لباس الروح – العظة العشرون للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
لباس الروح – العظة العشرون للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
لباس الروح – العظة العشرون للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
“المسيح، الطبيب الحقيقي للإنسان الداخلي، وهو يستطيع وحده أن يخلّص النفس، ويزيّنها بثوب النعمة”..
إن كان أحد عريانًا لقلة الملابس الإلهيّة السماويَّة التي هي قوة الروح القدس كقول الرسول “إن كان أحد ليس له روح المسيح فهو ليس من خاصته” (رو 8: 9). فليبكِ ويتوسل إلى الرب حتى ينال الثوب الروحاني الذي من السماء ويأخذ غطاءً لنفسه العارية من القوة الإلهيّة لأن الإنسان غير المكسو بكساء الروح هو مكسو بالعيب العظيم: عيب الأهواء الدنيئة.
لأنه كما في الأشياء المنظورة إن كان أحد عريانًا يحل به خزي وفضيحة عظيمة بل إن الأصدقاء ينصرفون عن أصدقائهم العرايا والأقارب عن أهاليهم. بل أن من البنين من رأوا أباهم عريانًا وصرفوا عنه وجوههم لكيلا يعاينوا جسد أبيهم العريان، وإنما رجعوا على أعقابهم وستروه. ولذلك ارتفعت عنه عيونهم. كذلك ينصرف الله عن النفوس غير المكسوة بلباس الروح في ملء ثقة الإيمان لكونها لم تلبس الرب يسوع (رو 13: 14). بالقوة والحق.
خطورة العري الروحي:
ثم أن الإنسان الأول لما رأي نفسه عريانًا خجل. فما أعظم فضيحة العري. فإذا كان من جهة الجسد يعتبر العري فضيحة كبرى، فكم بالحري النفس العارية من القوة الإلهيّة التي لا تكتسي ولا تلبس اللباس الأبدي الروحاني غير الموصوف وهو الرب يسوع نفسه بالحق- وهي مغطاة بالخجل والأهواء الرديئة، وكذلك كل من كان غير مكتسي بذلك المجد الإلهي يجب عليه أن يستحي ويقر بفضيحته كما استحى آدم من عري جسده.
ومع أنه ستر نفسه بورق التين فلم يزل خجله مصاحبًا له لعلمه بفقره وعريه جدًا. فعلى هذه النفس أن تطلب من المسيح الذي يعطي المجد لكي يكسوها بالمجد في النور الذي لا يوصف، بدون أن تعمل لنفسها غطاء من الأفكار الباطلة أو تنخدع بزعمها أنها بارة من نفسها وأنها تملك لباس الخلاص.
المسيح هو بر الله لنا:
فإنه إن استند أحد على بره ولم يتطلع إلى برّ الله، هذا البرّ الذي هو الرب يسوع “الذي صار لنا برًا وفداءً” (1 كو 1: 30). كما يقول الرسول، فإن تعبه يصبح باطلاً لا ثمرة له، لأن كل زعمه ببره يظهر في اليوم الأخير كلا شيء بل يكون مثل خرقة نجسة كما قال إشعياء النبي “كخرقة الحائض كل برنا” (انظر إش 64: 6).
فلنطلب إذن من الله ونتوسل إليه أن يلبسنا لباس الخلاص وهو الرب يسوع المسيح، النور الفائق الوصف الذي إذا لبسته النفوس لا تخلعه قط، بل تتمجد أجسادهم أيضًا في القيامة بمجد ذلك النور الذي تلبسه النفوس الآمينة الفاضلة منذ الآن حسب قول الرسول “إن ذلك الذي أقام المسيح من بين الأموات سيحيي أجسادهم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيهم” (رو 8: 11). فالمجد لمراحمه المتعطفة ولرأفته التي تفوق كل وصف وكل تعبير.
وأيضًا كما أن المرأة التي كانت معتلّة بنزف الدم لما صارت مؤمنة بالحق، ولمست طرف ثوب ربنا شفيت حالاً وانقطع نزيف دمها النجس، كذلك كل نفس فيها جرح الخطية الذي لا شفاء له، وينبوع الأفكار الخبيثة النجسة، إن هي أتت فقط إلى المسيح وصلت إليه بإيمان صحيح فإنها تعود إلى الصحة وتخلص من ينبوع الأهواء الفاسدة الذي لم يكن له علاج. وذلك الينبوع الذي يخرج أفكارًا نجسة لا ينقطع ويجف إلاَّ بقوة المسيح فقط، وليس لأحد غيره قدره على شفاء هذا الجرح.
لأن العدو كان محتالاً للغاية في معصية آدم حتى أنه جرح الإنسان الباطن وأظلمه أي العقل المرشد الذي ينظر الله. فمالت عيناه بعد ذلك إلى الخطية والأهواء وكانت مغلقة عن رؤية خيرات السماء.
المسيح وحده هو الذي يخلص ويشفي النفس مجانًا:
فهذه كانت شدة جرح آدم حتى أنه لم يستطع أن يشفه منه غير الرب وحده. فهذا مستطاع عنده وحده. ولهذا فقد جاء “ورفع خطية العالم” (يو 1: 29)، أي جفف الينبوع النجس. ينبوع أفكار النفس. لأنه كما أن تلك المرأة التي كانت مريضة بنزف الدم كانت قد صرفت كل ما كان لديها على الذين وعدوها بالشفاء ولم يشفها أحد، إلى أن أتت إلى الرب بإيمان صادق ولمست طرف ثوبه فشعرت حينئذٍ بالشفاء في الحال، ووقف نزف الدم. كذلك هو حال النفس التي جرحت منذ البدء بجرح أهواء الخطية الذي لا شفاء له، فلم يقدر أن يعالجه أحد من الأبرار. كلا ولا الآباء ولا البطاركة.
ولقد أتى موسى ولكنه لم يقدر أن يعطى شفاءً كاملاً. والكهنة والعطايا والعشور والسبوت والأهلة والغسلات والذبائح والمحرقات وسائر تفرعات البرّ كانت تحفظ جميعها بالدقة تحت الناموس. ومع ذلك لم يمكن بها شفاء النفس وتطهيرها من الينبوع النجس أي ينبوع أفكار الخطية. وكل برّ النفس لم ينفع لشفاء الإنسان إلى أن أتى المخلص نفسه الطبيب الحقيقي الذي يشفي مجانًا فبذل نفسه فداء لجنس البشر.
فهو وحده صنع فداء النفس العظيم وخلاصها وشفاءها، وهو ذاته الذي حرّرها من العبودية وأخرجها من الظلمة ممجدًا إياها بنوره الخاص. فهو حقًا جفف ينبوع الأفكار النجسة الذي كان فيها لأن الكتاب المقدس يقول “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو 1: 29).
الدواء الوحيد:
لأن أدوية النفس التي كانت من الأرض، يعني أفعالها البارة لم تقدر أن تعالجها وتشفيها من هذه الضربة العظيمة غير المنظورة بل يتم الشفاء بالطبيعة السماويَّة الإلهيّة التي لموهبة الروح القدس. فإنه بواسطة هذا الدواء فقط يمكن للإنسان أن يجد الشفاء ويحصل على الحياة إذ يتطهر في قلبه بالروح القدس. ولكن كما أن تلك المرأة، بالرغم من أنها لم تكن قد شُفيت بعد وكان مرضها فيها، إلاَّ أنها جاءت بقدميها إلى الرب، وعند مجيئها نالت الشفاء.
وكما أن الأعمى أيضًا الذي لم يقدر أن يمشي ليأتي إلى الرب، بسبب عماه، صرخ إليه صرخة شديدة وصل بها إلى الرب لأنه قال “ارحمنى يا ابن داود” (مز 10: 47) وبإيمانه نال الشفاء إذ أن الرب أتاه بنفسه وجعله يبصر بوضوح. كذلك النفس ولو أنها جرحت بجروح الأهواء الفاسدة وعميت بظلمة الخطية فمع ذلك لا تزال فيها الإرادة أن تصرخ إلى يسوع وتناديه ليأتي ويصنع لها فداءً أبديًا.
ضرورة المجيء إلى المسيح بثقة الإيمان:
لأنه كما أن الأعمى لو لم يصرخ إلى الرب، والمرأة التي كان بها النزف الدموي لو لم تأتِ إليه لما وجدًا الشفاء، كذلك الآن إن لم يأتِ الإنسان إلى الرب بإرادته وبكل نية قلبه ويطلب منه بثقة الإيمان التامة فلا يشفي أبدًا. فلماذا شُفي هذان الاثنان للوقت بإيمانهما، ونحن لم يعد إلينا بصرنا بالحقيقة ولم نُشفَ من أمراضنا الخفيّة؟. إن الرب يهتم ويعتني بالنفس غير المائتة أكثر من الجسد، لأنها إن انفتحت عينيها، كما يقول “افتح عينيّ” (مز 119: 18) فلا تعمى أبدًا فيما بعد.
وإن شُفيت فلا تعود تنجرح أبدًا. فإنه إن كان الرب عند مجيئه على الأرض اعتنى بالأجساد الفاسدة، فكم بالحري يعتني بالنفس غير المائتة المصنوعة على شبهه؟ ولكن بسبب قلة إيماننا وانقسام قلوبنا وعدم محبتنا له من كل القلب، وعدم إيماننا به حقيقة، لذلك لم نجد بعد الشفاء الروحي والخلاص.
فلنؤمن به إذن ولنأتِ إليه بالحقيقة لكي يتم فينا حالاً عمل الشفاء الحقيقي لأنه وعد بأنه يعطي للذين يسألونه روحه القدوس ويفتح للذين يقرعون وبأن الذين يطلبونه يجدونه. فالذي وعد لا يمكن أن يكذب له المجد والقدرة إلى الأبد آمين.
لباس الروح – العظة العشرون للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
العظة التاسعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – وصايا المسيح والامتلاء من الروح القدس – د. نصحى عبد الشهيد
العظة التاسعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – وصايا المسيح والامتلاء من الروح القدس – د. نصحى عبد الشهيد
العظة التاسعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – وصايا المسيح والامتلاء من الروح القدس – د. نصحى عبد الشهيد
“المسيحيون الذين يريدون التقدم والنمو، ينبغي أن يغصبوا أنفسهم إلى كل ما هو صالح ليتحرروا من الخطية الساكنة فيهم وليمتلئوا من الروح القدس”..
الإيمان بثبات والمواظبة على الصلاة:
إن أراد أحد أن يأتي إلى الرب، وأن يوجد أهلاً للحياة الأبديّة، وأن يصير مسكنًا للمسيح وأن يمتليء بالروح القدس لكيما يستطيع أن يثمر ثمار الروح، ويتمم وصايا المسيح بنقاوة وبلا عيب، يجب عليه أن يبتديء أولاً بالإيمان بالرب بثبات، وأن يسلّم نفسه كلية إلى كلمات وصاياه، ويتخلى عن العالم تخليًا تامًا، لكي لا ينشغل عقله بالمرة بشيء عالمي.
ويجب عليه أيضًا أن يواظب دائمًا على الصلاة، وينتظر دائمًا بإيمان وتوقع افتقاد الرب وعونه، جاعلاً نظر عقله مثبت دائمًا نحوه. ثم ينبغي أن يغصب نفسه إلى كل عمل صالح وإلى وصايا الرب كلها، وذلك بسبب الخطية الساكنة فيه. فمثلاً، ليغصب نفسه إلى تواضع القلب مع جميع الناس، ويحسب نفسه أقل منهم وأردأ منهم، فلا يطلب كرامة أو مدحًا أو مجدًا من أي واحد من الناس، كما هو مكتوب في الإنجيل (يو 12: 44)، بل يضع الرب، ووصاياه، أمام عينه كل حين، راغبًا في أن يرضي الرب وحده بوداعة القلب، كما يقول الرب “تعلموا من لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم” (مت 11: 29).
وصايا المسيح والصلاة بإيمان وثقة:
وبنفس الطريقة فليعود نفسه على أن يكون رحيمًا، شفوقًا رقيق القلب، صالحًا، بأقصى طاقة عنده. كما يقول الرب ” فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم” (لو 6: 36)، ويقول أيضًا “إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي” (يو 14: 15) وأيضًا ” ملكوت السموات يُغصب والغاصبون يختطفونه” (مت 11: 12). وأيضًا يقول “اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق” (لو 13: 24).
وفوق كل شيء فليحفظ في ذاكرته- بدون نسيان مطلقًا- تواضع الرب يسوع وسلوكه، ووداعته وسيرته، كمثاله الدائم أمام عينيه. وليواظب على الصلاة بمثابرة متوسلاً إلى الرب بإيمان وثقة لكي يأتي ويسكن فيه ويصير كاملاً، ويقويه في حفظ جميع وصاياه، وليصير الرب ذاته هو موضع سكنى نفسه وهكذا فإن الأشياء التي يفعلها الآن بالتغصب وبقلب معارض، يأتي يوم حين يفعلها برضى وإرادة منه، معودًا نفسه دائمًا على ما هو صالح، ومتفكرًا دائمًا في الرب، وينتظر الرب بمحبة كثيرة في الروح القدس.
ملء الروح وعمل الوصايا بدون صعوبة:
وحينما يرى الرب تشوّقه، واجتهاده الصالح، وكيف أنه يغصب نفسه لتذكر الرب وكيف يلزم قلبه بما هو صالح حتى لو كان بخلاف رغبته، ويلزمه بالتواضع والوداعة والمحبة بأقصى طاقة عنده، فإن الرب يتحنن عليه وينقذه من أعدائه، ومن الخطية الساكنة فيه، ويملأه بالروح القدس.
وهكذا فبعد ذلك يفعل كل وصايا الرب بالحق بدون تغصب أو صعوبة أو تعب، أو بالحري فإن الرب نفسه هو الذي يفعل وصاياه فيه، وحينئذٍ يخرج ثمار الروح بنقاوة.
يغصب نفسه إلى ما هو صالح (وصايا المسيح):
فالذي يأتي إلى الرب يلزمه أولاً أن يغصب نفسه إلى ما هو صالح حتى لو كان ضد ميل قلبه، منتظرًا دائمًا رحمة الرب بإيمان لا يتزعزع.
ويغصب نفسه إلى المحبة حينما تنقصه المحبة، ويغصب نفسه إلى الوداعة حينما لا تكون عنده وداعة، ويغصب نفسه إلى الشفقة إلى أن يكون له قلب حنون- وأن يغصب نفسه على تحمل الازدراء وأن يحتمله بصبر، وحينما يُحتقر أو يُعير، فلا يغضب، كما هو مكتوب “ولا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء” (رو 12: 19)- وليغصب نفسه إلى الصلاة حينما لا تكون له الصلاة الروحانيّة، وهكذا إذ يراه الله مجاهدًا وغاصبًا بالرغم من معارضة قلبه، فإنه يهب له صلاة الروح الحقيقيّة وينعم عيه بالمحبة الحقيقيّة، والوداعة وأحشاء الرأفات والشفقة الحقيقيّة، وباختصار فإنه يملأه بثمار الروح.
ولكن إن كان إنسان يغصب نفسه إلى الصلاة فقط لكي ما يحصل على نعمة الصلاة، ولكنه لا يغصب نفسه إلى الوداعة والتواضع والمحبة وبقية وصايا الرب ولا يهتم أو يتعب ويجتهد لكي يتمم هذه الوصايا- بقدر ما هو مستطاع لحريّة الإرادة وعزم القلب- فقد تعطى له أحيانًا نعمة الصلاة جزئيًا، مع تعزية وفرح من الروح بحسب ما سأل وطلب ولكنه يظل كما هو في صفاته وسلوكه. فيكون بلا وداعة، لأنه لم يطلبها باهتمام، ولم يعد نفسه ليقبلها فيصير وديعًا ويكون بلا تواضع لأنه لم يطلب التواضع، ولم يغصب نفسه إليه. ويكون بلا محبة من نحو الناس لأنه لم يهتم ويجتهد لكي يحصل عليها بالتوسل والصلاة وليس له إيمان وثقة في الله في تكميل ما عليه من الأعمال، لأنه لم يعرف نفسه، ولم يكتشف أن هذا هو ما يعوزه، ولم يبذل أي اهتمام أو جهد ليحصل على احتياجه، طالبًا من الرب أن يحصل على إيمان ثابت وثقة حقيقيّة فيه.
فإنه كما أن كل واحد يلزم ويغصب نفسه إلى الصلاة بالرغم من نفور القلب، هكذا ينبغي لمن يغصب نفسه أيضًا إلى الثقة بالله، وإلى التواضع، وإلى المحبة، وإلى الوداعة، وإلى الإخلاص والبساطة، وإلى “كل صبر وطول أناة بفرح” (كو 1: 11)، وأن يعتبر نفسه كلا شيء ويحسب نفسه أقل وآخر الكل، وهكذا يتجنب الدخول في المحادثات التي لا تنفع، بل يتأمل دائمًا في أمور الله ويتكلم بها، بفمه وقلبه، وأيضًا لا يكون غضوبًا أو ذا صخب وصراخ كما هو مكتوب “ليرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح وتجديف مع كل خبث” (أف 4: 31)، ويسير في طرق الرب كلها، في عمل الفضيلة وفي حياة صالحة نبيلة، في كل سيرة الصلاح وكل تواضع الوداعة، فلا يتشامخ ولا يتكبر ولا يتكلم في حق أي إنسان.
فينبغي أن يغصب الإنسان نفسه إلى كل الأشياء إن كان يريد أن يرضي المسيح ويسر قلبه، حتى أن الرب عندما يرى غيرته وعزم قلبه في غصب نفسه هكذا إلى كل الصلاح والبساطة والرحمة والتواضع والمحبة والصلاة وكيف أنه يسوق نفسه إليها جميعًا بالقوة، فإن الرب يعطيه ذاته- أي أن الرب نفسه بالحق يعمل فيه كل هذه الأشياء بنقاوة وبدون تعب أو تغضب، هذه الأشياء التي لم يكن يستطيع قبلاً أن يعملها حتى بالتغصب وذلك بسبب الخطية التي كانت ساكنة فيه، وتصير كل أعمال الفضيلة هذه طبيعة فيه. لأن الرب حينما يأتي ويسكن فيه وهو يسكن في الرب. فإن الرب نفسه يتمم فيه وصاياه بدون تعب مالئًا إياه بثمار الروح.
وأما إن غصب إنسان نفسه إلى الصلاة فقط لكي ينال موهبتها من الله ولكنه لا يغصب نفسه بنفس الطريقة ويلزم ويعود نفسه على كل هذه الأمور الأخرى، فإنه لا يستطيع أن يتمم هذه الأشياء بالحق، وبنقاوة وبلا عيب. فينبغي أن يعد نفسه بهذه الطريقة إلى ما هو صالح بأقصى طاقته، فإن النعمة الإلهيّة تأتيه أحيانًا وقت السؤال والصلاة والتضرعات. لأن الله صالح ورحيم والذين يسألون يعطيهم ما يسألون، وأما من كان خاليًا من الأشياء التي قد تكلمنا عنها ولم يعوّد أو يكيّف نفسه عليها مقدمًا، فإنه حتى إذا نال النعمة، فسيفقدها ويسقط بكبرياء أو على الأقل فهو لا يتقدم وينمو ويزداد في النعمة التي وُهبت له، لأنه لم يسلم نفسه إلى وصايا الرب بإرادته. لأن مكان سكنى الروح القدس وراحته هو التواضع والمحبة والوداعة وكل وصايا الرب الأخرى.
طاعة الوصية والمداومة على الصلاة:
لذلك فكل من يريد أن يرضي الله بالحق وأن ينال منه نعمة الروح القدس السماويَّة، وأن ينمو ويكمل في الروح القدس ينبغي له أن يغصب نفسه إلى كل وصايا الله ويخضع لها قلبه مهما كان رافضًا، كما هو مكتوب “لأجل هذا بإزاء كل وصاياك تقومت وكل طريق شر أبغضت” (مز 119: 128)، فكما يغصب الإنسان نفسه ويلزمها بالمثابرة في الصلاة إلى أن ينجح في ذلك هكذا بنفس الطريقة، إن أراد فقط، فإنه يستطيع أن يغصب ويلزم نفسه بكل ممارسات الفضيلة ويعود نفسه عادة حسنة، وهكذا إذ يداوم على الصلاة والسؤال من الرب وبحصوله على ما يطلب ونواله مذاقة الله وإذ يصير شريكًا في الروح القدس فإنه يجعل الموهبة التي مُنحت له تنمو وتزدهر، إذ يستريح مستقرًا في تواضعه، وفي المحبة والوداعة.
والروح نفسه يمنحه هذه الأشياء، ويعلّمه الصلاة الحقيقيّة، والمحبة الحقيقيّة، والوداعة الحقيقيّة، التي كان قبلاً يغصب نفسه إليها، وكان يطلبها ويهتم بها ويتأمل فيها، والآن أعطيت له، ولأنه نما هكذا وتكمل في الله، فإنه يحسب أهلاً أن يصير وارثًا للملكوت. فالمتواضع لا يسقط أبدًا. وإلى أين يسقط إذا كان هو تحت الكل؟ أما القلب المتشامخ فهو انحطاط عظيم، والقلب المتواضع هو ارتفاع عظيم وكرامة ومجد.
طلب الروح والصلاة بالروح وثمار الروح:
لذلك فلنغصب نفوسنا ونلزمها بالتواضع حتى ولو كان قلبنا غير راغب في ذلك، ونغصبها إلى الوداعة، وإلى المحبة، مصلين ومتوسلين إلى الله بالإيمان، والرجاء، والمحبة، وبلا انقطاع، وبانتظار وثبات، أن يرسل روحه إلى قلوبنا، حتى نصلي “ونسجد لله بالروح والحق” (يو 4: 24).
ولكيما يصلي الروح نفسه فينا، لكيما يعلمنا الروح بنفسه تلك الصلاة الحقيقيّة- التي لم نحصل عليها حتى الآن رغم أننا نغصب أنفسنا إليها، ويعلمنا التواضع الحقيقي الذي لا نستطيع الآن أن نصل إليه، حتى بالتغصب، ولكي يعلمنا أن نثمر بالحق أحشاء رأفات (كو 3: 12)، وشفقة، وكل وصايا الرب بدون تعب أو تغصب، كما يعرف الروح نفسه كيفية ذلك حين يملأنا بثماره.
وهكذا إذ نتمّم وصايا الرب بواسطة روحه، الذي هو وحده يعرف مشيئة الرب، وإذ يكمّلنا الروح في ذاته وهو نفسه يكمل فينا حينما نتطهر من كل دنس ولطخة الخطية، فإنه يحضر نفوسنا طاهرة وبلا عيب، كعرائس جميلات إلى المسيح، ونستريح في الله في ملكوته، ويستريح الله فينا إلى دهر الدهور.
فالمجد لتعطفاته، ورحمته ومحبته لأنه أعطى لجنس البشر مثل هذه الكرامة والمجد، وأنعم عليهم أن يصيروا أبناء للآب السماوي ودعاهم إخوة له خاصة. له المجد إلى الأبد آمين.
وصايا المسيح والامتلاء من الروح القدس – العظة 19 للقديس مقاريوس الكبير
غنى وكنز الروح القدس – العظة 18 للقديس مقاريوس الكبير
غنى وكنز الروح القدس – العظة 18 للقديس مقاريوس الكبير
العظة الثامنة عشر للقديس مقاريوس الكبير – غنى وكنز الروح القدس – د. نصحى عبد الشهيد
عن كنز المسيحيين، الذي هو المسيح والروح القدس الذي يدربهم بطرق
متنوعة، ليأتي بهم إلى الكمال”..
كنز الروح:
إذا كان إنسان غني في هذا العالم وعنده كنز مخفي فإنه من ذلك الكنز والغنى الذي له يمكنه أن يشتري أي شيء يشتهيه. وكل الأشياء النادرة التي يشتهيها- في هذا العالم، فإنه بسهولة يجمعها ويكدسها، معتمدًا على كنزه لأنه بواسطة هذا الكنز، يسهل عليه اقتناء كل الممتلكات التي يشتهي امتلاكها.
وبنفس الطريقة فإن أولئك الذين يطلبون ويسعون إلى الله، وقد وجدوا الكنز السماوي أي حصلوا على كنز الروح، الذي هو الرب نفسه، مضيئًا في قلوبهم، فإنهم يتمّمون كل برّ الفضائل وكل غنى الصلاح الذي أوصى به الرب، وذلك من كنز المسيح الذي فيهم، وبواسطة ذلك الكنز يتممون كل فضائل البر معتمدين على مجموع الغنى الروحي الكثير المتجمع في داخلهم، ويعملون بسهولة كل وصايا الرب بواسطة غنى النعمة غير المنظور الذي فيهم.
يقول الرسول “لنا هذا الكنز في أوان خزفية” (2 كو 4: 7). أي الكنز الذي أعطى لهم في هذه الحياة ليمتلكوه في داخل نفوسهم، “الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداءً” (1 كو 1: 30). فالذي وجد وامتلك في داخله كنز الروح السماوي هذا فإنه يتمم به كل برّ الوصية ويكمل جميع الفضائل بنقاوة وبلا لوم، بل بسهولة وبدونه تغصب. لذلك فلنتضرع إلى الله، ونسأله ونطلب منه بشعور الاحتياج، أن ينعم علينا بكنز روحه، لكيما نستطيع أن نسلك في وصاياه كلها بطهارة وبلا لوم، ونتمم كل برّ الروح بنقاوة وكمال بواسطة الكنز السماوي، الذي هو المسيح.
فالذي يكون فقيرًا وعريانًا ومحتاجًا ومعدمًا في هذا العالم، لا يستطيع أن يقتني شيئًا، لأن فقره يمنعه من ذلك، ولكن الذي يملك الكنز- كما سبق أن قلت- فإنه بسهولة يقتني كل ما تصبو نفسه إليه، بدون جهد أو ألم. هكذا النفس العريانة والمقفرة من شركة الروح، الواقعة تحت فقر الخطية المرعب لا تستطيع- حتى إذا رغبت- أن تثمر أي ثمر من ثمار روح البرّ بالحق، قبل أن تدخل في شركة الروح.
فليغصب كل واحد منا نفسه ليطلب من الرب أن يحسب أهلاً أن ينال وأن يجد كنز الروح السماوي. لكيما يستطيع بتهيؤ وبدون صعوبة، أن يعمل كل وصايا الرب بنقاوة وبلا لوم- تلك الوصايا التي لم ينجح قبل ذلك في أن يعملها مهما غصب نفسه. لأنه إذ يكون فقيرًا وعريانًا من شركة الروح، فكيف يمكنه أن يقتني الكنوز السماويَّة بدون أن يحصل على كنز وغنى الروح؟.
أما النفس التي وجدت الرب الذي هو الكنز الحقيقي فإنها بواسطة طلب الروح، وبالإيمان والثقة، وبصبر كثير، تثمر ثمار الروح بسهولة وراحة، كما قلت سابقًا، وتعمل كل وصايا الرب، التي أوصى بها الروح، هذه كلها تعملها في داخلها، وبنفسها، بنقاوة وكمال وبلا لوم.
غنى الروح ومنفعة الآخرين:
ولنستخدم توضيحًا آخر: إنسان غني يريد أن يصنع وليمة فاخرة فإنه يصرف من ثروته والكنز الذي يملكه، ولأنه غني جدًا فإنه لا يخاف من عدم كفاية أمواله لتجهيز كل لوازم الوليمة. وهكذا فإنه يكرم الضيوف الذي دعاهم. ببذخ وأبهة، واضعًا أمامهم أصنافًا كثيرة من المأكولات مُعدّة بأحدث طرق التجهيز.
وأما الفقير الذي ليس عنده مثل هذا الغني فإنه إذا رغب في عمل وليمة لأصدقاء قليلين فإنه يضطر أن يستعير كل شيء، من الأواني والأطباق والمفارش وكل شيء آخر، وبعد ذلك حينما تنتهي الوليمة ويخرج المدعوون فإنه يعيد كل الأشياء التي استعارها إلى أصحابها سواء أطباق فضة أو مفارش أو أي أشياء أخرى، وهكذا حينما يُرجع كل شيء يظل هو نفسه فقيرًا وعريانًا إذ ليس له غنى خاص يعزي به نفسه.
وبنفس الطريقة فإن أولئك الذين يكونون أغنياء بالروح القدس الذين عندهم الغنى السماوي حقًا وشركة الروح في داخل نفوسهم، فإنهم حينما يكلمون أحدًا بكلمة الحق أو حينما يتحدثون بالأحاديث الروحيَّة ويريدون أن يعزوا النفوس فإنهم يتكلمون ويخرجون من غناهم ومن كنزهم الخاص الذي يمتلكونه في داخل نفوسهم، ومن هذا الكنز يعزّون ويفرّحون نفوس الذين يسمعون أحاديثهم، ولا يخافون أن ينضب معينهم، لأنهم يملكون في داخلهم كنز الصلاح السماوي الذي يأخذون منه ليعزوا ويفرحوا ضيوفهم الروحيين.
أما الفقير الذي لا يملك غنى المسيح وليس عنده الغنى الروحي في داخل نفسه الذي هو ينبوع كل صلاح سواء في الأقوال أو الأعمال أو الأفكار الإلهيّة والأسرار التي لا ينطق بها. فحتى إذا أراد هذا الفقير أن يتكلم بكلمة الحق ويعزي بعض سامعيه بدون أن ينال في نفسه كلمة الله بالقوة والحق، فإنه يكرّر من الذاكرة ويقتبس فقط كلمات من أجزاء مختلفة من الكتاب المقدس أو مما سمعه من الرجال الروحيين فيخبر ويعلم بها الآخرين.
وهكذا يظهر كأنه يعزي ويفرح الآخرين، والآخرون يبتهجون بما يخبرهم ولكن بعد أن ينتهي من الكلام تعود كل كلمة إلى مصدرها الأصلي الذي أخذت منه ويبقى هذا الإنسان ويعود كما كان عريانًا وفقيرًا لأنه ليس له كنز الروح خاصًا به ليأخذ منه ويعزي ويفرح الآخرين إذ أنه هو نفسه لم يتعزَ أولاً ولا ابتهج بالروح.
لهذا السبب ينبغي لنا أولاً أن نطلب من الله باجتهاد قلب وبإيمان، حتى يهبنا أن نجد في قلوبنا هذا الغنى، أي كنز المسيح الحقيقي بقوة الروح القدس وفاعليته. ولهذا فعندما نجد الرب أولاً في نفوسنا لمنفعتنا أن للخلاص والحياة الأبديّة، فحينئذٍ يمكننا أن ننفع الآخرين أيضًا إذ يصير هذا ممكنًا، لأننا نأخذ من المسيح الذي هو الكنز الموجود في داخلنا ونخرج منه كل الصلاح الذي للكلمات الروحيَّة ونكشف أمامهم أسرار السماء. لأن هذه هي مسرة صلاح الآب أن يسكن في كل من يؤمن به ويحبه “من يحبني يحبه أبي وأنا أحبه وأظهر له ذاتي” ويقول أيضًا “إليه نأتي، أنا والآب، ونصنع عنده منزلاً” (يو 21:14، 23).
هذا ما شاءه إحسان الآب غير المتناهي، وهذا ما سرّت به محبة المسيح الفائقة المعرفة، وهذا ما وعد به صلاح الروح الذي لا يُنطق به. فالمجد للحنان غير المنطوق به الذي للثالوث الأقدس.
أنواع فاعليّة النعمة في القلب:
لأن أولئك الذين أعطى لهم أن يصيروا أبناء الله، وأن يولدوا من فوق من الروح، والذين لهم المسيح منيرًا في داخلهم، ومنعشًا لهم، هؤلاء يقودهم الروح بطرق متنوعة كثيرة. وتعمل النعمة سرًا في قلوبهم وتعطيهم راحة روحيَّة.
فلنستعمل صور التنعمات والمسرات الملموسة التي في هذا العالم لنوضح بها- إلى حد ما- أعمال النعمة في القلب. ففي بعض الأوقات تعزيهم النعمة وتفرحهم كما في وليمة ملوكية فيفرحون بفرح وسرور لا ينطق به وفي وقت آخر يكونون مثل عروس تتنعم بالشركة مع عريسها في راحة إلهيّة. وفي وقت آخر يصيرون كملائكة بدون أجساد، لكثرة سموهم وخفتهم وعدم تثقلهم حتى بالجسد. وفي وقت آخر يكونون كأنهم سكارى إذ يكونون منتعشين وثملين بالروح وبالأسرار الإلهيّة الروحانيّة.
وفي وقت آخر يكونون كأنهم في بكاء ونحيب لأجل جنس البشر وإذ يتوسلون لأجل ذرية آدم كلها فإنهم يولولون ويبكون، إذ تشتعل فيهم محبة الروح نحو جنس البشر. وفي وقت آخر يشعلهم الروح بفرح ومحبة كثيرة حتى أنه لو أمكنهم لأدخلوا كل إنسان إلى أحشائهم، بدون تفريق بين الرديء والجيد. وأحيانًا يصيرون تحت كل الناس في تواضع الروح حتى أنهم يحسبون أنفسهم آخر الكل وأقل الكل.
وأحيانًا يجعلهم الروح في فرح لا يُنطق به. لدرجة أنهم يُجهدون من الفرح. وفي وقت آخر يكونون مثل إنسان جبار قد لبس الدرع الملكي الكامل ونزل إلى المعركة ضد أعدائه، فيحاربهم بقوة ويهزمهم، فإنه مثل هذا الجبار كذلك يأخذ الإنسان الروحاني أسلحة الروح السماويَّة وينزل لمقاتلة الأعداء فيحاربهم، ويدوسهم تحت قدميه. وفي وقت آخر تستريح النفس في هدوء عظيم وسكون وسلام، دون أن تشعر بأي شيء آخر سوى اللذة الروحانيّة والراحة والسعادة التي لا توصف.
وفي وقت آخر، تعلمها النعمة بنوع لا يُنطق به من الفهم والحكمة، ومعرفة الروح الذي يفوق الفحص وتعلمها أشياء لا يمكن النطق بها باللسان والكلام، هكذا فإن معاملات النعمة متنوعة جدًا في النفوس، وهي تقود النفس التي تنعشها وتحييها، بطرق كثيرة بحسب إرادة الله وتدربها بطرائق مختلفة لكي تعيدها إلى الآب السماوي كاملة ونقيّة وبلا عيب.
ولكن أفعال الروح هذه التي تحدثت عنها تختص بالدرجات العظيمة القريبة من الكمال، لأن تنعمات النعمة المختلفة هذه، رغم أنه يُعبّر عنها بطرق مختلفة ولكنها تفعل بلا انقطاع في أولئك الأشخاص، فاعليّة تليها فاعليّة أخرى. لأنه حينما تصل النفس إلى كمال الروح، وتتطهر بالتمام من الشهوة، وتتحد مع الروح المعزي وتختلط به بشركة لا توصف، فإنها تحسب أهلاً أن تصير هي نفسها روحًا، في اختلاطها مع الروح، حينئذٍ تصير كلها نورًا، وكلها عينًا، وكلها روحًا، وكلها فرحًا، وكلها راحة، وكلها بهجة، وكلها محبة، وكلها حنان، وكلها صلاح، وكلها رأفات محبة.
وكما أن الحجر الذي في قاع البحر تحيط به المياه من كل ناحية، كذلك كل هؤلاء أيضًا إذ يكونون مغمورين بالروح من كل ناحية فإنهم يصيرون مشابهين للمسيح، حاصلين في أنفسهم على فضائل قوة الروح بلا تغيير لكونهم بلا عيب وأنقياء وبلا لوم من الداخل والخارج. وإذ قد ردهم الروح وأعادهم إلى الله هكذا فكيف يمكنهم أن يخرجوا ثمر الخطية؟ بل في كل الأوقات وفي كل الظروف تشع منهم ثمار الروح ظاهرة فيهم.
لنطلب نعمة الروح بالإيمان والمحبة والرجاء:
فلنتوسل إذا إلى الله بإيمان وبالمحبة والرجاء الكثير، لكي يمنحنا النعمة السماويَّة، نعمة الروح، لكي ما يحكمنا ويضبطنا ذلك الروح نفسه أيضًا، ويقودنا إلى كل إرادة الله وينعشنا ويحيينا بكل أنواع إنعاشه وإحيائه لكي بواسطة عمل الروح هذا وفاعليّة النعمة، والنمو الروحاني نتقدم، لنحسب أهلاً لإدراك كمال ملء المسيح كما يقول الرسول “لتمتلئوا بكل ملء المسيح” (أف 3: 19) وأيضًا يقول “إلى أن ننتهي جميعنا إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح” (أف 4: 13).
ولقد وعد الرب كل الذين يؤمنون به ويسألونه بالحق أن يعطيهم أسرار شركة الروح الذي لا يُنطق. به.
لذلك فلنكرس نفوسنا بكليتها للرب ونسرع للحصول على الخيرات التي تكلمنا عنها. وإذ نكرس نفوسنا وأجسادنا ونتسمر على صليب المسيح فلنكن لائقين ومستعدين للملكوت السماوي، ممجدين الآب والابن والروح القدس إلى الأبد. آمين.
غنى وكنز الروح القدس – العظة 18 للقديس مقاريوس الكبير
مسحة الروح القدس – العظة السابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
مسحة الروح القدس – العظة السابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
مسحة الروح القدس – العظة السابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
“مسحة المسيحيين الروحانية ومجدهم، وأنه بدون المسيح يستحيل الخلاص وتستحيل الشركة في الحياة الأبدية”
مسحة الروح:
المسيحيون الكاملون الذين حسبوا أهلاً للوصول إلى مقاييس الكمال والالتصاق جدًا بالملك (المسيح)، هؤلاء يكرسون أنفسهم دائمًا لصليب المسيح. وكما كانت المسحة في أيام الأنبياء هي أثمن من جميع الأشياء- إذ أن المسحة جعلتهم ملوكًا وأنبياءً، هكذا الأشخاص الروحيون الآن، الذين يمسحهم بالمسحة السماوية فإنه يصيرون مسحاء بحسب النعمة، فيكونون هم أيضًا ملوكًا وأنبياء للأسرار السماوية.
هؤلاء هم أبناء وأرباب وآلهة، مأسورون ومستعبدون لنعمة الله، ومستغرقون في العمق، مصلوبون ومكرسون. فإن كانت مسحة الزيت، التي استخرجت من نبات مادي- من شجرة منظورة لها كل هذه القوة، حتى أن أولئك الذين مُسحوا بها، نالوا كرامة فوق كل اعتبار- فإنه هكذا كانت القاعدة الثابتة التي بها يعينون ملكًا، فداود مثلا بعد أن مُسح، وقع في الحال في اضطهاد وآلام، ثم بعد سبع سنوات صار ملكًا- فكم بالحري جدًا كل الذين يُمسحون في العقل والإنسان الباطن بدهن البهجة (عب 1: 9) الذي يقدس ويبهج، الدهن السماوي الروحاني، ينالون علامة ذلك الملكوت الذي لا يفنى، والقوة الأبدية، عربون الروح (2 كو 5: 5)، أي الروح القدس المعزي. وهو يُسمى المعزي لأنه يعزي أولئك الذين في الشدائد.
الدخول منذ الآن ومعاينة النور:
فهؤلاء إذ قد مُسحوا من شجرة الحياة- أي يسوع المسيح الغرس السماوي، فإنهم ينالون امتياز المجيء إلى درجات الكمال، درجات الملكوت والتبني، ويكونون مشاركين حقيقيين في أسرار الملك السماوي وخفاياه، إذ يدخلون بحرية إلى القدير، يدخلون في قصره حيث يكون الملائكة وأرواح القديسين، وهم يدخلون منذ الآن بينما هم لا يزالون في هذا العالم.
ورغم أنهم لم ينالوا الميراث الكامل المُعد لهم في ذلك الدهر، فإنهم متيقنون- عن طريق العربون الذي قد نالوه الآن- كأنهم قد كُللوا وملكُوا، وإذ هم عتيدون أن يملكوا مع المسيح، فإنهم لا يستغربون وفرة وحرية فيض الروح. لماذا؟. لأنهم حصلوا- وهم لا يزالون في الجسد- على لذة حلاوته وعلى عمل قوته الفعالة.
فحينما يكون إنسان ما صديقًا للإمبراطور، ويعمل في قصره ويتعرف على أسراره وخفاياه، وينظر أرجوانه، فإذا صار ذلك الإنسان هو نفسه إمبراطورًا فيما بعد، وتُوج فإنه لا يندهش أو يُصدم (بما في القصر) حيث أنه سبق أن تدرب طويلاً في أسرار القصر وخفاياه.
فلا يستطيع شخص ساذج أو جاهل أو غريب عن خفايا القصر أن يدخل القصر ويملك، بل يستطيع ذلك فقط أولئك الذين لهم خبرة وتدرب، وكذلك المسيحيون الذين سيملكون في الدهر الآتي، فإنهم لا يستغربون، إذ أنهم سبق أن تعرفوا على أسرار النعمة وخفاياها. فحينما تعدى الإنسان الوصية ألقى الشيطان على النفس حجابًا مظلمًا. ثم تأتي النعمة فتزيل الحجاب تمامًا، حتى أن النفس إذ تصير نقية، وتستعيد طبيعتها الأصلية، وتصير صافية بلا عيب، فإنها تنظر دائمًا بصفاء- بعينها النقية- مجد النور الحقيقي، وشمس البر الحقيقية ساطعة بأشعتها داخل القلب نفسه.
وكما أنه في نهاية العالم تزول السماء (الجلد) ويعيش الأبرار حينئذٍ في الملكوت والنور والمجد ولا يعاينون شيئًا آخر سوى المسيح وهو جالس في المجد دائمًا عن يمين الآب، هؤلاء الناس يختطفون منذ الآن إلى ذلك الدهر الآتي ويؤسرون، وهناك يعاينون كل أنواع الجمال والبهاء والعجائب.
فنحن رغم أننا على الأرض فإن “مدينتا هي في السموات” (في 3: 20) إذ فيما يخص العقل والإنسان الباطن، نصرف وقتنا ونقوم بأنشطتنا في ذلك العالم. وكما أن العين الظاهرة- عندما تكون صافية- ترى الشمس دائمًا بوضوح، هكذا العقل المُطهر تمامًا فإنه دائمًا ينظر مجد نور المسيح ويكون مع الرب ليلاً ونهارًا، كما أن جسد الرب المتحد باللاهوت هو دائمًا مع الروح القدس.
قوة عمل النعمة وتأثير الخطية:
ولكن الناس لا يصلون إلى هذه المقاييس في لحظة، بل بالتعب والآلام والجهاد الكثير. لأن البعض منهم تعمل النعمة معهم وتسكن فيهم، ومع ذلك فالشر أيضًا يعمل فيهم في الداخل فكلٍ من النور والظلمة له عمل وتأثير على القلب الواحد بعينه.
ولكنك ستسألني قائلاً: “أي شركة للنور مع الظلمة” (2 كو 6: 14) وكيف يتأثر النور الإلهي أو يظلمْ؟ وكيف يمكن أن يتلوث ما هو طاهر ونقي؟ كما هو مكتوب “النور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه” (يو 1: 5) ولكننا لا يجب أن نفكر في هذه الأمور من وجه واحد وبدون تدقيق. فالبعض من الناس يستقرون في نعمة الله ويعتمدون عليها لدرجة عظيمة، حتى أنهم يصيرون أقوى من الخطية التي فيهم وينعمون بنعمة الصلاة وراحة كثيرة في الله، ولكنهم في لحظة أخرى يكونون تحت تأثير الأفكار الشريرة وينخدعون بالخطية بالرغم من كونهم لا يزالون في نعمة الله.
ولكن الناس ذوى العقول الخفيفة- الذين لم يدركوا حقيقة الأمر- حينما تعمل فيهم النعمة، إلى حدٍ ما، فإنهم يتخيلون أنه لم يبق هناك شيء اسمه الخطية. أما الذين لهم تمييز وفطنة فلا يجرؤون أن ينكروا أننا حتى مع حصولنا على نعمة الله فإننا معرضون لتأثير الأفكار الشريرة والمنجسة.
لقد وجدنا أمثلة كثيرة بين الإخوة الذين حصلوا على فرح عظيم ونعمة هذا مقدارها حتى أنهم لمدة خمس أو ست سنوات متتابعة جفت فيه الشهوة ولكنهم بعد ذلك حينما ظنوا أنهم صاروا أحرارًا تمامًا منها، فإن الشر الذي كان مختفيًا تحرك عليهم ثانية واشتعلت فيهم الشهوة، حتى أنهم تعجبوا وقالوا “من أين جاء علينا وقام ضدنا هذا الشر بعد كل هذا الوقت الطويل؟”.
فلا يجرؤ إنسان ذو عقل سليم أن يقول “حيث أن النعمة حاضرة في فأنا حر من الخطية على الإطلاق” والحقيقة إن كلاً من النعمة والخطية يكون لها- في ذلك الوقت- عمل وتأثير على القلب.
والذين ليس لهم خبرة في هذه الأمور، حينما تعمل فيهم النعمة بعض العمل، يتصورون أنهم قد وصلوا إلى الظفر الكامل وصاروا مسيحيين كاملين.
ولكن من جهتي أنا أقول أن حقيقة الأمر هي هكذا: حينما تكون الشمس في السماء مشرقة في جو صافٍ ثم تأتي السحب وتحيط بها وتغطيها، وتجعل الجو معتمًا، فإن الشمس مع ذلك تكون بعيدة جدًا ولا يضيع شيء من نورها ولا من جوهر طبيعتها، هكذا هو الأمر مع أولئك الذين لم يتطهروا ويتنقوا تنقية كاملة. أنهم يكونون في نعمة الله، ولكنهم ممسكين تحت السطح بالخطية ولذلك فإن حركاتهم الطبيعية، وأفكارهم الحقيقية، متجهة بقوة إلى الله وبالرغم من ذلك فإنها ليست مرتبطة ارتباطًا كليًا بالصلاح.
ومن الجهة الأخرى فهناك البعض الآخر هم مُمْسكين في العمق بقوة الخير والصلاح- قوة النعمة ومع ذلك لا يزالون في عبودية وخضوع للأفكار الشريرة وجانب الشر. لذلك فالأمر يحتاج إلى إفراز كثير لكي يعرف الإنسان بالاختبار أن حقيقة الأمر هي هكذا. وأني أذكر لكم أنه حتى الرسل رغم نوالهم المعزي في داخلهم لم يكونوا خالين تمامًا من الخوف فإلى جانب امتلائهم من الفرح والبهجة كان فيهم أيضًا خوف ورعدة ناشئة من النعمة نفسها وليست ناشئة من جانب الشر، وكانت النعمة نفسها تحفظهم. وتحرسهم لكي لا ينحرفوا أي انحراف.
فإذا رمى إنسان حجرًا صغيرًا على حائط فإنه لا يضر الحائط ولا يحركه من مكانه وإذا أطلق سهم على رجل يلبس درعًا فإنه لا يضر درع الحديد ولا جسم لابس الدرع لأنه ينعكس ويرتد إلى خلف. هكذا حتى إذا اقترب من الرسل جزء صغير من الشر، فإنه لم يكن ليجرحهم أو يضرهم لأنهم كانوا بقوة المسيح الكاملة وإذ كانوا كاملين، كانت لهم الحرية الكاملة لعمل البر بكل أنواعه.
إن البعض يقولون أن النفس بعد نوالها النعمة تصير بلا خوف ولكن الله يطلب إرادة النفس- حتى في الكاملين- لتصير في خدمة الروح، لكي يعملا كلاهما في توافق واتفاق.
فالرسول يقول “لا تطفئوا الروح” (1 تس 5: 19) فالبعض منهم كانوا غير راغبين أن يثقلوا على غيرهم، والبعض كانوا يسيرون على حدتهم، والبعض الآخر كانوا يأخذون من العائشين في العالم ويوزعون على الفقراء. وهذا كان أفضل.
لأن البعض تكون فيهم النعمة فيهتمون بنفوسهم فقط، بينما يسعى آخرون لمنفعة نفوس إخوتهم أيضًا وهؤلاء أفضل من الآخرين. والبعض من الذين لهم النعمة يسلمون أجسادهم للتعييرات والآلام من أجل اسم الله وهؤلاء أيضًا أفضل من أولئك. والبعض في سعيهم إلى الفضيلة يميلون إلى التشامخ وإلى نوال الكرامة والمديح من الناس، ويقولون إنهم مسيحيون وشركاء للروح القدس.
وآخرون يجتهدون في إخفاء أنفسهم حتى من مقابلة الناس وهؤلاء أفضل من أولئك الآخرين. وهكذا ترون أنه حتى في الكمال تكون الإرادة الصالحة نحو الله المتوافقة بتكامل مع الإرادة الطبيعية هي التي تعلو وتتفاضل كثيرًا جدًا.
الحديث الروحي بدون تذوق واختيار:
فإذا كان إنسان فقير، يرى نفسه غنيًا في حلم الليل، وحينما يستيقظ من النوم يجد نفسه فقيرًا عريانًا مرة أخرى. كذلك الذين يتحدثون الحديث الروحاني ويظهرون كأنهم يتحدثون بكفاءة تامة، ولكنهم إن لم يكونوا حاصلين على الشيء الذي يتحدثون عنه، متحققًا في قلوبهم بالتذوق والقوة والاختبار الشخصي فإنه لا يكون لهم سوى مظهر باطل وخيال وهمي.
أو مثل امرأة مزينة بالحرير ومتحلية بالجواهر وتعرض نفسها في مكان الفساد والعار، هكذا يكون قلب هؤلاء الناس مأوى للأرواح النجسة فإنهم يسرعون إلى التكلم والحديث عن البر بينما هم لم يتمتعوا حتى بنظرة لهذه الحقائق.
السمكة لا تستطيع أن تعيش خارج الماء، ولا يستطيع أحد أن يمشي بدون قدمين، أو يرى النور بدون عينين أو يتكلم بدون لسان أو يسمع بدون أذنين. هكذا بدون الرب يسوع وعمل قوته الإلهية، لا يستطيع أحد أن يعرف أسرار الله وحكمته، أو أن يحصل على الغنى الحقيقي ويصير مسيحيًا.
فإن الحكماء، المحاربين، الشجعان، وفلاسفة الله هم أولئك الذين ينقادون ويتغذون وينضبطون في الإنسان الباطن بالقوة الإلهية. إن فلاسفة اليونانيين يتعلمون صناعة الكلام بينما الآخرون هم “عاميون في الكلام” (2 كو 11: 6)، ويبتهجون ويفرحون متهللين بنعمة الله لأنهم رجال تقوى فلنحكم أيهما أفضل. فالرسول يقول “ملكوت الله ليس بكلام بل بالفعل والقوة” (1 كو 4: 20).
فإنه من السهل جدًا على أي إنسان أن يقول: “هذا الخبز مصنوع من القمح”. ولكن كان ينبغي أن يخبرنا عن كيفية إعداده وعجنه بالتفصيل. هكذا فإن التحدث عن التحرر من الأهواء وعن الكمال هو أمر سهل ولكن خبرة الوصول إلى الكمال ليست أمرًا هينًا.
فالإنجيل مثلاً يقول في اختصار “لا تغضب، لا تشتهي” وأيضًا “من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضًا ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، فاترك له الرداء أيضًا” (مت 5: 39-40).
ولكن الرسول إذ يتتبع كيفية تتميم عمل التطهير فإنه بصبر ومثابرة قليلاً قليلاً يعلمنا بالتفصيل مغذيًا إيانا باللبن كالأطفال ثم يأتي بنا إلى النمو وإلى النضج الكامل. فالإنجيل قال: إن الثوب مصنوع من صوف الحملان (مت 7: 15)، ولكن الرسول أعلن بالتفصيل كيفية صنعه.
هكذا أولئك الذين يتحدثون بالأحاديث الروحية، بدون أن يتذوقوا ما يتحدثون عنه فإنهم يشبهون إنسانًا مسافرًا في صحراء مقفرة تحت أشعة الشمس المحرقة، وبسبب عطشه فإنه يتخيل صورة ينبوع ماء جارٍ ويرى نفسه وهو يشرب منه، بينما تكون شفتاه ولسانه كلها جافة مشتعلة من شدة العطش الذي يتملكه، أو كمثل إنسان يتحدث عن العسل ويقول أنه حلو، مع أنه لم يذقه قط، ولذلك فإنه لا يعرف قوة حلاوته.
هكذا هي حالة أولئك الذين يتحدثون عن الكمال والفرح، والتحرر من الأهواء دون أن يكون فيهم العمل الفعال أو المعرفة الشخصية لهذه الأمور، وليست الأشياء كلها كما يصفونها هم. وإذا حسب إنسان من هذا النوع، أهلاً لأن يكتشف الحقيقة، فإنه يقول في نفسه إني لم أجد الحقيقة كما كنت أظن، فإني كنت أتحدث في اتجاه، والروح يعمل في اتجاه آخر.
لأن المسيحية هي في الحقيقة طعام وشراب، فكلما أكل الإنسان منها ازداد قلبه ولعًا بحلاوتها، ولا يتوقف أو يكتفي بل يطلب المزيد، ويستمر يأكل بلا شبع أو امتلاء. فإذا أعطى شراب حلو لإنسان عطشان، فإنه بعد أن يتنوقه، يزداد ظمئًا إليه، ويشتاق إليه بحرارة أكثر من الأول. والحقيقة أن مذاقة الروح تشبه ذلك، ولكن بغير حدود، حتى أنه لا يوجد شيء يمكن أن يمثل به، وهذه ليست مجرد كلمات. فهذا هو فعل الروح القدس وعمله الذي يعمله في الخفاء في القلب.
القداسة هي نقاوة القلب:
إن البعض يتصورون أنهم صاروا قديسين بسبب امتناعهم عن الزواج وعن بعض أمور أخرى منظورة، ولكن الأمر ليس كذلك. فإن الخطية لا تزال تعيش وترفع رأسها في العقل وفي القلب. فإن القديس هو ذلك الذي يتنقى ويتقدس في الإنسان الباطن. وحيثما يرفع الحق رأسه، فهناك يبدأ الشر هجومه محاولاً أن يخفي الحق ويحجبه.
وحينما كان اليهود يمتلكون الكهنوت، فإن بعضًا من تلك الأمة كانوا يُضطهدون ويتألمون بسبب ثباتهم في الحق، مثل أليعازر والمكابيين. والآن بعد الصليب وانشقاق الحجاب، فارق الروح اليهود، وأما الآن فإن الحق كُشف هنا وهو يعمل هنا (في المؤمنين بالمسيح)، وهكذا فإن البعض من هذه الأمة (المسيحيين) يُضطهدون بدورهم. إن الاضطهاد والشدائد تقع على المؤمنين، لكي يستطيع محبي الحق أن يشهدوا له لأنه كيف يظهر الحق إن لم يكن له أعداء، الذين هم الكذبة والمقاومون للحق…؟
وحتى بين الإخوة، يوجد البعض ممن يحتملون آلام وشدائد كثيرة، ومع ذلك يحتاجون إلى احتراس كثير لكي لا يسقطوا.
كان أحد الإخوة مرة في صلاة مع آخر، وأُسر من القوة الإلهية واختطف ورأي أورشليم العليا ومناظرها المضيئة، والنور اللانهائي، وسمع صوتًا يقول هذا هو مكان راحة الأبرار، وبعد وقت قصير، انتفخ في نفسه وظن أن الرؤيا التي رآها هي مختصة به وتنسب إليه، وبعد ذلك سقط إلى أعماق الخطية، وآلاف أمور شريرة.
فإن كان الذي دخل إلى الداخل والمتقدم كثيرًا سقط هكذا، فكيف يستطيع الشخص العادي أن يقول ” أني بصومي وتغربي، وتوزيع كل أموالي قد صرت قديسًا؟”.
إن مجرد الامتناع عن الشرور ليس هو الكمال، بل إن دخلت إلى قلبك الخرب وذبحت الحية القتالة التي تكمن تحت العقل، تحت سطح الأفكار، وتختبيء داخل ما نسميه مخادع النفس ومخازنها الخفية. إن القلب هوة عميقة، فقط إن كنت تقتل هذه الحية وتخرج خارجًا كل ما كان فيك من النجاسة فحينئذٍ تتحول إلى النقاوة. فإن كل الفلاسفة والناموس والأنبياء بل مجيء المخلص، كل ذلك كان من أجل الطهارة. فكل الناس يهودًا كانوا أم أممًا يحبون الطهارة، رغم أنهم لا يستطيعون أن يكونوا أطهارًا. فينبغي أن نستمر في البحث عن الكيفية والوسائل التي نحصل بها على نقاوة القلب.
طريق النقاوة:
وبالتأكيد لا يوجد طريق آخر سوى بواسطة ذلك الذي صُلب لأجلنا. فهو الطريق والحياة والحق، والباب والجوهرة، والخبز الحي السماوي. وبدون هذا الحق تستحيل معرفة الحق، أي يستحيل الخلاص.
فكما أنه من جهة الأمور المنظورة، قد تخليت عن كل شيء ووزعت أموالك، هكذا أيضًا من جهة الحكمة العالمية، فإن كان لك علم وفصاحة كلام، فإنك ينبغي أن ترذلها وتعتبرها كلا شيء، حتى تستطيع أن تتهذب وتبنى “بجهالة الكرازة” (1 كو 1: 21)، هذه الكرازة التي هي الحكمة الحقيقية التي لا تعتمد على عظمة وغرور الكلمة، بل لها قوة تعمل بفاعلية بواسطة الصليب المقدس. فالمجد للثالوث الواحد في الجوهر إلى الأبد. آمين.
مسحة الروح القدس – العظة السابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
خُلقنا في حالة البراءة- الشر نتج من حريّة الإرادة:
كل الجواهر الروحانيّة، أي الملائكة والنفوس البشريّة والشياطين، كل هؤلاء قد خلقهم الخالق في حالة البراءة والبساطة التامة. أما كون البعض منهم قد تحولوا إلى الشر فهذا ناتج من حريّة إرادتهم. فباختيارهم حادوا عن طريق التفكير السليم. فإذا قلنا أن الله خلقهم هكذا أشرارًا، فإننا بذلك نجعل الله قاضيًا ظالمًا بإرسال الشيطان إلى النار. إن بعض الهراطقة قد قالوا أن المادة أزلية أي ليس لها بداية، وأن المادة هي أصل كل الأشياء. وأن هذا الأصل هو القوة، وهي قوة كافية بذاتها. وهذا الكلام نجيب عليه قائلين: “أية قوة إذن هي القوة الغالبة؟. هي بالتأكيد قوة الله، إذن فالمغلوب ليس معادلاً للغالب لا في القوة ولا في الزمن”.
وأولئك الذين يقولون أن الشر هو جوهر حقيقي، لا يعرفون شيئًا. فبالنسبة إلى الله ليس هناك شر جوهري وذلك لأن الله حسب طبيعته الإلهيّة غير قابل للشهوات والأهواء، أما نحن فإن الشر يعمل فينا بقوة كاملة ويجعل نفسه محسوسًا ويوحي بكل الشهوات الرديئة ولكن الشر ليس مختلطًا بنا، كاختلاط الخمر بالماء كما يقول البعض، ولكنه مثل الزوان مع القمح فالقمح وحده والزوان وحده، رغم أنهما موجودان في نفس الحقل، كما أنه في بيت واحد قد يوجد اللص في جزء منه، ورب البيت في جزء آخر.
اختلاط الخطية بالنفس:
إن ينبوع الماء ينبع ماءًا صافيًا رغم أنه يوجد طين أسفل الينبوع تحت الماء. فلو أن أحدًا حرك الطين، فإن الينبوع كله يتعكر. وهكذا النفس حينما تثار فإنها تتنجس وتختلط بالشر، ويصير الشيطان واحدًا مع النفس، كروحين متفقين، في فعل الزنا أو في القتل. لهذا السبب “فالذي يلتصق بزانية هو جسد واحد” (1 كو 6: 16) ولكن في لحظة أخرى تكون النفس قائمة بذاتها، تائبة عما فعلته من خطية، وتبكي وتصلي وتتذكر الله، لأنه لو كانت النفس غارقة دائمًا في الشر فكيف يمكنها أن تفعل ذلك؟ إذ أن الشيطان لا يريد أبدًا أن يقبل الناس إلى التوبة. لأنه خال من كل رحمة أو شفقة.
شركة الروح القدس مع النفس:
والزوجة باتفاقها مع زوجها تصير واحدًا معه، ولكنهما في لحظة أخرى يفترقان، لأنه قد يحدث أن أحدهما يموت والآخر يعيش. وعلى مثال هذه الشركة تكون شركة الروح القدس مع النفس. فيصيران روحًا واحدًا “لأن من التصق بالرب فهو روح واحد” (1 كو 6: 17) وهذا الأمر يحدث عندما يمتليء الإنسان بالنعمة فتحيطه من كل ناحية.
ولكن يوجد البعض من الذين حصلوا على تذوق الله، ولكنهم لا يزالون خاضعين لتأثير العدو، وهم يستغربون بسبب نقص خبرتهم، أنه بعد افتقاد الله لهم بالنعمة فإنهم لا يزالون معرضين للتشكيك في أسرار الإيمان المسيحي. وأما أولئك الذين نضجوا فلا يستغربون هذا الأمر. وكما أن الفلاحين المهرة بسبب طول الخبرة، فإنهم في زمن الرخاء لا يزال عندهم حذر وحرص، وينظرون إلى أوقات القحط والغلاء، ومن الجهة الأخرى فحينما تأتي أوقات الغلاء والقحط فإنهم لا يتضجرون وييأسون لأنهم يتوقعون تغير الحال إلى الأفضل في المستقبل، وهكذا هو الحال في الأمور الروحيَّة حينما “تقع النفس في تجارب متنوعة” (يع 1: 2).
فحينما تقع النفس في تجارب متنوعة، فهي لا تعتبره أمرًا غريبًا من ناحية، ومن الناحية الأخرى لا تيأس لأنها تعلم أن التجارب تأتي بسماح لأجل امتحانها وتهذيبها بالشر الذي يقابلها. ومن الناحية الأخرى فحينما تكون في غنى كثير واطمئنان فإنها لا تتخلى عن اليقظة والحذر، بل تضع في اعتبارها احتمالات تغير الحال في المستقبل.
إن الشمس التي هي جسم مخلوق، تضيء في الأماكن ذات الرائحة الرديئة، حيث يوجد الوحل والقاذورات، دون أن تصاب الشمس بأي أذى أو نجاسة، فكم بالحري جدًا يحتفظ الروح القدس النقي بشركته مع النفس، حينما تكون تحت تأثير من الشرير، دون أن يصبه (أي الروح القدس) أي شيء من هذا الشر. “والنور يضيء في الظلمة والظلمة لا تدركه” (يو 1: 5).
الرجاء الثابت وعدم اليأس:
لذلك فحينما يكون الإنسان في عمق (الروح)، وهو غني بالنعمة، لا يزال فيه بقية من الشر موجودة معه. ولكن يوجد له معين قريب منه ليسعفه ويعينه. لذلك فحينما يكون الإنسان في الشدائد وتثور عليه موجات عظيمة من الأهواء فلا ينبغي أن ييأس، لأن اليأس يجعل الخطية تزدهر وتجد فرصة أكثر للتملك على الإنسان. ولكن حينما يكون للإنسان رجاء مستمر ثابت في الله، فإن الخطية تتناقص وتذوي وتجف.
إن الشلل والتشوهات، والحمى أو الأمراض، هذه كلها ناتجة عن الخطية. لأن الخطية هي أصل كل الشرور، وكل الشهوات الناتجة عن أهواء النفس أو من أفكار الشر، إنما ترجع كلها إلى الخطية. فإن كان هناك نبع ماء جاري- وتحيط به مستنقعات وأراض رطبة موحلة، ومع ذلك فحينما يأتي عليه الحر، فإن النبع وما يحيط به من أراض- يجف تمامًا، هكذا الحال مع عبيد الله الذين تفيض فيهم النعمة وتزداد، فإن هذه النعمة تجفف الشهوة سواء كانت من العدو الشرير، أو من الطبيعة (طبيعتهم البشريّة)، فإن رجال الله الآن، أعظم من آدم الأول.
الله في كل مكان:
إن الله غير محدود وغير مدرك وهو يُظهر نفسه في كل مكان، في الجبال، وفي البحر، وفي الأعماق، ولكن بدون أن ينتقل من مكان إلى آخر ملك الملائكة الذين ينزلون من السماء إلى الأرض. فهو في السماء، وهو هنا على الأرض. ولكنك ستقول لي “كيف يمكن أن يكون الله في الجحيم؟ أو كيف يمكن أن يكون في الظلمة، أو في الشيطان، أو في الأماكن الفاسدة؟ “فأجيبك أن الله غير قابل للتأثر بالشر ويحوي كل الأشياء، لأنه غير محدود، وأما الشيطان الذي هو خليقة الله، فهو مقيد.
أما طبيعة الصلاح (الله) فلا تؤثر فيها النجاسة أو تلوثها كما أن الظلمة لا تستطيع أن تجعله مظلمًا. فإذا قلت إنه لا يحوي كل الأشياء بما فيها الجحيم والشيطان، فإنك بذلك تجعله محدودًا من جهة المكان الذي يوجد فيه العدو الشرير، وعلى هذا الأساس يقتضي البحث عن إله آخر أعلى منه. فالله إذن يلزم أن يكون في كل مكان. ولكن اللاهوت له طبيعة سامية ونقيّة جدًا حتى أن الظلمة، لا تستطيع أن تدركه أو تفهمه، ولا يستطيع الشرير أن يشترك في نقاوته رغم أنه موجود فيه. وبالنسبة لله لا يوجد شر جوهري حيث إن الشر لا يستطيع أن يصيبه بأي أذى.
لنحول أفكارنا إلى المسيح:
أما بالنسبة لنا، فالشر حقيقي، لأنه يسكن في القلب ويعمل فيه إذ أنه يوحي بالأفكار الشريرة والمنجسة، ولا يدعنا نصلي بنقاوة، بل يجذب عقولنا إلى العبودية لهذا العالم، وقد جعل النفوس ملبسًا له وتغلغل حتى إلى عظامنا ولمسها مع أعضائنا.
فكما أن الشيطان موجود في الهواء، وكما أن الله موجود هناك، فإن الله لا يصاب بأي أذى نتيجة وجوده مع الشيطان في الهواء. وهكذا فإن الخطية موجودة في النفس ونعمة الله موجودة فيها كذلك دون أن تصاب نعمة الله بأي أذى وكما أن الخادم الذي يكون بجوار سيده هو في خوف مستمر بسبب قربه من سيده، وهو لا يفعل شيئًا بدون سيده. هكذا يجب علينا أن نحول أفكارنا إلى سيدنا المسيح ونكشفها له، وهو الذي يعرف القلب، وليكن في داخلنا رجاء وثقة أنه هو “مجدي، وهو أبي، وهو غناي”.
ينبغي أن يكون لك في قلبك حرص ومخافة. فحتى إذا لم يكن الإنسان حاصلاً على نعمة الله مغروسة وثابتة فيه بشدة حتى أنها تقوده وتوقظه وتحثه على الأشياء الصالحة ليلاً ونهارًا وبلا انقطاع وتكون مرتبطة بنفسه كما برابطة طبيعية، فعلى الأقل، ينبغي أن يكون له الحرص، والخوف والاجتهاد، وانسحاق القلب، ثابتة فيه باستمرار كأنها حقيقة طبيعية غير متغيرة.
النعمة تنشيء المحبة الإلهيّة وتغير القلوب:
ومثل نحلة تصنع قرصًا من العسل داخل الخلية، هكذا النعمة تنشيء المحبة الإلهيّة سرًا في القلوب وتغيرها من المرارة إلى الحلاوة ومن الخشونة إلى الرقة واللطف، وكما أن الصائغ والنقاش حينما يحفرون أو ينقشون لوحة، فإنه يغطي أجزاء من الصور التي ينقشها على اللوحة، ولكنه حينما ينهي عمله، فإنه يظهرها لامعة بالنور، هكذا الرب الصائغ والفنان الحقيقي يحفر على قلوبنا وينقشها، ويجددها في صمت وسكون إلى أن يأتي يوم خروجها من الجسد، وحينئذٍ يظهر جمال النفس بوضوح.
وأولئك الذين يريدون أن يصنعوا أواني، ويصوروا فيها صور حيوانات فإنهم يصنعون تصميمهم أولاً على الشمع (قالب)، ثم يصبون المعدن على القالب، وهكذا يكتمل العمل على حسب التصميم الموضوع أصلاً. هكذا الخطية، رغم أنها ليس لها جسد، ولكن لها صورة وهي تتخذ أشكالاً كثيرة، وبنفس الطريقة فإن الإنسان الباطن هو مثل واحد من هذه الحيوانات (التي ترسم) فإن له صورة وله شكل لأن الإنسان الباطن هو على مثال الإنسان الخارجي.
وما أعظم هذا الإناء وما أثمنه إذ أنه هو الإناء الوحيد الذي سُرّ الرب به من بين جميع المخلوقات. وأفكار النفس الصالحة هي كحجارة ثمينة ودرر، وأما الأفكار النجسة فهي مملوءة “عظام أموات وكل نجاسة” ورائحة رديئة (مت 23: 27).
من هم المسيحيون بالحق؟
فالمسيحيون إذن هم من عالم آخر وهم أولاد آدم السماوي، جنس جديد، أولاد الروح القدس وإخوة المسيح المضيئين، مثل أبيهم آدم السماوي المضيء. وهم من تلك المدينة، ومن ذلك النسب، ومن تلك القوة (السماويَّة)، إنهم ليسوا من هذا العالم، بل من عالم آخر، والرب نفسه يقول “أنتم لستم من هذا العالم كما أني لست من هذا العالم” (يو 17: 16).
ولكن كما أن التاجر الذي كان في رحلة طويلة لأجل تنمية تجارته ويكون قد سبق قبل عودته وأرسل لأصدقائه ليهيئوا له منازل وحدائق وملابس بحسب ما يلزمه وحينما يعود إلى بلدته فإنه يحضر معه أموالاً كثيرة ويلاقيه أصحابه وأقرباؤه بفرح عظيم، كذلك في الأمور الروحانيّة فالذين يجعلون الغنى السماوي هو موضوع عملهم وانشغالهم فإن أصدقاءهم وأهل بلدتهم، أي أرواح الصديقين القديسين والملائكة يعرفون عملهم واهتمامهم، ويقولون بفرح وإعجاب: “إن إخوتنا الذين على الأرض قد أتوا بغنى عظيم”.
فهؤلاء عند رحيلهم من العالم يكون الرب معهم ويسببون فرحًا عظيمًا لأولئك الذين هم خاصة الرب في السماء، يستقبلونهم مجهزين لهم بيوتًا وبساتين وملابس كلها لامعة وثمينة جدًا.
الحاجة للاعتدال والإفراز:
إننا نحتاج إلى الاعتدال والتبصر في كل الأمور، حتى لا تتحول الأشياء الصالحة التي تبدو أننا قد امتلكناها، إلى ضرر لنا.
فإن الذين هم رحومين بطبيعتهم، إذا لم يحفظوا أنفسهم فقد ينزلقون تدريجيًا إلى الضلال عن طريق نفس شفقتهم ورحمتهم، وأولئك الذين عندهم حكمة يمكن أن تخدعهم حكمتهم. فيجب على الإنسان أن يكون معتدلاً ومتزنًا معًا في جميع الاتجاهات: بأن يجمع الشفقة مع الشدة، والحكمة مع حريّة التصرف، والقول مع العمل، وفي كل شيء يضع ثقته في الرب لا في نفسه.
لأن الفضيلة تُتَبل بتوابل متنوعة كثيرة، كما أن طعامنا الضروري يُتبل بأنواع من البهارات- ليس بالعسل فقط، بل بالفلفل أحيانًا- وهكذا يصير صالحًا ومناسبًا للأكل.
وأولئك الذين يقولون أن الخطية غير موجودة في الإنسان هم مثل أناس مغمورين تحت مياه كثيرة فائضة، ومع ذلك لا يقرون بأن المياه تغمرهم، بل يقولون، “إننا سمعنا صوت المياه سماعًا” ورغم أنهم يكونون مغمورين في عمق أمواج الشر، فمع ذلك يقولون أن الخطية غير موجودة في عقلهم أو أفكارهم.
الفرق بين الفكر النطري وبين الدخول للكنوز السماويَّة:
يوجد فرق عظيم بين أولئك الذين لهم فكر نظري وقدرة على الكلام، ولكنهم غير مُملّحين بالملح السمائي- الذين يتحدثون عن المائدة الملكية دون أن يكونوا قد ذاقوا منها شيئًا أو تمتعوا بها وبين إنسان يرى الملك نفسه، وقد كشفت له الكنوز السماويَّة وقد دخل إليها، وصار وارثًا لها، وهو يأكل ويشرب من المأكولات السماويَّة الثمينة.
الحرص وانسحاق القلب وعناية النعمة:
وإن كان لأم ابن وحيد، وسيم جدًا، وعاقل وحكيم، ومزيّن بكل الصفات الصالحة، وقد وضعت كل آمالها فيه فإذا مات هذا الابن ودفنته فإنها تصاب بأحزان لا نهاية لها وبكاء ونحيب حتى أنها لا تستطيع أن تتعزى. هكذا أيضًا ينبغي على العقل أن يحزن ويبكي حينما تموت النفس عن الله ويكون له كآبة كثيرة وقلب منسحق، ويكون في خوف وحرص، وفي نفس الوقت يكون له جوع وعطش باستمرار إلى كل ما هو صالح، فمثل هذا الإنسان تأخذه يدي نعمة الله والرجاء الإلهي لتعتني به النعمة فلا يعود يحزن أيضًا، بل يبتهج ويفرح كمن وجد كنزًا عظيمًا، ولكنه يرتعد خوفًا أيضًا لئلا يفقد الكنز.
لأن اللصوص يحضرون كثيرًا للهجوم عليه. ومثل إنسان تعرض لخسائر كثيرة من اللصوص واستطاع أن ينجو منهم بصعوبة شديدة وبعد هذا حصل على غنى وفير وخيرات كثيرة، فإنه لا يعود يخشى تأثير الخسارة عليه بسبب ثرائه الوفير، هكذا الرجال الروحانيون فإنهم يتعرضون أولاً لتجارب وضيقات مخيفة، ولكنهم حين يمتلئون بالنعمة ويفيضون بالصالحات، فإنهم لا يعودون يخافون من أولئك الذين يريدون أن يسرقوهم، بسبب أن غناهم صار عظيمًا، ولكنم يخافون- ليس خوف المبتديء من أرواح الشر، بل لهم خوف وحرص كيف يستثمرون المواهب الروحيَّة التي ائتمنوا عليها.
النعمة تغرس التواضع في النفس:
والواحد من هؤلاء الروحانيين، يعتبر نفسه أحقر من جميع الخطاة، ويتأصل فيه هذا الفكر حتى يصير كجزء من طبيعته وكلما تقدم في معرفة الله، بقدر ذلك يحسب نفسه جاهلاً تمامًا، وكلما تعلم فإنه يحسب نفسه أنه يعرف أقل. إن النعمة هي التي تقوم بهذا التأثير في النفس وتجعله كجزء من الطبيعة في النفس.
ومثل الطفل الذي يحمله شاب قوي، والذي يحمله يأخذه إلى حيث يشاء، هكذا النعمة التي تعمل في أعماق النفس فإنها تحملها وترفعها إلى السموات، إلى العالم الكامل، والراحة الأبديّة.
الراحة وعدم الراحة:
ولكن النعمة فيها درجات ورتب. إذ أن رئيس العسكر الذي يحق له الدخول إلى الملك يختلف عن الضباط. وكما أن البيت الذي يمتليء بالدخان يفرغ الدخان أيضًا إلى الفضاء الخارجي هكذا الخطية المخزونة في النفس تخرج إلى الخارج وتنتج ثمارها.
وكما أن أولئك الذين كلفوا بحكم إحدى الولايات أو كلفوا بإدارة الخزانة الملكية هم دائمًا في قلق وحذر لئلا يسيئوا إلى الملك، هكذا أولئك الذين استؤمنوا على العمل الروحاني هم دائمًا في حذر وحرص رغم أنهم يكونون في راحة إلاَّ أنهم لفترة من الوقت يكونون كأنهم لم يحصلوا على الراحة بعد. لأن مملكة الظلمة التي دخلت إلى مدينة النفس والقوات الغريبة التي سيطرت على مراعيها هي في طريقها أن تطرد خارج النفس.
والمسيح الملك يرسل لينتقم للمدينة ويقيد الظالمين بالسلاسل، وتعسكر الجنود السماويَّة وجيش الأرواح المقدسة هناك كأنهم في السموات، وحينئذٍ فإن الشمس تضيء في القلب وتخترق أشعتها وتدخل إلى كل الأعضاء، وهكذا يملك سلام عميق ويصير هو القوة المسيطرة هناك.
استمرار الصراخ إلى الله:
ولكن عزيمة الإنسان في الحرب والجهاد وقيمته الحقيقيّة وإرادته الصالحة من نحو الله، كل هذه تظهر حينما تتأخر النعمة ولكنه يظل شجاعًا ويستمر يصرخ إلى الله. إنك حينما تسمع أن هناك أنهار بها تنانين، وأفواه أسود وقوات مظلمة تحت السماء ونار تحرق الأعضاء فإنك لا تفكر فيها، غير عالم أنك إن لم تنل عربون “الروح القدس” (2 كو 1: 22)، فإن هذه كلها تمسك بنفسك عند خروجها من الجسد ولا تدعوك تصعد إلى السماء.
أتى هو بشخصه ليدعوك إلى فوق:
وبنفس الطريقة، حينما تسمع عن كرامة النفس وكيف أن جوهرها العاقل ثمين جدًا، فإنك لا تفهم أن الله لم يقل عن الملائكة، بل عن الطبيعة البشريّة “لنصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تك 1: 26). وأن السماء والأرض تزولان ولكنك أنت قد دعيت إلى الخلود، والتبني، والأخوة للملك، ولتكون عروسًا له. في هذا العالم الذي حولنا كل ما هو للعريس يصير للعروس، وهكذا كل ما هو للرب، مهما كان فإنه يودعه إياك.
لقد أتى هو بشخصه إلى معونتك، ليدعوك إلى فوق، وأنت لا تقدر ولا تفهم مقدار كرامتك. لذلك فالمرنم الملهم يبكي على سقطتك قائلاً: “إنسان في كرامة ولا يفهم، فهو مثل البهائم بلا عقل، وهو يُشبّه بها” (مز 49: 20). فليكن المجد للآب والابن، وللروح القدس. إلى الأبد آمين.
أنت مدعو إلى فوق رغم التجارب – العظة 16 للقديس مقاريوس الكبير
القداسة والنقاوة – العظة الخامسة عشر للقديس مقاريوس الكبير
القداسة والنقاوة – العظة الخامسة عشر للقديس مقاريوس الكبير
العظة الخامسة عشر للقديس مقاريوس الكبير – القداسة والنقاوة – د. نصحى عبد الشهيد
“هذه العظة تعلّم بالتفصيل، كيف ينبغي على النفس أن تسعى بالقداسة والطهارة
والنقاوة نحو عريسها يسوع المسيح مخلِّص العالم. وتحتوي أيضًا على بعض
مناقشات مملوءة بفوائد عظيمة مثل: هل تقوم جميع الأعضاء في القيامة كاملة؟
وعن الشر، وعن الإرادة الحرّة وعن كرامة الطبيعة البشريّة”
خطبة المسيح للنفس:
إذا كان إنسان غنيًا جدًا وهو ملك عظيم، ويضع قلبه على امرأة فقيرة لا تملك شيئًا سوى نفسها. ويصير محبًا لها ويرغب أن يأخذها لتعيش معه عروسًا له فحينئذٍ، إن هي أظهرت كل سخاء وخير ومحبة زوجها، مخصصةً أيضًا حبها له، فإن تلك المرأة الفقيرة المسكينة التي لم تكن تملك شيئًا تصير سيدة مالكة لكل ما يخص زوجها.
ومن الناحية الأخرى، فإنها إذا تصرفت ضد ما هو واجب وضد الالتزام والمسئولية، وسلكت بما لا يليق في بيت زوجها، فإنها حينئذٍ تُطرد خارجًا في خزي ومهانة وعار، واضعة يديها على رأسها كما يقول العهد القديم بالرمز عن الزوجة التي لا تسلك بلياقة في الغنى العظيم الذي سقطت منه وأي مجد قد ضاع منها، وكيف تجردت من كرامتها بسبب حماقتها.
واجب النفس التي يخطبها المسيح العريس السماوي:
وبنفس الطريقة فإن النفس التي يخطبها المسيح العريس السماوي لنفسه لأجل شركته السرية الإلهيّة، والتي قد تذوقت الغنى السماوي، يجب عليها بكل اجتهاد وإخلاص، أن ترضي المسيح حبيبها وتتمم كل ما هو واجب ولائق، خدمة الروح التي اُستؤمنت عليها، وأن تُرضي الله في كل شيء، ولا تحزن الروح في أي شيء وتحفظ التواضع والمحبة بحسب ما هو واجب نحوه هو الذي فيه يكمن الكمال، وتسلك حسنًا في بيت الملك السماوي بكل سخاء وخير وشكر قلب لأجل النعمة التي أُعطيت لها.
فمثل هذه النفس تصير سيدة ومتوليّة على كل خيرات الرب وحتى جسد مجد لاهوته يصير لها. ولكن إن سقطت، وسلكت ضد الواجب في خدمتها له ولم تفعل الأشياء التي ترضيه، ولم تتبع إرادته ولا تعاونت مع نعمة الروح الحاضر معها، فإنها حينئذٍ تحرم من كرامتها وتصير في خزى ومهانة، وتنفى من الحياة، كأنها غير نافعة وغير مناسبة لشركة الملك السماوي. حينئذٍ يكون غم وبكاء ورثاء على هذه النفس من كل الأرواح القديسة غير المنظورة: فالملائكة والقوات، والرسل والأنبياء والشهداء يبكون عليها.
فإنه كما قال الرب “يكون فرح في السماء” (لو 15: 7)، كذلك يكون أسف وبكاء في السماء على نفس واحدة تسقط من الحياة الأبديّة. وكما أنه حينما يموت إنسان غني، على الأرض، فإنه يُشيَّع بالموسيقى، والألحان الحزينة والولولة (العويل) من إخوته وأقاربه وأصدقائه ومعارفه، هكذا فإن جميع القديسين ينتحبون بألحان حزينة ومراثي على تلك النفس.
وهذا هو نفس ما يقوله الكتاب المقدس في موضع آخر بلغة رمزية “ولول يا سرو لأن الأزر سقط” (زكريا 11: 2).
فكما أن إسرائيل، حينما كان يظن فيه أن يرضي الرب- مع أنه لم يرضِ الرب أبدًا كما ينبغي- كان لهم عمود سحاب يظللهم، وعمود نار يضيء عليهم، وقد رأوا البحر ينقسم أمامهم، والماء الصافي يخرج من الصخرة، ولكن حينما تحوَّل قلبهم وقصدهم عن الله، أهلكتهم الحيَّات وسُلَّموا لأيدي أعدائهم فاقتيدوا إلى أسر مؤلم وعذبوا بعبودية مرّة.
وهذا ما يعلنه الروح سرّيًا بحزقيال النبي أيضًا، قائلاً عن مثل هذه النفس كأنها أورشليم “وجدتك عريانة في البرية فغسلتك من ماء في نجاستك، وألبستك ثوبًا، ووضعت عليكِ أساور في يدكِ وطوقًا في عنقك وأقراطًا في أذنيكِ. فخرج لكِ اسم بين جميع الأمم وأكلت السميذ والعسل والزيت، وبعد كل هذا نسيتِ خيراتي، وذ هبتِ وراء عاشقيكِ وزنيتِ بخزي وعار” (انظر حزقيال 16: 7-17).
لنتمم خلاصنا بخوف ورعدة:
هكذا بالمثل فإن الروح يحذر النفس التي تعرف الله من خلال النعمة، بعد أن تتطهر من خطاياها السالفة وتتزين بزينة الروح القدس، وتصير شريكة في الطعام الإلهي السماوي، ولا تسلك كما يجب بتمييز وتحفظ، ولا تحافظ كما يجب على التوقير والحب للمسيح العريس السماوي، وهكذا تُرفض وتُطرد من الحياة التي كانت شريكة فيها قبلاً.
فإن الشيطان يمكن أن يقوم وينتهز فرصة حتى ضد أولئك الذين وصلوا إلى قامات مثل هذه، وحتى ضد أولئك الذين قد عرفوا الله في نعمة وقوة، فإن الخطية لا تزال ترفع رأسها وتسعى أن تسقطهم. لذلك ينبغى أن نجتهد، ونسهر على نفوسنا بتبصر وحكمة، وأن “نتمم خلاصنا بخوف ورعدة” كما هو مكتوب (في 2: 12)، فمهما كنتم أنتم الذين صرتم شركاء في روح المسيح، فانظروا أن لا تسلكوا بازدراء أو عدم اهتمام في أي شيء، صغيرًا كان أم كان كبيرًا ولا تزدروا بنعمة الروح، حتى لا تُبعدوا من الحياة التي قد صرتم شركاء فيها.
وسأكرر هذا بمثل آخر. فإذا جاء خادم إلى قصر الملك ليستخدم الأواني الموجودة هناك، فهو يأخذ من الخيرات الخاصة بالملك- فهو لم يحضر معه شيئًا- ويخدم الملك بأواني الملك الخاصة. هذا الخادم يحتاج هنا إلى حكمة كثيرة وبصيرة وتمييز، حتى لا يرتكب خطأ في الخدمة، كأن يحضر إلى المائدة الملوكيّة نوع من الأطباق غير الذي كان يجب أن يحضره، بل ينبغي أن يرتب الأواني على المائدة بنظام من الأول إلى الآخر بالترتيب السليم فإذا كان بسبب الجهل وعدم التمييز، لا يخدم الملك بالنظام السليم وبترتيب، فإنه يفقد مكانه ومعيشته في القصر.
وبنفس الطريقة فإن النفس التي تخدم الله بالنعمة والروح يلزمها تبصر كثير ومعرفة لكي لا ترتكب خطأ في أواني الله، أي في خدمة الروح- بعدم حفظ إرادتها الخاصة في توافق مع النعمة. فإنه من الممكن في مجال خدمة الروح التي تتم سرًا بواسطة الإنسان الباطن، أن تقوم النفس بخدمة الرب في أوان من عندها، أي بروحها هي، ولكن الله لا يمكن أن يُخدم بغير أواني الله أي بغير النعمة حتى ترضيه وتعمل مشيئته في كل شيء.
الحاجة إلى الحكمة والتمييز:
وحينما ينال الإنسان النعمة، فإنه يكون حينئذٍ في حاجة شديدة إلى الفهم والحكمة والتمييز- وهذه العطايا هي نفسها تُعطى من الله للنفس التي تطلبها منه- لكي يُعبد الله عبادة مقبولة بالروح الذي ناله الإنسان، ولا تهاجمه الخطية بغتة فيخطيء، ولا يُغوى بالجهالة والطياشة والإهمال ويسلك ضد ما تطلبه مشيئة الرب، لأن نتيجة هذه الأشياء العقاب والموت، والبكاء لمثل هذه النفس.
فالرسول القديس يقول “لئلا بعدما كرزت للآخرين أصير أنا نفسي مرفوضًا” (1 كو 9: 27) وها أنتم تنظرون أي حذر وخوف كان عنده، مع أنه كان رسول الله، لذلك فلنتوسل إلى الله، نحن الذين حصلنا على نعمة الله، لكي نعبد عبادة الروح حسب مشيئته بأكثر مما هو معتاد، ولا يكون لنا شركة مع أفكار الاحتقار والعصيان، حتى إذا ما عشنا بطريقة مرضية للرب وعبدناه عبادة روحيَّة حسب مشيئته فإننا إذ نحيا هكذا نرث الحياة الأبديّة.
أعضاء الجسم وأعضاء النفس:
هناك البعض عندهم عاهات في أجسامهم، فقد يحدث أن إنسانًا تكون بعض أعضائه صحيحة، كعيناه مثلاً، أو غيرها من الأعضاء، ولكن بقية أعضائه عاجزة، هكذا أيضًا في العالم الروحي فقد يكون إنسان سليمًا وصحيحًا في ثلاثة أعضاء من روحه ولكن لا يكون كاملاً. فأنتم ترون كم للروح من مراحل ودرجات، وكيف أن الخطية يتم تصفيتها والتنقيّة منها على مراحل متتالية وليس دفعة واحدة، وأن عناية الله كلها وتدبيره للخليقة، وإشراق الشمس، وكل ما خلقه هذه جميعها إنما هي لأجل الملكوت الذي سيرثه المختارون لأجل تكوين ملكوت السلام والوئام.
نقاوة القلب وعدم إدانة الغير:
لذلك يجب على المسيحيين أن يجتهدوا على الدوام، ولا يدينوا أحدا بالمرة- ولا يدينوا حتى الزانية في الشارع ولا الأثمة المشهورين بخطاياهم والمتمردين- بل وأن ينظروا إلى كل البشر ببساطة النية ونقاوة العين، حين يصير الأمر هكذا كقانون ثابت في الطبيعة أن لا يحتقر أحدًا، ولا يدين أحدًا، ولا يمقت أحدًا حتى ولا يجعل تمييزًا بين أشخاص الناس. فإن رأيت إنسانًا بعين واحدة، فلا تنقسم في داخل قلبك، بل انظر إليه وراعيه كما لو كان صحيحًا تمامًا. والإنسان الأقطع (ذو يد واحدة) انظر إليه كما لو كان بيدين، والأعرج تنظر إليه كالذي يسير معتدلاً، والمشلول كالصحيح.
هذه هي نقاوة القلب، أنك حينما ترى خطاة أو مرضى، أن تشفق عليهم وترثى لحالهم، وتكون حنونًا ومحبًا من نحوهم[1] ويحدث أحيانًا أن قديسي الرب يجلسون في المراصد، وينظرون ضلال العالم وخداعه. فبحسب الإنسان الباطن هم يتخاطبون مع الله، ويصلون من أجل العالم ولكن بحسب الإنسان الخارجي فإنهم يظهرون للناس كأنهم يتأملون ما يحدث في العالم.
إن أهل العالم هم تحت تأثير روح الشر الواحد، وهو يجعلهم يهتمون بالأمور الأرضيّة، أما المسيحيون فلا هدف آخر، وفكر واهتمام آخر، فهم من عالم آخر ومدينة أخرى. إن روح الله له شركة مع نفوسهم، وهم يدوسون العدو تحت أقدامهم. فإنه مكتوب “آخر عدو يبطل هو الموت” (1 كو 15: 26). فالأتقياء هم سادة لكل الأشياء، أما أولئك المتراخون في الإيمان والخطاة فهم عبيد لكل الأشياء، والنار تحرقهم، والحجر والسيف يقتلانهم وأخيرًا تتسلط عليهم الشياطين.
قيامة الأجساد:
سؤال: هل تقوم كل أعضاء (الجسم)، في القيامة؟
جواب: إن كل شيء سهل على الله، وهو قد وعد بالقيامة، رغم أن هذا يبدو مستحيلاً بالنسبة إلى الضعف البشري والفكر البشري، لأنه كما أن الله أخذ من التراب ومن الأرض وكوَّن الجسد بطبيعة أخرى مختلفة وغير مشابهة بالمرة للأرض، وجعل فيه أنواع أعضاء وعناصر كثيرة، مثل الشعر، والجلد، والعظام، والأوتار، أو كما أن الإبرة إذا طُرحت في النار، يتغير لونها وتصير نارًا، رغم أن طبيعة الحديد (المصنوعة منه الإبرة) لا تنتزع بل تظل قائمة، كذلك أيضًا في القيامة، فإن جميع الأعضاء تقوم، وحتى شعرة واحدة لا تهلك، كما هو مكتوب (لو 21: 18).
وكل الأعضاء تصير مثل النور، وكلها تكون مغمورة في النور والنار، وتتغير تغييرًا حقيقيًا، ولكنها لا تتحلل وتصير نارًا خالصة كما يقول البعض، فلا يتبقى من قوامها الطبيعي شيء بالمرة على حسب ذلك الرأي، لا بل إن بطرس يظل هو بطرس، وبولس يظل هو بولس، وفيلبس هو فيلبس. وكل واحد يظل في طبيعته الخاصة وشخصيته ولكنه يكون مملوءً بالروح.
وأما إن قلت إن الطبيعة تتحلل وتفنى، فعندئذ لا يكون هناك وجود لبطرس أو بولس، أو أي شخص، ولا الذين ذهبوا إلى جهنم يحسون بعذابهم، ولا الذين دخلوا إلى الملكوت يشعرون بالغبطة والسعادة.
فإن قلنا إن هناك بستان زُرع فيه كل أنوع أشجار الفواكه، وكان فيه الكمثرى والتفاح والعنب، أشجارًا بثمارها وأوراقها، وهذا البستان تغيَّر وكل الأشجار وأوراقها تحولت إلى طبيعة أخرى وصارت مثل النور، هكذا أيضًا فإن البشر يتغيرون في القيامة، وتتقدس أعضاؤهم وتصير مثل النور (نورانية).
الصبر واحتمال الاضطهاد:
فيجب إذن على رجال الله أن يُعدّوا أنفسهم للحرب والقتال فكما أن الشاب الشجاع يحتمل الضربات التي تأتي عليه في مباراة المصارعة ويردها ثانية، كذلك يجب على المسيحيين أن يتحملوا الشدائد التي من الخارج، والحروب التي من الداخل، لكيما ينتصروا بواسطة الصبر رغم أنهم يُضربون، فهذا هو المسيحي. لأنه حيثما يكون الروح القدس، فهناك يتبعه الاضطهاد والحرب كظل له.
فأنت ترى الأنبياء، كيف اضطهدهم أقرباؤهم من الأول إلى الآخر، بينما كان الروح القدس يعمل فيهم. وانظر كيف أن الرب، الذي هو الطريق والحق، كان مُضطهدًا ليس من أمة أخرى، بل من خاصته. وخاصته- أي شعب إسرائيل- هم الذين اضطهدوه وصلبوه. كذلك كان الأمر مع الرسل. ومنذ أن جاء الصليب نُزع الروح المعزي من محلة إسرائيل، وانتقل إلى المسيحيين وحلّ عليهم. ولم يُضطهد اليهود بعد ذلك، وصار المسيحيون وحدهم هم الشهداء.
لهذا السبب فلا ينبغي أن يستغرب المسيحيون ذلك. فلابد للحق أن يُضطّهد.
الخطية وقلب الإنسان:
سؤال: يقول البعض إن الشر يدخل من الخارج وإن الإنسان يستطيع أن يمنعه من الدخول إذا أراد ويطرده عنه.
جواب: كما أن الحيَّة تحدثت إلى حواء وبسبب إذعانها دخلت إلى داخلها، هكذا أيضًا إلى هذا اليوم فإن الخطية التي هي خارج الإنسان تدخل إلى داخله برضى وإذعان منه. فالخطية لها السلطان والحريّة أن تدخل إلى القلب. لأن أفكارنا ليست خارجيّة بالنسبة لنا بل هي تأتي وتنبع من القلب في الداخل. فالرسول يقول: “فأريد أن يصلي الرجال في كل مكان رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا مجادلات[2] رديئة”. لأن هناك “أفكار تخرج من القلب” كما يقول الإنجيل (مت 15: 19).
فادخل للصلاة وافحص قلبك وعقلك، وقرر في نفسك أن ترفع صلاتك نقيّة لله، وانظر جيدًا ألاَّ يكون هناك شيء يعوق صلاتك، وأن تكون صلاتك طاهرة، وانظر هل عقلك منشغل تمامًا بالرب، كما ينشغل الزارع بزراعته، والعريس بعروسه، والتاجر بتجارته، أم أنك بينما تحني ركبتيك للصلاة يقوم آخرون بتشتيت أفكارك وسحبها بعيدًا.
إمكانية الخطية بعد المعمودية:
ولكنك قد تقول أن الرب قد جاء ودان الخطية بالصليب (رو 8: 3) وأن الخطية لم تعد بعد ذلك موجودة في الداخل. ولكن إذا فرضنا أن أحد الجنود وضع عربته في داخل بيت أحد الناس، أفلا يكون له الحريّة أن يدخل ذلك البيت ويخرج منه كما يريد. هكذا فإن الخطية لها حريّة أن تجادل في داخل القلب. إنه مكتوب أن الشيطان “دخل إلى قلب يهوذا” (يو 13: 27) وأما إذا قلت أن الخطية قد أدينت بمجيء المسيح، وأن الشر ليس له الحريّة- بعد المعمودية- أن ينازع في داخل القلب، أفلا تعرف أنه منذ مجيء الرب إلى هذا اليوم، وكل الذين قد اعتمدوا، تحاربهم أفكار شريرة في بعض الأوقات؟.
وألم يتحول البعض منهم إلى المجد الباطل، وإلى الزنى، أو إلى الشراهة؟. وهل كل الناس الذين هم في داخل حدود الكنيسة، لهم قلوب نقيّة وبلا عيب. وألا نجد أن هناك خطايا كثيرة ترتكب بعد المعمودية، وأن كثيرين يعيشون في الخطية، إذن فحتى بعد المعمودية، فإن السارق “الشيطان” له حريّة أن يدخل ويفعل ما يشاء.
محبة الله من كل القلب:
أنه مكتوب “تحب الرب إلهك من كل قلبك” (تث 16: 5) وأنت تقول “إني أحب الله، وعندي الروح القدس فهل عندك تذكّر مستمر للرب، ومحبة مشتعلة، وشوق حار إلى الرب؟. وهل أنت ملتصق ومرتبط بالرب بهذه الطريقة نهارًا وليلاً؟. فإن كان عندك محبة مثل هذه، فإنك تكون نقيًا، ولكن إن لم تكن لك، فحينئذٍ ينبغي أن تفحص باستمرار: إذا أتت في طريقك الأشغال الأرضيّة أو الأفكار الدنيئة الشريرة، هل يكون لديك ميل إليها، وهل تنجذب نفسك إلى المحبة والاشتياق لله باستمرار. إن أفكار العالم تُحدر العقل إلى الأمور الأرضيّة الفاسدة ولا تدعه يحب الله أو يتذكر الرب.
وقد يحدث من الناحية الأخرى أن إنسانًا أميًا يذهب إلى الصلاة، ويحني ركبتيه ويدخل عقله إلى الراحة وعلى قدر ما يحفر ويتعمق، فإن سور الخطية ينهدم أمامه ويدخل إلى الرؤيا والاستعلان والحكمة، حيث لا يقدر العظماء والحكماء والفصحاء أن يدخلوا إلى هناك ليفهموا ويعرفوا حالة عقله السامية، إذ أنه يكون مستغرقًا ومشغولاً بالأسرار الإلهيّة، والذي ليس له خبرة في تمييز القلوب لا يعرف كيف يقيّمها ويقدِّرها، بسبب نقص الخبرة. والمسيحيون ينفرون من الأمجاد الأرضيّة ويحسبونها نفاية (في 3: 8) بالمقارنة بعظمة وسمو تلك الأشياء، تلك العظمة التي تعمل بتأثيرها وفاعليتها فيهم.
النعمة والسقوط:
سؤال: هل من الممكن أن يسقط الإنسان الذي له موهبة النعمة؟.
جواب: إن أهمل، فإنه يسقط، فالأعداء لا يتراخون أبدًا ولا يتوقفون عن الحرب، فكم بالأكثر جدًا ينبغي عليك أنت ألاَّ تكف عن طلب الله. لأن الخسارة التي تحصل لك نتيجة الإهمال هي خسارة عظيمة جدًا، حتى لو ظننت في نفسك، أنك متدرب ولك خبرة في سر النعمة ذاته.
سؤال: هل تبقى النعمة في الإنسان بعد سقوطه؟.
جواب: إن مشيئة الله هي أن يرد الإنسان ثانية إلى الحياة ويحركه ليعود إلى البكاء والتوبة. فإن كانت النعمة تظل باقية، فإنما غرضها من ذلك أن تجعلك عاملاً جادًا بعزم شديد في توبتك عن تلك الأشياء التي سبق أن أخطأت فيها.
الكاملون ومحاربات الشيطان:
سؤال: هل الكاملون مُعرَّضون لأن تحل بهم صعوبات أو حروب، أم أنهم أحرار تمامًا من كل هم وقلق؟.
جواب: إن العدو لا يكف أبدًا عن المحاربة. إن الشيطان عديم الرحمة في كراهيته للبشر، لذلك فهو لا يتوقف أبدًا عن المحاربة ضد كل إنسان.. ولكن الظاهر أنه لا يهاجم الجميع بنفس الدرجة، فإن حكام الولايات والنبلاء في البلاط الملكي يدفعون الجزية للإمبراطور، والإنسان الذي في هذا المركز له ثقة في ثروته من الذهب والفضة، حتى أنه يدفع الضريبة من فائض دخله، ولا يشعر بأي خسارة.
والإنسان الذي يعطي صدقة لا يشعر بأنه يخسر. وكذلك فإن الشيطان يعتبر هذا الأمر (أي عدم مهاجمته للبعض) أنه فضلة وزيادة وأنه ليس بالأمر الخطير[3].
ولكن قد يكون هناك إنسان فقير، معدم حتى من القوت اليومي. وهو يُضرب ويُعذب لأنه لا يستطيع أن يدفع الضريبة، وقد يصرف وقته في احتمال الجلدات والانتهاكات المتكررة ويسوقونه أمامهم بالقوة، ولكنه لا يموت، بينما هناك إنسان آخر يصدر الأمر بقطع رأسه ويهلك في لحظة واحدة- وهكذا الأمر بين المسيحيين فالبعض منهم يحاربون بشدة ويُضيّق عليهم بالخطية، ومع ذلك يصيرون أكثر ثباتًا وحكمة وتمرنًا على الحروب.
ويحتقرون قوة العدو، ولا يكونون في خطر من هذه الناحية، لأنهم يكونون محفوظين من السقوط ومتيقنين من خلاصهم، لأنهم قد تمرنوا كثيرًا في الحرب ضد الخطية والشر واكتسبوا خبرة عظيمة، ولأنهم حاصلون على حضور الله معهم، فإنه يقودهم ويكونون في راحة.
إلاَّ أن البعض الآخر، الذين لم يتمرنوا بعد، فهؤلاء إن سقطوا في شدة واحدة وثارت عليهم الحرب، فإنهم يقعون في الخراب والهلاك.
انشغال القلب بالمسيح وحده:
ومثل المسافرون الذين يدخلون إلى مدينة ما، قاصدين أن يروا أحباءهم ومعارفهم، فحينما يقابلون أناسًا كثيرين في أسواق المدينة فإنهم لا يتوقفون بسببهم، وذلك لأن غايتهم هي أن يجدوا أصدقاءهم. وحينما يقرعون على باب أحبائهم من الخارج وينادون عليهم فإن أصدقاءهم الأعزاء يفتحون لهم بفرح، ولكنهم إن تلكأوا في الأسواق، وانخدعوا أو تعوَّقوا بسبب أولئك الذين يقابلونهم فإن الباب يغلق ولا يفتح لهم أحد، وهكذا أولئك الذين يسعون إلى الأمام ليصلوا إلى ربنا المسيح المحبوب الحقيقي، فينبغي أن يغضوا النظر عن كل من هم سواه ولا ينشغلوا بهم.
فإن النبلاء والحكام، الذين يدخلون القصر إلى الملك، يكونون في خوف شديد من جهة ما يجاوبون به وكيف يتكلمون لئلا بسبب خطأ في إجابتهم عن أنفسهم ينتهي الأمر بهم إلى محاكمتهم وعقابهم، وأما عامة الشعب البسطاء، الذين لم تقع عيونهم قط على أمير، فإنهم يصرفون أيامهم بلا قلق أو همّ. وهذا هو الحال مع هذا العالم الأرضي الذي تحت السماء- من الملك إلى أفقر الناس- فإذ لا يعرفون شيئًا عن مجد المسيح- فهم يهتمون فقط بأمور هذه الحياة الأرضيّة ولا يوجد بينهم حتى ولا واحد يتفكر في يوم الدينونة. أما أولئك الذين يأتون بأفكارهم أمام كرسي دينونة المسيح، حيث يكون عرشه، ويصرفون حياتهم في حضرته فإنهم يكونون في خوف ورعدة باستمرار، لكي لا يصنعوا أي خطأ من جهة وصاياه المقدسة.
تملك النعمة على القلب:
وكما أن أغنياء الأرض حينما يحضرون ثمارًا كثيرة إلى مخازنهم، فإنهم يعملون أكثر فأكثر كل يوم ليحضروا ثمارًا أكثر، ليكون عندهم وفرة عظيمة، ولا يكون عندهم تناقص.
فلو أنهم اعتمدوا على الغنى المخزون في المخازن ولم يهتموا أن يضيفوا إليه وبدأوا يستعملون ما سبق أن خزنوا، فإنهم بعد فترة يقعون في الفقر والحاجة ولذلك فإنه يلزمهم أن يسعوا وأن يعملوا ويزيدوا دخلهم كثيرًا، لكي لا يتخلفوا. وهكذا الأمر في المسيحيَّة، حينما نتذوق نعمة الله كما يقول “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب” (مز 34: 8).
فهذا التذوق هو قوة فعَّالة من الروح في ملء الثقة، بحسب خدمة الروح في داخل القلب. لأن كل الذين هم أبناء النور، ومن خدمة العهد الجديد في الروح القدس فهؤلاء لا يتعلمون شيئًا من الناس، بل هم يتعلمون من الله (يو 6: 45، 1 تس 4: 9) فالنعمة نفسها تكتب على قلوبهم قوانين الروح.
لذلك فلا ينبغي أن يتكلموا فقط على الكتب المكتوبة بالحبر، فإن نعمة الله تكتب قوانين الروح وأسرار السماء على “ألواح القلب” أيضًا (2 كو 3: 3). لأن القلب يحكم ويملك على كل حركات الجسد، وحينما تملك النعمة على مراعي القلب، فإنها بذلك تملك على كل الأعضاء والأفكار لأنه هناك- أي في القلب- يوجد العقل، وكل ملكات النفس وكل آمالها، لذلك فإن النعمة تنفذ أيضًا إلى كل أعضاء الجسد (عن طريق القلب).
تملك الخطية على القلب:
ومن الجهة الأخرى، فإن كل أبناء الظلمة، تملك الخطية على قلوبهم، وتنفذ إلى كل أعضائهم “لأن من القلب تخرج الأفكار الشريرة” (مت 15: 19) وهكذا إذ تنتشر الأفكار الشريرة تجعل الإنسان في ظلمة. وأولئك الذين يقولون أن الشر لا يتولد في الإنسان وينمو في داخله، ربما لا يهتمون من جهة الغد، وقد لا تحاربهم شهوة، لأن الشر يكف فترة من الوقت عن إزعاجهم بتحريك نوع من الشهوة في داخلهم، حتى أن الإنسان يتجاسر على أن يقسم “إن هذه الشهوة لم تعد تهاجمني”.
ولكن بعد فترة وجيزة يشتعل بالشهوة، حتى أنه يوجد حانثًا في القسم الذي أقسمه. وكما أن الماء يجري في الأنابيب، هكذا تسري الخطية في القلب والأفكار، وكل الذين ينكرون هذا فإن الخطية نفسها تدحضهم وتهزأ بهم، حتى ولو كانت الخطية لا تفكر في الانتصار عليهم، لأن الشر يحاول أن يكون مستترًا ومتخفيًا في داخل عقل الإنسان.
المحبة لله وكرامة الإنسان:
إن كان أحد يحب الله، فإن الله أيضًا يخلط محبته بهذا الإنسان وإذا أؤتمن الإنسان مرة على محبة الله، فإن الله يزيد عليه من الإيمان السماوي ويصير الإنسان كائنًا متكاملاً. فكل جزء من نفسك تقدمه لله، فإنه يخلط بنفسك شيء مثله من نفسه، حتى أن كل ما تفعله يُعمل بنقاوة، ويصير حبك نقيًا وصلاتك نقيّة.
عظيمة هي كرامة الإنسان، فانظر عظمة السموات والأرض، والشمس والقمر، ولكن الرب لم يسر أن يستريح في هذه المخلوقات بل في الإنسان فقط. لذلك فالإنسان له قيمة أعظم من كل المخلوقات ولعلي أتجاسر وأقول ليس فقط المخلوقات المنظورة بل وأيضًا أعظم من المخلوقات غير المنظورة، وأعظم حتى من “الأرواح الخادمة” (عب 1: 4). فلم يقل الكتاب عن ميخائيل وجبرائيل رؤساء الملائكة “لنخلقهم على صورتنا كشبهنا” (تك 1: 26) بل قال هذا على الجوهر الروحي للإنسان، وأنا أعني نفسه غير المائتة. لأنه مكتوب “إن ملائكة الرب تعسكر حول خائفيه” (مز 34: 6).
الاختلاف بين الإنسان والمخلوقات الماديّة:
إن المخلوقات الماديّة مرتبطة بطبيعتها التي خُلقت عليها.
فالسماء خُلقت لأجل الخير وكذلك الشمس والقمر والأرض- ولم تكن مسرة الرب فيها، رغم أنها لا تستطيع أن تتغير عن ما خُلقت عليه، كما أنها ليست لها أي إرادة. وأما أنت أيها الإنسان، أنت مخلوق على صورة الله ومثاله، لأنه كما أن الله له السيادة في نفسه ويفعل ما يشاء- فإذا أراد فله السلطان أن يرسل الأبرار إلى جهنم والأشرار إلى الملكوت ولكنه لا يُسرّ بأن يفعل هذا، ولا يقبل مجرد هذا الفكر، لأن الرب عادل وبار- وهكذا أنت أيضًا فإنك سيد نفسك، فإذا أردت أن تهلك فيمكنك أن تفعل ذلك.
وإذا اخترت أن تجدف أو أن تخلط سمومًا لكي تقتل إنسانًا ما فلن يمنعك أو يعوقك أحد. فإذا أراد الإنسان يمكنه أن يخضع لله ويسير في طريق البر ويضبط شهواته. فإن عقلنا هذا هو قوة متوازنة وقد أُعطِيت له القدرة أن يُخضع حركات وشهوات الخطية المخجلة.
ينبغي محاربة الشر الساكن فينا:
وكما أنه في بيت عظيم، حيث توجد أوان من الذهب والفضة وأنواع ملابس مختلفة وأموال كثيرة، فإن الشبان والشابات الذين يعملون هناك يقمعون عقولهم رغم أن طبيعتهم- بسبب الخطية الساكنة فيهم- تشتهي كل هذه الأشياء. ولكن بسبب الخوف البشري من سادتهم فإنهم يلجمون رغباتهم، فكم بالحري جدًا حيث يوجد خوف الله، فينبغي على الإنسان أن يحارب ويقاوم الشر الساكن فيه.
فإن الله وضع عليك كل ما يمكن أن تفعله. إن طبيعة الحيوانات غير العاقلة هي طبيعة مقيدة. فطبيعة الحيَّة طبيعة مُرّة وسامة وهكذا تكون كل الحيات. والذئب طبيعته مفترسة، وكل الذئاب لها نفس الطبيعة. ووداعة الحمل تجعل منه فريسة وكل الحملان لها نفس الطبيعة، والحمامة ليس فيها غدر وإيذاء، وهكذا طبيعة كل الحمام. وأما الإنسان فليس مثل هذا. فهناك إنسان ما مثل ذئب مفترس، وآخر مثل حمل، ولذلك يكون فريسة، وكلاهما يصدران من أصل الطبيعة البشريّة.
الطبيعة الإنسانية المتغيرة:
فهناك إنسان لا يكتفي بزوجته ويسلك في الزنا بينما هناك إنسان آخر لا يحتمل حتى مجرد تحرّك الشهوة في قلبه. هناك إنسان ينهب ما لقريبه، وإنسان آخر يعطي كل ما عنده حبًا لله. فها أنت ترى كم أن الطبيعة الإنسانية متغيرة. فإنك تجدها تميل إلى الشر، وتجدها تميل أيضًا إلى الخير. وفي الحالتين تكون في وضع بحيث توافق وترضى بهذا العمل أو ذاك حسبما تشاء.
فالطبيعة الإنسانية إذن قابلة للخير والشر، قابلة إما للنعمة الإلهيّة أو للقوة المعادية، ولكنها ليست تحت اضطرار أن تقبل هذه أو تلك. إن آدم نفسه لما كان في حالة النقاوة كانت له السيادة على عقله، وجابه جبالاً من المصاعب لا يمكن احتمالها، ولكن منذ أن تعدى وصية الله اختلطت أفكار الشر بعقله فصارت كأنها أفكاره، مع أنه ولا واحدة من هذه الأفكار هي أفكاره أصلاً، لأن هذه الأفكار هي تحت سيادة الشرير.
الأفكار النقيّة هي الأفكار الطبيعيّة:
فينبغي إذن أن تطلب وتسعى للحصول على مصباح منير لكي تستطيع أن تجد الأفكار النقيّة. فتلك الأفكار هي الأفكار الطبيعيّة التي صنعها الله. فالناس الذين ينشأون على شاطيء البحر يتعلمون السباحة، وحينما تثور العواصف وتتلاطم الأمواج، فإنهم لا يندهشون منها، وأما أولئك الذين لم يعتادوا هذه الأشياء، فإن أتت عليهم زوبعة ولو ضئيلة فإنهم يرتعبون ويغرقون في البحر. وهكذا الأمر أيضًا مع المسيحيين.
فكما أن عقل الطفل في سن الثالثة لا يستطيع أن يتابع أو يفهم عقل الرجل البالغ المفكر، بسبب وجود فرق كبير في السن بينهما، هكذا المسيحيون فإنه ينظرون إلى العالم مثل الأطفال، وعيونهم مرفوعة ومثبتة على قوة النعمة المعطاة لهم. إنهم غرباء بالنسبة لهذا العالم، ومدينتهم ومكان راحتهم ليست في هذا العالم، فالمسيحيون لهم عزاء وروح ودموع وحزن وتنهد، وحتى الدموع هي راحة وتمتع لنفوسهم. ويوجد عندهم خوف أيضًا، في وسط الفرح والتهليل، ولذلك فهم مثل أناس يحملون دمهم في أيديهم، ولا يضعون ثقتهم في أنفسهم ولا يعتبرون أنفسهم أنهم شيء، بل هم محتقرون ومرذولون أكثر من كل الناس.
أي شيء لك لم تأخذه؟
فإذا افترضنا أن ملكًا أودع كنزه عند إنسان فقير. فالإنسان الذي أخذ مسئولية حفظ الكنز لا يتمسك به كأنه ملكه بل يعترف دائمًا بفقره ولا يتجاسر أن يبذِّر ويصرف من كنز غيره. ويضع دائمًا في عقله، ليس فقط أن الكنز ليس ملكه، بل أيضًا “أن الذي أودع الكنز عندي هو ملك مقتدر قوي، وحينما يشاء فإنه يأخذه مني” كذلك ينبغي على أولئك الذين ينالون نعمة الله أن يعتبروا أنفسهم هكذا، وأن يكونوا ذوي عقل متضع، ويعترفوا بفقرهم.
وكما أن الإنسان الفقير الذي، أودع الملك الكنز عنده، إذا اعتمد على الكنز الذي لغيره وتفاخر به كأنه كنزه وبدأ عقله يتشامخ، فإن الملك يأخذ منه الكنز، ويصير الإنسان الذي كان عنده الكنز فقيرًا كما كان سابقًا، هكذا الذين يحصلون على النعمة إذا استكبروا وانتفخوا، فإن الرب يأخذ نعمته منهم، ويرجعون إلى ما كانوا عليه قبل نوال النعمة من الرب.
خداع الخطية وثمرة الجهاد ضدها:
وهناك كثيرون، بالرغم من أن النعمة حاضرة معهم، فإنهم ينخدعون بالخطية بدون أن يلاحظوا. فإذا افترضنا أنه كان في أحد البيوت فتاة عذراء، وكان هناك شاب أيضًا، فيحتال الشاب عليها ويتملقها حتى ترضى وتوافقه على شهواته، فتسقط وتفقد عفتها. كذلك الحيَّة المرعبة، حيَّة الخطية فهي تحضر دائمًا مع النفس، تداعبها وتغريها، فإذا وافقت النفس ورضيت، فإن النفس غير الجسدانيّة تدخل في ارتباط مع الشر غير الجسداني الذي لذلك الروح (الشرير)، فالروح تدخل في ارتباط مع روح.
والذي يرضى بإغواء الشرير، فإنه يزني في قلبه، إذ يكون قد قَبِلَ ورضى بإيحاءات (الروح) الخبيث. فهذه هي إذن درجة جهادك، أن لا ترتكب هذه الخطية في أفكارك، بل تقاومها بعقلك، وتحارب وتجاهد في الداخل، ولا تذعن لفكر الشر، ولا تعطي مكانًا في أفكارك للتلدذ بما هو خاطيء، فإذا وَجَدَ الرب فيك هذا الميل والاستعداد فهو بلا شك، يأخذك إليه في ملكوته في اليوم الأخير.
الرب يسمح بالتجارب لامتحان الإيمان:
إن هناك أشياء يأمر بها الرب لكي لا يترك نفسه بلا شهادة من نعمته الإلهيّة ودعوته، وهناك أشياء أخرى يأذن بها الرب على سبيل السماح، لأجل امتحان الإنسان وتدريبه، لكي تظهر وتتضح حريّة إرادته وتقريره وعزمه. فأولئك الذين هم في الشدائد والتجارب، إذا احتملوا وصبروا لا يسقطون من ملكوت السموات، لذلك فإن المسيحيين لا يقلقون ولا يكتئبون في ظروف الضيق.
وإذا امتحنوا بالفقر أو الآلام، فلا ينبغي أن يستغربوا ذلك، بل بالحري أن يفرحوا بالفقر ويحسبوه كالغنى، وبالصوم ويحسبوه كالوليمة، وبالهوان وعدم الشهرة ويحسبونه مجدًا. ومن الجهة الأخرى، إذا وقعوا في ظروف وأحوال مبهجة ومجيدة في هذه الحياة، قد تميل بهم إلى الراحة العالمية، أو الغنى أو المجد، أو الترف أو التنعم، فلا ينبغي أن يفرحوا بهذه الأشياء. بل أن يتجنبوها كما يتجنبون النار.
محبة الله- كرامة الإنسان- تدبير الخلاص:
وفي العالم الذي حولنا، إذا أثارت أمّة صغيرة الحرب ضد الإمبراطور، فهو لا يهتم أن يدخل المعركة بنفسه، ولكنه يرسل جنودًا مع ضباطهم وهم يقومون بالقتال. ولكن إن كانت الأمّة التي تثير الحرب ضده هي أمّة عظيمة جدًا، وقوية لدرجة أنها تستطيع أن تخرب مملكته فإن الإمبراطور يضطر أن يخوض المعركة بنفسه ومعه رؤساء قصره وأبطال جنوده محركًا إياهم بنفسه في المعركة. فانظر إذًا مقدار كرامتك (أيها الإنسان).
فإن الله بنفسه قد تحرك بصحبة قواته- وإنما أعني الملائكة والأرواح المقدسة- وجاء من أجلك بنفسه، ليحميك وينقذك من الموت. لذلك اهتم بنفسك جيدًا، وتأمل في نفسك ما أعظم التدبير الذي صنعه الرب لأجلك، ونستعمل توضيحًا من هذه الحياة في العالم إذ أننا لا نزال نحيا في وسطها، فإذا افترضنا أن هناك ملكًا عظيمًا، يبحث ويفتش ليجد إنسانًا في فقر ومعاناة، وهو لا يخجل منه، بل يعالج جروحه بأدوية شافية، ويحضره إلى قصره، ويلبسه الأرجوان والتاج الملكي ويجعله شريكًا في مائدته الملكية، فهكذا أيضًا المسيح الملك السمائي جاء إلى الإنسان المجروح وشفاه وجعله شريكًا في المائدة الملوكيّة، وذلك بدون أن يغتصب إرادته، بل بواسطة الحث والإقناع يجعله في مثل هذه الكرامة العظيمة.
الرب أعد لنا الملكوت ويدعونا لنرثه:
إنه مكتوب في الإنجيل أن الرب أرسل عبيده، ليدعوا أولئك الذين يرغبون ويعلن لهم أن الغذاء قد أُعد، ولكن الذين دعوا بدأوا يستعفون فقال أحدهم “قد اشتريت خمسة أزواج بقر” وقال آخر “إني تزوجت بامرأة” (لو 14: 16-20). فها أنت ترى أن الداعي كان مستعدًا، ولكن المدعوين رفضوا دعوته فهم وحدهم المسئولون عن رفض الدعوة.
إن كرامة المسيحيين هي عظيمة جدًا فتأمل كيف أن الرب قد أعد لهم الملكوت، ودعاهم ليدخلوا فيه، وهم لا يريدون. ومن جهة الهبة التي سيرثونها، فيمكننا أن نقول إنه لو جاهد كل واحد من الناس منذ خليقة آدم إلى نهاية العالم، لو جاهد الجميع ضد الشيطان واحتملوا الشدائد فإنهم لا يفعلون شيئًا بالمقارنة بالمجد الذي سيرثه كل واحد منهم، لأنه سيملك مع المسيح إلى دهور لا نهاية لها، فالمجد لذلك الذي أحب النفس هكذا. المجد له لأنه أعطى نفسه وأعطى نعمته لها واستودعهما لهذا الشخص!.. فالمجد لعظمته!.
الاختلاف بين الإنسان الباطن والظاهر:
بحسب كل المظاهر الخارجيّة، فنحن الإخوة جميعًا الذين نجلس هنا الآن لنا صورة واحدة ووجه واحد وهي التي لآدم. حسنا، ولكن هل لنا في الخفاء أيضًا، في الأمور الداخلية، قصد واحد بيننا جميعًا، وقلب واحد؟ هل نحن جميعًا واحد، في الصلاح والتقوى؟ أم أن البعض منا لهم شركة مع المسيح وملائكته والبعض الآخر لهم شركة مع الشيطان والأرواح الشريرة؟ ومع ذلك نحن جميعًا ونحن نجلس معًا ظاهرين مثل إنسان واحد، وكل واحد منا يحمل نفس وجه آدم.
فها أنت ترى الفرق الكبير بين الجوهر غير المنظور، أي الإنسان الباطن وبين الإنسان الخارجي لأننا جميعًا نشبه إنسانًا واحدًا، ومع ذلك فالبعض هم مع المسيح، وملائكته والبعض مع الشيطان والأرواح النجسة. فالقلب له عمق لا قرار له. ففيه توجد غرف استقبال، وغرف للنوم، وأبواب وأروقة ومكاتب كثيرة، وممرات، وفيه يوجد معمل البر، أو معمل الشر. فيه الموت، وفيه الحياة، فيه توجد التجارة الصالحة وما هو ضدها أيضًا.
المسيح يقيم ملكوته في القلب:
فإذا افترضنا أن هناك قصر عظيم جدًا، وهذا القصر أصبح مهجورًا، وامتلأ بكل رائحة رديئة وبجثث ميتة كثيرة. هكذا فإن القلب هو قصر المسيح، وهو مملوء بكل نجاسة وبجموع كثيرة من الأرواح الشريرة، فينبغي إذن إعادة تأسيسه وإعادة بنائه، وإعادة تنظيم مخازنه وغرف النوم التي فيه، لأن الملك نفسه أي المسيح يأتي إلى هناك هو والملائكة والأرواح المقدسة. ليستريح وليسكن وليتمشى هناك ويقيم فيه ملكوته. وإني أخبرك أن القلب هو مثل سفينة مزودة بكمية وافرة من حبال الأشرعة والبكرات، وفيها قبطان يدبر الكل، ويحدِّد لكل واحد مهمته، ويصلح خطأ البعض منهم، ويبين لغيرهم ما هو الطريق، فالقلب أيضًا له قبطان في العقل، وهو الضمير الذي يقوم دائمًا بمحاكمتنا، “والأفكار فيما بينها مشتكية أو محتجة” (رو 2: 15).
الضمير وملكات القلب:
فأنت ترى أن الضمير لن يهمل أو يترك الأفكار التي تستجيب للخطية، بل يحكم عليها في الحال. وهو لا يكذب، بل يشهد بما ينبغي أن يقوله أمام الله في يوم الدينونة، كأنه يقوم بمحاكمتنا بصفة مستمرة. فإذا افترضنا أن هناك مركبة ولجم، فإذا الخيل وكل جهاز العربة إنما هي تحت سيطرة سائق واحد فحينما يشاء فإنه يجعل المركبة تحمله بسرعة عظيمة، ومتى شاء فإنه يستطيع أن يوقفها.
وأي طريق يريد أن يميل إليها فإن المركبة تسير معه حسب ما يوجهها فالمركبة هي تحت سلطان السائق. وبنفس الطريقة فإن القلب له ملكات طبيعية كثيرة مرتبطة به، فالعقل والضمير هما اللذان يوبخان القلب ويقودانه، ويوقظان الملكات الطبيعيّة التي تنبع في القلب. إن النفس لها أعضاء كثيرة، رغم أنها هي واحدة.
ومن الوقت الذي فيه تعدى آدم الوصية، دخلت الحيَّة إلى الداخل وجعلت نفسها سيدة البيت وصارت كأنها نفس ثانية إلى جانب النفس. لأن الرب يقول “من لا ينكر نفسه، ومن لا يبغض نفسه، فلا يكون لي تلميذًا” (لو 14: 26، 9: 23) وأيضًا “من يحب نفسه فسيهلكها” (مت 10: 39).
النقاوة والقداسة:
فالخطية لما دخلت إلى النفس صارت مثل عضو للنفس، واتحدت بالإنسان الجسداني، ولذلك فإن أفكارًا نجسة كثيرة تنشأ في القلب. فذلك الذي يعمل رغبات نفسه، فإنه يعمل رغبات الشر لأن الشر مختلط وممتزج بالنفس. والذي يجذب نفسه إلى الخضوع والطاعة، ويغضب مع نفسه وضد الرغبات التي تتحرك فيه، فهو مثل الذي يخضع مدينة العدو ويحكمها. وهذا الإنسان يحسب أهلاً للوصول إلى درجات الروح الصالحة ويكافأ بواسطة قوة الله بأن يصير إنسانًا نقيًا، ويجعله الله أعظم من نفسه (أعظم مما كان)، لأن مثل هذا الإنسان يؤله، ويصير ابنًا لله، إذ يحصل على الختم السماوي على نفسه، لأن مختاري الله يمسحون بدهن القداسة ويصيرون أناسًا ذوي مراتب بل وملوكًا.
وهكذا هي طبيعة البشر. فمن عمق الخبث وعبودية الخطية قد يتحول الإنسان إلى الصلاح وقد يكون هناك إنسان مرتبط بالروح القدس وسكرانًا بالأمور السماويَّة ومع ذلك ففي استطاعته إذا أراد أن يتحول إلى الشر. ومثل امرأة تلبس الثياب الرثة، وتعاني الجوع وهي كلها قذرة، قد تصل بجهد كثير إلى المرتبة الملوكيّة، وتلبس الأرجوان والتاج، وتصير عروسًا للملك.
فهي تتذكر أحيانًا حالتها السابقة القذرة وتخاف أن ترجع إلى حالتها القديمة، ولكنها لا تختار بإرادتها أن ترجع إلى عارها السابق، لأن ذلك يكون حماقة عظيمة، وهكذا أولئك الذين قد ذاقوا نعمة الله وصاروا شركاء الروح القدس إذا لم يحترسوا لأنفسهم (يأخذوا حذرهم) فإنهم ينطفئون ويصيرون أردأ مما كانوا عليه قبلاً حينما كانوا في العالم. وليس معنى هذا أن الله متغير أو غير قادر أن يحفظهم، أو أن الروح نفسه هو الذي “ينطفيء” (1 تس 5: 19)، بل أن الأشخاص أنفسهم هم الذين لا يوافقون النعمة ولا يتجاوبون معها، ولهذا السبب فإنهم يخفقون ويسقطون في شرور كثيرة.
لأن أولئك الذين قد ذاقوا تلك النعمة، يكون حاضرًا معهم كل من الفرح أو العزاء والخوف أو الرعدة، أي البهجة والحزن معًا. إنهم ينوحون لأجل نفوسهم ولأجل كل جنس آدم (إذ أن الجنس البشري كله هو واحد) وأن دموع مثل هؤلاء الأشخاص هي خبزهم وبكاءهم وحزنهم هو حلاوة وإنعاش لهم.
خطورة الكبرياء الانتفاخ:
فإذا رأيت إنسانًا متكبرًا ومنتفخًا بسبب ما ناله من نعمة فهذا الإنسان حتى لو صنع العجائب وأقام الموتى، ولكنه لم يعتبر نفسه أنه غير مستحق بل مزدرى، ويستمر مسكينًا بالروح ويبغض نفسه فإن الخطية تخدعه دون أن يدري وحتى إن كان يصنع العجائب فلا يمكنك أن تصدقه، لأن علامة المسيحيَّة هي هذه، أن يكون الشخص ممدوحًا من الله بينما هو يسعى باجتهاد لتجنب ملاحظة الناس له وحتى إذا كان عنده جميع كنوز الملك فإنه يخفيها، ويقول باستمرار “إن هذه الكنوز ليست ملكي بل إن شخصًا غيري قد وضعها بين يدي.
وأما أنا فإنسان فقير، وحينما يشاء صاحبها فإنه يأخذها مني، فإذا قال أحد “أنا غني وعندي الكثير وقد ربحت كثيرًا ولا أحتاج إلى شيء أكثر” فهذا الإنسان ليس مسيحيًا، بل هو إناء للضلالة والشيطان. إن التمتع بالله إناء لا يشبع منه، فبقدر ما يذوق الإنسان منه ويأكل، فإنه يجوع أكثر. ومثل هؤلاء الأشخاص لهم حرارة ومحبة لله لا يمكن حصرها، وكلما سعوا للتقدم والنمو، كلما اعتبروا أنفسهم فقراء، كأولئك الذين هم في غاية الحاجة ولا يملكون شيئًا.
وهذا ما يقولونه. “أنا لست أهلاً لإشراق هذه الشمس عليَّ” وهذه هي علامة المسيحيَّة- هذا التواضع، وأما إن قال أحد “أنا قد شبعت وامتلأت” فهو خادع وكاذب.
التجلى وتمجيد الأجساد:
وكما أن جسد الرب كان قد تمجد حينما صعد إلى الجبل وتجلى بالمجد الإلهي وبالنور غير المحدود، فهكذا ستتمجد أجساد القديسين وتضيء مثل البرق. فالمجد الذي كان في داخل المسيح فاض على جسده وأضاء، وبنفس هذه الطريقة ما يحدث في القديسين، فإن قوة المسيح التي في داخله ستنسكب في ذلك اليوم على أجسادهم من الخارج. فإنهم منذ الآن يشتركون في جوهره وطبيعته في عقولهم، لأنه مكتوب “الذي يقدس والذين يتقدسون جميعهم من واحد” (عب 2: 11). وأيضًا “وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني” (يو 17: 22).
وكما أن مصابيحًا كثيرة توقد من نار واحدة هكذا أجساد القديسين إذ هي أعضاء المسيح فإنها بالضرورة تصير مثل المسيح نفسه وليس شيئًا آخر.
الموت والحياة وحريّة الاختيار:
سؤال: ما هي أفضلية المسيحيين على آدم الأول؟ فإنه كان غير مائت وغير فاسد في الجسد وفي النفس معًا، بينما المسيحيون يموتون ويأتون إلى الفساد.
جواب: الموت الحقيقي هو في الداخل، في القلب، وهو مختفي، والإنسان الباطن هو الذي يهلك، ولذلك فإذا انتقل أحد “من الموت إلى الحياة” (يو 5: 24) في ذلك المكان الخفي، فإنه يحيا حقيقة إلى الأبد ولا يموت أبدًا. ورغم أن أجساد مثل هؤلاء الناس لتحلل إلى فترة من الزمن، إلا أنهم يقومون ثانيةً في مجد، لأنهم مقدسون.
لهذا السبب نحن نسمي موت المسيحيين رقادًا وراحةً. فلو أن الإنسان كان غير قابل للموت، وجسده محفوظ من التحلّل، فإن العالم كله حينئذٍ حينما يرون هذه الحقيقة الغريبة أن أجساد المسيحيين غير قابلة للفساد، فإنهم يأتون إلى فعل الخير بنوع من الإجبار وليس بحريّة الاختيار.
فلكي تظهر حريّة الإرادة وتظل ثابتة، تلك الحريّة التي منحها الله للإنسان منذ البدء، لهذا السبب فإن العناية نظمت هذه الأمور، وجعلت تحلل الأجساد (أي الفساد) أمرًا واقعًا حتى يكون الأمر متروكًا لاختيار الإنسان وتمييزه أن يتحول إلى الخير أو إلى الشر. لأنه حتى الإنسان المتأصل في الشر والمتعمق في الخطية، والذي يجعل نفسه أداة للشيطان ليتسلط عليه تمامًا، فحتى هذا الإنسان ليس مربوطًا بأي اضطرار، بل إن له الحريّة أن يصير “إناء مختار” (أع 9: 15)، إناء للحياة.
وبنفس الطريقة، فمن الناحية الأخرى أولئك الذين يتشربون باللاهوت، ولو كانوا مملوئين بالروح القدس وهم تحت سيادته، فإنه ليسوا مُقيدين بأي اضطرار، بل لهم حريّة الاختيار أن يتحولوا ويفعلوا ما يشاءون في العالم الحاضر.
النمو في النعمة بالتدريج:
سؤال: هل الشر يتناقص ويُستأصل بالتدريج، وهل يتقدم الإنسان في النعمة بالتدريج، أم أن الشر يُستأصل مرة واحدة حينما ينال الإنسان افتقادًا من النعمة؟.
جواب: كما أن الجنين في رحم أمه لا يتشكل إلى إنسان كامل مرة واحدة، بل تتكون فيه الصورة بالتدريج إلى أن يولد وحتى عند ولادته لا يكون رجلاً كامل النمو، بل يحتاج إلى سنوات لينمو، ويصير رجلاً، وأيضًا كما أن حبوب القمح أو الشعير لا تتأصل في الأرض بمجرد أن تلقى البذار فيها، بل تعبر عليها العواصف والرياح، وبعد ذلك تنبت السنابل في أوانها، والإنسان الذي يزرع شجرة كمثرى لا يأخذ من ثمارها في الحال، هكذا أيضًا في الأمور الروحانيّة فإن فيها حكمة ودقة عظيمة، والإنسان ينمو رويدًا رويدًا إلى أن يصل “إلى إنسان كامل، إلى القامة التامة” (أف 4: 13) وليس كما يقول البعض، يخلعون معطفًا ويلبسون آخر بدله.
والذي يريد أن يصير إنسانًا متعلمًا فإنه يبدأ أولاً بتعلم الحروف وحينما يتقنها فإنه يلتحق بالمدرسة الابتدائية في أول صفوفها وحينما يصل إلى آخر صف فيها، فإنه ينتقل إلى المدرسة المتقدمة كمبتديء فيها وبعد ذلك حينما يصير “طالبًا باحثًا” فإنه يصير مبتدئًا بين المترافعين أمام القضاء وآخر واحد فيهم، وبعد ذلك حينما يرتفع إلى القمة بينهم فإنه يصير حاكمًا أو قاضيًا، وحينما يصل إلى درجة رئيس قضاة فيحق له أن يتخذ معاونًا يساعده.
فإذا كان في عالم الفكر توجد مثل هذه الدرجات من الارتقاء، فكم بالأولى يكون للأسرار السماويَّة درجاتها وارتقاءاتها، ويزداد عدد الدرجات، ثم بعد التمرن الكثير والامتحان فإن الإنسان الذي يجوز التجارب ويحتملها يصل إلى الكمال. فالمسيحيون الذين ذاقوا النعمة حقًا، وحملوا علامة الصليب في عقلهم وقلبهم. فهؤلاء- من الملك حتى الشحاذ- يعتبرون كل الأشياء التي في هذا العالم كنفاية ورائحة كريهة. وهؤلاء يستطيعون أن يعرفوا أن العالم الأرضي كله، وكنوز الملك، وكل غناه ومجده، وكل علوم الحكمة ليست إلاَّ مظهرًا باطلاً ليس له أساس ثابت، بل هو يعبر سريعًا، ويزدرون بسهولة بكل ما هو تحت السماء فإنهم يزدرون به بسهولة.
كرامة الإنسان العظيمة:
والسبب في ذلك هو أن الأشياء التي فوق السموات هي غريبة جدًا وعجيبة ولا يوجد منها في كنوز الملوك، ولا في حكمة الكلام، ولا في المجد العالمي والكرامات والغنى- إنما الغنى الحقيقي يملكه هؤلاء الذين يمتلكون الرب خالق كل الأشياء في عمق إنسانهم الباطن، وهو النصيب الذي لا يضمحل أو ينزع أو يعبر، بل يثبت ويبقى إلى الأبد. إن المسيحيين يعرفون جيدًا أن النفس هي أثمن من جميع الأشياء المخلوقة، فإن الإنسان وحده هو الذي صنع على صورة الله ومثاله. انظر إلى السماء، ما أوسعها وانظر إلى الأرض وما فيها من مخلوقات ثمينة وأجسادها العظيمة، إلاَّ أن الإنسان هو أعظم قدرًا من كل هذه الأجساد فهو وحده الذي سُرّ به الرب، حتى وإن كانت حيتان البحر، والجبال، والوحوش أعظم من الإنسان في مظهرها الخارجي (إلا أن الإنسان أعظم من جميع المخلوقات) فتأمل في كرامتك وقدرك العظيم، حتى أن الله جعلك فوق الملائكة، لأنه لأجل معونتك وخلاصك جاء هو بنفسه شخصيًا إلى الأرض.
إن الله وملائكته قد جاءوا[4] لأجل خلاصك. فالملك، ابن الملك تشاور مع أبيه، ولهذا أرسل الكلمة، ولبس لباس الجسد وحجب لاهوته الخاص لكي يخلِّص المثيل بالمثيل (أي يخلص الإنسان بالإنسان) وبذل حياته على الصليب. فما أعظم محبة الله للإنسان. فإن غير المائت اختار أن يصلب لأجلك فانظر إذن إلى أي درجة “أحب الله العالم” لأنه “بذل ابنه الوحيد لأجلهم” (يو 3: 16) “فكيف لا يهبنا معه كل شيء” (رو 8: 32) وفي موضع آخر يقول “الحق أقول لكم، إنه يقيمه على جميع أمواله” (مت 24: 47).
وفي مكان آخر يبين بوضوح أن الملائكة هم خدام للقديسين، فحينما كان أليشع في الجبل وأتى عليه الغرباء، قال له خادمه أن كثيرين قد أتوا علينا ونحن وحدنا- حينئذٍ أجابه أليشع ألا تبصر المعسكرات وجماهير الملائكة التي تحيط بنا وتحمينا (انظر 2 مل 6: 15-18) وهكذا فإن الرب نفسه مع جموع الملائكة يحضرون مع عبيده، فما أعظم النفس، وما أكرمها عند الله، لأن الله نفسه وملائكته يطلبونها لأجل الشركة معهم ولأجل الملكوت!. وأما الشيطان وقواته فإنهم يسعون وراءها لكي يجذبونها إلى ناحيتهم.
وكما أنه في العالم الطبيعي لا يقوم بخدمة الملوك أشخاص غير مهذبين أجلاف إنما يقوم بخدمتهم أناس حسنو المنظر مهذبون، هكذا في القصر السماوي فإن الذين يخدمون الملك السماوي هم أولئك الذين بلا عيب، وبلا لوم والأنقياء القلب. وكما أنه بالقصر الأرضي يقوم بخدمة الملوك عذارى جميلات، ليس فيهن عيب بل هن أكثر النساء وسامة، هكذا أيضًا في الأمور الروحانيّة فالنفوس التي تتزين بكل سيرة صالحة وقداسة هي التي تكون في صحبة الملك السمائي.
وفي العالم المنظور حينما يذهب ملك ليقيم في مكان ما، فإذا حدث أن ذلك المكان كان فيه شيء غير نظيف، فإنه حالاً يُنظف ويُنظم بنظافة ونظام كامل وتسكب فيه الروائح العطرة الكثيرة، فكم بالأكثر جدًا يحتاج بيت النفس، الذي يستريح فيه الرب إلى تطهير وتنقيّة، ليستطيع الرب أن يدخل فيه ويستريح هناك فإنه هو بلا عيب ولا دنس. وفي مثل هذا القلب المُطهر يستريح الله وكل الكنيسة السماويَّة.
الله يعطينا أمجاده الخاصة:
وفي عالم البشر، إن كان أب له أملاك كثيرة وعنده تيجان وأحجار كريمة فإنه يخفيها في مخازن البيت محتفظًا بها لابنه الحبيب، ولهذا الابن يعطي كل كنوزه. هكذا فإن الله قد ائتمن النفس على ما عنده، وعلى كل أمجاده الخاصة الثمينة. وفي العالم، إذا ثارت حرب، وجاء الملك بجيشه للقتال ووجد أنه أضعف في العدد أو في القوة من الجانب الآخر، فإنه يرسل في الحال رسولاً ليطلب شروط الصلح (لو 14: 32).
وأما إذا قامت أمة عظيمة جدًا في الحرب مقابل أمة عظيمة معادلة لها وملك عظيم في مقابل ملك مثله- مثل ملك الفرس مثلاً ضد ملك الرومان- فحينئذٍ يضطر الملكان أن يتحركا بكل قواتهما في هذه الحرب. فانظر إذن عظمة كرامتك أن الله قد تحرك مع كل قواته أي الملائكة والأرواح- لمحاربة العدو لكي ما يخلصك من الموت. فالله إذن إنما جاء من أجلك.
ما فعله الله لأجل خلاصنا:
وإذا افترضنا أن ملكًا وجد إنسانًا فقيرًا مملوءًا بالبرص في كل جسده، ولم يخجل منه بل وضع أدوية على جروحه وشفي قروحه، ثم أخذه إلى المائدة الملوكيّة وألبسه الأرجوان وجعله ملكًا، فهذا هو ما فعله الله مع جنس البشر. إنه غسل جروحهم وشفاهم، وأتى بهم إلى حجاله السماويَّة. فما أعظم كرامة المسيحيين حتى أنها لا يمكن مقارنتها بشيء آخر.
ولكن إذا تكبّر المسيحي وسمح للخطية أن تسرقه فإنه يكون مثل مدينة لا سور لها فيدخل اللصوص إليها من أي ناحية يريدون، دون أن يعوقهم شيء، فيخربونها ويحرقونها. لذلك، إذا كنت تأخذ الأمور باستهانة ولا تحترس لنفسك فإن أرواح الشر تأتي عليك وتظلم عقلك وتخرِّبه وتشتت أفكارك في أمور هذا العالم الحاضر.
إن كثير من الناس هم مثقفون جدًا من جهة الأشياء الخارجيّة ولهم معرفة وعلم ويعتنون بنظام معيشتهم وآداب الحياة، ويعتبرون أن ذلك هو الكمال، دون أن ينظروا نظرة عميقة في داخل قلوبهم، ودون أن يروا الشرور التي تحبس النفس. وبحسب المعنى الداخلي للشر فهو جذر مختفي في داخل القلب وفي الأعضاء.
والسارق موجود في داخل البيت وأعني به القوة المعادية وهي قوة متحدية غير منظورة، فإذا لم يضع الإنسان في نفسه أن يحارب الخطية، فإن الشر المختفي في الداخل ينتشر تدريجيًا، ويزداد ويتكاثر حتى يجعل الإنسان يرتكب الخطايا ظاهرًا وعلانية. إن عنصر الشر يفور إلى أعلى مثل عين الينبوع. فاهتم إذن أن توقف مجاري الخطية، وإلا فإنك ستسقط في آلاف من الأشياء الخاطئة وتصير مثل إنسان في حالة غيبوبة.
فإذا افترضنا أن هناك أحد النبلاء يعيش في رخاء ووفرة ئم قام جنود الوالي وخدامه بالقبض عليه وحملوه إلى الحاكم قائلين “إنك متهم اتهامات خطيرة وإنك في خطر قطع رأسك. فبسبب هذه الأخبار المخيفة، يفقد توازن عقله ويصير مثل إنسان في حالة غيبوبة.
سبب الحيرة والاضطراب في حياة الناس:
فافهم إذن، أن هذا هو ما تفعله أرواح الشر ضد الإنسان. إن العالم الذي تراه حولك، ابتداءً من الملك حتى الشحاذ، جميعهم في حيرة واضطراب وفتنة وليس أحد منهم يعرف السبب في ذلك، مع أن السبب هو ظهور الشر الذي دخل داخل الإنسان عن طريق معصية آدم، وأعني به “شوكة الموت” (1 كو 15: 56).
لأن الخطية التي زحفت إلى الداخل، إذ هي نوع من القوة غير المنظورة من الشيطان، وهي قوة حقيقيّة، قد زرعت في الإنسان كل أنواع الشر. وهي تعمل سرًا في الإنسان الباطن دون أن يلاحظها أحد، وتعمل في العقل، وتحارب ضد الأفكار؛ ولكن الناس لا يدركون أنهم يفعلون الشرور بتأثير قوة غريبة تعمل فيهم، وهم يظنون أن ما يفعلونه هو أشياء طبيعية، وأنهم إنما يفعلون هذه الأشياء باختيارهم. وأما أولئك الذين حصلوا على سلام المسيح في عقولهم وحصلوا على نوره في داخلهم، فإنهم يعرفون جيدًا منبع كل هذه الحركات الشريرة.
إن العالم مستعبد لشهوة الخطية، وهو لا يدري، وهناك نار نجسة تشعل القلب وتنتشر إلى كل الأعضاء، وتحث الناس على فعل الشهوات، وعلى آلاف خطايا أخرى. فأولئك الذين يدعون أنفسهم أو يسمحون لأنفسهم أن تداعبها الخطية فيبتهجون بها، إنما يرتكبون الخطية داخليًا في القلب. وهكذا يجد الشر مكانًا له فيهم، إلى أن يسقطوا في النجاسة المكشوفة- ولاحظ أن نفس هذا الأمر هو حقيقي. كذلك فيما يخص محبة المال، والمجد الباطل والكبرياء والحسد والغضب.
وإذا دُعي إنسان إلى وليمة ووضعت أمامه أنواع أطعمة كثيرة، فإن الخطية تقترح عليه أنه ينبغي أن يأكل منها جميعًا، وهكذا فإن نفسه تُسر بهذا الإيحاء وتثقل بأثقال فوق طاقتها. فإن الشهوات هي كجبال ثقيلة لا تحتمل وتوجد في وسطها أنهار من التنانين والوحوش السامة والثعابين. وكما يبتلع الحوت إنسانًا في بطنه، هكذا تبتلع الخطية النفوس. إنها لهب نار حارقة وسهام ملتهبة من الشرير. فالرسول يقول “لكي تقدروا أن تطفئوا سهام الشرير الملتهبة” (أف 6: 16) لأن الخطية وجدت لها مكانًا في النفس. ووضعت أساساتها حول النفس.
وأما الذين صاروا حكماء بالروح، فإذا تحركت الشهوات فيهم، فإنهم لاي ستسلمون لها البتة بل يغضبون على الرغبات الشريرة ويصيرون أعداء لأنفسهم ويبغضونها. لأن الشيطان يشتهي كثيرًا أن يستريح في النفس ويوسع دائرته في داخلها وهو ينزعج ويتضايق حينما ترفض النفس الإذعان له.
إن بعض الأشخاص هم تحت سيادة القوة الإلهيّة، هؤلاء الذين إذا رأوا فتى مع امرأة فربما يفكرون قليلاً، ولكن عقلهم لا يتنجس البتة، ولا يخطئون في داخل قلوبهم، ومع ذلك فليس من الممكن أن يطمئن الإنسان ويثق في جسده في هذه الحالة. ويوجد آخرون يكون أصل الشر فيهم منطفئًا ويابسًا أي قد انتهي منهم، ولكن هذه هي درجات العظماء بالنعمة حقًا.
وكما أن الناس في مجال تجارة اللآليء يغوصون عراة في أعماق البحر في أعماق المياه، ليجدوا هناك اللآليء التي تصلح لزينة التيجان الملوكيّة والأرجوان الملوكي، هكذا أولئك الذين يعتنقون طريق الحياة التوحدية، يخرجون عراة من العالم، وينزلون إلى أعماق بحر الشر وإلى هاوية الظلمة، ومن تلك الأعماق يخرجون حجارة كريمة مناسبة لتاج المسيح وللكنيسة السماويَّة، وللعالم الجديد، ولمدينة النور، ولمحفل الملائكة.
وكما أن الشبكة تجمع أنواعًا كثيرة من السمك فتطرح الأصناف الرديئة في البحر ثانية، هكذا فإن شبكة النعمة تنتشر على الكل وتطلب القبول والرضا، ولكن كثيرًا من الناس لا يوافقونها، ولذلك فإنهم يطرحون ثانية إلى هوة الظلمة العميقة.
وكما أن الذهب يوجد بعد أن يُنقى من وسط رمل كثير، على شكل ذرات صغيرة، هكذا فإنه من وسط كثيرين يوجد قليلون يثبتون مع التمحص. فأولئك الذين لهم عمل الملكوت هم ظاهرون وكذلك أولئك الذين يلبسون فقط كلمة الملكوت هم ظاهرون أيضًا. والمُمَلحون بالملح السماوي يصيرون ظاهرين وكذلك الذين يمتلئون من كنوز الروح.
وكذلك فالأواني التي يُسر الله بها هي ظاهرة أيضًا، وهو يعطيهم نعمته الخاصة، وآخرون، بالصبر الكثير ينالون قوة التقديس بأنواع مختلفة كما يشاء الرب. فذلك الذي يتكلم، إذا لم يكن منقادًا ومُرشدًا بالنور والحكمة السماويَّة، فإنه لا يستطيع أن يرضي ويشبع عقول الجميع، إذ أنه توجد أغراض كثيرة مختلفة، والبعض يكون في حالة حرب والبعض في راحة.
تطهير القلب والبناء الجديد:
وإذا كانت هناك مدينة خربة وأراد أحد الناس أن يعيد بناءها من جديد فإن أول شيء يفعله، هو أن يهدم تمامًا كل الأشياء المتهدمة الساقطة وهكذا يبدأ في الحفر ويضع الأساسات وهكذا يرتفع البناء رغم أنه لا يكون قد تم بناء بيت واحد بعد.
وذلك الذي يريد أن يقيم حديقة جميلة في مكان قفر كريه الرائحة فإنه يبدأ أولاً في تنظيف المكان وعمل سياج حوله وإعداد قنوات المياه، ثم بعد ذلك يغرس البستان، فتنمو الأشجار وهكذا بعد وقت طويل يأتى البستان بالثمر، وهكذا قلوب البشر منذ السقوط، قد جفت وصارت خربة ومملوءة بالأشواك. لقد قال الله للإنسان “شوكًا وحسكًا تنبت لك الأرض” (تك 3: 18).
لذلك فالأمر يحتاج تعبًا كثيرًا وجهدًا لكي يطلب الإنسان الأساسات ويضعها، إلى أن تأتي النار إلى قلوب الناس، وتبتديء في اقتلاع الأشواك وتنقيّة القلوب، وهكذا يبتدئون أن يتقدسوا فيمجدون الآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين.
[2] الكلمة المترجمة “مجادلات” في الأصل اليوناني في (1 تي 2: 8) هي نفس الكلمة المترجمة “أفكار” في إنجيل متى 15: 19.
[3] القديس مقاريوس يقصد أن الشيطان يمكنه أن يحتمل أن يترك البعض بدون حرب، وهذه تكون بالنسبة للشيطان مئل الضريبة بالنسبة للغني، أو الصدقة بالنسبة للمحسن فهي لا تشمكل أي خسارة بالنسبة له.
[4] المقصود بمجيء الملائكة لخلاص الإنسان هو خدمتهم للعتيدين أن يرثوا الخلاص لأنهم “أرواح خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب 1: 14) (المعرب).
القداسة والنقاوة – العظة الخامسة عشر للقديس مقاريوس الكبير
حلول المسيح في الإنسان أرض اللاهوت – العظة الرابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير
حلول المسيح في الإنسان أرض اللاهوت – العظة الرابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير
العظة الرابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – حلول المسيح في الإنسان أرض اللاهوت – د. نصحى عبد الشهيد
“أولئك الذين يسلمون أفكارهم وعقلهم لله، يفعلون ذلك على رجاء أن تستنير
عيون قلوبهم، وأن يعطيهم الله أسراره في أعظم قداسة ونقاوة. ويمنحهم من
نعمته. ما يجب أن نفعله نحن الذين نرغب في الحصول على الخيرات السماويَّة.
مقارنة الرسل والأنبياء بأشعة الشمس التي تدخل من النافذة. تعلِّم العظة أيضًا
عن ما هي “أرض الشيطان” وما هي “أرض الملائكة”. وأن كلتيهما لا تُلمسان ولا
تُنظران إلاَّ لعيون القلب الروحانيين”.
التعب والزرع على رجاء:
كل الأعمال المنظورة التي تُعمل في العالم، إنما تُعمل على رجاء الاشتراك والانتفاع بنتائج هذه الأعمال، ولولا الثقة والتيقن من التمتع بثمار التعب فلا تكون هناك فائدة تكسب. فالزارع يبذر البذار على رجاء الثمار، وهذا الرجاء يسنده ويشدده في احتمال مشقات كثيرة. كما يقول الرسول “إن الحراث يحرث على رجاء” (1 كو 9: 10) والذي يأخذ زوجة، إنما يفعل ذلك على رجاء أن يكون له ورثة، والتاجر يسلم نفسه للبحر ولخطر الموت بهدف الربح.
هكذا أيضًا فيما يخص ملكوت السموات، فإن الإنسان يسلم نفسه للرب برجاء أن تستنير عيون قلبه (أف 1: 18) منصرفًا عن أمور هذه الحياة، ويحفظ نفسه حرًا، ليكون انشغاله بالصلوات والتضرعات ناظرًا إلى الرب ومنتظرًا إياه حين يأتي ويكشف نفسه له، وأيضًا حين يطهره من الخطية الساكنة فيه.
رجاء حلول الرب بملء اختبار الروح:
وهو مع ذلك لا يضع ثقته في أتعابه، وطريقة حياته، إلى أن يحصل على الأشياء التي يترجاها، أي إلى أن يأتي الرب ويحل فيه بملء اختبار الروح وفاعليته. وحينما يتذوق صلاح الرب ويبتهج بثمار الروح، وحينما يُرفع عنه ستار الظلمة، ويضيء عليه نور المسيح ويعمل فيه بفرح لا يُنطق به، فحينئذٍ يشبع ويرضى تمامًا إذ يكون حاصلاً على الرب معه في محبة عظيمة، كما يفرح التاجر- كما ذكرنا في المثل- حينما يحصل على الربح ولكن لا يزال عنده خوف من اللصوص- أرواح الشر- لئلا يتكاسل ويضيع تعبه، قبل أن يدخل ملكوت السموات في أورشليم العليا.
لذلك فلنتوسل إلى الله أن ينزع منا الإنسان العتيق ويجرِّدنا منه، ويلبسنا المسيح السماوي، هنا ومن هذه اللحظة الحاضرة، حتى إذ نكون في فرح وبهجة، وإذ نكون منقادين بروحه، فإننا سنكون في هدوء وسلام عظيم. وإن الرب الذي يريد أن يملأنا ويشبعنا بتذوق الملكوت، يقول “بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا” (يو15: 5).
الرسل أنوار للعالم:
وقد عرف الرب كيف ينير كثيرين بواسطة الرسل. فالرسل كانوا هم أنفسهم خلائق مثل غيرهم، ولكنهم ربّوا وغذوا العبيد رفقائهم. وبسيرتهم الصالحة وتعاليمهم أحيوا وأقاموا عقول الناس التي كانت مائتة وفاسدة. فمن الممكن أن يقوم أحد المخلوقات بتغذية وإحياء مخلوق آخر. فالسحب، والمطر والشمس، بحسب أمر الله، تُحيي بذار القمح والشعير، رغم أنها مجرد خلائق فقط، ومثل النور الذي يأتي من خلال النافذة، في حين أن الشمس ترسل أشعتها على العالم كله، هكذا كان الأنبياء هم أنوار بيتهم الخاص- أي على إسرائيل- وليس أكثر، وأما الرسل فهم شموس يسطعون بأشعتهم في كل أركان وأرجاء العالم.
“أرض الشياطين” و”أرض اللاهوت”:
هناك “أرض” تسكنها الوحوش، وهناك “أرض” أخرى في الهواء تتحرك فيها الطيور وتعيش. فإذا أرادت الطيور أن تقف أو تسير على الأرض فإن الصيادين يصطادونها. والأسماك أيضًا لها “أرض” وهي مياه البحر. والمكان الذي يولد فيه أي كائن، سواء على الأرض أو في الهواء، ففيه يعيش، وفيه يقتات ويجد لذته وراحته. وبنفس الطريقة فهناك “أرض” وبيت للشياطين، حيث تعيش قوات الظلمة وأرواح الشر، وهناك تتحرك وتجد راحتها، كما توجد “أرض” نورانية هي أرض اللاهوت، حيث معسكرات الملائكة والأرواح المقدسة تصعد وتهبط وتجد راحتها.
فتلك الأرض المظلمة لا يمكن أن تُرى بعيون هذا الجسد ولا أن تُلمس، وكذلك الأرض النورانية أرض اللاهوت، لا تُلمس ولا تُرى بالعيون الجسديّة. أما بالنسبة للروحانيين فإن “الأرض” الشيطانية، و”أرض” اللاهوت كلاهما تنكشفان لعيون قلوبهم.
فإن كانت أسطورة أولئك الذين من خارج، تقول: إنه توجد جبال نارية، لأن النار متقدة فيها، وإنه توجد فيها حيوانات مثل الأغنام. وأن الذين يصطادونها يصنعون لهم عجلات حديدية، ويطرحون خطاطيفهم ويلقونها في النار، لأن تلك الحيوانات تقتات على النار، والنار هي شرابها وهي لذتها وبها تنمو وتحيا.
فالنار بالنسبة لها هي كل شيء. فإن أتيت بها إلى هواء آخر فإنها تموت. وحينما يتسخ صوفها فإنها لا تُغسل في الماء، بل في النار، فتُنظف وتُبيّض أكثر. هكذا المسيحيون عندهم النار السماويَّة كطعام لهم. وهي لذتهم تنعمهم. وهي تنظف قلوبهم وتغسلها وتقدسها. وهي تُنميهم. وهي هواؤهم وحياتهم.
فإن خرجوا يهلكهم الروح الشرير، كما أن الحيوانات في الأسطورة- تموت حينما تترك النار، وكما يموت السمك حينما يخرج من الماء، وكما أن الوحوش- ذوات الأربع- تغرق إذا طُرحت في البحر، وكما أن الطيور إذا سقطت على الأرض يصطادها الصيادون، كذلك النفس التي لا تقيم في تلك “الأرض”، فإنها تختنق وتهلك، وإذا لم تكن تلك النار الإلهيّة هي طعامها وشرابها ولباسها، وهي تطهير لقلبها، وهي تقديس للنفس، فإن الأرواح الشريرة تأخذها وتدمرها. أما بالنسبة لنا، فلنفحص بغيرة وإخلاص، هل نحن قد تم زرعنا في تلك “الأرض” غير المنظورة وطُعمنا في الكرمة السماويَّة أم لا؟
أولاد الله – العظة الثالثة عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
العظة الثالثة عشر للقديس مقاريوس الكبير – أولاد الله – د. نصحى عبد الشهيد
أولاد الله – العظة الثالثة عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
“الثمرة التي ينتظرها الله من المسيحيين”
ثمر العهد الجديد:
كل الأشياء المنظورة قد خلقها الله، وأعطاها للبشر لأجل فرحهم وتنعمهم، وقد أعطاهم أيضًا ناموسًا للبر. ولكن منذ أن جاء المسيح إلى العالم، فإن الله يطلب ثمرة أخرى. وبرًا آخر، ونقاوة قلب وضميرًا صالحًا، وكلمات محبة وشفقة، وأفكارًا مقدسة صالحة، وكل تدبير سيرة القديسين. فالرب يقول “إن لم يزد برَّكم عن الكتبة والفريسيين فلن تدخلوا ملكوت السموات” (مت 5: 20) “مكتوب في الناموس، لا تزنِ، أما أنا فأقول لكم: لا تشتهِ، ولا تغضب” فمن يريد أن يكون صديقًا لله، وأخًا وابنًا للمسيح ينبغي أن يفعل شيئًا يفوق بقية الناس، أي أن يكرس قلبه وعقله (لله)، ويرفع إليه أفكاره.
وبهذه الطريقة فإن الله يعطي لقلبه- في الخفاء- حياة وعونًا، بل أن الله يستودع ذاته عينها لهذا الإنسان. فحينما يقدم الإنسان أموره الخفيّة لله، أي عقله وأفكاره، بحيث لا يشغل نفسه في أي اتجاه آخر، ولا يتحول بعيدًا عنه، بل يغصب نفسه لينحصر في الرب، فإن الرب حينئذٍ يحسبه أهلاً للأسرار السماويَّة بأعظم قداسة ونقاوة، ويعطيه الطعام السماوي والشراب الروحاني.
الخدم والأولاد:
وكما يحدث أن إنسانًا عنده خيرات عظيمة، وله أولاد كما أن عنده خدم، فهو يعطي للخدم نوعًا من الطعام يختلف عن الطعام الذي يعطيه لأولاده المولودين منه، لأن الأولاد هم ورثة أبيهم، ويأكلون معه، لأنهم يشبهون آباءهم. هكذا المسيح أيضًا، رب البيت الحقيقي، الذي خلق كل الأشياء بنفسه، فإنه ينعم على الأشرار وغير الشاكرين. وأما الأولاد، الذين ولدهم منه، والذين منحهم نعمته، والذين يتصور هو فيهم، هؤلاء يزودهم- أفضل من الآخرين- بتنعم وغذاء مخصوص طعامًا وشرابًا.
وإذ يذهبون مع يسوع والدهم في كل مكان، فإنه يعطيهم ذاته، كما يقول الرب “من يأكل جسدي، ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه” وأيضًا “لا يرى الموت” (يو 6: 56، 8: 51). فأولئك الذين يمتلكون الميراث الحقيقي، قد ولدوا كبنين للآب السماوي، ويقيمون في بيت أبيهم، كما يقول الرب: “العبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أما الابن فيبقى إلى الأبد” (يو 8: 35).
فإذا أردنا إذًا أن نُولد من الآب السماوي، فينبغي أن نفعل شيئًا يفوق ما يفعله سائر البشر، بالاجتهاد والجد والغيرة والمحبة، والسيرة الصالحة، وأن نكون في الإيمان ومخافة الرب، كأناس يشتهون الحصول على خيرات عظيمة بهذا المقدار، وأن نرث الله نفسه. كما يقول الكتاب “الرب هو نصيب ميراثي وكأسي” (مز 16: 5).
وهكذا إذ ينظر الرب قصدنا الصالح وصبرنا وثباتنا، فإنه يسكب رحمته علينا ويطهرنا من دنس الخطية، ومن تلك النار الأبديّة التي في داخلنا ويجعلنا مناسبين وملائمين للملكوت. والمجد لحنانه الرقيق، وللمسرة الصالحة التي ظهرت من الآب والابن والروح القدس. آمين.
أولاد الله – العظة الثالثة عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
“عن حالة آدم قبل تعديه وصية الله، وحالته بعد أن فقد صورته السماويَّة.. وتحتوي هذه العظة أيضًا على بعض أسئلة نافعة جدًا”.
إن آدم بتعديه الوصية، حدثت له كارثة مزدوجة.. فهو فقد نقاوة طبيعته التي كان حاصلاً عليها، والتي كانت جميلة على صورة الله ومثاله، ومن الجهة الأخرى فقد أيضًا تلك الصورة عينها التي كان سيرث بها كل الميراث السماوي بحسب الوعد..
فإذا افترضنا أن عملة ذهبية، عليها صورة الملك، قد خُتمت بختم مزيف، فإن العملة الذهبية تُعَد زائفة، والصورة التي كانت عليها تصبح بلا قيمة. هكذا كانت الكارثة التي حلَّت بآدم.. وإذا تصورنا ضيعة كبيرة تدر خيرات كثيرة: في أحد أركانها كرم مزدهر، وفي مكان آخر منها حقول مثمرة، وفي غيره مواشي وقطعان غنم، وفي موضع آخر ذهب وفضة، هكذا كانت ضيعة آدم. ثمينة جدًا قبل العصيان، وأقصد بالضيعة، إناء آدم الخاص.. ولكنه حينما قبل مقاصد وأفكار الشر ورحب بها، هلك من أمام الله..
ولكننا مع ذلك لا نقول إن كل شيء قد ضاع وتلاشى ومات.. بل أنه مات عن الله، ولكنه ظل حيًا بالنسبة إلى طبيعته.. فها عالم البشر كله كما نراه، يسعى في الأرض، يشتغل ويعمل.. ولكن الله ينظر إلى أفكارهم وتصوراته فيصرف النظر عنهم وليس له شركة معهم، لأنهم لا يفكرون فيما يرضي الله، وكما أن الأتقياء إذا مروا أمام البيوت ذات السمعة القبيحة، والأماكن التي ترتكب فيها الفحشاء والفسق، فإنهم ينفرون منها ويرفضون مجرد النظر ناحيتها.
لأن هذه الأمور هي موت في نظرهم. هكذا فإن الله يغض النظر عن أولئك الذين تمردوا على كلمته وعصوا وصيته فتعبر عينيه عليهم ولكنه لا يكوق في شركة معهم.. ولا يستطيع الرب أن يجد راحة في داخل أفكارهم..
النعمة والمسكنة بالروح:
سؤال: كيف يستطيع الإنسان أن يكون مسكينًا بالروح وخاصة حينما يشعر في نفسه أن حياته قد تغيَّرت وحصل له نمو روحي، وحصل على معرفة وفهم لم يكن يملكها قبل ذلك؟.
الجواب: قبل أن يحصل الإنسان على هذه البركات وينمو في النعمة لا يكون مسكينًا بالروح.. ولكنه يظن أنه شيء، ولكن حينما يأتي إلى الفهم الروحي وينمو ويتقدم فإن النعمة نفسها تعلمه أن يكون مسكينًا بالروح، وهذا معناه أن هذا الإنسان رغم كونه بارًا ومختارًا من الله، فهو لا يحسب نفسه شيئًا، بل يحفظ نفسه في اتضاع وإنكار لذاته، كأنه لم يعرف شيئًا ولا يملك شيئًا رغم أنه يعرف ويملك.. وهذا قانون طبيعي ثابت في عقل البشر.. ألا ترى كيف أن أبانا إبراهيم، المختار من الله وصف نفسه بأنه “تراب ورماد” (تك 18: 27)، وداود بعدما مسح ملكًا، وكان الله معه ماذا قال؟ لقد قال: “أما أنا كدودة لا إنسان. عار عند البشر ومحتقر الشعب” (مز 22: 6)..
روح واحد وطريق واحد:
لذلك أولئك الذين يريدون أن يكونوا وارثين مع هؤلاء ومواطنين معهم في المدينة السماويَّة، وأن يكونوا ممجدين معهم، ينبغي أن يكون لهم تواضع العقل هذا، ولا يظنوا أنفسهم شيئًا بل يحتفظوا بقلبٍ منسحق.. ورغم أن النعمة تعمل بطريقة خاصة في كل مسيحي على حدة، وتعمل أعمالاً متنوعة في الأعضاء، إلاَّ أن جميع الأعضاء هم من مدينة واحدة، ولهم فكر واحد وقلب واحد، ولسان واحد، ويعرفون بعضهم بعضًا..
وكما أن الجسد له أعضاء كثيرة، ولكن نفسًا واحدة تعمل في جميع الأعضاء وتحركها، كذلك أيضًا فإن الروح الواحد يعمل أعمالاً متنوعة في جميع الأعضاء ويحركها، ولكنهم جميعًا من مدينة واحدة، وطريق واحد.. فكل الأبرار سلكوا الطريق الضيق الكرب، واضطُهدوا وعُذِّبوا وشُتِموا، “وطافوا في جلود غنم وجلود ماعز تائهين في مغاير وشقوق الأرض (عب 11: 37-38).. والرسل أيضًا قالوا “إلى هذه الساعة نجوع ونعطش ونُعرى ونُلكَم وليس لنا إقامة” (1 كو 4: 11)، والبعض منهم قُطعت رؤوسهم وبعضهم صُلبوا وآخرون عُذبوا بطرقٍ مختلفة.. بل أن الرب نفسه.
رب الأنبياء والرسل. كيف كانت سيرته في هذا العالم.. لقد سلك وكأنه قد نسى مجده الإلهي.. وصار مثالاً لنا، وألبسوه إكليل الشوك باستهزاء وعار، واحتمل البصق واللطم والصلب..
فإن كان الله قد سلك هكذا على الأرض فينبغي عليك أنت أن تتمثل به.. والرسل والأنبياء هكذا سلكوا أيضًا، ونحن إذا أردنا أن نكون مبنيين على أساس الرب ورسله، فينبغي أن نتمثل به، فقد قال الرسول بالروح القدس: “تمثلو بي، كما أنا أيضًا بالمسيح” (1 كو 11: 1)..
ولكن إن كنت تحب كرامات البشر، وتود أن يسجد لك الناس وتطلب الراحة، فإنك تتحول تمامًا عن الطريق.. إنه يليق بك أن تُصلب مع المصلوب، وتتألم مع ذلك الذي تألم لكي تتمجد أيضًا معه.. لأنه لابد للعروس أن تتألم مع العريس، وهكذا تصير شريكة ووارثة مع المسيح.. بدون الآلام وبغير الضيقة الكربة، لا يكون دخول إلى مدينة القديسين حيث الوجود في الراحة والمُلك مع المَلك ذاته إلى أبد الدهور..
الروح القدس وخلقة الإنسان:
سؤال: لقد قلت إن آدم فقد صورته الخاصة والصورة السماويَّة أيضًا.. فهل كان فيه الروح القدس حينئذٍ لأنه كان مشتركًا في الصورة السماويَّة؟..
الجواب: طالما أن كلمة الله كان معه وكانت له الوصية، فقد كان له كل شيء.. والكلمة نفسه كان ميراثًا له، وكان لباسًا له، وكان هو (الكلمة) مجده الذي يغطيه ويستره (إش 4: 5).. وكان هو معلمه.. فقد ألهمه أن يعطي أسماء لكل الأشياء “تدعو هذه السماء، وهذه الشمس، وهذا القمر، وهذه الأرض، وهذا طير، وذلك وحش، وهذه شجرة” وكما كان آدم يتعلَّم من الكلمة هكذا سمَّى الأشياء جميعها..
سؤال: ولكن هل كان لآدم اختبار الروح وشركته؟.
الجواب: الكلمة نفسه بحضوره مع آدم، كان كل شيء بالنسبة له، سواء كان معرفة أو اختبارًا، أو ميراثًا أو تعليمًا وإرشادًا.. إذ ماذا يقول يوحنا عن الكلمة؟ “في للبدء كان الكلمة” فأنت ترى أن الكلمة هو كل شيء وكائن قبل كل شيء.. فإن كان لآدم (قبل السقوط) مجد خارجي حاضر معه فلا نستغرب أو نعثر من ذلك عندما يقول الكتاب: أنهما كانا عريانين وهما لا يخجلان فلما تعديا الوصية انفتحت أعينهما ورأيا أنهما عريانان فخجلا واختبئا من الله (تك 2: 25-3: 7، 10)..
سؤال: فهل كانا قبل السقوط لابسين مجد الله عوضًا عن ثوب؟
الجواب: كما كان الروح يجري عمله في الأنبياء ويعلِّمهم وكان في داخلهم ويظهر لهم من الخارج، هكذا أيضًا كان الحال مع آدم.. فالروح، حسبما يشاء، كان يحضر معه ويعلِّمه، ويشير عليه “تكلم هكذا” وهكذا كان يسير ويتكلم.. لأن الكلمة كان له كل شيء، وطالما كان ثابتًا في الوصية فقد كان صديقا لله.. ولكن لماذا نستغرب أنه بالرغم من كل هذه الأحوال التي كان فيها آدم، فقد تعدَّى الوصية؟ فإن أولئك الذين يمتلئون الآن بالروح القدس، لا تزال تأتيهم أفكار من طبيعتهم، ولهم الإرادة أن يطيعوها، فكذلك آدم رغم أنه كان حاضرًا مع الله في الفردوس فقد تعدَّى الوصية بإرادته وأطاع الجانب الشرير.. ولكن بعد عصيانه لا تزال عنده معرفة..
المعرفة بعد السقوط:
سؤال: أي نوع من المعرفة هذه؟
الجواب: حينما يحضر المجرم إلى ساحة القضاء وتبدأ المحاكمة ويسأله القاضي قائلاً “حينما ارتكبت هذه الشرور ألم تكن تعلم أنك ستكون معرضًا لأن تجازى عنها ويُحكم عليك بالموت؟”.. فإنه لا يكون له وجه أن يقول لا.. فإنه كان يعرف، وحينما تبدأ العقوبة يتذكر كل شيء ويقر به جهرًا، والزاني أيضًا ألا يعرف أنه يفعل شرًا؟ والسارق ألا يعلم أن ما يفعله خطيئة؟ إذن فحتى من خارج الكتب المقدسة يعرف الناس بالضمير الطبيعي الذي فيهم أن الله موجود..
إنهم لا يستطيعون أن يقولوا في ذلك اليوم (يوم الدينونة) “نحن لم نكن نعرف أنك أنت الإله” فهو يقول لهم: “ألم تعرفوا البروق والرعود التي من السماء، وإنه يوجد إله فوق كل الخليقة؟” وإلاَّ فلماذا إذن تصرخ الشياطين “أنت هو ابن الله لماذا أتيت قبل الوقت لتعذبنا؟” (مت 3: 11-8: 29) وحتى الآن فإن الشياطين يصرخون عند قبور الشهداء قائلين “أنتم تحرقوننا، أنتم تحرقوننا” فآدم وحواء قبل السقوط لم يكونا قد عرفا شجرة معرفة الخير والشر، ولكن معصية آدم جعلت له هذه المعرفة..
أن كل واحد يبدأ أن يسأل ويستقصي عن حالة آدم التي كان فيها قبل سقوطه، وماذا حدث له؟
إن آدم نفسه نال معرفة الخير والشر.. فنحن نعرف من الكتاب المقدس، إنه كان في حالة كرامة ونقاوة، ولكنه بتعدِّي الوصية طُرد من الفردوس وحل عليه غضب الله.. وهكذا بدأ يتعلم ما هي الأشياء الصالحة له وما هي الأشياء الشريرة لكي يحترس منها، حتى لا يعود يخطيء أكثر ويسقط في دينونة الموت.. والآن نحن نعرف أن كل الخليقة هي تحت حكم الله.. فهو الذي خلق السماء والأرض والحيوانات والزحافات والوحوش.. ونحن نرى كل هذه المخلوقات، ولكننا لا نعرف عددها.. وأي إنسان يستطيع أن يعرف عددها؟ إن الله وحده الذي هو في كل شيء هو يعرف حتى أجنة الحيوانات التي لم تولد بعد، أفلا يعرف بالأحرى الأشياء التي تحت الأرض والتي فوق السموات؟..
عجز العقل عن إدراك أعماق الله:
فلنترك إذًا هذه الأمور، ونطلب بالحري- مثل التجار- كيف نحصل على الميراث السماوي ونمتلكه، ونحصل على النصيب والميراث الذي لا يضيع أو ينزع منا، بل يدوم معنا.. فإن كنت وأنت مجرد إنسان تفتش في أفكار الله لتفحصه وتقول “لقد اكتشفت شيئًا وأدركته” فبذلك تجعل عقلك البشري فائقًا على أفكار الله.. ولكنك في هذا الأمر تخطيء خطأً عظيمًا، وبقدر ما تشتهي أن تبحث وتفتش لتدخل إلى أعماق المعرفة، بقدر ذلك تخرج من العمق وتفشل في أن تفهم شيئًا..
إن هذه التساؤلات التي تتحرك في عقلك من نحو العمل، الذي يعمله الله يومًا فيومًا وكيف يعمله، إنما هي أمور تفوق كل تعبير وكل إدراك، وأنك لا تستطيع أن تفعل شيئًا سوى أن تقبل عطاياه بقلب شاكر وبإيمان.. هل استطعت أن تعرف شيئًا عن روحك منذ وقت ولادتك حتى الآن؟.. إن كان كذلك فأعلن لي الأفكار التي تنبع في داخلك من أول الصباح إلى المساء.. أخبرني بأفكارك كلها خلال ثلاثة أيام متتالية.. إنك لا تستطيع هذا.. فإن كنت لا تستطيع أن تدرك أفكار نفسك الخاصة، فكيف تستطيع أن تفحص وتدرك أفكار الله وعقله..
أتريد أن تأكل خبزا كثيرًا بقدر ما تجد فاذهب إذن وكُلْ واترك الأرض الواسعة لحال سبيلها، اذهب إلى شاطيء النهر واشرب قدر ما تحتاج، وامضي في طريقك، ولا تطلب أن تعرف من أين يأتي النهر أو كيف يتدفق ويفيض؟.. اِسع بكل جهدك لتشفي قدمك أو مرض عينك، لكي تستطيع أن ترى نور الشمس ولا تفحص عن مقدار النور الذي تحتويه الشمس ولا إلى أي علو في السماء ترتفع..
واتخذ من الحيوانات ما هو نافع ومفيد لحاجتك، ولا تتجول في الجبال لتبحث عن الحمير الوحشية أو غيرها من الوحوش الساكنة هناك.. ألا ترى الطفل وهو يقترب من ثدي أمه فيرضع اللبن ويشبع ولكنه لا يفتش عن مصدر اللبن ولا من أين ينبع.. فإنه يرضع اللبن ويفرغ الثدي، وبعد مرور فترة من الوقت يمتليء الثدي ثانية، فالطفل لا يعرف شيئًا عن كيفية حدوث هذا الأمر ولا حتى الأم، مع أن اللبن يؤخذ من دمها وجميع أعضائها.
الله في كل مكان وفي داخلنا:
فإن كنت تطلب الرب في العمق فهناك تجده.. وإن طلبته في المياه فهناك تجده “صانعًا عجائب” (خر 15: 11) وإن فتشت عنه في الجب فهناك تجده حارسًا لدانيال البار وسط الأسود، وإن فتشت عنه في النار فهناك تجده حافظًا عبيده الفتية الثلاثة.. وإن سألت عنه على الجبل فهناك تجده مع إيليا وموسى.. فهو في كل مكان تحت الأرض وفوق السموات بل وفي داخلنا أيضًا.. نعم إنه في كل مكان.. كما أن نفسك أيضًا هي قريبة منك، في داخلك وفي خارجك، لأنك إلى حيث تشاء أن تذهب إلى بلاد بعيدة فهناك يكون عقلك، سواء ناحية الغرب أو ناحية الشرق أو نحو السماء فهناك يذهب عقلك.
النصيب الذي تختاره الآن يظهر يوم الدينونة:
فلنسع ولنهتم فوق كل شيء أن يكون لنا سمة وختم الرب مطبوعًا على قلوبنا في الداخل، لأنه في يوم الدينونة حينما يستعلن غضب الله وتجتمع كل قبائل الأرض، أي أن كل جنس البشر يجتمعون معًا، فحينئذٍ يدعو الراعي الصالح رعيَّته الخاصة، وكل الذين لهم السمة والختم في داخلهم سيعرفون راعيهم، والراعي يعرف أولئك الذين فيهم ختمه، ويجمعهم معًا من كافة الأمم.. فهؤلاء الذين هم له، أي خاصته، يسمعون صوته ويتبعونه.. إن العالم ينقسم إلى قسمين، قطيع مظلم يمضي إلى النار الأبديّة، وقطيع ممتليء نورًا ويذهب إلى الراحة السماويَّة.. فما نختاره ونمتلكه ويكون نصيبنا من الآن في داخل نفوسنا هو بنفسه الذي سيضيء ويظهر ويستعلن ويكسو أجسادنا بالمجد في اليوم الأخير..
وكما أنه في موسم شهر نيسان (أبريل أي فصل الربيع) تُخرج الجذور المدفونة في الأرض ثمارها، وتظهر أزهارها بجمال عظيم، وتظهر الجذور الجيدة التي تحمل الثمار والزهور، كما تظهر تلك الجذور التي تخرج شوكًا، هكذا أيضًا في ذلك اليوم، يظهر على جسد كل إنسان واضحًا ما كان يعيش فيه ويفعله وهو في الجسد.. الأشياء الصالحة والشريرة كلاهما يظهران في ذلك اليوم.. وعلى هذا الأساس تكون الدينونة والمجازاة..
الطعام السماوي:
يوجد طعام آخر غير هذا الطعام المنظور.. فحينما صعد موسى على الجبل صام أربعين يومًا وهو لم يكن أكثر من إنسان، ولكنه نزل من الجبل ممتلئًا بالله.. وها نحن نرى في أنفسنا أننا إذا لم نسند الجسد بالأطعمة فإنه يضعف خلال فترة وجيزة، ومع ذلك حينما صام موسى أربعين يومًا نزل من على الجبل وهو مملوء قوة أكثر من جميع الشعب.. وذلك لأنه كان يتغذى من الله وكان جسده يقتات بطعام آخر- طعام سماوي..
إن كلمة الله صار طعامًا له ونال منه مجدًا أضاء في وجه موسى.. وهذا الذي حدث لموسى كان مثالاً ورمزًا.. فهذا المجد الإلهي يضيء الآن في داخل قلوب المسيحيين، ثم في القيامة ستتغطى أجسادهم بكساء مجد إلهي، وتقتات بطعام سماوي..
معنى تغطية الرأس في الصلاة:
سؤال: ما معنى أن المرأة لا تصلي إلاَّ ورأسها مغطى؟
الجواب: في عصر الرسل كانت عادة النساء (عند الأمم) أن يتركن شعور رؤوسهن محلولة كبرقع أو كغطاء، ولهذا لما جاء الرب ورسله إلى الناس علموهم الوقار والتعقل بأن تغطي المرأة رأسها وقت الصلاة.. كما أن المرأة يقصد بها هنا أن تكون رمزًا للكنيسة.. فبينما كانت النساء في تلك الأيام يرخين شعورهن بدلاً من البرقع فإن الكنيسة تكسو أولادها بملابس وأغطية إلهيّة مجيدة.
وفي العهد القديم (في كنيسة إسرائيل) كانت الجماعة واحدة وكان الروح يغطي الخيمة بمجد رغم أنهم هم أنفسهم لم يكونوا حسب الروح، أما الآن فإن كلمة “كنيسة” تستعمل عن النفس بمفردها كما تستعمل عن الجماعة، لأن النفس تجمع كل أفكارها وملكاتها وتصير كنيسة لله. فالنفس جُعلت وكونت لتليق لعِشرة العريس السماوي وتكون لها شركة مع الإله السماوي، وهذا ينبغي أن يفهم عن النفس بمفردها كما على الكنيسة بجملتها. ولذلك يقول النبي عن أورشليم: “وجدتك مطروحة وعارية وألبستك مطرَّزة” (حز 16: 7-10) وهكذا يتكلم كأنه يخاطب شخصًا واحدًا..
مريم ومرثا والنصيب الصالح:
سؤال: ما معنى قول مرثا للرب عن مريم “إني مجتهدة في خدمة كثيرة بينما هي جالسة عند قدميك” (لو 10: 39-40)؟
الجواب: إن ما كان يجب أن تجيب به مريم مرثا، سبق الرب وأجابها به وقال إنها قد تركت كل شيء وجلست عند قدمي الرب، وصرفت النهار كله في تسبيح الله، وهكذا فإن جلوسها كان بسبب المحبة. ولكن لكي تتضح كلمة الله أكثر، انصتوا لما أقول. إن أي إنسان يحب يسوع، ويلازمه بغيرة وبحب وليس بطريقة عابرة، بل يلتصق به ويثبت فيه بمحبة شديدة، فإن الله يسبق ويرتب لمثل هذه النفس، لتنال جزاءً لمحبتها، رغم أن الإنسان لا يكون قد عرف حينئذٍ ما الذي سيناله من الله، أو ما هو النصيب الذي سيهبه الله للنفس.
فحينما أحبته مريم جلست عند قدميه فإن العطية التي وُهبت لها لم تكن موهبة مؤقتة، بل قد أفاض في داخلها نعمة خفية من ذات طبيعته، والكلمات التي تكلم بها، في سلام، إلى مريم كانت كلها روحًا، وقوة، ولما دخلت هذه الكلمات في قلبها، صارت نفسًا في نفسها وروحًا في روحها، وملأت القوة الإلهيّة قلبها، وحيثما تحل هذه القوة فهي تبقى هناك على الدوام، كميراث ونصيب لا يمكن أن يُنزع، لهذا السبب، فإن الرب الذي يعرف عطيته لها قال:
“إن مريم اختارت النصيب الصالح الذي لا يُنزع منها” (لو 10: 42) ولكن بعد ذلك بفترة، فإن ما فعلته مرثا بغيرة واجتهاد في طريق الخدمة، أدخلها كذلك إلى نفس تلك النعمة. فنالت هي أيضًا تلك القوة الإلهيّة في نفسها.
الحق يُظهر ذاته للنفوس المؤمنة:
ولماذا نتعجب من أولئك الذين أتوا إلى الرب واتصلوا به شخصيًا فنالوا قوته، إذ أن الرسل حينما كانوا يبشرون بالكلمة، كان الروح القدس يحلّ على أولئك الذين يؤمنون، وكرنيليوس نال القوة من الكلمة التي سمعها، فكم بالحري جدًا حينما يتكلم الرب إلى مريم، أو إلى زكا، أو إلى المرأة الخاطئة، التي حلت شعرها ومسحت قدمي الرب، أو إلى المرأة السامرية أو اللص، أفلا تخرج القوة من الرب ويعمل الروح القدس في نفوسهم.
وحتى الآن فأولئك الذين يحبون الله ويتركون كل الأشياء لأجله، ويواظبون على الصلاة، فإن الروح يعلمهم سرًا الأمور التي لم يكونوا يعرفونها. والحق نفسه يظهر لهم، بحسب اشتياقهم ورغبتهم فيه، ويعلمهم قائلاً: “أنا هو الحق” (يو 14: 6).
إن الرسل أنفسهم قبل الصليب، بملازمتهم للرب، رأوا آيات عظيمة- كيف كان البُرَّص يتطهرون، والموتى يقومون، ولكنهم لم يكونوا يعرفون حينئذٍ، كيف تدخل القوة الإلهيّة وتخرج وتعمل عملها في القلب، وكيف يولدون ثانية بالروح، ويشتركوا مع الروح السماوي ويصيروا خليقة جديدة. ولكنهم أحبوا الرب بسبب ما لمسوه من تأثير وآيات. والرب قال لهم: “لماذا تتعجبون من الآيات، إني أعطيكم ميراثًا عظيمًا لا يملك العالم كله مثله”.
إن كلماته كانت تبدو غريبة بالنسبة لهم، إلى أن قام من بين الأموات وصعد بالجسد إلى أعلا السموات من أجلنا، وبعد ذلك انسكب الروح المعزي ودخل في نفوسهم، واختلط بهم، والحق نفسه يظهر ذاته في النفوس المؤمنة، والإنسان السماوي- أي الرب- يأتي ليكون مع الإنسان الذي هو أنت. ويصير في شركة معك.
فجميع الذين يعطون أنفسهم ليخدموا، وبغيرة يفعلون كل شيء باجتهاد وإيمان ومحبة لله، فإن نفس هذه الخدمة تدخلهم، بعد فترة من الوقت، إلى معرفة الحق ذاته. لأن الرب ينكشف لنفوسهم، ويعلمهم طرق الروح القدس.. فالمجد والسجود للآب والابن والروح القدس، إلى الأبد. آمين.
نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الحادية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الحادية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد
العظة الحادية عشر للقديس مقاريوس الكبير – نار الروح وفداء المسيح للنفس – د. نصحى عبد الشهيد
“إن قوة الروح القدس في قلب الإنسان المسيحي هي كالنار، وما هي
الأشياء التي نحتاجها لكي نميِّز الأفكار التي تنشأ داخل القلب. وعن الحيَّة
الميّتة التي رفعها موسى وثبتها على الساري في البريَّة، والتي كانت رمزًا
للمسيح. وتحتوي هذه العظة أيضًا على تصور لمحاورتين: واحدة بين
المسيح والشيطان، والأخرى بين الخطاة والشيطان”.
النار الإلهيّة وتجديد النفس:
أن تلك النار السماويَّة، نار اللاهوت، التي ينالها المسيحيون في قلوبهم الآن وهم في هذا العالم الحاضر، هذه النار نفسها التي تعمل في قلوبهم من الداخل، سوف تصير ظاهرة من الخارج حينما ينحل ويتحلَّل الجسد، ثم تجمع الأعضاء ثانية وتسبب (هذه النار) قيامة الأعضاء التي كانت قد انحلَّت واضمحلَّت.. فكما أن النار التي كانت تتقد على المذبح في أورشليم، ظلَّت مدفونة في حفرة أثناء فترة السبي.
وعندما حلَّ السلام ورجع المسبيون إلى أورشليم، تجدَّدت هذه النار نفسها واشتعلت كما كانت سابقًا قبل السبي (انظر 2 مكابيين 1: 19-22)، هكذا الآن أيضًا فإن النار السماويَّة تعمل في هذا الجسد الذي ألفناه- هذا الجسد الذي في انحلاله (بالموت) يتحول إلى نتانة وقذارة- فتجدِّد هذا الجسد وتقيمه بعد أن يكون قد اضمحل وفسد.. أن النار الداخلية التي تسكن الآن في القلب سوف تستعلن حينئذٍ من الخارج، وتتم قيامة الجسد.
ونار الأتون التي أوقدها نبوخذ نصَّر لم تكن نارًا إلهيّة، بل مخلوقة، ولكن الثلاثة فتية الذين بسبب برّهم طُرحوا في الأتون، هؤلاء بينما كانوا في وسط النار المنظورة، فقد كانوا حاصلين في قلوبهم على النار الإلهيّة السماويَّة عاملة في داخل أفكارهم وفاعلة بقوتها فيهم.. وهذه النار السماويَّة كشفت نفسها من الخارج أيضًا.. فحجزت بينه وبين النار المنظورة في الأتون وأوقفتها حتى لا تحرق الأبرار، ولا تؤذيهم بأي نوع من الأذى..
وكذلك حينما مال عقل شعب إسرائيل وأفكارهم بعيدًا عن الله الحيّ وتحولوا إلى عبادة الأوثان، فقد ألزموا هارون بأن يجمع أوانيهم وحليّهم الذهبية وقال هارون لموسى أنه لمَّا طرح الحلي الذهب في النار تحولت إلى صنم كما لو أن النار قد صوَّرت ما في نيتهم وكان هذا كأمر غريب.. فإنهم في نيتهم وأفكارهم تحولوا وزاغوا إلى عبادة الصنم، وبحسب رغبتهم وقصدهم شكَّلت النار من حليّهم عجلاً مسبوكًا من صناعتهم وعبدوه وسجدوا له جهرًا (خر 32: 2-24، 9)..
وكما أن الثلاثة فتية كان لهم أفكار البر، فقبلوا نار الله في داخلهم وعبدوا الرب بالحق كذلك الآن فإن النفوس المؤمنة تنال النار الإلهيّة السماويَّة في إنسانها الداخلي، وهي في هذا العالم، وتلك النار نفسها تطبع صورة سماوية في طبيعتهم البشريّة.
وكما أن النار صوَّرت الأواني الذهبية فصارت صنمًا، فكذلك الرب يحقق ويتمم مقاصد النفوس المؤمنة الصالحة، ويطبع ويصوِّر في النفوس منذ الآن الصورة السماويَّة الجديدة بحسب رغبتهم وشهوتهم، وهذه الصورة هي التي ستظهر في القيامة من الخارج، وتمجّد أجسادهم من الداخل ومن الخارج.. وكما أن الأجساد في هذا الزمان تضمحل وتموت وتتحلل، هكذا تفسد الأفكار بعمل الشيطان، وتموت عن الحياة الحقيقيّة وتدفن في الطين والتراب لأن نفوسهم تهلك..
وكما أن الإسرائيليين طرحوا الأواني الذهبية في النار فصارت صنمًا، كذلك الإنسان الآن قد سلَّم أفكاره النقيّة الصالحة للشر، فاندفنت في وحل الخطية وصارت صنمًا.. وما الذي يفعله الإنسان حتى يكتشفها ويعرفها ويميِّزها ويطرحها بعيدًا عن ناره الخاصة؟.. هنا تحتاج النفوس إلى المصباح الإلهي، وهو الروح القدس، الذي ينير ويجدد البيت المظلم.. إن النفوس تحتاج إلى شمس البرّ الساطعة، التي تضيء وتشرق على القلب وهي السلاح الذي تكسب به المعركة.
وفي حالة تلك المرأة التي أضاعت الدرهم، فإنها أوقدت المصباح أولاً، وبعد ذلك كنست البيت، وهكذا إذ كنست البيت والمصباح مشتعل، فقد وجدت الدرهم المفقود، مدفونًا في التراب والوسخ..
هكذا النفس أيضًا، لا تستطيع من ذاتها أن تجد أفكارها وتميِّزها، وتحرِّرها، ولكن حينما يوقد المصباح الإلهي فإنه ينير البيت المظلم، وحينئذٍ تنظر النفس أفكارها، وكيف كانت مدفونة في وحل ووسخ الخطية. وتشرق الشمس وترتفع فترى النفس حينئذٍ هلاكها وتبدأ في استرداد أفكارها التي كانت مشتتة ومختلطة بالوسخ وعدم الطهارة، لأن النفس في الحقيقة كانت قد طُمست صورتها حين خالفت الوصية.
الخليقة استعبدت مع الإنسان:
وإذا حدث أن ملكًا له خيرات وخدم تحت سلطانه يخدمونه، قد أخذه أعداؤه أسيرًا، فإنه حينما يُؤسر ويبعد عن مملكته، فإن خدامه وعبيده يتبعونه في أسره.. وهذا ما حدث لآدم، فإن الله خلقه نقيًا لخدمته وعبادته، وكل هذه المخلوقات أُعطيت له لخدمة احتياجاته، وجعله الله سيدًا وملكًا على جميع المخلوقات.. ولكن حينما جاءته الكلمة الشريرة (كلمة إبليس) وتحدث معها، قابلها أولاً بالسمع الخارجي، ثم نفذت إلى داخل قلبه وملكت على كل كيانه.. وحينما أُسر وأُمسك هكذا، فإن الخليقة التي كانت تخدمه وتلازمه أُمسكت وأُسرت معه.. وعن طريق آدم ملك الموت على كل نفس، وطُمست الصورة الإنسانية الكاملة نتيجة العصيان، حتى أن جنس البشر تحولوا وصاروا يعبدون الشياطين..
ويا للأسف فإن ثمار الأرض التي خلقها الله حسنة صارت تقدم للشياطين. فإنهم يضعون على مذابحهم خبزًا وخمرًا وزيتًا، بل ويقدمون ذبائح الحيوانات أيضًا وليس ذلك فقط، بل صاروا يقدمون بنيهم وبناتهم ذبائح للشياطين (مز 106: 37).
المسيح يجدد النفس ويعيد الخلقة:
ولذلك فقد جاء الذي خلق النفس والجسد، أي المسيح، جاء بشخصه وأبطل كل عمل الشرير، وكل أفعاله التي عملها في أفكار البشر، وجدَّد وأعاد خلقة الصورة السماويَّة، لكي يصنع تجديدًا للنفس، لكي يعود آدم مرة أخرى ملكًا وسيدًا على الموت.. وفي ظلال الناموس سمى موسى مخلِّصًا لإسرائيل لأنه أخرجهم من مصر وكذلك الآن فإن المسيح المخلِّص والمحرِّر الحقيقي، يدخل إلى مكامن النفس الخفيّة ويخرجها من ظلمة مصر، ومن النير الثقيل والعبودية القاسية المُرَّة.. ولذلك فهو يأمرنا، أن نخرج من العالم ونصير فقراء في الأمور الماديّة المنظورة ولا نهتم بالاهتمامات الأرضيّة، بل نقف ليلاً ونهارًا على الباب وننتظر الوقت الذي يفتح فيه الرب القلوب المغلقة ويسكب علينا موهبة الروح القدس.
ولذلك فقد أخبرنا أن نترك الذهب والفضة والأقرباء، ونبيع كل مالنا ونوزع على الفقراء وبذلك يكون لنا كنز في السماء “لأنه حيث يكون كنزك فهناك يكون قلبك أيضًا” (مت 6: 21) فالرب يعلم أن الشيطان يسود على الأفكار من هذه الناحية، ليهبط بها إلى الاهتمام والقلق على الأمور الماديّة والأرضيّة.. لهذا السبب فإن الله لأجل عنايته واهتمامه بنفسك، قد أخبرك أن تتخلى عن الكل حتى تستطيع أن تطلب الخيرات والكنوز السماويَّة، وتحفظ قلبك منقادًا ومشتاقًا لله، لأنك حتى لو ملت ورغبت أن ترجع إلى الأشياء الماديّة فإنك لا تجد شيئًا تملكه، وبذلك فإنك تضطر، شئت أو لم تشأ، أن تلجأ بعقلك نحو السماء حيث كنزت كنزك ووضعته، لأنه حيث يكون كنزك فهناك يكون قلبك أيضًا.
الحيَّة النحاسية والمسيح المصلوب:
لقد أمر الله موسى- في الشريعة- أن يصنع حيَّة من نحاس ويرفعها ويثبتها على رأس ساري فكان كل من لدغته الحيات ينال الشفاء بمجرد تثبيت نظره على الحيَّة النحاسية ولقد صنع موسى هذا بتدبير وقصد إلهي، حتى أن أولئك المعاقين بالاهتمامات الأرضيّة، وعبادة الأصنام، ولذات الشيطان، وكل أنواع الشر، (هذه الأشياء هي سم الحيات)- فإنهم بهذه الوسيلة يتطلعون إلى أعلى، إلى ما هو فوق إلى الأمور السمائيَّة وإذ يبتعدون بنظرهم عن الأشياء السفلية فترة من الوقت فإنهم يعطون اهتمامهم لما هو أعلى وأسمى، وهكذا يتقدمون رويدًا رويدًا إلى ما هو أعلى وأكثر سموًا لكي يعرفوا ويتعلموا ذلك الذي هو الأعلى جدًا والأسمى جدًا والفائق على كل الخليقة..
وهكذا فقد أمرك بالمثل أن تصير فقيرًا، وتبيع كل شيء وتعطي للفقراء، حتى أنك فيما بعد إذا أردت أن تنزل بأفكارك إلى أسفل إلى الأرضيات، فإن الأمر يكون غير مستطاع لديك. لذلك فإنك تبتديء تفحص قلبك وتحاور أفكارك وتقول “حيث إنه ليس لنا شيء على الأرض فلنتجه بقلوبنا نحو السماء، حيث يوجد كنزنا، وحيث يوجد شغلنا وربحنا” وهكذا يبتديء قلبك أن يرفع نظره إلى فوق، لطلب السماويَّات- يطلب ما هو فوق- وإذ تفعل هكذا فإنك تنمو في الروح.
ولكن ما المقصود بالحيَّة الميتة؟ الحيَّة المثبتة على رأس الساري كانت تشفي أولئك الذين لدغتهم الحيات. فالحيَّة النحاسيَّة التي بلا حياة قد أبطلت فعل سم الحيات التي فيها حياة. وهذا رمز إلى جسد الرب. فالجسد الذي أخذه من العذراء مريم الدائمة البتولية، قد قدمه على الصليب، وعقله هناك مثبتًا على الخشبة، وهذا الجسد المائت على الصليب غلب وقتل الحيَّة التي تعيش وتزحف داخل القلب.
هو أعجوبة عظيمة كيف أن حيَّة مائتة ذبحت الحيّ، ولكن كما أن موسى صنع أمرًا جديدًا لما عمل حيَّة من نحاس، هكذا الرب أيضًا قد صنع شيئًا جديدًا من العذراء مريم، ولبس هذا الجسد بدلاً من أن يحضر معه جسدًا من السماء فالروح السماوي دخل في الطبيعة الإنسانية وعمل فيها، وجعلها تدخل في شركة مع اللاهوت إذ لبس الجسد البشري الذي صوره وشكله في بطن العذراء. وكما أن الرب لم يأمر بصنع حيَّة من نحاس في العالم إلاَّ في عهد موسى، هكذا أيضًا لم يظهر في العالم جسد بلا خطية إلاَّ جسد الرب يسوع. لأنه حينما تعدى آدم الأول الوصية، ملك الموت وتسلط على جميع أبنائه بدون استثناء ولذلك جاء الرب وغلب بجسده المصلوب الحيَّة العائشة.
وهذا الأمر العجيب “هو لليهود عثرة ولليونانيين جهالة” (1 كو 1: 23) ولكن ماذا يقول الرسول؟.
يقول: “ولكننا نكرز بيسوع المسيح وإياه مصلوبًا، وهو لليهود عثرة ولليونانيين جهالة وأما عندنا نحن المخلَّصين فنكرز بالمسيح قوة الله وحكمة الله” (1 كو 1: 23-24)، (1 كو 2: 2) لأن الحياة هي في الجسد المائت على الصليب. هنا الفداء، هنا النور.
تصور محاورة بين المسيح وسلطان الموت:
هنا يأتي الرب إلى الموت ويحاوره ويأمر سلطان الموت أن يُخرج النفوس من الجحيم والموت، ويردها إليه. وكأن الموت قد انزعج من أمر الرب، وكأنه يذهب إلى خدامه ويجمعهم معًا مع كل قواته ويأتي رئيس الشر بوثيقة الدين وكأنه يقول: “انظر فإنهم قد أطاعوا كلماتي، انظر كيف صار بني البشر عبيدًا لنا”. ولكن الرب لكونه ديَّان عادل يظهر عدله هنا أيضًا.
وكأنه يقول للشيطان: “إن آدم قد أطاعك وأنت قد امتلكت قلوب كل البشر، وكل البشريّة أطاعتك ولكن ما الذي يفعله جسدي هنا، إن جسدي هو بلا خطيئة وإن كان جسد آدم الأول قد صار تحت سلطانك ولك الحق أن تستعبده بسبب الخطيئة، ولكن من جهتي أنا فالجميع يشهدون أني لم أخطيء قط، ولذلك ليس لك فيَّ شيء بالمرَّة، بل الكل يشهدون أني ابن الله، وقد جاء الصوت من أعلى السموات وشهد لي على الأرض قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا” (مت 3: 17)، (مت 17: 5). لقد شهد يوحنا أيضًا قائلاً: “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو 1: 29).
ويقول الكتاب أيضًا: “الذي لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه غش” (إش 53: 9)، (1 بط 2: 22) وأيضًا: “رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء” (يو 14: 30). وكأن الرب يقول للشيطان وأنت نفسك شهدت لي قائلاً: “أنا أعرفك من أنت، قدوس الله” (مر 1: 24)، “أنك أنت ابن الله” (مر 3: 11) وأيضًا قلت “ما لنا ولك يا يسوع الناصري، هل أتيت قبل الوقت لتهلكنا” (مت 8: 29، لو 4: 34). إن هناك ثلاثة شهود يشهدون لي- الأول هو الآب الذي أرسل الصوت من السماء، والثاني هم الذين شهدوا لي على الأرض والثالث هو أنت بعينك. وكأن الرب يقول للشيطان “ولذلك فأنا أفتدى الجسد الذي باعه لك آدم الأول، وأبطل صكوكك بصليبي.
لقد دفعت ديون آدم حينما صُلبت ونزلت إلى الجحيم، والآن أنا آمرك أيها الجحيم والظلمة والموت أن تطلق نفوس أبناء آدم المأسورين” وهكذا فالقوات الشريرة تصاب برعب شديد وتضرب بالفزع وتعيد نفوس آدم وبنيه التي كانت محبوسة.
المسيح يدخل إلى عمق قلبك ليقيمك:
ولكن حينما تسمع أن الرب خلَّص النفوس من الجحيم والظلمة، في ذلك الوقت ونزل إلى الجحيم وعمل عملاً مجيدًا، فلا تتصور أن هذه الأمور هي بعيدة جدًا عن نفسك أنت خاصة. فالإنسان عنده القابلية لدخول وقبول الشرير في حياته. والموت يمسك بنفوس أولاد آدم، فتنحبس أفكار النفس في الظلمة. وحينما تسمع عن القبور، لا تفكر فقط في القبور المنظورة، فإن قلبك ذاته هو قبر ومدفن وحينما يختبيء رئيس الشر وجنوده كامنين هناك (في القلب)، ويصنعون فيه طرقًا ومسالكًا، تسير فيها قوات الشيطان وتدخل إلى عقلك وأفكارك، ألا تكون أنت في هذه الحالة جحيمًا ومدفنًا وقبرًا، إنسانًا ميتًا من جهة الله؟ وهناك يصنع الشيطان فضة زائفة مرفوضة.
وفي هذه النفس يزرع بذور المرارة. ويخمِّرها بالخميرة العتيقة، فينبع فيها ينبوع الوحل والقذارة. ولذلك فإن الرب يأتي إلى النفوس التي تطلبه ويدخل إلى عمق جحيم القلب، وهناك يصدر أمره للموت قائلاً: أخرج النفوس المحبوسة التي تطلبني، التي تحتجزها أنت بالقوة وهكذا يكسر الرب الحجارة الثقيلة الموضوعة على النفس، ويفتح القبور ويقيم الإنسان الذي كان مائتًا بالحقيقة ويطلق النفس المحبوسة من السجن المظلم.
ومثل إنسان مقيَّد اليدين والرجلين بالسلاسل، ثم يأتيه شخصٍ ما يفك قيوده ويجعله ينطلق حرًا، هكذا الرب يحلّ النفس المقيَّدة بأغلال الموت من قيودها ويطلقها، ويطلق العقل حرًا ليحلق براحه وبدون عائق في الجو الإلهي. ولو افترضنا أن إنسانًا غرق في وسط نهر في شدة فيضانه وتغمره المياه فيصير بلا حياة وتحيط به الحيوانات المائية المخيفة.
فإذا أراد إنسان آخر أن ينقذه وهو لا يعرف السباحة فهو أيضًا يهلك ويغرق معه، وإنه لأمر واضح أنه يلزم وجود سبَّاح ماهر، وخبير لينزل إلى عمق المياه ويغطس حتى يرفع الإنسان الغارق وينقذه من وسط الحيوانات، فالماء نفسه حينما ينزل إليه إنسان ماهر في السباحة فإنه يساعد مثل هذا الإنسان ويحمله إلى السطح.
وبنفس الطريقة فإن النفس التي غطست وغرقت في هاوية الظلمة وعمق الموت، تنفصل عن الله في صحبة الحيوانات المخيفة، (هذه النفس) من الذي يستطيع أن ينزل إلى الأماكن المخيفة وإلى أعماق الجحيم والموت لينقذها إلاَّ ذلك الخبير والصانع العظيم الذي خلق النفس والجسد. وهو بشخصه يدخل إلى الناحيتين، إلى عمق الجحيم وإلى عمق القلب حيث يكون الموت ممسكًا بالنفس وأفكارها ويخرج آدم المائت من الهاوية المظلمة. إذن فحتى الموت نفسه- عن طريق التمرن والخبرة- يصير مساعدًا للإنسان، كما يفعل الماء مع السباح.
وأي صعوبة على الله أن يدخل إلى الموت، أو أن يدخل إلى عمق هاوية القلب ويدعو الإنسان المائت من هناك؟ ففي العالم الطبيعي، توجد بيوت ومساكن حيث يسكن البشر، وتوجد أماكن تسكن فيها الوحوش والأسود والتنانين وغيرها من الوحوش السامة.
فإن كانت الشمس- التي هي مخلوقة حينما تشرق تدخل في كل اتجاه، من النوافذ والأبواب وحتى إلى مغائر الأسود وجحور الثعابين ثم تخرج ثانية من كل هذه المواضع دون أن تصاب- أي الشمس- بأي ضرر، فكم بالحري جدًا عندما يدخل الله رب الكل إلى الأماكن المظلمة الضيقة والمساكن التي نصب فيها الموت خيمته. ويدخل إلى النفوس التي تعيش فيها ويوقظ الإنسان من الظلمة والموت دون أن يصاب الله بأي ضرر من الموت. والمطر أيضًا ينزل من السماء ويسري إلى أسافل الأرض وهناك يرطب ويجدد الجذور الجافة المائتة، وينشأ هناك زرعًا جديدًا.
النعمة تثبِّت وتسند الأخ المجاهد:
ومن الناس من له جهاد ومعاناة وحرب مع الشيطان، ومثل هذا الإنسان يكون منسحق القلب، ويكون في حرص وبكاء ودموع.. فإن كان هذا الإنسان يصبر ويحتمل، فإن الرب يكون معه في الحرب، ويحفظه ويحميه لأنه يطلب ويسعى بغيرة واشتياق، ويقرع على الباب إلى أن يفتح له، فإن رأيت أخًا صالحًا، فإن النعمة هي التي تثبِّته وتسنده، أما الإنسان الذي بلا أساس فلا تكون فيه مخافة الله هكذا.
وقلبه ليس منسحقًا وهو لا يعتني ويحرس قلبه وأعضاؤه بحيث يسلك باستقامة. فنفس مثل هذا الإنسان هي بعيدة عن النعمة وهو لم يدخل بعد في الحرب والجهاد. إذن يوجد فرق بين الإنسان الذي له حرب وجهاد وبين تلك الذي لا يعرف معنى الحرب. وحتى البذور حينما تُلقى في الأرض تعاني من الشتاء والصقيع وبرودة الهواء. ولكن في الوقت المناسب ينبت الزرع ويحيا.
تمسَّك بوعود الرب واطلبه باستمرار:
ويحدث أحيانًا أن الشيطان يتكلم في القلب قائلاً: انظر كم من الشرور فعلت! “انظر ما أكثر الحماقات التي تمتليء بها نفسك، وأنت مثقل بخطايا كثيرة حتى أنه لا يمكنك أن تخلص”. والشيطان يقول لك هذا لجذبك إلى اليأس وليجعلك تظن أن توبتك لا تُقبل فمنذ دخل الشر فينا بالمعصية، فقد صار يتحدث مع النفس كل ساعة كما يخاطب الإنسان صاحبه. وأما أنت فأجبه وقل: “إن عندي شهادات الرب المكتوبة، التي تقول “إني لا أُسر بموت الخاطيء بل أن يتوب ويرجع من شره فيحيا” (حز 13: 11، 18: 21).
ولأجل هذا الغرض قد نزل الرب وتجسد، ليخلِّص الخطاة وليقيم الموتى ويحيي النفوس التي هلكت وليضيء على الذين في الظلمة. إنه في الحقيقة قد جاء، ودعانا لنكون أبناء بالتبني، دعانا إلى المدينة المقدسة التي هي في سلام دائم، دعانا إلى الحياة التي لا موت فيها، وإلى المجد الذي لا يضمحل، فلنثبت إلى النهاية في الدعوة التي دعانا إليها وبدأنا فيها.
فلنظل في فقر وفي تغرُّب وفي احتمال الشدائد، وفي التوسل والصلاة لله قارعين الباب بلجاجة، والرب قريب إلينا أكثر من قرب النفس من الجسد. لذلك فهو يأتي ويفتح أبواب القلب المغلقة ويسكب علينا غناه وخيراته السمائيَّة. فهو صالح ومحب ومشفق على الإنسان، ومواعيده صادقة بلا كذب، إن كنا نستمر في طلبنا إياه إلى المنتهى.. والمجد لرأفات الآب والابن والروح القدس. آمين.
نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الحادية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد