الولادة من الروح القدس – العظة 30 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

الولادة من الروح القدس – العظة 30 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

الولادة من الروح القدس – العظة 30 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

الولادة من الروح القدس – العظة 30 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

إن النفس التي تريد الدخول إلى ملكوت الله، ينبغي أن تولد من الروح القدس. وكيفية تحقيق ذلك.

فاعليّة كلمة الله:

أولئك الذين يسمعون الكلمة يجب عليهم أن يعطوا برهانًا على عمل الكلمة وفعلها في نفوسهم. فكلمة الله ليست فارغة بل لها عملها وفعلها الخاص في النفس. لهذا السبب تُسمى الكلمة أحيانًا “عمل أو صنع” وذلك نظرًا “للعمل” الذي توجده في السامعين. فليت الرب ينعم بعمل الحق في السامعين لكيما توجد الكلمة مثمرة فيهم. فكما أن الظل يسير أمام الجسد، ومع ذلك فالظل يُظهر الجسد، بينما الجسد نفسه هو الحقيقة وليس الظل، هكذا الكلمة هي مثل ظل حق المسيح. ولكن الكلمة تسير قدام الحق (فالكلمة تُظهر حقيقة المسيح).

الولادة الجسديّة والولادة من الروح:

إن الآباء الذين على الأرض يلدون أولادًا من طبيعتهم، من جسدهم ونفسهم وبعد ولادتهم يربونهم بعناية واجتهاد لأنهم أولادهم، إلى أن يصيروا رجالاً كاملين، وخلفاءً ووراثين لهم. فإن الهدف من كل عناية الوالدين منذ البداية هو أن يكون لهم أولادًا وورثة، فإذا لم يلدوا أولادًا يكون عندهم حزن وغمّ عظيم، أما إذا صار لهم أولاد فإنه يصير لهم فرح عظيم. وأيضًا فإن أقرباءهم وجيرانهم يفرحون كذلك معهم.

وبنفس الطريقة فإن ربنا يسوع المسيح إذ اهتم بخلاص البشر استخدم منذ البداية كل تدبير عنايته بواسطة الآباء، والبطاركة والناموس والأنبياء، وفي النهاية جاء هو بنفسه واستهان بعار الصليب واحتمل الموت. وكان كل جهده وتعبه هذا وعنايته إنما من أجل أن يلد من ذاته، ومن طبيعته أولادًا بالروح، إذ سُرّ بأنهم يجب أن يولدوا من الروح من فوق، أي من لاهوته.

وكما أن أولئك الآباء الذين لا يلدون أولادًا يحزنون، كذلك فإن الرب الذي أحب جنس البشر لأنهم على صورته، أراد أن يلدهم من زرع لاهوته الخاص، ولذلك فإن أي واحد منهم يريد أن يأتي إلى هذه الولادة لكي يُولد من بطن روح اللاهوت، فإن حزن المسيح يكون عظيمًا بعد كل الآلام التي عاناها لأجلهم واحتملها كثيرًا لكي يخلصهم.

لأن الرب يريد أن ينال كل الناس امتياز هذه الولادة. فهو مات لأجل الكل ودعا الكل إلى الحياة. ولكن الحياة هي الولادة من فوق من الله وبدون هذه الولادة لا تستطيع النفس أن تحيا. كما يقول الرب “إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله” (يو 3: 3).

وهكذا، فمن الناحية الأخرى، فإن كل الذين يؤمنون بالرب ويأتون ويقبلون امتياز هذه الولادة، فإنهم يكونون سبب فرح وسرور عظيم في السماء لوالديهم الذين ولدوهم، وكل الملائكة والقوات المقدسة أيضًا تفرح بالنفس التي تُولد من الروح وتصير هي نفسها روحًا.

فإن هذا الجسد هو مثال ومشابه للنفس، والنفس هي صورة الروح، وكما أن الجسد بدون النفس ميت، ولا يستطيع أن يفعل شيئًا بالمرة، كذلك فإن بدون النفس السماويّة- أي بدون الروح الإلهي تكون النفس ميتة عن الملكوت ولا قدرة لها على أن تعمل شيئًا من أمور الله بدون الروح.

رسم صورة المسيح في النفس بالتفرّس فيه دائمًا:

كما أن الرسام يتفرّس في وجه الملك أولاً ثم بعد ذلك يرسمه، وحينما يكون وجه الملك متجهًا نحو الرسام الواقف أمامه لكي يرسمه فحينئذٍ يرسم الصورة بسهولة وتكون حسنة جدًا، ولكن إذا حوّل الملك وجهه بعيدًا لا يستطيع الرسام أن يرسم، لأن الوجه ليس في مواجهته، كذلك يفعل المسيح- الفنان الصالح- في أولئك الذين يؤمنون به ويتطلعون إليه ويُثبّتون نظرهم فيه دائمًا.

فإنه سرعان ما يرسم إنسانًا سماويًا على صورته. فمن روحه ومن جوهر النور نفسه- النور غير الموصوف- يرسم صورة سماويّة، وينعم على النفس بعريسها الصالح الذي يفيض بالنعمة والجمال، فإن كان الإنسان لا ينظر إليه ويتفرس فيه دائمًا، ويغفل كل شيء آخر، فإن الرب لا يرسم صورته بواسطة نوره الخاص. لذلك ينبغي أن ننظر إليه ونتفرس فيه، ونؤمن به ونحبه، ونرذل كل شيء غيره، ونأتي أمامه لكيما يرسم صورته السماويّة، ويرسلها إلى داخل نفوسنا، وهكذا إذ نلبس المسيح، فإننا ننال الحياة الأبديّة ونحصل عى يقين تام- هنا ومنذ الآن- وندخل إلى الراحة.

وكما أن العملة الذهبية إن لم تُطبع عليها صورة الملك لا يتم التعامل بها في السوق، ولا تُخَزّن في الخزانة الملكيّة، بل تُطرح خارجًا، كذلك النفس إن لم تحصل على صورة الروح السماوي في النور الذي لا يُنطق به، أي لن ينطبع عليها المسيح نفسه، لا تكون لائقة للخزائن السماويّة، بل يطرحها جانبًا تجار الملكوت المهرة، الذين هم الرسل. فإن ذلك الذي دُعي ولم يكن لابسًا لباس العرس طُرد خارجًا كغريب إلى الظلمة الخارجيّة، لكونه لم يكن لابسًا الصورة السماويّة.

هذه هي علامة الرب وختمه المطبوع على النفوس- أي روح النور الذي لا يُنطق به، وكما أن الإنسان الميت هو بلا نفع ولا فائدة لأهل المكان، لذلك فإنهم يحملونه خارج المدينة ويدفنونه، هكذا النفس التي لا تحمل الصورة السماويّة، صورة النور الإلهي التي هي حياة النفس، فإن هذه النفس تُطرد خارجًا، لأن النفس الميتة هي بلا فائدة لمدينة القديسين، لأنها لا تحمل الروح الإلهي المنير. فكما أنه في هذا العالم، تكون النفس هي حياة الجسد هكذا ففي العالم الأبدي السماوي فإن الروح الإلهي هو حياة النفس. وبدون روح الحياة فإن النفس تكون ميتة ولا نفع فيها لسكان العالم السماوي.

طلب الروح القدس حياة النفس:

لذلك من يريد أن يؤمن بالرب ويأتي إليه ينبغي أن يطلب ويتوسل لأجل نوال الروح الإلهي هنا على الأرض، فإن ذلك الروح هو حياة النفس ولهذا السبب جاء الرب إلى العالم، لكي ما يعطي الحياة للنفس هنا على الأرض أي يعطيها روحه. لذلك يقول “مادام لكم النور آمنوا بالنور، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل” (يو 12: 36، 9: 4).

لذلك فأي إنسان لا يطلب الحياة بينما هو على الأرض ولا ينال حياة لنفسه التي هي نور الروح الإلهي، فإنه حينما يخرج من الجسد يُنقل بعيدًا إلى مناطق الظلمة التي على اليسار ولا يدخل ملكوت السموات، إذ تكون نهايته في الجحيم مع إبليس وملائكته (مت 25: 41).

وكما أن الذهب والفضة إذا ألقيا في النار يصيران أكثر نقاوة وصفاء ولا يلحقهما ضرر، (مثلما يحدث للخشب أو القش)، بل هما أي الذهب والفضة المحميان بالنار يلتهمان كل ما يقترب منهما، إذ يصيران هما أيضًا نارًا- هكذا النفس فإنها بطول إقامتها في نار الروح وفي النور الإلهي لا يصيبها أذى من أحد الأرواح الشريرة بل إن اقترب أحد منها يحترق بنار الروح السماويّة.

وكما أن الطير إذا طار عاليًا لا يقلق ولا يخاف من الصيادين أو الوحوش المفترسة لأنه في العلو يأمن منهم جميعًا، كذلك النفس تنال أجنحة الروح وتطير إلى الأعالي السماويّة فإنها تكون فوق كل شيء، وتهزأ بجميع أعدائها الذين هم تحتها.

وفي اليوم الذي شق فيه موسى البحر، عبر إسرائيل حسب الجسد، من تحته، وأما هؤلاء (المسيحيون أبناء العهد الجديد) فلكونهم أبناء الله فإنهم يسيرون فوق بحر المرارة، بحر القوات الشريرة. إذ أن جسدهم ونفسهم قد صارت هي بيت الله.

آدم والإنسان الجريح والمائت:

وفي ذلك اليوم الذي سقط فيه آدم جاء الله ماشيًا في الجنة وبكى حينما رأي آدم وكأنه قال “بعد هذه الخيرات التي أعطيتك، ما هذه الشرور التي ارتكبت، وبعد كل المجد أي عار أنت تلبسه الآن، كم أنت مظلم الآن وقد صار منظرك قبيحًا، وأي فساد أنت فيه. وبعد هذا النور أي ظلام قد غطاك!”…

وحينما سقط آدم ومات (بانفصاله عن) الله، حزن عليه خالقه، والملائكة وكل القوات والسموات والأرض وكل المخلوقات ناحت على موته وسقوطه، لأنهم رأوا ذلك الذي أُعطي لهم ليكون ملكًا عليهم، قد صار عبدًا لقوة معادية شريرة. ولذلك اكتسى آدم بالظلمة في نفسه، ظلمة مرة وشريرة لأنه صار خاضعًا لرئيس الظلمة. هذا هو الذي يشير إليه ذاك الذي جرحه اللصوص، “وتركوه بين حي وميت بينما كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا” (لو 10: 30).

ولعازر أيضًا، الذي أقامه الرب، الذي أنتن حتى لم يقدر أحد أن يقترب من القبر، كان رمزًا إلى آدم، الذي صارت نفسه في عفونة، وامتلأت سوادًا وظلامًا.

أما أنت، فحينما تسمع عن آدم، وعن الإنسان الذي جرحه اللصوص وعن لعازر، فلا تدع عقلك يذهب بعيدًا إلى الجبال، بل تعال إلى باطنك إلى داخل نفسك، لأنك أنت نفسك تحمل نفس الجروح، وفيك نفس العفونة، ونفس الظلام. فنحن جميعًا أبناء آدم ومن نفس الجنس المُظلم، وجميعًا مشتركون في نفس النتانة. فالداء الذي عانى منه آدم، نعاني منه نحن جميعًا الذين من زرع آدم. لأن الداء الذي حلّ بنا هو الذي يقول عنه إشعياء “لا يوجد إلاَّ جراح وقروح وضربات ملتهبة لا تُشفى، ولا يمكن أن تُعصب، أو تُداوى أو تلين بالزيت” (إش 1: 6 س).

لذلك فالجرح الذي جُرحنا به لم يكن له علاج، والرب وحده هو الذي استطاع أن يشفيه. لهذا السبب جاء الرب بنفسه، لأنه لم يستطع أحد من الأقدمين، ولا الناموس نفسه ولا الأنبياء، أن يقوموا بشفاء هذا الجرح. بل الرب وحده بمجيئه إلينا شفى جرح النفس، ذلك الجرح العديم الشفاء.

قبول المسيح ليدخل ويستريح فينا ونستريح فيه:

فلنقبل إذًا إلهنا وربنا- الشافي الحقيقي- الذي يستطيع وحده أن يأتي ويشفي نفوسنا، بعد أن تعب وتألم كثيرًا جدًا لأجلنا فهو يقرع دائمًا أبواب قلوبنا، لكي نفتح له، لكي يدخل إلى داخلنا ويستريح في نفوسنا، ولكي نغسل وندهن قدميه، ولكي يجعل هو إقامته فينا.

فالرب- في تلك الفقرة من الإنجيل (لو 7: 44) يوبخ الرجل الذي لم يغسل قدميه. وفي موضع آخر يقول “ها أنا واقف على الباب وأقرع، إن فتح لي أحد فإني أدخل إليه” (رؤ 3: 20) فلأجل هذه الغاية احتمل هو آلامًا كثيرة، مقدمًا جسده للموت، ليفتدينا من العبودية، لكيما يأتي إلى نفوسنا ويجعل إقامته فيها.

فلهذا السبب يقول الرب للذين عن يساره، في يوم الدينونة، والذين يُرسلون إلى جهنم مع الشيطان: “كنت غريبًا فلو تأووني، جوعانًا فلم تطعموني عطشانًا فلم تسقوني” (مت 25: 42-43).

فإن طعامه وشرابه وكساءه ومأواه وراحته، هي في نفوسنا، لذلك فإنه دائمًا يقرع طالبًا الدخول إلينا. فلنقبله إذن وندخله إلى داخل نفوسنا، لأنه هو طعامنا وشرابنا وحياتنا الأبدية، وكل نفس لا تقبله الآن في داخلها وتعطيه راحة، أو بالحري لا تجد راحة فيه، فليس لها ميراث في ملكوت السموات مع القديسين، ولا تستطيع الدخول إلى المدينة السماوية.

فلتدخلنا أنت يا رب يسوع المسيح إلى ملكوتك، ممجدين اسمك مع الآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين.

الولادة من الروح القدس – العظة 30 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

تدبيرات نعمة الله – العظة 29 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

تدبيرات نعمة الله – العظة 29 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

العظة 29 للقديس مقاريوس الكبير – تدبيرات نعمة الله – د. نصحى عبد الشهيد

تدبيرات نعمة الله – العظة 29 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

 

إن الله يعمل بتدبيرات نعمته في جنس البشر بطريقتين، قاصدًا أن يحصل في النهاية على ثمرات نعمته.

إن حكمة الله، لا نهاية لها وتفوق الفهم ولذلك فإنها تعمل بتدبيرات النعمة نحو جنس البشر بما يفوق الفهم ويفوق الفحص وذلك بطرق متنوعة لأجل امتحان إرادة الإنسان الحرّة، حتى بذلك يظهر أولئك الأشخاص الذين يحبون الله بكل قلبهم والذين يحتملون بصبر كل نوع من الأخطار والأتعاب من أجل الله.

البعض ينالون النعمة ويتقدمون حالاً:

فالبعض تأتيهم نِعَم ومواهب الروح القدس مقدمًا وهم يتقدمون حالاً في الإيمان والصلاة، بدون جهد أو عرق أو تعب وهم موجودون في وسط العالم. ويعطيهم الله النعمة هكذا ليس باطلاً ولا في غير وقتها ولا بمجرد المصادفة، ولكنه يعطيها بحكمة تفوق الوصف وتفوق الفهم وذلك لكي يمتحن الاختيار وحريّة الإرادة لأولئك الذين قد نالوا نعمة الله بهذه السرعة

وهل شعروا وقدّروا الفائدة وأحسوا بصلاح الله وحلاوته التي أُظهرت حسب قياس النعمة الموهوبة لهم بدون أي مجهودات من جانبهم والتي حُسبوا أهلاً أن ينالوها؟ وفي مقابل هذه النعمة ينبغي أن يُظهروا غيرةً واجتهادًا ويركضون في الميدان ويجاهدون ويحملون ثمر الإرادة والعزم والحب وأن يردوا للرب مقابل المواهب الروحيَّة التي نالوها بأن يعطوا ذواتهم ويسلّموها تمامًا لمحبة الرب، وبأن يتمّموا مشيئته وحدها وبأن يتخلوا تمامًا عن كل هوى جسدي.

البعض الآخر تتأخر عليهم النعمة:

وهناك آخرون، الذين رغم أنهم تركوا هذا العالم وتخلّوا عنه بحسب الإنجيل، ويصرفون وقتهم في صلاة مستمرة وصوم وسهر وبقية الفضائل، فإن الله لا يعطيهم النعمة في الحال ولا الراحة ولا فرح الروح بل يتأنى ويؤخر موهبته لهم. وهذا يفعله الله، ليس عبثًا ولا بدون قصد ولا مصادفة، بل بحكمة تفوق الوصف، لأجل امتحان إرادتهم، لكي يرى إن كانوا قد حسبوا الله أمينًا “وحسبوا الذي وعد صادقًا” (عب 11: 11)

أن يعطي الذين يسألون ويفتح باب الحياة لأولئك الذين يقرعون، ولكي يرى إن كانوا بعد إيمانهم بكلمته بالحق، هل يصبرون ويستمرون إلى النهاية في ملء ثقة الإيمان والاجتهاد، يسألون ويطلبون ولا تخور قلوبهم أو يتراجعون، وبعدم إيمان وبدون رجاء يحتقرون الهدف ولا يثبتون إلى النهاية لأن الله قد أخَّر ميعاد موهبته، وأيضًا لأجل امتحان إرادتهم وقصدهم.

فإن الذي لا ينال النعمة سريعًا بسبب تأني الله فإنه يشتعل شوقًا أكثر ويزداد رغبة في الخيرات السماويّة. ويزداد كل يوم اشتياقًا واجتهادًا، ويزداد ركضًا وسعيًا ويزداد في كل فضيلة ويظهر جوعًا وعطشًا إلى ما هو صالح ولا يتعوّق بسبب الإيحاءات التي تتحرك في نفسه، ولا يتحول إلى الاحتقار واليأس وعدم الصبر، ومن الجهة الأخرى فإنه لا يسلّم نفسه إلى الكسل تحت ستار التظاهر بالصبر قائلاً مثلاً: “في يوم أو آخر سأحصل على نعمة الله ” ومن هنا تغويه الخطية وتقوده إلى التغافل والإهمال.

ولكن مادام الرب في تأخيره للموهبة إنما يتأنى بمحبة ممتحنًا إيمانه ومحبته، فينبغي على الإنسان نفسه أن يكون أكثر حرصًا واجتهادًا ولا يكلّ أو يفشل بل يطلب عطية الله إذ أنه قد وثق في ذاته بأن الله صادق ولا يمكن أن يكذب، فهو الذي وعد أن يعطي نعمته لأولئك الذين يطلبون بإيمان بكل صبر إلى النهاية.

أمانة الله وفحص النفس:

لأن الله أمين وصادق في تعامله مع النفوس المؤمنة الأمينة، أي مع أولئك “الذين ختموا أن الله صادق” (يو 3: 33) حسب الكلمة الصادقة. لذلك فبحسب هذه البصيرة الإيمانية في داخلهم، يفحصون نفوسهم ليروا إن كانوا ناقصين من جهتهم في أي ناحية من النواحي: في الجهد، في السعي، في الغيرّة والاجتهاد، أم في الإيمان أم المحبة أو بقية اتجاهات الفضيلة

وبفحصهم لنفوسهم بكل تدقيق فإنهم يغصبون أنفسهم بأقصى طاقة عندهم لكي يرضوا الرب، إذ سبق أن آمنوا ووثقوا تمامًا أن الله إذ هو صادق وأمين لن يحرمهم من موهبة الروح إن ظلوا إلى النهاية يخدمون الرب ويعبدونه بكل اجتهاد وينتظرونه، وأنهم سينالون النعمة السماويّة الممنوحة لهم، وهم لا يزالون في الجسد وينالون الحياة الأبديّة.

كل حبهم نحو الرب:

وهكذا فإنهم يوجّهون كل حبهم نحو الرب رافضين كل شيء آخر وناظرين إليه وحده برغبة كبيرة وجوع وعطش كثير. وينتظرون دائمًا قوة النعمة المُنعشة والمعزيّة. وهم لا يطلبون بإرادتهم تعزية وانعاشًا من أي شيء في هذا العالم ولا يرتبطون به، بل يرفضون دائمًا الإغراءات الماديّة وينتظرون المعونة والحماية والتأييد من الله وحده، وفي هذه الحالة يكون الرب نفسه حاضرًا بطريقة خفيّة مع هذه النفوس التي تأخذ على عاتقها هذا النوع من الاجتهاد وعزم القلب والاحتمال، ويساعدهم ويحفظهم، ويثبتهم في كل ثمر الفضيلة.

كل هذا يحدث رغم أنهم يجدون أنفسهم معرّضين للصراع ورغم أنهم لم يتزينوا بعد بيقين الحق ولم تظهر لنفوسهم حالة الحصول على نعمة الروح وانعاش الموهبة السماويّة ولم يختبروها اختبارًا كاملاً بكل ملئها، وهذا يحدث حسب حكمة الله التي تفوق التعبير وأحكامه التي تعلو الفحص، التي بها يمتحن النفوس المؤمنة بطرق متنوعة بقصد أن يُحضرهم إلى محبة كاملة بملء حريتهم واختيارهم.

ليس عند الله محاباة:

فإنه توجد حدود ومقاييس ومراحل للاختيار الحرّ ولقصد المحبة ولاتجاه العقل لطاعة كل وصاياه المقدسة بأقصى ما هو مستطاع، وحينما تملأ النفوس مكيال محبتها وطاعتها فإنها تُحسب أهلاً للملكوت والحياة الأبديّة.

لأن الله عادل وعادلة هي أحكامه، وليس عنده محاباة، ويُحاسب كل واحد بحسب النِعم المختلفة التي قد منحها للبشر- سواء كانت خاصة بالجسد أو بالروح، أو كانت خاصة بالمعرفة أو الفهم أو التمييز، وهو يطلب ثمار الفضيلة على حسب ما أعطى كل واحد، وهو سيعطي كل واحد حسب ما يستحقه بحسب أعماله في يوم الدينونة. إنه سيأتي كما يخبرنا الكتاب “وسيجازي كل واحد حسب أعماله” (رو 2: 6) والأقوياء يُعذبون عذابًا شديدًا لأن “الرحمة تغفر للمتواضعين” (الحكمة 6: 6).

ويقول الرب: “أما ذلك العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ولا يفعل بحسب إرادته فيُضرب كثيرًا، ولكن الذي لا يعلم ويفعل ما يستحق ضربات يُضرب قليلاً، فكل من أُعطي كثيرًا يُطلب منه كثير، ومن يودعونه كثيرًا يطالبونه بأكثر” (لو 12: 47-48).

ولكن المعرفة والفهم هي أنواع مختلفة، سواء كانت بحسب النعمة وموهبة الروح السماويّة أو بحسب الذكاء والتمييز الطبيعي، وبحسب التعلّم من الكتب الإلهيّة. وكل إنسان يكون مسئولاً عن ثمار الفضيلة بحسب نسبة ما مُنح له من الله سواء ما مُنح له طبيعيًا أو ما أُعطي له بنعمة الله.

لذلك فكل إنسان هو بلا عذر أمام الله في يوم الدينونة، لأن كل شخص سيُعطى جوابًا عن إرادته وقصده- بحسب ما قد عرفه- لكي يثمر ثمار الإيمان والمحبة وكل فضيلة أخرى في علاقته بالله سواء كانت معرفته عن طريق سماع كلمة الله أو عن طريق آخر.

إن النفس الأمينة المُحبة للحق تتطلع إلى البركات الأبديّة المحفوظة للأبرار، وإلى المعونة التي لا يُنطق بها، أي معونة النعمة الإلهيّة التي تحلّ علينا. ولذلك تعتبر نفسها وكل جهدها وآلامها وتعبها أنها ليست شيئًا بالمقارنة بمواعيد الروح التي تفوق الوصف.

ومثل هذا الإنسان هو المسكين بالروح الذي أعلن الرب أنه مغبوط ومُطوب، هذا هو الذي يجوع ويعطش إلى البرّ (مت 5: 3، 6) هذا هو المنسحق القلب.

وأولئك الذين يأخذون على عاتقهم هذا القصد، والعزم والاجتهاد والتعب والاشتياق إلى الفضيلة ويثبتون في هذا إلى النهاية، فإنه يُوهب لهم أن يحصلوا على الحياة والملكوت الأبدي بالحق. لذلك فلا يتشامخ إذن أحد من الإخوة، على أخيه، أو يرتئي عن نفسه رَأيًا منتفخًا، بتأثير خداع الخطية لكي يفكر قائلاً، مثلاً: “إني قد حصلت على موهبة روحيَّة”.

لأنه لا يليق بالمسيحيين أن يفكروا هكذا فأنت لا تعرف ماذا سيكون حاله في الغد وأنت تجهل ماذا ستكون نهايته وماذا تكون نهايتك، بل ليحترس كل واحد لنفسه ويمتحن ضميره في كل حين ويختبر حركات قلبه من جهة اجتهاده وسعيه من الداخل بكل قلبه إلى الله ويتطلّع نحو الهدف الكامل هدف الحريّة والتحرر من الشهوات والحصول على سلام الروح، وليكمل سعيه بدون توقف وبلا تكاسل بحيث لا يتكل أبدًا على أي عطية روحيَّة ولا على أي برّ حصل عليه.

والمجد والكرامة والسجود للآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين.

تدبيرات نعمة الله – العظة 29 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

حالة الإنسان بدون المسيح – العظة 28 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

حالة الإنسان بدون المسيح – العظة 28 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

حالة الإنسان بدون المسيح – العظة 28 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

العظة 28 للقديس مقاريوس الكبير – حالة الإنسان بدون المسيح – د. نصحى عبد الشهيد

وصف مصيبة النفس التي- بسبب الخطية- لا يسكن فيها الرب، والحزن والتأسف على حالة هذه النفس، وتشمل العظة أيضًا حديثًا يختص بيوحنا المعمدان، إنه لم يقم من بين المولودين من النساء من هو أعظم منه.

مصيبة النفس التي لا يسكن فيها المسيح:

كما أن الله لما غضب على اليهود مرة، سلّم أورشليم إلى أعدائها “وتسلط عليهم مبغضوهم” (مز 106: 41) ولم يعد فيها بعد ذلك لا عيد ولا تقدمة، هكذا أيضًا النفس البشريّة التي غضب الله عليها بسبب عصيانها لوصيته، فسلّمها لأعدائها، أي للشياطين والشهوات، لأنه حينما أغواها هؤلاء الأعداء، أفسدوها تمامًا وأهلكوها ولم يعد فيها أي عيد وفرح، ولم يرتفع فيها بخور أو تقدمة إلى الله. وعلاماتها وآثارها ضاعت ونسيت في الشوارع بينما الوحوش المرعبة وأرواح الشر الخبيثة سكنت فيها.

كما أن البيت إذا لم يكن له صاحب يسكن فيه فإنه يكون مملوء ظلامًا وعارًا ويُساء استخدامه ويمتليء بالأدناس والقذارة، هكذا النفس التي لا يكون الرب ساكنًا فيها مع ملائكته، يقيم أعيادًا وأفراحًا فيها، فإنها تمتليء بظلمة الخطية وعار الشهوات وكل أنواع الخزي.

وكم هو مرعب ذلك الطريق الذي لا يسير فيه أحد، ولا يُسمع فيه صوت إنسان إذ أنه يصير مسكنًا للوحوش ويا ويل النفس التي لا يسير فيها الرب، ولا يطرد بصوته وحوش الشر الروحانيّة منها! والويل للبيت الذي لا يسكن فيه السيد! والويل للأرض التي ليس لها فلاح يُفلّحها! والويل للسفينة التي ليس لها قائد، لأن الأمواج والزوابع تحملها وتتلفها.

ويا للأسف والويل على النفس التي لايكون فيها المسيح هو الربان الحقيقي، فإنها توجد في بحر مرارة الظلمة المرعب وتلاطمها أمواج الشهوات وتصدمها وتضربها عواصف أرواح الشر وتنتهي بالهلاك.

الويل للنفس التي ليس لها المسيح ليفلّحها بعنايته لكي تأتي بثمار الروح الصالحة. لأن النفس إذ تبقى مقفرة قاحلة، وإذ تمتليء بالأشواك والحسك تكون نهايتها حريق النار. ويا للأسف على النفس حينما لا يكون لها المسيح سيدًا ساكنًا فيها، إذا أنها تكون مهجورة ومملوءة برائحة الشهوات الكريهة وتكون مسكنًا للإثم.

وكما أن الفلاح حينما يذهب لفلاحة الأرض، ينبغي أن يأخذ معه الأدوات والملابس المناسبة للفلاحة، هكذا المسيح الملك- وهو الزارع السماوي الحقيقي- حينما جاء إلى البشريّة التي كانت مقفرة بسبب الخطية، فإنه لبس الجسد وحمل الصليب أداة له، وهكذا فلّح النفس المقفرة وعمل فيها ونزع منها شوك وحسك أرواح الشر واقتلع زوان الخطية وأحرق بالنار كل أعشاب خطاياها. فإنه فلّحها بخشبة الصليب وزرع فيها فردوس الروح الفائق الجمال الذي يحمل كل ثمر حلو مقبول لدى الله صاحب النفس ومالكها.

وكما حدث في مصر في فترة الثلاثة أيام المظلمة، أن الابن لم يكن يرى أبيه، ولا الأخ أخاه ولا الصديق صديقه، بسبب أن الظلمة غطتهم، هكذا أيضًا حينما تعدّى آدم الوصية وسقط من حالة مجده الأول وصار تحت سلطان روح العالم، غطى حجاب الظلمة نفسه. ومنذ ذلك الوقت وإلى أن جاء آدم الأخير (1 كو 15: 46) الذي هو الرب فإن الإنسان لم يكن يرى أباه السماوي الحقيقي ولا أمه الصالحة الرحيمة، التي هي نعمة الروح، ولا أخاه الحلو المحبوب الذي هو الرب يسوع، ولا أصدقاءه وأقرباءه أي الملائكة القديسين الذين كان يفرح معهم سابقًا ويهلّل ويعيّد.

انفتاح العيون الداخليّة:

ولكن ليس فقط إلى يوم أن جاء آدم الأخير بل وحتى إلى هذا اليوم فإن أولئك الذين لم تشرق عليهم “شمس البرّ” (ملاخي 4: 2)، أي المسيح، والذين لم تنفتح عيون نفسهم وتسنير بالنور الحقيقي، لا يزالون تحت نفس ظلمة الخطية وتحت نفس تأثير الشهوات وهم تحت العقاب بعينه، إذ ليس لهم إلى الآن عيون لينظروا بها الآب.

ينبغي على كل واحد أن يعرف هذا الأمر ويتحقق منه، إنه توجد عيون داخليّة أعمق من هذه العيون الطبيعيّة ويوجد سمع أعمق من هذا السمع. وكما أن هذه العيون الجسديّة تنظر وجه الصديق أو المحبوب وتتعرّف عليه فإن عيون النفس- المستحقة المؤمنة بسبب نوالها الاستنارة الروحيَّة بنور الله- تنظر الصديق الحقيقي الذي هو العريس المحبوب جدًا والحلو جدًا أي الرب، وتتعرف عليه، إذ تكون النفس مملوءة ومشمولة بإشراق الروح الممجّد.

وهكذا إذ ترى بالعقل ذلك الجمال المُشتهى والذي لا يمكن التعبير عنه فإن النفس تُجرح بشهوة الحب الإلهي وتتجه إلى كل فضائل الروح وتسير فيها وهكذا تمتلك حبًا- لا يُحدّ ولا يسقط- للرب الذي تشتاق إليه.

صوت يوحنا المعمدان- وكرازة الرسل:

وماذا يمكن أن يكون أكثر غبطة من الصوت الخالد ليوحنا عندما يشير إلى الرب أمام عيوننا قائلاً: “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو 1: 29).

حقا “من بين المولودين من النساء ليس أعظم من يوحنا المعمدان” (مت 11: 11) فإنه هو تكميل الأنبياء وخاتمتهم جميعًا. كل الأنبياء تنبأوا عن الرب وأشاروا من بعيد إلى مجيئه، أما يوحنا فتنبأ عن المخلّص وأظهره أمام عيون الجميع صارخًا بصوتٍ عالٍ وقائلاً “هوذا حمل الله” (يو 1: 29). فما أحلى وأجمل صوت ذلك الذي يُظهر المخلّص مباشرة ويعلنه مبشرًا به! إنه لا يوجد أعظم من يوحنا في مواليد الناس. “ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه” (مت 11: 11) أي المولودين من الله من فوق أي الرسل، الذين نالوا باكورة الروح المعزي.

ولأنهم حُسبوا أهلاً لأن يكونوا شركاء معه في الدينونة، فهم يجلسون معه في عرشه. وهم قد جُعلوا محررين ومنقذين للناس. فتجدهم يشقون بحر القوات الشريرة ويخرجون نفوس المؤمنين، وتجدهم فلاحين في كرم النفوس. وتجدهم أصدقاء للعريس، يخطبون النفوس للمسيح، كما يقول الرسول: “إني خطبتكم لزوج واحد” (2 كو 11: 2) وتجدهم يوصلون الحياة للناس. وبالاختصار تجدهم بطرقٍ كثيرة وأنواع مختلفة يخدمون الروح. هذا هو الصغير الذي هو أعظم من يوحنا المعمدان.

وكما أن الفلاح يقود زوج البقر مربوطًا بنير لكي يحرث الأرض، هكذا الرب يسوع الفلاح الصالح الحقيقي يقود الرسل معًا اثنين اثنين وقد أرسلهم لكي يفلّح ويحرث بهم أرض أولئك الذين يسمعون ويؤمنون حقيقةً. ولكن ينبغي أن نقول أيضًا إن ملكوت الله وكرازة الرسل ليست في الكلمة التي تُسمع فقط، مثل إنسان يعرف الكلمات ويستطيع أن يتكلم ويُسمّعها للآخرين، بل إن الملكوت هو قوة وعمل الروح.

وهذا ما حدث للأسف لبني إسرائيل الذين كانوا يدرسون الكتب المقدسة وكان الرب هو موضوع دراستهم ولكن لعدم نوالهم الحق نفسه، نُقل الميراث منهم إلى آخرين. هكذا أولئك الذين يشرحون كلمات الروح للغير، بينما هم أنفسهم لا يملكون الكلمة بقوة الروح، فإن الميراث يُنقل منهم إلى آخرين. والمجد للآب والابن والروح القدس إلى الأبد. آمين.

حالة الإنسان بدون المسيح – العظة 28 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

العظة 27 للقديس مقاريوس الكبير – حالة النعمة وحرية الاختيار – د. نصحى عبد الشهيد

العظة 27 للقديس مقاريوس الكبير – حالة النعمة وحرية الاختيار – د. نصحى عبد الشهيد

العظة 27 للقديس مقاريوس الكبير – حالة النعمة وحرية الاختيار – د. نصحى عبد الشهيد

العظة 27 للقديس مقاريوس الكبير – حالة النعمة وحرية الاختيار – د. نصحى عبد الشهيد

هذه العظة كسابقتها تصف كرامة وحالة الإنسان المسيحي. ثم تعلّم أمورًا نافعة كثيرة عن حريّة الإرادة مع بعض أسئلة مملوءة بحكمة إلهيّة.

كرامة الإنسان في المسيح:

اعرف أيها الإنسان سموك وكرامتك وشرفك عند الله، لكونك أخًا للمسيح، وصديقًا للملك، وعروسًا للعريس السماوي، لأن كل من استطاع أن يعرف كرامة نفسه، فإنه يستطيع أن يعرف قوة وأسرار اللاهوت. وبذلك يمكنه أن ينسحق ويتضع أكثر، ففي ضوء قوة الله يرى الإنسان خطورة حالته الساقطة. وكما أنه (المسيح) عبر الآلام والصليب قبل أن يتمجّد ويجلس عن يمين الآب، هكذا ينبغي لك أن تتألم معه، وتُصلب معه، وبذلك تصعد معه وتتحد بجسد المسيح، وتملك معه إلى الأبد في ذلك العالم، “إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه” (رو 8: 17).

لأن أولئك الذين يستطيعون أن يغلبوا ويجوزوا حصون الشر، فإنهم يدخلون إلى المدينة السماويَّة المملوءة بالسلام وأنواع الصالحات حيث “أرواح الأبرار” تجد راحة (عب 12: 23). لذلك ينبغي أن نكد ونتعب كثيرًا من أجل ذلك. فإنه لا يليق أن العريس الذي أتى من أجلك، يتألم، بينما العروس التي جاء لأجلها العريس تعيش في بلادة وتكاسل هائمة في العالم.

وكما أنه في الأمور العالمية تعطي الزانية نفسها لكل إنسان بدون تمييز في عهارة، هكذا النفس التي قد أعطت نفسها للشيطان حتى أفسدتها تلك الأرواح الشريرة. فإن البعض يخطئون ويفعلون الشر باختيارهم بينما البعض الآخر يخطئون رغمًا عنهم. فما مفي هذا؟ إن أولئك الذين يفعلون الشر باختيارهم هم الذين قد باعوا إرادتهم للشر، ويجدون لذتهم فيه ويعقدون معه صداقة. مثل هؤلاء هم متصالحون مع الشيطان ولا يحاربونه في أفكارهم.

وأما اولئك الذين يفعلون الشر بدون إرادتهم فهؤلاء تحارب الخطية في أعضائهم (رو 7: 23). وقوة وحجاب الظلمة تحارب ضد إرادتهم وهم لا يتوافقون معها في أفكارهم، ولا يجدون لذتهم فيها، ولا يطيعونها بل يحاربون ضدها في القول والفعل. وهم يغضبون مع أنفسهم. فهؤلاء هم أسمى جدًا وأكرم في عيني الله من الذين يبيعون إرادتهم للشر ويفرحون به.

فإذا افترضنا أن ملكًا وجد فتاة فقيرة تلبس خرقًا بالية، ولم يستنكف منها بل أخذها وجردها من ثيابها الرثة وغسلها من سوادها وزينها بملابس أنيقة مبهجة وجعلها شريكته وجليسته على مائدته، فهكذا الرب أيضًا قد وجد النفس مجروحة ومضروبة، وأعطاها الدواء وخلع عنها الثياب السوداء وأزال عنها عار الخطية وألبسها الملابس الملوكيّة السماويّة أي ملابس اللاهوت اللامعة المجيدة.

ووضع تاجًا على رأسها وجعلها شريكة مائدته الملوكيّة للفرح والبهجة. وكما في حالة الحديقة الجميلة حيث توجد أشجار مثمرة ويكون الهواء مُحملاً بالرائحة الزكية، وتوجد أماكن كثيرة جميلة ومُنعشة وذلك لبهجة وراحة أولئك الذين يذهبون إلى هناك، هكذا أيضًا تكون النفوس في الملكوت فإنها تكون جميعها في فرح وسعادة وسلام، ويكونون ملوكًا وأربابًا وآلهة. لأنه مكتوب “ملك الملوك ورب الأرباب” (1 تي 6: 15).

فالديانة المسيحيَّة ليست إذن شيئًا عاديًا، “هذا سر عظيم” (أف 5: 32)، لذلك فاعرف قدرتك وسموك لكونك دُعيت إلى الكرامة الملوكيّة “جنس مختار كهنوت ملوكي وأمة مقدسة” (1 بط 2: 9)، لأن سر المسيحيَّة هو غريب بالنسبة لهذا العالم.

والمجد المنظور الذي للإمبراطور أو الملك وكل غناه، إنما هو أرضي وفاني ومضمحل وأما ذلك الملكوت وذلك الغنى السماوي فهو إلهي سماوي ومملوء مجدًا وهو لا يفنى ولا يضمحل لأن مثل هؤلاء المسيحيون يملكون مع الملك السماوي في الكنيسة السماويّة “وهو البكر من الأموات” (كو 1: 18) وهم أيضًا أبكار، ولكن رغم أن هذه هي حالتهم وهم مختارون ومقبولون أمام الله، فإنهم يعتبرون أنفسهم أقل الكل وليس لهم أي استحقاق، وقد صار أمرًا طبيعيًا عندهم أن يعتبروا أنفسهم كلا شيء.

نفسي ليست ثمينة عندي:

سؤال: هل معنى ذلك أنهم لا يعرفون أنهم قد نالوا شيئًا زائدًا وأنهم قد حصلوا على ما لم يكن لهم قبلاً أي ما هو غريب عن طبيعتهم؟

جواب: ما أقوله هم إنهم لا يعتبرون أنفسهم مستحقين لمدح الله ورضاه، ويعتبرون أنهم لم يتقدموا ويرتقوا، وهم لا يعرفون كيف حصلوا على ما لم يكن لهم قبلاً. ولكن برغم كل ذلك فإن النعمة نفسها تأتي وتعلّمهم أن لا يحسبوا “نفوسهم ثمينة عندهم” (أع 20: 24) رغم أنهم قد نموا وتقدموا. بل وأن يحسبوا أنفسهم كأنهم من طبيعتهم لا قيمة لهم.

ورغم أنهم مكرّمون وأعزاء عند الله ولكنهمم ليسوا مكرّمون عند أنفسهم. ورغم أنهم ينمون ويتقدمون في معرفة الله، فإنه يكونون كأنهم لا يعرفون شيئًا ورغم كونهم أغنياء عند الله فإنهم يرون أنفسهم فقراء- وكما أن المسيح “أخذ صورة عبد” (في 2: 7) وغلب الشيطان بالتواضع، هكذا فإنه في البداية سقط الإنسان عن طريق الكبرياء والمجد الباطل بخداع الحيَّة، والآن فإن الحيَّة نفسها التي تختبيء في القلوب البشريّة تحاول أن تصرع وتهلك كثير من جنس المسيحيين عن طريق الكبرياء والمجد الباطل.

وإذا كان إنسان حرّ وكريم المولد بحسب العالم وعنده غنى كثير، وهو مستمر في تنمية ثروته وزيادة دخله، فإن مثل هذا الإنسان يفقد اتزانه ويصير معتدًا بذاته واضعًا ثقته في ذاته. هذا الإنسان يصير غير محتمل، ويبتديء يرفس الآخرين ويبطش بهم. هكذا يكون الحال أحيانًا مع بعض الأشخاص الذين ينقصهم التمييز، فإنهم بمجرد أن يبدأوا في تذوق الفرح والقوة في الصلاة، فإنهم يبتدأون أن ينتفخوا روحيًا، ويفقدون اتزانهم، ويبدأون في إدانة الآخرين ولذلك يسقطون إلى أسفل أعماق الأرض.

وأن الحيَّة نفسها التي طردت آدم من الفردوس عن طريق الكبرياء بقولها “ستكونان كالآلهة” (تك 3: 5)، لا تزال تلقي بأفكار الكبرياء في قلوب البشر قائلة لكل منهم ” أنت كامل، إن عندك كثير وأنت غني، ولا تحتاج شيئًا، إنك مغبوط وسعيد”.

وهناك أشخاص آخرون أغنياء بحسب هذا العالم ومستمرون في تنمية ثرواتهم، ومع ذلك فإنهم يحفظون أنفسهم في حدود بعض البصيرة والتمييز ولا يفتخرون أو ينتفخون بل يظلون متزنين لأنهم يعرفون أن الوفرة والغنى يمكن أن يعقبها القلّة والشح. وأيضًا حينما تحدث لهم الخسارة والقحط فإنهم لا ييأسون بل يحفظون توازنهم عالمين أن الرخاء والوفرة ستعود مرة أخرى، وبكثرة تمرنهم في وقت الخسارة لا يندهشون ويتحيرون.

المسيحيَّة تذوق عميق وأكل للحق باستمرار:

والمسيحيَّة في حقيقتها هي تذوق عميق للحق، هي أكل وشرب للحق، أن تأكل وأن تشرب، وهكذا تستمر تأكل وتشرب لتنال القوة والفاعليّة. وإذا افترضنا أن هناك عين ماء يأتي إليها شخص عطشان ويبدأ أن يشرب منها ولكن في أثناء شربه يأتي شخص آخر ويصده قبل أن يرتوي تمامًا كما يريد، فإن ذلك الإنسان العطشان يشتعل عطشًا أكثر إلى الماء، لأنه قد تذوق الماء ولذلك فإنه يطلبه بغيرة وجهد أكثر. هكذا أيضًا في المجال الروحاني فإن الإنسان يتذوق الطعام السماوي ويشترك فيه، ثم يأتي في أثناء ذلك ما يمنعه فلا ينال شبعه تمامًا.

سؤال: ولماذا لا يُسمح له أن ينال شبعه الكامل؟

جواب: إن الرب يعرف ضعف الإنسان، وأنه ينتفخ بسهولة، ولهذا السبب فإنه يحجز عنه الشبع ويسمح للإنسان بأن يُمتحن ويُجرّب. فإذا كنت تنال قليلاً من النعمة ومع ذلك تصير غير محتمل وتكون منتفخًا، فكيف يكون الحال لو أنك أُعطيت حتى الشبع مرة واحدة بدون أن يحجز عنك الشبع؟ ولكن الله إذ هو يعرف ضعفك تمامًا فإنه بعنايته يرتب أن تأتيك الشدائد لكي تتضع وتطلب الله بغيرة واجتهاد. وكما يحدث في حالة إنسان فقير في الماديات وجد كيس ذهب وبخفة الفرح بدأ يصيح: “لقد وجدت كيسًا من الذهب وصرت إنسانًا غنيًا” وحينئذٍ يسمع صاحب الكيس الذي فقده فيأتي ويأخذ ذهبه.

وإنسان آخر كان غنيًا، وفقد اتزانه وبدأ يرفس الناس، ويحتقر كل واحد، ويعظِّم نفسه على غيره من الأشخاص، وحينما سمع الإمبراطور عنه صادر كل ممتلكاته. وهكذا الأمر في المجال الروحاني. فحينما يتذوق بعض الأشخاص قليلاً من العزاء والنعمة، فإنهم لا يعرفون كيف ينتفعون بما نالوا، بل إنهم يفقدون حتى ما قد نالوه لأن الخطية تضلّهم وتُظلِم عقولهم.

النعمة والسقوط وحريّة الاختيار:

سؤال: كيف يسقط البعض بعد افتقاد النعمة له أفلا يصير الشيطان أضعف بواسطة النعمة؟ وحيث يكون النهار كيف يمكن أن يكون هناك ليل؟

جواب: ليس أن النعمة تنطفيء أو تضعف، بل إن إرادتك وحريتك تُمتحن لكي يتضح إلى أي اتجاه تميل، ولهذا، فإن النعمة تعطي فرصة لوجود الخطية. وحينئذٍ تقترب أنت ثانية من الرب باختيارك وتتوسل إليه أن تأتيك النعمة وتفتقدك. فإنه مكتوب “لا تطفئوا الروح” (1 تس 5: 19) فالروح نفسه لا يمكن أن ينطفيء، بل هو نور دائم، ولكن إذا كنت أنت مهملاً، فبعدم توافقك وتعاونك مع الروح فإنك تنطفيء وتفقد الروح.

وبالمثل يقول الكتاب “لا تحزنوا الروح القدس الذي به ختمتم ليوم الفداء” (أف 4: 30) وأنت ترى هنا، أنك متروك لاختيارك وحريتك أن تكرم الروح القدس ولا تحزنه. وإني أؤكد لك أن حريّة الاختيار تظل باقية حتى في المسيحيين الكاملين الذين يُسبون بالصالحات ويسكرون بها، والنتيجة أنهم رغم تعرّضهم لآلاف من الشدائد والشرور فإنهم يتجهون إلى الصلاح.

وحينما يترك بعض الأشخاص- من ذوي الرتب والثراء والنسب- أموالهم ويلبسون ثيابًا فقيرة رثة ويقبلون المسكنة والإهانات بدلاً من التكريم والاحترام، ويحتملون الشدائد ويُحسبون بلا كرامة، فإنهم إنما يفعلون هذا باختيارهم وإرادتهم. وصدقني أن الرسل أنفسهم الذين كانوا كاملين في النعمة، لم تكن النعمة تمنعهم من أن يفعلوا ما يريدون، إن رغبوا أحيانًا أن يفعلوا شيئًا غير موافق للنعمة.

إن طبيعتنا البشريّة معرّضة لكل من الخير والشر، والقوة المعادية تعمل عن طريق الحث والإغراء وليس عن طريق الإجبار. وأنت تملك الحريّة أن تميل إلى الاتجاه الذي تريده. ألم تقرأ ما هو مكتوب أن بطرس “كان ملومًا” (غل 2: 11). وأن بولس قاومه مواجهة. فرغم كل ما كان عليه بطرس من نعمة فإنه استوجب التوبيخ. وبولس، مع كل الروحانيّة التي كان عليها، فإنه تشاجر مع برنابا حتى فارق أحدهما الآخر (أع 15: 39)، وبولس نفسه أيضًا يقول “اصلحوا أنتم الروحانيون مثل هذا.. ناظرًا إلى نفسك لئلا تُجرّب أنت أيضًا” (غل 6: 1). إذن فالروحانيون يُجربون لأن حريّة إرادتهم باقية، والأعداء يحاربونهم ماداموا في هذا العالم.

سؤال: ألم يكن الرسل يستطيعون أن يخطئوا لو أرادوا ذلك؟ أم أن النعمة كانت قوية جدًا فوق إرادتهم؟

جواب: إنهم لم يكونوا يستطيعون أن يخطئوا، لأنه لم يكن في استطاعتهم أن يختاروا الخطية لكونهم في النور وفي ملء النعمة. وأنا لا أقول إن النعمة كانت ضعيفة فيهم ولكن ما أقول إن النعمة تسمح حتى للأشخاص الروحانيّين الكاملين أن تكون لهم حريّة الإرادة، وأن يكون لهم السلطان أن يفعلوا ما يختارون، وأن يتجهوا الاتجاه الذي يرغبونه. والطبيعة البشريّة، إذ هي ضعيفة لها الإمكانيّة أن تميل إلى الشر حتى مع وجود الصلاح والنعمة فيها.

وكما أن هناك أناسًا يلبسون السلاح الكامل من الرأس إلى القدم مع الدروع وغيرها من الأسلحة، فإنهم حينئذٍ يكونون محفوظين في الداخل ولا يستطيع الأعداء أن يهاجموهم، فإنهم في استطاعتهم إمّا أن يستخدموا أسلحتهم ويحاربوا ويجاهدوا ضد الأعداء وينتصروا أو أن يصالحوا الأعداء ويعقدوا معهم صلحًا ويكفوا عن محاربتهم رغم أنهم يملكون السلاح. وبنفس الطريقة، فإن المسيحيين المسلحين بالقوة الكاملة والذين يملكون السلاح السماوي يستطيعون إن أرادوا أن يتصالحوا مع الشيطان ويكفوا عن الحرب. إن الطبيعة البشريّة معرّضة للتغيّر، والإنسان يستطيع إذا أراد أن يصير ابنًا لله أو ابنًا للهلاك. وفي هذا يتضح أن حريّة إرادتهم هي التي تحدد ماذا يكون.

أهمية الاختبار وبرهان الروح:

إن مجرد الحديث عن الأطعمة والمائدة شيء وأما أن تأكل وتتمتع بالطعام لتقوية أعضاء جسدك فهذا شيء آخر تمامًا. والحديث عن مشروب لذيذ بالكلمات شيء، وأما الاقتراب من الينبوع نفسه والشرب منه حتى الارتواء فهذا شيء آخر. وأن تتحدث عن الحروب وعن الأبطال والمحاربين الشجعان هذا شيء ولكن ذهاب الإنسان إلى المعركة في الطبيعة ومحاربة الأعداء وجهًا لوجه ومناوراتهم والأخذ والعطاء معهم والانتصار عليهم فهذا شيء آخر تمامًا.

وبالمثل في الأمور الروحيَّة: الكلام والحديث بالمعرفة والأفكار العقليّة هذا شيء، وأما الجوهر والحقيقة في ملء الاختبار وفي الإنسان الداخلي وامتلاك كنز ونعمة ومذاقة وفاعليّة الروح القدس في القلب فهذا شيء آخر. لأن أولئك الذين يتكلمون مجرد كلمات عارية يعيشون في أوهام، “وينتفخون في ذهنهم” (كو 2: 8).

والرسول يقول: ” وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع، بل ببرهان الروح والقوة” (1 كو 2: 4) وأيضًا يقول: “إن غاية الوصية هي المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء” (1 تي 1: 5). ومثل هذا الإنسان لا يسقط. وكثيرون من الذين يطلبون الله ينفتح لهم الباب ويبصرون الكنز ويدخلون فيه، وبينما هم يفرحون بهذا ويقولون “لقد وجدنا الكنز” فإنه يغلق الأبواب. ويبدأون بالصراخ والطلب والتوسل كثيرًا ويقولون “لقد وجدنا الكنز وضيعناه”. فإن النعمة تنسحب بقصد وتدبير لكي ما نسعى ونطلب باجتهاد وغيرة. والكنز يُكشف لنا لكيما يجعلنا نسعى في طلبه.

سؤال: يقول البعض إن الإنسان بعد أن ينال النعمة مرة فإنه يعبر من الموت إلى الحياة. فهل من الممكن لمن قد صار في النور أن تكون عنده أفكار غير طاهرة؟

جواب: مكتوب “أبعد ما ابتدأتم بالروح تكملون بالجسد” (غل 3: 3) وأيضًا يقول “البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس” (أف 6: 11).

وهذه النصوص تبين وجود وضعين: الأول هو الذي يكون فيه الشخص حينما يكون لابسًا سلاح الروح، والآخر حينما يحارب مع السلاطين والرؤساء سواء في النور أو الظلمة. ومكتوب أيضًا “لكي تقدروا أن تطفئوا سهام الشرير الملتهبة” (أف 6: 16). وأيضًا “لا تُحزنوا روح الله القدوس” (أف 4: 30) و أيضًا “لأن الذين استُنيروا مرة وذاقوا موهبة الله وصاروا شركاء الروح القدس وسقطوا لا يمكن تجديدهم أبدًا” (عب 6: 4).

فهناك أولئك الذين استُنيروا وذاقوا الرب ومع ذلك يسقطون. ومن ذلك نرى أن الإنسان يملك الإرادة أن يحيا في توافق وانسجام مع الروح، وأيضًا يملك الإرادة أن يحزنه. وهو يأخذ الأسلحة لكي يذهب إلى المعركة ليحارب الأعداء. إنه بالتأكيد قد استنار حتى يمكن أن يحارب ضد الظلمة.

الفرق بين المواهب والمحبة الكاملة:

سؤال: ماذا يعني الرسول بقوله “إن كان لي كل علم وكل نبوة وأتكلم بألسنة الناس والملائكة فلست شيئًا” (1 كو 13: 1-3).

جواب: لا ينبغي أن نفهم من هذا الكلام أن الرسول ليس بشيء ولكنه يعني أن كل هذه المواهب ليست شيئًا بالمقارنة بالمحبة الكاملة، وهذه كلها لها أهمية قليلة. والذي له مثل هذه المواهب يمكن أن يسقط. أما الذي يملك المحبة فلا يمكن أن يسقط. وإنى أؤكد لكم هذا، إني قد رأيت أشخاصًا نالوا كل المواهب الروحيَّة وكانوا شركاء للروح ولكن لأنهم لم يصلوا إلى المحبة الكاملة فقد سقطوا.

وأحد هؤلاء- وقد كان من النبلاء- رفض العالم وباع كل ممتلكاته وأطلق عبيده أحرارًا، ولأنه كان ذو حكمة وفهم، فقد نال شهرة كبيرة بسبب شدة تنسكه في الحياة. ولكنه- في نفس الوقت- كانت له أفكار عالية عن نفسه، وكان متكبرًا، ففي نهاية الأمر سقط في نجاسة فاضحة وآلاف أمور رديئة.

وإنسان آخر في زمن الاضطهاد، قدَّم جسده وصار معترفًا. ولما انتهي زمان الاضطهاد وأُطلق حرًا صارت له شهرة عظيمة لأن جفون عينيه كانت محترقة. وأيضًا هذا الإنسان نال مجدًا كثيرًا من الناس وكانوا يطلبون صلواته وصار يأخذ منهم نقودًا وتقدمات ويعطيها لخادمه. وتغيرت أفكاره حتى صار كأنه لم يسبق له أن سمع كلمة الله. وآخر قدّم جسده في زمن الاضطهاد، وعلقوا جسده وجلدوه ثم ألقوه في السجن، وهناك كانت تخدمه إحدى الراهبات، وقد كوّن ألفة معها أثناء وجوده في السجن وسقط معها في الزنى. فانظر كيف أن الرجل الغني، بعد أن باع كل ممتلكاته، وكذلك الذي قدّم جسده للاستشهاد كلاهما يمكن أن يسقط.

كان هناك ناسك حكيم، وكان يعيش معي في إقامة واحدة وكان يصلي معي، وكان غنيًا جدًا في النعمة حتى أنه حينما كان يصلي بجواري كانت تغمره الندامة والدموع، وكانت النعمة تغلي في داخله. وقد أُعطي موهبة الشفاء، ولم يكن يطرد الشياطين فقط، بل كان يضع يديه على أولئك المربوطين والمعذبين بأمراض خطيرة فيشفيهم. ثم بعد ذلك بدأ يتهاون لأنه كان ينال مجدًا كثيرًا من العالم: وكان يجد متعة ولذة في هذا المجد، وصار منتفخًا.

وسقط إلى أعماق الخطية. فانظر كيف أن الذي كانت له موهبة الشفاء قد سقط. ألا ترى أنهم يسقطون قبل أن يصلوا إلى المحبة الكاملة. لأن الذي يصل إلى المحبة يؤسر منها ويسكر بها. إنه يغطس فيها ويُمسك أسيرًا في عالم آخر، وكأنه لا يعرف شيئًا عن طبيعته القديمة.

معنى “ما لم تره عين.. “:

سؤال: ما معنى الآية التي تقول: “ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن وما لم يخطر على قلب بشر” (1 كو 2: 9)؟

جواب: في ذلك الزمان كان الأبرار والعظماء والملوك والأنبياء يعرفون أن المسيح لابد أن يأتي. ولكنهم لم يكونوا يعرفون ولا كانوا قد سمعوا أنه سيتألم ويُصلب ويُسفك دمه على الصليب ولم يخطر على بالهم أنه ستكون هناك معمودية بالنار والروح القدس وأن في الكنيسة ستُقدّم تقدمة الخبز والخمر مثالاً لجسده ودمه، وأن أولئك الذين يتناولون الخبز المنظور سيأكلون جسد الرب روحيًا، وأن الرسل والمسيحيين سينالون المعزي “ويتأيدون بالقوة من الأعالي” (لو 24: 49) ويمتلئون باللاهوت، وأن نفوسهم تمتزج بالروح القدس وتتشبع به، هذا لم يعرفه الأنبياء والملوك ولا خطر على قلبهم. والآن فإن المسيحيين يتمتعون بغنى عظيم يختلف عن غيره، وقلوبهم ممسوكة بشهوة اللاهوت، ولكن برغم كل ما يتمتعون به من فرح وتعزية فإنهم لا يزال عندهم، خوف ورعدة.

سؤال: أي خوف ورعدة؟

جواب: لئلا يتخذوا خطوة خاطئة، بل يظلون متوافقين مع النعمة. ومثل إنسان يملك كنوزًا كثيرة، ويسافر في رحلات حيث يوجد بعض اللصوص. فرغم أنه يفرح بغناه وكنوزه ولكنه يخاف لئلا يهاجمه اللصوص وينهبوه، ويكون كمن يحمل دمه على يديه. فانظر ها نحن من جهة الأمور الخارجيّة، قد تخلينا جميعًا عنها وصرنا غرباء لا نملك شيئًا، وتركنا كل عشرة جسديّة مع العالم.

والآن حينما يكون الجسد في وضع الصلاة فإن الإخوة هم الذين يرون هل العقل أيضًا متحد مع الجسد ومشترك في الصلاة أم لا؟ فإنه في حالة العمال المهرة والبنائين في العالم، فإنهم يكونون مقيدين بجسدهم وعقلهم ليلاً ونهارًا في حرفتهم. فانظر الآن جيدًا إلى نفسك: إنك متغرب بالنسبة للعالم، فهل عقلك متغرب عن العالم ولا يرتبط بأمور هذا العالم؟

إن كل إنسان في العالم، سواء كان جنديًا أو تاجرًا حيثما يكون جسده فإنه هناك يكون عقله وهناك يكون كنزه، كما هو مكتوب “حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضًا” (مت 6: 12).

ما هو كنزك؟:

والآن ما هو الكنز الذي يميل إليه قلبك ويسعى إليه. هل هو يميل كُلّيةً وتمامًا إلى الله أم لا؟ فإن لم يكن مائلاً إلى الله فأخبرني ما هو الذي يمنعك من ذلك، فبالتأكيد هناك الأروح الشريرة، أي الشيطان وجنوده الذين يجذبون العقل ويربطون النفس بالأغلال، لأن الشيطان ماكر جدًا وله حيل وخدع كثيرة من كل نوع، وهو يستولي على مراعي النفس وأفكارها ولا يدعها تصلي الصلاة الصحيحة وتقترب من الله. الطبيعة البشريّة عندها القابلية لتكوين شركة مع الشياطين وأرواح الشر، كما أن عندها قابلية أيضًا لتكوين الشركة مع الملائكة والروح القدس، فمن الممكن أن تكون هيكلاً للشيطان أو هيكلاً للروح القدس.

والآن افحصوا عقولكم يا إخوة، مع من أنتم في شركة؟ هل مع الملائكة أم مع الشياطين؟ وأنتم هيكل لمن: هل أنتم مسكن لله أم للشيطان؟ وما هو الكنز الذي يملأ قلبك: هل النعمة أم الشيطان. وكمثل بيت قد امتلأ بالروائح الكريهة والقذارة، ينبغي أن يتم تنظيفه تمامًا ويُنسق ويمتليء بكل رائحة طيبة وبكل الكنوز، لكي يأتي الروح القدس بدلاً من الشيطان ويجد راحة في قلوب المسيحيين.

وفي الحقيقة فإن الإنسان حينما يسمع كلمة الله لا يتحول في نفس اللحظة إلى جانب الصلاح. فلو أن مجرد الاستماع يجعله بين الصالحين لما كان هناك صراع أو أوقات حروب أو جهاد إذ أنه بمجرد سماعه فقط يتمتع براحة كاملة وبحالة سلام وكمال. ولكن حقيقة الأمر تختلف عن كل ذلك فإن الذين يظنون أن الأمور تسير هكذا إنما ينتزعون من الإنسان حريّة اختياره وأيضًا ينكرون بذلك وجود قوة معادية تحارب ضد الإنسان.

أما ما نقوله نحن فهو، إن الإنسان الذي يسمع الكلمة ويقبلها فإنها تقوده إلى التوبة، ثم بعد ذلك تنسحب النعمة قليلاً بتدبير عناية الله لأجل نمو الإنسان ومنفعته، فيدخل في التدريب ويتعلّم نظم الحرب، ويدخل في عراك وحرب ضد الشيطان وبعد كفاح طويل وعراك ينال الانتصار ويصير مسيحيًا. فلو كان مجرد الاستماع يجعل الإنسان من القديسين والصالحين لكان رجال اللهو وكل الزناة قد دخلوا إلى الملكوت والحياة الأبديّة. ولكنهم لن يُعطى لهم هذا بدون توبة وجهاد لأن الطريق مستقيم وضيق (مت 7: 14) وفي هذا الطريق الكرب ينبغي أن نسير ونحتمل الشدائد بصبر وهكذا ندخل إلى الحياة.

الاختيار بين الصلاح والشر- مكافأة اختيار الصلاح:

فلو أن النجاح الروحي ممكن بدون أي جهد، لما كانت المسيحيَّة “حجر صدمة وصخرة عثرة” (رو 9: 33). ولما كان هناك إيمان وعدم إيمان. وبذلك فإنك تجعل من الإنسان مخلوق على الضرورة والإجبار، غير قادر على الاتجاه إلى الخير أو إلى الشر. والقانون يُعطي فقط لمن يستطيع أن يتجه لأي من الاتجاهين- يُعطي لمن له الحريّة أن يدخل المعركة ضد القوة المعادية. ولا يمكن أن يوضع قانون لطبيعة تسير بالإجبار.

إن الشمس والسماء والأرض لا تحتاج أن تُسن لها قوانين، فإن مثل هذه المخلوقات طبيعتها محكومة جبريًا، ولهذا السبب فإنها لا تنال مكافأة ولا عقاب.. إن المكافأة والمجد إنما هي مُعدة لمن يتجه إلى الصلاح، أما جهنم والعقاب فهي مُعدة لهذه الطبيعة المتغيّرة، التي في استطاعتها أن تهرب من الشر، وتلقي بكل كيانها إلى الجانب اليمين أي جانب الصلاح والخير.

فإذا قلت إن الإنسان طبيعته غير متغيّرة فهذا يخالف حقيقة الواقع، ثم إنك تجعل الإنسان غير مستحق لأي مجد أو مدح من الله. فإن الذي هو صالح ورحوم بطبيعته، لا يستحق أي مدح على ذلك مع أن هذا (الصلاح والرحمة) أمر محبوب ومرغوب. إن من لا يصير في حالة الصلاح باختياره، لا يستحق المدح، مهما كان الصلاح مرغوبًا فيه. إن المدح إنما يستحقه ذلك الإنسان الذي يقرر هو شخصيًا ويتعهد مع الله بتعب واحتمال أن يكون الصلاح هو اتجاهه الشخصي واختياره الحرّ.

قوة العقل تعادل قوة الشرير- الانتصار بقوة النعمة:

فإذا كان معسكر الفرس في مواجهة معسكر الرومان فينبغي أن يخرج شاب مُجنح من كل معسكر منهما، لهما قوة متساوية ليصارعا في المعركة. فبالمثل فإن العقل البشري والقوة والمعادية هما متساويان في القوة في حربهما ضد بعضهما. فالشيطان يحث ويغري الإنسان لكي يتبعه، والإنسان له قوة معادلة ليرفض إيحاءاته ولا يطيعه بأي حال، وكل من الشر والخير يعمل عمله بالحث وليس الإجبار.

ومعونة النعمة الإلهيّة تُعطى لمن يختار الصلاح بحريته، وبدخوله في المعركة فإنه ينال الأسلحة السماويّة التي يستطيع بها أن يغلب الشر ويستأصله. أما أولئك الذين يقولون إن الخطية هي عملاق جبار والنفس هي كطفل صغير مخطئون فلو كان الأمر هكذا، حتى أن الخطية تكون قوة عملاقة، والنفس البشريّة في قوة طفل صغير، فيكون الله حينئذٍ ظالمًا، بإعطائه للإنسان قانونًا أن يحارب ضد الشيطان.

أساس الطريق الإلهي:

أن أساس طريق الله هو هذا: الصبر الكثير، والرجاء، والاتضاع، ومسكنة الروح التي أوصانا بها الرب، هي مثل علامات ولافتات في الطريق الملوكي لإرشاد المسافرين إلى المدينة السماويّة. لأنه يقول “طوبى للمساكين بالروح، طوبى للودعاء، طوبى لصانعي السلام” (مت 5: 3). وهذه هي المسيحيَّة. أما الذي لا يسير في هذا الطريق فإنه يضلّ إلى حيث لا طريق. ويكون قد بنى على غير أساس.

والمجد لتحننات الآب والابن والروح القدس إلى الأبد. آمين.

قوة سر الصليب والنار الإلهيّة – العظة 25 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

قوة سر الصليب والنار الإلهيّة – العظة 25 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

قوة سر الصليب والنار الإلهيّة – العظة 25 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

العظة 25 للقديس مقاريوس الكبير – قوة سر الصليب والنار الإلهيّة – د. نصحى عبد الشهيد

“هذه العظة تعلّم بأنه لا يستطيع إنسان، بدون أن يتأيد بالمسيح، أن يغلب

عثرات الشرير، وما ينبغي أن يفعله أولئك الذين يطلبون المجد الإلهي باشتياق،

وتعلم أيضًا أنه بواسطة عصيان آدم قد نزلنا جميعًا إلى عبودية الشهوات

اللحميّة، والتي أُنقذنا منها بالسرّ المختفي في الصليب، وتعلّم العظة أيضًا أن

قوة الدموع والنار الإلهيّة هي قوة عظيمة”.

السرّ الذي في الصليب:

أولئك الذين كُتب في داخلهم الناموس الإلهي، ليس بحبر وحروف بل هو مطبوع في قلوب لحمية، فهؤلاء إذ قد استنارت عيون أذهانهم ويتطلعون إلى الرجاء الذي لا يُلمس ولا يُرى بل هو غير منظور وغير مادي فهؤلاء يملكون القوة أن يغلبوا عثرات الشرير وذلك بقوة لا يمكن أن تُقهر.

أما أولئك الذين لم يُكرَّموا ويتشرفوا بكلمة الله ولم يتهذبوا بالشريعة الإلهيّة فإنهم “ينتفخون باطلاً” (كو 2: 8). وهم يظنون أنهم بإرادتهم الحرّة يستطيعون أن يقطعوا أسباب الخطية التي يُحكم عليها فقط بواسطة السرّ الذي في الصليب أن إرادة الإنسان الحرّة لها سلطان أن تقاوم الشيطان، ولكنها لا تمتد إلى السيادة المُطلقة على الشهوات. “فإن لم يبنِ الرب البيت- كما يقول الكتاب- وإن لم يحفظ المدينة فباطلاً يسهر الحارس، وباطلاً يتعب الباني” (مز 127: 1).

لأنه لا يستطيع أحد أن يطأ على “الأفعى والحية ويدوس الأسد والتنين” (مز 91: 13) إن لم يطهّر نفسه أولاً- بأقصى ما في طاقة الإنسان- وأن يتأيد بقوة ذلك الذي قال لرسله: “ها أنا أعطيكم السلطان لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو” (لو 10: 19).

حاجتنا للروح القدس للغلبة وللتبني:

فلو كانت طبيعة الإنسان لها القدرة بدون سلاح الروح القدس الكامل أن “تقف ضد مكايد إبليس” (أف 6: 11)، لما كان الرسول قد قال بتأكيد: “إله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا” (رو 16: 20). وأيضًا “الذي سيبيده الرب بنفخة فمه” (2 تس 2: 8). لهذا السبب أيضًا قد أوصانا الرب أن نصلي ونطلب قائلين “ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير” (مت 6: 13). فإن لم تخلّصنا معونة القوة العليا من سهام الشرير الملتهبة، وإن لم نُحسب أهلاً لأن نكون أبناء بالتبني، فإن حياتنا على هذه الأرض تكون حينئذٍ باطلة وبلا هدف، إذ نوجد بعيدين عن قوة الله.

لذلك فمن يريد ويشتهي أن يصير شريكًا في المجد الإلهي، وأن يرى كما في مرآة صورة المسيح في داخل عقله، فينبغي أن يطلب معونة الله التي تتدفق منه بقوة- يطلبها بحب مشتعل لا ينطفيء وبرغبة حارة من كل قلبه وكل قدرته، ليلاً ونهارًا، هذه المعونة الإلهيّة التي لا يمكن نوالها، كما قلت سابقًا إن لم يتخلَ الإنسان عن لذة العالم وعن شهوات ورغبات القوة المعادية، والتي هي أجنبية عن النور ومخالفة له وهي من نشاط وعمل الشرير، وليس لها أي قرابة أو مشابهة لعمل الصلاح بل هي غريبة تمامًا عنه.

حالة الإنسان العتيق:

لذلك، فإذا أردنا أن نعرف لماذا نحن الذين قد خُلقنا في كرامة ووُضعنا لنحيا في الفردوس، صرنا بعد ذلك “مثل البهائم التي لا تفهم وشُبهنا بها” (مز 49: 12، 20)، إذ قد سقطنا من المجد الأصلي، فاعرف أننا بواسطة التعدي، صرنا عبيدًا للأهواء الجسديّة. لقد أخرجنا أنفسنا من “أرض الأحياء المغبوطة” (مز 116: 9) وسرنا إلى الأسر حيث لا نزال “جالسين على أنهار بابل” (مز 137: 1).

ولأننا لا نزال محبوسين في “مصر”، لذلك فإننا لم نرث بعد أرض الموعد، “التي تقيض لبنًا وعسلاً” (خر 3: 8). إتنا لم نتخمّر بعد “بخميرة الإخلاص” (1 كو 5: 8)، ولكننا لا نزال في “خميرة الشر”. إن قلبنا لم يُرش بعد بدم الله، لأن “فخ جهنم” (أم 9: 18 السبعينيّة)، وصنارة الخطية لا تزال منصوبة فيه.

إننا إلى الآن لم نقبل بهجة خلاص المسيح، لأن “شوكة الموت” (1 كو 15: 55) لا تزال جذورها فينا. إننا لم نلبس بعد “الإنسان الجديد، المخلوق بحسب الله في القداسة” (أف 5: 24). لأننا لم نخلع بعد “الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الخطية” (أف 4: 22). إننا لم نحمل بعد “صورة السماوي” (1 كو 15: 49). ولم نصر “مشابهين لصورة مجده” (في 3: 21). إننا لم نعبد الله “بالروح والحق” (يو 4: 24) لأن “الخطية تملك في جسدنا المائت” (رو 6: 12).

إننا لم نرَ بعد “مجد الله الذي لا يفنى” (رو 1: 23) لأننا لا نزال تحت سطوة “الليل المظلم” (مز2: 11). وإلى الآن لم “نلبس أسلحة النور” (رو 13: 12) لأننا لم نلقِ عنا سلاح الظلمة وسهامها وأعمالها. نحن “لم نتغيّر بعد عن شكلنا بتجديد أذهاننا”، لأننا لا نزال “مشاكلين ومطابقين لهذا العالم” (رو 12: 2)، “في الذهن الباطل” (أف 4: 17).

إننا لم “نتمجد بعد مع المسيح، لأننا لم نتألم بعد معه” (رو 8: 17). إننا لا “نحمل سماته بعد في جسدنا” (غل 6: 17) لأننا لا نحيا في سرّ صليب المسيح، لأننا لا نزال في “أهواء وشهوات الجسد” (غل 5: 24). إننا لم نصر بعد “ورثة الله ووارثون مع المسيح” (رو 8: 7)، لأن “روح العبودية” لا يزال فينا وليس “روح التبني” (رو 8: 15)، وحتى الآن لم “نصر هيكلاً ومسكنًا للروح القدس” (1 كو 3: 16)، لأننا لا نزال هيكلاً للأصنام ومستودعًا لأرواح الشر بسبب تعلقنا بالشهوات.

وفي الحقيقة أننا إلى الآن لم نحصل على بساطة السيرة واستنارة العقل. وإلى الآن لم نُحسب أهلاً لنوال “اللبن العقلي العديم الغش” (1 بط 2: 2)، والنمو الروحي غير المنظور. وإلى الآن لم ينفجر النهار ولم يطلع كوكب الصبح في قلوبنا (2 بط 1: 19). “إننا لم نمتزج بشمس البرّ” (ملا 4: 2). ولا ابتدأنا أن نضيء بأشعته. إننا لم نقبل بعد “شبه الرب” (تك 1: 26)، ولا صرنا “مشاركين للطبيعة الإلهيّة” (2 بط 1: 4).

وإلى الآن لم نتحوَّل إلى ذلك الأرجوان الملوكي الحقيقي، ولا صرنا صورة الله الحقيقيّة. إننا لم نسبى بعد بالحب الإلهي ولا انجرحنا بمحبة العريس الروحانيّة. إننا لم نعرف بعد تلك الشركة السرّية التي تفوق الوصف ولم نعرف القوة والسلام الموجودان في القداسة. وبكلمة واحدة فإننا لسنا بعد “جنسًا مختارًا، كهنوتًا ملوكيًا، أمة مقدسة، شعب اقتناء” (1 بط 2: 9) لأننا لا نزال إلى الآن “حيات أولاد أفاعي” (مت 23: 33).

أنوح وأبكي أمام الله على شقاوتنا:

وكيف لا نكون سوى حيات، ونحن لا نطيع الله بل نعيش في العصيان الذي دخل إلينا بواسطة الحيَّة. وأنا لا أستطيع أن أعرف كيف أبكي وأنوح على شقاوتنا هذه كما تستحق ولا أعرف كيف أصرخ بصوتٍ عالٍ باكيًا أمام الله الذي يستطيع وحده أن ينزع مني الخطأ المزروع فيَّ. “كيف أرنم ترنيمة الرب في أرضٍ غريبة” (مز 137: 4)، كيف أنوح على أورشليم؟ وكيف أهرب من عبودية فرعون القاسية؟ وكيف أهجر مكان الإقامة الدنس؟

وكيف أستطيع أن أنكر أو أجمد الطغيان المُرّ؟ وكيف أستطيع أن أخرج من أرض مصر؟ وكيف أستطيع أن أعبر البحر الأحمر؟ وأسير في وسط البرية الكبرى؟ وكيف أنجو من الهلاك بلدغات الحيات؟ وكيف أهزم الغرباء؟ وكيف أحكم الأمم الذين في داخلي تمامًا[1] ، وكيف أتقبل أقوال الشريعة الإلهيّة على ألواح قلبي؟ وكيف أرى عمود النور الحقيقي والسحاب الناشيء من الروح القدس؟ وكيف أتنعم بمَنّ البهجة الأبديّة؟ وكيف أشرب الماء من الصخرة المعطية الحياة؟ كيف أعبر الأردن وأدخل إلى أرض الموعد الجيدة؟ وكيف أعاين رئيس جند الرب الذي حينما رآه يشوع بن نون، خر في الحال ساجدًا؟.

ضرورة العبور والدخول إلى الراحة:

لأنني إن لم أعبر بكل هذه وأحطم الأمم الذين يعيشون في داخلي فإنني لن أستطيع أن أدخل إلى “أقداس الله” وأستريح (مز 73: 17). “ولا أصير شريكًا في مجد الملك”.

لذلك اسعَ بكل اجتهاد لتكون ابنًا لله بلا لوم، وأن “تدخل في تلك الراحة” (عب 4: 11)، حيث دخل المسيح كسابق لأجلنا (عب 6: 20).

اجتهد أن يكون اسمك مكتوبًا في “الكنيسة التي في السماء مع الأبرار” (عب 12: 23)، لكي توجد عن “يمين العظمة في الأعالي” (عب 1: 3). اسعَ أن تدخل إلى المدينة المقدسة، أورشليم مدينة السلام، التي هي فوق، فوق الكل، حيث يوجد الفردوس. فلا يوجد أمامك طريق آخر للدخول إلى هذه الأمجاد العجيبة السعيدة سوى أن تسكب الدموع نهارًا وليلاً مثل ذلك الذي قال “كل ليلة أعوم سريري وبدموعي أبل فراشي” (مز 6: 6).

وأنت تعرف جيدًا أن “الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج” (مز 126: 6). لهذا السبب فإن النبي يقول بكل صراحة “لا تسكت عن دموعي” (مز 39: 12). وأيضًا “أجعل دموعي أمام عينيك كما وعدت” (مز 56: 8). وأيضًا “دموعي صارت لي خبزًا نهارًا وليلاً” (مز 42: 3). وفي مزمور آخر “مزجت شرابي بدموعي” (مز 102: 9).

قوة الدموع:

لأن الدموع التي تُسكب حقًا من حزن كثير وكآبة قلب وبمعرفة للحق واحتراق في الداخل، إنما هي طعام للنفس يأتيها من الخبز السماوي الذي سبقت مريم وأخذت منه حينما جلست عند قدمي الرب وبكت بحسب ما شهد لها المخلص نفسه. فإنه قال: “لقد اختارت مريم النصيب الصالح الذي لن يُنزع منها” (لو 10: 42).

فما أثمن تلك الدرر، التي تتساقط مع انسكاب وفيض الدموع المغبوطة! ويا لتلك الاستجابة الفوريّة والانصات المستمر! وأي عقل قوي حكيم! ويا لشدة روح الرب، التي تتحرك بقوة نحو عريس بلا عيب! وأي رغبة شديدة وشوق في النفس إلى الله الكلمة! وأي شركة حميمة للعروس مع العريس السماوي!.

النار الإلهيّة:

فتمثل بها إذن يا ابني، اقتدِ بتلك التي ثبتت عينيها عليه وحده، ذلك الذي قال “جئت لألقي نارًا على الأرض فماذا لو اضطرمت” (لو 12: 49).

فهناك اشتعال للروح، هو الذي يُشعل القلوب نارًا. فإن النار الإلهيّة غير الماديّة لها فاعليّة لإنارة النفوس وتمحيصها كما يُمتحن الذهب النقي بنار البوتقة. ولكنها (النار الإلهيّة) تحرق كل شرّ مثل الأشواك والقيود “لأن إلهنا نارًا آكلة” (عب 12: 29) “معطيًا نقمة للذين لا يعرفون الله، في نار لهيب، وللذين لا يطيعون إنجيله” (2 تس 1: 8).

وهذه النار هي التي عملت في الرسل حينما تكلموا بألسنة ناريّة (أع 2: 25). هذه النار هي التي أحاطت ببولس، بالصوت الذي أنار عقله ولكنها أعمت بصره (أع 9: 3). فلم تكن رؤيته لقوة ذلك النور بدون الجسد. هذه النار ظهرت لموسى في العليقة، وهذه النار، في شكل مركبة هي التي اختطفت إيليا من الأرض (2 مل 4: 11). وداود المبارك كان يطلب فاعليّة هذه النار حينما قال “امتحني يارب، جربني محِّص كليتيَّ وقلبي” (مز 26: 2).

هذه النار هي التي ألهبت طالب كليوباس ورفيقه حينما تكلم المخلص معهما بعد القيامة. والملائكة والأرواح الخادمة تأخذ من لمعان هذه النار كما هو مكتوب “الصانع ملائكته أرواحًا وخدامه نارًا ملتهبة” (عب 1: 7). وهذه النار هي التي تحرق الخشبة التي في العين الداخليّة، لتجعل العقل نقيًا، حتى إذا استرد قوة رؤيته الطبيعيّة، يمكنه أن يتفرس بلا انقطاع في عجائب الله كما هو مكتوب “اقتح عيني، لكي أبصر عجائب من شريعتك” (مز 119: 18).

هذه النار أيضًا تطرد الشياطين، وتنزع الخطايا، ولها قوة القيامة، وفاعليّة قوة الخلود، وهي نور النفوس المقدسة، وسند القوات العاقلة.

فلنصلِ ولنتوسل أن تأتي إلينا أيضًا هذه النار، حتى بسيرنا دائمًا في النور، فإننا “لا تعثر بحجر أقدامنا” (مز 91: 12) ولا إلى لحظة واحدة، بل “نضيء كأنوار في العالم” “ممسكين بكلمة الحياة الأبدية” (في 2: 15)، حتى إذا تنعمنا بخيرات الله بين قديسيه، فإننا نجد راحة مع الرب في الحياة، ممجدين الآب والابن والروح القدس الذي له المجد إلى الأبد. آمين.

[1]  يقصد الشعوب الوثنية وعبادة الأصنام الأهواء الشريرة.

قوة سر الصليب والنار الإلهيّة – العظة 25 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

كرامة النفس وتجارب الشر والانتصار – العظة 26 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

كرامة النفس وتجارب الشر والانتصار – العظة 26 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

كرامة النفس وتجارب الشر والانتصار – العظة 26 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

كرامة النفس وتجارب الشر والانتصار – العظة 26 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

كرامة وقيمة وقوة وفاعليّة النفس الخالدة، وكيف تُجرب بواسطة الشيطان،

وكيف تحصل على الحريّة من التجارب. وتحتوي العظة أيضًا على بعض

أسئلة مملوءة بتعاليم هامة.

كرامة النفس البشريّة:

أيها الحبيب، لا تستخف بالطبيعة العقليّة للنفس البشريّة. فالنفس الخالدة هي مثل إناء غالي الثمن، فانظر مقدار عظمة السموات والأرض، ومع ذلك فإن الله لم يُسرّ بها بل وجد مسرّته فيك أنت فاعتبر كرامتك وسموك، حيث إن الرب قد أتى لأجل حمايتك وخلاصك بنفسه وليس بواسطة ملائكة وذلك لكي يناديك ويدركك أنت، أنت الذي قد ضعت وضللت، أنت الذي جُرحت، وذلك لكي يعيدك إلى حالة وشكل آدم النقي الذي خُلق عليه أولاً. لأن الإنسان كان سيدًا على السموات والأرض، وقادرًا أن يميّز الأهواء، وكان غريبًا تمامًا عن الشياطين، وجُرح ومات. وأظلم الشيطان عقله. فهو هكذا من ناحية معينة، ومن ناحية أخرى هو لا يزال يحيا ويميز ويملك الإرادة.

استئصال الخطية:

سؤال: أليس صحيحًا أن الشهوة الطبيعيّة تُستأصل مع الخطية بحلول الروح القدس؟

الجواب: فقد سبق أن قلت إن الخطية تُستأصل والإنسان يسترجع ثانية شكل آدم الأصلي في طهارته. وفي الحقيقة، فإن الإنسان بقوة الروح والتجديد الروحاني لا يصل فقط إلى قياس آدم الأول، بل يصير في حالة أعظم منه لأنه يصير شريكًا للطبيعة الإلهيّة.

حدود حرب الشيطان:

سؤال: هل الشيطان يحارب ضدنا كما يشاء أم أن له حريّة محدودة في محاربتنا؟

الجواب: إن الشيطان يهاجم ليس المسيحيين فقط بل وعابدي الأصنام والعالم كله، فلو كان مسموحًا له أن يحارب كما يشاء لكان أهلك جميع البشر وحطَّم كل شيء. ولماذا هكذا؟ لأن هذه هي غايته وشهوته.

وكما أن الخزّاف يضع أوعيته في النار ويحمّي الفرن تدريجيًا وليس بما يفوق الحد اللازم لئلا تنشق الأواني، وأيضًا ليس بأقل من الحد اللازم لئلا تصير الأواني نيئة وغير نافعة للاستعمال، وكما أن الصائغ أو الجواهرجي يسلّط النار بقدر محسوب، لأنه إذا زادت النار عن اللازم يسيل الذهب والفضة ويصيران كالماء ويتلفان، وإذا كان عقل الإنسان يعرف كيف يقيس الأحمال المناسبة لدابته سواء كان جملاً أو غيره من الحيوانات بحسب قدرة كل حيوان على الحمل، فكم بالحري جدًا يفعل الله الذي يعرف قدر احتمال الناس لا يسمح للقوة المعادية أن تحارب كل إنسان إلاَّ بقدر احتماله وسعته.

كما أن الأرض رغم أنها واحدة، ومع ذلك فهناك أجزاء فيها صخرية وأجزاء أخرى سهلة وخصبة، وأجزاء مناسبة لزراعة الكروم وغيرها لزراعة القمح والشعير، هكذا أيضًا حقول القلوب البشريّة والمشيئات تختلف من واحد إلى آخر. وهكذا أيضًا مواهب النعمة التي من فوق تُوزع بتنوع واختلاف.

فلواحد تُعطى موهبة الكرازة بالكلمة، ولآخر موهبة التمييز ولثالث مواهب الشفاء (1 كو 12: 9). فإن الله يعرف طاقة كل إنسان في تحقيق وكالته، وهكذا أيضًا على حسب ذلك يوزع مواهبه المتنوعة. وبطريقة مشابهة أيضًا فيما يخص الحرب الداخليّة يسمح لقوة العدو بمحاربة كل واحد على قدر طاقته في تقبل ومواجهة حرب الشرير.

النعمة والطبيعة الشخصية:

سؤال: حينما ينال إنسان القوة الإلهيّة ويتغير بها نوعًا ما، هل يظل في الطبيعة التي كانت له قبلاً؟

الجواب: لكي ما تُمتحن الإرادة، بعد نوال النعمة لكي يظهر ميلها وموافقتها، فإن الطبيعة تظل كما كانت قبلاً: فالذي كان شديدًا يبقى على شدته، والرقيق على رقته. ولكن يحدث أحيانًا أن إنسانًا غير متعلّم يُولد ثانيةً روحيًا ويتحول إلى إنسان حكيم وتُعلن له الأسرار الخفيّة، ومع ذلك يظل على طبيعته كإنسان غير متعلم. وآخر قد يكون شديدًا بطبيعته ولكنه يُسلّم نفسه وإرادته لخدمة الله فيقبله الله رغم أن طبيعته تبقى على شدتها، ومع ذلك يُسرّ الله به.

وإنسان آخر يكون رقيقًا في عاداته ولطيفًا وصالحًا، ويعطي نفسه لله ويقبله الله ولكن إن لم يثبت في الصلاح فإن الله لا يُسرّ به لأن طبيعة البشر كلها قابلة للتغير إلى الخير أو إلى الشر، وهي قادرة على فعل الشر إذا أرادت، ولكن إذا أرادت أيضًا فلها القوة ألاَّ تتمّم الشر فعلاً.

ومثل الكتابة على الورق، فإنك تكتب شيئًا ربما لم تقصده ولذلك تمحوه ثانيةً. فالورق يتقبل أي نوع من الكتابة، هكذا الإنسان القاسي أو الشديد الذي يعطي ذاته لله فيقبله، فإنه يتحوّل إلى ما هو صالح. لأن الله يقبل الناس من كل الأنواع ومن كل الاتجاهات، لكي يُظهر رحمته. والرسل حينما كانوا يأتون إلى مدينة ويمكثون فيها بعض الوقت فإنهم كانوا يشفون بعضًا من المرضى والبعض الآخر لا يشفون.

والرسل من ناحيتهم يرغبون أن يعطوا الحياة لكل الموتى، والشفاء لكل المرضى. لكن لم يكن لهم ما أرادوا: فلم يكن مسموحًا لهم أن يفعلوا ما يشاءون. وبنفس الطريقة حينما أمسك والي الحارث، بولس الرسول فإن النعمة التي كانت مع الرسول كان يمكن لو أرادت أن تجعل الوالي وسور المدينة كلاهما يسقطان، حيث إن بولس كان إنسانًا مؤيدًا بالروح القدس، ولكن الرسول تدلى في زنبيل (2 كو 11: 32).

فأين كانت إذن القوة الإلهيّة المصاحبة له؟.. إن هذه الأشياء حدثت بتدبير العناية، وفي بعض الأمور كان الرسل يصنعون الآيات والعجائب، وفي حالات أخرى كانوا بلا قوة لكي يظهر الفرق بين الذين يؤمنون والذين لا يؤمنون، ولكي تُمتحن وتظهر حريّة الإرادة، وهل سيعثر البعض عندما يرون أنهم (أي الرسل) ضعفاء. فلو كان الرسل قد فعلوا كل ما شاءوا في كل شيء لكانوا قد أتوا بالناس إلى خدمة الله بالقوة الجبرية، ولا يكون الأمر حينئذٍ مسألة إيمان أو عدم إيمان. المسيحيَّة هي “حجر صدمة وصخرة عثرة” (رو 9: 33).

وأيضًا ما كُتب عن أيوب ليس بدون معنى، إذ يتضح من الكتاب أن الشيطان طلبه وسعى إليه. فإن الشيطان لا يستطيع أن يعمل شيئًا من ذاته بدون إذن من الله. وماذا يقول الشيطان للرب، “سلمه ليدي فإنه في وجهك سيجدف عليك” (أيوب 1: 12 سبعينية). ولا يزال أيوب كما هو، وهكذا الله أيضًا وكذلك الشيطان. فبقدر ذلك يطلبه الشيطان ويقول للرب “إنما هو يخدمك لأنك تساعده وتحميه وتعينه، ولكن أبسط يدك الآن وسلمه لي فإنه في وجهك يجدف عليك”.

وباختصار، بسبب أن الشخص يكون حاصلاً على العزاء بالنعمة، فإن النعمة تنسحب قليلاً حتى يمكن أن يُسلم للتجارب، ويأتي الشيطان ويحضر معه آلاف من الشرور كتجارب للإنسان مثل: اليأس والارتداد والأفكار الرديئة ليعذب بها النفس لكي يضعفها ويفصلها عن الرجاء في الرب.

ولكن الشخص الحكيم لا ييأس أبدًا في وسط التجارب والشرور، بل يتعلق بمن هو مُمسك به، ومهما أثار الشيطان ضده من حروب فإنه يصبر في وسط التجارب التي لا تُحصى قائلاً “إني ولو مت فلا أطلق الرب وأتركه”. وحينئذٍ فإذا صَبِرَ الإنسان إلى النهاية فإن الرب يحاور الشيطان قائلاً: “انظر كم من الشرور والمصائب جلبت عليه ومع ذلك فلم يُنصت إليك بل هو يخدمني ويتقيني”. فحينئذٍ ينغلب الشيطان من الخزي ولا يكون له شيء أكثر ليقوله.

وفي حالة أيوب، لو كان الشيطان قد علم أن أيوب سيظل ثابتًا في وسط التجارب ولن ينهزم لما كان قد طلبه، وذلك ليتحاشى الخزي الذي أصابه. وهكذا الآن أيضًا في حالة أولئك الذين يحتملون الشدائد والتجارب، فإن الشيطان يخزى ويندم لرجوعه خائبًا. والرب يقول له “انظر ها أنا قد أعطيتك الإذن وسمحت لك أن تجربه، فهل استطعت أن تفعل به شيئًا؟ وهل سمع لك في أي شيء؟”.

الشيطان معرفته محدودة بأفكار الإنسان:

سؤال: هل يعرف الشيطان كل أفكار الإنسان ومقاصده؟

جواب: إذا كان إنسان يرافق إنسانًا آخر، فإنه يعرف عنه كل ما يختص به. وإن كنت أنت الذي لك من العمر عشرون سنة، تعرف الأمور الخاصة بجارك، أفلا يستطيع الشيطان الذي يحتك بك منذ ولادتك أن يعرف أفكارك؟ فإن عمر الشيطان الآن ستة آلاف سنة. ومع ذلك فنحن لا نقول إنه يعرف ما ينوي أن يفعله الإنسان قبل أن يجربه؟ فالمجرب يبدأ بالتجربة ولكنه لا يعرف إن كان الإنسان سيطيعه أم لا إلى أن يأتي الوقت الذي فيه يُسلّم الإنسان إرادته للشيطان ليستعبده.

كما أنني لا أقول إن الشيطان يعرف كل أفكار واختراعات قلب الإنسان. فكما أن الشجرة لها فروع وأغصان كثيرة، هكذا النفس أيضًا لها فروع كثيرة من الأفكار، والشيطان يعرف بعض هذه الفروع، ولكن هناك أفكار ومقاصد أخرى لا يدركها الشيطان ولا يمسكها.

الالتجاء إلى الله بالإيمان والمحبة يهزم الشيطان:

فقد يحدث في أمر معيّن أن جانب الشر يكون أقوى في الأفكار التي داخلنا ولكن في أمر آخر ينتصر فكر الإنسان ويكون أقوى من الشر إذ ينال عونًا وفداءً من الله فيقاوم الشر ويمقته. إذن فإنه ينغلب في أمر وفي أمر آخر ينتصر.

فإنه أحيانًا يأتي إلى الله بحرارة، والشيطان يعرف هذا ويرى ذلك الإنسان ينفر منه ويقاومه، وأنه- أي الشيطان- عاجز أمامه. وما السبب في ذلك؟ السبب أن الإنسان له الإرادة والرغبة أن يصرخ إلى الله، وتوجد عنده الثمار الطبيعيّة لمحبة الله، ثمار الإيمان بالله، وطلب المجيء إليه.

ففي أمور العالم الخارجيّة التي حولنا، فإن الفلاح يُفلّح الأرض، ولكنه بالرغم من تفليحه لها، فإنه يحتاج إلى وابل من الأمطار من فوق. فإن لم يأتِ المطر من فوق فلا ينتفع الفلاح شيئًا من تفليحه الأرض. هكذا الأمر أيضًا في العالم الروحي. فإن هناك عاملان يؤخذان في الاعتبار. فأولاً، من الضروري أن يُفلّح الإنسان أرض قلبه بحريته واختياره وتعبه- فإن الله يريد أن يبذل الإنسان كل جهده ويتعب ولا يتكاسل- ولكن إن لم تظهر السحب السماويَّة وأمطار النعمة من فوق فإن الفلاح الروحاني لا ينتفع شيئًا من جهده وتعبه.

علامة المسيحيَّة:

هذه هي علامة المسيحيَّة إنه مهما فعل الإنسان وتعب ومهما عمل أعمال برّ، فإنه يشعر أنه لم يفعل شيئًا. وحينما يصوم فإنه يشعر في نفسه كأنه لم يَصم. وحينما يصلي يقول في نفسه “هذه ليست صلاة”. وعندما يثابر في الصلاة يشعر أنه لم يُثابر بعد بل يقول لنفسه “إنني فقط بدأت أن أمارس المثابرة والتعب”، وحتى إذا كان بارًا أمام الله فينبغي أن يقول “أنا لست بارًا، أنا لست عاملاً، ولكني فقط ابتديء في كل يوم”.

وينبغي أن يكون عنده الرجاء والفرح كل يوم وانتظار الملكوت الآتي والفداء الكامل، وأن يقول “إن لم أكن قد افتُديت (تحررت) اليوم فإنني سأُفتدى غدًا”. ومثل الإنسان الذي يزرع كرمًا، فإن عنده فرح ورجاء في نفسه قبل أن يبدأ الزرع، إذ هو يتصور الكرم في عقله ويحسب الربح الناتج منه أيضًا، قبل أن يثمر الكرم، وهكذا فإنه يبتديء بالتعب والجهد- لأن الرجاء والانتظار يجعلانه يجتهد بغيرة وحماس وينفق على الكرم لفترة طويلة من ماله.

وهكذا أيضًا الإنسان الذي يبني بيتًا أو يزرع حقلاً فإنه يتكلف كثيرًا في البداية، ولكنه يفعل ذلك على رجاء الربح الذي سيحصل عليه.

وبنفس الطريقة في هذا الأمر الذي أمامنا. فإن لم يضع الإنسان أمام عينيه الفرح والرجاء قائلاً في نفسه: “إنني سأحصل على الفداء الكامل (التحرر) والحياة”، فإنه لا يستطيع أن يحتمل الشدائد أو الأثقال بصبر ولا يستطيع السير في الطريق الضيق. فإن وجود الرجاء والفرح في قلبه هما اللذان يجعلانه يتعب ويحتمل الشدائد وثقل السير في الطريق الضيق.

ولكن كما أنه ليس من السهل خروج الميسم (سيخ حديد) من النار، هكذا فليس من السهل أن تهرب النفس من نار الموت إلاَّ بتعب كثير. فكثيرًا ما يوحي الشيطان بأفكار مضلّة تحت ستار الأفكار الصالحة مثل “بهذه الطريقة يمكنك أن ترضي الله” فهو يوحي إلى الشخص ويقوده بمكر إلى أفكار خادعة ولطيفة حسب مظهرها، وعندما لا يعرف الإنسان كيف يكتشف أو يميّز أنه مخدوع. فإنه يسقط في “فخ وهلاك إبليس” (1 تي 6: 9، 3: 7).

السلاح الفتاك:

إن أشد أسلحة المجاهد المسيحي فتكًا هي هذه: أن يحارب ضد الشيطان في أعماق قلبه، وأن يبغض نفسه، وينكر نفسه، وأن يغضب منها ويوبّخها، ويقاوم الشهوات التي تتحرك في داخله ويعارك مع أفكاره ويحارب ضد ذاته.

فإذا كنت تحفظ جسدًا خارجيًا من الفساد والدنس ولكنك ترتكب الزنا والفسق في أفكارك فإنك زانِ أمام الله ولا تنفعك عذراوية جسدك شيئًا. فإن كانت هناك امرأة شابة يحاول شاب أن يغريها ويخدعها حتى يفسدها بحيلته ومكره، فإنها بعد ذلك تصير مكروهة من زوجها لأنها صارت زانية.

هكذا أيضًا النفس الروحانيّة فإنها إذا عقدت شركة مع الحيَّة المختفية في ثنايا القلب الداخليّة، فإنها ترتكب الزنا مع الروح الخبيث ضد الله كما هو مكتوب “إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه” (مت 5: 28). فهناك زنى بالجسد، وهناك زنى آخر للنفس حينما تقيم شركة مع الشيطان. فالنفس إما أن تكون شريكة وقريبة للشياطين، أو لله والملائكة، فإن كانت تزني مع الشيطان، فهي لا تليق بالعريس السماوي.

الحرب مستمرة ولكن الرب يحفظ من الأذى:

سؤال: هل الشيطان يهدأ أحيانًا ويكون الإنسان حُرًا من الحروب؟ أم أن الحرب لا تكف عنه مادام حيًا في الجسد؟

جواب: إن الشيطان لا يهدأ أو يكف عن الحرب. ومادام الإنسان يحيا في هذا العالم ويلبس الجسد فهو مُعرّض للحرب. ولكن حين “تنطفيء سهام الشرير الملتهبة” (أف 6: 16) فأي ضرر يصيب الإنسان إذا أتى الشيطان بإيحاءاته؟ فالشخص الذي يكون صديقًا للملك، وتُرفع شكوى ضده من عدوه، فحيث إن الملك صديق له ويتمتع بفضل وإنعامات الملك، ويقدم له الملك المساندة والعون، فإنه لا يُصاب بأي ضرر.

وحينما ينجح أي شخص في أن يعبر بكل الرتب والدرجات ويصير صديقًا للملك، فلا يستطيع أحد أن يلحق به ضررًا. وفي هذا العالم المادي توجد بعض المدن التي تحصل على هبات وإنعامات من الإمبراطور. فحتى إذا قامت هذه المدن بالصرف على بعض الخدمات فإنها لن تخسر كثيرًا، حيث إنها تحصل على خيرات وافرة من الإمبراطور. هكذا المسيحيون أيضًا، فحتى إذا كان العدو يحارب ضدهم فإنهم يحتمون في الله كحصنهم وقوتهم، وقد لبسوا القوة والراحة من الأعالي، ولا يبالون بالحرب التي تقوم ضدهم.

وكما أن الرب لبس الجسد متخلّيًا عن كل رئاسة وقوة، كذلك المسيحيون يلبسون الروح القدس ويصيرون في سلام. فحتى إذا أتت الحرب من الخارج وبدأ الشيطان هجومه، فإنهم يتقوون داخليًا بقوة الرب ولا يقلقون من الشيطان.

فالشيطان جرّب الرب في البريّة أربعين يومًا ولم يصبه بأي ضرر باقترابه من جسده أو من الداخل إذ كان هو الله. هكذا المسيحيون، رغم أنهم يُجرّبون من الخارج فإنهم من الداخل مملؤون بالله ولا يصيبهم أي أذى. ولكن من يصل إلى هذه المقاييس، فإنه يكون قد وصل إلى محبة المسيح الكاملة، وإلى ملء اللاهوت. وأما من لم يكن هكذا فإنه لا يزال يعاني من الحرب في داخله.

فإنه في ساعة معينة يبتهج ويفرح في الصلاة ولكنه في ساعة أخرى يكون في شدة وفي حرب. وهذه هي إرادة الرب. فلأن مثل هذا الشخص لا يزال طفلاً، فإن الرب يدرّبه في الحروب، ومن داخله تنبع كلاً من أفكار النور والظلمة، والسلام والشدة، ومثل هؤلاء الأشخاص يصلون في سلام في بعض الأوقات وفي أوقات أخرى يكونون في ضيق وقلق.

ألا تسمع ما يقوله الرسول بولس؟ “إن كان لي كل المواهب، وإن سلّمت جسدي حتى احترق، وإن كنت أتكلم بألسنة الملائكة، وليس لي محبة فلست شيئًا” (1 كو 13: 1-3). فهذه المواهب هي فقط لأجل حثنا وتحريضنا. وأولئك الذين يكتفون بها فإنهم لا يزالون أطفالاً رغم أنهم في النور.

فكثيرون من الإخوة قد وصلوا إلى هذه الدرجات وحصلوا على مواهب الشفاء، والإعلانات والنبوة، ولكن لأنهم لم يصلوا إلى المحبة الكاملة التي هي “رباط الكمال” (كو 3: 18) فإن الحرب تثور ضدهم، ولأنهم لا يحترسون فإنهم يسقطون. ولكن الشخص الذي يصل إلى المحبة الكاملة فإنه يُحاصر بالنعمة ويصير أسيرًا لها. أما الذي يقترب قليلاً من هذه الدرجة- درجة المحبة الكاملة- ولكنه لا يُربط بالحب تمامًا ويُقيّد به، فمثل هذا الشخص لا يزال مُعرّضًا للخوف والحروب واحتمال السقوط، وإذا لم يحترس لنفسه فإن الشيطان يلقيه صريعًا على الأرض.

أسباب السقوط:

وبهذه الطريقة فإن كثيرين أخطأوا بعد أن حصلوا على النعمة. ظنوا أنهم قد حصلوا على الكمال وقالوا “هذا يكفي، إننا لا نحتاج إلى أكثر من ذلك”. ولكن الرب ليس له نهاية، ولا يمكن إدراكه بصورة كاملة ولا يجرؤ المسيحيون أن يقولوا “لقد أدركنا” الله (في 3: 13)، ولكنهم يظلون يسعون- بتواضع- ليلاً ونهارًا. وفي أمور هذا العالم نجد أنه ليس هناك نهاية للتعلّم، وأكثر الناس إدراكًا لهذه الحقيقة هو الشخص الذي حصل على درجة كبيرة من العلم والمعرفة.

هكذا أيضًا في هذا الأمر الذي نتحدث عنه، فالله لا يمكن قياسه أو إدراكه إلاَّ بواسطة أولئك الذين قد بدأوا يتذوقونه، أولئك الفين قبلوه شخصيًا، ويعترفون بضعفهم وعجزهم. فإذا ذهب إنسان له بعض العلم إلى قرية حيث الناس غير متعلّمين فإنهم يعجبون به، لأنهم جهلاء تمامًا فإنهم يمدحونه كأحد العلماء. ولكن إذا ذهب نفس هذا الشخص بعلمه القليل إلى مدينة حيث العلماء والخطباء فإنه لا يجسر أن يظهر بينهم أو يتكلم لأن العلماء الحقيقيون يحسبونه جاهلاً.

حالة الذي ينتقل أثناء الحرب الروحيَّة:

سؤال: إذا فرضنا أن إنسانًا لا يزال في حرب داخليّة ولا يزال يوجد في نفسه كلاً من الخطية والنعمة، فإذا انتقل من هذا العالم إلى أين يذهب، حيث إنه يميل نحو كل من الخطية والنعمة.

جواب: إله يذهب إلى حيث يميل قلبه وإلى حيث يوجد حبه. وما عليك إذا أتت عليك الشدة والحرب إلاَّ أن تقاومهما وتبغضهما. لأن مجيء الحرب عليك هذا ليس من صنعك. ولكن أن تبغض الحرب فهذا أمر متوقف عليك. وحينئذٍ إذ ينظر الرب إلى قلبك ويرى أنك تجاهد وأنك تحبه بكل نفسك، فإنه يطرد الموت عن نفسك في وقت قصير جدًا. فإن هذا ليس صعبًا عليه، ثم يأخذك إلى حضنه وإلى نوره.

وفي لحظة من الزمان ينتشلك من فم الظلمة وينقلك في الحال إلى ملكوته. فمن اليسير على الله أن يفعل كل الأشياء في لحظة من الزمان، إن كنت فقط تضع حبك فيه. إن الله يريد عمل الإنسان. لأن النفس البشريّة خُلقت لتكون لها شركة مع اللاهوت.

وقد سبق أن تكلّمت كثيرًا عن مَثَل الفلاح الذي يتعب ويلقي البذار في الأرض وكيف أنه ينبغي أن ينتظر المطر من فوق. فإن لم تظهر السحب وتهب الرياح فلا فائدة من تعب الفلاح. فإن البذار تبقى عارية. والآن نطبق هذا على الوضع الروحي، فالإنسان الذي يعتمد فقط على مجهوداته الخاصة ولا ينال ما هو خارج عن طبيعته البشريّة فإنه لا يستطيع أن يقدّم للرب ثمارًا تليق به.

والآن ما هو العمل المطلوب من الإنسان، هل أن يتجرد من العالم ويتركه، وأن يثابر على الصلاة ويسهر، وأن يحب الله والإخوة؟. هذه هي المجالات المطلوب من الإنسان أن يعمل ويثابر فيها. ولكنه إن استند على عمله هذا واكتفى به ولم يترجى أن ينال العطية الأخرى، التي هي رياح الروح القدس، فإن عدم هبوب رياح الروح على نفسه، بسبب عدم ظهور السحب السماويَّة، ولم نزول المطر من السماء ليرطب نفسه، فإن الإنسان لا يستطيع أن يقدم للرب الثمار التي تليق به (بالرب).

إنه مكتوب إن الكرام حينما يرى الغصن يأتي بثمر “ينقيه ليأتي بثمر أكثر” (يو 15: 2) وأما الغصن الذي لا يأتي بثمر فإنه ينزعه ويسلّمه للحريق. وفي الحقيقة يليق بالإنسان إذا صام أو سهر الليالي أو صلى أو عمل أي شيء من الصلاح، أن ينسب كل شيء للرب ويقول: “لو لم أنل القوة من الله لما كنت قد استطعت أن أصوم أو أصلي أو أتجرد من العالم”.

وبهذه الطريقة فإذ يرى الله قصدك، أنك تنسب كل ما تعمله إليه، فإنه ينعم عليك بما هو ليس من ذاتك أو من طبيعتك. أي بما هو روحاني وإلهي وسماوي. وما أعنيه هو ثمار الروح والفرح والسعادة.

الثمار الطبيعيّة والثمار الروحانيّة:

سؤال: ولكن حيث إن الثمار الطبيعيّة هي المحبة والإيمان والصلاة، فما هو الفرق بين هذه الثمار الطبيعيّة والثمار الروحانيّة؟

جواب: الأشياء التي تعملها من نفسك هي حسنة ومقبولة أمام الله، ولكنها ليست نقيّة تمامًا فمثلاً: أنت تحب الله، ولكنك لا تحبه محبة كاملة. فحينما يأتي الرب إلى داخلك فإنه يعطيك محبة سماويّة غير متغيرة. أو أنت تصلي ولكن صلاتك مُصابة بتشتيت الأفكار والقلق. وحينما يأتي الرب إليك فإنه يعطيك الصلاة النقيّة “بالروح والحق” (يو 4: 23) وإننا نجد في العالم المادي، أن التربة غالبًا ما تخرج أشواكًا من نفسها.

والفلاح يحفر ويصلح الأرض بعناية ويضع فيها البذار، ولكن الأشواك التي لم يزرعها أحد تنبت وتتكاثر. إذ أنه بعد سقوط آدم قيل له “شوكًا وحسكًا تنبت لك الأرض” (تك 3: 18). ومرة ثانية يتعب الفلاح في الأرض ويقتلع الأشواك ولكنها مع ذلك لا تزال تتكاثر. وإذا طبقنا هذا تطبيقًا روحيًا نجد أنه منذ سقوط الإنسان صارت تربة القلب البشري تنبت شوكًا وحسكًا. والإنسان يعمل ويتعب، ومع ذلك تنبت فيها أشواك الخطية، إلى أن يأتي الروح القدس نفسه “ويعين ضعفات الإنسان” (رو 8: 26).

ويزرع الرب الزرع السماوي في تربة القلب ويفلحها. ولكن برغم ذلك، لا يزال الحسك والشوك ينبتان ثانية. ثم يعمل الرب والإنسان معًا في أرض النفس ولا تزال أشواك وأرواح الشر تنبت وتنمو هناك حتى يأتي وقت الصيف والحرارة الشديدة حين تتفاضل وتتزايد النعمة فتجف الأشواك وتذبل من حرارة الشمس.

النعمة المتفاضلة تلغي سلطان الخطية:

فرغم أن الشر موجود في الطبيعة البشريّة (بعد نوال النعمة) ولكنه لم يعد له السلطان أن يسود عليها كما كان سابقًا. فرغم أن الزوان يمكن أن يخنق نبات القمح في بداية نموه ولكن حينما يأتي الصيف وتنضج حبوب القمح فإن الزوان لا يكون له أي ضرر على القمح بعد ذلك. فإذا وضعت ربع مكيال[1] من الزوان في ثلاثين مكيال من القمح النقي واختلطت معها فأي تأثير يكون للزوان. فإن كمية القمح الكبيرة تطغى بسبب وفرتها على الزوان القليل.

هكذا أيضًا في مجال النعمة، فحينما تتفاضل عطية الله وتفيض نعمته في الإنسان فيصير غنيًا بالرب، فحتى إذا كانت الخطية حاضرة فيه إلى درجة ما، فإنها لا تستطيع أن تؤذيه ولا يكون لها سلطان أو قوة عليه. وهذا هو الهدف من مجيء الرب وعنايته بالإنسان- هو أن يطلق الذين كانوا أسرى للخطية ومستعبدين لها، ويجعلهم أحرارًا وغالبين للموت والخطية. لذلك فلا ينبغي أن يستغرب الإخوة إذا أصابتهم ضيقات وشدائد من الناس فهذا يساعد على تخليصهم وتحريرهم من الخطية.

كان موسى وهرون اللذان أُعطيا الكهنوت في العهد القديم، يتحملان شدائد كثيرة، أما قيافا حينما جلس في كرسيهما اضطهد الرب وحكم عليه. والرب سمح بأن يتم هذا احترامًا للكهنوت. وبالمثل فإن الأنبياء قد اضطُهدوا من أمتهم وشعبهم.

وفي كنيسة العهد الجديد خلف بطرس، موسى، واستأمنه المسيح على كنيسته الجديدة والكهنوت الحقيقي. لأن المعمودية الآن هي معمودية النار والروح القدس. وقد أُعطينا ختانًا في القلب. لأن الروح الإلهي السماوي يسكن في داخل العقل.

ومع ذلك فحتى أولئك الكاملين ليسوا أحرارًا من القلق تمامًا ماداموا في الجسد، وذلك بسبب حريّة إرادتهم، ولذلك يتعرضون للخوف. ولهذا السبب عينه يُسمح لهم بأن يُجربوا. ولكن حينما يصل الإنسان إلى مدينة القديسين، فإنه حينئد يستطيع أن يحيا بدون اضطراب وبدون تجارب. وهناك لا يوجد حزن أو اضطراب أو تعب أو شيخوخة أو شيطان أو حرب، بل هناك راحة وفرح وسلام وخلاص.

والرب موجود في وسطهم وهو مخلصهم لأنه هو الذي أطلق المأسورين أحرارًا. وهو يُدعى الطبيب لأنه معطي الدواء السماوي الإلهي. ويشفي آلام وأهواء النفس التي تكون من بعض الوجوه متسلطة على الإنسان. وبالاختصار فإن يسوع هو الملك والله، أما الشيطان فهو طاغية ورئيس الشر.

النفس لها الاختيار بين الله والشيطان:

ولنقل ببساطة، إن الله وملائكته يرغبون أن يجعلوا هذا الإنسان واحدًا معهم ليكون معهم في ملكوت الله، والشيطان أيضًا وملائكته يرغبون أن يضموا الإنسان إليهم ليكون معهم. والنفس موجودة في الوسط بين هذين الكيانين- والجانب الذي تميل إليه إرادتها فإنها تصير ملكًا له وابنًا له. فكما يحدث من الأب الذي يرسل ابنه إلى أرض غريبة، حيث توجد وحوش كاسرة وحيات سامة في الطريق، فإنه يعطيه أدوية وعلاجات يجهزه بها حتى إذا قابلته الوحوش أو التنانين لتهاجمه فإنه يستطيع أن يستعمل الأدوية ليقتلها.

الدواء السماوي والقلب النقي:

فاجتهدوا أنتم أيضًا في الحصول على الدواء السماوي الذي هو شافي النفس وواقيها، لكي بواسطته تستطيعون أن تقتلوا الوحوش السامة- وحوش الأرواح النجسة. فبالحقيقة أنه ليس من السهل الحصول على قلب نقي إلاَّ بتعب وجهد كثير. فإنه بذلك يحصل الإنسان على ضمير نقي وقلب طاهر وينتزع منه الشر كله.

فإنه يحدث أحيانًا أن تأتي النعمة إلى إنسان ومع ذلك لا يكون قلبه نقيًا تمامًا. وهذا هو السبب الذي يجعل كثيرين يسقطون، فإنهم يسقطون لأنهم لا يصدقون أنهم بعد نوالهم النعمة لا يزال فيهم دخان وخطية، تستطيع أن تؤثر عليهم.

وأما جميع الأبرار فإنهم أرضوا الرب إذ ساروا في الطريق الضيق الكرب وساروا فيه إلى النهاية.

فإبراهيم رغم أنه كان غنيًا من جهة الله ومن جهة العالم إلاَّ أنه اعتبر نفسه “تراب ورماد” (تك 18: 27) وداود يقول إنه “عار عند البشر ومُحتقر الشعب، أما أنا فدودة لا إنسان” (مز 22: 6). وبنفس الطريقة، فإن كل الأنبياء والرسل أُهينوا وشُتموا، والرب نفسه، الذي هو الطريق، وهو الإله، حينما جاء إلى العالم لأجلك وليس لأجل نفسه، ليكون مثالاً لك في كل ما هو صالح.

انظر إلى المسيح:

انظر، إلى أي تواضع صار ووضع نفسه “آخذًا صورة عبد” (في 2: 7)، وهو يعطي بنفسه أدوية شافية ويشفي كل المجروحين حينما ظهر من الخارج كأنه واحد من “المجروحين” (إش 53: 4-5).

ولكن لا تحتقر مجده الإلهي حينما تراه من الخارج متواضعًا كواحد منا. فإنه من أجلنا ظهر هكذا وليس لأجل نفسه، تأمل جيدًا في تلك الساعة حينما كانت الجموع المزدحمة تصرخ “اصلبه اصلبه” (لو 23: 21) وكيف كان متواضعًا ومسحوقًا أكثر من جميع الناس. وكما يحدث في العالم حولنا فإن أي إنسان مجرم حينما يحكم عليه القاضي فإنه حينئذٍ يكون مكروهًا ومرذولاً من جميع الناس، هكذا كان الرب في ساعة الصليب وكإنسان محكوم عليه بالموت كان الفريسيون يعاملونه باحتقار شديد.

وحينما بصقوا في وجهه ووضعوا إكليل الشوك على رأسه وضربوه فأي احتقارٍ وهوانٍ قد احتمله؟ لأنه مكتوب “بذلت ظهري للضاربين، وجهي لم أستر من العار والبصاق وخدي من اللطم” (إش 50: 6). فإن كان الله قد تنازل لاحتمال هذه الإهانات والآلام والتحقير، فكم بالحري أنت الذي بطبيعتك ترابي ومائت. فمهما احتُقرت فإنك لن تفعل أبدًا مثل سيدك- فإنه لأجلك وضع نفسه، أفلا تضع أنت ذاتك لأجل نفسك أم تظل متكبرًا ومنتفخًا.

لقد أتى ليحمل على نفسه آلامك وأثقالك وخطاياك، وليعطيك راحته، ولكنك ترفض أن تحمل أية متاعب أو أن تتألم لكي تحصل على شفاء لجروحك. والمجد لصبره وطول أناته إلى الأبد آمين.

[1]  (ربع) المكيال المقصود يساوي (1 على 8) من مكيال القمح فتكون نسبة الزوان إلى القمح 1: 240.

كرامة النفس وتجارب الشر والانتصار – العظة 26 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

الربح العظيم والخميرة السماوية – العظة 24 للقديس مقاريوس الكبير –د. نصحى عبد الشهيد

 الربح العظيم والخميرة السماوية – العظة 24 للقديس مقاريوس الكبير –د. نصحى عبد الشهيد

الربح العظيم والخميرة السماوية – العظة 24 للقديس مقاريوس الكبير –د. نصحى عبد الشهيد

العظة 24 للقديس مقاريوس الكبير – الربح العظيم والخميرة السماوية – د. نصحى عبد الشهيد

حالة المسيحبين تشبه التجارة وتشبه الخميرة. وكما أن التجار يجمعون الأرباح

 الأرضيّة، هكذا فإن المسيحيين يجمعون أفكارهم المشتتة في العالم. وكما أن

الخميرة تخمر العجين كله، هكذا فإن خمير الخطية يتغلغل في كل نسل آدم،

ولكن المسيح يسكب في النفوس المؤمنة خميرة الصلاح السماوية.

التجارة العظيمة:

إن المسيحيين يشبهون التجار الذين يتاجرون للمكاسب العظيمة وكما أن التجار يجمعون مكاسب أرضية من الأرض، هكذا المسيحيون أيضًا يجمعون أيضًا أفكار قلوبهم من الأرض كلها، التي تكون قد تشتّت في هذا العالم الحاضر. وهم يفعلون هذا بواسطة كل الفضائل وبمعونة قوة الروح القدس. وهذه هي التجارة العظمى والحقيقيّة.

لأن هذا العالم يتعارض مع العالم السماوي، وهذا الدهر هو مخالف للدهر الأبدي لذلك فينبغي على المسيحي، حسب تعليم الكتاب المقدس، أن يجحد العالم وينتقل ويرتفع بفكره عن هذا العالم الحاضر، (الذي يوجد فيه العقل الآن وهو يتعرض للإغراءات وذلك منذ سقوط آدم) إلى عالم آخر، العالم السماوي. وينبغي أن يحيا بفكره في العالم الإلهي في الأعالي كما هو مكتوب “إن سيرتنا هي في السموات” (في 3: 20).

ولكن هذا لا يمكن أن يتحقق إذا لم يجحد المسيحي هذا العالم ويؤمن بالرب من كل قلبه. وفي هذه الحالة فإن قوة الروح الإلهي تستطيع أن تجمع القلب المشتت في الأرض كلها وتأتي به إلى محبة الرب وتنقل الذهن إلى العالم الأبدي.

خميرة الشر:

لأنه منذ سقوط آدم، قد تشتت أفكار النفس بعيدًا عن محبة الله متجهة إلى هذا العالم، واختلطت بالأفكار الماديّة الأرضيّة. وكما أن آدم حينما تعدى قَبِلَ في ذاته خميرة الأهواء الشريرة وهكذا اشترك في هذه الخميرة كل الذين وُلدوا منه أي كل جنس البشر- وقد نمت وتكاثرت خميرة الشر في الناس حتى وصلوا إلى الفسق والنجاسة والدعارة وعبادة الأصنام والقتل وغيرها من الأعمال الشنيعة حتى تشبع الجنس البشري بخميرة الخطية. وتزايد الشر بين الناس للدرجة التي ظنوا فيها أنه لا يوجد إله وصاروا يعبدون الأحجار العديمة الحس ولم يستطيعوا حتى أن يتصوروا بفكرهم وجود الله. إلى هذه الدرجة قد تخمّر نسل آدم القديم كله بخميرة الأهواء الشريرة.

المسيح الفادي والخميرة السماوية:

وبنفس الطريقة فإن الرب، حينما أتى على الأرض، سُرّ أن يتألم عن الجميع لكي يشتريهم ويستردهم بدمه، ولكي يضع خميرة الصلاح السماوية في النفوس المؤمنة، التي كانت مسحوقة ومذلولة تحت الخطية- ثم سُرّ أيضًا أن يحقق ويكمل فيهم كل برّ أوصاهم به وكل فضيلة وذلك بواسطة عملية النمو والتقدم إلى أن يتخمروا إلى واحد في الصلاح، ويصيروا مع الرب “روحًا واحدًا”. كما يقول القديس بولس (1 كو 6: 17)، وحتى أن الخطية والشرّ لا تستطيع حتى بالفكر أن تأتي إلى النفس التي تتخمر هكذا تمامًا وكلية بالروح الإلهي كما هو مكتوب “المحبة لا تفكر بالشر” (1 كو 13: 5).

ولكن بدون الخميرة السماوية التي هي قوة الروح الإلهي، لا يمكن للشخص أن يتخمر بصلاح الرب ويصل إلى الحياة. كما أن أبناء آدم لم يكونوا ليخدعوا بالشر والخطية ويتحولوا إليها لو لم تكن خميرة الشر، التي هي الخطية، قد دخلت إلى آدم نفسه، تلك الخميرة الشريرة هي قوة من الشيطان ذات طبيعة روحيَّة عقليّة.

وكما يحدث في حالة الإنسان الذي يعجن دقيقًا بدون أن يضع فيه خميرة، فمهما كان الجهد الذي يبذله في تقليبه وعجنه، فإن العجينة تظل غير مخمرة وغير مناسبة للأكل، ولكن إذا وُضِعت الخميرة في العجين فإنها تجتذب كل كتلة العجين وتخمِّرها كلها وتجعلها خميرًا كما قال الرب في مثله عن الملكوت، “يشبه ملكوت السموات خميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاث أكيال دقيق حتى اختمر الجميع” (مت 13: 33).

مزج خميرة الروح:

إذا كان إنسان عنده لحوم ويلزم أن يحفظها ولكنه لم يملّحها بالملح الذي يقتل الدود ويمنع الرائحة الكريهة، فإن اللحوم تنتن وتتعفن وتصبح غير صالحة لاستعمال الناس. وبنفس الطريقة انظر إلى كل جنس البشر وتصوّرهم كلحم أو كعجين غير مختمر وتيقن أن الملح والخميرة إنما ينتميان إلى عالم آخر، أي طبيعة الروح القدس الإلهيّة.

والآن إذا لم تمتزج خميرة الروح السماوية- ذلك الملح الصالح المقدس، ملح اللاهوت، الذي من فوق- إذا لم يمتزج ويدخل في طبيعة البشر الضعيفة فإن الإنسان لا يستطيع أن يتخلّص من رائحة الخطية الكريهة. مثل ذلك الإنسان لا يتخمّر لكي يخلع عنه ثقل الخطية ويتحرر وينفك من حالة عدم التخمر (بالروح) الناتجة من الشر.

فكل ما يظن الشخص أنه يفعله بذاته، ويبذل جهدًا واهتمامًا وتعبًا كثيرًا في تتميمه معتمدًا على قواه الخاصة وحدها ويظن أنه يستطيع أن يحقق نجاحًا كاملاً بذاته، بدون معونة الروح القدس، فإنه يضل ضلالاً عظيمًا، فمثل هذا الموقف لا يناسب من يسعى إلى السماويَّات- إلى الملكوت. إذ أن مثل هذا الشخص يعتقد أنه يستطيع من ذاته وبذاته وحدها بدون الروح، أن يصل إلى النقاوة الكاملة.

فإذا لم يأتِ الإنسان- المعذب بالأهواء إلى الله منكرًا العالم، ويؤمن ويثق برجاء وصبر أنه سينال شيئًا صالحًا مختلفًا تمامًا عن طبيعته الخاصة، وأعني به قوة الروح القدس، وإن لم يسكب عليه الرب من فوق حياة اللاهوت، فإن هذا الإنسان لن يختبر الحياة الحقيقيّة أبدًا (الحياة الإلهيّة)، ولن يفيق من سكر الأمور الماديّة. ولن تضيء إنارة الروح- ساطعة بلمعان وبهاء- في تلك النفس المظلمة، ولن تنيره بنور “يوم مقدس” ولن يستيقظ من سبات الجهل العميق، ليمكنه إذا استيقظ أن يعرف الله حقيقة عن طريق قوة الله وفاعليّة نعمته.

لأنه إذا لم يُحسب الإنسان أهلاً بالإيمان، أن ينال النعمة فلا نفع فيه ولا يكون لائقًا للملكوت. ولكن من الجهة الأخرى فإنه إذا نال نعمة الروح ولم يتغير ذهنه أو إذا لم يقاوم النعمة بالإهمال أو رديء الأعمال، وهكذا يجاهد زمنًا لكي لا يحزن الروح، فإنه يحسب أهلاً للشركة في الحياة الأبديّة، فإنه كما أن الإنسان يدرك تأثيرات الشر عن طريق معرفته بالأهواء ذاتها، أعني عن طريق الغضب والشهوة والحسد والهم الرديء، والأفكار الشريرة وغير ذلك من الأشياء الخاطئة.

هكذا أيضًا يجب على الإنسان أن يدرك فعل النعمة وقوة الله عن طريق الفضائل، أعني عن طريق المحبة والشفقة والصلاح والفرح، والبساطة والبهجة الإلهيّة لكي يصير مشابهًا للطبيعة الصالحة الإلهيّة ومشتركًا معها بفاعليّة النعمة اللطيفة المقدِّسة وحينما تمتحن إرادة الإنسان مع الزمن والنمو وبحسب الفرصة (المتاحة له)، لكي يظهر ما إذا كان الإنسان متفقًا مع النعمة باستمرار ومرضيًا لها، فإنه بالتدريج يتحول ليصير متفقًا تمامًا مع الروح، وهكذا يصير مقدسًا ونقيًا بواسطة فعل الروح ويصير لائقًا للملكوت. والمجد والعبادة والسجود للآب الكلي الطهارة، وللابن وللروح القدس إلى الأبد. آمين.

الربح العظيم والخميرة السماوية – العظة 24 للقديس مقاريوس الكبير –د. نصحى عبد الشهيد

العائلة السماوية وسلاح الروح – العظة 23 للقديس مقاريوس الكبير

العائلة السماوية وسلاح الروح – العظة 23 للقديس مقاريوس الكبير

العائلة السماوية وسلاح الروح – العظة 23 للقديس مقاريوس الكبير

العظة 23 للقديس مقاريوس الكبير – العائلة السماوية وسلاح الروح – د. نصحى عبد الشهيد

“كما أن الجوهرة الملوكيّة الثمينة لا يستطيع أحد أن يلبسها إلاَّ المولودين من نسل الملوك، هكذا فإن أولاد الله فقط هم الذين يسمح لهم أن يلبسوا الجوهرة السماوية”.

المولودون من الروح:

إن الجوهرة العظيمة الثمينة الملوكيّة، والتي تختص بالتاج الملوكي، إنما تليق بالملك وحده. والملك فقط هو الذي يستطيع أن يلبس هذه الجوهرة ولا يسمح لإنسان آخر أن يلبس مثل هذه الجوهرة. هكذا أيضًا، إذا لم يولد الإنسان من روح الله الملوكي، ويصير من أعضاء العائلة السماويّة الملوكيّة وابنًا لله بحسب المكتوب:

“وكل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله” (يو 1: 12)، فلا يستطيع أن يلبس الجوهرة السماوية الثمينة جدًا، أي صورة النور الذي لا يعبر عنه- الذي هو الرب نفسه، وذلك لأنه ليس ابنًا للملك. لأن أولئك الذين يمتلكون الجوهرة ويلبسونها، إنما يحيون مع المسيح ويملكون معه إلى الأبد. لهذا يقول الرسول “كما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضًا صورة السماوي” (1 كو 15: 41).

وكما أن الجواد طالما هو يرعى مع الحيوانات الوحشية في البريّة، فإنه لا ينقاد للناس ولا يطيعهم. ولكن بعد أن يمسك لكي يروض، فإنهم يضعون عليه لجامًا ثقيلاً إلى أن يتعلم أن يسير بنظام وانضباط. بعد ذلك يمكن أن يركبه راكب ماهر ليدربه لكي يصير نافعًا في الحروب. وبعد ذلك يضعون عليه السلاح: الدرع الزرد[1] وبعد أن يرفعوا عنه اللجام ويهزونه أمام عينيه لكي يتعود عليه ولا يخاف منه.

وهكذا يعلّمه الفارس، حتى يستطيع أن يشترك في الحرب. لأنه بدون درع ولجام فإن الحصان لا يكون ذو نفع في الحرب. ولكن بعد أن يتدرب ويعتاد الحرب، فإنه بمجرد أن يشم رائحة المعركة ويسمع صوت الحرب فإنه في الحال يهجم على العدو من نفسه حتى أن الصوت الذي يصنعه الجواد يكون كافيًا لإلقاء الرعب في قلب العدو.

روح المسيح يغير الإنسان:

وبنفس الطريقة فإن الإنسان منذ السقوط صار متوحشًا وغير مطيع وهو يتجول في بريّة العالم مع الوحوش، التي هي أرواح الشر. وهو تحت الخطية ويرفض أن يخدم ويطيع. ولكن حينما يسمع كلمة الله، ويؤمن فإن الروح يلجمه ويجعله يخلع عنه عاداته الوحشية وأفكاره الجسديّة إذ يصير الآن تحت قيادة المسيح الذي يسوقه ويقوده.

وبعد ذلك يتعرّض الإنسان لشدائد ويختبر ضيقات في ترويضه للخضوع لنير المسيح. وهذا يكون كامتحان للنفس حتى تصبح بالتدريج مطيعة رقيقة سهلة الانقياد بواسطة الروح. والخطية التي فيها تتناقص بالتدريج إلى أن تتلاشى كلية. وهكذا إذ يلبس الإنسان “درع البر” و”خوذة الخلاص” و”ترس الإيمان” و”سيف الروح” (أف 6: 14)، فإنه يتعلّم أن يحارب ضد أعدائه.

وهكذا إذ يتسلّح بروح الرب فإنه يقاتل أرواح الشر، ويطفيء سهام الشرير الملتهبة. ولكن بدون سلاح الروح لا يتقدم إلى خط القتال، ولكن، حينما يحصل على سلاح الرب فإنه بمجرد أن يسمع ويحس بوجود الحروب فإنه يتقدم، “بصياح وهتاف” كما يقول في أيوب (أي 39: 25)، لأن مجرد صوت صلاته يوقع الأعداء ساقطين على الأرض. وهكذا إذ يقاتل وينتصر في الحرب بقوة الروح، فإنه ينال أكاليل الغلبة بثقة عظيمة وهكذا يجد راحة ويستريح مع الملك السماوي، الذي يليق به المجد والقدرة إلى الأبد آمين.

[1]  الزرد هي قطعة من السلاح مصنوعة من حلقات حديدية على شكل ضفيرة تغطي الصدر تمامًا.

العائلة السماوية وسلاح الروح – العظة 23 للقديس مقاريوس الكبير

العظة 22 للقديس مقاريوس الكبير – حالة النفس بعد الموت – د. نصحى عبد الشهيد

العظة 22 للقديس مقاريوس الكبير – حالة النفس بعد الموت – د. نصحى عبد الشهيد

العظة 22 للقديس مقاريوس الكبير – حالة النفس بعد الموت – د. نصحى عبد الشهيد

العظة 22 للقديس مقاريوس الكبير – حالة النفس بعد الموت – د. نصحى عبد الشهيد

“الحالتان اللتان تكون عليهما النفوس التى تنتقل من هذه الحياة”

حينما تخرج نفس الإنسان من الجسد فإن هناك سرّ عظيم يتحقق. فإن كان الشخص المنتقل تحت ذنب الخطية فإن جماعات من الشياطين والملائكة الساقطين وقوات الظلمة يأتون ويأسرونه ويأخذون تلك النفس إلى مكانهم. ولا ينبغي أن يتعجب أحد من هذه الحقيقة. لأنه إذا كان هذا الإنسان أثناء حياته في هذا العالم خاضعًا لهم وعبدًا مطيعًا لهم، فكم بالحري عندما يترك هذا العالم، فإنه يصير أسيرًا لهم في مملكتهم.

ويمكنك أن تفهم هذا الأمر، مما يحدث لأولئك الذين في الجانب الآخر- جانب الصلاح والغبطة.

فإن عبيد الله القديسين تحرسهم الملائكة باستمرار وتحيط بهم الأرواح المقدسة وتحميهم، وحينما يخرجون من الجسد، فإن جماعات الملائكة تستلم نفوسهم وتحملها معهم إلى مساكنهم في عالم الأبديّة النقي، وهكذا يحضرونهم إلى الرب، الذي يليق به المجد والقدرة إلى الأبد آمين.

الحرب الروحية – العظة 21 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

الحرب الروحية – العظة 21 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

الحرب الروحية – العظة 21 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

الحرب الروحية – العظة 21 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

“الإنسان المسيحي يخوض معركتين، معركة داخليّة وأخرى خارجيّة. المعركة الخارجيّة هي في ابتعاده عن الارتباكات العالمية وأما المعركة الداخليّة فتحدث في القلب ضد إيحاءات أرواح الشر”.

الحرب الخارجية والحرب الداخلية:

الإنسان الذي يريد حقيقة أن يرضي الله ويكون معاديًا حقًا للعدو الشرير، ينبغي أن يقاتل في معركتين. معركة منهما تكون في الأمور المنظورة لهذه الحياة، وذلك بأن يتحول تمامًا ويبتعد من الارتباكات الأرضيّة ومحبة الارتباطات العالمية ومن الشهوات الخاطئة.

والمعركة الأخرى تحدث في الداخل- في الخفاء ضد أرواح الشر نفسها، كما يقول الرسول “فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء، مع أجناد الشرّ الروحية في السماويَّات” (أف 6: 12).

نوعان من القيود:

فالإنسان حينما تعدى الوصية وطُرد من الفردوس، صار مقيدًا من ناحيتين، وبقيدين مختلفين. أحد هذين القيدين كان عن طريق هذه الحياة، أي في اهتمامات المعيشة ومحبة العالم، أعني محبة اللذّات الجسديّة والشهوات، ومحبة الغنى والعظمة والمقتنيات والزوجة والأولاد، والأقرباء والأهل والبلد، والأماكن الخاصة، والملابس وكل الأشياء الأخرى المتصلة بالحواس، والتي تحثه كلمة الله على أن ينفك منها باختياره، (حيث إن ما يربط أي إنسان بكل أمور الحواس إنما يكون باختياره ورضاه)، حتى إذا تحرر من كل هذه الاهتمامات يستطيع أن يحفظ الوصية حفظًا كاملاً.

وإلى جانب هذا الرباط- ففي كيان الإنسان الداخلي، تكون النفس محاصرة بسياج ومربوطة بقيود الظلمة من أرواح الشر، فيكون الإنسان غير قادر أن يحب الرب كما يريد، أو أن يؤمن كما ينبغي، أو أن يصلي كما يرغب. فمن كل ناحية توجد مقاومة سواء في الأمور المنظورة والظاهرة أو في الأمور الخفيّة غير المنظورة، وهذه المقاومة قد نتجت وصارت فينا من سقوط الإنسان الأول.

قبول الكلمة واكتشاف الحرب الداخليّة:

لذلك فحينما ينصت أي إنسان لكلمة الله ويقبلها، ويدخل في المعركة ويلقي عنه اهتمامات هذه الحياة ورباطات العالم وينكر كل اللذّات الجسديّة ويتحرر منها، فبعد ذلك إذ يلازم الرب وينتظره في الصلاة وبمداومة، فإنه يصير في وضع يمكنه من أن يكتشف وجود حرب أخرى في داخل قلبه، إنه يكتشف مقاومة خفيّة وحرب أخرى مع إيحاءات أرواح الشر وتنفتح أمامه معركة أخرى.

وهكذا بوقوفه ثابتًا صارخًا إلى الرب بإيمان لا يتزعزع وصبر كثير، منتظرًا الحماية والمعونة التي تأتي منه، فإنه يستطيع أن يحصل من الرب على حريّة داخليّة من القيود والسياجات والهجمات وظلام أرواح الشر التي تعمل في مجال الشهوات والأهواء الخفيّة.

نعمة الله تبطل الحرب تمامًا:

ولكن هذه الحرب تبطل وتنتهي تمامًا بنعمة الله وقوته. فلا يستطيع إنسان بذاته، أن ينقذ نفسه بقوته الخاصة من مقاومة وغوايات الأفكار والشهوات الداخليّة وحيل الشر.

أما إذا كان الإنسان مربوطًا بالأمور الماديّة الحسيّة التي لهذا العالم، وواقعًا في شرك الرباطات الأرضيّة المتنوعة ومنساقًا بشهوات الشر، فإنه لا يستطيع حتى أن يكتشف وجود معركة أخرى، وأن هناك حرب تدور في داخل نفسه.

فالإنسان حينما يدخل المعركة ويتحرر من الرباطات العالميّة الخارجيّة ويحل نفسه من الأمور الماديّة ولذات الجسد ويبتديء أن يتعلّق بالرب ويلتصق به مفرغًا نفسه من هذا العالم، فإنه حينئذٍ يستطيع أن يرى ويكتشف حرب الشهوات والأهواء الداخليّة التي تحدث في باطنه. ويصير واعيًا وعارفًا بهذه الحرب الداخليّة، حرب الإيحاءات الشريرة.

وكما قلت سابقًا، فإنه إذا لم يناضل وينكر العالم ويتحرّر من الشهوات الأرضيّة بكل قلبه ويشتهي ويصمم بكل نفسه أن يصير ملتصقًا كلية بالرب، فإنه لا يكتشف ولا يعرف خداع أرواح الشر الخفي وشهوات الشر الخفيّة. ويظل غريبًا عن نفسه ولا يعرف أنه مجروح من الداخل وأن فيه شهوات خفيّة وهو لا يدري بها. لأنه لا يزال مربوطًا بالأشياء الخارجيّة ومتعلقًا بأمور هذا العالم وارتباكاته برضاه وموافقته.

نوال السلاح السماوي والانتصار:

ولكن الإنسان الذي رفض العالم حقًا وطرح عنه ثقل هذه الأرض وألقى عنه الشهوات الباطلة الجسديّة، وشهوات المجد والسلطان والكرامات البشريّة وابتعد عنها جميعًا بكل قلبه- (حيث إن الرب يعطيه النعمة والمعونة سرًا في هذا الصراع المستمر، حتى أنه يتنكر للعالم تمامًا).

ووضع في قلبه بثبات أن يخدم الرب ويعبده ويلتصق به بكل كيانه، جسدًا ونفسًا، مثل هذا الإنسان، أقول، إنه يكتشف وجود المقاومة، أي الأهواء الخفيّة والقيود غير المنظورة والحرب الخفيّة- أي المعركة والصراع الداخلي، وهكذا إذ هو يتوسل إلى الرب، فإنه ينال السلاح السماوي: سلاح الروح القدس، الذي وصفه الرسول المبارك بقوله “درع البرّ، وخوذة الخلاص، وترس الإيمان، وسيف الروح” (أف 6: 14). وإذ يتسلح بهذه الأسلحة فإنه يستطيع أن يقف ضد خداعات إبليس، حتى رغم كونه محاطًا بالشرور.

وإذ قد سلّح نفسه بهذا السلاح بكل صلاة ومواظبة وطلبة وصوم مع إيمان، فإنه يصير قادرًا أن يحارب ضد الرئاسات والسلاطين وولاة ظلمة هذا العالم، وهكذا بانتصاره على القوات المعادية بمساعدة الروح القدس مع سعيه وغيرته في كل فضيلة فإنه يكون معدًا للحياة الأبديّة، ممجدًا للآب والابن والروح القدس الذي له المجد والقدرة إلى الأبد آمين.

الحرب الروحية – العظة 21 للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version