الاتحاد السوفييتي، وفي السنوات التي تلت ذلك، أصبحت أشكك بصورة متزايدة بالنظرية والممارسة الشيوعية التي تقوم على فكرة أن التاريخ محكوم بقوانين شبيهة بقوانين العلوم الفيزيائية.
وفي هذه الفترة – وكما هو حال أقراني في مدرسة كنغزوود – تعرفت على الكتابات التفسيرية للكاتب جوود[1] Joad، وقد كان معروفاً في ذلك الوقت في الوسط البريطاني بنقاشاته الإعلامية في المواضيع الفلسفية ونمط كتاباته المميز (قام بتأليف أكثر من 75 كتاب). اكتشفت من خلال قراءة أكثر كتب جوود مبيعاً أن بعضها منع الأسف فاقد للمصداقية فيما يتعلق ببحث ما وراء علم النفس، وهو ما يعرف في الوقت الحالي بالباراسيكولوجي.
أنا أفترض أن كثيراً منا عندما يتقدم في العمر، ينظر إلى الوراء…. إلى فترة الشباب بمزيج من الحنين والخجل، أنا متأكد أن هذه المشاعر شائعة جداً، ومع ذلك ليس جميعنا لديهم سوء الحظ في توثيق ونشر بعض هذه الأمور المخجلة كما هو الحال معي.
إن اهتمامي بما وراء علم النفس (الباراسيكولوجي) قادني في عام 1953 إلى نشر أول كتاب لي كتب بطريقة سيئة لا تطاق، وفي عام 1951 قمت بكتابة وتوزيع اثنين من الحوارات التي تهاجم سوء الفهم المنتشر عن ظاهرة الخوارق المزعومة لما وراء علم النفس. نشر هذه الحوارات دفع أحد الناشرين للطلب مني تأليف كتاب في هذا الموضوع، والذي بدفع من الغطرسة الشبابية أسميته “النهج الجديد في البحوث النفسية” A New Approach to Psychical Research.
تناول الكتاب الحقائق المفترضة والمسائل الفلسفية المتعلقة بالباراسيكولوجي، ومما يشفع لي في ارتكاب بعض الإخطاء في أسلوب الكتابة في هذا الكتاب أن الناشر أراد أن يكون أسلوب الكتابة على شكل مقالات مبسطة. ومع ذلك كانت هناك أخطاء جوهرية، فعلى المستوى العملي اعتقدت بصحة عمل الباحث والرياضي في جامعة لندن سول Soal، وهو عمل تبين لي فيما بعد أنه فاقد للمصداقية، وعلى المستوى الفلسفي لم أكن قد استوعبت حينها أهمية الباراسيكولوجي في الحجة التي قدمها الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم في القسم X من كتابه “التحقيق” Inquiry، ولكن بعد عقود من ذلك الوقت قمت بتجميع كتاب من مجموعة قراءات اعتبر أنها أفضل ما كتب قبل ذلك الوقت في هذه الموضوع، وأسميت الكتاب “قراءات في المشكلات الفلسفية للباراسيكولوجي”[2] Philosophical Problems of Parapsychology. وفي مقدمة الكتاب لخصت الحلول التي ظهرت في تلك السنوات لهذه المسائل.
استكشاف اهتمامات جديدة
Exploring New Interests
برز لدي اهتمامان فلسفيان عبر القراءات العلمية في مرحلة شبابي. الاهتمام الأول كان يتمثل في افتراض أن علم الأحياء التطوري Evolution Biology قادر على ضمان إحراز تقدم، وهذا الافتراض ظهر بقوة في كتاب جوليان هكسلي Julian Huxley “مقالات عالم أحياء” Essays of a Biologist، وهو المقترح الذي عمل على تطويره بإصرار بقية حياته في كتاب “الوقت، النهر المتجدد” Time, The Refreshing River وفي كتاب “التاريخ إلى جانبنا” History Is on our Side.
قام جوزيف نيدهام Joseph Needham بدمج هذا الافتراض مع فلسفة التاريخ الماركسية، وهو المذهب الذي يقوم على أن قوانين الطبيعة ناتجة عن تطورات تاريخية، فالماركسيون يعتقدون أن هناك قوانين عالمية – مثل حتمية الحروب الطبقية – تحكم تقدم المجتمعات، وكجزء من عملية دحض هذه الفكرة، قمت – عندما دعيت في منتصف 1960 للمشاركة في سلسلة “أفكار جديدة في الأخلاق” – بتأليف كتاب “الأخلاق التطورية” Evolutionary Ethics (وكان ذلك سبباً في تأليف كتاب “التطور الداروني” عندما طُلب مني المشاركة في توثيق سلسلة الحركات والأفكار في بداية الثمانينات من القرن الماضي، وفي هذه الكتاب الأخير أردت أن أبين أن ما يستدعي احترام الدارونية أنها تجسد مثال للحفاظ على أفكار ومعتقدات تفتقر لأساس متين مثل أن الفكرة الدارونية هي ضمان للتطور البشري).
اهتمامي الفلسفي الثاني نتج عن قراءتي للأدبيات العلمية المشهورة هو محاولة رسم استنتاجات باركلية (نسبة إلى الفيلسوف الإنجليزي باركلي Berkeley) على ضوء تطور الفيزياء في القرن العشرين. تنتمي البيركلية الجديدة إلى مدرسة فلسفية تسمى المثالية Idealism، والمثاليون يعتقدون بأن الواقعية الفيزيائية هي حقيقة عقلية صرفة، وأن ما هو موجود إنما هو العقول ومحتوياتها.
المصدر الرئيسي لأفكار هذه المدرسة هو أعمال السير جيمس جينز Sir James Jeans والسير أرثر أدنغتون Sir Arthur Eddington. لقد كان كتاب “الفلسفة والفيزيائيون” Philosophy and the Physicists لمؤلفته سوزان ستبنغ Susan Stebbing هو ما ساعدني في شق طريق للخروج من هذه الغابة (المثالية).
بعد ذلك بسنوات، حاولت في كتابي “مدخل إلى الفلسفة الغربية” أن أبين أن المثالية قاتلة للعلم، وقد استشهدت في الكتاب بفقرة من كتاب “العقل، الشعور والعلم” Mind, Perception and Science لمؤلفه المميز عالم الأعصاب البريطاني اللورد رسل برايان Russell Brain، والذي أوضح أن أطباء الأعصاب عادة ما يكونون مثاليين يعتقدون بأن فعل الإحساس بموضوع ما هو ببساطة حدث يقع في دماغ المستقبل Subject’s brain، كما استشهدت بادعاء برتراند رسل بأن “الإحساس لا يقدم خبرة مباشرة بالموضوع الفيزيائي”، قلت: لو كان ذلك صحيحاً فإنه ليس هناك شيء اسمه إحساس، ولا يخفى أن نتيجة هذا التفكير المثالي هي التقليل من قيمة الاكتشافات العلمية، إذ يعتمد العلماء – ويجب عليهم ذلك – على الملاحظة المباشرة في تبرير اكتشافاتهم، فإسقاط تلك الملاحظات المباشرة عن الاعتبار يقتضي انتفاء قيمة مشاهداتهم. باختصار… إن هذا الرأي يزيل أسس كل الاستدلالات العلمية، وكرد على هذا الرأي قلت: إنه لا بد في الإحساس الواعي من تجربة حسية (مثال: صوت وصورة المطرقة أثناء عملية إدخال المسمار)، وإذا كان هناك ثمة معطى حسي صحيح فإن ذلك الشيء (المطرقة والمسمار) يجب أن يكونا جزءًا من اكتسابي لتلك الخبرة.
رؤية جديدة في الفلسفة
New insights in Philosophy
في الفترة التي قضيتها في أكسفورد 1946-1950، ظهر اتجاه جديد في الفلسفة يسمى بعض الأحيان “ثورة في الفلسفة”، وكان هذا الاتجاه في أوج ازدهاره. عندما كنت في أكسفورد قضيت سنتين في درجة البكالوريوس وسنتين أخريين في درجة الدراسات العليا وثمانية عشر شهراً كمدرس في الكنيسة المسيحية وخلال هذه الفترة تعمقت كثيراً في هذه “الفلسفة الجديدة”، والتي وصفها عدد من خصومها بأنها لغوية أو لغة دارجة.
كان أبرز الرموز الفلسفية في أكسفورد في ذلك الوقت غلبرت رايل وجون أوستن، وكما أشرت من قبل كان رايل المشرف على دراستي في الدكتوراة، أما أوستن فسنحت لي الفرصة للتعرف عليه بعد تعييني في الكنيسة المسيحية، حيث كنت قادراً على الحضور بشكل منتظم لما كان يعرف بنقاشات “صباح السبت”، والتي كانت تعقد في مكتب أوستن في أكسفورد صباح كل سبت لمناقشة التطورات العلمية.
هذه التجربة الفلسفية الأكسفوردية في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي قدمت لي مجموعة رؤى ذات قيمة – والتي ما زلت أعتقد بصحتها – ولكن من بين هذه الرؤى اعتبر أن أهمها هي الرؤية القائلة بأن علينا أن نكون على وعي دائم بأنه طالما أن الفلسفة هي بحث تصوري يجب أن تكون مهمته بالاستخدام اللغوي الصحيح، فنحن لا يمكننا الوصول إلى التصورات إلا من خلال دراسة الاستخدام اللغوي، ومن ثم استخدام هذه الكلمات لشرح وتوضيح التصورات. هذه الرؤية ذكرتني بالباحث الإنجيلي الذي ذكرته من قبل (وعبرت عنه بوصف أبي) والذي كان يدرس العهد القديم بطريقة مميزة من خلال تجميع وفحص أكبر قدر ممكن من النصوص التي يمكن أن يعثر عليها والتي يمكن أن تساعده في فهم النص العبري.
باعتباره تطوراً في توجهي الفلسفي في تلك الأيام فإن اتجاه “الفلسفة الجديدة” لم يكن جديداً جداً ولم يكن ضيقاً جداً كما قد يبدو في بعض الأحيان. “الثورة” كانت تتعلق بالتركيز على النحو التصوري Conceptual Gramma، أي استخدام التصورات باللغة الدارجة، وهي الدراسة التي تساعد في تجنب العديد من المشاكل في الفلسفة، وإحدى هذه المسائل تتعلق بما إذا كان بمقدورنا الوصول إلى المعرفة عن طريق التعرف على العالم الخارجي. تم صياغة هذه المسألة لأول مرة في القرن السابع عشر من قبل ديكارت، وتم قبولها بعد ذلك دون تساؤل من قبل فلاسفة عظماء أمثال لوك وباركلي وهيوم وكانت، ولكن اتجاه “الفلسفة الجديدة” رفض هذه المشكلة من الشك الديكارتي من خلال رفضه لنقطة البداية التي تقول أن الفرد كيان غير مادي وأنه لا يملك سوى تجربته الخاصة. هذا الاعتقاد كان يتعارض مع الافتراض المتضمن في خطاباتنا المتكررة والتي كانت تركز على أننا نحصل على المعرفة من خلال التعرف على العالم الفيزيائي وعلى بقية البشر، وكما قلت فلم يكن ذلك جديداً بشكل كامل، إذ لو كان أفلاطون[3] الذي كتب “محاورة ثياتيتوس” وأرسطو[4] الذي كتب “الأخلاق إلى نيفوماخوس” في ندوة يديرها رايل أوستن لشعرا أنهما في قمة الراحة وكأنهما في بيتهما.
تطورات في الفلسفة
Progress in Philosophy
قبل مغادرتي أكسفورد، سلمت للناشر مادة مجمعة للسلسلة الأولى لكتاب “المنطق واللغة”، وبعد ذلك بفترة قصيرة تبعتها السلسلة الثانية، وقد تم تحرير كلتا السلسلتين، وقد كتبت مقدمة قصيرة لكلتيهما، الأولى في عام 1951، والثانية عام 1953، بعد وقت قصير من تعييني كمحاضر في جامعة أبردين وجدت نفسي أتصرف كمتحدث رسمي غير معين في اسكتلندا لفلسفة “أكسفورد اللغوية”، وعندما قام نادي الكشافة الاسكتلندي الفلسفي – وهو تجمع لجميع من يقوم بتدريس الفلسفة في أسكتلندا – بإصدار مجلة جديدة بعنوان “الفلسفة الفصلية” احتوى عددها الأول على هجوم لاذع على المدرسة الأكسفوردية، وقد طلب مني محرر المجلة الرد على هذا الهجوم، وكان ردي هو مقال “الفلسفة واللغة”، وهو ما أصبح بعد التعديل الفصل التمهيدي لكتاب يتكون من مقالات مجمعة تحت عنوان “مقالات في التحليل التصوري” Essays in Conceptual Analysis.
تعرضت الحركة لنقد من الجانب الإنجليزي عبر مايكل دمت Michael Dummett الذي وصف الحركة بأنها “نتاج اللغة الدارجة”، وادعى بأن “عضوية هذه المدرسة الفكرية تعتمد على الترشيح من قبل البروفيسور فلو”[5].
بالتأكيد كانت أعمال بعض الممارسين للفلسفة الجديدة – حتى إن كان عددهم قليلاً جداً – تافهة ومكررة ولا طائل منها، وقد كان لي رد فعل على هذا التكرار وعدم الجدوى من خلال ورقة بحثية كتبتها وقدمتها في إحدى الأندية الثقافية وكانت بعنون “الأمور ذات الأهمية” Matter That Matters، جادلت خلالها أنه كان من الممكن ومن المحبذ التركيز على المشاكل التي يمكن أن يجدها المهتمون بالفلسفة – حتى الأشخاص العاديين غير الناضحين فلسفياً – مهمة وممتعة، بدلاً من إضاعة الوقت والجهد في أمور وهمية.
بدأت أقتنع – وهذا ما كتبته في كتاب “مدخل إلى الفلسفة الغربية” – بأنه يمكن إحراز تقدم في الفلسفة على الرغم من غياب التوافق العام، فعدم وجود التوافق في الفلسفة ليس برهاناً مستقلاً كافياً للقول بأن هذا الموضوع لا يمكن التقدم فيه. إظهار عدم وجود معرفة فلسفية بدعوى أنه سيظل هناك من لا يقتنع هي مغالطة شائعة صدرت حتى من فلاسفة معروفين مثل برتراند رسل، أما أنا فأسميها “ولكن سوف يظل هناك دوماً من لا يقتنع على الإطلاق”، إذاً هناك اتهام حاصله: إن من المستحيل في الفلسفة أن تبرهن لشخص أنك على حق وأنه على خطأ، ولكن الجزء المفقود في هذه الحجة هو التفريق بين إنتاج دليل وبين إقناع الشخص. فالشخص قد يقتنع بحجة باطلة، ويظل غير مقتنع بحجة ينبغي القبول بها.
يختلف التقدم في الفلسفة عن التقدم في العلم، ولكن ذلك لا يعني أنه مستحيل. في الفلسفة، أنت تسلط الضوء على الطبيعة الجوهرية للاستدلال الاستنباطي، أنت تميز بين الأسئلة حول الحجج الصحيحة وغير الصحيحة وبين الأسئلة المتعلقة بصدق وكذب مقدماتها أو نتائجها. أنت تبين الاستخدام الصارم لمصطلح المغالطة، أنت تحدد وتشرح مثل هذه المغالطات من قبيل “ولكن سوف يظل هناك دوماً من لا يقتنع على الإطلاق”. إلى الحد الذي تنجز فيه هذه الأمور… نجد أن هذه الأمور يتم الوصول لها عبر التفكير المنطقي، ويمكن رؤية التقدم الحاصل حتى لو ظل الإجماع والإقناع أمر غير متحقق وغير كامل.
إعطاء اهتمام أكثر للإلحاد
Paying More Attention to Atheism
كان النادي السقراطي الذي يرأسه في ذلك الوقت لويس فاعلاً خلال ذروة نشاط “الفلسفة الجديدة”، ووجدت المبدأ السقراطي القائل “اتبع الدليل أينما قادك” متجسداً هناك. وبشكل متزايد أصبح هذا المبدأ هو المبدأ الموجه في تطوير وتعديل بعض رؤاي الفلسفية، وخلال هذه التجمعات في النادي السقراطي أيضاً بدأ فلاسفة اللغة – الذين كانوا يُتهمون بتسفيه الالتزام بالضوابط التي كانت معتبرة في زمان سابق – باستكشاف ما صنفها الفيلسوف الألماني كانت على أنها أعظم ثلاثة أسئلة في الفلسفة: الإله، الحرية والخلود.
كانت مساهمتي في هذا المنتدى من خلال ورقة بحثية بعنوان “اللاهوت والتكذيب”، وكما ذكرت سابقاً فإن الأسس التي بنيت عليها اقتناعي بالإلحاد عندما كنت في الخامسة عشرة كانت ناقصة بوضوح.
لقد كانت مبنية على “عناد صغار السن”:
1 – مشكلة الشر كانت بالنسبة لي دحضاً حاسماً لوجود إله كامل الخير وكامل القدرة.
2 – الدفاع عن حرية الإرادة، لا يعفي الخالق من مسؤولية عدم إتقان الخلق. منذ أيام المدرسة، خصصت اهتماماً إضافياً للأسباب المؤدية والمضادة للوصول إلى النتائج الإلحادية، وتمثلت بدايتي في عملية البحث في هذا المجال في مقالة “اللاهوت والتكذيب”، وقد تم عرض مقالة “اللاهوت والتكذيب” لأول مرة في صيف عام 1950 في النادي السقراطي في أكسفورد، وتم بعد ذلك نشرها في مجلة لطلبة البكالوريوس، اسمها “الجامعة”.
إعادة طباعة المقالة لأول مرة كانت في عام 1955 في كتاب “مقالات جديدة في الفلسفة اللاهوتية”، وهو عبارة عن مقالات مجمعة قمت بتحريرها بمساعدة من ماكلنتير Alasdair MacIntyre، واحتوى الكتاب على مجموعة من الإسهامات القيمة في فلسفة الدين وفقاً لرؤية “الفلسفة الجديدة”، وقد وصفت مجلة Times Literary supplement هذا الكتاب بأنه إضافة جديدة بشكل جذري.
كان هدفي الأساسي من مقال “اللاهوت والتكذيب”، هو بيان طبيعة ادعاءات اللاهوتيين، وقد تساءلت هل إن تعدد القيود الذي يحيط بالكلام اللاهوتي ينتج عنه إماتة الميت[6] ولو بألف قيد؟ إذا أتيت بادعاء فإن عليك أن تستثني بعض الأشياء كي يكون ادعاؤك مقبولاً. على سبيل المثال الادعاء بأن الأرض كروية سوف يستبعد إمكانية أن تكون الأرض مسطحة، ورغم أنها تبدو مسطحة إلا أن هذا التناقض الواضح يمكن تفسيره عن طريق الحجم الهائل للأرض. الجهة التي ننظر منها إلى الأرض لها دور في ذلك، ولذلك فإن إضافة قيود للادعاء قد يجعل الادعاء متسقاً مع الظاهرة التي تبدو متناقضة معه[7]، ولكن إذا استمرت الظاهرة المتناقضة مع وجود هذا القيد فإن الادعاء نفسه يصبح مشكوكاً فيه.
إذا كنا ندعي بأن الإله يحبنا فإن علينا أن نتساءل عن الظواهر التي يستبعدها هذا الادعاء، ومن الواضح أن الألم والمعاناة تمثل تحدياً لهذا الادعاء.
يعتبر الموحدون أن إضافة القيود اللازمة يمكن أن يتوافق مع وجود الإله وحبه للبشر، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا نفترض ببساطة أن الإله لا يحبنا؟ الموحدون كما يبدو لن يسمحوا بتسجيل أي تحفظ ضد الادعاء بأن الإله يحبنا، ولكن هذا يعني أنه لا يوجد ما يدعم هذا الادعاء، وعندها سيصبح فارغاً، ولذلك أقول: إن الفرضية الرائعة يمكن أن يقضى عليها بواسطة القيود الكثيرة.
رغم أن قصدي من وراء طرح هذه الأسئلة يبدو جلياً إلا أنني كثيراً ما أواجه بالادعاءات بأنني كنت أشرح وجهة نظري حول معنى أو غالباً عدم معنى اللغة الدينية، وكذلك الحال مع الادعاءات السائدة بأنني منجذب ومعتمد على مبدأ التحقق الذي تبنته جماعة فيينا، وهي التي تمثل مدرسة الوضعية المنطقية، والتي تتبنى الادعاء القائل بأن العبارات التي يمكن التحقق منها باستخدام مناهج العلوم هي وحدها التي لها معنى.
ولكن في الحقيقة لم أُكون قط أطروحة شاملة عن وجود أو عدم وجود لكل اللغة الدينية. لقد كان هدفي الأساسي في بحث “اللاهوت والتكذيب” وضع بعض “البهارات” على الحوار الدائر بين الوضعية المنطقية والدين المسيحي، وإقامة حوار أكثر فائدة بين الإيمان والكفر.
لم أكن أقدم مذهباً متكاملاً عن كل اللغة الدينية، وإنما كان هدفي الأساسي من مقال “اللاهوت والتكذيب” إثارة الجدل بين من يعتقد بالوضعية المنطقية وبين المسيحيين، وإقامة نقاش بين المؤمنين بإله وغير المؤمنين بإله. أنا لم أقل بأن عبارات الاعتقاد الدينية لا معنى لها. لقد كنت ببساطة أتحدى الموحدين لكي يشرحوا عباراتهم بشكل يمكن فهمه على ضوء المعطيات المتعارضة.
التعلم من عدم الاتفاق
Learning form Disagreement
نالت المقالة الكثير من الردود، ومن هذه الردود ما ظهر بعد عقود من نشر المقالة، وكثير منها ساعدني في تهذيب – وفي بعض الأحيان – تصحيح آرائي، لكن أكثر الردود حدة في الانتقاد ربما كان أولها، وجاء من قبل هير R. M. Hare والذي أصبح أستاذ الفلسفة الأخلاقية في أكسفورد.
دعا هير إلى عدم تفسر الكلام الديني باعتباره جملاً، بل باعتباره تعبيرات عن التوجه العام، وهذا التوجه كما وصفه البروفيسور هير عبارة عن تفسير لخبرتنا التي لا يمكن التحقق منها أو تكذيبها، وحسب علمي لم يطور هير هذه الفكرة بشكل مكتوب، ولكن لا أعتقد أن مقولة هير سوف ترضي المؤمنين طالما أنها تنكر أي أساس عقلاني للاعتقاد.
يقول باسل ميتشل Basil Mitchell وهو الذي خلف لويس في رئاسة النادي السقراطي “إن هناك خطأ في عرضي لوجهة النظر اللاهوتية، فالأفكار اللاهوتية يجب أن تكون أفكاراً مؤكدة، ولكي تكون كذلك، لا بد من أن يكون هناك ما يعتبر منافياً ومكذباً لما يدعون حقانيته، وأشار ميتشل إلى أن اللاهوتيين لا ينفون ذلك، فالواقع أن مشكلة الشر في النظرة اللاهوتية تظهر لأن وجود الألم يبدو أنه يحسب ضد حقيقة أن الإله يحب البشر، وكان رد اللاهوتيين بالتمسك بمقولة الإرادة الحرة، ولكن ميتشيل أكد على أن المعتقدين بالإله يقعون عادة في محذور تحويل توكيداتهم إلى صيغ فارغة من المعنى.
في كتاب ميتشيل “الإيمان والمنطق” Faith and Logic، قدم كوبي – وهو فيلسوف معروف بأعماله عن أفلاطون – معالجة أفضل بكثير لهذا الموضوع. يقول كوبي: “إن اللاهوتيين يعتقدون بغير يتجاوز التجربة”، ولكن كوبي يدعي أن يستطيع تتبع بصمات هذا الغيب في التجربة. يؤكد المؤمنون بالإله على أنهم عندما يعبرون عن اعتقادهم فإنهم مجبرون على استخدام لغة محكومة بالقوانين المتناقضة[8]، ولاحظ كوبي أنه يمكنك فهم العبارات اللاهوتية فقط عندما تكون منصفاً في ثلاث قضايا:
1 – المؤمنون بالإله يعتقدون بأن الإله كائن متعال، وأن العبارات التي تتحدث عنه تنطبق عليه ولا تنطبق على العالم الخارجي.
2 – المؤمنون بالإله يؤمنون بأن الإله كائن متعال تستلزم عدم القدرة على إدراكه.
3 – وبما أن الإله سر، فلكي نفهمه لا بد من أن نتحدث عنه بطريقة ذكية، فنحن يمكننا فقط أن نتحدث عن الإله من خلال صور، والعبارات اللاهوتية عبارة عن صور بشرية للحقيقة المقدسة التي يمكن التعبير عنها بالأمثال[9].
جاءت ردود أخرى على مقالة “اللاهوت والتكذيب”، ومن ضمنها رد ريبرنن هيمبك Raeburne Heimbeck وأريك مسكال Eric Mascall، في كتابه “اللاهوت والمعنى” Theology and Meaning، اتهم هيمبك وهو أستاذ الفلسفة والدراسات الدينية بجامعة واشنطن الوسطى المقالة بارتكاب ثلاثة أخطاء مهمة. الخطأ الأول أنها افترضت أن معنى أية جملة مرهون بإمكان التحقق التجريبي من مضمونها. الخطأ الثاني أنها تضمنت خطأ وهو أن الاعتراض على معتقد هو نفسه عدم التوافق معه[10]. أما الخطأ الثالث فهو أنها افترضت أن العبارات المتعلقة بتعبير الإله عنه حبه، أو عند وجود الإله عبارات لا يمكن تكذيبها من حيث المبدأ، ولكن الخطأ الرئيسي حسب وجهة نظره، أن المقالة حددت الأسس للحكم بصدق أو كذب القضايا بالشروط التي تجعلها صادقة أو كاذبة[11].
نبه ماسكال Mascall، مستعيناً بفكر فتجنشتين إلى أننا نستطيع اكتشاف إذا ما كان للعبارة معنى، فقط من خلال قدرة الناس على فهمها في السياق اللغوي والمكاني الذي تستخدم فيه[12].
استشهدت – بتوسع نوعاً ما – بهذه الردود لأوضح دور مقالة “اللاهوت والتكذيب” في تحفيز ظهور موجات جديدة من الأفكار التي ساعدت في تحريك المياه الراكدة للخطاب اللاهوتي، وقد استمر هذا النقاش حتى يومنا هذا، وفي الحقيقة صدر عن مجلة ريتشموند للفلسفة عدد في عام 2005 احتوى على مقال يناقش فائدة حججي التي قدمتها منذ عام 1950.
لقد كان لهذه الردود أثر عليّ وعلى آرائي الفلسفية، وكيف لا تؤثر هذه الردود إذا كنت متسقاً مع نفس في اتباع الدليل أينما قادني؟ في الطبعة البرونزية للمقالة اعترفت بصحة اثنين من الانتقادات الموجهة للمقالة. انتقاد ميتشيل قادني إلى التفكير في غرابة موقفي من اللاهوتيين، فقد بين ميتشيل أن اللاهوتيين لا ينفون حقيقة “أن مسألة الألم تسجل ضد الادعاء بأن الإله يحب البشر”، وهي المشكلة ذاتها في مسألة وجود الشرور في العالم، واعتقد أنه كان على صواب في ذلك، كما أدركت قوة نقد همبك واعترفت بأنني كنت على خطأ في عدم التمييز بين “اعتباره ضد” وبين القول “بأنه لا يتسق معه”. حجتي الأساسية تنصب بشكل مباشرة على الأمر الثاني لا الأول.
الإله والفلسفة
God and Philosophy
بعد إحدى عشرة سنة من نشر كتاب “مقالات جديدة” نشرة كتاب “الإله والفلسفة”. وكانت محاولة مني لتقديم واختبار التوحيد المسيحي. لم أجد أي عرض سابق كاف ومقبول لهذه المسألة. بما فيها العرض الذي كان مقبولاً على نطاق واسع من قبل المعاصرين المعتقدين بالإله. وقد طلبت من بعض الأصدقاء المسيحيين وبعض الزملاء أن يقدموا لي اقتراحات في هذا الموضوع، ولكني وجدت القليل من الذي يستحق الاهتمام به ضمن ما قدم أو لعدم وجود ترابط فيما بينهما. ولذلك قمت بتجميع أقوى الحجج من عدة مصادر، ودعوت الذين لم يكونوا راضين بذلك إلى تقديم ما لديهم حتى نستطيع إنتاج شيء يرضيهم ويرضى أمثالهم.
لقد تم نشر كتاب “الإله والفلسفة” لأول مرة في عام 1966، وأعيد نشر هذا الكتاب في عام 1984 بعنوان “الإله: دراسة نقدية” God A Critical Enquiry، أما النسخة الأخيرة من الكتاب مع تمهيد من قبل الناشر ومقدمة غير مقنعة من قبلي فصدرت عام 2005. في كتاب “الإله والفلسفة” عرضت طرحاً منهجياً للإلحاد، وبشكل عام دعوت إلى أن تكون نقطة البداية في السؤال عن مفهوم الإله في حدود تماسكه وقابليته للتطبيق ومشروعيته.
عرضت في الفصول الأولى من الكتاب لحجج اللاهوت الطبيعي[13] بالإضافة إلى عرض ادعاءات الوحي المقدس، وفي الوقت نفسه حللت فكرة التفسير، وفكرة النظام، وفكرة الغاية بالاعتماد على ديفيد هيوم وآخرين ممن يشاركون في ذلك الرأي، وقلت بأن الحجة الغائية، والحجة الكونية، والحجة الأخلاقية التي تستخدم لتأكيد وجود الإله حجج غير صحيحة، كما حاولت أن أبين أنه من المستحيل الوصول إلى نتيجة صحيحة من خبرة دينية خاصة.
لكن الإسهام الأهم في الكتاب هو الفصل الذي كان بعنوان “البداية من البداية”، والذي نبهت فيه إلى أن هناك ثلاثة مواضيع بالتحديد يجب الإجابة عليها فيما يخص مفهوم الإله: كيف يمكن تعريف مفهوم الإله؟ كيف يمكن تطبيق التعبيرات الإيجابية والسلبية فيما يخص الإله؟ كيف يمكننا أن نوفق ما بين تعريف صفات الإله مع الحقائق التي لا يمكن إنكارها؟ (كيف يمكن تفسير وجود الأمراض في العالم مع وجود إله قادر؟).
تم الرد على السؤالين الثاني والثالث من قبل المؤمنين بالإله، فقد تم الرد على السؤال الثاني من خلال نظرية التمثيل أو التشبيه، حيث تناولوا صفات الإله وحرية الإرادة لمعالجة مشكلة الشر. أما السؤال الثالث المتعلق بمسألة الشرور فتم الرد عليه بمبدأ الإرادة الحرة. ولكن السؤال الأول هو الذي لم يتم التطرق له بشكل كاف على الإطلاق.
التعريف والتحديد هي أمور يجب الاتفاق عليها وتوضيحها في موضوع الخطاب، ولكن لم يكن واضحاً كيف يمكن تعريف جوهر فرد مثل الإله الفسيفسائي [14](mosaic god) وتمييزه عن الكون “المخلوق”؟ بأي اعتبار يمكن أن نفهم أن هذا الوجود هو واحد لا يتغير على الدوام، وهو في نفس الوقت فاعل في الزمان أو – بشكل محير أكثر – على نحو ما خارج الزمان؟ ما لم يكن لدينا مفهوم أصيل متماسك، قابل للتطبيق (عن الإله)، لا يمكن إثارة السؤال حول وجود أو عدم وجود هذا الإله على نحو مناسب. وبعبارة أخرى: لا يمكننا البدء بنقاش الأسباب التي تجعلنا نقول: إن هناك إلهاً على نحو ما موجود قبل أن نقرر كيف يمكن تحديد الإله الذي نتحدث عنه، ولا يمكننا أن نفهم بشكل منطقي مقبول كيف يمكن أن يعاد ويتعدد تعريف نفس الكائن بمرور الزمن، وعلى سبيل المثال كيف يمكن لكائن “مجرد عن المادة والجسد وموجود في كل مكان” أن يعرف ويعاد تعريفه وأن يكون قابلاً كموضوع لعدة توصيفات؟
يرد المؤمنون بالإله على هذا النمط من التفكير بعد طرق، وأبرز هؤلاء ريشارد سوينبيرن Swinburn (خلفني في جامعة كييل كبروفيسور في فلسفة الدين المسيحي في أكسفورد) من خلال كتاب “تماسك عقيدة الإيمان” The Coherence of Theism. علل سوينبرن ذلك بأن العبارة “فقط س الذين رأيناهم في وقت سابق هم ص” لا تؤدي إلى عدم تماسك الفرضية بأن هناك “س ليس ص”.
ليس من حق أحد أن يحتج بأن ما اعتاد على رؤيته – ولنقل إنه س – يجب أن يكون ص، ولذلك فإن ص يجب أن تكون صفة أساسية لأي شيء يُصنف على أنه س. أما فيما يخص الهوية، فإن سوينبرن يقول إن هوية الشخص جوهرية، ولا يمكن تحليلها من خلال استمرارية الجسد أو الذاكرة أو الشخصية.
قبل ماكي J. L. Mackie – وهو فيلسوف ملحد – بتعريف سوينبيرن للإله على أنه روحاً وأنه حاضر في كل مكان. وأنه قادر على كل شيء، وعليم بكل شيء، وببساطة اعتبر ماكي أنه “لا مشكلة في ذلك” عندما يتعلق الأمر بالتعريف والتمييز[15].
أدرك مؤرخ الفلسفة فردرك كبلستون Frederick copleston قوة التساؤل الذي أثرته فيما يخص تماسك مفهوم الإله، ورد بجواب مختلف. يقول فرديرك “لا أعتقد أن من المبرر الطلب من العقل البشري أن يكون قادراً على تحديد إله مثل فراشة واقفة على صندوق زجاجي. الإله يصبح حقيقة واقعة للعقل البشري في حركة الإنسان نحو التعالي، حيث يظهر الإله باعتباره الهدف غير المرئي لهذه الحركة، وحيث إن المتعالي لا يمكن إدراك كنه ذاته، وإذا جاز التعبير فإنه لا بد – وفقاً لخلفيتنا التصورية أن ينشأ الشك ويظهر، ولكن داخل هذه الحركة من التعالي فإن الشك يعود للتوازن من خلال التوكيد (assertion – affirmation) المتضمن بالحركة في ذاتها، ضمن سياق هذه الحركة الشخصية للروح البشرية يصبح ذلك الإله حقيقة واقعة للشخص”[16].
ما الذي أعتقده اليوم عن الحجج المنصوص عليها في كتاب “الإله والفلسفة”؟ في رسالة عام 2004 إلى مجلة “الفلسفة الآن”، أوضحت أنني الآن أعتبر أن الإله والفلسفة بقايا تاريخية. لكن، بطبيعة الحال، لا يمكن للمرء أن يتبع الدليل حيثما يؤدي دون إعطاء الآخرين فرصة إبداء وجهات نظرهم في أمور لم تناقشها بشكل كامل، وآرائي الحالية في المواضيع التي تم التطرق فها هناك، تم عرضها في القسم الثاني من هذا الكتاب، “اكتشافي للمقدس”.
فرضية الإلحاد
The Presumption of Atheism
بعد مرور عقد من الزمن على نشر كتاب “الإله والفلسفة”، قمت بكتابة مقالة “فرضية الإلحاد” (نشرت في الولايات المتحدة تحت عنوان “الإله والحرية والخلود”)، في هذه المقالة جادلت بأن النقاش حول وجود الإله يجب أن يبدأ من فرضية الإلحاد، وأن عبء الإثبات يجب أن يكون على المؤمنين بالإله.
أشرت إلى أن هذا النهج الجديد يضع مسألة وجود الإله بشكل كامل في إطار منظور جديد، كما أنه يساعد في التخلص من المشاكل التصورية عن الإيمان التي قد لا يتم الاهتمام بها، مما يجبر اللاهوتيين على البدء من البداية المطلقة. استخدام المؤمنين بالإله لكلمة “الإله” يجب أن يوفر معناً يجعل من الممكن نظرياً وصف هذا الكائن. توصلت إلى نتيجة مفادها أنه مع هذا المنظور الجديد يظهر مشروع الإيمان بالإله بأكمله متزعزعاً أكثر مما كان عليه من قبل.
يمكن تبرير فرضية الإلحاد لعدم توفر المبررات الوجيهة للاعتقاد بوجود إله، ولكن إذا لم يكن لدينا مثل هذه المبررات فإنه لا يوجد هناك سبب كاف للإيمان بوجود إله، والموقف الوحيد المعقول هو أن يكون ملحداً سلبياً أو لا أدري Agnostic (قصدت بالملحد السلبي النمطي وغير الأخلاقي)، ولا بد لي من الإشارة هنا إلى ما لا تتضمنه “الفرضية”. هي ليست فرضية مسبقة الحكم على نتيجة يراد أن تثبت، وإنما هي مبدأ إجرائي لتحديد من سيقع عليه عبء الإثبات، مثل قاعدة “الأصل البراءة” – وهي القاعدة التي يستند إليها القانون العام الإنكليزي[17].
أجد أنه – في أي نظام منهجي سليم – على اللاهوتيين أن يبدأوا كما هو الحال في كل فرضية وجودية بتحديد المفهوم الخاص الذي سوف يستخدم لوصف الإله، وفقط بعد تلبية هاتين المهمتين بشكل مرضي يصبح مقبولاً البدء بتقديم البراهين المقصودة.
حفزت هذه الحجة العديد من الردود. باعتباره لا أدرياً، كتب الفيلسوف الإنجليزي أنتوني كيني Anthony Kenny، قائلاً بأنه قد يكون هناك فرضية لتبرير اللاأدرية (Agnostic)، ولكن هذا التبرير ليس تبريراً للإلحاد السلبي أو الإيجابي. لقد أكد كيني على أن إظهار أنك تعرف يتطلب جهداً أكبر من إظهار أنك لا تعرف (وهذا يشمل حتى الادعاء بأن تصور الإله غير متماسك)، لكنه قال: إن هذا لا يخلص اللاأدرية Agnostic من الورطة، فالمتقدم للاختبار يمكنه تبرير عدم معرفته بالإجابة على أحد الأسئلة، ولكن هذا لا يمنحه القدرة على اجتياز الاختبار[18].
كاي نيلسون Kai Nielsen وهو زميل ملحد زاملته سابقاً، قدم نقداً يزعم فيه أن الموقف الأخلاقي المتميز هو أن تبقى غير ملتزم تماماً حتى تتوفر أسباب كافية لذلك. يذهب نيلسون للقول بأن المعتقدين بالإله والمتشككين لديهم مفهوم مشترك للعقلانية مع المعايير المطلوبة لتقييم مزايا ما يدعونه، وأضاف بأن هناك “علامة استفهام كبيرة” على “فرضة الإلحاد”[19] إذا لم تكن قادرة على إنتاج تصور عالمي ممكن القبول للعقلانية.
أكبر تحدي للحجة جاء من أمريكا، حيث قدم أستاذ المنطق الجهاتي Modal Logic ألفن بلانتينغا Alvin Plantinga فكرة مفادها أن الاعتقاد بالإله اعتقاد أساسي، وأكد على أن الاعتقاد بالإله مشابه للاعتقاد بالحقائق الرئيسية مثل وجود عقول أخرى، أو الاعتقاد الحسي (رؤية شجرة)، أو الاعتقاد بوجود ذاكرة (الإيمان بوجود ماضي)، في جميع هذه الحالات، أنت تثق بقدراتك الإدراكية على الرغم من أنك لا تستطيع إثبات صدق الاعتقاد محل التساؤل. وبالمثل، فإن الناس يعتقدون ببعض القضايا (كوجود العالم مثلاُ) كأصل، في حين تشتق ما يترتب عليها من القضايا الأساسية هذه.
هذه الفرضية تقول: إن المعتقدون بالإله، قد يجادلون بأنهم يأخذون وجود الإله كقضية أساسية.
يعتبر الفيلسوف التوماوي (نسبة إلى الفيلسوف توما الأكويني) رالف ماكلينري Ralph Mclnerny إن من الطبيعي للإنسان أن يعتقد بالإله بسبب النظام، والترتيب، وقوانين الطبيعة التي تحكم الأحداث التي تقع في الطبيعة، ولذلك كثيراً ما يقول: إن فكرة وجود الإله فطرية وهي تبدو كمسلمة ضد الإلحاد. لذا فإنه في حين جادل بلانتينغا بأن الموحدين لا يتحملون عبء الإثبات، ذهب ماكينري أبعد من ذلك بالقول إن الملحدين هم من يتحلم عبء الإثبات.
ينبغي أن أشير هنا إلى أنه على خلاف حججي المضادة للاهوت، فإن فرضية الإلحاد يمكن قبولها من قبل الموحدين عند وجود أسس قوية للاعتقاد بوجود الإله، فإذا افترضنا وجود مبررات مناسبة للاعتقاد بالإله، فالموحدون لا يرتكبون أي خطأ فلسفي في مثل هذا الاعتقاد، لأن فرضية الإلحاد في أحسن الأحوال نقطة انطلاق منهجية، وليست نتيجة وجودية.
تغيير وجهة نظري
Changing My Mind
كفيلسوف محترف، قمت بتغيير وجهة نظري أكثر من مرة في المسائل المختلف عليها، وينبغي أن لا يكون ذلك مستغرباً بالطبع، مع الأخذ بالاعتبار قناعتي بإمكانية التطور في الفلسفة، وقناعتي بمبدأ اتباع الدليل أينما يقودني. عندما كنت أقوم بالتدريس في جامعة كييل في عام 1961، كتبت كتاباً حول كتاب هيوم “تحقيق بشأن الفهم الإنساني”. حتى ذلك الحين، كان يتم التعامل مع تحقيق هيوم (عادة يقال له “التحقيق الأول” لتمييزه عن كتابه اللاحق “تحقيق بشأن مبادئ الأخلاق”) على عكس ما جال في ذهن المؤلف بوصفها مجرد مقتطفات، أما الآن فهذه المقتطفات تعد أعظم أعمال هيوم.
وبخصوص كتابي عن هيوم، كتب جلبرت رايل قائلاً “أقدر عالياً ما جاء في الكتاب، فهو مملوء معرفة وحيوية”. في حين كتب جون باسمور John Passmore قائلاً “إن أي مناقشة لاحقة لعلمانية هيوم يجب أن تبدأ من فلو”. رغم هذه الإرشادات فإنني كنت دائماً أرغب بعمل تعديلات جوهرية في كتابي “فلسفة هيوم في الاعتقاد”. مسألة واحدة على الأقل كانت تحتاج إلى تصحيحات كبيرة. الفصول الثلاثة “فكرة الاتصال الضروري” و”الحرية والضرورة” و”المعجزات والمنهجية” جميعها كان بحاجة إلى إعادة صياغة، على ضوء إدراكي المبني حديثاً بأن هيوم كان مخطئاً تماماً بالقول أننا ليس لدينا خبرة، وبالتالي ليس لدينا أفكاراً أصيلة، وليس في قدرتنا جعل بعض الأشياء تحدث ومنع البعض الآخر من الحدوث، أي الضرورة الفيزيائية والاستحالة الفيزيائية.
ونتيجة لخطأ يهوم هذا، تم تضليل أجيال من أتباع هيوم بتقديم تحليل في غاية الضعف للسببية والقانون الطبيعي، لأنه لم يكن هناك أساس إما لقبول وجود السبب والنتيجة أو قبول وجود قوانين الطبيعة. وفي الوقت نفسه، فإن هيوم ذاته في كتاب “الحرية والضرورة” Of Liberty and Necessity وكتاب “من المعجزات” Of Miracls كان يسعى لإيجاد أفكار عن أسباب تأتي بنتائج أقوى من تلك التي كان هيوم مستعداً لاعتبارها مشروعة.
في كتابه “تحقيقات جديدة” نفى هيوم السببية وادعى أن كل ما يتضمنه العالم الخارجي هو مجرد ترابط دائم – أي: عبارة عن أحداث من هذا النوع يتبعها بانتظام أحداث من ذلك النوع – وعندما نلاحظ هذا الترابط الدائم يتكون لدينا ميل قوي في الربط بين أفكار عن هذا وأفكار عن ذلك، فنحن نرى الماء يغلي عندما يتم تسخينه فنربط بين تسخين الماء وبين غليانه فنعتقد أن هناك علاقة واقعية بين الاثنين، في حين أننا بذلك نسقط ترابطاتنا النفسية الداخلية. بمجرد أن ينتهي هيوم من البحث يتخلص من تشكيكه في السبب والنتيجة ولا أدريته بالنسبة للعالم الخارجي كما يدعي، وفي الحقيقة فإن هيوم يتخلى عن تشكيكه بالسببية وإنكاره للعالم الخارجي حتى قبل أن ينتهي من البحث، فليس هناك على سبيل المثال في فصل “في المعجزات” في كتابه “التحقيق الأول” أثر لأطروحته عن العلاقات السببية، وما كانت يقوله من أن الضرورات ليست سوى اسقاطات كاذبة على الطبيعة.
وفي كتابه “تاريخ إنكلترا”، لم يقدم هيوم أيه إشارة لشكه في السببية أو في العالم الخارجي، وبهذا يذكرنا هيوم ببعض المعاصرين الذين ينكرون لمبررات اجتماعية أو فلسفية إمكانية المعرفة الموضوعية، وهم بتخليهم عن الموضوعية الشاملة يتخلون عن الدقة في البحث العلمي، بل إنهم فوق كل ذلك يعبرون عن قناعتهم الخاصة بعدم وجود معرفة موضوعية!!!
الموضوع الآخر الذي غيرت رأيي فيه هو الإرادة الحرة وحرية الإنسان. هذا الموضوع مهم، لأن السؤال عما إذا كنا أحراراً أم لا، يقع في جوهر أغلب الأديان الرئيسية، وقد أشرت من قبل إلى تعارض وجود الشر في العالم الذي خلقه إله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، وكان رد الموحدين على هذا التناقض المشاهد بالقول بأن الإله وهب الإنسان الإرادة الحرة، وأم كل أو معظم الشرور الصارخة في العالم ترجع بشكل رئيسي أو جزئي إلى سوء استخدام هذه الهدية الخطرة، إلا أن المحصلة النهائية ستكون بالتأكيد أن الخيرات المتحققة من هبة الحرية أعظم بكثير من سلبها.
كنت في الواقع أول من سمى هذه الحجة “دفاع الإرادة الحرة”، وبغض النظر عما يمكن تسمية هذه المناظرة “بين الإرادة الحرة وبين الجبرية”، أو بالتعبير العلماني “بين الإرادة الحرة وبين الحتمية” فإن السؤال عما إذا كنا أحراراً في أفعالنا أم لا له أهمية رئيسية.
ردي على وجهة نظر هيوم كان باتجاهين، أولاً: بعرض الرأي الذي أصبح يعرف بالتوافقية Compatibilism. يزعم غير التوافقيين أنه لا يوجد توافق بين الإرادة الحرة وبين الحتمية، وأما التوافقيون فلم يكتفوا بالقول بأن من الممكن التوفيق بين الإرادة الحرة وبين القول بأن إرادة شخص ما لا تتعارض مع كون مستقبله محتوم حتى قبل أن يقوم بالعمل، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك بالقول بأن الأفعال الإرادية يمكن أن تكون حرة حتى لو كان وقوعها حتمياً من الناحية الفيزيائية، وحتى لو كان وجودها محكوماً بقوانين الطبيعة.
ورغم استمراري بالاعتقاد بأن الناس يقومون باختيارات حرة، فإنني في الأعوام اللاحقة بدأت ألحظ أنه لا يمكن القول بأن هذه الاختيارات الإرادية لها أسبابها المحددة فيزيائياً. بعبارة أخرى، التوافقية لا تصح، فالتوافق لا يصح في هذه الأمور. قانون الطبيعة ليس مجرد عبارة يتم التعبير بها عن حدوث شيء ما، وعندما يحدث فإن حدثاً آخر يتبعه، بل الأحرى القول أن القانون هو ادعاء بأن حدوث شيء ما يحتم بالضرورة حدوث الشيء الآخر، مما يجعل عدم حدوثه أمراً مستحيلاً، وليس هذا هو الحال في الإرادة الحرة، نحن بحاجة أيضاً إلى تمييزات مطابقة بين معاني “الحتمية”.
أسباب الأفعال البشرية تختلف بشكل جوهري عن أسباب الأفعال غير البشرية، فعند توفر جميع أسباب حدوث انفجار ما فإنه يصبح من المستحيل على أية قوة في هذا العالم منع حدوث الانفجار، ولكن إذا أعطيتك أسباباً كافية لإظهار الفرح والابتهاج فإن هذا لا يعني أن إقامة الاحتفال أصبح ضرورياً. ويترتب على هذا أنه ليس كل حركة إنسانية يمكن إرجاعها بشكل كامل إلى أسباب فيزيائية. يمكن التمييز بين معنيين للغظ “السبب” من خلال استخدام مصطلح هيوم في الأسباب المادية والمعنوية، فعندما نتحدث بشكل كامل عن أحداث غير بشرية – الكسوف على سبيل المثال – فإننا نستخدم كلمة السبب بالمعنى الذي يتضمن الضرورة الفيزيائية والاستحالة الفيزيائية (أي: ما حدث كان يجب أن يحدث، وعدم حدوثه مستحيل)، ولكن هذا بالتأكيد ليس الحال عندما نتكلم عن الأسباب أو الدوافع في حالة الأفعال البشرية.
لنستخدم المثال السابق، افترض أنني أخبرتك بأخبار مفرحة، فإذا كان رد فعلك هو الابتهاج فإن من المحتمل جداً أن تصف إخباري لك بهذه الأخبار بأنه سبب لابتهاجك، ولكنني في الواقع لم أكن سبباً في ابتهاجك، فهو لم يكن ضرورياً وكان بالإمكان تجنبه، فقد تقرر أن لا تبتهج لأنك قد تكون حينها في المكتبة، وبعبارة أخرى: قد يكون نقلي لك أخباراً مفرحة دفعك للابتهاج، ولكنني أيضاً لم أمنعك من أن تبكي، ولنستخدم تعبير الفيلسوف الرياضي ليبنز Gottfried Leibniz “أسباب هذه اللحظة ترجح ولا تحتم”.
ربما رفض هيوم مفهوم الحتمية المادية لأنه لم يكن قادراً على التمييز بين النوعين اللذين أشرنا إليهما هنا، ومع ذلك فإن طريقة هيوم في التصنيفات تؤشر إلى الفرق الجوهري بين العلوم الطبيعية من جهة، وبين العلوم الاجتماعية والنفسية من جهة أخرى.
اعتمادً على الفرق الجوهري في الاستخدامين للفظة “السبب”، يصبح من الواضح – على الأقل أننا عندما نتحدث عن السلوك البشري – فإننا نحتاج إلى التمييز المطابق بين معنيين مختلفين جوهرياً للحتمية: الحتمية الناتجة عن الأسباب الفيزيائية، والحتمية الناتجة عن الأسباب المعنوية. من المؤكد أنه إذا كان هناك سلوك ما يتحقق بنظام الأسباب الفيزيائية فإن فاعل السلوك لم يكن حراً في هذا السلوك، ولم يكن بمقدوره أن يمنعه من الحدوث. من المؤكد أن الفشل في تشخيص هذه التمييزات، سوف يضلل الكثير من الناس، وسوف يقودهم للاستنتاج بأن تفسير وقوع حدث ما بأسباب فيزيائية أو معنوية يؤيد مبداً الحتمية الكونية الفيزيائية[20]، وهذا يعني أنه كان من المستحيل على أي فاعل أن يسلك خلاف السلوك الذي صدر عنه.
ما نحتاجه لتجنب مثل هذه الأخطاء (كما فعلت في كتاب “الحياة الاجتماعية” و”الحكم الأخلاقي”) هو التحليل المنطقي لثلاثة ألفاظ: الفاعل، حرية الاختيار، والقدرة على اختيار غير ما اخترناه في الواقع. عندما نستطيع التمييز بين التحركات moving والحركات motions فإن يمكننا أن نفسر تصور الحركة. التحرك moving هو حركة يتم القيام بها اختيارياً، أما الحركة motion فهي حركة لا يمكن تجنب القيام بها، فالقدرة على التحرك هي خاصية للبشر فحسب، أما الكيانات التي لا تمتلك الإدراك والقصد فإن ما تقوم به هو مجرد حركة motion.
الفاعلون هم المخلوقات القادرة على حرية الاختيار في أن تفعل أو لا تفعل، الاختيار بين عدة بدائل للفعل أو عدم الفعل وهي البدائل التي تتغير من وقت لآخر حسب الظروف، والفاعلون – من خلال دورهم كفاعلين – وليس بوسعهم تجنب الاختيار بين بديلين أو أكثر من البدائل المتاحة لهم في وقت الحدث.
التمييز الحاسم بين التحركات المتضمنة في الفعل، والحركات التي تشكل السلوك الضروري، وبين السلوك الذي يستلزم السلوك الحتمي. يترتب على ذلك استحالة القول بالحتمية الفيزيائية الحاكمة على الكون، بما في ذلك حركة جسد الإنسان، فالتحركات بالإضافة إلى الحركات هي محكومة بأسباب فيزيائية حتمية.
عطفاً على تراجعي عن القول بالتوافقية الكاملة، فإن الكثير مما كتبته عن الإرادة الحرة أو الاختيار في سياقه العلماني أو الديني يحتاج إلى تعديل وتصحيح، ولكون هذا الأمر يتعلق بالسؤال الثاني ضمن أسئلة كانت الفلسفية الأساسية: “الإله والحرية والخلود” فإن تغيير قناعتي بشكل جوهري في هذا الشأن يماثل التغيير الجوهري لوجهة نظري في السؤال الأول عن الإله.
[1] فيلسوف إنجليزي، عمل على نشر الفلسفة في المجتمع البريطاني في فترة الحرب العالمية الثانية.
[3] فيلسوف يوناني كلاسيكي، رياضياتي، كتب عدد من الحوارات الفلسفية. ويعتبر مؤسس لأكاديمية أثينا التي هي أول معهد للتعليم العالي في العالم الغربي، معلمه سقراط وتلميذه أرسطو. وضع أفلاطون الأسس الأولى للفلسفة الغربية والعلوم، نبوغ أفلاطون وأسلوبه ككاتب واضح في محاوراته السقراطية (نحو ثلاثين محاورة) التي تتناول مواضيع فلسفية مختلفة: المعرفة، المنطق، اللغة، الرياضيات، الميتافيزيقيا، الأخلاق والسياسية.
[4] فيلسوف يوناني، تلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر، وواحد من عظماء المفكرين، تغطي كتاباته مجالات عدة، منها الفيزياء والميتافيزيقيا والشعر والمسرح والموسيقى والمنطق والبلاغة واللغويات والسياسة والحكومة والأخلاقيات وعلم الأحياء وعلم الحيوان. وهو واحد من أهم مؤسسي الفلسفة الغربية.
[5] Michael Dummett, Truth and Other Enigmas (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1978), 431.
[6] كناية عن عدم تأثير إضافة القيود في حل المشكلة، إذ الميت لا يمكن إماتته.
[7] يريد المؤلف أن يبين أن إضافة قيد (كبيرة وهائلة) للكرة الأرضية يرفع التناقض الظاهري المتوهم بين النظرية العلمية المثبتة لكروية الأرض وإحساسنا بالوجداني بتسطح الأرض.
[8] I. M. Crombie, “The Possibility of Theological Statements” in Faith and Logic, ed Basil Mitchell (London: Allen & Unwin), 50.
[9] Crombie. “The Possibility of Theological Statements,” 72,73.
[10] يقصد هنا: هناك فرق بين القول بأن مشكلة الشر لا تتوافق مع الإيمان بقدرة الله المطلقة وحبه المطلق للبشر من ناحية، والقول بأن مشكلة الشر متعارضة تماماً وضد الاعتقاد بوجود إله. فالأول لا ينكره المؤمنون بالإله ويسعون لرفع عدم التوافق هذا. في حين أنهم ينكرون الثاني تماماً. وبالتالي مقالة فلو القديمة لم تفرق بين هذه الأمرين.
[11] Raeburne Heimbeck, Theology and Meaning (London: Allen & Unwin, 1969), 123, 163.
[12] Eric L. Mascall, The Openness of Being (Philadelphia: Westminster, 1971), 63.
[13] اللاهوت الطبيعي هو فرع من اللاهوت يعتمد على العقل والتجارب العادية. وبالتالي فهي تختلف عن الوحي الديني الذي يقوم على أساس الكتب المقدسة والتجارب الدينية من مختلف الأنواع.
صناعة الملحد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو
صناعة الملحد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو
صناعة الملحد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو
لم أكن ملحداً على الدوام، فقد بدأت حياتي كمؤمن، نشأت في بيت مسيحي، ودرست في مدرسة مسيحية خاصة، وفي الحقيقة أنا ابن لمبشر مسيحي. والدي كان نتاجاً لكلية ميرتون في أكسفورد. وكان هو المسؤول الديني في الكنيسة المنهجية التابعة للكنيسة البروتستانتية، وليس في كنيسة إنجلترا الكاثوليكية.
ورغم أن قلبه ظل تبشيرياً Evangelism على الدوام فإن ذكرياتي الأولى عنه أنه كان يعمل مرشداً في دراسات العهد الجديد في كلية اللاهوت المنهجية في كامبردج، وبعد ذلك أصبح رئيساً للكلية. وبعد ذلك تقاعد وتوفي في كامبردج.
بالإضافة إلى مسؤولياته التبشيرية والتدريسية، اضطلع والدي بمهمة ممثل للمدرسة المنهجية Methodist[1] في عدد من المنظمات الكنسية، كما أنه رأس لفترة واحدة مدتها سنة كل من المؤتمر المنهجي والمجلس الكنسي الفيدرالي الحر.
يصعب عليّ تذكر أو تشخيص أية إشارات في مرحلة صباي تدل على قناعاتي الإلحادية اللاحقة. في شبابي درست في مدرسة كنغزوود في مدينة باث Bath وهي المدرسة التي تعرف اختصاراً K. S، ولحسن الحظ كانت – ولا تزال – مدرسة عمومية. لقد تم إنشاؤها من قبل مؤسس الكنيسة المنهجية جون وسلي John Wesley من أجل تدريس أبناء المبشرين التابعين له.
التحقت بمدرسة كنغزوود بالتزام ديني فاتر. ولم أجد أي مغزى للعبادة، وكنت بعيداً عن الاستمتاع والمشاركة في غناء الترانيم، ولم يحدث أبداً أن قرأت شيئاً في الأدب الديني بنفس الشوق الذي كنت أقرأ به كتب السياسة والتاريخ والعلوم وبقية المواضيع.
كان الذهاب إلى الكنيسة وترديد الصلوات وبقية الطقوس الدينية بالنسبة لي بمثابة مسؤولية ثقيلة. ولم أشعر على الإطلاق برغبة ولو قليلة بالاقتراب من الإله. لا أستطيع أن أجيب لماذا كنت غير مهتم بالطقوس الدينية وبقية الأمور التي شكلت حياة والدي. ببساطة… لا أتذكر أنني كنت أشعر باهتمام أو حماسة لهذه الاحتفالات.
ولم يكن عقلي مأسوراً ولا “قلبي مولعاً” (حسب تعبير ويسلي الشهير) بالدراسة الكنسية أو بالعبادة، ولا أدري إذا ما كانت عدم حماستي للدين في أيام شبابي سبب أم نتيجة؟ ولكن أستطيع القول إن أي قدر من الإيمان كان موجوداً لدي عندما دخلت مدرسة كنغزوود كان قد تلاشى عندما تخرجت منها.
نظرية في المآل A Theory of Devolution
لقد قيل لي: إن مجموعة بارنا Barna Group – وهي منظمة مسيحية لقياس انطباعات الرأي العام – توصلت من خلال استبياناتها إلى نتيجة مفادها أن ما تؤمن به في عمر الثالثة عشرة من عمرك هو ما ستظل تؤمن به حتى موتك. بغض النظر عن صحة هذه النتيجة من عدمها.
فإنني أدرك أن القناعات التي كانت لدي عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري بقيت معي في أغلب سنوات حياتي، فقط لا أتذكر بالتحديد متى وكيف بدأ التغيير، ولكن بالتأكيد – كما هو الحال مع أي إنسان يفكر – فإن عوامل عدة تلعب دوراً في تكوين معتقداته، ليس أقلها ما أسماء إمانويل كانت Immanuel Kant “الرغبة الجامحة للعقل بعد الاستسلام للتبشير”، وهو ما أعتقد أنني أشترك فيه مع والدي.
أنا وهو نشترك في ميلنا الطبيعي لاتباع “طريق الحكمة” كما وصفها الفيلسوف كانت «إنها الحكمة التي لها خاصية اختيار المسألة التي يكون حلها مفيداً للجنس البشري من بين عدد لا حصر له من المسائل التي تعرض أمامنا».
معتقدات والدي المسيحية أقنعته بأنه لا يوجد شيء “أهم للجنس البشري” أكثر من توضيح ونشر وتطبيق الحقائق الموجودة في العهد الجديد. رحلتي الفكرية قادتني لاتخاذ اتجاهات عدة، ولكن كل منها كانت تنطوي على الرغبة العقلية الشديدة، وهو ما أشترك فيه مع والدي.
أتذكر أيضاً أنني استفدت كثيراً من تذكير والدي لي في أكثر من مناسبة بأن علماء الإنجيل عندما يريدون استيعاب مفهوم ما من العهد القديم فإنهم لم يكونوا يبحثون عن الجواب ببساطة من خلال التفكير فيه بمفردهم، وإنما كانوا يجمعون ويفحصون أكبر قدر من النصوص يمكن أن يجدوه.
هذا الأسلوب البحثي شكل من عدة أوجه الأساس لدراستي الفكرية – والذي لا زلت محافظاً عليه – في تجميع وفحص كل المعلومات التي لها علاقة بالموضوع. إنه من الأمور التي تدعو للدهشة أن مالك البيت الذي نشأت فيه غرس فيّ الحماسة للبحث الناقد، وهو ما قادني بعد ذلك إلى رفض إيمان والدي.
وجه الشيطان The Face of Evil
لقد قلت في بعض كتاباتي الإلحادية المتأخرة أنني وصلت إلى نتيجة بشأن عدم وجود إله بصورة متعجلة جداً. وبشكل مبسط جداً، والذي تبين لي فيما بعد أنها كانت أسباباً خاطئة. لقد كررت استخدام هذه النتيجة الخاطئة بشكل متكرر ومنفصل في مناقشاتي وكتاباتي. ولكن بعد سبع سنوات من ذلك، لم أجد أي أساس كاف لتسويغ هذا الموقف الأصولي. أحد الأسباب المبكرة لتحولي إلى الإلحاد كان مشكلة الشرور في العالم.
لقد كان أبي يصطحبني أنا وأمي في رحلة صيفية كل سنة، ولم يكن ممكناً القيام بهذه الرحلات اعتماداً على راتب والدي كمشرف ديني لوحده. لقد أمكن القيام بهذه الرحلات لأن والدي كان يقوم بمساعدة طلبة الثانوية في مراجعة دروسهم في بداية فصل الصيف، وكان يتقاضى أجراً مقابل ذلك، لقد كان السفر بالنسبة لنا ممكناً وبنحو رخيص نظراً إلى أن والدي كان يتكلم الألمانية بطلاقة بعد أن درس اللاهوت لمدة سنتين في جامعة ماربورغ الألمانية قبل الحرب العالمية الأولى.
ولذلك كان بمقدوره أن يأخذنا في أثناء العطلات في رحلة إلى ألمانية، ومرة أو مرتين سافرنا إلى فرنسا دون الحاجة إلى الاستعانة بمكتب سياحي. كما أن والدي كان قد تم تعيينه كممثل للكنيسة المنهجية في عدة مؤتمرات لاهوتية دولية، وقد اصطحبني – وأنا ولده الوحيد – مع والدتي كضيوف غير مشاركين في هذه المؤتمرات.
لقد تأثرت كثيراً برحلات السفر الخارجية في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى، ولا زلت أتذكر بوضوح اللافتات والعلامات المعلقة خارج القرى الصغيرة مكتوباً عليها “لا يسمح بدخول اليهود”. وأتذكر أيضاً أنه كانت تعلق لافتات خارج مدخل المكتبات العامة تقول “لا تسمح لوائح المؤسسات بإعارة الكتب لليهود”
وشاهدت أيضاً عرضاً عسكرياً لعشرة آلاف من أصحاب القمصان البنية في إحدى ليالي بافاريا الصيفية. لقد مكنتني رحلاتي العائلية أيضاً من رؤية مجموعات من جماعة وافن Waffen SS بلباسهم الأسود وقبعاتهم المرسوم عليها صورة جمجمة وعظمين متقاطعين.
هذه التجارب رسمت مخيلتي في مرحلة الشباب وشكلت لي – كما هو الحال مع الكثيرين – تحدياً حول وجود إله محب يمتلك القوة الكاملة، ولا أستطيع أن أقيس درجة تأثير ذلك على تفكيري، هذه الخبرات إذا لم يكن سواها أيقظت داخلي الوعي بثنائية الشياطين وهما معادية السامية Anti-Semitism[2] والشمولية [3]Totalitarianism.
مكان مفعم بالحيوية An Enormously Lively Place
أن تتربى خلال الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين في بيت مثل بيتنا – ينتمي للطائفة المنهجية – يعين أنك تعيش في كامبردج ولكن لا تنتمي لها. بداية، اللاهوت لم يعد مقبولاً على أنه “ملكة العلوم”.
وكما هو الحال في باقي المؤسسات كما لم تكن هناك كلية للتأهيل الديني في أجواء الجامعة، وكنتيجة لذلك لم أكن معروفاً بارتباطي بكامبردج، على الرغم من أن والدي شعر وكأنه في بيته هناك، وعلى كل حال فإنه في عام 1936 وعندما بدأت بالترقي في المدرسة فإنني نادراً ما كنت أقيم في كامبردج خلال فترة الدراسة، ومع ذلك فإن مدرسة كنغزوود كانت في أيامي مكاناً يعج بالحياة.
وكان يرأسها رجل يستحق أن يقيم باعتباره واحداً من أفضل مدراء المدارس. قبل قدومي إليها بسنة، حصلت المدرسة على جوائز في أكسفورد وكامبردج في مؤتمرات المدارس أكثر من أية مدرسة أخرى، ولم يكن نشاطنا المدرسي يقتصر على قاعات الدراسة والمختبرات فقط.
عندما تكون في مثل هذه البيئة المثيرة فإنه ليس مدعاة للدهشة لأحد أنني بدأت في التشكيك بالإيمان الصارم لوالدي، وهو الإيمان الذي لم أشعر بأي ارتباط عاطفي قوي تجاهه. عندما كنت أناقش مع زملائي في الصف بشكل متكرر فكرة الإله ذو القدرة المطلقة والخير المطلق. وعدم توافق هذه الفكرة مع وجود الشرور ونواقص العالم. عندما كنت في مدرسة K.S، لم تكن مراسم يوم الأحد المنتظمة تتضمن أية إشارة إلى مصير الإنسان في الجنة أو النار.
عندما كان ساكيت A. B. Sackett – مديراً للمدرسة، وكان في الوقت ذاته أسقفاً، وهو أم غير معتاد في وقته – كانت كلمة دائماً ما تتعلق بعجائب وروعة الطبيعة. وعندما حل عيد ميلادي الخامس عشر كنت قد بدأت برفض فكرة أن الكون قد خلقه إله كامل القدرة والرحمة.
قد يسأل أحدهم عما إذا كنت قد فكرت باستشارة المرشد الديني حول شكوكي المتعلقة بوجود الإله، ولكنني في الحقيقة لم أفعل ذلك قط، ومن أجل الحفاظ على استقرار العائلة وبشكل خاص علاقتي مع والدي حاولت قدر المستطاع أن أخفي عن الجميع في البيت تحولي نحو اللادين، وحسب ما أعتقد فإنني نجحت في ذلك لسنوات عديدة. ولكن بحلول يناير من عام 1946، وحينما كنت في الثالثة والعشرين من عمري انتشر الخبر – ووصل إلى والدي – بأنني ملحد وأنني كذلك لا أؤمن بالحياة بعد الموت، وأنه لم يكن من المرجح أبداً عودتي عن قناعاتي.
لقد كان تحولي كاملاً وصارماً بحيث أن النقاش في البيت حول هذا الموضوع كان سيبدو نقاشاً عقيماً، ومع ذلك – فاليوم وبعد خمسين سنة من ذلك الوقت – فإنه يمكنني القول بأن والدي كان سيشعر بالسعادة الغامرة بقناعاتي الحالية المتعلقة بوجود الإله. فعلى الأقل سوف يعتبر أن ذلك يمثل مساعدة عظيمة للكنيسة المسيحية.
أكسفورد مختلفة A Different Oxford
من مدرسة كنغزوود انتقلت للدراسة في جامعة أكسفورد. وصلت إلى أكسفورد في يناير من عام 1942، وكانت الحرب العالمية الثانية وقتها مشتعلة. في أيامي الأولى كطالب، وكنت حينها في الثامنة عشرة من عمري، قمت بإجراء الفحص الطبي وتم بعد ذلك إلحاقي بشكل رسمي في سلاح الجو الملكي.
في أيام الحرب تلك، كان مطلوباً من كل الشباب اللائقين بدنياً أن يقوموا بالخدمة يوماً واحداً في الأسبوع في أحد مراكز الخدمة، وبالنسبة لي كان مركز الخدمة هو سرب الطائرات التابع لجامعة أكسفورد.
كانت الخدمة العسكرية لمدة سنة واحدة بنظام العمل الجزئي، وبعد ذلك تكون بنظام العمل الكلي، ولكن خدمتي العسكرية لم تكن ذات طابع قتالي. كان الخدمة تتضمن تعلم بعض من اللغة اليابانية في قسم الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن. ومن ثم القيام بترجمة الإشارات اللاسلكية التي يتم رصدها وفك شفرتها، وكان ذلك يتم في منطقة بلتشي بارك.
بعد استسلام الجيش الياباني عملت في ترجمة الإشارات اللاسلكية التي كانت تصدر من قبل الجيش الفرنسي الذي كان قد أنشأ حديثاً للسيطرة على المنطقة المحتلة وهي ما عرفت بألمانيا الشرقية بعد ذلك.
عندما عدت إلى نظام الدراسة الكامل في جامعة أكسفورد في يناير من عام 1946، كان عليّ أن أتقدم للاختبار النهائي في صيف عام 1947، وجدت أن أكسفورد التي عدت إليها أصبحت أكسفورد مختلفة. يبدو أنها أصبحت مؤسسة أكثر إثارة مما كانت عليه عندما تركتها قبل ثلاث سنوات تقريباً. كان هناك العديد من الوظائف المدنية، وكانت هناك وظائف عسكرية كذلك، ولكنها وظائف أكثر أماناً مما كانت عليه في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى.
حضرت بعض المحاضرات في كلية الآداب الإنسانية، وقد كانت يلقى بعض المحاضرات محاربون قدامى من الذين كانوا فاعلين في مساعدة المقاومة اليونانية في جزيرة كريت وعلى الأراضي اليونانية، وكان الهدف من ذلك جعل المحاضرات أكثر تشويقاً وتحفيزاً لطلبة البكالوريوس.
تقدمت للاختبار النهائي في الفصل الصيفي من عام 1947، وقد كان مدهشاً ومفرحاً في ذات الوقت أنني حصلت على المرتبة الأولى، وبعد أن حصلت على هذه المرتبة عدت إلى معلمي الخص جون مابوت John Mabbott في كلية القديس جونز وقلت له: إنني تخليت عن هدفي السابق في العمل على الحصول على شهادة بكالوريوس ثانية في المدرسة التي شيدت حديثاً في الفلسفة وعلم النفس، فأنا الآن أريد أن أكمل دراستي العليا في الفلسفة.
الأصبوحات الفلسفية Waxing Philosophic
قام مابوت بمساعدتي في الالتحاق بالدراسات العليا في الفلسفة تحت إشراف غلبرت رايل[4] Gilbert Ryle، والذي كان وقتها أستاذ مادة الميتافيزيقا في جامعة أكسفورد. كان رايل أحد أساتذة كرسي الفلسفة الثلاثة خلال الفصل الثاني من العام الدراسي 1947-1948.
بعد ذلك بسنوات عملت عن طريق كتاب مابوت “ذكريات أكسفورد” Oxford Memories أنه ورايل كانا صديقين منذ أن التقيا لأول مرة في أكسفورد. لو كنت في كلية أخرى وسئلت من قبل أستاذي الخاص عن الأفضل من بين الأساتذة الثلاثة لفضلت بالتأكيد هنري برايس Henry Price، وذلك بسبب اهتماماتنا المشتركة في علم ما وراء النفس، وهو التخصص الذي كان يسمى بالبحث النفسي في ذلك الوقت.
ولذلك فإن كتابي الأول كان بعنوان “مقاربة جديدة إلى البحث النفسي” A New Approach to Psychical Research، وقد أصبحنا أنا وبرايس بعد ذلك متحدثين في المؤتمرات التي تعنى بالبحث النفسي، ولكن أنا متأكد أنني لم أكن لأحصل على جائزة الجامعة في الفلسفة في تلك السنة لو كنت تحت إشراف برايس، لأننا كنا سنقضي الوقت في النقاش حول مواضيع الاهتمام المشترك بيننا.
بعد أن قضيت العام الدراسي 1948 في الدراسات العليا في الفلسفة تحت إشراف رايل حصلت على جائزة التمييز، وكانت عبارة عن منحة جون لوك للدراسة في تخصص الفلسفة الذهنية، وبعد ذلك تم تعييني بوظيفة محاضر في المجال التدريسي.
خلال السنة التي قمت فيها بالتدريس في أكسفورد قمت بتدريس كتابات الفيلسوف لودفيج فتجنشتين[5] Ludwing Wittgenstein وهو صاحب الاتجاه الفلسفي الذي أثر فيّ عند الدراسة في أكسفورد. نشرت هذه الكتابات بعد ذلك بعنوان “الكتاب الأزرق والكتاب البني” Blue Book, Brown Book و”محاضرات في الرياضيات” Lectures on Mathematics، وقد كانت مرفقة برسائل من فنجنشتين تشير إلى نوعية القراء الموجهة لهم، وكذلك نوعية القراء الذي لا ينبغي لهم أن يقرأوها.
وقمت أنا وأحد زملائي بنشر نسخ من محاضرات فتجنشتين في أكسفورد، وجعلناها في متناول جميع من يرغبون بقراءتها. كنا نسأل كل شخص نعرف اهتمامه بالفلسفة في أكسفورد عما إذا كانت لديه مخطوطات لمحاضرات فتجنشتين، وإذا كان الجواب “نعم” كنا نسأله عن المحاضرة المتوفرة لديه، ولأن مكائن التصوير لم تكن قد ظهرت في ذلك الوقت قمنا بتوظيف طباع للقيام بمهمة طباعة عدد نسخ كافية لتلبية حاجة من يطلبها.
تعرف رايل على فتجنشتين عندما زار الفيلسوف النمساوي جامعة كامبردج، وبعدها كون رايل علاقة صداقة من فتجنشتين، وأقنعه بأن يقوما برحلة على الأقدام إلى منطقة بحيرة Lake District الإنجليزية في عام 1930 أو 1931. لم ينشر رايل أي وصف لهذه الرحلة وما الذي تعرف عليه أثناء صحبته لفتجنشتين، لكن بعد هذه الرحلة أصبح رايل يتصرف كوسيط بين فتجنشتين و”العالم الخارجي”.
وكم كانت هذه الوساطة ضرورية في بعض الأحيان، وهذا ما يكشف عنه التسجيل الذي يوثق لمحادثة بين فتجنشتين – الذي كان يهودياً – وأخواته بعد أن احتل جنود هتلر النمسا.
في هذه المحادثة، يطمئن فتجنشتين أخواته بالقول «أنه وبسبب علاقاته مع الشخصيات الرئيسية والعوائل الكبيرة في النظام السابق وعلاقته بالناس فإنهم جميعاً لن يتعرضوا لأي أذى»، ولاحقاً عندما أصبحت أستاذاً للفلسفة كنت أكره أن أكشف لطلبتي أن فتجنشتين – والذي كنت أعتبره والكثير من زملائي فيلسوفاً عبقرياً – كان شديد الغرور في الأمور العلمية.
لقد كنت شاهداً شخصياً على سلوك فتجنشتين مرة واحدة على الأقل، وحدث ذلك عندما كنت في مرحلة البكالوريوس، وكان فتجنشتين يقوم بزيارة إلى جمعية جويت Jowett Society. كان موضوع المحاضرة المعلن هو “أنا أفكر إذاً أنا موجود”، والعنوان مأخوذ بالتأكيد من عبارة الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الشهيرة.
كانت القاعة مكتظة بالحضور، والجمهور يصغي لكل كلمة يقولها الضيف العظيم، ولكن الشيء الوحيد الذي أتذكره الآن أن المحاضرة لم تكن لها علاقة واضحة بالعنوان المعلن للمحاضرة، ولذلك عندما انتهى فتجنشتين من محاضرته نهض البروفيسور ريتشارد H. A. Richard من مكانه، وكان بادياً عليه السخط، وسأل فتجنشتين «يا فتجنشتين (ودكتوراه كامبردج لم يكن معترفاً بها في أكسفورد كما يبدو) مع ذلك أنا أفكر إذاً أنا موجود».
وضع فتجنشتين أصبع سبابته على جبهته، واكتفى بالقول: إن عبارة “أنا أفكر إذاً أنا موجود” جملة غريبة جداً. كنت ولا أزال أعتقد أن الرد الأنسب على فتجنشتين كان ينبغي أن يستوحى من أحد مشاهد المسلسل الكرتوني “الرجال والنساء والكلاب”، والذي يقول فيه أحدهم «ربما ليس لديك جاذبية يا ليلي، وإنما الذي تقوله مجرد ألغاز».
التصادم مع لويس Locking Horns with Lewis
خلال الفترة التي كنت فيها طالباً في الدراسات العليا تحت إشراف غلبرت رايل أصبحت أدرك أن من عادته أن يرد بشكل مباشر وجهاً لوجه على أي اعتراض يوجه لأي من أفكاره الفلسفية.
ورغم أن رايل لم يحدثني بذلك ولا أي شخص آخر حسب علمي، فإن حدسي يقول إن رايل يتبع المقولة التي أوردها أفلاطون في كتابه “الجمهورية” – وهي المقولة التي تنسب إلى سقراط – وفيها يقول «يجب أن نتبع الحجة أينما قادتنا»، وهذا المبدأ – ضمن أمور أخرى – يتطلب أن يتم نقاش أي اعتراض بصورة مباشرة وجهاً لوجه، وقد حاولت أن أطبق هذا المبدأ طوال حياتي الجدلية.
هذا المبدأ السقراطي شكل عنصر تحفيز للنادي السقراطي، وهو عبارة عن مجموعة كانت فاعلة في المشهد الفكري في أكسفورد أيام الحرب. لقد كان النادي السقراطي مسرحاً لمناظرات بين الملحدين والمسيحيين، وقد كنت أشارك بانتظام في هذه الجلسات، وكان رئيس النادي في الفترة من 1942 إلى 1954 الكاتب المسيحي لويس C. S. Lewis كان النادي يعقد اجتماعه في مساء كل يوم اثنين في قاعة السرداب في كلية القديس هيلدا.
أشار لويس في مقدمة العدد الأول من “مجلة سقراط” إلى عبارة سقراط «يجب أن نتبع الحجة أينما قادتنا»، وقد لاحظ لويس في هذه المقدمة أن هذه الحلبة المخصصة (النادي السقراطي) للصراع بين الإلحاد والمسيحية كانت أمراً بديعاً.
تصادم العديد من كبار الملحدين في أكسفورد مع لويس وأتباعه المسيحيين، ولعل أفضل مناظرة حدثت بين الطرفين كانت في فبراير من 1948 وكانت بين لويس Lewis واليزابيث أنسكومب Elizabeth Anscombe، وهي المناظرة التي جعلت لويس يعيد كتابة الفصل الثالث من كتابه “المعاجز” Miracles. لا زلت أتذكر عودتي مع مجموعة من الأصدقاء بعد انتهاء المناظرة العظيمة، حيث كنا نسير خلف اليزابيث وأصدقاءها، وكانت مبتهجة وكذلك كان حال أصدقائها. فور الانتهاء من المناظرة، خرج لويس وحيداً وكان يمشي بأقصى ما يمكنه ليلجأ إلى غرفته في كلية ماغدن Magdden College التي كانت تقع بالقرب من المكان الذي كنا نقطع فيه الشارع.
رغم أن البعض اعتبر أن نتيجة المناظرة أثرت بشكل دائم على معنويات لويس، ولكن أنسكومب Anscombe ذاتها كانت تختلف معهم في ذلك، لقد كتبت لاحقاً: «لقد كان اجتماع النادي السقراطي الذي قرأت فيه ورقتي البحثية بالنسبة لمجموعة من أصدقاء لويس فظيعاً وصادماً وهو ما أدى إلى إحباطه بشكل كبير، ولكن لا الدكتور هارفرد Havard ولا البروفيسور جاك بينت Jack Bennett يتذكر أن مثل هذا الشعور كان بادياً على لويس…
أنا أميل إلى التحليل المناقض لهذا الاعتقاد من قبل أصدقائه…. باعتباره مثالاً جيداً على ظاهرة تسمى “الإسقاط”[6] …. لقد كان لويس أكثر المدافعين عن الدين المسيحي تأثيراً في الحقبة الأخيرة من القرن العشرين… لقد سألتني هيئة الإذاعة البريطانية BBC عما إذا كنت قد دحضت دفاع لويس عن الدين بشكل كامل… أجبت لا، أنا فقط لم أكن أعتقد أن هناك أسباباً كافية للاعتقاد بذلك، ولكن عندما عدت للتفكير في الأمور اللاهوتية بدا لي أن الوحي المسيحي قوي جداً إذا كنت تعتقد بالوحي من الأساس[7].
تطورات إيجابية جداً Highly Positive Development
خلال الفصل الأخير لي في جامعة أكسفورد، نشر آير[8] A. J. Ayer كتابه “اللغة، الصدق والمنطق” Language , Truth and Logic، وهو ما أقنع عدداً من أعضاء النادي السقراطي أنه لا بد من تفنيد هرطقة آير في الوضعية المنطقية، والتي تقول أن كل الفرضيات الدينية لا أهمية معرفية لها، وأنها يجب أن تدحض.
بدا لي أن الورقة الأولى والوحيدة التي قدمها للنادي السقراطي وكانت بعنوان “اللاهوت والتكذيب” Theology and Falsification قدمت ما اعتبره تفنيداً كافياً، واعتقدت حينها أنني حققت نصراً كاملاً، وأنه لا حاجة لأية مناظرة في المستقبل بهذا الخصوص.
التقيت في أكسفورد بأنس دونسون Annis Donnison، والتي أصبحت فيما بعد زوجتي. لقد تعرفنا على بعضنا البعض عن طريق أخت زوجتي التي دعتنا إلى اجتماع النادي العمالي في أكسفورد، وبعد أن تعرفت على أنس Annis لم أعد أعير اهتماماً لأي شخص في هذا الاجتماع سواها، وبعد هذا اللقاء اتفقنا أنا وأنس على أن نلتقي مرة أخرى، وكان ذلك اللقاء الوحيد الذي واعدت فيه فتاة على الإطلاق.
كان وضعنا الاجتماعي مختلفاً عندما التقينا لأول مرة، حيث كنت أقوم حينها بالتدريس في كنيسة مسيحية مخصصة للرجال فقط، بينما كانت أنس Annis في سنتها الأولى كطالبة في كلية سومرفيل Somerville College في أكسفورد، وهي الكلية التي كانت تقوم في ذلك الوقت بفصل كل طالب يقدم على الزواج.
لقد كانت والدة زوجتي قلقة من قيام طالب دراسات عليا مثل بمواعدة ابنتها التي كانت تصغرني كثيراً، ولذلك سألت ابنها – وهو الذي أصبح بعد ذلك أخو زوجتي – والذي أكد لها أن إبعادي عن أنس سوف يكس قلبها. كنت أفترض على الدوام أن أخا زوجتي يريد لأخته الصغيرة أن تترك وشأنها لتدبر أمور حياتها؛ لأنه كان يعرف أنها فتاة عاقلة وأنها محل ثقة وأنها لن تتخذ أي قرار طائش.
في ذلك الوقت كنت قد ابتعدت منذ فترة طويلة عن إيمان والدي، ومع ذلك فإنني طبقت ما كنت تعلمته من آبائي المنهجيين، فلم أحاول قط أن أخدع أنس قبل الزواج لأني كنت أعتقد دائماً أن ذلك عمل غير أخلاقي.
وكوني أيضاً ابناً لأكاديمي لم أحاول إقناع أنس بالزواج مني قبل أن تتخرج وتحصل على الدرجة العلمية. استمريت في العمل كمدرس غير متفرغ في الكنيسة المسيحية في عام 1950. وفي نفس الوقت كنت قد بدأت في العمل كمحاضر في فلسفة الأخلاق بجامعة أبردين الإسكتلندية في أكتوبر من نفس العام.
ما بعد أكسفورد Beyond Oxford
خلال سنوات إقامتي في أبردين شاركت بعد حوارات إذاعية، كما شاركت في ثلاثة أو أربعة نقاشات إذاعية كانت تنظم من قبل البرنامج الثالث في إذاعة BBC، وقد شاركت كموضوع لتجارب نفسية متعددة.
من الأمور التي جذبتنا إلى أبردين هو أننا أصبحنا أصدقاء لكل الذين قابلناهم تقريباً، وما جذبنا أيضاً لأبردين تنوع وقوة الحركة التعليمية فيها، ولكون أبردين مدينة جديدة بالنسبة لنا توفرت فرص عديدة للتنزه، ومنها السير على الشواطئ وبالخصوص في منطقة كيرنجورمس Cairrgrones.
في صيف عام 1954، غادرت أبردين في طريقي إلى أمريكا الشمالية لأصبح بروفيسور الفلسفة بكلية ستانفورد Stanford College الشمالية والتي حصلت فيما بعد على رخصة لتصبح جامعة كييل University of Keele، وخلال السبعة عشرة عاماً التي قضيتها هناك، كانت جامعة كييل أقرب ما تكون المملكة المتحدة إلى كليات الآداب في الولايات المتحدة. سرعان ما كرست جهدي للعمل هناك، ولم أغادر جامعة كييل إلا عندما بدأت تفقد ببطء تميزها.
قضيت العام الأكاديمي 1970-1971 كأستاذ زائر في الولايات المتحدة، ولكنني استقلت في نهاية عام 1971 من جامعة كييل وانتقلت في يناير من عام 1972 إلى جامعة كالغاري بكندا.
كان هدفي الأول أن أستقر هناك ولكن بعد ثلاثة فصول فقط انتقلت إلى جامعة ردينغ University of Reading، وبقيت فيها حتى نهاية عام 1982، وقبل أن أتقدم بطلب التقاعد المبكر وأحصل عليه من جامعة ردينغ وقعت على عقد للتدريس فصلاً واحداً كل سنة في جامعة يورك في مدينة تورنتو الكندية، واستمر ذلك لآخر ستة أعوام من حياتي الأكاديمية.
في منتصف هذه المدة استقلت من جامعة يورك لكي يتسنى لي قبول دعوة مركز الفلسفة الاجتماعية والسياسية في جامعة ياولنغ غرين بولاية أوهايو الأمريكية، وذلك للعمل كباحث متميز، وقد تم تمديد الدعوة لثلاث سنوات أخرى، وبعد ذلك تقاعدت بشكل كامل، وما زلت أقيم في ريدينغ.
الخطوط العريضة لمسيرتي العلمية لا تظهر لماذا أصبحت فيلسوفاً، وعطفاً على اهتمامي الفلسفي منذ كنت في مدرسة كنغزوود كان يفترض أن أصبح فيلسوفاً محترفاً قبل وقت طويل من ذهابي إلى أكسفورد، بل حتى خلال الفصلين الذين قضيتهما في أكسفورد قبل أن ألتحق بسلاك الطيران الملكي فإن أقرب مدى وصلت إليه من الفلسفة كان خلال اجتماع النادي السقراطي. خارج نطاق أبحاثي ودراساتي، كانت اهتماماتي الرئيسية سياسية.
وهذا الأمر استمر إلى ما بعد يناير 1946، حيث صارت المواضيع التي أدرسها تشمل الفلسفة، وأول مرة شعرت فيها أن مجال عملي يمكن أن يكون في الفلسفة كان قبل أن أتقدم للاختبار النهائي في ديسمبر من عام 1947.
في الفصلين القادمين من هذا الكتاب، أحاول أن أفصل في الأساس الذي استندت عليه لسنوات طويلة في معارضة فكرة وجود إله، وسأبدأ أولاً بالغوص في نصف قرن من الحجج الإلحادية التي كونتها وطورتها ثم بعد ذلك استخدمها، أما في الفصل الثالث فسوف أتتبع التحولات العديدة التي حدثت في مسيرتي الفلسفية، وبالتحديد تلك التي يمكن تبينها من خلال المناظرات المتكررة التي شاركت فيها في موضوع الإلحاد.
خلال كل ذلك آمل أن يتضح، كما ذكرت في السابق، أن اهتمامي الطويل بالدين لم يأت سوى من باب الحيطة والأخلاق أو ببساطة من باب الفضول. أقول “من باب الحيطة” لأنه إذا كان هناك إله أو آلهة لهم علاقة بأحوال البشر فإن من الطيش أن لا نحاول أن نقف في الجانب الذي يقف فيه هؤلاء الآلهة، وأقول: إن اهتمامي “من باب الأخلاق”، لأنني شعرت بالسعادة أن أجد ما قاله ماثيو أرنولد Matthew Arnold[9] «إن الخلود ليس لأنفسنا بل لما نفعله من أجل الخير» صحيحاً
وأقول: إن اهتماماتي كانت فضولية، لأن أي شخص صاحب عقلية علمية يجب أن يبحث قدر استطاعته لكي يتعرف على هذه المواضيع. ولعلي بعد كل هذه السنوات أكثر شخص مندهش من تحولي من نفي وجود الإله إلى إثبات اكتشافه.
[1] إحدى الكنائس البروتستانتية التي تستمد توجيهاتها من جون ويسلي.
[2] معادات السامية أو معادات اليهود هو مصطلح يعطى لمعاداة اليهودية كمجموعة عرقية ودينية وأثنية. تم استعمال المصطلح لأول مرة من قبل الباحث الألماني فيلهم مار لوصف موجة العداء لليهود في أوربا الوسطى في أواسط القرن التاسع عشر.
[3] الشمولية هي طريقة حكم ونظام سياسي يمسك فيه حزب واحد بكامل السلطة. ولا يسمح بأية معارضة فارضاً جمع المواطنين وتكتيلهم في كتلة واحدة. وبعبارة أخرى فإن الشمولية أو نظام المجتمع المغلق هو مصطلح يشير إلى نظام سياسي تكون فيه الدولة تحت سلطة فرد أو فئة أو فصيل واحد ودون أن تعرف الدولة حدوداً لسلطانها وأن تسعى بكل جد لتنظيم كل مظاهر الحياة العامة والخاصة ما أمكنها ذلك.
[4] فيلسوف بريطاني نال شهرته عن كتابه مفهوم العقل (1949)، وفيه قال أن الكثير من المعضلات الفلسفية نشأت من الخلط في تفسير المصطلحات اللغوية.
[5] واحد من أكبر فلاسفة القرن العشرين، ولد في فينا النمسا ودرس بجامعة كمبردج بإنجلترا وعمل بالتدريس هناك. وقد حظين بالتقدير بفضل كتابيه “رسالة منطقية فلسفية، وتحقيقات فلسفية”. عمل في المقام الأول في أسس المنطق. والفلسفة والرياضيات، وفلسفة الذهن، وفلسفة اللغة، اعتقد أن معظم المشاكل الفلسفية تقع بسبب اعتقاد الفلاسفة أن معظم الكلمات أسماء. كان لأفكاره أثرها الكبير في كل من “الوضعية المنطقية وفلسفة التحليل”. أحدثت كتاباته ثورة في فلسفة ما بعد الحربين.
[6] الإسقاط هي حيلة دفاعية ينسب فيها الفرد عيوبه ورغباته المحرمة والعدوانية أو الجنسية للناس حتى يبرء نفسه ويبعد الشبهات عنها.
[7] G.E. M. Anscombe, The Collected Papers of G. E. M. Anscombe, Vol. 2, Metaphysices and the Philosophy of Mind (Minneapolis: University of Min (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1981), x.
[8] الفرد جول آير (Alfred Jules Ayer): فيلسوف بريطاني ولد في 29 أكتوبر 1910 وتوفي يونيو 1989، أبرز علام الوضعية المنطقية. تمحورت أفكاره حول نقد الميتافيزيقيا بمختلف فروعها كاللاهوت والجمال والأخلاق. حيث رأى أن الميتافيزيقيا لا يمكن التأكد من حقيقتها من خلال التجربة. كما أنكر بديهية الأحكام المتعلقة بالماضي، وذهب إلى أنها ليست كبداهة الحاضر، لأننا لا نتمكن من الرجوع إلى الوراء للتيقن من صحة ما وقع في الماضي، والنتيجة أننا لا يمكننا أن نثبت ذلك بطريقة علمية.
[9] ماثيو أرنولد (1822-1888) شاعر وناقد وكاتب ومصلح تربوي إنجليزي.
صناعة الملحد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو