العطايا للرب – العظة الثالثة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

العطايا للرب – العظة الثالثة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

العطايا للرب – العظة الثالثة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

العطايا للرب وأعياد الرب

 

الديباجة:

أفضال الله التي تخلصنا من المظاهر

1ـ الفضل للرب الذي خلصنا من المظاهر، لو كانت قد استمرت قاعدة (التقيد بـ) تقديم الذبائح والأنظمة الشرعية التي كانت معطاة للشعب الإسرائيلي حتى الآن، لكانت بالتأكيد قد عاقت الإيمان بالإنجيل الذي عن طريقه يهتدي غير المؤمنين إلى الله منذ مجئ ربنا يسوع المسيح.

في الواقع كانت توجد في هذه القاعدة (ضمن هذه القيود)، ديانة مليئة بالرفعة والمهابة التي كانت تذهل الحاضرين.

مَنْ إذًا عند رؤيته المعبد، متأملاً المذبح ليرى أين يمكث الكهنة الذين يقدمون الذبائح وتتبرر بهذه الخدمات كل جماعة الشعب، لا يفكر أن هذا هو الشكل المثالي للعبادة الذي يجب على الجنس البشري تقديمه لخالق كل شئ؟

ولكن نُرجع الفضل إلى مجئ المسيح الرب الذي اقتلع نفوسنا من هذا المنظر وقادها لتفُهم الموضوعات السماوية، وتأمل الحقائق الروحية لإبطال ما كان قد بدا عظيمًا على الأرض، والعبور بعبادة الرب من المرئي إلى غير المرئي، ومن الدنيوي إلى الأبدي.

ولكن في الحقيقة، إن الرب يسوع المسيح يريد أذانًا قادرة على السمع وأعين قادرة على رؤية الحقائق غير المنظورة والأبدية. نحن أيضًا الذين لدينا ناموس موسى ونريد أن نثبت أن “ الناموس روحي” (رو7: 14)، نطلب منكم أعينًا وأذانًا لا تنظر إلى الأمور القديمة الزائلة، ولكن تصبح قادرة على “بحث” الموضوعات الروحانية “حيث المسيح جالس عن يمين الله. اهتموا بما فوق لا بما على الأرض” (كو3: 1-2). ليكن هذا المدخل كافٍ بالنسبة لنا.

 

تقدماتنا للرب تأتي من الرب

2ـ لنأتِ الآن إلى النص ” وكلم الرب موسى قائلاً أوصى بني إسرائيل وقل لهم قرباني طعامي مع وقائدي رائحة سروري تحرصون أن تقربوه لي في وقته. وقل لهم هذا هو الوقود الذي تقربون للرب ” (عد28: 1-3).

لا أحد يعطي من ملكه إلى الرب. الشئ المقدم ينتمي إلى الرب والذي نقدمه له هو على الأقل منفعة خاصة أكثر منها منفعة نردها للرب. وأيضًا أراد الرب أن يعلن شرائع عن الذبائح والتقدمات التي يجب على الناس تقديمها. لقد بدأ بإخبارهم بطبيعة هذه الذبائح “قرباني طعامي مع وقائدي رائحة سروري تحرصون أن تقربوه لي في وقته”. العطايا التي آمركم بتقديمها عند أعيادي هي “عطاياي”، إنه أنا الذي أعطيتكم إياها. كل ما يملكه الناس قد أخذوه مني. لا يجب أن نتخيل أنه عند تقديمنا للتقدمات نزود الله بفائدة أيًا كانت. ويجب أيضًا أن لا نقترف هذا الشر في العمل نفسه الذي به نعتقد إننا نعبد الله. يا له فعلاً من تجديف!

الإنسان يعتقد أن الرب يحتاج إلى ما يقدمه! الرب قال لنا: أعلم الإنسان إنه كل ما يقدمه له فهو يرده له أكثر بكثير مما يقدمه. ولكن لنرَ معني هذه الكلمات “تحرصون أن تقربوه لي في وقته”.

 

أعياد الرب:

هل يوجد أعياد للرب؟ نعم. لا يوجد عيد أعظم من خلاص الجنس البشري. ففي رأيي، بكل أمانة، أن كل إنسان يهتدي إلى الرب أو يتقدم (ينمو) في الإيمان يتيح الفرصة لوجود عيد للرب. يالها من سعادة عظيمة، قل لي متى يصبح الفاسق طاهرًا، متى يحترم الظالم العدل، متى يصبح المُلحد تقيًا. كل هذه الإهتداءات الشخصية تتيح الفرصة لأعياد الرب.

بدون شك إن ربنا يسوع المسيح الذي سكب دمه من أجل خلاصنا، يحتفل بأعظم الأعياد عند رؤيته إنه ليس عبثًا قد ” أخلى نفسه أخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت. موت الصليب” (في2: 7- 8). أيضًا الروح القدس يحتفل بالأعياد عند رؤيته مع المؤمنين زيادة المعابد المعدة لهم.

والملائكة… ماذا يقال عن الملائكة الذي يتجدد عيدهم المفرح عند كل توبة؟ أليس كذلك بالنسبة لهم عيد كبير عندما يفرحون: “هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارًا لا يحتاجون إلى التوبة ” (لو15: 7). إذًا فالملائكة تحتفل بالعيد عندما يفرحون بالذين افلتوا من مشاركة الشياطين،وبممارسة الفضائل أسرعوا بالدخول في مشاركة الملائكة.

 

فرح وحزن في السماء

قد يكون ما أورده متناقضًا بعض الشئ. مما يبدو أننا نعطي للرب والملائكة أسباب للأعياد والفرح ونحن الذين على الأرض، نعطي سببًا للفرح والإستبشار للذين في السماء ” فإن سيرتنا نحن هي في السموات ” (في 3: 20)، وهذه هي فعلاً الطريقة التي نعطي بها فرصة لأعياد الملائكة. ولكن إذا أعطت تصرفاتنا الجيدة وتقدمنا في الفضائل فرصة لأعياد الرب والملائكة، فإن سلوكنا السيئ، يعطي مجالاً للأنين والحزن، ليس فقط على الأرض ولكن أيضًا في السماء. من الممكن أيضًا أن تؤلم خطايا الناس الرب نفسه.

أليس مكتوبًا ” فحزن الرب إنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه” (تك6:6). ونرى ذلك الحزن عند ربنا يسوع المسيح المخلص في الإنجيل قائلاً: ” يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا ” (مت23: 37).

ولا نتخيل إنه لا يعني هنا إلا القدماء وهم “ها أنا أرسل لكم أنبياء وحكماء وكتبه فمنهم تقتلون وتصلبون ومنهم تجلدون”. إذا حدث اليوم أني استهنتُ بإنذارات نبي من أنبياء المسيح بدلاً من سماعه، أنا أيضًا “أصلبه” بدلاً من أن يكون فيَّ، في رفضي للكلام كأنه قد مات عند علمه بهذا الكلام.

الرب تألم من الجنس البشري عندما جعل النبي يقول ” ويل لي لأني صرت كجني الصيف كخصاصة القطاف لا عنقود للأكل ولا باكورة تينه اشتهتها نفسي، قد باد التقي من الأرض وليس مستقيم بين الناس جميعهم يكمنون للدماء، يصطادون بعضهم بعضًا بشبكه”    (مي7: 2).

هذا هو أنين المسيح الذي يبكي على الجنس البشري، لقد أتي هو ذاته لكي يلتقط الحصاد ولم يجد غير القش بدلاً من الحصاد، ولقد أتي ليقطف العنب ولم يجد لكل جني إلا بعض العنب الذين هم الرسل، ” الحق الحق أقول لكم أن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها ولكن أن ماتت تأتي بثمر كثير” (يو12: 24)،  ” لولا أن رب الجنود أبقى لنا بقية صغيرة لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة ” (أش1: 9).

لقد قلنا إن عند ملائكة الرب أيضًا ” يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب “، أي عندما يسّرون بسعادتنا ولكننا نُحزن من يحبوننا، إذًا هم يبتهجون بالتوبة ويبكون الخطايا المقترفة. إذًا ” أخطأت أورشليم خطيئة ” (مز11: 8)، مثل ما هو مكتوب في المراثي “لقد تزعزعت” وكل أعيادها واحتفالاتها اختفت بسبب أن سكانها قتلوا سيدي يسوع المسيح. لهذا يقول لهم الرب ” رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي ” (أش1: 14). وبينما عند اجتيازنا للنظام الخاص بالتقدمات في الوقت الذي لم يكن فيه خطية بعد، الرب قال: ” أعيادي” وبعد الخطية لم يعد يقول أعيادي بل أعيادكم ولكن كل هذه الكلمات: الرب يبكي، أو يفرح، يكره أو يحب. يجب أن نأخذ هذه كتعبيرات مجازية حسب عادات اللغة الإنسانية، لأن الطبيعة الإلهية لا تعرف أي انفعال وتغير، أنها تظل دائمًا ثابتة وراسخة على قمة سعادتها.

3ـ بما أننا لدينا بين أيدينا حق تشريع الأعياد وبما أنه من هنا إنطلقنا، لنبحث بانتباه لإيجاد ترتيب الأعياد من أجل تصنيفها وإيضاح أنواع التضحيات. هذه هي الطريقة التي نستطيع بها من خلال سلوكنا وتصرفاتنا أن نقدم أعيادًا للرب. 

 

الأعياد المختلفة: العيد الأبدي

العيد الأول للرب هو العيد “الأبدي”. في الواقع إن الرب أمر بتقديم ذبائح صباحًا ومساءً دائمًا وبلا انقطاع. وكذلك في مجموعة شرائع الأعياد، لم يبدأ الله بعيد الفصح ولا بعيد المظال ولا بأي عيد من الأعياد، ولكنه أسس عيد الذبيحة الأبدية. وذلك لأنه يريد تعليم الإنسان الذي يميل إلى القداسة والطهارة أنه لا توجد أيام أعياد وأيام بدون أعياد مقدسة للرب ولكن الإنسان البار الصالح يجب عليه الاحتفال بعيد أبدي.

لأن الذبيحة التي يجب أن تكون مقدمة صباحًا ومساءً دائمًا تعني أنه يجب تثبيت الانتباه بلا انقطاع على الشريعة والأنبياء الذين يشيرون إلى الصباح ويبشرون بتعليم الإنجيل مساءً أي مجئ المخلص في ظلام (ليل) العالم. هذه هي الاحتفالات الذي يقول عنها الرب “لتهتموا (لتلاحظوا) بأعيادي” إذًا هناك عيد للرب، نوقد دائمًا الذبيحة فيه، لو إننا ” صلينا بلا انقطاع ” (1تس5: 17)، لو أن صلاتنا إستقامت ” كالبخور قدامك، ليكن رفع يدي كذبيحة مسائية”      (مز141: 2). إذًا، أول احتفال هو “الذبيحة الدائمة” التي يجب على تابعي الإنجيل تأديتها بالطريقة التي فسرناها.

 ولكن حسب قول النبي فإن “أعياد” الخاطئين تتحول: ” وأحول أعيادكم نوحًا وجميع أغانيكم مراثي، هكذا يقول الرب ” (عا 8: 10). ومما لا شك فيه أن الخاطئ الذي يحتفل بيوم الإثم لا يقدر أن يحتفل بيوم العيد. في الأيام التي يخطئ فيها، لا يقدر أن يقدم إلى الرب الذبيحة الأبدية، أما الذي يقدر أن يقدمها دائمًا فهو فقط الإنسان الذي يلازم البر ويتجنب الخطيئة. واليوم الذي فيه يتوقف عن البر ويرتكب الخطيئة، فهو لا يقدم للرب الذبيحة الأبدية.

أعبّر عن ما يوضح أقوال الرسول ولكني أخشى أن أحزن البعضْ. الصلاة المقبولة (الصحيحة) هي ” التي تستقيم كالبخور قدامك”و” ليكن رفع يدي كذبيحة مسائية ” (مز141: 2). ومن جهة أخرى يقول الرسول للمتزوجين  “لا يسلب أحدكم الآخر إلا أن يكون على موافقة إلى حين لكي تتفرغوا للصوم والصلاة ثم تجتمعوا أيضًا معًا ” (1كو 5:7). إذًا فهو يرى أن تقديم الذبيحة الأبدية يحتاج إلى فترات من التعفف الزوجي لبعض الوقت للتفرع للصوم والصلاة . ولكن توجد أعياد أخرى للذين لا يقدرون على تقديم الذبيحة الأبدية للعفاف.

 

عيد السبت

4ـ ثاني احتفال يُقام بعد احتفال الذبيحة الأبدية هو ذبيحة السبت، كل القديسين والأطهار يجب أن يحتفلوا بالعيد.

ما هو احتفال السبت، الذي يقول عنه الرسول “ إذًا بقيت راحة لشعب الله ” (عب4: 9). هذا يعني مراعاة السبت “لشعب الله”. لنترك إذًا الأشكال اليهودية للسبت، ولنرَ ماذا تعني بالنسبة للمسيحي قاعدة السبت. في يوم السبت يجب عدم الإنشغال بأي نشاط من نشاطات العالم، الامتناع عن كل أعمال هذا الدهر، عدم فعل أي شئ خاطئ، التفرغ للممارسات الروحية، المجئ إلى الكنيسة، الانتباه لسماع القراءات السماوية والعظات والتفكير مليًا فيما يخص السماء والاستعداد للمستقبل، والمثول أمام الديان الآتي، وإعطاء الاهتمام لا للموضوعات أو الأشياء الكائنة والمرئية بل إلى الحقائق المستقبلية والغير مرئية، وفي هذا تكمن قاعدة السبت للمسيحي. ولكن يجب على اليهود أيضًا تأمله بهذا المعنى.

أيضًا لديهم كل حداد، كل بناء، كل عامل يدوي يُعطل في يوم السبت ولكن قارئ الناموس الإلهي والطبيب يستمرون في أعمالهم بدون تدنيس السبت، السيد الرب يقول: ” أو ما قرأتم في التوراة أن الكهنة في السبت في الهيكل يدنسون السبت وهم أبرياء ” (مت12: 5). ومن هو إذًا من امتنع عن أعمال هذا الدهر وينشغل بالنشاطات الروحانية، ويقدم ذبيحة السبت ويحتفل بعيد السبت ” وأوقف البوابين على أبواب بيت الرب ” ( أنظر2أي2 : 4) لئلا يدخل نجس في أمر ما. الثقل هو كل خطيئة، من وجهة نظر النبي ” لأن آثامي قد طمت فوق رأسي. كحمل ثقيل أثقل مما احتمل ” (مز38: 4)، ” لا تشعلوا نارًا” (حز35: 3)، لتسمعوا النار التي قال عنها ” اسلكوا بنور ناركم وبالشرار الذي أوقدتموه ” (أش50: 11).

في السبت، كلُ يظل مكانه ولا يخرج. ما هو إذًا مكان النفس الروحانية؟ هذا هو البر، الحكمة، التقديس وكل خواص جوهر المسيح الذين هم مكان الروح. لا يجب أن تخرج حتى تحفظ السبت الحقيقي، وتوفي ما عليها من ذبائح السبت مثل ما يتوافق مع قول الرب ” اثبتوا فيَّ وأنا فيكم ” (يو15: 5).

 

سبت العالم الثاني: راحة الرب

بما إننا قد تحدثنا عن السبت الحقيقي فلنتعمق في البحث عن السبت الحقيقي، فسندركه في العالم الثاني. لأننا لا نرى إلا أقوال سفر التكوين ” فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمله،   ” إذ تحقق ذلك في اليوم السابع أو يتحقق اليوم. إننا نرى الرب دائمًا يعمل، لا يوجد سبت يكف فيه عن العمل، منذ ذلك اليوم الذي فيه    ” يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين ” (مز147: 8)، أو ” الكاسي السموات سحابًا المهئ للأرض مطرًا المنبت الجبال عشبًا” ، “هو يجرح ويعصب (يسحق ويداه تشفيان”، ” أنا أميت وأحيي” (أي5: 18)، وأيضًا المسيح الرب في الأناجيل يجيب على اليهود الذين يتهمونه بالعمل والشفاء يوم السبت  ” فأجابهم يسوع أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل ” (يوحنا5: 17)، مشيرًا بهذا أنه لا يوجد أي وقت يستريح فيه الرب من السهر على أحوال العالم ومصائر الجنس البشري. لأنه منذ البداية، قد خلق المخلوقات وخلق مواد عديدة من حكمته كخالق وعلم أنها تكفي حتى نهاية العالم، بل يقول: ” ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (مت28: 20)، فالرب لا يكف عن عنايته الإلهية وتوفيره لها. السبت الحقيقي هو الذي فيه “يستريح الرب من جميع أعماله”، سيصبح العهد الآتي متى ” هرب الحزن والتنهد ” (أش35: 10)، وسيصبح الرب ” الكل وفي الكل ” (كو3: 11).

هذا السبت، سيعطينا الرب أن نعيد به ومعه ونحتفل به مع الملائكة القديسين بعمل الآتي ” اذبح لله حمدًا وأوف العلي نذورك” وأيضًا ” أدخل إلى بيتك بمحرقات أوفيك نذوري التي نطقت بها شفتاي وتكلم بها فمي في ضيقي” (مز50: 14؛ مز 66: 13-14). بذلك تكون الذبيحة الأبدية التي تكلمنا عنها مقدمة بصورة أفضل. إذًا تقدر الروح أن تقف بدون انقطاع أمام الرب وتقدم “الذبيحة حمدًا”، بأيدي الكاهن الأعظم ” الذي صار على رتبة ملكي صادق رئيس كهنة إلى الأبد ” ( عب6 :2) .

 

عيد الهلال: التجديد

5ـ ثالث الاحتفالات المقامة هو عيد الهلال الذي نقدم فيه تقدمة [الهلال تعني قمر جديد]، هذا الاحتفال يكون في وقت تغير القمر. إذًا نقول إن القمر جديد حين يقترب جدًا من الشمس ويكون في التقاء ضيق بها فيختفي في إشراقها.

ولكن هذه الوصية من الناموس السماوي التي تظهر فجأة، إنها تُرى كظاهرة غير ضرورية. يا تُرى لماذا يهتم الدين بالاحتفال بعيد هذا القمر الجديد أي اجتماع القمر مع الشمس واختفائه بإشراقها. إذا اعتبرنا هذا النظام حرفيًا، فيبدو لنا أنه مأخوذ من الخرافات بدلاً من الدين.

ولكن الرسول بولس كان يعرف أن الناموس لا يتعامل مع هذه المواد، والروح القدس لم يكن يريد أن نخضع للنظام الطقسي المحفوظ عند اليهود، لهذا فهو يقول للذين اقتنوا الإيمان بالرب يسوع المسيح ” فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت التي هي ظل الأمور العتيدة وأما الجسد فللمسيح ”   (كو2: 16-17). إذًا السبت، الذي ندركه بالنسبة إلى إيماننا هو ” ظل الأمور العتيدة “. لو كان الهلال هو ” ظل الأمور العتيدة ” فبالتأكيد الاحتفالات الأخرى هي ” ظل الأمور العتيدة “. لنر الآن الهلال.

لقد قلنا إن العيد المُحتفل به عند تغير القمر، عند تقربه بأكبر قدر ممكن من الشمس والتقائه المحدود بها، هو عيد الهلال. “شمس البر” (ملا2:4)، هو المسيح. إذًا القمر ـ وهنا يعني كنيسته إذا كانت مليئة بالنورـ سيكون متصلاً ومتحدًا بها تمامًا، كما يقول الرسول ” وأما من التصق بالرب فهو روح واحد ” (1كو6: 17). فهذه الروح تعيّد عيد الهلال، لأنها تصبح جديدة عندما ” تلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق” (أف4: 24). وبهذا فإنها تستحق أن تحتفل بالتجديد والإصلاح أي عيد الهلال. وهذا إذًا من جهة أخرى، هو الذي لا نقدر أن نراه أو نفهمه بنظرات إنسانية.

هذه ” الروح ” هي التي تتحد بالرب، التي تكون قد تعمقت في بهاء نوره، التي لا يكون لها أي تفكير أرضي بعد، ولا أي انشغال عالمي، ولا أي رغبة في إرضاء البشر وتهاجر إلى نور الحكمة، إلى حرارة الروح القدس بتحولها إلى التجرد والروحانية.

وكيف تكون قد ُنظِرتْ من الناس وفُهِمْت من النظرات الإنسانية؟ لأن ” الإنسان الطبيعي” لا يقدر أن يفهم ولا أن يُدرك “الإنسان الروحاني” ولهذا تحتفل الروح باستحقاق بهذا العيد وتقدم تقدمة الهلال للرب الذي جددها.

 

عيد الفصح: تناول كلمة الله

6ـ إن الاحتفال بعيد الفصح مع ذبح الحمل يوضع في المرتبة الرابعة من أعياد الرب. بالنسبة لك أنظر الحمل الحقيقي “حمل الله” “الحمل الذي حمل خطية العالم” وقل إن المسيح هو فصحنا. إن اليهود وفقًا لتفكيرهم الجسداني يأكلون لحم الحمل ونحن نأكل لحم كلمة الله لأنه قال: ” الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم ” (يو6 : 53). هذه الأقوال التي ننطق بها في هذه اللحظة هي لحم كلمة الله. بقدر ما نعطي من غذاء ليس “خضراوات” من أجل “المعدة الضعيفة” ولبن من أجل الأطفال الصغار، إذا كانت أقوالنا كاملة قوية وجريئة بذلك نعطيكم لتأكلوا لحم كلمة الله حتى ننطق بأقوال تقية، عقائدية مليئة بالإيمان الثالوثي، أقوال جوهرية؛ متى “نرفع البرقع” لكي نفتش عن أسرار الدهر الآتي المقتصرة في الناموس الروحي، متى تقتلع أمال النفس بعيدًا عن الأرض، لكي نقصد بها السماوات ونضعها في الفضائل    ” بل كما هو مكتوب ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان” (1كو2: 9).

لنشارك في لحم كلمة الرب، فمن يقدر أن يقتات بذكاء بالغ وقلب طاهر هو الذي يقدم حقًا ذبيحة الفصح ويحتفل بالعيد مع الرب وملائكته.

 

عيد الفطير: الطهارة ـــ النقاء

7ـ بعد ذلك أو بالأصح تبعًا لهذا العيد يأتي عيد الفطير، ستستحق أن تحتفل به إذا حفظت روحك من كل “خميرة خبث وشر” وتحتفظ ” بفطير الإخلاص والحق ” (1كو5: 8)، لأنه لا يجب أن نتخيل أن الرب العلي القدير كتب إلى الإنسان قوانين عن الخميرة وأنه “يقطع تلك النفس من شعبها لأنها لم تقرب قربان الرب في وقته” إذا حدث مصادفة أن نسيت أن تنظف ما لديها ولو من جزء صغير من هذه الخميرة التي هي أساس العجين.

هذه الفكرة تبدو لي غير جديرة بالقوانين الإلهية ولكن ما يحزن الرب بالمعنى الصحيح هو التخمر الناتج عن روح خبث وغضب وظلم، روح تنشئ خميرة الكراهية، هذا هو ما لا يريده الرب في الروح وإذا لم نستبعد هذه الخميرة من طبيعة أرواحنا، سنصبح مستبعدين وسوف نستحق ذلك.

نقطة إهمال! وحتى إذا كنت لا ترى إلا جزءً  صغيرًا من الخبث والكراهية الذي يتخمر بداخلك، تذكر أن ” خميرة صغيرة تخمر العجين كله ” (غل5: 9)، لا تستهن بالخطية الصغيرة لأن الخطايا تولد خطايا أخرى، من البر يُولدَ البر، من طهارة النفس تُولدَ طهارة النفس. إنسان بدأ بطهارة نفس ضعيفة وأصبح بعد ذلك أكثر طهارة، كل يوم بعد تلقيه خميرة الطهارة، هو عكس إنسان وضع في نفسه أقل بذرة للخبث، فيسيطر عليه ذلك الخبث كل يوم ويصبح أكثر شرًا. وأنت أيضًا إذا كنت تريد أن تحتفل بالفطير مع الرب، لا تترك بداخلك ولو أقل خميرة من الخبث أو الشر.

 

عيد الباكورات :

8ـ بعد ذلك يأتي سادس عيد، المسمى بعيد الباكورات [تقدم فيه باكورات الحصاد الجديد]، عندما يُحصد الحقل المزروع جيدًا ويكون الحصاد ناضجًا في كمال ثمار هذه الأرض نحتفل بعيد للرب.

إذًا أردت أنت أيضًا الاحتفال مع الرب بعيد الباكورات، انتبه إلى الطريقة التي تزرع بها والمكان الذي تزرع فيه حتى تقدر أن تحصد ثمارًا تحوز على رضاء الرب وتفرحه وتجعله يحتفل بعيد. وفي هذه الحالة لا تقدر أن تحقق ذلك إلا بسماع قول الرسول ” ومن يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية ” (غل6: 8). إذا زرعت بهذه الطريقة، وإذا حصدت بهذه الطريقة، ستحتفل حقًا بعيد الباكورات. لهذا يعطي النبي هذه النصيحة ” احرثوا لأنفسكم حرثًا ولا تزرعوا في الأشواك ” (إر4: 3). الذي يجدد ” قلبه ” والإنسان الداخلي من يوم إلى يوم، ” احرثوا إذن الأرض الجديدة ولا تزرعوا في الأشواك ” ولكن على الأرض الجيدة فيعطي ثمرًا، بعض مئة وآخر ستين وآخر ثلاثين. “ أما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان ” (غلا5 :22) إذًا بين ” ثمار الروح “، الأولى هي ” الفرح “، ومن الطبيعي أن نحتفل بعيد الباكورات عندما نحصد “الفرح”، خاصة إذا حصدنا في نفس الوقت ” السلام – الصبر – الصلاح – اللطف “، وإذا جنينا الثمار الأخرى للروح،سنحتفل باستحقاق بعيد الباكورات للرب.

 

عيد الأسابيع

9ـ بعد ذلك يأتي عيد الأسابيع، كل سبعة أيام نحفظ السبت، ونحتفل بالعيد، وأيضًا كل سبعة أشهر نعمل سبت الأشهر ونحتفل بعيد يسمى ” سبت السبوت “. وفي اليوم الأول نقيم “تذكر الأبواق” ولكن الذي يقدر أن يحتفل بتذكر الأبواق هو الذي يقدر أن يعهد إلى ذاكرته كتابات الرسل، والإنجيليين التي تدوي مثل صوت البوق السماوي ويحفظها في ” كنز قلبه الصالح؟ “

الذي يفعل ذلك و ” في ناموس الرب مسرته وفي ناموسه يلهج نهارًا وليلاً ” (مز2:1)، فهو يحتفل بتذكر الأبواق وهو الذي باستحقاقه يقدر أن يقتني من الروح القدس فضل الإرشاد الرسولي، والذي يقدر أن يبدأ إنشاد المزمور، ” انفخوا في رأس الشهر بالبوق عند الهلال ليوم عيدنا “، الذي يعرف أن “ غنوا له رنموا له انشدوا بكل عجائبه” (مز105: 2)، فهذا يحتفل باستحقاق باحتفال الأبواق.

 

عيد التكفير

10ـ ويوجد أيضًا عيد آخر يقتصر على من “يحزن روحه” ويتضع أمام الرب. عيد عجيب ونسميه عيد يحزن الروح! هو يوم التكفير ” في اليوم العاشر من الشهر السابع “. ليكن إذًا لديك اهتمام، إذا كنت تريد أن يفرح الرب بك فلتحزن روحك وتجعلها متواضعة ولا تسمح لها بتحقيق رغباتها ولا تتركها تنطلق في أشياء رديئة. “أحزنها وأوضعها، وكذلك عيد الفصح وعير الفطير يستوجبان” “الفطير خبز المشقة”. ولا أحد يقدر أن يحتفل بعيد بدون أن يأكل “فطير خبز المشقة” وبدون تناول الفصح “بمرارة” أو “على أعشاب مرة”. ونرى إذًا ما هي أعياد الرب: فهي لا تتوافق مع لذة الجسد، ولا تقبل أي توان، أي تلذذ، أي شهوة حسية، فهي توجب حزن الروح، المرارة والتواضع، لأن “من يضع نفسه يرتفع” أمام الرب. وهذا أيضًا ما يُطلب يوم التكفير. عندما تكون “النفس محزونة” ومنسحقة “أمام الرب” (أنظر يع4: 10)، فإن والرب يعيدها مرضية ومقبولة ويقدمها إلى من عينه الرب ليكون ” كفارة بالإيمان”، “…..يتم الصلح بدمه” أي المسيح يسوع ربه وفاديه.

عيد المظال

11ـ لنرَ ما هو آخر عيد يعطيه الرب فرصة للإنسان: هو عيد المظال. الرب يعطي عيدًا عندما يراك اخترت مسكن في هذا العالم تحت خيمة، عندما يراك بدلاً من أن تحتفظ بروحك مرتبطة وثابتة على الأرض، بدلاً من تمني خيرات الأرض، واعتبار هذه الحياة التي ليست إلا ظل، إعتبارها إقتناءًا دائمًا. أقول عندما يراك، مثلاً في مكان للمرور، يقربك من فردوس النعيم، الوطن الحقيقي الذي منه خرجت وتقول ” أنا غريب عندك، نزيل مثل جميع آبائي” (مز39: 13). لأنه تحت الخيمة يمكث الآباء: ” إبراهيم ساكنًا في خيام مع أسحق ويعقوب“، ” الوراثين معه لهذا الموعد عينه ” (عب 11: 9).

هل أنت “غريب ونزيل” على الأرض، هل تتجنب بذهنك التمسك والتأصل في شهوة الأشياء الأرضية، هل أنت مستعد أن تهاجر سريعًا، هل أنت مستعد أن “ تمتد إلى ما هو قدام” (في3: 13)، حتى تصل إلى ” الأرض التي تفيض اللبن والعسل” وتلقى ميراث الخيرات الآتية؟ إذًا رآك الرب في هذه الحالة سوف يفرح بك، ويحتفل بعيد إكرامًا لك.

 

الأعياد في الحياة المستقبلة

كل هذا يقتصر على الوقت الحاضر. إذا أردت أن تعرف كيف يُحتفل بالأعياد في المستقبل فلترتفع إذا استطعت بأفكارك شيئًا فشيئًا عن الأرض وأنسَ لبعض الوقت ما هو أمامنا. وتصور كيف أن     ” السماء والأرض تزولان ” وكيف أن ” العالم يمضي وشهوته”، تصور تأسيس الجديد: “ وننتظر سموات جديدة وأرضًا جديدة يسكن فيها البر” (2بط 3: 13)، أبعد عن نظرك ضوء الشمس المرئي وأنظر إلى العالم الذي يأتي بنور سبع مرات أكثر إضاءة (انظر أش 35: 26)، أو بالأصح، على سلطان الكتاب، الذي أعطاه الرب نفسه مثل “نور” ينتظم حوله ملائكة المجد؛ “الفضائل، القدرات، العروش، السيادة” وكل “أسم” للقدرات المجيدة السمائية التي ستُعرف ليس فقط في الدهر الحالي وإنما في الدهر الآتي أيضًا.

في وسط هذه يجب أن نفكر ونتخيل كيف نقدر أن نحتفل بأعياد الرب، وماذا يمكن أن يكون التهليل، الفرح، الاستبشار. لأن الأعياد الروحية التي تكلمنا عنها، عظيمة وأصيلة، خاصة عندما نحتفل بها روحيًا في النفس، وإن كان ذلك جزئيًا وليس كليًا مثل ما تثبته كلمة الرسول ” لأننا نعلم بعض العلم ونتنبأ بعض التنبؤ” (1كو13: 9)، إذًا، نحن لا نعيد بهذه الاحتفالات إلا جزئيًا.

لنرجع إلى أقوال بولس الرسول على أيام العيد وعيد القمر الجديد ونرى دقته في قوله ” فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت” (كو2: 16). لنلاحظ جيدًا إنه لم يقل: على عيد ولكن من جهة عيد، ففي هذا العالم نحن نحتفل بالأعياد جزئيًا وليس بصفة كلية. فنحن طوعًا أو كرهًا تعوقنا بلادة الجسد الذي تحركه شهواته وتضنيه المشاغل والهموم.

يقول الحكيم “ الجسد الفاسد يثقل النفس ويعيق الروح بهموم كثيرة” (الحكمة9: 15س). إنه جزئيًا يحتفل الأبرار في هذا العالم بالعيد، “لأننا نعلم بعض العلم ونتنبأ بعض التنبؤ”. ولكن عندما تأتي الحقائق الكاملة فسوف تبطل الحقائق الجزئية والعلم الجزئي ويحل العلم الكامل والحقائق الرسولية الكاملة محل العلم الجزئي والحقائق الجزئية، إذًا العيد الكامل يحل محل العيد الجزئي. هذا العالم لا يقدر أن ينال أي شئ من الكمال. إذ تفرض حاجات الجسد الشراب تارة، النوم تارة، وأيضًا هموم كثيرة أخرى ضرورية لهذه الحياة الحالية، بالتأكيد كل شئ يعطل دوام العيد الإلهي.

ولكن متى أتت اللحظة المتنبأ بها من أجل الذين يقيمون في قدس الأقداس، وعلى أي حال إذ كنا نستحق أن نكون من بين هؤلاء الذين ” لن يجوعوا بعد ولن يعطشوا بعد” (رؤ7: 16)، لا ينامون “لا يعملون” ولكنهم متيقظون دائمًا، مثل الملائكة الذين يُقال عنهم إنهم متيقظون دائمًا، “ عندما أقول إننا إن كنا نستحق أن نوضع في هذا المكان إذ هو الذي يليق به العيد الذي لا يفني، الذي ملكه وعريسه وسيده هو الرب يسوع المسيح نفسه مخلصنا، الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين ” (1بط4: 11).

العطايا للرب – العظة الثالثة والعشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد

الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

الجزء الأول: الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

تقدم الشر

إذًا فالشعب “أكل التقدمة من الذبائح التي لديهم، وعبد أصنامهم، وليس فقط كان مسرورًا بأن يأكل، لكن أيضًا عبد أصنامهم. واتجه للتقدم في الشر: 

وترك خدام الله أنفسهم أولاً فريسة للشهوة، ثم للشراهة وأخيرًا لعدم التقوى، إن التقوى هي المقابل المضاد للزنى. وإذا راجعنا قراءة النصوص التي تختص بموضوع سليمان. سوف نجد أنه كان حكيمًا ولكنه اضطجع مع كثير من النساء، عندئذ فإن شريعة الله تقول: « لا يكون له كثير من النساء لئلا يزيغ قلبه إلى الزنا بعيدًا عن إلهك » (تث17: 17 سبعينية)، بالرغم من كونه حكيمًا جدًا وكان له جدارة كبيرة أمام الله، إلا أنه بسبب كثرة النساء، وما يسمى عدد كبير من النساء معناه ، أظن أنه يعني عدد كبيرًا من العقائد والفلسفات المختلفة التي تعلمها الأمم المتعددة. وكان يريد أن يعرفها جميعًا وأن يتعمق فيها كعالم وكحكيم، ولكنه لم يستطع أن يثبت في قاعدة الناموس الإلهي. إن فلسفة الموآبيين أفسدته وجعلته يضحي لأصنامهم، وأيضًا فلسفة العمونيين وجميع الأمم التي قيل إنه أخذ منها نسوة وكرَّم أصنامها ببناء هياكل لهم وبتقديم ذبائح لهم. إن هذا في الواقع شئ سيئ جدًا. بالنسبة إلى الله لا يليق أن يتألف مع الأفكار الغريبة مثل معاشرة النساء بدون أن يحيد عن ناموس الحق، وأن يستطيع أن يقول بأمانة : « يوجد ستون ملكة وثمانون سرية وعذارى بلا عدد واحدة هي حمامتي كاملتي، الوحيدة لأمها هي الوحيدة لوالدتها، الوحيدة لمن وضعتها في العالم » (نش6: 7، 8 سبعينية).

تلقين على ارتكاب الأعمال الحقيرة: بعل فاغور

« عبدوا الأصنام وتعلقوا ببعل فاغور » (عد25: 2، 3). وبعل فاغور هو اسم صنم لدى المديانيات كان مكرمًا خصوصًا من النساء، وتلقن إسرائيل أسراره، وبدراسة المعنى بانتباه، وخاصة في كشف الأسماء العبرانية نجد فقط أنه: ” شكل أعمال حقير “.

المترجم لم يرد أن يشير إلى أية صورة كانت هذه الأعمال الحقيرة، ولا لمن كان هذا الحدث، وبفرض الأمانة أفكر، ولكي لا أجرح أذن المستمع، مهما تكن الأشكال فالأعمال الحقيرة متعددة، وواحد منها يسمى بعل فاغور.

إذًا يجب أن نعرف أن كل إنسان يرتكب فعل مهين، ويقع في أي شكل من أشكال الأعمال الحقيرة تكون بداية تلقينه لارتكاب أعمال حقيرة كثيرة، ويلقن بعقائد عبادة بعل فاغور، شيطان المديانيات أيضًا يحرضنا على كل خطيئة نرتكبها، خاصة إذا لم نكن نفاجأ بهذه الخطية، لكن ارتكبناها بحماس وسرور، هل نحن معدين لعبادة هذه الشياطين الذي لها تأثير قوي وهو إنتاج الخطية التي إرتكبناها. وربما سوف نكون متلقين لكثير من الشياطين التي تجعلنا نرتكب هذه الخطايا، وفي كل خطأ نحن نتلقى ـ بطريقة ما ـ أسرارًا لما يدعون له، أى لهذا الصنم أو ذاك. لهذا ربما كان يقول الرسول:    « لأن سر الإثم الآن يعمل فقط إلى أن يرفع من الوسط الذي يحجز الآن » (2تس2: 7).

إن الأنفس الخبيثة إذًا تحوم، باحثة كيف بجاذبيتها، يمكن أن تلقن غموض الخطية، وبدون أن ننتبه، بدون أن نفهم، تقودنا مثلاً بواسطة خطية “مثل الزنا”، إلى شيطان المديانيات، ويُلقنوا ببعل فاغور، ويُلقنوا إلى الأعمال الحقيرة. وأيضًا للخطايا الأخرى، كما نقول، الإنسان يُلقن بواسطة شياطين أخرى.

لكن، لاحظ بعناية ما هو مكتوب، أمسك نفسك وكن حازمًا قويًا وسر في الطرق السليمة، أسأل ما هي الطرق الأبدية الخاصة بيسوع، وما هو الطريق القويم، واتبعه. لا تقترب من أبواب منازل الخبث، إذا لاحظت احدى هذه الأنفس الخبيثة، تكلم في قلبك قائلاً لنفسك أن هذه النفس الخبيثة تريد أن تقودني إلى عمل خطية، افهم جيدًا أنها تريد أن تلقنك عبادة الشيطان، تريد أن تقودك إلى تلقى أسرار الشيطان، أسرار عدم التقوى. إنه كما أعتقد كما كتب الرسول: « أنتم تعلمون أنكم كنتم أممًا منقادين إلى الأوثان البكم كما كنتم تساقون » (1كو12: 21). ممن كنتم تساقون؟ كنتم تساقون بواسطة الأرواح الشريرة الخبيثة مثل أعمال الخطية.

القسم المضاد: الملائكة الحراس

كل مستمع يقظ إلى كل هذه الكلمات سيقول بدون شك ماذا سنفعل إذًا؟ إذا كانت الأرواح الشريرة تحوم حول كل واحد منا، وتقودنا وتجذبنا ناحية الخطية، وإذا لم يكن هناك شخص آخر، ليجذبنا ناحية الحق، وليدعونا ويقودنا إلى العفة والتقوى، كيف لا يبدو أن الطريق “واسع ومفتوح” تجاه الهلاك الأبدي (انظر مت7: 13)، ولم يبق أي طريق يوصلنا إلى الخلاص. لكن أدرس بانتباه إذا استطعت معي، حتى عندما تفتح بصيرة قلبك، يمكنك أن تتأمل الأسرار الداخلية، وسوف ترى مقدار المجهودات الخفية التي تجري من أجل خلاصنا وتبعد عنا القوى التي تحاول خِداعنا. كل منا، حتى “الصغار جدًا” في كنيسة الله، له ملاك، ملاك صالح، ملاك الرب، لكي يرشده وينصحه ويحكّمه، ملاك إذا ما أصلح أعمالنا وطلب الشفقة من أجلنا، فهو يرى كل حين وجه الآب الذي في السموات (مت18: 10) كما يعرفنا الرب في الأناجيل. وتبعًا لما يقول يوحنا في سفر الرؤيا (رؤ2، 3)، يوجد أيضًا ملاك لكل كنيسة، ينال الشكر لحسن سلوك الشعب أو يُؤنّب من أجل أخطاء هذا الشعب. هنا أصبت بالدهشة أمام هذا السر الغريب. إن الله يعتني بنا كثيرًا لدرجة أنه يسمح حتى أن يلوم الملائكة من أجلنا. وهكذا عندما نسلم طفل لمربى إذا كان قد حدث أن تلقى علمًا لم يصل إلى المستوى الذي وصل إليه الأب فإن الخطأ يقع على المربي. وليس هذا خطأ الطفل مثلما هو خطأ المربي ولذلك فالمربي يتلقى تأنيب الأب، خاصة إذا لم يكن الطفل صعب القيادة، وأهمل نصائح المربي، وكان له ميول تجنح إلى الانحلال والطيش، وغفل عن كلمات المربي الناصحة والتي يجب أن تُطاع. 

ماذا يحدث لهذه النفس؟ اعرف من النبي: « فبقيت ابنة صهيون كمطلقة في كرم كخيمة في مقثأة كمدينة مُحاصرة » (إش8:1)، و في موضع آخر « أنزع سياجه فيصير للرعي اهدم جدرانه فيصير للدوس من كل العابرين » (إش5: 5 سبعينية). وأخيرًا: يفسدها الخنزير من الوعر ويرعاها وحش البرية (مز80: 13) هذا ما سوف تقاسيه إذ لم تتبع نصائح الملاك الحارس لكي يضع السلام في قلبها. لأن النفس لا تتبع سوى نفسها، ولها الحرية في أن تتجه في كل ناحية تريد أن تتجه إليها. أيضًا فإن محاكمة الله عادلة إذ تكون بحسب اتجاه النفس لما ينبع من نفسها لتطيع الجيد أو السيئ من النصائح.

تدبير الخلاص

هل تريدون أن أبرهن أكثر تبعًا للإنجيل المقدس أن الله يسهر علينا أكثر من أجل خلاص الإنسان، ألا يكفي عمل الملائكة ضد هجمات الشيطان، وضد من يجر الإنسان إلى الخطيئة؟ ها هو الابن الوحيد، ابن الله، كما أقول عنه إنه هو الذي يدافع عنا، ويحرسنا، ويجذبنا إليه. استمع له: « … وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر… » (مت20:28). لكنه لا يكفي كونه معنا، بطريقة معينة، وأحيانًا يكون عنيفًا معنا لكي يجذبنا إلى الخلاص، بل يقول في نص آخر: « وأنا إن ارتفعت عن الأرض، سوف أجذب إلىَّ الجميع » (يو12: 32). ولم يكتف بهذا فإننا نراه، يدعو أصحاب الإرادة القوية ويجذب أيضًا المترددين. هل نريد أن نعلم كيف يمارس هذا العنف؟ هو لا يسمح لمن كان يريد أن يدفن أباه، لا يترك له الفرصة بل يقول له: « دع الموتى يدفنون موتاهم واتبعني » (لو9: 60). وفي مكان آخر يقول: « ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله » (لو9: 62).

وإذا أردت أن تعرف أكثر عن هذا السر الخفي، فسأريك بواسطة الإنجيل أن يسوع، والله الآب نفسه، لا يُهمل تدبير خلاصنا، وهو يدعونا ليس فقط إلى الخلاص، بل يجذبنا إليه لأن يسوع يقول في إنجيله: « لا يأتي إلىَّ أحد إن لم يجتذبه الآب » (يو6: 44). إن رب العائلة الذي بعث بعبيده ليدعو أصدقاءه إلى عُرس ابنه قال لهم بعد أن اعتذر المدعوون الأوائل: « فاذهبوا إلى مفارق الطرق وكل من وجدتموه فادعوه إلى العرس » (مت22: 9). إذًا نحن لسنا مدعوين فقط من الله، نحن منجذبون، نحن ملزمون بأن نأتي للخلاص.

لكن الروح القدس نفسه ليس غائبًا عن هذا التدبير لأنه مكتوب:  « وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه » (أع13: 2). والروح هو الذي منع بولس من الذهاب إلى آسيا وأجبره على الذهاب إلى أورشليم، وتنبأ له بأن السلاسل والسجن تنتظره. إذا كانت « ملائكة الله تحل حول خائفيه لكي  تنجيهم » (انظر مز34: 8 سبعينية). فلو أن الله الآب والابن والروح القدس لا يسرون بتشجيع ومناداة الناس لجذبهم إلى الخلاص، فكيف يمكن أن نقول إن الجهود المبذولة من أجل خلاصنا ليست أعلى وأقوى مما يفعله العدو لأجل موتنا؟

عرض رؤساء الشعب

4ـ ويقول الكتاب « اشتعل غضب الرب ضد إسرائيل وقال الرب لموسى: خد رؤساء الشعب وأعرضهم أمام الرب تجاه الشمس فيرتد حمو غضب الرب » (عد25: 3ـ 4).

« ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس » (أع5: 29)، إن إسرائيل قد أخطأ والرب قال لموسى أن ” يأخذ جميع الرؤساء وأن يعرضهم أمامه تجاه الشمس “. إن الشعب يخطئ ” والرؤساء هم الذين يعرضون تجاه الشمس  بمعنى أنهم يدانون بواسطة النور.

مسئولية رؤساء الكنيسة

نحن نرى الحالة التي يوجد بها رؤساء الشعب. ليس فقط هم يدانون بأخطائهم الفعلية، ولكن هم مُلزمون بتقديم  حساب عن خطايا الشعب، أليسوا هم الذين أهملوا أن يعلموا، وينذروا، وأهملوا في الحكم على المحرضين على الخطية، حتى يمنعوا انتشار وامتداد الخطايا أكثر؟ إذ أن كل هذه الواجبات تقع على عائق الرؤساء والمعلمين. وإذا كان قد حدث خطأ من جهة الاهتمام الكثير بالشعب، إذ أنهم تركوه يسقط في الخطية، فإنهم يعرضون، أنهم يحضرون للمحاكمة. موسى، أي “ناموس الله”. إتهمهم بالإهمال والكسل، وأن غضب الله سوف يتجه ضدهم وسوف ينصرف عن الشعب. لو أنهم اعتبروا هذا، لما طلبوا أبدًا أن يصيروا رؤساء للشعب، ولما دبروا مؤامرات من أجل الحصول على هذا الوضع. يكفي أن أدان عن خطاياي فقط، يكفيني أن أعطي حسابًا عن نفسي وعن خطاياي. أية ضرورة أيضًا تلزمني بأن أتحمل خطايا شعبي، وأن أعرض نفسي تجاه الشمس، أمام من لا يخفي عنه شيئًا والذي يرى في الظلام؟

الملائكة في الدينونة

لكن ربما يختبئ في داخل هذا الأمر معنى غامض وسري يعطي بعض النصائح العميقة أكثر من هذا الشرح العادي البسيط. وهذا يمكن أن ينطبق حقيقة على رؤساء الشعب الذين تكلمنا عنهم منذ لحظة. لأن الملائكة كما يبدو سيظهرون معنا في الدينونة وسوف يقفون مكاننا، أمام “شمس البر” (انظر ملا4: 2) ألن يكون لديهم بعض المسئولية في إخفاقاتنا، ألم يكونوا مقصرين في عملهم، وتعبهم لأجل إبعادنا عن دنس الخطايا التي ارتكبناها؟ إذا كان حقيقة لا يوجد شئ لديهم يستحق اللوم بسببنا، لما قال الكتاب المقدس لملاك كنيسة كذا أو كذا ” بأنه متمسك بعقيدة بلعام “، وبأنه ترك “محبته الأولى” أو صبره لما وجه إليهم جميعًا التأنيبات التي ذكر قبل ذلك، والتي وجهت إلى ملائكة كل الكنائس في سفر الرؤيا.

إذا كان الملاك حقيقة مثلاً، استقبلني بتكليف من الله ومنتظر مكافأة لحسن أعماله، فإنه بالتأكيد أيضًا سوف ينتظر أن يلام من أجل الأعمال السيئة. ولهذا، فأنهم كما قيل لنا ” يعرضون تجاه الشمس “، بدون شك سيظهر عليهم إذا كان بعدم طاعتي، أو بإهمالهم لي أنني ارتكبت الخطايا التي لقنني إياها تعليم بعل فاغور أو أصنام أخرى حسب نوعية الخطية. وإذا كان رئيسي أريد أن أقول الملاك الذي عهدوا بي إليه لم يكن مخفقًا، إذا كان قد نصحني بصدق لعمل الخير، وإذا كان قد كلمني في قلبي، في هذا القلب الذي كان ضميري فيه يدعوني إلى فعل الخطية، ولكن إذا كنت أنا قد مررت بإنذاراته مرور الكرام وأهملت توبيخ الضمير، وأسرعت إلى فعل الخطية، سوف أجازي مجازاة مضاعفة، أولاً لأني احتقرت الناصح، ثم بعد ذلك أجازي لأني ارتكبت الفعل نفسه.

لا تندهش إذا قلنا لك إن الملائكة قد ذكرت في محاكمة الإنسان ومعه. وإذا كان هناك خطأ من ناحيتهم، فإن غضب الله سوف ينصرف عن الشعب. يجب أن لا نضطرب أيضًا كثيرًا جدًا على أفعالنا، عالمين أننا لن نقف بمفردنا ” أمام كرسي الدينونة التي يعقدها لنا الله ” حتى نجاوب عن أفعالنا، ولكن الملائكة سوف يجيئون معنا في المحاكمة، مثل رؤسائنا وقادتنا. لهذا فإن الكتاب المقدس يقول:   « أطيعوا مرشديكم وأخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم كأنهم سوف يعطون حسابًا » (عب13: 17ـ 18).

قصة فينحاس

يحكى بعد ذلك أن فينحاس بن لعازر ابن الجد الكبير هرون الكاهن، أنه رأي إسرائيلي ذهب إلى سيدة مديانية، قام من وسط الجماعة أخذ رمحًا بيده ودخل وراء الرجل الإسرائيلي إلى القبة وطعن كليهما الرجل الإسرائيلي والمرأة في بطنها. فكلم الرب موسى قائلاً: « فينحاس بن ألعازر بن هارون الكاهن قد رد سخطي عن بني إسرائيل بكونه غار غيرتي في وسطهم حتى لم أفن بني إسرائيل بغيرتي » (عد10:25ـ11). وهذا أعطى فرصة لبناء شعب من أول علاقة له مع الرب. لكنك أنت، الذي استرجعك الله إليه بواسطة المسيح، الذي نزع من يديه السيف المادي، وصار “سيف الروح القدس، خذ هذا السيف، وإذا رأيت فكرة يهودية تنجسك مع فاسقات مديانيات، بمعنى أن تمتزج بأفكار شيطانية، لا تتردد أضرب في الحال، اقتل في الحال بأن تفتح وتطعن في أسفل البطن، بمعنى أن تنفذ في أسرار الطبيعة، أقطع منبع الخطية نفسه، حتى لا تستسلم  لها أبدًا ولا تدنس الخطايا الملعونة أنساب معسكر إسرائيل. إذا فعلت هكذا فأنت سوف تطفئ غضب ربك: أنذرت يوم محاكمتك التي تقول إنه يقال إن ” في يوم الغضب والعنف ” وبتوضيح عن سبب الخطية التي تسمى هنا أسفل البطن المديانية، سوف تأتي بكامل اطمئنانك في يوم الدينونة. لذلك لنقف ونصلي كي نجد دائمًا أنفسنا جاهزين لهذا السيف “سيف الروح”، الذي سوف يكشف بذور ووعاء الخطية، ولكي يجعل لنا الله فرصة لكي نضع في أنفسنا ” فينحاس الحقيقي “، وهو يسوع المسيح ربنا نفسه الذي له المجد والقوة إلى دهر الدهور. آمين.

الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الجزء الثاني: الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

الفساد مع المديانيين

عدد 25

إن الدرس الذي قُرئ علينا اليوم يحتوى على قصة أولى، وهي قصة زنى بين رجل من إسرائيل وأمرأة مديانية، وقصة ثانية هي قصة تعداد الشعب: على حسب أمر الرب، فإن الشعب يجب أن يُحصى من جديد، لأن التعداد الأول كان ـ بدون شك ـ قد أُلغى بسبب الخطايا التي ترتكب عن معرفة. والتعداد المكتوب في الكتاب المقدس قد أُبطل وأُلغى بسبب هذه الخطايا، إن الأخطاء أشياء سيئة جدًا ولا تنفع في شيء عند دخولها في التعداد أمام الله، بسبب ابتعادهم عن الطريق القويم. إن الكتاب المقدس يعلمنا أن نفس “الأعضاء” الذين ابتعدوا عن الله “سقطوا في الصحراء”. ومن القصتين اللتين قرئتا علينا، سوف نتكلم عن الأولى، التي تحكي قصة زنى الشعب، إذا كانت صلواتكم التي تقدمونها إلى الرب تعطي لنا فرصة لتناول هذه القصة. وإذا أردتم أكثر، سوف نقترب من القصة الثانية.

القصة

« وأقام إسرائيل في شطيم، وابتدأ الشعب يزنون مع بنات موآب، ودعون الشعب ذبائح إلى آلهتهن، فأكل الشعب وسجدوا لآلهتهم وتعلق إسرائيل ببعل فَغُور. فحمى غضب الرب على بني إسرائيل » (عد25: 1ـ 3).

مشورات بلعام

وهذا هو البرهان على ما قلناه مرارًا. كان بلعام يُمنع بالقدرة الإلهية من لعن إسرائيل، وكان بلعام بالرغم من ذلك يريد أن يعجب الملك بالاق وقال له: كما هو مكتوب: « تعال لكي أنبئك (أو أنصحك) » (عد24: 14). أية نصيحة أعطاها له؟ نحن لا نرى هذه النصيحة الآن، ولكن سفر العدد يرويها لنا فيما بعد. ولكن يرويها لنا بتفصيل أقل عن ما ورد في سفر رؤيا يوحنا، الذي يوجد فيه هذا القَوّْل « عندك هنا قومًا متمسكين بتعليم بلعام، الذي كان يعلّم الملك بالاق أن يلقي معثرة أمام بني إسرائيل، أن يأكلوا ما ذُبح للأوثان ويزنوا » (رؤ2: 14). وينتج عن هذا أن بلعام استسلم للخبث ونصح الملك تقريبًا بهذه الأقوال: هذا الشعب لا ينتصر بقوته، بل بعبادة الله، وبالمحافظة على الطهارة. إذا أردت أن تهزمه أو تنتصر عليه، فابدأ بتدمير طهارة هذا الشعب وسوف ينهزم من نفسه. وضد أسلحته فهو لا يهزم فقط بالقوة العسكرية، لكن بالجمال الأنثوي.

هذا الجمال لا يغلب بصلابة رجال الحرب، ولا بأذرع المحاربين، فاجمع نخبة الجميلات، وليسرن على نغمة راقصة وهم يخبطن أيديهن. فإن الجمال ينزع السلاح من المحاربين، ويجعل السيف ينهزم أمامهن. ولكن عندما لاحظت النساء الموآبيات أنهم تركوا أنفسهم للهوى، وأحنوا رقابهم تحت نير الخطية، اجتذبوهم لأكل ذبائح الأوثان، ودخلوا في معرفة الأسرار الخفية لبعل فغور الذي هو صنم ارتكاب الأعمال الدنيئة.

الإغــــواء

كانت هذه هي نصائح بلعام، وعلى هذا فإن الملك بالاق نظم في الحال قوات ليست مزودة بقوة الرجال، ولكن بغواية النساء، ومسلحة ليس بالقوة الحربية، ولكن بلهيب الشهوات. ليس هناك خجل أبدًا، والخجل لا يوقفهم. إن حب الوطن ورذيلة هذه الأمة (المديانيين) تضرم النار أيضًا بواسطة الفسق. وابتدأت الرذيلة في مد فخاخها. يا للكارثة! فإن الملذات بالكاد تُوقف بواسطة العقوبات القانونية، وبالكاد تمنع خوفًا من العقاب بالسيف. أية جريمة عندئذ لا ترتكبها امرأة متأكدة من إعجاب الملك بها وتتجاوز حدودها لكي تصل إلى سلام وطنها؟ إن الإسرائيليين كانوا إذًا مستعبدين ليس بواسطة السيف، ولكن بواسطة الفسق؛ ليس بواسطة القوة، ولكن بواسطة الشهوة واستسلموا للإفراط في الفسق مع النساء المديانيات، وغضب الله أنصب عليهم.

المعنى الأخلاقي: الهروب من الفسق

بالتأكيد، فإن ذلك يخفي غموضًا وأسرارًا للمعنى الداخلي، ولكن تتابع القصة نفسه يعلمنا أن الفسق يتسبب في الحروب، وأننا نتعرض لميول الفسق. ولكن هذه الميول لن تستطيع أن تخترقنا إذا تسلحنا بالأسلحة التي دعانا إليها الرسول لكي نتزوَّد بها:

« إذا كان لدينا درع البر، وخوذة السلام، وسيف الروح، وفوق كل هذا درع الإيمان وإذا كنا حاذين أقدامنا باستعداد إنجيل السلام » (انظر أف6: 14ـ 17). هذه هي الأسلحة التي يجب أن نتسلح بها في هذه الحرب. ولكن إذا أهملناها، فإننا نعرّض أنفسنا لضربات إبليس، وكل عمق الشياطين « ونسقط في الأسر » (انظر أف4: 8)، ويرتفع غضب الله علينا، وسوف نعاقب « في الدهر الحالي، والدهر الآتي » (انظر مت12: 32). إن العفة والبر والشجاعة والتقوى والفضائل الأخرى تعطينا إذًا الغلبة في كفاحنا ضد ضربات الشيطان الذي يوجهها ضدنا. على العكس من ذلك، الفسق والملذات وعدم التقوى وجميع الرذائل تقودنا إلى الهزيمة. هذه هي التعليمات التي تعطيها لنا القصة.

لكن، بما أن يوحنا في سفر الرؤيا يعطينا الأسرار الإلهية التاريخية التي تحتويها الرموز المقدسة، يجب كما يبدو لنا، أن نصبح متفقين مع فكره، ونتبع تعليمات الشرح التي يعطيها لنا، أولاً أن نذكركم بما كتبه للملاك في إحدى الكنائس: « ولكن عندي عليك قليل، أن عندك هناك قوماُ متمسكين بتعليم بلعام، الذي كان يعلم بالاق، أن يلقي معثرة أمام بني إسرائيل أن يأكلوا ما ذبح للأوثان ويزنوا » (رؤ2: 14). إذًا في عهد الرسول يوحنا، كان في الكنيسة التي كان يكتب عنها، بعض المنحازين لتعاليم بلعام. هل نعتقد أن أناسًا ادَّعوا التعاليم نفسها التي لبلعام، والتي يحذرنا منها الرسول بقوله: ” كما خدعت الحية حواء بمكرها « هكذا أيضًا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح يسوع » (2كو3:11).

إذًا طالما أن النفس متحدة مع الزوج، وتستمع إلى كلمته ومتعلقة به، فإنها تأخذ منه ثمرة الكلمة، وأيضًا فإن النبي قال:  « من خوفك، يا رب، حملنا في أحشائنا » (إش26: 18 سبعينية)، وتقول: “أعمال كلمتك خبأتها في صدري، وولدتها”، أنتجت روح الخلاص الذي أحضرته على الأرض. إذا كانت إذًا النفس تحمل هكذا أعمال المسيح فأنها تلد أبناء، الذين بواسطتهم يقال إنها وإنهم مطالبون بإتباع عقائده وتقليده.

وهناك موضوع في نفس سفر الرؤيا عن تعليم إيزابل، وهذا لا يعني أننا نعلم تعليم يُتخذ من إيزابيل، ولكن كل مُضطهد للأنبياء القديسين مثلاً، كما حدث منها، وكل مخطئ يعبد الأوثان، كل قاتل يقتل أبرياء تحت ادعاءات كاذبة، هو من أتباع إيزابيل. إذًا إذا كان أحدهم وبنصائح شريرة كان سببًا في معثرة شعب الله، إذا كان يجذب غضب الله وعدم رضاه عنه، سواء بكونه شريكًا في الذبائح التي تقدم للأوثان، أو بالموافقة على الفسق والملذات، يجب أن يوضع في مصاف أتباع مذهب بلعام. إن الفسق الجسدي، غير مرغوب فيه. إن النفس ستُنقذ بفضل ميلاد أطفالها، تثبت في الإيمان، والمحبة والقداسة مع التعقل (1تي2: 15) حتى إن كانت مثل “حواء” قد أُغويت أولاً. إن هذه الخصوبة حقًا مغبوطة، “خصوبة النفس” التي شاركت في فراش كلمة الله واستجابت لأحضانه. من هنا سيولد نسل نبيل، من هنا ستخرج العفة والبر والصبر واللطف والمحبة وكل السلالة المقدسة.

الخيانة الروحية: أطفال الخطيئة وأطفال الخلاص

ولكن إذا كانت النفس غير السعيدة تركت الفراش المقدس للكلمة الإلهية وسلمت نفسها لأحضان الخيانة، وانتهكت بواسطة خداعات إبليس وشياطينه، فأنها ستلد بالتأكيد، ولكنها سوف تلد أطفال يكتب عنهم « لكن أطفال الزنا لن يكتملوا والسلالة الخارجة من فراش منحرف سوف تستعبد » (انظر حكمة سليمان 16:3سبعينية) إذًا من الخطية يكون أطفال الخيانة وأبناء الزنا.

وهكذا ففي كل ما نفعله، فإن أنفسنا تلد وتضع في العالم أبناء: على أن نعرف أن كل الأفكار والأعمال التي تنتجها أنفسنا، إذا كانت تنتجها موافقة للناموس ولكلمة الله، فإنها تلد ” روح الخلاص “، وأيضًا ” سوف تخلص بولادة الأولاد “. وسوف يكونوا هم أطفال الذين يقول عنهم النبي: « بنوك مثل غروس الزيتون حول مائدتك » (مز128: 3). ولكن إذا كانت أعمالهم ضد الناموس وإذا كانت هذه هي خطاياهم، بدون أي شك ستلد نسلاً خبيثًا من أعمال الخطية من الروح المعادي لأنه نسل أبناء الخطية. وعندما نفكر في هذه الولادات الملعونة نجد أن بعض القديسين وصلوا حتى إلى « لعن اليوم الذي ولدوا فيه » (أي3: 1؛ إر20: 14).

إذًا لا توجد لحظات لا تقوم فيها النفس بالولادة، فالنفس تلد دائمًا، دائمًا تضع أبناء في العالم. فلنبارك الميلاد الذي ينتج من أعمال كلمة الله. مثل هذا الميلاد هو الذي سوف يكون له الفضل في أن النفس سوف تخلص، لكن إذا حبلت، كما قلنا، من روح الأعداء سوف تلد بكل تأكيد “أبناء الغضب”، “المهيئين للموت” (انظر رو 9: 22). وهاتان الولادتان هما اللتان أشار إليهما النص: « وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرًا أو شرًا لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو قيل لها إن الكبير يستعبد للصغير كما هو مكتوب: أحببت يعقوب وأبغضت عيسو » (رو9: 11ـ 13). إن أبناء النفس قبل أن تصنع أقل شئ صالح، يكونون محبوبين، على شرط أن يكون هؤلاء الأبناء هم ثمار الروح. ولكن لو أنها أنتجت بواسطة روح الشر، أولاد الشر، قبل أن يكتمل بالفعل عمل أقل شئ شرير، فإن النفس التي تثمر من هذه الإرادة الشريرة، تكون ثمرتها الرديئة مكروهة.

لهذا ربما بمقتضى نفس الفكرة، فإن الطفل الكنعاني قد لُعِن قبل ولادته. لأن أباه حام كان قد أخطأ. ونوح بعد أن وعد بالخيرات الوفيرة لكل واحد من أبنائه، تنبأ عندما وصل إلى حام قال « ملعون  كنعان » (تك25:9). إن حام هو الذي أخطأ، وابنه كنعان هو الذي لعن وظل ملعونًا. لهذا يجب أن نكافح بجد ونسهر حتى تظل أنفسنا لا تنتج شيئًا يستحق اللعنة. فإن النفس قبل أن تصل إلى فعل الخطيئة، يكون عندها في إرادتها وفي نيتها هذا الشر اللعين.

العقـاب

ولكن إذا كان هذا قد حدث فيكف يمكن أن نجد نفسًا غير معرضة لولادة مثل هذا النوع، ومجردة من كل إرادة للخطيئة؟ إذًا إذا حدث شئ من هذا النوع، فلنبحث في الكتب الإلهية عن الدواء الذي نستعمله. سنجد في المزامير ما يلي: « يا بنت بابل المخربة طوبى لمن يجازيك جزاءك الذي جازيتنا. طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة »! (مز137: 8ـ 9). بالرغم من أن هذا البابلي الذي نحمله مازال موجودًا فينا، ينتهز كل ما هو صغير، لذلك أخنقه في الحال بدون رحمة، دون مراعاة. إنه مكروه، اقتله بأن تحطمه على الصخرة. فإن « الصخرة هي المسيح » (1كو10: 4)، الذي هو قادر، وبدون أن ينتظر حتى يكبر هذا الوغد البابلي، وبدون أن يترك الفوضى تنمو. فكل الرغبات الشريرة، يحركها الروح الخبيث وتبدأ في النمو وتتقوى بواسطة حركات الإرادة. وإذا استطعت أن أقول عندما تبدأ في التقدم برأسها خارج النفس الأم، فإن الأم تستطيع أن تكسرها على الصخرة وتمنعها من الخطية بمعنى أن تقودها إلى المسيح، حتى إذا وضعت النفس في مواجهة، دينونتها الرهيبة فإنهم يذبلون ويموتون؟

الإتحاد بالمسيح أم الإتحاد بزانية

هذا ما لدينا أن نقوله بالمعنى الواسع عن أشكال الزنا المتعددة، وشكل واحد منه فقط هو الذي يدعى بالفسق بسبب الدنس الجسدي. بينما أنا، عندما وصلت إلى قراءة رسالة الرسول في النص الذي يقول « من التصق بالرب فهو روح واحد معه » « ومن التصق بزانية يكون جسدًا واحدًا معها » (1كو6: 17)، كنت أتساءل هل يوجد حالة وسط بين الاتحاد مع المسيح والاتحاد بالزانية، وكنت أتساءل وأدرسها في حدود قواي. كنت أتأمل فكرة عميقة ومخبأة في كلمات الرسول. بالنسبة له فإن كل نفس تكون متحدة أما مع المسيح أو مع الزانية. وفهمت أن الزانية هنا بالمعنى الرمزي، ليست سوى الشيطان.

والرسول يقصد بالمسيح، خصائصه التي هي من جوهر المسيح، بمعنى صفات: “الكلمة” “الحكمة”، “الحق”، “البر” … الخ.

وبالعكس بالاتحاد مع الزانية تنتج كل أشكال الشر. فهمت أيضًا ما قاله سليمان عندما وصف الزانية « هي تنظر من كوة بيتها من وراء شباكها تتطلع وإذا لاحظت بين البنين غلامًا عديم الفهم، عابرًا في الشارع عند زاويتها، ويتحدث في الليل والظلام، عندما يسدل السكون الليلي ستاره » (أم7: 6ـ 10).

أو ظلام الليل، حيث كانت المرأة تجرى أمامه، لها مظهر الغانية التي تجعل الشباب يحلمون، التي تسمى الغانية هي الشر نفسه، ومن يتحد بها يكونون جسدًا واحدًا للشر، أما من يتحد مع الله فهو يتحد بالحكمة، بالبر، بالقداسة، بالحق، ” ويكون روحًا واحدًا ” مع كل هذه الصفات. وبالرغم من ذلك من يتحد بهذه الغانية يتحد بالفجور، والكفر، والظلم، وفي نفس الوقت بكل أوجاع الخطيئة، والتي يكون معها جسدًا واحدًا.

الرفض من الله

« ثم وصل إسرائيل إلى شطيم » (عد25: 1). في قاموس الأسماء العبرية نجد أن شطيم في لغتنا معناه “الإجابة، أو الرد” وصل إذًا إسرائيل إلى الإجابة أو “الرد”. وهذا ليس نجاحًا. انظر ماذا حدث لإسرائيل في هذه المرحلة أنه سلّم ذاته إلى الزنا مع المديانيات ورفضه الله، ولم يكن راضيًا باستسلامه للزنا، واستسلم لأصنام الأمم وأكل اللحوم المذبوحة للأوثان وكل هذه الأشياء المكروهة أمام الله. « فأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان » (2كو6: 16).

سؤال الوثنيين

في الحقيقة، كنت دائمًا أندهش جدًا مما يكتبه القديس بولس لأهل كورنثوس « لأنه إن رآك أحد يا من له علم متكئًا في هيكل وثن أفلا يتقوى ضميره إذ هو ضعيف حتى يأكل ما ذُبح للأوثان » (1كو10:8).

يبدو في الحقيقة أن الحدث المعلن نفسه ليس سيئًا بدرجة كبيرة، مثلما يسبب الشر لمن يرى هذا المنظر ويقلده، ومن له علم وليس مثل الذي يفعل هذا الشر، حتى أنه بالنسبة له، فإن من له علم ويجلس على مائدة وثنية ليس مخطئًا جدًا لنفسه مثلما يخطئ بالنسبة لغيره.

اللحوم العقلية

لكن عند أهل كورنثوس، أليس هذا حقيقيًا؟ ما كان يحدث، كان هذا ليس فقط أننا جلسنا على موائد وثنية، وأكلنا لحوم مخصصة للذبائح، ولكننا كنا أيضًا محبين للأدب اليوناني والفلسفة، كنا أيضًا متمسكين بحب الدراسات القديمة، ومثلما كنا نأكل اللحوم المقدمة للذبائح، كنا نتغذى بالعقائد الفلسفية. كان هذا لا يضايق الذين تلقوا علم الحقيقة بأكمله فهم يفهمون ولكن من كانوا أقل تقدمًا في دراسة معرفة المسيح، عندما يقلدون من كانوا يقرأون هذه الكتب، ويتفانون في إعطاء أنفسهم أيضًا لهذه الدراسات، كانوا يصابون بجروح، ويتركون أنفسهم للأخطاء كلها ولمختلف البدع. وهكذا كان يصاب آخر بضربات لا تحدث لمن يملك معرفة الحقيقة كاملة. لكن الإحسان لا يبحث عما هو مفيد، إنما يبحث عمن يكونوا كعدد كبير، إذًا يجب أن نعتني بأن نأخذ غذاءً ثقافيًا لا يأتي فقط بالتثقيف والسرور، ولكن أيضًا لا يضر أبدًا، أو يحدث ضررًا لمن يرانا. إنها ليست فقط لحوم مخصصة للأصنام، ولكنها أيضًا كلمات. وأيضًا أعتقد أن كل كلمة تعلم التقوى، والبر والحقيقة تكون مكرسة ومقدمة قربانًا لله، وأيضًا بنفس الطريقة فإن كل كلمة تؤدي إلى عدم التقوى، والظلم والفسق تكون مقدمة كذبيحة إلى الأصنام ومن يتقبلها يأكل بطريقة معينة لحومًا مقدمة إلى الأصنام.

الفساد مع المديانيين – العظة العشرون من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

النبوءة الخامسة – العظة التاسعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الخامسة – العظة التاسعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الخامسة – العظة التاسعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الخامسة

لبلعـــام

سوف نقوم اليوم بشرح الرؤيا الخامسة والأخيرة لبلعام. لأننا كالآخرين نطلب من السيد الرب « ألا يرفضنا إلى الأبد » (مز77: 8) وأن يهبنا أيضًا النعمة لفهم هذه الرؤيا في معنى قريب من الحقيقة.

 

1ـ عماليق

ولنبدأ بهذه الكلمات « ثم رأى عماليق فنطق بلعام بمثله وقال عماليق أول الشعوب أما آخرته فإلى الهلاك » (عد24: 20)، ويبدو لي أنه من الضروري أن نبحث في الكتاب المقدس عن الأماكن والأزمنة التي ذكر فيها اسم عماليق وعن الأصل الذي تنحدر منه هذه الأمة.

وسوف تكون الإجابة على هذه الأسئلة أكثر سهولة إذا ما قابلناها بالعديد من المقاطع التي تتحدث عن نفس الموضوع. ففي سفر التكوين حيث اجتمع خمسة ملوك للهجوم على سدوم نجد بعد بضعة أسطر « ثم رجعوا إلى عين مشفاط التي هي قادش وضربوا كل بلاد العمالقة وأيضًا الأموريين الساكنين في حصون ثامار » (تك14: 7). وهذا أول مقطع أذكر أنني وجدت فيه اسم عماليق. ولكننا قد نتساءل عن إمكانية وجود أمتان تحملان نفس الاسم[1] لأن اسم عماليق ذكر في مواليد أولاد عيسو والأمراء المنحدرين منه. وكما هو مكتوب   « وهذه مواليد عيسو أبي أدوم في جبل سعير هذه أسماء بني عيسو . أليفاز ابن عدا امرأة عيسو ورعوئيل ابن بسمة امرأة عيسو. وكان بنو أليفاز  تيمان وأومار وصفوا وجعثام وقناز. وكانت تمناع سرية لأليفاز فولدت لأليفاز عماليق. هؤلاء بنو عدا امرأة عيسو » (تك36: 9ـ 12). وأبعد بقليل « هؤلاء أمراء بني عيسو. بني أليفاز بكر عيسو أمير تيمان وأمير أوما أدمار وأمير صفو وأمير قناز وأمير قورح وأمير جعثام وأمير عماليق » (تك36: 15، 16). وهذه العماليق هو ابن أليفاز بكر عيسو.

 

عماليق الأول: الشياطين والقداسة

ولنرجع للذكر الأول لعماليق عندما ” تراجع (الملوك) للوراء ” وعندما وصلوا إلى عين مشفاط التي تدعى قادش « ضربوا كل بلاد العمالقة » (تك14: 7). وقادش تعني “تقديس” أو الشئ المقدس. عماليق معناها الذي يخطف الشعب أو الذي يجعله ينصرف. إذًا فالذين يعودون إلى الشئ المقدس والذين يهتدون إلى القداسة “يضربوا” أي يقتلوا عماليق، الذي يخطف الشعب أو الذي يجعله ينصرف.

مَنْ إذًا غير القوة المعادية أو الأرواح الشريرة، التي تجعل الشعب ينحرف؟ « فإن مصارعه (القديسين) ليست مع دم ولحم بل مع رؤساء مع سلاطين » (أف6: 12). ولا يستطيعوا أن يقهروهم إلا إذا اهتدوا إلى القداسة. ففي القداسة، ففي قادش التي هي ” عين مشفاط ” (أي الحكم أو الدينونة) إن كل إنسان يهتدي إلى القداسة لديه بالفعل أمام عينيه ” عين مشفاط “. لأنه ينتظر يوم الدينونة بقلب مُطهر ويتأمل معاقبة الخطاة وكذلك سعادة الأبرار، وبهذه الطريقة يضرب ويطيح بكل أمراء العمالقة. ولكن كل من لا يهتدي في قادش أي عين مشفاط (الدينونة) أي إلى القداسة وعين مشفاط، ولا ينتظرون يوم الحساب القادم، فإنهم يخضعون لأمراء عماليق لأن عماليق يخطف الشعب يبتلعه ويجعله ينحرف عن طريق الرب. هذا هو عماليق الأول.

 

عماليق الثاني ويمثل الشيطان

ونلتفت الآن إلى عماليق، ابن أليفاز، بكر عيسو الذي ولدته له تمناع سرية أبيه أليفاز ويعني اسمه: الرب قد شتتني وأمه تمناع من حالة وضيعة ويعني اسمها الارتداد (الثائر المضطرب). وبالتأكيد فإن ابن مثل هذين الأبوين يكون عدوًا لإسرائيل، فهو يخطف الشعب أو يجعله ينحرف. وبالفعل فعماليق هو أول من حارب العبرانيين الخارجين من مصر إلى رفيديم عندما قال موسى ليشوع « فقال موسى ليشوع. انتخب لنا رجالاً وأخرج حارب عماليق وغدًا أقف أنا على رأس التلة وعصا الله في يدي. ففعل يشوع كما قال له موسى ليحارب عماليق وأما موسى وهارون وحور فصعدوا على رأس التلة. وكان إذا رفع موسى يده أن إسرائيل يغلب وإذا اخفض يده أن عماليق يغلب » (خر17: 9ـ 11).

وبعده مكتوب أيضًا “فهزم يشوع عماليق وقومه بحد السيف. فقال الرب لموسى أكتب هذا تذكارًا في الكتاب وضعه في مسامع يشوع. فإني سوف أمحو ذكر عماليق من تحت السماء. فبنى موسى مذبحًا ودعا اسمه يهوه ملجأي لأنه بيد خفية فإن « الرب له حرب مع عماليق من دور إلى دور » (خر17: 13ـ 16 سبعينية).

ونفهم جيدًا أيضًا من هنا مَنْ هو عماليق الذي يحاربه الرب ” بيد خفية ” ” أي غير مرئية “. ومكتوب أيضًا في سفر التثنية: « أذكر ما فعله بك عماليق في الطريق عند خروجك من مصر. كيف لاقاك في الطريق وقطع من مؤخرك كل المستضعفين وراءك وأنت كليل ومتعب ولم يخف الله » (تث25: 17ـ 18). ولاحظ كيف أن عماليق لاقى إسرائيل في الطريق ولم يستطيع أن يقطع الرأس بل المؤخرة فقط أي أنه استطاع الوصول إلى مَنْ هم في المؤخرة الذين يمشون آخرين، ودون أن ينسوا « (أنسى) ما هو وراء» ولم يكونوا « امتدوا إلى ما هو قدام » (انظر في3: 13). وهذا ما يفسر مبدأ الرب الذي قال « ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله » (لو9: 62). نعم هذه حقيقة فإن كل من يوجد في مؤخرة الصف فإن عماليق سوف يستأصله.

 

 

 

 

 

 

 

لا يجب أن نعفى عنه

ولكننا سوف نورد قصة أخرى متعلقة بعماليق حتى نلقى مزيدًا من الضوء على الموضوع الذي ندرسه. ففي سفر الملوك[2] ” وقال صموئيل لشاول. إياي أرسل الرب لمسحك ملكًا على شعبه إسرائيل. والآن فاسمع صوت كلام الرب. هكذا يقول رب الجنود إني قد افتقدت ما عمل عماليق بإسرائيل حين وقف له في الطريق عند صعوده من مصر. فالآن اذهب واضرب عماليق وحرموا كل ماله ولا تعفي عنهم بل اقتل رجلاً وامرأة. طفلاً ورضيعًا. بقرًا وغنمًا جملاً وحمارًا فاستحضر شاول الشعب وعدَّه في طلايم مئتى ألف رجل وعشرة آلاف رجل من يهوذا “.

ثم جاء شاول إلى مدينة عماليق وكمن في الوادي. وقال شاول للقينيين اذهبوا حيدوا وانزلوا من وسط العمالقة لئلا أهلككم معهم وأنتم قد فعلتم معروفًا مع جميع بني إسرائيل عند صعودهم من مصر. فحاد القيني من وسط عماليق. وضرب شاول عماليق من حويلة حتى مجيئك إلى شور إلى مقابل مصر. وأمسك أجاج ملك عماليق حيًا وحرم جميع الشعب بحد السيف. وعفا شاول والشعب عن أجاج وعن خيار الغنم والبقر والأتيان والخراف وعن كل الجيد ولم يرضوا أن يجرموها وكل الأملاك المحتقرة والمهزولة حرموها.

وكان كلام الرب إلى صموئيل قائلاً « ندمت على أني قد جعلت شاول ملكًا لأنه رجع من ورائي ولم يقم كلامي .. فاغتاظ صموئيل وصرخ إلى الرب الليل كله » (1صم15: 1ـ 11).

ونلاحظ هنا كيف أن الله، بواسطة نبيه يعطي أمرًا للملك شاول لمحاربة العمالقة وأن لا يعفي عن شئ. لأنه عندما عفى عن ملك عماليق أجاج ارتكب خطيئة لا مبرر لها، تأثر بها الله حتى أنه قال  « ندمت على أني قد جعلت شاول ملكًا » (1صم15: 11). إذًا لا يجب أن نعفى عمن يجعل الشعب، ينحرف أو عن من يخطفه ويبتلعه. هذا العماليق الخفي الذي يعترض طريق الذين يريدون الخروج من مصر والهروب من ظلمات هذا العالم والدخول في أرض الموعد، الذين يحاربوننا إذا ما وجدونا متعبين ومجهدين، ننظر للوراء ومنسحبين في المؤخرة، في ذيل الصف، فيقطعونا ويقتلونا.

ولهذا يجب علينا دائمًا أن « نمتد إلى الأمام » (انظر في3: 13)، ونسرع إلى ما هو أبعد: الصعود إلى قمة الجبل وبدون توقف نرفع الأيدي إلى السماء بالصلوات للتغلب على عماليق، مهما يؤدي إلى سقوطه. ولكن يجب أن ندرك إننا لا نصل إلى الأرض المقدسة ولا نصل إلى الملكوت دون التغلب أولاً على عماليق. فكثيرًا ما حارب داود في العديد من المعارك الحامية، التي واجه فيها الفلسطينيين وبالرغم من ذلك فكما هو مكتوب أنه لم يصل إلى الملك قبل أن يُخضع عماليق. يقول الكتاب « وكان بعد موت شاول ورجوع داود من مضاربة العمالقة أن داود أقام في صقلع يومين » (2صم1: 1). ولكن عماليق أولاً قتل العديد من شعب إسرائيل وأحرق الكثير من المدن. في الحقيقة فإن قبل مجئ داود الحقيقي، المولود من نسل داود حسب الجسد فإن العمالقة الذين هم القوى المعادية قد ارتكبوا العديد من المذابح الروحية في شعب إسرائيل حتى أنهم أسروا امرأتين من داود كما قال الكتاب، الأولى على ما يبدو تشير إلى شعب إسرائيل (اليهود) والثانية تشير إلى الأمم الوثنية[3]. فلا شك أن « اليهود والأممين » كلهم كانوا « تحت الخطية » (رو3: 9؛ غل3: 22).

ولكن المسألة لم تنته عند هذا الحد. اسمع ما فعله، داود « فنزل به فإذا بهم منتشرون على وجه كل الأرض يأكلون ويشربون ويرقصون بسبب جميع الغنيمة العظيمة التي أخذوا من أرض الفلسطينيين ومن أرض يهوذا. فضربهم داود من العتمة إلى مساء غدهم، ولم ينج منهم رجل إلا أربعة مئة غلام الذين ركبوا جمالاً وهربوا » (1صم30: 16ـ 17)، وبعد مذبحة العماليق هذه “عاد” وحصل على الملك.

 

عماليق ومبدأ عبادة الأصنام

2ـ هذا هو عماليق الذي رآه بلعام بن بعور « وحَي الذي يسمع أقوال الله ويعرف معرفة العلى. الذي يرى رؤية القدير ساقطًا وهو مكشوف العينين » (عد24: 15، 16). وكما هو مكتوب في الرؤية عندما نطق بلعام بمثله قائلاً « عماليق أول الشعوب وأما آخرته فإلى الهلاك » (عد24: 2). بالتأكيد فإنه لا يمكن أن ينطبق هذا الكلام على عماليق الرجل الذي كان يعيش في ذلك الزمان لأنه لم يكن أول أصله من قديم الزمان. ولكن هذا ينطبق بطريقة أفضل على عماليق الغير المرئي الذي يجعل الشعب ينحرف بعيدًا عن الله. بجعل المؤمنين بالله وثنيين، وهو يستحق بذلك اسم عماليق. ولهذا فإنه من الممكن، أن يطلق هذا الاسم على أول الأمم الوثنية، لكونها قوة معادية أي الأولى التي بدأت في جعل الناس وثنيين بأنهم « أبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات، واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق »        (رو2: 23ـ 25).

لأنه مثلما يقال في شعب الله أن ” المسيح هو الباكورة ” فإنه بالمثل في الأمم التي انحرفت عن طريق الله وأصبحت وثنية “عماليق” هو “باكورتهم”.

 

بذور عبادة الأصنام

“أما آخرته فإلى الهلاك”. بذوره هي الأفكار والعقيدة التي غرسها في أذهان الناس حتى جعلهم ينحرفون عن طريق الله، فهذه البذور السيئة والعقيدة الشنيعة وليس من زرعت بداخلهم هم الذين سيهلكون « التفتوا إلىَّ واخلصوا يا جميع أقاصي الأرض لأني أنا الله وليس آخر » (إش45: 22).

أليس هذا التفسير إجابة مرضية لمن يتهمون ناموس الله بالقساوة والوحشية لأنه لم يهلك فقط أمة العمالقة بل أيضًا كل المنحدرين منها. ولكنه في الحقيقة فإن عماليق يمثلون “أرواح الشر” وبذورها والخرافات الوثنية وعبادة الأوثان وكل بدعة تدعو الشعب إلى الابتعاد عن الله.

 

وليأخذ المسيحيون حذرهم

3ـ تتحدث النبوة بعد عماليق، عن القيني « ثم رأي القيني فنطق بمثله وقال: ليكن مسكنك متينًا وعشك موضوعًا في صخرة. لكن يكون قاين للدمار حتى متى يستأسرك أشور » (عد24: 21ـ 22). ويبدو لي أنه لا يعامل القيني كمذنب كبير. لأنه بالفعل قد قال له شاول في الفقرة التالية: « وقال شاول للقينيين اذهبوا وحيدوا وانزلوا من وسط العالقة لئلا أهلكم معهم وأنتم قد فعلتم معروفًا مع جميع بني إسرائيل عند صعودهم من مصر » (1صم15: 6). قيل الآن أن       « مسكنه متين وعشه موضوع في صخرة ” ” الصخرة هي المسيح ” (انظر1كو10: 4). إذًا إذا كان ” عشه موضوعًا في صخرة ” وبيته متينًا فبالرغم من ذلك فإن “بعور لم يكن “له” عش.

بعور هو أبو بلعام وهنا يمكننا أن نرى رمز الهرطقات حيث إن المعنى يبدو كالآتي: إن القيني يمكن أن يخلص إذا وضع عشه في صخرة، أي إذا وضع رجاءه في المسيح، ولم تحيطه خديعة الهرطقات ولم يُخدع. لأنه إذا حدث ذلك لن يفيده شئ أن يبدو موضوعًا في الصخرة التي هي المسيح. إذًا سوف يأسره الآشوريون، أي القوى الشريرة، الذين يسجنون ويسيطرون على من يحاصرونهم بأخطائهم الهرطقية.

في الحقيقة يبدو أن أداة الربط (و) تعكس الشرح الذي أعطيناه للقيني. ولكن يجب علينا أن نعلم أنه في اللغة العبرية يمكن استخدام أداة الربط ” و” بطريقة حشوية. ولهذا لا يجب علينا أن نحكم حسب لغتنا. كل لغة لها خصائصها التي تبدو معيبة في نظر الأخرى. وهنا يجب اعتبار أداة الربط ” و” زائدة وللحشو.

إذًا فالقيني الذي يعني اسمه المالك يجب أن يأخذ حذره حتى ولو كان يمتلك ويستحق نعمة الانتماء لكنيسة المسيح، حتى لا تخدعه خديعة بعور وتجعله ينحرف إلى معتقدات فظيعة ومحرفة. ويجب أن يحترس ألا يسلم للآشوريين لأن الذين يجدفون داخل الكنيسة يسلمون للشيطان الذين قال عنهم بولس الرسول « الذين أسلمتهما للشيطان لكي يؤدبا حتى لا يجدفا » (1تي1: 20).

ولهذا فإنه سوف يسلم الذين ينحرف إلى التجديف الهرطوقي، للأشوريين لأن الآشوريين يمثلون الشيطان، وأيضًا الذين يُسلمون لهم، لا يسلمون لكي يهلكوا ولا لإبادتهم ولكن لأجل تأديبهم ولإصلاحهم. وكما يقول بولس حتى « لا يجدفا » (1تي1: 20).

 

خلاصة النبوءة

4ـ ثم يلخص بلعام نبوءته بهذه الكلمات « ثم نطق بمثله وقال آه من يعيش حين يفعل الله ذلك. وتأتي سفن من ناحية كيتم وتخضع أشور وتخضع عابر فهو أيضًا إلى الهلاك » (عد24: 23ـ 24) يقال إن بلعام بالرمز: إن القارئ يستحسن أن يأخذ بالحرف وليس بالرمز ما قاله بلعام “سوف يخرجون كتيم ويعاملون الآشوريين بقسوة “.

 

من يعيش؟

ويقال إذًا من يعيش حين يفعل الله ذلك، يتكلم هنا ليس عن هذه الحياة البائسة، ولكن الحياة حسب الله ويريد أن يقول: في الوقت الذي يكون فيه كل ذلك « يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفي موآب ويهلك كل بني الوغي » (عد24: 17) أي أن المسيح سيأتي، ويدمر عبادة الأصنام ويضرب سلطان الشياطين، مَنْ يكون الرجل السعيد، المبارك الذي يرى ذلك أي الذي يفكر ويفهم أن هذا “فعله الرب” بهذه الطريقة.

 

النضال الأخير

« وتأتي سفن من ناحية كيتم وتخضع أشور وتخضع عابر فهو أيضًا إلى الهلاك » (عد24: 24) ويخرجون الكيتم ويعاملون بقسوة الآشوريين، وكيتم تعني جرح الآخر، أي أن الذين يهتدون للرب ويتعلمون من المسيح ينجون من الجرح الأخير الذي يضرب في نهاية الدهر عديمي الإيمان، يعاملون بقسوة الآشوريين هذا يعني أن مناضلي التقوى « إله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا » (رو16: 20). وسوف يعاملون بقسوة الآشوريين أي جنس الشياطين « ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو » (لو 10: 19).

 

[1]  افتراض على أساس تسلسل الأحداث ، عماليق الأول كان معاصر لإبراهيم والثاني معاصر لحفيده يعقوب.

[2]  في النسخة السبعينية للعهد القديم التي كان يقتبس منها كل الآباء والمعلمين في القرون الأولى، بل إن أسفار العهد الجديد تقتبس منها أيضًا يطلق اسم سفر الملوك على سفر صموئيل حسب النسخة العبرية المترجم النص العربي المتداول منها.

[3]  بموجب نفس العلاقة الرمزية فإن الأثيوبية ترمز إلى الكنيسة المنحدرة من أصل أممي.

النبوءة الخامسة – العظة التاسعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الرابعة – العظة الثامنة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الرابعة – العظة الثامنة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الرابعة – العظة الثامنة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الرابعة لبلعام

 

        1ـ لنأخذ الآن النبوءة الرابعة التي نطقها بلعام تحت إلهام كلمة الله لتكشف ما يريد الله أن يعطينا أيضًا في هذه النبوءة.

 

الأحــوال

على رأس هذه النبوءة يوجد الاستهلال المناسب لما سبق        « فاشتعل عصى بالاق على بلعام وصفق بيديه وقال بالاق لبلعام: لتشتم أعدائي دعوتك وهوذا أنت قد باركتهم الآن ثلاث دفعات. فالآن اهرب إلى مكانك. قلت أكرمك إكرامًا وهوذا الرب قد منعك عن الكرامة » (عد10:24ـ12). الكتاب يوضح هنا أن بالاق أدرك أن بلعام توقف عن عبث الشياطين التي تحضره رغم أن قوة الله تساعده لكي تجعله يتقدم لذلك يقول: ” الرب قد منعك عن الكرامة “. لكن لنترك هذه الموضوعات جانبًا ولنأخذ البقية، وبلعام يقول لبالاق: « ألم أكلم أيضًا رسلك قائلاً: ولو أعطاني بالاق ملء بيته فضة وذهبًا، لا أقدر أن أتجاوز قول الرب لأعمل خيرًا أو شرًا من نفسي. كل ما يقوله الله لي سأقوله. والآن هوذا أنا منطلق إلى شعبي » (عد12:24ـ14). كان بلعام يعرف أن الإجابات لم تكن معطاة له عن طريق وكلائه المعتادين ولكن عن طريق الكلي القدرة. إذًا لديه حق فقد تراءى له الاعتراض بأنه لا يستطيع نقض كلمة الرب، ” ولا يعمل شيئًا صغيرًا أو كبيرًا من نفسه “. الذي كان يحدثه لم يكن من الذين يلينون بالتقدمات والهدايا ولكن «هو الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران » (يع1: 17)، والكاهن لم يرد أن يتركه لكي يتأثر بالمال بما أن الله لا يتأثر بالهدايا.

 

المشورة

في هذه الأثناء في وقت التباعد، بدأ بلعام في التنبؤ « هلم أنبئك بما يفعله هذا الشعب بشعبك في آخر الأيام » (عد24: 14). لكن قبل تفسير النبوءة أريد البحث عن المعنى وما هي بقية الأفكار في الكلمات “احضر لأنبئك”، في الحقيقة إنه لا يعطي نصيحة لكنه يقول ما سيفعله هذا الشعب بشعبه في آخر الأيام. أنه يبدو أكثر منطقيًا قول: ” تعال لأنبئك بما سيفعله هذا الشعب بشعبك في آخر الأيام ” وذلك سيتسلسل منطقيًا. بلعام سيتنبأ بما سيفعله شعب إسرائيل بشعب بالاق أو بالأمم الأخرى وبما سيفعله في قوته وعدم تركه ليعيش في مدن موآب.

2ـ في الحقيقة فهي نبوءة عن المسيح الذي سيشير إليه بهذه الديباجة أنه سيرفع نجمة يعقوب وأنه سيظهر إنسان في إسرائيل سيحطم أمراء موآب. هذه النبوءة تبدو في موقعها إذا قيل “احضر لأنبئك”. ولكن ماذا نقول عن من كتب “احضر لأنصحك” بما سيفعله هذا الشعب بشعبك. لنبحث إذًا كيف يجب أن نفهم “أنصحك”.

 

مشورة الله

بالتفكير الكثير لم أجد أية وسيلة إذا أردنا أخذ “أنصحك” بالمعنى المقبول بالاستخدام الحالي والمعتاد، لكنني وجدت أن هذه الكلمات تتوافق أكثر مع معنى القطعة إذا أردنا فهمها هنا. المشورة الإلهية التي يجب أن تكمل في الأيام الأخيرة أوحت لي وسأكشفها لك وسأوضحها لتعلم ما سيفعله هذا الشعب بشعبك. هكذا يتضح معنى الكلمات أنصحك بما سيفعله هذا الشعب بشعبك تعني: أنا أنبئك وأظهر لك “مشورة” الله. أنني بحثت في بعض القطع من الكتابات الإلهية وهكذا نستطيع أن نجد لفظًا مناسبًا أوضح الرب أنه يمكن سماعه بنفس الطريقة التي قالها الرسول: « من الذي عرف فكر الرب أو من صار له مشيرًا » (رو11: 34). هنا اللفظ الاستفهامي “مَنْ” لا يجب أن يكون مأخوذًا كمساوٍ لشخص ولكنه يمثل كائن فريد وغير عادي. كيف؟ في الحقيقة إن فكر الله لا يعرفه إلا ابنه الوحيد الذي يقول « ليس أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له » (مت19: 29). ما هي معرفة الآب إلاّ معرفة مشورته وفكره، والروح القدس، الذي يفحص حتى أعماق الله (1كو2: 10) كيف لا يعرف فكره. فالابن والروح القدس والذين يريد الابن أن يعلن لهم، هؤلاء يعرفون فكر الرب. فإن كان الابن يعرف فكر الله إذًا فهو مشيره ولا ينبغي تخيل أن المشير هنا معناه أنه يقدم مشورة إلى كائن آخر يجهل ما سوف يفعله. فلا يجوز تصور كلاً من الابن أو الروح القدس أنه مشير بهذه الصورة. فالابن والروح لهما نصيب في مشورة الآب ومشيئته وهما يعرفان هذه المشورة وهذه المشيئة.

بنفس الطريقة تصرف بلعام مع بالاق بالمشورة التي أظهرها الله له إذ قال: « هلم أنبئك » (عد24: 4)، لأنه رائي حقيقي، وقد سمع كلمات الله حقيقة كما ثبت من كلام النبوة بعد ذلك التي تقول « وحي بلعام بن بعور وحي الذي يسمع أقوال الله ويعرف معرفة العلي … الذي يرى رؤيا القدير … هو مكشوف العينين » (عد24: 15، 16).

 

ديباجة:

IIـ معرفة العلي

إنني تحدثت عن كل هذا لأن الديباجة هي نفسها كالنبوءة الثالثة. لا نجد هنا سوى هذه الإضافة عن معرفة العلي. (المتعالي ـ الفائق). هذا لم يكن قد قيل لبلعام، ولم أُلاحظ وجود هذا التعبير عند أي واحد من الأنبياء القديسين. أنني أتعجب عندما أنظر إلى سلوك بلعام أنه لا يتكلم بالشكل المعتاد للنبوات التي قالها الرب، لكنه يقول: « بلعام الذي يرى رؤيا القدير » (عد24: 16). إذًا، كيف استحق بلعام أن يفهم هذا المدح العظيم الذي وجه إليه أنه ” يعرف معرفة العلي؟ ” (عد24: 16). وهو الذي علّم الملك بالاق الطريقة التي بها يضع عثرة أمام الإسرائيليين أن يأكلوا ما ذُبح للأوثان ويزنوا. مثل هذه المعرفة ” علم معرفة العلى “، قلما نجدها عند الأنبياء القديسين أو الرسل. والرسول بولس رغم أنه قال أنه « سمع كلمات لا ينطق ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها » (2كو12: 4)، لكنه لم يدّعِ أنه يملك علم معرفة العلي. إذًا، فلنبحث هذا الأمر بعمق، فقد ينعم الله علينا بكشف بعض الأفكار الهامة في هذا الموضوع.

 

كل حكمة هي من الله

مكتوب في سفر حكمة يشوع ابن سيراخ، « كل حكمة هي من الله » (سيراخ1: 1)، ومنه يمكن أن نستنتج أن ” حكمة هذا العالم ” التي قيل إنها يجب أن تكون قد أُبطلت، والتي ” هي من عظماء هذا الدهر “، وكل حكمة تأتي من العلم الخاطئ، هي أيضًا من الله، لو لم يقل السِفر نفسه بعد ذلك: « معرفة الشر ليست حكمة » (ابن سيراخ22:19)، وهذا يبرهن على أن الكل يعرف الكذب ويريد أن يبدو أنه قوي ويصعب هدمه وأبطاله. وهذا لا ينبغي أن يُسمى حكمة. فما هو المقصود إذًا بمعنى القول “كل حكمة هي من الله”؟

يبدو لي أن معنى هذا القول هو أن كل موهبة في أي فن نافع للإنسان، أو في أي علم مهما كان موضوعه، فهو يعتبر حكمة معطاة من الله. لأنه مكتوب في سفر أيوب: « من الذي أعطى النساء المهارة في النسج ومعرفة التطريز » (أي38: 36 سبعينية). وقال الرب لموسى في سفر الخروج: « انظر قد دعوتُ بصلئيل بن أوري بن حور من سبط يهوذا باسمه، وملأته من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة لاختراع مخترعات ليعمل في الذهب والفضة والنحاس ونقش حجارة للترصيع ونجارة الخشب ليعمل في كل صنعة. وها أنا قد جعلت معه أهولياب بن أخيساماك من سبط دان. وفي قلب كل حكيم القلب جعلت حكمة ليصنعوا كلّ ما أمرتك » (خر31: 2ـ 6).

ومن كل هذا فإن مهارة الصياغة في عمل الذهب، والفضة وكل المهارات الأخرى، وأيضًا ” المهارة في النسيج ” نفهمها ويمكن أن نقول عنها إن ” المعرفة هي من العلي “. وأن كانت معرفة صياغة الذهب تنسب للعلي، فبالأحرى جدًا يُنسب علم الهندسة لله، والذي منه يستمد علم الكتابة الذي سُمّي علم البناء. وأيضًا في سفر زكريا فإن حبل القياس الذي قاس به الملاك أورشليم دُعى هندسة. ولكن ماذا نقول عن الموسيقى؟ كان داود الحكيم يملك موهبة كبيرة في الوزن والنغم حتى أنه استطاع بألحانه أن يهدئ ملك ثائر ومُعذب من روح رديء. وأظن أنه لن يعترض أحد على أن كل العلوم هي من الله (كما هو مكتوب)، « كل حكمة هي من الله » (ابن سيراخ1: 1). وأظن أن الطب أيضًا لا يتناقض مع هذا القول، بل إن علم الصحة يعرف فصائل الزرع وخصائص العصائر.

وينتج من كل هذا أن معرفة بلعام التي من أجلها أتي من الشرق من جبال ما بين النهرين لكي يلعن يعقوب في منشأة وفي أصله، هى من العلي. من هنا فإنه حصل على معرفته بالطبيعة والحيوانات وحركات الطيور وفوارق الأصوات، ولكن كل هذه المواهب التي حصل عليها لأجل معرفة الأعمال الصالحة استخدمها للشر. وهذه الحالة تبدو مشابهة لحالة إنسان تعلم الطب، وهو يعرف فصائل الزروع وخصائصها وكل الأشياء المعطاة من الله للبشر لتستخدم كعلاج، ولكنه بانقلاب إرادته استخدم كل هذه المعرفة والعلم الذي أعطى لأجل خلاص الأجساد استخدامًا شريرًا، فصارت كسم بدلاً من العلاج، وبدلاً من الشفاء صار الطب في هذه الحالة يؤدي إلى الموت بدلاً من الصحة. 

ولكي نفهم أكثر أن الحكمة المتضمنة في كل علم هي من الله، وأن البشر ذوي النية السيئة بل وحتى الشياطين، هم الذين يحولون الحكمة الإلهية إلى الشر، فإننا نذكر حادثة دانيال وأصدقائه الثلاثة الذين أخبرهم الملك نبوخذ نصر أن يصيروا حكماء جدًا في حكمته أي في حكمة بلاده، أي في حكمة بابل. فأعطاهم الله معرفة، وعقلاً وفطنه في كل كتابة وحكمة، « وأعطي لدانيال الفهم في كل كلمة وفي الرؤى والأحلام. وجاءوا عند الملك، وفي كل كلمة وفطنه وعلم، وجدهم الملك في كل الموضوعات التي سألهم فيها، أضعاف في المعرفة أكثر من كل السفسطائيين والحكماء الذين كانوا في مملكته » (دا 1: 17، 19ـ 20سبعينية). هذا هو نص النسخة السبعينية، لكني أجد أن النسخة العبرانية أفضل. ونقرأ فيها ما يلي: ” الله أعطى الفهم والفطنة في كل حكمة كتابة، وُوجد دانيال فهيمًا في كل رؤية وحلم “، وأيضًا ” وآتي بهم أمام الملك، وفي كل كلام في الحكمة والعلم في كل ما سألهم الملك عنه وجدهم عشر مرات أعلم من كل المجوس والسحرة الذين في كل مملكته “. وبعد ذلك يمكننا أن نفهم بأي معنى قال بلعام عن نفسه إنه ” الذي يعرف معرفة العلي “، وهذا لكي نفهم أن منبع كل معرفة إنما يصدر من الله، ولكن بسبب خطأ الجنس البشري، وبسبب أفكار الشياطين وخداعاتهم، فإن ما أُعطى لأجل الخير صار للهلاك.

هذا لكي نشرح ـ بقدر قوتنا معنى القول: « من يعرف معرفة العلي؟ ».

 

النبوة

4ـ يقول بلعام بعد ذلك « الذي يرى رؤيا القدير… وهو مفتوح العينيين » (عد24: 15، 16)، وهذا كان قد سبق شرحه بصورة كافية عند حديثنا عن الرؤية الثالثة، وليس نافعًا أن نعيده.

 

المسيح يُعلن أنه ينبوع الغبطة

لنلاحظ إذًا ما يلي: « أراه ولكن ليس الآن. أعلنه مباركًا ولكن ليس قريبًا » (عد24: 17 سبعينية). وأيضًا كلمات أخرى تحمل نفس المعنى: “سأراه ولكن ليس الآن”. فإذا قبلنا هذه القراءة الأخرى سنفهم النص بسهولة أكثر. فيبدو كما يقول بلعام بعد ذلك عن المسيح:     « يبرز كوكب من يعقوب، ويظهر إنسان في إسرائيل » (عد24: 17 سبعينية). يقول بلعام إنه يجب أن يُرى ولكن ليس الآن، أي أنه لا يراه الآن في الوقت الذي يتكلم فيه. إذ في الأيام الأخيرة عندما يأتي ملء الزمان الذي فيه يرسل الله ابنه (انظر غل 4: 4).

ولكن إن كان يلزم أن نتبع ما نعرفه من النسخة المخطوطة فإننا نجد مكتوبًا فيها: « أراه ولكن ليس الآن، أعلنه مباركًا وليس قريبًا » (عد24: 17 سبعينية)، هذه الكلمات تنطبق لا على بلعام الذي نطق بها، بل على الذين يمثلهم كما قلنا سابقًا[1]. إن معلمي الناموس والكتبة لا يرون المسيح الآن معلنًا في الناموس الأنبياء، أي في مجيئه الحالي (بالجسد)، ولكن عندما « يدخل ملء الأمم، ويخلص جميع إسرائيل » (انظر رو11: 25، 26). هذا هو الذي يرونه، وهو الذي يعلنونه مباركًا. هذا هو الذي يجدفون عليه الآن… ولكن الوقت الذي يأتي فيه “ليس قريبًا”، ويجب أن نرضى ونرجو (ظهوره)، عند نهاية القرن. لهذا يقول بلعام “أراه ولكن ليس الآن”، ويقصد بالذي سيراه، الشعب الذي سيخلص.

               

الكوكب: ألوهية المسيح وإنسانيته

       ثم يقول: « يبرز كوكب من يعقوب » (عد24: 17). قلنا سابقًا عن هذه الكلمات أنها تتنبأ بوضوح عن “النجم” الذي ظهر للمجوس في المشرق، والذي قادهم إلى اليهودية للبحث عن « المولود ملك إسرائيل » (انظر2: 2ـ 11)، ووجدوه وقدموا له هدايا وسجدوا له.

ولكنني أتعجب أن الإنجيل بعد أن ذكر لنا أن النجم سبق المجوس إلى بيت وتوقف فوق المكان الذي كان فيه الطفل يسوع، فإنه لم يذكر أن النجم ابتعد واختفى وصعد، أو أي أمور أخرى. بل قال فقط أن النجم جاء ووقف فوق الموضع حيث كان الصبي. أليس هذا هو مثل ما حدث وقت المعمودية؟ لأنه بعد معموديته « صعد يسوع للوقت من الأردن، وإذا السموات قد انفتحت له. فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتيًا عليه وصوت من السموات قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت » (انظر مت3: 16، 17). وهكذا النجم أيضًا قد أتى فوق الموضع حيث كان الصبي، وهو الذي توقف هناك. وظل كذلك على المسيح، وهذا كله يشير إلى أن “الروح القدس في هيئة حمامة استقر عليه، ونحن نعرف أنه لم يتركه أبدًا، فأني أعتقد أننا يجب أن نعترف بأن النجم أتى واستقر عليه لكي لا يتركه أبدًا.

ويبدو لي أيضًا، أن هذا يرمز إلى ألوهيته. وتوجد أقوال أخرى في أقسام النبوة تشير إليه: وهي تقول عن ألوهيته: ” يبرز كوكب من يعقوب ” وعن طبيعته الإنسانية تقول: ” ويظهر إنسان في إسرائيل “. وهكذا فإن المسيح يظهر واضحًا في كل النبوات التي تتنبأ عن ألوهيته وإنسانيته.

 

انتصار المسيح

« وسوف يحطم رؤساء موآب » (انظر عد24: 17 سبعينية). موآب هي أمة أمراؤها لا يمثلون أي شئ سوى أرواح الشر والرئاسات المضادة للإنسان الخارج من إسرائيل. هذا الإنسان الخارج من إسرائيل سيحطمهم عندما « سيجرد الرئاسات والسلاطين ويشهرهم بصليبه » (انظر كو2: 15). لأنه لا يمكن أن يخلص الموآبيين ويقودهم إلى معرفة الله دون أن يقضى على رؤسائهم الذين كانوا يمارسون عليهم طغيانًا شريرًا.

« ويهلك وينهب كل أبناء شيث » (انظر عد24: 17سبعينية). وشيث هو ابن آدم وحواء الذي قالت عنه حواء عند ولادته « الله قد وضع له نسلاً آخر عوضًا عن هابيل الذي قتله قايين ». هذا هو شيث الذي كتب عنه، أن جميع الأجناس البشرية المنتشرة على الأرض خرجت منه، لأن نسل قايين هلكوا في الطوفان، فكل الناس الذين كانوا في هذا العالم (عندئذ) هم إذًا أبناء شيث. إنه « قيل إنه سيسلب كل أبناء شيث ». فلنعطِ لهذا السلب نفس المعنى الذي أعطيناه لذاك الذي قيل عنه: « سيأكل أمم أعداءه » (انظر عد24: 8، 9 سبعينية). وللذي قورن  « بأسد وبشبل أسد » (انظر عد24: 9 سبعينية). وهنا أخذ غنيمته من كل أبناء شيث. وبعد أن قهر أعداءه الشياطين فإن المسيح قاد بانتصاره الغنيمة وكأنه سلب الذين كانوا مستعبدين لطغيان الشياطين وخلصهم. ومكتوب عن هؤلاء أنفسهم في موضع آخر « إذ صعد إلى العلاء سبي سبيًا وأعطى الناس عطايا » (أف4: 8). هذا القطيع من المسبيين من جنس البشر الذين قيدهم الشيطان لأجل إهلاكهم، فإن المسيح أعادهم في الاتجاه العكسي ودعاهم من الموت إلى الحياة.

ليتني أستطيع أنا أيضًا أن أكون أسيرًا ليسوع المسيح وأكون من ضمن غنيمته وأن أكون مقيدًا بوثقه، لكي أحسب مستحقًا أن يقال عني أنا أيضًا “أسير يسوع المسيح”، كما كان هذا هو مجد بولس.

 

أدوم: الجسم

« ويكون أدوم ميراثه، وعيسو عدوه » (عد24: 18 سبعينية). أدوم وعيسو ـ هما بالمعنى التاريخي شخصية واحدة. هو عدو إسرائيل، ولكن عند مجئ المسيح، يقول بلعام، أنه سيصير (أي عيسو) ميراثًا لإسرائيل، وهذا يعني أنه سيُقبل في الإيمان، ولن يستبعد من ميراث المسيح. بالمعنى الروحي، آدوم هو « الجسد الذي يقاوم الروح » (انظر غل5: 17)، وهو عدو له. وعند مجئ المسيح، بسبب أن الجسد سيُخضْع للروح، برجاء القيامة، سيحصل على نصيب في الميراث. لأنه ليس النفس وحدها، بل الجسد أيضًا، عدوها، كلاهما سيخضعان للروح، ويصير لهما نصيب في الميراث الآتي.

 

قوة إسرائيل

« وإسرائيل يصنع ببأس ». أي يريد أن يقول إن أدوم أو عيسو، أي الطبيعة الجسدانية، سيصير لها نصيب في الميراث بسبب إسرائيل، أي أن النفس ستصنع ببأس، وسيصير لها الإمكانية بشكل كافٍ على العمل بشجاعة. فإذا لم تعمل النفس بشجاعة وظلت في جبنها، فإن الجسد لن يكون له نصيب في الميراث، بل يسقط تحت دينونة ذلك « الذي يهلك الجسد والنفس في جهنم » (انظر مت10: 58).

 

التحرر من رباطات العالم

« ويتسلط الذي من يعقوب ويهلك الشارد من المدينة » (عد19:24). هذا هو الذي “يبرز” مثل كوكب “من يعقوب”، وسوف    ” يهلك الشارد من المدينة ” فالكتب المقدسة – ليس في هذا الموضع فقط، بل في كل الكتابات النبوية أيضًا، تكون التعبيرات مغلفة وغامضة، لأن الروح القدس الذي أوحى بهذه الموضوعات، لم يرد أن تكون مكشوفة أو مداسة من أهل العالم، بل احتاط لذلك، حتى أنه في حالة النقاش العام تكون مدفونة داخل الألغاز، وتكون المعاني سرية بفضل غموض التعبير.

والآن، بخصوص العبارة: ” يهلك الشارد من المدينة “، إذا لم نتمسك بالصيغة المعتادة للنبوات، التي قيل عنها: “إن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص”، فستبدو صعبة جدًا على الفهم. ولكن يمكن أن نشرحها هكذا. المدينة هنا تشير إلى العالم. وأيضًا قصة الإنجيل عن الابن الضال، نحن نقول عنه إنه بدد ثروة أبيه، وذهب إلى مواطن هام في مدينة من تلك البلاد، حيث نال ترحيبًا كبيرًا، ثم أرسله ليرعى الخنازير. فالمدينة التي كان فيها هذا المواطن المهم هي العالم. فهذا الذي أنقذ من هذه المدينة، هذا يعني أن المسيح ينقذه من هذا العالم، أي المسيح يهلكه. لأنه يقول: « من يهلك نفسه لأجلي فهو يخصلها ». إذًا فالمسيح يهلك هلاكًا يخلص ذلك الذي أُنِقَذ من مدينة هذا العالم.

فإذا أردنا أن نصل إلى الخلاص وأن ننقذ من هذا العالم يجب علينا أن نهلك أنفسنا هلاكًا نافعًا وضروريًا. لأن من يهلك نفسه في إتباعه للمسيح، فهو يكبح رغباته، ويقطع أهوائه، ويتخلى عن تمتعاته وتكاسله، عاملاً ليس مشيئته الخاصة بل مشيئة الله هذا هو معنى ” أن يهلك نفسه “، حسب قول الكتاب. لأن الحياة الأولى هلكت، وتبدأ حياة جديدة في المسيح. هذا القول يقودنا إلى قول آخر « إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضًا معه » (2تي2: 11)، وأيضًا « إن كنتم قد متم مع المسيح عن أركان العالم، فلماذا كأنكم عائشون في العالم، تفرض عليكم فرائض؟ » (كو12: 20).

إذًا، هو يؤكد في هذه النصوص، أنه من الضروري أن نهلك أنفسنا إن كنا قد متنا مع المسيح. فهذا الذي يهلك نفسه هنا على الأرض، فسيجدها بدون شك هناك (في السماء)، حسب قول الرسول: « حياتكم مستترة في المسيح في الله » (كو3: 5)، الذي له المجد إلى دهر الدهور آمين.

[1] انظر عظة 14: 4.

النبوءة الرابعة – العظة الثامنة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الثالثة – العظة السابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الثالثة – العظة السابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الثالثة – العظة السابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

نبوءة بلعام الثالثة

1ـ الآن بين أيدينا النبوة الثالثة التي هي كلام الرب الذي وُضع بفم بلعام. سنحاول شرح بعض منه بنعمة الرب.

 

الحالات: جبل فغور، قمة اللذات

يتخيل الملك بالاق البائس بأنه بالنسبة للعناته لم يتهيأ المكان المناسب لسحر بلعام وليست الإرادة. إنه يعتقد أنه سوف ينجح بتغيير المكان “هلم ” يقول « آخذك إلى مكان آخر، عسى أن يصلح في عيني الرب أن تلعنه من هناك. فأخذ بالاق بلعام إلى رأس فغور المشرف على وجه البرية » (عد23: 27ـ 28).

الله يضع الذين يدعوهم على قمة جبل سيناء[1]، بالاق؛ وهو عدو الله، يضع بلعام على رأس جبل فغور، حيث فغور تعني لذة. بالاق يضع إذا الرجال على قمة اللذة والتنعم حيث إنه يحب اللذة أكثر من محبة الله ولأجل هذه الرؤية يجعلهم في أعلى نقطة على قمة اللذة والتنعم حتى يبعدهم من الله. إذ أن بالاق يعني الذي يطرد ويفترس. لهذا السبب فغور تشرف على وجه البرية، بمعنى نحو إنشغالات البرية الخالية من الله.

الذبائح

وقال بلعام لبالاق « ابن لي ههنا سبعة مذابح وهيئ لي هنا سبعة ثيران وسبعة كباش ففعل بالاق كما قال بلعام، وأصعد ثورًا وكبشًا على كل مذبح » (عد23: 29ـ 30). فالرسول يعلن حقًا بكل وضوح   « إن ما يذبحه الأمم فإنما يذبحونه للشياطين لا لله » (1كو10: 2). والنبي أيضًا تفوه قائلاً: « ذبحوا لأوثان ليست الله » (تث32: 17)، ومع ذلك فإن ناموس الرب قد أعطى وصايا فيما يخص الذبائح وسلم لأبناء إسرائيل كتابًا في طقوس الذبائح. نستطيع أن نفكر لماذا يجب أن نقدم لله الذبائح التي تبدو إنها ذبائح نذرت للشياطين. الإجابة على هذا ستكون بسيطة، وسريعة. قد بينا سابقًا أن إرادة الرب لم تكن    « بإعطاء كتاب الطلاق » (مت19: 6)، لأن الله لم يرد أن يفرق ما جمعه هو، لكن هو موسى الذي أوصى بهذه الوصية من سلطانه الذاتي من أجل قساوة قلب اليهود. كذلك في هذا نستطيع أن نبين بأن الله كما يقال عنه بفم نبي آخر « لا تأكل لحم الثيران ولا تشرب دم التيوس » (مز50: 13)، وأنه بموجب نص آخر ” لم أكلم آباءكم ولا أوصيتهم يوم أخرجتهم من أرض مصر من جهة محرقة وذبيحةً، أنه موسى الذي من أجل قساوة قلوبهم قد أعطاهم هذه الوصايا في تعاقب عادات سيئة قد بدأت في مصر، وبما أنهم لم يستطيعوا أن يبطلوا الذبائح فليقدموها على الأقل للرب وليس للشياطين. ومع ذلك يجب أن نبحث عما إذا لم يكن هناك سبب أكثر يسرًا وأكثر عمقًا لتقديم ذبائح للرب، إذًا كما قلت الذبائح التي تقدم للرب تبطل تلك التي تقدم للشياطين، حتى أن النفوس، المجروحة بالبعوض ” تشفى الآخرين”. يقال إن الأطباء يؤكدون: أنهم اثبتوا أن سموم الثعابين تزال بالأدوية المستخرجة من الثعابين، كذلك سموم الذبائح الشيطانية تُزال بالذبائح المقدمة للرب. وبنفس الطريقة الموت الذي ماته يسوع لا يدع الموت أن يسود على المؤمنين “منذ القديم كان الزمن قد سمح أن الذبائح صارت مناقضة للذبائح، لكن عندما أتى ذاك الذي هو الذبيحة الكاملة (1بط1: 19) « الحمل الذي بلا عيب » الذي “يرفع خطية العالم” أجمع، فإن الذبائح الخاصة التي كانت تقدم لله أصبحت بلا فائدة، بينما كل عبادة الشياطين قد طردت بضربة واحدة فقط. لكن بلعام سواء كان بإرادة القلب الغير مطهر، أو كان بخضوع الرمز الذي يقدم لشعب الفلاسفة والفريسيين الجاحدين، يقدم أيضًا ضحايا ويجهز الذبائح لأنه في الذبائح يضعون كل رجائهم كذلك الذين قلبهم لا يقبل الإيمان بالمسيح.

 

بلعام يفهم

2ـ وماذا بعد؟ « فلما رأي بلعام أنه يحسن في عيني الرب أن يبارك إسرائيل لم ينطلق كالمرة الأولى والثانية ليوافي فألا بل جعل نحو البرية وجهه ورفع بلعام عينيه ورأى إسرائيل حالاً حسب أسباطه فكان عليه روح الله، فنطق بمثله وقال … » (عد24: 1ـ 3).

نستطيع أن نتساءل لماذا رأي بلعام بأن ” الأفضل في عيني الرب أن يبارك إسرائيل “، ونفكر بأنه عندما لاحظ من الذبائح التي أحرقها، عندما رأي بأنه لم يتقدم شيطان واحد ولا أية قوة معادية تجاسرت لتظهر بقرب ضحاياه، وأن كل خدام الشر الذين اعتادوا أن يساعدوه في لعناته قد إبتعدوا، استطاع أن يفهم بأنه يحسن في عيني الرب أن يبارك إسرائيل.

 

اليهود سوف يقبلون

لكن الأفضل أن نفهم أن هذا الشعب الذي هو الآن “شعب باطل”، وأن المعلمين الذين ثبتهم في الضلال بعدم إيمانهم بالمسيح سيرون بوضوح في يوم ما، في “اليوم الأخير” عندما يدخل ملء كل الأمم    ” ويبدأ كل إسرائيل بأن يأتي الإيمان بالمسيح ” نعم الذين هم الآن   « لهم أعين ولا يبصرون » (مر8: 18)، وسيرفعون أعينهم نحو الأفكار الأكثر علوًا وروحانية، وسيبصرون ويفهمون بأنه ” يحسن في عيني الرب أن يبارك إسرائيل “الروحي” فسيرونه برتبهم على « حسب عشائرهم وبيوت آبائهم » (عد1: 20). « وكل واحد حسب رتبته ذاهبًا للحصول على مجد القيامة » (1كو 15: 23)، وآخذين رمزهم سيفهمون ما هو مكتوب في الكتاب المقدس، ما هو الآن لا يرونه ولا يفهمونه « بسبب وجود البرقع على قلبهم » (2كو3: 15).

يقول الكتاب المقدس « لم ينطلق كالعادي ليوافي فألا » (عد1:24)، لم يسمح بأن ينجذب على سؤاله العادي بمعاني الخشونة المادية ولم يدرس بعد إرادة الله على الحيوانات غير الناطقة وعلى رؤوس البهائم، كما يفعل الذين ينجذبون مع الفأل، ولكن سيعلم هو أيضًا بأن الله العلي لا يهتم بالثيران (1كو9: 9) ولا الخراف ولا الطيور ولا الحيوانات الأخرى لكن إذا وجد ما قد كُتِبَ عنها فقد كتب لأجل الإنسان.

 

النبوة: بلعام يتنبأ

3ـ فلننظر ما يقوله بلعام في النبوة الثالثة: « فنطق بمثله وقال وحي بلعام بن بعور، وحي الرجل المفتوح العينين، وحي الذي يسمع أقوال الله الذي يرى رؤيا القدير مطروحًا وهو مكشوف العينين » (عد3:24ـ4). ومن المدهش بأن مديح مثل هذا يخصص لبلعام الذي “أخذ كلامه”، ويتفوه بهذه الكلمات على نفسه. كيف أن بلعام مفتوح العينين حقًا، وهو الذي قد سلم نفسه للعرافة وللسحرة، الذي قد مارس السحر، كما قد بينا ذلك؟ ويبدو مستغربًا إذ يقول الكتاب « فكان عليه روح الله، وكلام الرب قد وضع في فمه » (عد24: 2)، لذلك استحق مثل هذا المديح العظيم لأننا لم نجد حتى موسى، ولا أي نبي آخر جعل في مكانة عالية مثل بلعام هذا.

 

إسرائيل يري

كذلك أفضل أن أنسب هذا الشعب القديم، للزمن الذي كان فيه     « قد رجع إلى الرب يرفع البرقع الموضوع على قلبهم… وأما الرب فهو الروح » (2كو3: 15ـ 16). لهذا السبب يقول إنه “مكشوف العينين” فقد كانت العينان مغلقتان والآن بروح الرب الذي كان عليه ” رُفع البرقع، قد كشف “.

إذًا إنها الآن اللحظة التي فيها ” يرى ويسمع حقيقة أقوال الله ”   و ” يرى رؤيا القدير ” بمعنى أنه سيرى ملء الزمان الذي أشير إليه في “أحلام” دانيال النبي ويرى الرؤيا التي أعطيت له في “حلم” (دا1:7)، بمعنى أنه سيفهمها ويراها بعيون مكشوفة. سيصبح حقًا مماثلاً للذي قد قال عنه الرسول: « ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح » (2كو10: 18).

 

النظرة الجسدية والنظرة الروحية

مع ذلك أريد أن أبحث ما هي “هذه العيون” التي قيل عنها “إنها مكشوفة”؟ ألا تكون حسب نصوص كتابية أخرى هي عيون أرضية، أو العيون التي يسميها بولس الرسول “الذهن الجسدي” عندما يعلن لبعض الأشخاص « باطلاً منتفخًا من قبل ذهنه الجسدي » (كو18:2). أعتقد أن الحية قالت  لحواء عن هذه العقوبة بأن « الله عالم إنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما” “فأكلت” “فانفتحت أعينهما » (تك3: 5) لكن يوجد نوعان من الأعين: عيون تنفتح بالخطية، والأخرى هي للرؤية لكي تفيد آدم وحواء. قبل أن تنفتح هذه الأعين (تك3: 7) الكتاب المقدس لم يقل في اللحظة التي فيها أعينهما لم تنفتح للخطية:        « فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون، وأن الشجرة شهية للنظر. فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضًا معها فأكل فانفتحت أعينهما » (تك3: 6ـ 7). حقًا كيف إذًا لم تكن أعينهما قد انفتحت بعد، أكانت المرأة قد رأت ” أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون “. وعن أي عيون قد قيل بأن ” الشجرة شهية للنظر “.

« لكن أنا أسمع كلام ربي يسوع المسيح، أفحص سلطانه ولطفه وأفهم كلامه: لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذي يبصرون » (يو9: 39). أعلم بأن الخطاة لا يبصرون بعيون من النوع الصالح والتي سميت “ذهن الجسد”، والتي قد انفتحت على نصيحة الحية. إذًا إنه عمل حميد أن مخلصنا وربنا لا يجعل الذين لا يبصرون الصالحات يبصرون بأعين من النوع الصالح. أما العيون التي تشتهي الشر فهى عيون انفتحت على نصيحة الحية، وبالعكس الذي لا يرون تضليل الحية، تنفتح أعينهم ويبصرون خيرات الرب يسوع مخلصنا، لأن العين التي تفتح أمام الشر لا تفتح أمام الخير. لذلك أستطيع أن أفهم كلام الرب اللطيف. هذا « من صنع للإنسان فمًا أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيرًا أو أعمى؟ » (حز4: 11). البصير هو الذي يرى بعيون المسيح، الأعمى هو الذي لا يرى نصيحة الحية القاتلة وقد ذكرنا كل هذا لكي نوضح ما هي “الأعين” المغلقة وما هي الأعين “المكشوفة” وفي نفس الوقت حتى في كلمة النبي: « ابصروا إبصارًا ولا تعرفوا » (إش9:6)، نعم بأي عيون إبصار يرى وبأي أعين البصيرة لا يرى، يبدو إذًا أن عيونه قد كشفت. لذلك بلعام يدعو نفسه “البصير الحقيقي” وقال: ” يقول ما سمعه من كلمات القوى “. لأن بنفس الطريقة هناك بعض الأعين قد أغلقت وبعض أعين أخرى قد انفتحت، نفهم من هذا بأن بعض ” الأذان يجب أن تكون مغلقة وبعض آذان أخرى يجب أن تكون مفتوحة “. لكن إذا أردنا أن نقبل هذه الكلمات بالمعنى التاريخي، نستطيع أن نقول هكذا: فقد رأي بأنه “قد حسن في عيني الرب أن يبارك إسرائيل”. بلعام يثبت بأن “عينيه انفتحت” وإنه أصبح “نبيًا حقيقيًا” وإنه رأي فعلاً مستقبل إسرائيل ويعقوب الحقيقي ويقول الكتاب المقدس أيضًا بأن بلعام سمع كلمات القدير عندما أتى الرب إليه وقال له في حلم: « الكلام الذي قد وضعته في فمك لتكن متنبئًا وتعلنه » (انظر عد22: 35)، مثلما ستكون “رؤيا الرب التي رآها في حلم” وسيؤكد بأن بفضل هذه الأحلام عيناه قد انكشفت لأنه استطاع أن يرى ما رآه. هذا لأجل أن نفهم كيف تنبأ بلعام عن نفسه.

 

المساكن والخيام

فلنرَ الآن ماذا يقول بعد هذا « ما أحسن مساكنك يا يعقوب، خيامك يا إسرائيل، كأودية ممتدة كجنات على نهر كشجرات عود غرسها الرب كأرزات على مياه » (عد24: 5ـ 6)، مساكن يعقوب الحسنة التي يمدحها لم تكن هي كما أظن مساكنهم الأرضية لأنه لم يلاحظ طرفهم شيئًا أحسن من التي للأمم الأخرى، ولكن فلنصغ بانتباه: الشعب قد قسم « بعشائرهم وكل عشيرة إلى أسباط والأسباط بدورهم إلى الأنساب والأنساب إلى بيوت الآباء وهؤلاء بدورهم قد أحصوا بعد الأسماء وبرؤوسهم، كل ذكر من ابن عشرين سنة فصاعدًا، كل ذكر خارج للحرب » (عد1: 3ـ 4، 20). ألا تكون هذه “المساكن” التي يمجدها بلعام مساكن بالروح؟ لكن لا يجب أن يعتبر هنا فقط المعنى الحرفي حيث إن بلعام  يقول « بعد أن أخذ أمثاله (رموزه) » (عد24: 1). فلنسمع كذلك برموز ما قد قيل حقًا إذ اعتبرنا التقسيم والرتب، سيعمل بها في يوم القيامة في الشعب الإسرائيلي الحقيقي، عندما يقوم كل واحد « يوم القيامة في رتبته » (1كو15: 32).

إذا استطعنا أن نرى “هذه العشائر، هذه الأسباط والأنساب” حيث إن أقل الأنساب أُحصوا في الجسد والدم عن الذهن والنفس، حينئذ سيُفهم ما “أحسن مساكن يعقوب” “وخيام إسرائيل”.

 

التأمل اللانهائي

ما هو الفرق بين “المساكن والخيام” بين يعقوب وإسرائيل؟ المسكن هو شئ ثابت قائم، محدد بحدود ثابتة. بينما الخيام هي مساكن الرُحَّل أثناء تنقلهم الدائم، وهم الذين لم يجدوا مسكنًا ثابتًا كنهاية لرحلاتهم. هكذا إذًا يعقوب يمثل الإنسان الكامل في الأفعال والأعمال، وفي إسرائيل نجد الباحثين عن الحكمة والمعرفة. التدريبات النشطة تقف في حدود معينة.

كمال الأعمال ليس نهائيًا للذي قد أكمل كل واجبه ووصل إلى حدود الكمال في الأعمال إذًا هذا الكمال في الأعمال فيه مسكنه، مسكنه الحسن. وبالعكس فإن الذين يعملون في الحكمة والمعرفة لا توجد نهاية لمجهوداتهم، لأنه أين هي حدود حكمة ربنا؟ كلما نقترب لحكمة ربنا كلما نكتشف أعماقًا أخرى، كلما نبحث أكثر كلما نفهم أمورًا فائقة الوصف وغير ممكن إدراكها لأن حكمة الله لا يمكن إدراكها ولا يمكن تقديرها. هذا للذين كما أقول يتقدمون على طريق حكمة الرب، أما بلعام لا يمدح منازلهم حيث إنهم لم يصلوا بعد إلى نهاية الرحلة، لكنه يتعجب من الخيام التي بها ينتقلون باستمرار ويتقدمون دائمًا، وكلما تقدموا كلما وجدوا أن طريق التقدم الذي يسيرون فيه يمتد ويؤدي إلى لا نهاية. هذا هو السبب الذي من أجله يسمى الذين تقدموا بالروح خيام إسرائيل.

في الحقيقة كل من يتقدم في المعرفة ويحصل على بعض الخيرات في مجال يعرفه جيدًا. بعد أن يصل بتأملاته في بعض الأسرار الروحية تهدأ النفس … وبعد أن يصل إلى تقدم ذهني فإنه يطوي خيمته بأي طريقة ثم ينصبها في موضع أكثر علوًا وهناك يثبّت مسكنًا لروحه في ثبات الفهم. وبعد أن يرحل من جديد من هناك تكتشف روحه معاني روحية أخرى تظهر بعد الأولى، إنه دائمًا يكون كما يقول الكتاب المقدس « أمتد إلى ما هو قدام » (في3: 13). يبدو إنها تتقدم كالبدو بخيامهم. لا تأتي أبدًا اللحظة التي فيها تستطيع النفس المشتعلة بنار العلم أن تمنح الوقت لنفسها، وأن تستقر بل هي دائمًا تتجه في الصلاح نحو الأفضل، ومن هذا الأفضل إلى الأكثر سموًا.

 

الرحلة نحو الحكمة

من هذه الرحلة المتجهة نحو حكمة الرب، يعطينا بلعام صورة ساحرة وعجيبة « كأودية ممتدة، كجنات على نهر، كشجرات عود (كخيام) غرسها الرب. كأرزات على مياه » (عد24: 6). الذين يتبعون هذا الطريق يسيرون خلال “الأشجار المظللة” لأن الأشجار المظللة، هي جماعة الأبرار وطغمة الأنبياء القديسين، أرواحهم تتذوق الرطوبة تحت  ظل المعاني التي تجدونها في كتاباتهم وهم يتلذذون من عمق الأشجار. إنهم أيضًا يجدون “جنات على النهر” هذه “الجنات على النهر” هي صورة “للفردوس” حيث هناك “شجرة الحياة”. وفي هذه الأنهار نستطيع أن نرى كتابات الإنجيل والرسل، كذلك المعونات المرسلة بواسطة الملائكة والسلاطين السمائية لهذه الأرواح. وهذه الأرواح تتغذى بكل العلم والمعرفة الخاصة بالأمور السمائية. أما مخلصنا فهو نهر « يفرح مدينة الله » (مز46: 5). والروح القدس ليس فقط مثل نهر، بل أيضًا مثل ينبوع ماء “من البطن للذين قد أعطى لهم” والله الآب يقول: ” تركوني أنا ينبوع المياه الحية “، هو مصدر الأنهار (المياه). هذه الأنهار هي التي سقت خيام الإسرائيليين كمثل “الخيام” التي غرسها الرب (عد24: 5).

ونقرأ أيضًا « ما أحسن مساكنك يا يعقوب خيامك يا إسرائيل » (عد24: 5ـ 6)، “مساكن يعقوب” هي الناموس “وخيام إسرائيل” هي الأنبياء. بلعام لا يمدح يعقوب في شخصه، لكن مساكنه، ولم يمدح إسرائيل نفسه لكن خيامه … ويمدحها عندما “انكشفت عيونه”. طالما يغطي البرقع عينيه (2كو3: 14) عن معرفة الناموس والأنبياء فهو لا يرى أن الخيام حسنة، ولا المساكن جيدة، لكن “عندما يرفع البرقع” وعندما نبدأ في الرؤية ونعرف بأن « الناموس روحي » (رو7: 14)، والأنبياء كذلك، حينئذٍ تكون مساكن يعقوب حسنة وعجيبة، وخيام إسرائيل تكون مدهشة أيضًا، عندما يبعد “الحرف الذي يقتل” سنبدأ بأن نبصر « الروح الذي يُحيي » (2كو3: 6).

نستطيع أن نقول بمعنى آخر أن أجساد وأرواح الشعب المؤمن والكامل الذي جمعه المسيح من بين الأمم هم أيضًا موضوع المديح، وسميت أجسادهم مساكن يعقوب لأن يعقوب هو مسكن إسرائيل، وسميت أجساد هذا الشعب يعقوب وروحه إسرائيل، كذلك سميت أجساد الأبرار المساكن الحسنة. حقًا جسد يعقوب يستحق المديح مزينًا بالزهو والطهارة، وأحيانًا بالاستشهاد. نستطيع أيضًا أن ننسب “الخيام” إلى النفوس الكاملة التي تستحق اسم إسرائيل مادامت ترى الله.

 

الاقتداء (بالخيام) السماوية

حيث إن هذه الخيام هي « كأودية ممتدة، كجنات عود غرسها الرب » (عد24: 6)، فإنه يجب أن نخرج من هذا العالم لنرى ما هي هذه “الخيام التي غرسها الرب”. إنها هي الخيام التي أظهرها الرب لموسى، عندما كان يبني الخيمة في الصحراء قائلاً له: ” انظر فأصنعها على مثالها الذي أظهر لك في الجبل ” إنه إذًا على مثال “الخيمة المغروسة من الرب”. الخيام التي يجب أن يعملها إسرائيل، وكل واحد منا يجب أن يحضر ويقيم خيمته.

أيضًا ألم يكن بمحض الصدفة أن يكون بطرس واندراوس وأبناء زبدي “صيادون” (مر10: 35؛ مت4: 18ـ 21؛ مر2: 16ـ 19). وبولس صانع خيام (أع 18: 3) فالأولون سمعوا الدعوة عندما كانوا يصطادون السمك، وأصبحوا “صيادي الناس”. بموجب كلام الرب « هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس » (مت4: 19)، وبولس “المدعو” هو أيضًا من ربنا يسوع المسيح قد خضع لتحويل مناسب لمهنته، فالأولون أصبحوا صيادين للناس بدلاً من صيد السمك، وأصبح بولس صانع الخيام السمائية بدلاً من الخيام الأرضية، إنه قام حقًا بتعليم كل واحد طريق السلام، طريق المراحل الطوباوية. صنع بولس الرسول خيامًا أيضًا « من أورشليم وما حولها إلى إلليريكون قد أكمل التبشير بإنجيل المسيح » (رو12: 19). وبناء الكنائس، بولس يصنع الخيام، السمائية التي قد « أظهرها الله لموسى في الجبل » (خر25: 40).

كان آباؤنا قد سكنوا تحت الخيام في البرية، وقد أقيم العيد يوم الخروج من مصر بعمل الفصح والفطير (عد28: 16ـ 17؛ عد29: 12)، وكذلك كان يقام في البرية عيد المظال أو عيد الخيام. من أي مادة يجب عمل هذه الخيام؟

من كلمات الناموس والأنبياء والمزامير وكل ما يحتويه الناموس ومن الكتب المقدسة، تنمو النفس عندما « أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام » (في3: 13)، بترك البقاع السفلى، ننمو ونتقدم نحو ما هو أعظم للنمو في الفضائل وتغيير الإقامة التي بواسطتها نتقدم، ويمكننا بأن نقول إننا نسكن في الخيمة « التي غرسها الرب » (عد6:24). أليست هي أيضًا الخيام التي ذكرها المخلص في إنجيله عندما قال: « اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية » (لو16: 9). وقد قال إن الخيام « غرسها الرب لأنها ليست محمولة بكل ريح تعليم » (أف4: 14).

 

الأرزات: ملائكة

هذه الخيام هي أيضًا ” كأرزات على مياه “. الأرز هنا ليس الذي يزدهر فيه كبرياء ردئ، لكن “أرز الله” (عد24: 9؛ مز37: 35)، هو الذي يسند « فروع الكرمة التي نقلت من مصر » (مز80: 1)، وحيث ينضج الثمر “حيث يغطى الظل الجبال”. إذا كنت قد فهمت قيمة السلام الذي يجلبه طريق الحكمة، وأي نعمة وأي وداعة تنالها فلنطرح كل تهاون وكل تغافل، ولندخل في هذا الطريق ولا نتراجع أمام قفر البرية. إنه بمكوثك في هذه الخيام تحصل على المن السماوي « تأكل خبز الملائكة » (مز 78: 25).

عليك أن تبدأ فقط ولا تخاف، كما قلنا عن قفر البرية، بعد قليل سيأتي الملائكة وهؤلاء الملائكة، على ما يبدو لي، تمثلهم صورة الأرزات.

 

ملكوت المسيح

5ـ لنفحص الآن نبوءة بلعام بشأن المسيح لأنه يقول عنه:      « سيخرج رجل من ذريته ويتسامى ملكه على أجاج وترتفع مملكته وستنمو مملكته. الله أخرجه من مصر له مثل سرعة الرئم »      (عد24: 7ـ 8).

هذا هو المسيح الذي خرج من ذرية إسرائيل بحسب الجسد. كيف سيملك على كل الأمم، هذا لا يحتاج إلى شرح خاصة إذا قرأنا ما قاله له الآب: « اسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك وأقاصي الأرض ملكًا لك »[2] (مز2: 8).

“يتسامى ملكه على أجاج” ماذا تعني أجاج؟ يعني فوق السطوح “وتنمو مملكته”. تتسامى من فوق السطوح هذا يخص الكاملين. النمو يخص جميع المؤمنين وعند الكاملين، مملكة المسيح تتسامى فوق السطوح بمعنى فوق الذين يشغلون الأجزاء الأفضل ويسكنون الأماكن العليا. ربما توجد حقيقة “في السماويات” كائنات تساعد على التقدم وعلى الارتفاع لأغراض المسيح. لهذا السبب أعتقد أن المخلص عندما يقول « والذي على السطح فلا ينزل ليأخذ من بيته شيئًا » (مت24: 17). إنه يحذر الذين يسيرون نحو الكمال والعلو بأن لا ينزلوا مرة ثانية إلى الأماكن السفلى والدنيئة لهذا العالم، هنا سميت البيوت. وعندما يقول المسيح « الذي تسمعونه في الأذن نادوا به على السطوح » (مت10: 27)، يفسر بنفس الطريقة. إذًا ” يتسامى ملكه على أجاج وترتفع مملكته ” أي ترتفع مملكته وتتزايد الكنائس ويزداد عدد المؤمنين، مملكته ترتفع حتى اللحظة التي فيها « يضع الآب جميع أعدائه تحت قديمه. آخر عدو يبطل هو الموت » (1كو25:15ـ16).

بعد هذا قد كتب أيضًا عن المسيح: « الله أخرجه من مصر » (عد24: 8). يبدو أن ذلك تم بعد موت هيرودس أنه دعى من مصر ويشير الإنجيل إلى ذلك « من مصر دعوت ابني » (مت2: 15)، هذا الكلام يبدو لبعض المفسرين أنه استخرج من هذا النص ودَّون في الأناجيل، والبعض الآخر يعتقد أنها أخذت من هوشع النبي (هو1:11). كذلك نفهم مجازيًا أن بعد مجيئه (المسيح) في مصر هذا العالم، قد أخرجه الآب من مصر وجعله يأتي إليها ليفتح الطريق للذين من مصر ليصعدوا نحو الله.

” له مثل سرعة الرئم ” يأتي المسيح لإخضاع كل ممالك إبليس، لأن المسيح هو الرئم الحقيقي الذي قد أسس مملكته الوحيدة في المجد والبهاء. وقد سبق أن أشرنا بأن القرن يعنى مملكة.

 

يأكل أممًا مضايقيه

كذلك يقول بلعام عنه: « ويقضم عظامهم ويحطم سهامه » (عد8:24)، يأكل أمما مضايقيه بمعنى أن أعداءه الذين يملكونها سيهدموا سلطانهم و ” تقضم عظامهم “، أي بتقليل كل الأفكار الجسدية الغليظة فيهم بتحويلها نحو الإدراك الروحي لأن الغلظة تُعتبر عيبًا في الكتب المقدسة. كما جاء في هذا النص « قلب هذا الشعب قد غلظ » (أع 28: 27)، وفي هذا النص الآخر « سمنت وغلظت واكتسيت شحمًا فرفض الإله » (تث32: 15).

” يأكل إذًا أممًا ” وطعامه هو (هداية) الذين يؤمنون به كما يؤكده الإنجيل « طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني » (يو4: 34)، حيث إن مشيئته هي أن تهتدي الأمم إلى الأيمان. إذا قلنا بأن “الغلظة” تتعلق بالخطأ، فالدقة تتعلق بالخير لأن روح الحكمة قد كتب عنه هو “عاقل، مقدس، وحيد، ومتنوع” ويقال أيضًا إنه “دقيق”.

” وسهامه، سترشق على مضايقيه “، سهامه هي الكلمات التي غلب بها الشيطان وقهره بها ونفذت كذلك في كل أعدائه ومخالفيه. حيث إن كل  خاطئ هو عدوه مادام يخطئ. ولكن إن سمع كلمات الرب واعترف بخطاياه التي تنفذ وتخدش، واهتدى للتوبة وحفَّر كلام الرب فيه حتى الجوف، يقال إنه قد نفذ سهامه.

بلعام بعد ذلك يشير إلى الآلام: ” جثم كأسد ربض كشبل من يقيمه؟ ” إنه جثم كأسد عندما كان على الصليب « جرَّد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه (أي في الصليب) » (كو15:2).

إنه “كشبل” عندما قام من نعاس الموت، وصار يشبه بأسد وشبل في آن واحد. وذلك ما نستطيع أن نفهمه من الواقع بأن المسيح سُمى بأسد في الكاملين، وشبل بالنسبة للمبتدئين والأحداث[3]. أما بالنسبة للسؤال من “سيقيمه؟” يُقال تارة بأنه قد قام بواسطة الآب السماوي (رو8: 11)، وتارة يُقال بأنه « بعد ثلاثة أيام » (مت26: 21)، سيقيم هيكل جسده بنفسه، النمط الاستفهامي مناسب كلية هنا.

« مباركك مبارك ولاعنك ملعون » (عد24: 9). إنه من المؤكد الذين “يباركهم” المسيح، “يكونون مباركين ومفعول البركة الأبوية يصلهم” و “الذين يلعنهم يكونون ملعونين”. حقًا ننظر لهذا الشعب الذي يلعن المسيح سنجده ملعونًا لدرجة البكاء. ماذا يمكن أن يحدث أيضًا للذي يلعن « الحكمة والحق والحياة » (1كو1: 24؛ يو11: 6). إلاّ أن يصير منفيًا من كل هذه الصالحات؟ حيث إن المسيح هو كل هذا والذي يلعن المسيح لاعنًا كل هذه الصالحات يحكم عليه بلعنة أبدية. لكني أرى أن الذي يلعن المسيح ليس هو فقط الذي يقول ضده كلمة اللعنة، لكن الذي هو تحت غطاء اسم مسيحي يسلك سلوكًا فاضحًا، وبكلماته أو أفعاله القبيحة، إذ « يجدف على اسم المسيح بسببكم بين الأمم » (رو2: 24). وبالعكس ليس فقط الذي يبارك السيد الرب بكلمات يجب أن ينظر له كمبارك لكن بأعماله وبحياته وتصرفاته “يبارك اسمه بواسطة كل العالم”. إنه بالأحرى تكتمل بذلك معنى نبوة بلعام الثالثة، بأن ” الذين يباركهم المسيح سيكونون مباركين، والذي سيلعنهم المسيح سيكونون ملعونين “. لذلك فبالأحرى ألا نجدف بأعمالنا على اسم المسيح، لكن بالأحرى نعمل بالطريقة التي بها نستحق بأن يكون لنا نصيب في بركاته.

له “البركة والمجد والكرامة والسلطان إلى آبد الآبدين. آمين”.

 

[1] جبل سيناء هو رمز الكمال في تقليد الآباء وهو موجود عند فيلون ومستمر حتى أغريغويروس النيسي مرورًا بأوريجينوس.

[2] فيما يختص بملكوت المسيح انظر عظة 16 فقرة 6 من نفس الكتاب.

[3] أوريجينوس يرى أن المسيح هو الابن المتحد بالآب وهو رأس كل خليقة وهذه المظاهر في شخصية المسيح تنعكس في علاقته بكل مؤمن، فحسب الدرجة التي يوجد فيها المؤمن، يظهر المسيح في داخله بصورة تلائم تقدمة أو عدمه فهو شبل في نفس مظهر وأسد في نفس مظهر آخر. المسيح يحمل كل فضائل اللوغوس من حكمة وبر، وتقدمنا في هذه الفضائل هو عبارة عن إزدهار للمسيح فينا، والمسيح أيضًا هو المعرفة وهو العقل وكل كمال لمعرفتنا هو بُعد عن الأفكار الجسدية وهو إزدهار للمسيح فينا.

النبوءة الثالثة – العظة السابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوة الثانية – العظة السادسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

النبوة الثانية – العظة السادسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

النبوة الثانية – العظة السادسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

الجزء الأول: العظة السادسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

مثال التابوت عند الفلسطينيين

مع أن الكتب الإلهية تفيض بأمثلة بشأن هذه الحقيقة يكفينا ـ أعتقد ـ أن نورد هذه الحادثة من الكتاب. ” أخذ الفلسطينيون تابوت الله وأتوا به من حجر المعونة إلى أشدود “، وهناك يقول الكتاب المقدس « أخذ الفلسطينيون تابوت الله وأدخلوه إلى بيت داجون وأقاموه بقرب داجون. وبكر الأشدوديون في الغد إذا بداجون ساقط على وجهه إلى الأرض أمام تابوت الرب… فثقلت يد الرب على الأشدوديين وأخرجهم وضربهم بالبواسير » (1صم 5: 2ـ 10)، وبعد ذلك يقول الكتاب المقدس « تابوت الله أرسل إلى عقرون، والعقرونيون أرسلوا رسلاً وجمعوا كل أقطاب الفلسطينيين، وجمعوا كهنتهم وسحرتهم قائلاً ماذا نصنع بتابوت إله إسرائيل؟ أخبرونا كيف نرسل تابوت الله إلى مكانه … الكهنة والعرافون أجابوا، إذا أرسلتم تابوت إله إسرائيل فلا ترسلوه فارغًا بل ردوا له قربان إثم، وحينئذ تشفون ويعلم عندكم لماذا لا ترتفع يده عنكم ». وبعد ذلك بقليل       « فالآن خذوا واعملوا عجلة واحدة جديدة وبقرتين مرضعتين لم يعلهما نير واربطوا البقرتين مع  العجلة وارجعوا ولديهما عنهما إلى البيت وخذوا تابوت الرب واجعلوه على العجلة وضعوا أمتعة الذهب التي تردونها له قربان إثم في صندوق بجانبه وأطلقوه فيذهب وانظروا فإن صعد في طريق تخمه إلى بيتشمس فإنه هو الذي فعل بنا هذا الشر العظيم وإلا فنعلم أن يده لم تضربنا. كان ذلك علينا عرضًا » (1صم6: 7ـ 9).  فنلاحظ هنا كيف يبحث الكهنة والعرافون عن سبب الشرور التي أصابت الفلسطينيين بحسب علامات تبين إذا كان هذا العقاب من الله الذي أراد أن ينتقم للتابوت، أو بسبب عارض وقالوا: « إذا صعد في طريق تخمه إلى بيتشمس فإنه هو الذي فعل بنا هذه الشرور » (1صم6: 9)، ونتابع القصة: « وبعدما وضعوا تابوت الرب على العجلة، استقامت البقرتان في الطريق إلى طريق بيتشمس وكانتا تسيران في سكة واحدة وتجأران ولم تميلا يمينًا أو شمالاً » (1صم6: 12). من يستطيع أن يقول هنا، بعد تفكير عميق، إنه يعرف أن الاتجاه الذي مرت فيه البقرتان هو من عمل عارض وليس بتدخل الشياطين الذين يخافون من قدرة تابوت الرب التي سببت الويلات وكانت عقابًا للفلسطينيين ولا سيما هذه القدرة التي قلبت التعبد للشياطين بأن طرحت تماثيلهم أرضًا في معابدهم في كل مرة يدخلون تابوت الرب فيها! هكذا تتدخل الشياطين في التنبؤ بالمستقبل، هذا التدخل قد حدث عن طريق بعض الحيل بواسطة الذين وضعوا أنفسهم في طاعة الشياطين والذين يدّعون بالأقدار أو ينادون العرافين، سواء بفحص الأحشاء التي تسمى haruspices، أو بواسطة طلاسم أخرى من نفس النوع؟ يبدو أنهم يصلون بهذا إلى إعلام وذكاء. هذه الحيل عُمِلتْ كثيرًا لإغراء الجنس البشري، حتى إن منسى ابن حزقيا قد ضَّل بهذه الضلالة وبنَّى كما يقول الكتاب المقدس « مذابح لكل جند السماء في داري بيت الرب » (2مل21: 5). جند السماء بحسب الرسول بولس كما أظن هي: « هذه أجناد الشر الروحية في السماويات » (أف6: 12)، فإنه كان لهذه الحيل قدرة عظيمة في الأغراء والتضليل حتى إن ابن أحد الرجال العظام الذي نشأ في ناموس الرب وقع في الضلالة التي ذكرت في كتاب الملوك « إنه مارس الأقدار والعيافة، وإنه عمل ذبائح للأصنام وعبرَّ ابنه في النار، وقد أكثر من السحرة بكثرة “بأنه أكثر عمل الشر في عيني الرب لإغاظته » (2مل21: 6). هذه كانت خطاياه، لكن يمكن أن يقال إن هذه الخطايا قد أُرتكبت « بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة » (2تس2: 9)، « حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضًا » (مت24: 34). حيث الشعب قد ضَّل لدرجة إنه عمل ” ما هو شر أمام عيني الرب، أكثر من الشعب الذي أبادهم الرب أمام أبناء إسرائيل “. في الكتاب الثاني في سفر أخبار الأيام قد ورد كلام مماثل عن كفر منسى.

« عمل سواري وسجد لكل جند السماء وعبدها، وبنى مذابح في بيت الرب الذي قال عنه الرب في أورشليم يكون اسمي إلى الأبد وبنى مذابح لكل جند السماء في داري بيت الرب، وعبر بنيه في النار في وادي ابن هنوم وعاف وتفائل وسحر واستخدم جانا وتابعة وأكثر الشر في عيني الرب لإغاظته » (2أي 33: 3ـ 6).

كل هذه الممارسات: العيافة، فحص الأحشاء، ذبح كل حيوان وأيضًا كل استخدام السحر، كل انتقال للطيور، للحيوانات، وكل فحص الأحشاء وكل خضوع ـ بدون شك ـ للشياطين التي توجه انتقالات الطيور والحيوانات أو الأحشاء بتتميم علامات علّموها للذين أودعوا لديهم معرفة العرافة، يجب أن يكف عنها نهائيًا. رجل الله الذي « قد أحصى في النصيب الإلهي » (تث3: 9)، ولا يكون له أي علاقة بالأعمال الخفية المنصوبة من الشياطين لئلا يتحالف معهم، ويمتلئ من روحهم ومن قدرتهم ويخضع بعبادتهم. إن إيماننا الإلهي السماوي يرذلهم، وفي سفر اللاويين يذكر ناموس الرب هذا الأمر بدون غموض.

“لا تتفاءلوا ولا تعيفوا”، وأيضًا « لا تلتفتوا إلى الجان ولا تطلبوا التوابع فتتنجسوا بهم. أنا الرب إلهكم » (لا 19: 26، 31)، وأيضًا في سفر التثنية: « متى دخلت الأرض التي يعطيك الرب إلهك لا تتعلم أن تفعل مثل وجه أولئك الأمم. لا يوجد فيك من يجيز ابنه أو بنته في النار ولا من يعرف عرافة ولا عائف ولا متفائل ولا ساحر ولا من يرقى رقية ولا من يسأل جانًا وتابعة ولا من يستشير الموتى. لأن كل من يفعل ذلك مكروه عند الرب وبسبب هذه الأرجاس طردهم الرب إلهك من أمامك » (تث18: 9ـ 12). بكل الوصايا، يعلمنا الله أن كل إنسان يمارس هذه الممارسات لا يقوم بعمل خلاف استشارة الموتى، والموتى هم الذين ليس لهم نصيب في الحياة لأن  « إلهنا إله أحياء وليس إله أموات » (مت22: 32).

وعلاوة على هذه الوصايا يضيف الرب بأن الذي يريد أن يكون كاملاً يجب ألا يكون تلميذًا لأي شخص آخر خلاف النبي المختار بسلطانه الإلهي ليخدم الشعب حقًا. يقول الكتاب « تكون كاملاً لدى الرب إلهك. إن هؤلاء الأمم الذين تخلفهم يسمعون للعائفين والعرافين وأما أنت فلم يسمح لك الرب إلهك هكذا. يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من أخوتك مثلي. له تسمعون حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلاً: لا أعود أسمع صوت الرب إلهي ولا أرى هذه النار العظيمة أيضًا لئلا أموت » (تث18: 13ـ 16).

الله لا يريدنا أن ندخل مدرسة الشياطين ولا أن نتعلم منهم ما يجب ألا نتعلمه. إنه من الأفضل أن نبقى جهالاً من أن نتعلم من الشياطين، إنه أيضًا من الأفضل أن ندخل مدرسة النبي من أن نستفسر من المتفائلين [التفاؤل حقًا ليس كما نتصوره هبة إلهية لكن يبدو لي إنه أخذ هذا الاسم من السخرية] المتفائلون هم جماعة من الرجال مملؤون من الشياطين. والدين الوثني عندهم يعتبر إلهيًا وهو كل ما صور من أي روح. نحن يمنعنا الله من أن نتعلم أي شئ من المتفائلين خوفًا من أن نشاركهم في سحرهم ونكون قد سُلمنا للعقاب الذي كتب عنه إشعياء النبي « فتتضعين وتتكلمين من الأرض وينخفض قولك من التراب ويكون صوتك كخيال من الأرض ويشقشق قولك من التراب » (إش29: 4). ولهذا السبب لم يقبل ربنا يسوع شهادة الشياطين لكن يقول: « اخرس وأخرج منه » (مر1: 25)، وبولس الرسول إقتدى به عندما « ضجر والتفت إلى روح العرافة وقال : أنا أمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها » (أع 16: 18). ربما تفكر أي “حزن” دفع بولس الرسول حتى يطعن روح عرافة، هل قالت بعض تجاديف؟ حسب الكتاب المقدس، “أن جارية بها روح عرافة استقبلتنا”، واتبعت بولس ورفقاءه وصرخت قائلة « هؤلاء الناس هم عبيد الله العلي الذين ينادون لكم بطريق الخلاص. وكانت تفعل هذا أيامًا كثيرة » (أع16:16ـ18). إذًا يوضح إنه ليس التجديف الذي أحزن بولس الرسول لكنه رأى أنه لا يجب أن تشهد عرّافة لكلامه. فهو لا يرضى أن الشياطين تشهد له أيضًا. الذي أحزنه كما يجب علينا أن “نحزن” برؤيتنا النفوس تضل بواسطة الذين يعتقدون إن روح العرافة هو كائن إلهي، وأن روح الجان روح متفائل، بل هو روح ساحر، روح شيطاني أو أي روح آخر مماثلة من الشيطان. لذلك يقول ” إنه ليس عيافة على يعقوب ولا عرافة على إسرائيل “. لكن ماذا يقول الكتاب المقدس بعد ذلك؟ “في الوقت يقال عن يعقوب وعن إسرائيل ما فعل الله” ماذا تعني “في الوقت؟” متى يكون ذلك؟ عندما يكون ذلك مفيدًا، هذا ما تعنيه “في الوقت”. إذًا عندما يكون لنا مفيدًا أن ندرك المستقبل سيُعلن لنا ذلك عن طريق أنبياء الرب والروح القدس. لكن إذا لم يُعلن، أعلم بأنه غير مفيد لنا أن نعرفه. أما الذين لا يحتملون الانتظار لمعرفة المستقبل ويبحثون عنه بطرق مختلفة منها استدعاء الشياطين، لا يعملون شيئًا سوى البحث لمعرفة ما هو غير مفيد. هنا تحت اسم يعقوب كل إنسان يستطيع أن يدرك أن عليه أن يصارع « مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة هذا العالم» (أف 6: 12)، وتحت اسم إسرائيل يُفهم أن كل إنسان بالطهارة والإيمان وطهارة العقل يحصل على رؤية الله.

لكن يمكننا أن نقول: إذا كان الله هو الوحيد الذي يجب أن يعرّفنا المستقبل، فإذا يجب علينا أن لا نقبل لا ساحرًا ولا عرافًا ولا أي شئ يأتي منهم ولا يجب أيضًا أن نقبل بلعام حيث إن الوصية الإلهية تمنع قبوله. لكن فلننتظر جيدًا لنتذكر ما قد سبق أن قرأناه: ” الرب يقول: وضع كلامًا في فم بلعام “. إننا لا نتعلم هنا هذه الحقائق من بلعام لكن من كلام الرب الذي وضع في فمه الكلام. حيث إن هذا الكلام من الرب فإنه لا يمكن أن يعلن كلمات موسى التي كان هذا الأخير لا يستطيع أن يعرفها إلا بإعلان إلهي حيث إنه كان بعيدًا جدًا عندما قيلت من بلعام لملك بالاق.

ولكي ننتهي من هدم العرافة وكل ممارسات أخرى من نفس النوع، سنضيف أيضًا ملحوظة في هذا الموضوع: كل السحرة استعملوا الطيور أو الحيوانات والتي كانت تهاجم الجنس البشري والمعتبرة دنسة حسب الناموس والثعابين والزحافات (دبابات) اعتبروها مخصصة لخدمة الشياطين، وخدمة أرواح العرافة.

 

أسد وشبل: المؤمنون والمسيح

8ـ وبعد ذلك يقال: « هوذا شعب يقوم كلبوة ويرتفع كأسد » (عد23: 24). هنا يبدو لي وصف اتكال الشعب الذي يؤمن بالمسيح. فصدق إيمانه وسمو رجائه قد رمز إليها بشبل عندما يقصد الكمال لأنه منشرح ومجتهد، وقد رمز إليه بأسد عندما يكون قد حصل على الكمال فعلاً. ففي الواقع الأسد والشبل لا يخشيان أي حيوان آخر، ولا أي بهيمة أخرى، لكن كل الحيوانات تخضع لهما. كذلك المسيحي الكامل الذي « يحمل صليبه ويتبع المسيح » (مت16: 24)، الذي يستطيع أن يقول « العالم قد صلب لي وأنا للعالم » (عد6: 14)، ويدوس كل شئ تحت قدميه فهو ينتصر على كل شئ… في الحقيقة هو يحتقر ويرذل كل ما هو للعالم ويقتدي بالذي سُمى ” الأسد من سبط يهوذا ” وأيضًا “الشبل” حيث إن المسيح الذي هو “نور العالم” (يو8: 12)، الذي قد أعطى لتلاميذه أن يكونوا هم أيضًا “نور للعالم” (مت5: 14)، بما أنه أسد وشبل فإنه أعطى للذين يؤمنون به اسم الأسد والشبل كما هو واضح، فلنتأمل بأن هذا لم يرد عن الشعب قديمًا، لكن عن الشعب الذي كان سيأتي بعد ذلك. حيث يقول بلعام « هوذا شعب يقوم كلبوة ويرتفع كأسد » (عد23: 24). الشعب الذي يقوم، هو بكل تأكيد الشعب الآتي فلو كان يتكلم عن الشعب الذي يراه لكان بلا شك قد قال: هوذا الشعب الذي قام كلبوة لكن من المؤكد بأنه كان يتكلم عن الشعب الذي أشار إليه سفر المزامير « ويأتون ويخبرون ببره شعبًا سيولد بأنه قد فعل » (مز22: 31). إذًا هذا الشعب مثل لبوة. فمادام مثل المولود حديثًا « كأطفال مولودين الآن اشتهوا اللبن العقلي العديم الغش » (1بط2:2) لكن يكون أسدًا مرتفعًا، وعندما يصير رجلاً كاملاً، يبطل ما للطفل (1كو13: 11).

 

أكل جسد وشرب دم كلمة الله

9ـ عن التفسير الحرفي « لا ينام حتى يأكل فريسة ويشرب دم قتلى » (عد23: 24) ما هو المدافع، من هو الشرس الذي إذ يرفض وينفر من رعب الحرف، ولا يلجأ مجبرًا إلى عذوبة المعنى الرمزي؟ كيف أن هذا الشعب الأصيل الجليل الذي لا يكف عن اللهج في كلام الرب، وعن مدحه كثيرًا ويأتي هنا ليشرب من دم القتلى حينما يمنعه الله بقوة بأن لا يأكل من الدم حتى نحن الذين قد دعينا من ضمن “الأمم” قد قبلنا الوصية « أن تمنعوا عن الدم » إن لم يكن « عما ذبح للأصنام » (أع15: 29)، إذًا فليقولوا لنا ما هو هذا الشعب الذي له عادة شرب الدم؟

إنه بسبب هذه الكلمات كما جاء في الإنجيل عند اليهود الذين كانوا يتبعون الرب وقالوا « من يستطيع أن يأكل الجسد ويشرب الدم؟ » لكن الشعب المسيحي، الشعب المؤمن سمع هذه الكلمات وتعلق بها وتبع المسيح الذي قال « إن لم تأكلوا جسدي وتشربوا دمي فلا يكون لكم حياة  أبدية لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق » (يو6: 54)، والذي يقول هذا قد جُرح فعلاً بسبب الإنسان لأنه         « مجروح لأجل معاصينا » كما يقول إشعياء النبي (إش5:53). وقد قيل لنا بأن ” نشرب دم المسيح “، ليس فقط عندما نأخذه أثناء سر التناول، لكن أيضًا عندما نقبل كلامه في داخلنا حيث تستقر الحياة كما قال هو بنفسه « الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة » (يو6: 63). إذًا هو مجروح ذاك الذي “نشرب دمه”، عندما نقبل تعاليمه، وأيضًا هم مجروحون الذين قد بشروا بكلامه، إذ عندما نقرأ كلمات لهؤلاء الرجال، أي كلمات التلاميذ والرسل فإننا نجد معهم الحياة و”نشرب دم المجروح”.

 

الفريسة: ملكوت السموات

« لا ينام حتى يأكل فريسة » (عد23: 24). هذا الشعب الذي قد رمز له بلبوة أو بأسد، سوف لا يرتاح إلا عندما يخطف فريسته بمعنى أن يغتصب ملكوت السموات، حيث « من أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت الله يغصب والغاصبون يختطفونه » (مت11: 12). لكن حتى نفهم أن هذا النص يختص بشعبنا الذي قد أكمل عهد الأسرار عن المسيح، اسمع موسى كذلك « وزبدة بقر ولبن غنم مع شحم خراف وكباش أولاد باشان وتيوس مع دسم لب الحنطة. ودم العنب شربته خمرًا » (تث32: 14). ما قد سُمى دم العنب يختص بالعنب الذي ينمو في هذه الكرمه كما قال المخلص عنها « أنا الكرمة الحقيقية وأبي الكرام وأنتم الأغصان » (يو15: 1).

إذًا أنت هو الشعب الإسرائيلي الحقيقي، أنت الذي تعرف ” أن تشرب الدم ” أنت الذي تعلمت أن تأكل جسد كلمة الله وأن تشرب دمه، ومن الأغصان الذي ينقيها الآب. فلنختم هنا رؤية بلعام الثانية. فلنصل إلى السيد المسيح الذي تنازل لأجلنا ليكشف لنا ويعلمنا بقية نبوته، والمعاني الأكثر لمعانًا وأكثر قربًا من الحقيقة حتى أن ما يكون قد أذيع بالروح وما كتب بالروح القدس ينكشف بمقارنة الروحيات بالروحيات”. وهكذا تشرح النصوص بطريقة لائقة بالرب وبالروح القدس الذي قد قبلناه بالمسيح يسوع ربنا الذي له المجد والسلطان إلى الأبد آمين.

 

النبوة الثانية – العظة السادسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

النبوة الثانية – العظة السادسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

النبوة الثانية – العظة السادسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

النبوة الثانية – العظة السادسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

الجزء الثاني : العظة السادسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج2

النبوة الثانية لبلعام

1ـ في العظة السابقة حاولنا بقدر الإمكان شرح الجزء الأول من نبوة بلعام ونبدأ الآن شرح الجزء الثاني حتى نفسر ما يرد فيها من أفكار حسب طاقتنا وبإلهام الرب لنا.

 

الحالات: الظروف والملابسات

أصيب الملك بالاق بالفزع من الكلمات غير المتوقعة التي سمعها من بلعام. إنه سمع بركات بدلاً من لعنات فلم يحتمل واعترض قائلاً « ماذا فعلت بي؟ لتشتم أعدائي أخذتك وها أنت قد باركتهم » (عد1:23)، هذا الملك السيئ لم يتحمل عذوبة البركات فهو يبحث عن اللعنات ويطلبها. إنه ينتسب لتلك التي قال عنها « ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية » (تك 3: 14).

ماذا يجيبه بلعام ” الذي وضع الله كلام في فمه “، قال « أما الذي يضعه الرب في فمي أحترص أن أتكلم به » (عد23: 12) اعتقد بالاق بأن بلعام أرتعب من عدد شعب إسرائيل وأنه ليس عنده شجاعة، ولهذا السبب افتكر بأن يغير المكان حتى ينجح في مسعاه وقال له «هلم معي إلى مكان آخر تراه منه وإنما ترى أقصاءه فقط وكله لا ترى فإلعنه لي من هناك » (عد23: 13). يا له من أحمق!! إعتقد بأن نعمة الإسرائيليين يمكن أن تختفي بواسطة عائق موضعي ولا يعرف أن « المدينة الموضوعة على جبل لا يمكن أن تختفي » (مت3: 14). « فأخذه إلى حقل صوفيم إلى رأس الفسجة وبنى سبع مذابح وأصعد ثورًا وكبشًا على كل مذبح وقال لبالاق: قف هنا عند محرقتك وأنا أوافي هناك. فوافي الرب بلعام ووضع كلامًا في فمه وقال بلعام: إن الله هو الذي يتكلم … وأنه قال أرجع إلى الأرض وتكلم هكذا … لكن هو .. اسمعوا لبالاق كان واقفًا عند محرقته ورؤساء موآب معه فقال له بالاق: ماذا تكلم به الرب »؟ (انظر عد14:23ـ17). العرافة تعمل بواسطة ذبائح دنسة، وتبحث بأن يحصل إتصال بالسحر لكن الله يريد بأنه « حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا » (رو5: 20). فالله يتكرم بوجوده ولا يلتفت إلى هذه الطقوس المقامة حسب ضلال الوثنيين وليس حسب الطقس الإسرائيلي. أنه لا يتجلى مع ذلك في الذبائح لكن يحضر للذي يأتي أمامه.إنه يعلّم كلامه ويعلن أسراره المستقبلة بواسطة من يتمتع أكثر بثقة وإعجاب الوثنيين حتى إن الذين لا يريدون أن يصدقوا أنبيائنا، يصدقون سحرتهم وعرّافيهم.

 

النص

2ـ فنطق بمثله وقال ـ بلعام يقول إذا بمثل « قم يا بالاق اسمع … إصغ إلىَّ يا ابن صفور .. ليس الله إنسانًا فيكذب ولا ابن إنسان فيندم. هل يقول ولا يفعل؟ أو يتكلم ولا يفي؟ أني قد أُمرت بأن أبارك. فإنه قد بارك فلا أرده، لم يبصر إثمًا في يعقوب ولا رأى تعبًا في إسرائيل. الرب إلهه معه وهتاف ملك فيه، الله أخرجه من مصر، له مثل سرعة الرئم. إنه ليس عيافه على يعقوب ولا عرافه على إسرائيل … ما فعل الله. هوذا شعب يقدم كلبوة ويرتفع كأسد، لا ينام حتى يأكل فريسة ويشرب دم قتلى » (انظر عد23: 18ـ 24).

 

“ينهض” من عبادة الأوثان

هذا هو مضمون النبوة الثانية لبلعام. فلنفحص أولاً الكلام: « قم يا بالاق » (عد23: 18). إنه يدعوه أن ينهض، رجل سبق أن قيل عنه إنه “كان واقفًا”. هذه الكلمة من النبوة لا يجب أن تُهمل إذا ما قيلت بأنه “واقف عند محرقته”. هذا يعني بأن نيته كانت غير مستقيمة. إنه كان واقفًا مع الأصنام، أنه كان يعادي الله فليس من الأفضل أن يقف بل أن يقع. وقد وقع فعلاً. ولهذا السبب بلعام يأمره بلغة النبوة بأن “ينهض”، أنه وقع بالعمل الوحيد بأن كان واقفًا في معبد الأصنام، فأمره في هذه الحالة بأن “ينهض” بشجاعة بأن “ينهض بإيمان”، وأن يصبح شاهدًا، “شاهدًا” للإيمان إذا إهتدى، “شاهد” لإدانته إذا ثبت في عدم الإيمان.

 

صدق الله

3ـ لكن لنرَ ما تحتويه هذه الرسالة « ليس الله إنسانًا فيكذب ولا ابن إنسان فيندم » (عد23: 19)، حيث إن كثير من الحوادث والرذائل تمنع الإنسان من أن يقول الحقيقة عندما يتكلم. تارة يتكلمون تحت تأثير الغضب، تارة بتأثير الخوف وبتأثير الكبرياء وشهوات أخرى مماثلة. كل ما يقال تحت سلطان الرذيلة لا يكون إلا كذبًا وباطلاً. ولكن في الرب، لا يوجد شهوات ولا يوجد طيش، وكل كلماته تهتم بما يستحقه كل كائن مسئول. لهذا السبب لا يستطيع أن يكذب، حيث كل ما يقول بإدراك لا يمكن أن يكون مخالفًا للصواب، إذ ليس الله كالإنسان الذي يتكلم بالباطل ولا ابن إنسان فيندم (يخاف)  أو بصورة أخرى ” أنه لا يخاف مثل ابن إنسان “. أحيانًا الخوف يغير رأي الإنسان، لكن الله الذي هو فوق الكل من ماذا يخاف حتى يتغير رأيه؟

ومن الجزء الثاني من الآية نأخذ الدرس الذي سبق أن قلناه ” وأنه لا يخاف كابن إنسان “. هذا يشير إلى الرجال الذين بكبريائهم يسببون الخوف ويهددون أناسًا دون أن يضروهم، أما الله فبالعكس لا يخيف الإنسان كأنه لا يستطيع أن يعاقبه. وإن كان يسبب خوفًا فهو خوف معقول. هذا لكي يبكت الإنسان ببعض التجارب حتى متى خاف بالتهديد، يتهذب المذنب بما تسببه له أعماله السيئة. إذًا الله لا يسبب الخوف مثل الإنسان. والإنسان كما قلنا يسبب الخوف بسبب كبريائهن بينما خوف الله سببه رغبته في إصلاح الإنسان.

 

مقاصد الله الثابتة

4ـ ثم يقول بلعام: ” هل هو يقول ولا يفعل؟ أو يتكلم ولا يفي؟” يجب أن ندرك هنا أنه يطلب بصيغة السؤال: هو ـ يعني الله ـ ألا يعمل إذًا ما يقوله، إلا يفي بكلامه؟ الإنسان لا يعمل ما يقوله. وبسبب عدم ثبات الإنسان لا يفي بكلامه حيث إن الإنسان مُتقلب، أما الله فلا تغيير فيه ولا ظل دوران.

 

يونان، داود: اعتراض

       نستطيع أن نعترض: كيف أن الله لم يفِ بكلامه، بأن « نينوى ستهلك كلها بعد ثلاثة أيام » (يون3: 4). ولا بكلامه المنطوق لداود، في خلال ثلاث أيام الموت سيكون على شعبك، وهذا لم يستمر إلا يومًا واحدًا، حتى ساعة العشاء (انظر 2صم13: 25).

 

الإجابة: هي عبارة عن سؤال

نستطيع أن نجيب بأن هذه الجملة كانت في صورة سؤال، لا يمكن أن تؤخذ كأنها تأكيد صريح بأنه ستكون هي طريقة للتعبير عن الكلمة، ولا يكون لها لفظ لقصد أكيد ومحتوم بالطريقة ” التي بها يقول، ولا يفعل؟ ” فهذا تعبير أبسط من التعبير ” سيفعل بكل تأكيد “.

 

حالة يونان

لكن لنرَ مرة أخرى النصوص نفسها في الكتاب المقدس، سواء في سفر يونان، أو في سفر الملوك، ربما الكتب الإلهية تحمل كالعادة أسرارًا إذ أنه مكتوب في سفر يونان « وصار قول الرب إلى يونان بن إمتاى قائلاً: قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة ونادٍ عليها لأنه قد صعد شرهم أمامي » (يون1: 1ـ 2؛ 2: 11)، وبعد ما قذف الحوت يونان إلى البر حسب الأمر الذي أُعطى له، كما إنه مكتوب أيضًا   « ثم صار قول الرب إلى يونان ثانية قائلاً: قم اذهب نينوى المدينة العظيمة، ونادِ عليها المناداة التي أنا مكلمك بها » (يون 3: 1ـ 2).

ويونان “نادي” وقال “بعد أربعين يومًا تنقلب نينوى، فآمن أهل نينوى بالله. ونادوا بصوم ولبسوا مسوحًا من كبيرهم إلى صغيرهم. وبعد قليل: لما رأى الله أعمالهم وأنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة.   « ندم الله على الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه ». يونان قد دخل المدينة التي هي مسيرة ثلاثة أيام، وهو الذي يقول: بعد أربعين يومًا تنقلب نينوى بطريقة أن الكلمة المنطوقة وغير المكتملة تبدو من فعل يونان وليس من الله.

 

في حالة داود

فلنعرض أيضًا نص الكتاب، حيث بعد التعداد المعمول بواسطة داود، كان كلام الرب إلى جاد النبي، الرائي قائلاً: « اذهب وقل لداود هكذا قال الرب، ثلاثة أنا عارض عليك فأختر لنفسك واحدًا منها، فأفعله بك فأتي جاد إلى داود وأخبره قائلاً: أتأتي عليك سبع سني جوع في أرضك، أم تهرب ثلاثة أشهر أمام أعدائك وهم يتبعونك أم يكون ثلاثة أيام وبأ في أرضك. فالآن انظر واعرف ماذا أرد جوابًا على مرسلي. فقال داود لجاد قد ضاق بي الأمر جدًا فلنسقط في يد الرب لأن مراحمه كثيرة ولا أسقط في يد إنسان. فجعل الرب وبأ في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد فمات من الشعب من دان إلى بئر سبع سبعون ألف رجل وبسط الملاك يده على أورشليم ليهلكها فندم الرب على الشر وقال للملاك المهلك كفى. الآن رد يدك » (2صم 24: 11ـ 16).

 

 

كلام النبي وكلام الله:

لاحظ أيضًا في هذه التهديدات الثلاثة، نجد أيضًا أن الله قد تكلم عن الموت لمدة ثلاثة أيام. هذا الإعلان موجود في كلمات جاد وليس في أوامر الرب. إذًا الكلمات المنطوقة من النبي لا تؤخذ دائمًا على أنها كلمات الله.

موسى كمثال، إجتهد كثيرًا لينقل كلام الرب على لسانه لكنه أعطى أيضًا عددًا من الأوامر الصادرة منه شخصيًا. الرب قد أوضح هذا التمييز في الأناجيل عندما سُئل عن طلاق المرأة، يقول: « موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم ولكن من البدء لم يكن هكذا » (مت 19: 8) فالذي خلق من البدء خلقهما ذكرًا وأنثى، وباركهما قائلاً: « من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا » (مت19: 4ـ 5)، ويضيف:  « إذًا فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان » (تك5: 2). نرى من هذا النص أن الله لم يأمر ولم يُرد الطلاق، ولكن موسى ” من أجل قساوة قلوب اليهود “، قد كتب بأنه « يعطي كتاب بالطلاق » (1كو7: 10). وأكد بولس هذا التمييز في رسالة عن بعض المواضيع بقوله: « فأوصيهم لا أنا بل الرب » (1كو7: 19). وأيضًا « الذي أتكلم به بحسب الرب » (1كو7: 25؛ 2كو11: 17). أيضًا بنفس الطريقة في الأنبياء الآخرين يوجد كلمات من الرب وليس من النبي، وبالعكس يوجد كلمات من النبي وليس من الرب. بهذا يبدو أن الاعتراض قد وجد حلاً. فالرب لا يرجع في كلامه ولكنه يصحح كلام الأنبياء إلى الأحسن.

 

أحيانًا يغير الله مقاصده:

لكن في رأييي أن الحل الأول يترابط بالحرى مع معنى الكتاب المقدس عامة وخاصة مع الكلمات التي أعلنها الرب “طويل الأناة وكثير الرحمة” الذي ” يندم على الشر”. ولكن بالأخص في كل حالات ارميا الذي يرينا بوضوح كثرة رحمته وفي لطفه غير المدرك، “الله يقول ولا يفعل، يتكلم ولا يتمادي”. أنه يقول على فم إرميا “أتكلم” أي بطريقة متقطعة « على أمة وعلى مملكة بالقطع والهدم والهلاك فترجع تلك الأمة التي تكلمت عليها عن شرها فأندم على الشر الذي قصدت أن أصنعه بها. وتارة أتكلم على أمة وعلى مملكة بالبناء والغرس فتفعل الشر في عيني فلا تسمع لصوتي فأندم على الخير الذي قلت أني أحسن إليها به » (إر18: 7ـ 10). كيف إذًا نستطيع أن نفضل شهادات بلعام المشكوك فيها على تأكيدات ارميا الصريحة، إلا لأن الإنسان المتراخي والغافل سيتمسك بالثانية. وأما الكاملون فسوف يتمسكون بالشهادات الأولى وسيجاهدون لفهم مغزاها السري العميق.

 

البركات

5ـ يكمل بلعام « أني قد أمرت أن أبارك فأنه قد بارك فلا أرده» (عد23: 20). بلعام أختير ليبارك وليس بالاق، والله هو الذي وضع كلامًا في فمه “ليبارك الشعب” و “لا يرد” هذه البركة. حقًا لا يستطيع لسان بشري أن يغير كلام الله.

 

 

 

 

لا ألم ولا تعب في الحياة الآتية

ويكمل: « لم يبصر أثمًا في يعقوب ولا تعبًا في إسرائيل » (عد23: 21)، تنبأ بكل صراحة في هذه الآية عن الحياة الآتية: من الذي يستطيع أن يعبر الحياة الحاضرة بدون ألم ولا تعب؟ لا أحد ولا حتى بطرس وبولس أيضًا. كيف لا يكون الإنسان في ألم ولا تعب عندما يضرب بالعصى ثلاث مرات، ورُجم مرة، عندما انكسرت به السفينة ثلاث مرات وعندما يكون « قضيت في العمق ليلا ونهار واحتمل آلاف الآلام والأتعاب » (أنظر 2كو11: 25)، الأخرى التي ترد في الرسائل؟ لكن كل هذا سيكون له إكليل كما كُتِبَ « ويهرب الحزن والتعب والتنهد » (إش35: 10).

مع هذا الكلام لا يخص كل إنسان، لكن هؤلاء فقط الذين باستحقاقهم يكونون يعقوب وإسرائيل. وأيضًا لعازر المسكين، هو الذي قضى حياته الحاضرة في “ألم وتعب” ولكن في الحياة الآتية، كما قيل للغني فإنه يتعزى للأبد: « يا ابني أذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا والآن هو يتعزي وأنت تتعذب» (لو16: 25). إسرائيل ويعقوب واحد، هم إذًا الذين لم يلحقوا   “بالألم ولا بالتعب”. الغني هو أيضًا كان إسرائيل بحسب الجسد، حيث يقول له إبراهيم إن أخوته ” لهم الناموس والأنبياء وإنه ليس علينا إلا أن نسمعهم “. لكن لأنه ليس من إسرائيل بحسب الروح لذلك يقع في ” الألم والتعب “.

 

 

امتيازات الملوك

6ـ « الرب إلهه معه وهتاف ملك فيه » (عد23: 21). في الحقيقة الله لم يهمل إسرائيل أبدًا. ولكن أي ملك يملك على إسرائيل له هذه الامتيازات، فامتيازات الملوك القوة، السلطة، والملكوت ولكن يوجد ملوك سيعزلون أو قد عزلوا[1] فعلاً، والذين سيوضعون مكانهم على عروشهم هم الإسرائيليون الحقيقيون، كل امتيازات الملوك الذين لم يحفظوا عروشهم والذين قد تركوا المساكن الأبدية سينضمون لإسرائيل ويعقوب، المعبر عنهم بالذين قد صارعوا وانتصروا ولذلك ستمكث فيهم كل امتيازات الملوك (تك32: 34).

 

الغزال… وحدانية في المسيح

” الله أخرجه من مصر له مثل سرعة الرئم “. إسرائيل القديم أخرج من مصر الأرضية، وإسرائيل الروحي أخرج من مصر العالم “وربوبية الظلام” ومجده، مثل سرعة الغزال. الرئم هو حيوان أو اسم يشير إلى شكله وهيئته. الرئم يساوي ثور وحشي. نجد هذا الحيوان مذكورًا كثيرًا في الكتاب المقدس ولا سيما في سفر أيوب (أي39: 9)، حيث الله يظهر قدرته وقوته، هنا كما في كثير من الأماكن هو يمثل المسيح. من جهة أخرى في الكتب الإلهية نجد كثيرًا ـ قرن ـ بمعنى مملكة كما جاء في النبوة ” الأربع قرون هم الأربع ممالك ” (دا22:8). أيضًا اسم الرئم (الثور الوحشي Unicorne) ينطبق على المسيح بمعنى أن قرنه الوحيد يشير إلى مملكة وحيدة يملكها المسيح، « لأنه أخضع كل شئ تحت قديمه » (1كو15: 26ـ 27). وتحت عنوان الرئم (الثور الوحشي)، المسيح يملك المملكة الوحيدة لكل الكائنات حيث إنه مكتوب « لا يكون لملكه نهاية » (لو1: 33). إذًا إسرائيل الروحي سوف يكون له “مجد مثل الرئم”. حقًا المسيح نفسه قال في الإنجيل « ليكون الجميع واحدًا كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا » (يو21:17). لذلك سيعطي لإسرائيل “مجد مماثل لمجد الرئم (الثور الوحشي) ولا سيما الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده (في 3: 21).

 

العرافة

« أنه ليس عيافة على يعقوب ولا عرافة على إسرائيل في الوقت يقال عن يعقوب وعن إسرائيل ما فعل الله » (عد 23: 23). حيث أننا قد عرضنا أن ندرس بإصغاء تفاصيل النص، أنه لا يبدو مستحيل أن نبحث عن ما هي العيافة، أو العرافه المذكورة في الكتاب المقدس بأن نُظن جيدًا بأن نعمل تذكير، نحن نريد بأن لا يسقط إنسان في هذه الضلالة[2]

أنه يبدو لي بأن معرفة المستقبل هي شئ لا تعني أحدًا، هذا الشئ لا خير منه ولا شر منه. أن معرفة المستقبل ممكن أن تأتي أحيانًا من الشيطان وبواسطته ولكن عند الضرورة وعندما يريد الله، فإنه يعطي أيضًا بالأنبياء معرفة المستقبل للبشر.

أيضًا قلنا إن معرفة المستقبل لا يمكن أن نسميها خير تمامًا لأنها قد تأتي أحيانًا من الشر ولا أن نسميها شر لأنها قد تكون من الله.

[1] ربما هم “اليهود حسب الظاهر” حيث إن المسيحيين هم، إسرائيل الحقيقي، قد ورثوا الملكوت ولكن أرواح الشر والشيطان رئيس هذا العالم، سوف يُهزموا في المعركة الأخيرة.

[2] هنا يبدأ أوريجينوس بحديث طويل لدحض العرافة واستعمالها كما كرس في العظة السابقة حديثه ضد السحر. نذكر أن الرؤى أحتلت مكانًا هامًا في الديانات القديمة. وهذا الموضوع كان موضع نقاش في القرن الثالث. وأوريجينوس يحاول أن يؤكد أن التقليد الكنسي يقف ضد العرافة كما هو ضد السحر.

النبوة الثانية – العظة السادسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد ج1

النبوءة الأولى – العظة الخامسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الأولى – العظة الخامسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الأولى – العظة الخامسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بلعـــام « تابع »

النبوءة الأولى

1ـ إن نظام القراءات سيقودنا لكي نتحدث عن الدرس التالي لكن بعض الأخوة يطلبون بأن نتكلم بالأولى عن نبوءة بلعام. وأعتقد أنه من المستحسن أن أرضيهم بدلاً من إتباع ترتيب الدروس.

 

صورة مزدوجة لبلعام

قبل أي شئ فلنبحث عن السبب في أننا نتكلم عن شخصية بلعام في الكتب المقدسة تارة باللوم وتارة بالمدح. إنه يستحق اللوم لأنه بعدما نهاه الله عن أن يذهب للملك يصر على أن يتوجه إليه وقد أغواه الأجر الذي سيتحصل عليه، فهو يستشير الله مرة أخرى ـ ومرة أخرى يوجه له السؤال حتى بعد ذلك أنه « يُترك لرغباته ويسلك بحسب إرادته » (انظر مز81: 13). أنه مذنب عندما يبني هياكل ويقدم عليها ذبائح للشياطين، ويطلب بواسطة جهازه السحري الاستشارات الإلهية. أنه مذنب عندما أعطى المشورة (أنظر عد31: 16) الشنيعة بأن يغوي الشعب بالنساء المديانيات وبعبادة الأصنام. ولكنه بالعكس مستحق المدح عندما « وضع الرب كلامًا في فمه » (عد23: 5) عندما « كان عليه روح الله » (انظر عد24: 2)، عندما يتنبأ عن المسيح، عندما يعلن لليهود وللأمم أسرار المستقبل عن مجيء المسيح (عد24: 2). وبدلاً من اللعنة هو ينشر البركات على الشعب ويمجد باصطلاحات سرية اسم إسرائيل فوق كل مجد مرئي. ففيما الكتاب المقدس يعطي عنه هذه البيانات المختلفة والمتناقضة يبدو لي من الصعب كليةً أن أكون أنا قاطعًا عن شخص يجمع هذه الصفات المتناقضة والذي يمكن أيضًا أن نطبق عليه النبوة التي يلفظها على نفسه « لتمت نفسي موت الأبرار ولتكن آخرتي كآخرتهم» (عد23: 10)، وبفم ميخا يضع الرب عليه شهادة مماثلة: « يا شعبي ماذا صنعت بك؟ وبماذا أضجرتك؟ اشهد علىَّ؟ إني أصعدتك من أرض مصر وفككتك من بيت العبودية، وأرسلت أمامك موسى، وهارون ومريم. يا شعبي أذكر بماذا تآمر عليك، ملك موآب، وبماذا أجابه بلعام، بن بعور من شطيم إلى الجلجال ـ لكي تعرف الرب » (ميخا6: 3ـ 5). ويعلمنا النبي هنا بماذا أجاب بلعام، بن بعور، ملك بالاق، كما جاء في الكتب المقدسة والهدف منها معرفة “بر الرب”.

 

بلعام حامل كلام الله

أين سنجد بحسب رأيك مُفسر ليبين “بر الرب” الذي يظهر نفسه في الإجابات لبلعام؟ إذًا حقًا « وضع الرب كلامًا في فمه » (عد23: 5). إذا كان “روح الله عليه”. إذا ظهر “بر الرب” في إجاباته. يجب أن نؤمن بكل أقوال النبوات والأقوال الإلهية. في الحقيقة أنه من النادر أن نجد في موضع آخر نبيًا نقرأ عنه بأن ” روح الرب كان عليه “. إن ما نقرأه هو أن نبيًا ما ” قد رأى رؤيا ” أنه ” اغتصب كلام الله ” أو أن ” كلمه الله ” (1صم 23: 5)، قد حلَّ عليه أو عبارات أخرى. إني لا أتذكر الآن بأنني قد قرأت بأن “روح الرب” كان على نبي. وفعلاً وكما أتذكر أنه قد كتب عن داود أن « روح الرب قد ظهر ـ أو لقد أضاء ـ على داود من ذلك اليوم فصاعدًا » (1صم 16: 13) لكن روح الرب لم يكن عليه. أتذكر بأنه كتب عن شاول:   « روح الرب سينزل عليك فتتنبأ معهم وتتحول إلى رجل آخر » (1صم 10: 6). أنه قد قيل أيضًا: « وذهب روح الرب من عند شاول وبغته روح ردئ من قبل الرب وقع عليه » (1صم16: 14)، وأيضًا: كان عندما جاء روح ردئ من قبل الله على شاول أخذ داود العود وضرب بيده فكان يستريح شاول ويطيب له ذلك ويذهب عنه الروح الردئ: أقول هذا كله لأنه يمكن أن يظن البعض أن عبارة « فكان عليه روح الرب » (عد24: 2) هي عبارة عادية وغير ذات موضوع.

 

II ـ النبوة : لكي نتابع أفكار العظة الأخيرة فلنحاول أن نتحدث عن شخص بلعام بأنه يمثل للكتبة والفريسيين وتقلديهم. لكن فلنراجع عبارات النبوة التي لفظ بها، قد كتب « لا أقدر أن أتجاوز قول الرب» (عد22: 18).

 

(بلاد ما بين النهرين) بلاد التنعم

من بلاد ما بين النهرين يقول: « بالاق، ملك موآب، جعلني آتي من جبال الشرق قد أفادني » (عد23: 7)، وبلاد ما بين النهرين هي بالنسبة له البلاد التي تقع بين هذين النهرين في بابل التي كُتب عنها: « على أنهار بابل هناك جلسنا، بكينا عندما تذكرنا صهيون » (مز137: 1)، إذًا ما أقمنا في وسط هذه الأنهار لبابل إذا ما قد أفيضت مجاري اللذة استحممنا بواسطة أمواج عدم العفة. إنه لم يقل بأنه سيظل قائمًا، ولكن يقول “قد جلس لهذا السبب الذين سُبوا في هذا المكان وقالوا: « على أنهار بابل هناك جلسنا، بكينا عندما تذكرنا صهيون »، لكن لم يستطيعوا أن يبكوا إلا بعد أن تذكروا  صهيون، إنه تذكار الخير الذي يجعل الإنسان يشعر بأسباب البؤس: إذا لم نتذكر صهيون، إذا لم ندفع أعيننا نحو شريعة الله وجبال الكتاب المقدس فلن نبدأ بالبكاء على بؤسنا.

 

جبـــال شيطانيـــة

إذًا آتي ببلعام من جبال الشرق. إنها ليست الجبال المقدسة التي كُتب عنها « أساسه في الجبال المقدسة » (مز87: 1)، وفي موضع آخر ” أورشليم المبنية كمدينة متصلة كلها “، « أورشليم الجبال حولها والرب حول شعبه » (مز 122: 3؛ 125: 2).

هذه ليست جبال بلاد ما بين النهرين، إنها الجبال التي سُميت “جبال الظلمات” (انظر إر16:13) وعنها قد قيل ” ها آتي إليك، جبل الفساد “. إنها الجبال التي تخص ” كل علو يرتفع ضد معرفة الله “، من هذا النوع من الجبال قد احضروا بلعام.

 

 

الشرق: معنى مزدوج

هذه الجبال وهذا الشرق. يشرق نوره، « الذي يغير شكله إلى شبه ملاك نور » (2كو11: 14)، له هذا النور الذي كُتب عنه: « نور الأشرار لا ينطفئ » (أي 18: 5)، “نور الأشرار” وهو “النور الذي يغير شكله إلى شبه ملاك نور” (2كو 11: 14)، هذا النور مضاد للنور الذي يقول « أنا هو نور العالم » (يو8: 12)، أيضًا هذا الشرق هو غير الشرق الذي كُتب عنه في سفر زكريا « هوذا الرجل، الغصن (الشرق) اسمه » (زك6: 12). إن بلعام آتي من الشرق الشيطاني، ذلك الشيطان الذي قيل عنه ” كيف سقط من السماء كوكب الفجر، الذي يظهر في الصباح ” وليس من الشرق الذي منه المسيح.

 

لعنات ولعنات مضاعفة ـ يعقوب وإسرائيل ـ المعرفة والأعمال:

2ـ لكن الذي قاله بالاق ملك موآب الذي استدعى بلعام « من بين النهرين ومن جبال المشرق » (عد23: 27)، ” تعال وألعن لي يعقوب، وألعن لي إسرائيل ” [ في النص اللاتيني وهذا يبدو تكرارًا لا لزوم له تقريبًا، لكن في النص اليوناني بالنسبة لإسرائيل الفعل يلعن له مشتق أهمله مترجمينا، سواء اعتقدوا بأنه يوجد غلطة أو فكروا بأنه لا يضيف شيئًا ولكن نحن سنضع كلمة جديدة لكي لا نضِّيع المعنى فنستطيع أن نقول “تعال ألعن لي إسرائيل، وتعال ضاعف اللعنات لإسرائيل ]. هذا يبين أنه من تكرار الفعل، يطلب بالاق اللعنة لإسرائيل بأكثر قوة عن اللعنة ليعقوب مادامت اللعنة لإسرائيل وليس يعقوب، بمعنى أنه مادام يظل في مستوى الأعمال والأفعال، فإنه سيقابل لعنات أقل ولكن عندما يتقدم ويبدأ في أن يحث ويشجع ” الإنسان الباطن ” (رو7: 22)، في طريق رؤية الله وذلك بانفتاح عيون الذهن فإنه لا يكون فقط معرضًا للعنات العدو ولكن أيضًا للعنات المضاعفة أي لسهام أكثر هجومًا من اللعنات.

ففم بلعام كان مليئًا من اللعنة والحسرة « تحت لسانه مشقة وإثم أنه وجد في الدسائس على الأغنياء حيث كان ينتظر أجرًا من هذا الملك » (مز10: 7)، ألقى لأجل قتل الأبرياء بوسائل سحرية لكن “الله” الصانع العجائب العظام وحده أنه وضع كلامًا في فم بلعام مع أن قلبه لا يستطيع بعد أن يستقبل كلام الله. حيث أنه مازال لديه شهوة الربح، وأيضًا بعد أن أخذ « في الفم كلام الله » (عد 23: 5)، قال لبالاق « تعال أنبئك بما يفعله هذا الشعب بشعبك في آخر الأيام» (انظر عد24: 14). ويعرفه الطريقة وهي أن يجعلهم يأكلون اللحوم المذبوحة للأصنام، ويسقطهم في خطية الزنى، ولذلك سقط الشعب في الخطية وحلَّت عليهم عقوبة كبيرة، حتى أن فينحاس يقتل رجلاً إسرائيلي يزنى مع مديانية فرد حمو غضب الرب (انظر عد25: 2ـ 8)، وبعد هذا يقول الكتاب المقدس إن فينحاس قاد الجيش ضد المديانيين، وقتلوا اثنتي عشرة ألفًا رجلاً، منهم « بلعام بن بعور قتلوه بالسيف » (انظر عد3: 2ـ 8).

إننا تحدثنا مسبقًا عن هذه الحوادث لكي نظهر بأن بلعام لم يحمل كلام الله في القلب لكن في الفم فقط، ورغم ذلك فأنه قد خلط كلامه وأحاديثه بكلام الله ولهذا بدا كلامه كأنه كلام الله.

 

 

 

 

 

 

يستطيع الله أن يلعن

3ـ إنه يقول « كيف ألعن من لم يلعنه الله وكيف أشتم من لم يشتمه الرب » (عد23: 8)، سنقول إذًا؟ الرب لم يلعن يعقوب ولا إسرائيل لكن أعتقد بأن الله يلعن (تك3: 17)، نعم، حيث نقرأ بأن الرب يقول للحية: « ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية » ولآدم: « ملعونة الأرض بسببك » (تك4: 11)، ولقايين:     « ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك »  (تث27: 1)، أنه يقول في موضع آخر ملعون الإنسان الذي يصنع تمثالاً منحوتًا أو مسبوكًا. فلا تعتقد بأن هذه التعبيرات لا نجدها إلا في العهد القديم، سنجد مثلها تمامًا في الأناجيل: إنه مكتوب فيها بأن الرب سيقول للذين عن اليسار: « اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية» (مت41:2) وعندما يقول « ويل لكم أيها الكتبة والفريسيين» (مت23: 29)، و« ويل لكم أيها الأغنياء » (لو6: 24)، ماذا يقصد إلا أنه يثقل عليهم باللعنات. إذًا ما مصير الوصية المعطاة من الرسول     « باركوا ولا تلعنوا » (رو12: 14). هل الله يعطي الوصية ولا يحترمها؟ الجواب لا. فعندما يلعن الله الإنسان فإنه يلعنه حسب استحقاقه والذين يلعنهم فإنه ينطق بالحكم عليهم لأنه لا يخطئ في الحكم على طبيعة الخطية، كما لا يخطئ في فهم نية الخطاة، والإنسان لا يستطيع ذلك، إننا لا نستطيع أن نرى أو نعلم إرادة أو إدراك شخص آخر، حتى إذا لفظنا اللعنة بنظرة القاضي الذي يلفظ الحكم، ليس من حقنا أن نفعل هذا مادمنا نجهل شعور الخاطئ ولهذا السبب على الأخص. ففي الإنسان توجد الرذيلة وهي التي تدفعه ليقول اللعنات في صورة الشتائم أو الإهانات. والرسول يريد أن يقطع هذه الرذيلة من الجذر، أنه يريد أن يمنعنا من أن نسبب اللعنات بلعناتنا والشتائم بشتائمنا، ولهذا قال هذه الوصية الضرورية “بأن نبارك ولا نلعن”. إنه يريد أن يمنع الرذيلة التي تلفظ الشتائم البشرية. ولكنه لا ينزع عن الحق الإلهي المخفي عن عيون البشر، دوره في الدينونة. ولا تنظرن إلى ذهن الرسول أنه يسلب السلطان الإلهي حقه في إصدار أحكامه على الناس حسب أعمالهم.

 

ارتفاع إسرائيل

ما هي الأسباب التي جعلت الرب لا يلعن لا يعقوب ولا إسرائيل: فلنتعلمها أيضًا من بلعام أو بالأحرى من ” الكلام الذي وضعه الله في فمه ” عندما يقول « إني من رأس الصخور سأراه ومن الآكام الله سيفهم » (عدد23: 9)، ويقول هذا لأن إسرائيل قائم على جبال مرتفعة وعلى تلال عالية، بمعنى أن إسرائيل يعيش حياة سامية وصعبة وهي التي بدونها لا نستطيع بسهولة أن نكون جديرين بأن نوَّجه نظرنا، ولا إدراكنا أن لم نتسلق الارتفاعات وقمم المعرفة، لهذا السبب لم يلعنه الله. هذه الحياة مرتفعة وليست منخفضة أو منحطة. ولكن يبدو لي أن الله لا يقول هذا عن إسرائيل بحسب الجسد[1] إنه يقول هذا عن الذي   « يسير في الأرض وسيرته في السموات » (أنظر في3: 20)، إذًا يجب أن لا نطبق هذا الكلام على الشعب القديم الآن، ولهذا السبب يستعمل الله صيغة المستقبل “سأراه” “وسأفهم” لكي يشير إلى الوقت الآتي الذي فيه ” يؤمن كل يهودي بالمسيح فيخلص ” وسينظر من الجبال والتلال المرتفعة. الذين يولدون مرة أخرى في المسيح، وعاشوا على الأرض حياة جليلة وسماوية.

عن يعقوب يقول “سأرى”، وعن إسرائيل يقول “سأفهم”، يجب أن نلاحظ أيضًا دقة هذا التمييز: واحدة من هاتين العبارتين تنطبق على الأفعال المرئية، والأخرى على الإيمان غير المرئي، وعلى المعرفة غير المدركة. وإذا نقلنا كل هذا إلى الدهر الآتي إلى وقت القيامة من الأموات، “سأرى يعقوب” ممكن أن تشير إلى الأجساد، “وسأفهم إسرائيل” تشير إلى أرواح ونفوس المُقامين من الأموات.

 

إنعزال إسرائيل

يقول الكتاب المقدس « هوذا شعب يسكن وحده ولم يحصَ مع الأمم » (عد23: 9). هذا ممكن الاحتفاظ به بالمعنى الحرفي. شعب يعقوب وحده لم يُخلَّط مع بقية الناس، ولم يحصَ ضمن الأمم الأخرى، أعطى نواميس ومراعاة قوانين خاصة هي التي حفظته وحده بالانفصال عن الأمم الأخرى. أيضًا سبط اللاويين لم يختلط بالأسباط الأخرى ولم يحصَ معهم، وبنفس الطريقة إسرائيل كله لم يختلط مع الأمم الأخرى، ولم يحصَ من ضمنهم. في الحقيقة هذه الخصائص التي للشعب الأرضي لم تكن إلا رمزًا « للخيرات العتيدة» (عب1:10)، يعقوب وإسرائيل الحقيقيان الروحانيان سيسكنان بمفردهما حقًا في وسط الأمم « حقًا قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحيَّ أورشليم السماوية » (عب12: 1). إذًا نحن قد وصلنا إلى مدينة يهوذا الروحية التي هي « نصيب الله » (تث3: 9)، هم « يفتكرون في الأرضيات أما نحن “فإن سيرتنا نحن هي في السموات » (في3: 20)، إذًا حقًا نحن لم نُحصَ أبدًا من ضمن الأمم الأخرى. وحدودنا لا تكون مشتركة مع حدودهم حتى لو كانت سدوم قد أعيدت إلى حالتها القديمة، ومصر أعيدت أيضًا إلى مجدها وحققت كل النبوات المتشابهة. وعندما يصعد يعقوب وإسرائيل الروحي إلى كنيسة الأبكار سوف لا يكون لهما شئ مختلط أو مشترك مع أحد وحتى لو أعيدت هذه الأمم إلى مجدها حسب النبوات، لأنه إن لم تكن هذه الأمم مطعمة بجذر الزيتونة المثمرة كيف يمكن للزيتونة البرية أن تشترك وتمتد بيعقوب وإسرائيل. لأنه لا أحد يمكن أن يُسمَى يعقوب أو إسرائيل إن لم يكن متحدًا بهذه الجذور. في هذه الحالة لو ارتكب أحد أولاد إسرائيل أو يعقوب الخطية لا يمكن بعد أن يسمى يعقوب أو إسرائيل، وإذا دخل إنسان من الأمم كنيسة الرب سوف لا يعد ضمن الأمم.

 

تعداد

« من أحصى تراب يعقوب وعدد إسرائيل؟ » (عد23: 10). هذا يذكرنا بالنص “الله اخرج إبراهيم وقال له: « انظر إلى السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها» وقال له « هكذا يكون نسلك » « فآمن إبراهيم بالرب فحسب له برًا » (تك15: 5ـ 6). لا إبراهيم، ولا أي شخص آخر، ولا أي ملاك أيضًا ولا أية رئاسة عليًا له القدرة أن يحصى عدد النجوم ولا نسل إبراهيم الذي كتب عنه ” هكذا يكون نسلك “. لكن الله الذي كُتِبَ عنه إنه « يحصى عدد الكواكب. يدعو كلها بأسماء » (مز 147: 4). والذي قيل عنه إنه يحصى عدد الكواكب، يستطيع أن يحصى تراب يعقوب وعدد إسرائيل. هو وحده يعرف حقًا من هو يعقوب الحقيقي، ومَنْ هو إسرائيل الحقيقي حيث إنه لا يعطي اعتبارًا « لليهودي في الظاهر » (إش42: 12)، ولا للختان الذي في الظاهر في اللحم بل هو يرى « اليهودي الذي في الخفاء » (رو2: 28)، وختان القلب وليس ختان اللحم. وهو وحده الذي يستطيع أن يعد ويسجل، وهو وحده الذي بموجب حكمته الفائقة الوصف التي لا يمكن إدراكها قد أسَّس السموات بحسب نظام سماوي، الذي هو وحده يعرف “أعدادها”، التي هي بين أيدينا. والتي فيها يأمر بأن « يحصوا كل جماعة بني إسرائيل بعشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء كل ذكر برأسه من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب في إسرائيل » (عد1: 2ـ 3). العدد الكلي هو عدد مقدس وقد سبق التحدث عنه، وبموجب الأنوار المعطاة من الله[2]. لكن هذا العدد لا يكون مقدسًا ومرضيًا لله إلا إذا عُمِل هذا التعداد تبعًا لأمره. بالعكس إذا أراد أحد أن يعمل التعداد بخلاف ما أمر به الرب حتى ولو كان داود النبي العظيم فأنه يتصرف ضد الشريعة ويتهم من أحد الأنبياء، ويحمل العقاب المكتوب في كتاب صموئيل الثاني. وهذا وحده « الذي يحصى عدد الكواكب » (2صم10:24)، والذي « أنشأ كل شئ بحسب المقياس » (مز147: 4)، ” حسب العدد والوزن “، « من أحصى تراب يعقوب وعدد إسرائيل » (عد23: 10).

 

اهتداء اليهود في النهاية

يبدو أن بلعام هو نفسه موضوع نبوته عندما قال « لتمت نفسي موت الأبرار،ولتكن آخرتي كآخرتهم » (عد23: 10). وبما أن هذه النبوة تختص بشخص بلعام التاريخي وإسرائيل التاريخي، لذلك لم تتحقق النبوة ولا يمكن أن تتحقق، أنه ليس معهم لقد قتلوه. النبوة تنطبق بالأكثر، على الذين تشير إليهم، على الذين كما ذكرنا ـ يعتبرون في الدهر الحاضر بأنهم “شعب باطل” ـ لأنهم ليس عندهم نعمة الروح القدس، بل الذين يمكننا أن نقول عنهم في آخر الدهر   « عندما يدخل ملء الأمم » (رو11: 25)، وعندما يحقق إسرائيل الروحي هذه النبوات وتموت نفسه موت الأبرار: حينئذ يقبل الإيمان بالمسيح ووقتها سيقول الإسرائيليون « نحن الذين اعتمدنا في المسيح قد اعتمدنا في موته لأننا دفنا معه بالمعمودية للموت » (رو6: 3ـ 4)، ومن ناحية أخرى سيقولون “إذا كنا قد متنا معه فسنملك معه”. وحينئذ فقط تتحقق لبلعام العقلي النبوة بأنه “نفسه سوف تموت موت الأبرار” وذلك لأنه سيموت روحيًا ويولد من جديد.

 

 

المجوس

أما بالنسبة لقوله ” لتكن آخرتي كآخرتهم ” نستطيع أن نفهمها من تاريخ بلعام، حيث إن “المجوس” الذين « جاءوا من المشرق ليسجدوا ليسوع » (مت2: 1ـ 11)، الذين  يبدو أنهم من نسله سواء كان عن طريق جيل أب إلى ابن، أو كان بالنقل الوراثي للمذهب. وفي الواقع إنهم قد عرفوا “النجم” الذي قد تنبأ عنه بلعام. « ظهور النجم في إسرائيل » (عد24: 17)، وإنهم أتوا لهذا السبب ليسجدوا للملك المولود في إسرائيل. لكن هذا أيضًا ينطبق على الشعب اليهودي، بمقتضى ما قد قلنا أنه ليس اليهود أو نسلهم الذين سيكونون مثل نسل الأبرار، بل الوثنيين الذين آمنوا وتبَّرروا في المسيح. إنه واضح بحسب كلمات الرسول أن « لا الختان ينفع شيئًا ولا الغرلة بل الإيمان العامل بالمحبة » (غلا5: 6). ولا أحد إذًا يفتخر بالختان القديم أو يفتخر بالغرلة الجديدة، بل بحسب كلمة الرسول ليمتحن كل واحد عمله وحينئذ يكون له الفخر من جهة نفسه فقط (غلا6: 4). يقول النبي أيضًا “ها الرجل وأعماله” ، وقيل أيضًا « بأن أجرته معه وجزاؤه أمامه » (إش62: 11)، « ليعطي كل واحد حسب أعماله » (رو6:2)، في المسيح يسوع ربنا « الذي له المجد والسلطان إلى الأبد آمين » (1بط 4: 11).         

 

[1] هذه الملاحظة عن إسرائيل حسب الجسد تؤكد ما سبق وقلناه عن معنى إسرائيل عند أوريجينوس (انظر المقدمة).

[2] انظر العظة الأولى وانظر أيضًا عظة 4.

النبوءة الأولى – العظة الخامسة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بلعام – العظة الرابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بلعام – العظة الرابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بلعام – العظة الرابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

بلعام (تابع)

          يوجد كثير من النقاط التي تركناها جانبًا في شرحنا درس بلعام وأتانه… ونظرًا لأن العظة وضعت لفائدة المؤمنين في الكنيسة محدودة بوقت[1]، لذلك لم نستطع أن نفسر بالتفصيل كلمات الكتاب المقدس وشرح كل شئ بدون أن نهمل شئ. هذه الطريقة الأخيرة مخصصة بالحرى للدراسة والتعليق. لهذا السبب نعود إلى النقط التي تبدو أنها تستحق أن نتعمق فيها، فلنجتهد أن نوضحها بدراسة منتبهة ونعلن نتائج بحوثنا.

 

صعوبات الجانب التاريخي من النص

          1 ـ مازالت تبقى صعاب القصة نفسها “الله” يقول الكتاب المقدس، “آتى” مرة أولى “إلى بلعام” (عد22: 9ـ12)، في الليل وسأله من هم الرجال الذين أتوا ليبحثوا عن بلعام، فأجاب بلعام بأنهم أرسلوا عن طريق بالاق، بن صفور، ليقولوا له: ” تعال العن لي هذا الشعب” فقال الله ” لا تذهب معهم ولا تلعن الشعب لأنه مبارك“. مرة ثانية    “ الله آتي إلى بلعام ليلاً وقال له قم اذهب معهم، لكن بشرط أن لا تقول إلا الكلام الذي أكلمك به فقط“.

مرة ثالثة في الطريق، قطع ملاك الله الطريق عليه، وكانت الرحلة تبدو للملاك بأنها محمودة بقدر بسيط ومناسب حتى كان يريد أن يقتل النبي لولا الآتان: “الذي كان يرى الملاك”، مع أن بلعام لم يستطع أن يراه، ولم “تبتعد” ولكن بعد أن نبهه الملاك لأنه أراد تكملة الرحلة، أخذ بلعام مرة أخرى السماح بأن يكمل الرحلة على أنه يحترم كلام الله الذي كلمه به، وأن لا يلفظ إلا به وليس بأي شئ آخر. كل هذا يصعب شرحه، ومع ذلك كما قلت سأعطيكم باختصار الفرصة للفهم لكي أبرر لكم الكلام: ” سمعها الحكيم فيزداد علمًا” (أم1: 5)، ” وأعط حكيمًا فيكون أوفر حكمة” (أم9: 9).

 

تمييز أسماء الله:

          لكن قبل أن نقدم الموضوع سوف لا نمر بدون أن نتكلم عن ملحوظة تبيّنت لنا عند دراسة القصة عن كثب. فقد كتب اسم الله بالحروف العبرية، اسم الله أو الرب، مكتوب بطرق كثيرة، أحيانًا هو الله، اسم عادي لكل الآلهة، أحيانًا اسم الله نفسه اسم الذي كتب عنه    “ اسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا رب واحد” “هذا الاسم لإله إسرائيل، إله واحد خالق كل الأشياء” (تث6: 4)، كتب بعلامة مكونة من الحروف الأربعة[2] (التي تسمى عندهم Tetragrammes)، إذا كان اسم الله قد كتب بهذه الطريقة في الكتاب المقدس، فلا يوجد أي شك أنه يخص الإله الحقيقي وخالق العالم.

          إذا كان قد كتب بحروف أخرى، بحروف عادية، أننا لا نعرف إذا كانت تختص بالإله الحقيقي أو عن الذي يقول عنه الرسول لأنه وإن وجد ما يسمى إلهه سواء كان في السماء أو على الأرض كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون، ولكن لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به” (1كو 8: 5، 6). إذًا الذين يقرأون العبرية يقولون في هذا النص أنهم يجدون أن كلمة “الله” لم تكن في صورة الـ Tetragrammes، ومن يستطيع أن يدرس هذه المسألة فليدرسها.

 

سؤال صعب يتعلق بتدابير الله أمام الشر

          وضع هذا السؤال بشأن كلمات الله لبلعام، عندما يسأله “من هم هؤلاء الرجال؟” (عد22: 9)، لماذا يبدو أنه يتجاهل ذلك؟ وعن الكلام    “ لا تلعن الشعب لأنه مبارك” (عد22: 12)، هل هذا يعني لا تلعن شعبي؟

          2 ـ نحن نقول بأنه بحسب حكمة الله، كل شئ مرتب في العالم بحيث لا يكون شئ غير معروف أمام الله، شرًا كان أم خيرًا. لكن فلنشرح بأكثر وضوح. الله لم يخلق الخبث، الآخرون هم الذين قد أنشأوه؛ إنه يستطيع أن يمنعه، ولم يفعل ذلك مع هؤلاء الأشرار، فالله يستخدم الخبث لأجل أغراض ضرورية. فهو بأفعالهم يمجد ويشجع الذين يبتغون مجد الفضائل. فعند محو الخبث سوف لا تقابل الفضائل أبدًا خصمًا، وبدون خصم سوف لا تلمع الفضيلة، سينقصها المجد والتجربة. فأية فضيلة لا تقاوم ولا تجرب لا تكون بعد فضيلة.

          لكن كل هذا، مقدم بدون شواهد من الكلام الإلهي ويبدو فيه بالأحرى مبالغة وبدع بشرية بدلاً من أن تكون حقائق لا ريب فيها. فلنبحث إذًا إن كانت الكتب الإلهية تحوي بعض أفكار متشابهة. فنأخذ  يوسف الصديق مثالاً فإذا كنا نستبعد خبث أخوته وحسدهم، وكل تدابيرهم القاتلة لوالديه التي وضعوها ضد أخيهم حتى باعوه أخيرًا، ليحذف هذا، ولنر ما يسقط من تدابير الله. إننا سنحذف في نفس الوقت كل الأعمال التي تممها يوسف الصديق في مصر لأجل خلاص الشعب.

حلم فرعون لم يكن ليفسر، فلو لم يكن بسبب حسد أخوته لما بيع يوسف الصديق ولما آتي إلى مصر ولما أدرك أحد ما أعلنه الله، ولما خزّن القمح في مصر؟ ولما عولجت المجاعة بحكمة بصيرة ولكانت مصر قد ماتت من الجوع، وكذلك البلاد المجاورة لها، ومعها إسرائيل. وكذلك ذرية إسرائيل لما دخلت في مصر للبحث عن الخبز، ولما كان أبناء إسرائيل قد خرجوا من مصر وسط معجزات الرب ولما كانت ضربات في مصر، ولا معجزات من الله تمت بواسطة موسى وهارون ولما عبروا البحر الأحمر بدون أن تبتل أرجلهم ولما عرفت الحياة الفانية طعام المن، ولما نبعت من الصخر سيول الماء التي كانت تتبع الشعب.

ولما أعطيت الشريعة من الله للناس. ولما عرف الإنسان كل محتويات أسفار الخروج واللاويين والعدد والتثنية. ولما دخل أحد في الميراث الأبوي في أرض الموعد. فنأخذ هذا النص الذي هو بين أيدينا، ونحذف منه خبث بالاق الملك الشرير، ورغبته في أن يلعن إسرائيل، ونحذف منه الحيلة التي كان يريد بلعام بها إبادة الشعب، وبذلك نحذف في نفس الوقت تدابير الله لصالح إسرائيل ونعم حكمته الإلهية، ولما وجدنا النبوات التي خرجت من فم بلعام ووجهت في نفس الوقت لأبناء إسرائيل والأمم. وتأييدًا لهذا نجد أيضًا من العهد الجديد إذا حذفنا خبث يهوذا.

وإذا نزعنا خيانته سنحذف في نفس الوقت صليب المسيح وآلامه، وإذا لم يوجد صليب “ فالرياسات والسلاطين لم تكن أبدًا قد تجردت وانهزمت بخشبة الصليب” (كو2: 15). فلو كان موت المسيح لم يحدث، فقيامته بالتالي لم تكن تحدث أيضًا، ولا يكون بذلك “ بكرًا من الأموات” (كو1: 18)، وبدون هذا البكر من الأموات سوف لا يكون لدينا أي أمل في القيامة من الأموات.

بنفس الطريقة نفرض أن الشيطان نفسه حرم من إمكانية عمل الخطية، أو نزعت عنه إرادة الشر بعد الخطية، وبهذا السبب نفقد فرصة الكفاح ضد هذه الهجمات ولما وجد انتظار ” إكليل النصر للذي قد جاهد قانونيًا” (2تي2: 5)، وأيضًا ” إن كان أحد يجاهد لا يكلل، إن لم يجاهد قانونيًا” فلو لم يكن لنا خصوم لما كانت هناك معركة ولا مكافئة مخصصة للمنتصرين، ولما قدم لهم ملكوت السموات، “خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبديًا” (2كو4: 17). ولما كان لأحد منا أمل في المجد العظيم في الحياة الآتية نتيجة الصبر في الضيقات المحتملة.

 

إناء للكرامة وإناء للهوان

          نتيجة لذلك لا يستخدم الله فقط الخير لعمل فعل صالح لكن أيضًا يستخدم الشر. إنه شئ عجيب الله يستخدم الشر لعمل عمل صالح،    ” في بيت كبير لا توجد آنية من ذهب وفضة فحسب بل توجد أيضًا آنية من خشب وخزف وتلك للكرامة وهذه للهوان” (2تي2: 20)، لكن الكل ضروري في الحقيقة. وبما أن الآنية التي نتحدث عنها هي آنية عاقلة ولها حرية الإرادة، إنه ليس بحادث أو بالصدفة بأن نصبح إناء للكرامة وإناء للهوان.

فالذي أظهر استحقاقًا للكرامة يصبح ” إناء للكرامة” (أع9: 15)، وبالعكس الذي يعيش بأفكار غير لائقة وشريرة، يأخذ صورة إناء الاحتقار نتيجة أسباب لم تأت من خالقه، لكن من نفسه. ليس الخالق هو الذي عمل من هؤلاء الناس ما أصبحوا عليه، لكنه يعطيهم بحسب اختيار إرادتهم بشريعة عادلة وفائقة الوصف من حكمته الإلهية.

          فنأخذ مقارنة في المدن الكبري الناس، غير المستحقين، الذين يعيشون حياة مظلمة وشريرة قد حكموا على أنفسهم بالأعمال الأكثر دناءة والأكثر مشقة، إلا أن هذه الأعمال ضرورية للمدينة. فمثلاً يعملون كخدام للحمامات العامة لكي يمكنك أن تتمتع بفوائد أو مزايا هذه الأبنية، أو الذين ينظفون البالوعات، إنهم يقدمون أعمال أخرى من نفس النوع لكي تحيا في هذه المدينة حياة مستحبة.

فإذا عملوا باختيارهم أو قاسوا جزاء ما يستحقونه فإن عملهم يستفيد منه الذين قدموا أعمال حسنة نافعة. وهذا ينطبق على موضوع حديثنا، الله لم يخلق الشر، لكن عندما نتج اختياريًا من الذين انحرفوا عن الطريق المستقيم، لم يرد أن يمحيه حيث إنه كان يري مقدمًا بأن هذا الشر الغير نافع للأشرار سينتج منه فائدة لصالح ضحاياهم لذلك يجب علينا أن نتجنب بكل الطرق أن يوجد فينا الشر، يجب علينا أن نعمل على هزيمته عند الآخرين، وليس حذفه لأن الأشرار يقدمون مساعدة ضرورية للعالم أجمع.

لا شئ محتقر، لا شئ غير نافع أمام الله، إنه يستخدم للخير عزيمة الإنسان الحسنة ويستخدم أيضًا العزيمة السيئة لأغراض ضرورية، لكن ستكون مطوبًا إذا وجدت أنه بفضل فضائلك بالأحرى في الخير أن العالم أجمع مدين لك ببعض الشئ كالذين يقول عنهم الرسول “ لكي تكونوا كأنوار في العالم متمسكين بكلمة الحياة” (في2: 15، 16). الأنوار ضرورية لمجد هذا العالم. وهل يوجد شئ أشهى وأعظم من فعل الشمس أو القمر اللذين ينيران العالم، ومع ذلك فالعالم محتاج أيضًا لملائكة تتولى أمور الحيوانات والانشغالات الأرضية.

أنه محتاج لملائكة لأجل ولادة الحيوانات، والأغصان والنبات وناتجات الحقل الأخرى. وكذلك يلزم أن يكون هناك ملائكة لترأس الأعمال المقدسة، وتعلم إدراك النور الأبدي، ومعرفة أسرار الله والعلم الإلهي.اسهر إذًا لكي لا تكون من نصيب الملائكة المخصصة للحيوانات، إذا حدث وعشت كحيوان أو من الذين يرأسون الأعمال الأرضية إذا أحببت الأشياء الجسدية والأرضية.

اعمل بالأحرى لتكون مقبولاً في صحبة الملاك ميخائيل الذي يقدم لله صلوات القديسين بدون توقف، إذًا ستكون مقبولاً في عداد هؤلاء المختارين، ستكون مقبولاً في هذه الرتبة، إذا مارست الصلاة بدون توقف، وتقضي فيها سهراتك وتحقق بذلك طلبة الرسول “صلوا بلا انقطاع” (1تس 5: 17)، أو على الأقل أعمل للدخول في صحبة وخدمة روفائيل بأن تتعاون معه في واجبه، فهو الذي قد؟ أوكل إليه الطب. فعندما ترى رجلاً مجروحًا بالخطية ومثقلاً بأسهم الشيطان فإنك ستقدم له الكلمات الشافية، ستقدم له الدواء من كلام الله، حتى تشفى بواسطة التوبة جروحات الخطية وتظهر دواء الاعتراف.

وكل من يتصرف هكذا في هذا العالم، فهو يعطي نفسه للخالق ليشكله، ليأخذ في الجيل القادم صورة “إناء مختار مستعد لأي عمل صالح” (أع 9: 15). إذا عمل العكس فإنه سيصير أمام التدبيرات الإلهية “إناء الهوان” (2تي 2: 21). وهذا هو السبب في رأيي الذي لأجله قد ذكرت أعمال الأشرار مثل أعمال الصالحين في الكتب الإلهية. والكتب الإلهية مكونة من قصص الصالحين وأعمال الأشرار لكي ندرك أن أمام الله ليس شئ غير نافع، أعمال الأشرار مثل أعمال الصالحين، والآن بعد هذا الاستطراد الطويل ولكنه ضروري فلنرجع للموضوع.

 

تكملة القصة:

الله يستخدم بلعام

          3 ـ كان بلعام كما قلنا ساحرًا بمعنى أنه كان يستفيد من مساعدة الشياطين، وبسحره كان أحيانًا يبصر المستقبل. بالاق الملك يطلب منه أن يلعن شعب إسرائيل، وصل الرسل وأحضروا معهم حلوان العرافة في أياديهم، والأمم ينتظرون في حيرة وفي ضيق ما سيجيب به بلعام، متأكدين بأنه مستحق للمحادثة الإلهية. انظر الآن كيف أن حكمة الله تستخدم هذا الإناء المخصص للهوان ليس فقط لفائدة أمة واحدة، لكن للعالم كله. أنه لأمر مألوف للشياطين أن الله يظهر له لكي يمنعه عن طريق الشر، بلعام ضرب بالخوف ودهش من سلطة الذي يمنع لأن الشر عمومًا يحلو للشياطين.

فبلعام يطلب عودة الرسل مرة أخرى قائلاً أنه لا يستطيع عمل أي شئ، إلا أن ينطق بالكلمات التي يضعها الله في فمه. الرسل رجعوا وهو يطلب من جديد ويريد أن يسمع. فالإنسان الجشع لا يرفض أبدًا الربح من ذاته، فماذا يسمع من الله مرة أخرى “ أن آتي الرجال ليدعوك فقم اذهب معهم” (عد22: 20). الله تركه لرغبته في الربح وهكذا يتحقق ما كتبه الرب في المزمور ” سلمتهم إلى قساوة قلوبهم ليسلكوا في مؤامرات أنفسهم” (مز80: 12). وهكذا اكتملت خطة الإرادة الإلهية حيث إنه قال ” إنما تعمل الأمر الذي أكلمك به فقط” (عد22: 20)، فلو كان بلعام مستحقًا لكان الله قد وضع كلمته في قلبه وليس في فمه.

          لكن بما أنه كانت تسود في قلبه رغبة المنفعة وشهوة المادة. لذلك لم توضع كلمة الله في قلبه لكن في فمه، حكمة إلهية عجيبة وعظيمة تظهر هنا. بما أن النبؤات المحتواة في إطار إسرائيل يمكن أن تصل إلى الأمم، لذلك يستخدم الله بلعام الذي كان يتمتع بثقة كل الأمم، لكي يعرف الأمم أيضًا بأسرار المسيح المخبأة ويأتي لهم بكنز ثمين ليس فقط بواسطة القلب والروح بل الأكثر بواسطة الفم والكلام

لكن لا داعي لأن نتوه في التفاصيل، فليس هنا هو المقام لأن نتعمق في كل شئ، كان بلعام راكبًا على أتانه، بلعام كان يسير فسد عليه الملاك الطريق بدون أي شك، الملاك الذي كان يسهر على بني إسرائيل    “ ففتح الرب فم الأتان” (عد22: 28)، حتى يكون بلعام متهمًا من الأتان وبواسطة صوت الحيوان الأخرس يخزي الذي كان يحسب إلهًا حكيمًا.

 

بلعام رمز لليهود:

          بعد هذا يحسن أن نقدم بعض صور الرموز:

          بلعام: واسمه يعني شعب باطل يبدو لي أنه يمثل “الكتبة والفريسيين” (مر7: 8)، عند شعب اليهود.

          بالاق: واسمه يعني تحريم أو أتلاف يمثل هو أيضًا إحدى أرواح السيادة المعادية التي تتسلط على هذا العالم، روح تبحث لكي تحرم ولكي تبتلع إسرائيل، ليس إسرائيل حسب الجسد، لكن إسرائيل بحسب الروح، هذه القوة الرديئة تريد أن تخرب وتخنق تمامًا إسرائيل الروحي فهي لا تأخذ وكلاء لها سوى الكهنة والكتبة والفريسيين إنها تدعوهم وتعدهم بأجر وثواب.

          هم مثل بلعام يتظاهرون بأن ينسبوا كل شئ لله وأن يتصرفوا بغيرة الله ولكنهم يقولون ” فتش الكتب وانظر أنه لم يقم نبي من الجليل” (يو7: 52)، وأيضًا ” لنا ناموس وحسب ناموسنا يجب أن يموت لأنه جعل نفسه ابن الله” (يو9: 7)، في كل هذه الحالات الكتبة والفريسيون يبدون أنهم يندفعون بغيرة الله ولكنهم يتظاهرون فقط.

 

الأتان: المؤمنون البسطاء

          أما بالنسبة للأتان التي صعد عليها بلعام، فالكتاب المقدس يقول “الناس والبهائم تخلص يارب؟” (مز36: 6). نستطيع هنا أن نرى جزءًا عن المؤمنين الذين سواء بسبب ضعفهم الروحي، أو بسبب براءتهم قد قورنوا بالحيوانات والرسول يقول أيضًا “ فانظروا دعوتكم أيها الأخوة أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد ليس كثيرون أقوياء ليس كثيرون شرفاء، بل اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء” (1كو 1: 26، 27).

هؤلاء الرجال بحسب الكلمات الإنجيلية الذين هم رموز في عملهم، كانوا ممسوكين بنوع من العبودية والأسر بواسطة معلمين سيئين، أي الكتبة والفريسيون وقد خلصوا بواسطة السيد الرب.

          ويمكننا القول إنه لم يفعل بشخصه لكن بواسطة تلاميذه، وهو يقول لهم ” اذهبوا إلى القرية التي أمامكم فللوقت تجدان أتانًا مربوطًا وجحشًا معها فحلاها وأتياني بهما” (مت21: 2). ففي الإنجيل ليس السيد الرب هو الذي حل الأتان والجحش بنفسه بل التلميذان، وكذلك هنا فليس الله هو الذي فتح فم الأتان، بل ملاك. في الأناجيل الذين لا يبصرون يعيرون الذين يبصرون، وهنا الكائنات الخرساء تعير الذين يتكلمون.

          هذا ما قاله السيد الرب: ” أحمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال” (مت11: 25). الكتبة والفريسيون هم الذين كانوا يركبون على الآتان ويمسكون بها مربوطة، الملاك يغضب عليهم، وإن لم تظهر له بعض احتمالات بعيدة، وإلا كان قد أباد الكتبة والفريسيين وخلص الأتان، التي رأت وخشيت من الذي “ قد آتي إلى الكـرم” (نش7: 13)، وجلس في “وسط الكروم” (نش1: 14)، حينئذ ” ضغط الأتان رجل بلعام” (إش1: 14)، سيدها بالحائط ولهذا السبب لم يستطيع بلعام أن يمشي ولا أن يأتي للذي قال ” تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال“.

حينئذ أتت الأتان، مقادة من التلاميذ، ودابة بلعام الجشع أصبحت دابة يسوع. فلا تندهش إذا كان إنسان سبق أن تكلمنا عنه وهو يمثل الكتبة والفريسيين يتنبأ عن المسيح. هذا ما نجده حينما نقرأ عما فعله قيافا، عندما قال “أنه إذًا خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب” (يو 11: 49: 51). حينئذ يقول الإنجيل “لم يقل هذا من نفسه بل إذا كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة” إذًا بلعام يتنبأ عن المسيح لكي لا يفتخر أي شخص، إذا كان يتنبأ، إذا نال معرفة المستقبل، بل فليرجع لكلام الرسول الذي قال في هذا الصدد “النبوات فستبطل الألسنة فستنتهي العلم فسيبطل” (1كو13: 8).

ماذا يبقي إذًا؟ الإيمان، الرجاء، والمحبة؟ لكن أعظمهم المحبة” (1كو 13: 4، 5). والمحبة هي الوحيدة التي لا تسقط أبدًا لذلك فإن هذه المحبة أعظم من موهبة النبوءة، أعظم من العلم، أعظم من الإيمان، أعظم من الاستشهاد، أيضًا كما يعلمنا بولس الرسول فيجب ان نقدر المحبة ونمارسها لأن “الله محبة” (1يو4: 16)، والمسيح هو أيضًا محبة وهو الذي تنازل وأعطانا كمال المحبة له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين.

 

[1] هذه النقطة توضح أن أوريجينوس كان يلقي عظاته في أثناء القداس ولهذا يقول إن الوقت محدد للعظة وفي موضع آخر أن الأناغنوسطس هو الذي قرأ الكتاب.

[2] مجموعة لأربع حروف، ييه، هيه، واو، هيه التي تكون اسم يهوه.

بلعام – العظة الرابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

Exit mobile version