الخريستولوجي السكندري – مفاهيم أساسية

الخريستولوجي السكندري – مفاهيم أساسية

 

الخريستولوجي السكندري – مفاهيم أساسية

 

1- لاهوت كامل للمسيح

2- بشريّة كاملة للمسيح

أي أنّ المسيح إنسان كامل، له عقل بشريّ، أي روح عاقلة، وله نفس وجسد حقيقيّ، لا ينتقص من جوهر إنسانيّته أي نقيصة، فهو ماثلنا في كلّ شيء، ما خلا الخطية وحدها. قال القديس أثناسيوس بوضوح إن:

”الجسد الذي كان الكلمة فيه (اتخذه الكلمة) لم يكن مساويًا للاهوت في الجوهر، ولكنه كان مولودًا بحق من مريم، بينما الكلمة نفسه لم يتغير إلى عظم ولحم لكنه أتى في جسد. لأن ما قاله يوحنا: ” الكلمة صار جسدًا “[1] له هذا المعنى، كما يمكننا أن نرى في عبارة مشابهة، فبولس يكتب قائلًا: “المسيح..

صار لعنة لأجلنا”.[2] وكما أنه هو نفسه لم يصر لعنة، ولكنه قيل أنه صار كذلك لأنه أخذ لنفسه اللعنة نيابةً عنا، وهكذا أيضًا صار جسدًا ليس بأن تغير إلى جسد، ولكن لأنه نيابة عنا أخذ جسدًا حيًا وصار إنسانًا“.[3]

وقد كان القديس أثناسيوس أيضًا واضحًا في تعليمه عن الجسد الحى الذي اتخذه كلمة الله أنه يعني ناسوت كامل، أي جسد ونفس عاقلة معًا. وكتب يقول:

”لكن حقًا إن خلاصنا ليس ظاهرًا فحسب، كما أنه ليس ممتدًا إلى الجسد فقط، إنما الإنسان كله، الجسد والنفس على السواء، قد حصلا على الخلاص في الكلمة نفسه”.[4] وقال أيضًا “أن نقول إنّ ” الكلمة صار جسدًا”، يعادل قولنا إن “الكلمة صار إنسانًا”؛ كما جاء في يوئيل: “إنى أسكب روحيّ على كلّ بشر”[5]؛ لأن الوعد لم يمتد إلى الحيوانات غير العاقلة، وإنما للبشر، الذين صار الرّبّ إنسانًا من أجلهم (لحسابهم)“.[6]

من أهم التعاليم التي كان يشدّد عليها القديس كيرلس في فترة ما قبل النزاع النسطوريّ هو التأكيد على كمال إنسانيّة المسيح.

في رسالة موجهة من القديس كيرلس إلى مكسيميانوس أسقف القسطنطينيّة يؤكِّد على كمال إنسانيّة المسيح قائلًا:

”…حيث أن كلمة الله الوحيد الجنس صار إنسانًا كاملًا مثلنا، ليس باحتماله تحولًا أو تغييرًا أو اختلاطًا، كما يتكرّر كثيرًا، أو امتزاجًا، أو انتقالًا إلى ما لم يكن عليه، بل بالحرى ظل كما كان، أيضًا في إنسانيته التي هيَ مثلنا“.

ثم يستطرد مؤكدًا على وجود نفس إنسانيّة في المسيح رافضًا بكل صراحة تعاليم أبولليناريوس:

”ونحن نعترف أن جسده المتحد به حقًا كانت تحييه نفس عاقلة. لأننا لا نرضخ لآراء ذلك المجنون أبولليناريوس، ولكن لأننا نتمسك بالاعتقاد الحق فنحن نحرم أبولليناريوس وآريوس وأفينوميوس ومعهم نسطوريوس لأن عندنا الإيمان المُسلم لنا من فوق: “كمرساة للنفس مؤتمنة وثابتة” (عب19:6) حسب الكتاب. وبناء على ذلك، فكما قلت: نحن نعترف بالواحد والوحيد والابن الحقيقي لله الآب ربنا يسوع المسيح، عالمين أنه هو نفسه الله الكلمة من الآب والإنسان من امرأة، وهو في كرامة السيد حسب الطبيعة (الإلهية) وفي الهيئة العبد بسبب التدبير.

القديس كيرلس يوضح أن قول الكتاب ” الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1) يعني أنه اتحد بجسد ذي نفس عاقلة. فالكلمة اتخذ له جسدًا من مريم وجعله خاصة له ولذلك حمل ابن الإنسان وصار مثلنا:

”…الكلمة الذي من الله الآب وحد بنفسه جسدًا حيًا بنفس عاقلة بطريقة تفوق الفهم وبكيفية لا يمكن التعبير عنها وجاء إنسانًا من امرأة إذ قد صار مثلنا ليس بتغير في طبيعته بل بالحرى بالمسرة الخاصة بتدبير تجسده، لأنه سرّ أن يصير إنسانًا دون أن يفقد ما هو عليه بالطبيعة كإله“.[7]

ويلاحظ أن القديس كيرلس يتبع اللاهوت الأسكندري في أن الإنسان مكون من عنصرين النفس والجسد، وهذا بخلاف التعليم الأنطاكي الذي يُعلِّم بأن الإنسان مركب من ثلاث عناصر: النفس والروح والجسد. وربما التجأ أبولليناريوس إلى التعليم الأنطاكي عندما أُدين لكي يُعلِّم بأن المسيح كان عبارة عن: لوغوس + روح + جسد. ولكن طبعًا في هذه الحالة كان الروح بمفهومه عبارة عن نفس غير عاقلة أي بدون عقل = نوس

3- الاتحاد الحقيقيّ وتبادل الخواص

أي أنّ اتحاد اللاهوت بالناسوت، أو الكلمة الإلهيّ بالجسد المولود من مريم العذراء، اتحاد حقيقيّ وكامل، حتّى قيل عن جسد المسيح أنّه جسد الله الخاص بحسب التعبير الكيرلسيّ. فبدون هذا الاتحاد نفقد المعنى الجوهريّ لخلاصنا. وليس بحسب الهرطقة النسطوريّة أنّ الله والجسد اثنان من بعد الاتحاد وليسا واحدًا، وهذا بالتبعية يؤثر على خلاص الجنس البشريّ الذي احتاج أن يتوحّد بالله في المسيح لينال الشفاء من مرض الخطية القاتل وسلاحها الفعَّال، أي الموت.

وبالرغم من أن نسطور جاء لاحقًا للقديس أثناسيوس، إلاّ أن القديس أثناسيوس قدم تعليمًا صارمًا ضد هرطقة نسطور. فقد كتب:

”كيف يغامر أناسًا يُدعون مسيحيين مجرد أن يرتابوا فيما إذا كان الرّبّ الذي وُلِدَ من مريم، بينما هو ابن الله بالجوهر والطبيعة، هو “من نسل داود من جهة الجسد”[8]، ومن جسد القديسة مريم؟ أم من كان مجازفًا فيقول إنّ المسيح الذي تألم بالجسد وصُلب ليس ربًا ومخلصًا وإلهًا وابن الآب؟

أو كيف يستطيعون أن يتمنوا أن يُدعوا مسيحيين الذين يقولون إن الكلمة حلّ على رجل قديس كما على أحد الأنبياء، ولم يصر هو نفسه إنسانًا، آخذًا جسدًا من مريم؛ لكن إن المسيح هو شخص واحد، بينما كلمة الله، الذي كان قبل مريم وقبل الدهور ابنًا للآب، هو آخر؟ أم كيف يُدعون مسيحيين أولئك الذين يقولون إن الابن واحد وكلمة الله آخر؟ “[9]، كتب أيضًا أن: “كلمة الله جاء في شخصه هو نفسه، لأنه هو وحده صورة الآب، الذي يقدر أن يعيد خلقة الإنسان الذي عُمل على صورته“.[10]

لقد رفض القديس أثناسيوس أي فصل بين لاهوت وناسوت ربنا يسوع المسيح. وكتب قائلًا:

”الآخرين الذين قسموا غير المنقسم ينكرون حقيقة أن “الكلمة صار جسدًا وحل بيننا”[11].[12]

وكتب أيضًا:

”نحن لا نعبد مخلوقًا. ليبعد هذا التفكير، لأن مثل هذا الخطأ يخص الوثنيين والآريوسيّين. ولكننا نعبد رّبّ الخليقة، المتجسد، كلمة الله. لأنه وإن كان الجسد أيضًا في ذاته هو جزء من العالم المخلوق، إلاّ أنه صار جسد الله. لهذا نحن لا نقسم الجسد عن الكلمة، لنعبده في ذاته، كما أننا عندما نرغب في عبادة الكلمة نحن لا نفرده (نعزله) بعيدًا عن الجسد، ولكن كما ذكرنا سابقًا، إننا في معرفتنا، أن ” الكلمة صار جسدًا ” نحن ندركه أنه الله أيضًا، بعدما صار جسدًا.

وبالتالى من هو فاقد الشعور هذا الذي يقول لله: ” أترك الجسد حتّى استطيع أن أعبدك ” أو غير التقى لينضم إلى اليهود فاقدى الشعور في قولهم، بخصوص الجسد، ” فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا؟ “[13] أما الأبرص فلم يكن من هذا النوع لأنه سجد لله في الجسد، وأدرك أنه كان الله قائلًا: ” يا سيد إن أردت تقدر أن تطهرني”“[14].[15]

شرح القديس أثناسيوس كيف أن كلمة الله جعل خصائص الجسد خاصة به وكتب:

”إنّ الكلمة غير المادى جعل خصائص الجسد خاصة به، حيث إنه جسده الخاص به. لماذا، عندما ضرب الجسد بواسطة أحد الخدام، فلأنه هو الذي تألم، سأل: ” لماذا تضربنى؟ “[16] وبالرغم من كونه بالطبيعة غير محسوس، إلاّ أن الكلمة قال: ” بذلك ظهرى للضاربين وخدى للناتفين، وجهى لم استر عن العار والبصق “.[17] 

لأن ما تألم به الجسد البشرى للكلمة، هذا نسبه الكلمة الساكن في الجسد إلى نفسه… وإنه لعجيب بالحقيقة أنه هو الذي تألم مع أنه لم يتألم. تألم لأن جسده الخاص تألم؛ ولم يتألم لأن الكلمة بما أنه بالطبيعة هو الله، فهو غير قابل للألم “.[18]

4- وقوع الآلام والموت على الكلمة

الكلمة (اللوجوس الإلهيّ) في لاهوته، طبيعته غير قابلة للتألُّم، فأخذ جسدًا ليصبح جسد الكلمة الخاص، وبه يُوحِّد البشريّة في ذاته، ويتألم بهم ويموت ليقيمهم معه ويصعد وطبيعتنا فيه. فالآلام التي وقعت على جسد الله الخاص، شعرب بها، ونستطيع بحسب الآباء السكندريّين أن نقول تألم بها الله، ليس لأنّ اللاهوت في طبيعته يتألَّم، بل لأنّ جسده الخاص المتحد به اتحاد حقيقيّ وكامل قد تألّم، فشعر به اللاهوت أيضًا لأجل الاتحاد. فيقول أثناسيوس الرسوليّ:

”ومن الغريب، أنّ الكلمة نفسه كان متألمًا وغير متألم، فمن ناحية، كان (الكلمة) يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم، لأن الكلمة ـ إذ هو إله بالطبيعة ـ فهو لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدي موجودًا في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوى فيه الكلمة غير المتألم الذي كان يبيد العلل التي قبلها في جسده.

وكان يصنع هذا، وهكذا كان يصير، لكي بعد أن يأخذ ما لنا (أي الجسد) ويقدّمه كذبيحة، يقضي على (العلّل والضعفات) كلّها. وهكذا يلبسنا ما له، وهذا ما يجعل الرسول يقول: ’لأن هذا الفاسد لابد أنّ يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت‘ (1كو53:15).[19] لأن ما تألم به هذا الجسد (جسد الكلمة) يُعتبر أنّ الكلمة قد تألم به“.[20]

ويضيف المطوَّب أمبرسيوس:

”وهكذا فإنّ الرسول بولس يقول: لأنهم صلبوا جسد المسيح (غلا24:5)،[21] ويقول القديس بطرس أيضًا: إذ قد تألم المسيح.. بالجسد (1بط 1:4). لذلك فالجسد هو الذي تألم، بينما اللاهوت هو فوق في أمان مِن الموت، وقد خضع جسده للألم بحسب طبيعة البشر. هل يمكن للاهوت أنّ يموت بينما النفس لا تموت؟ يقول ربنا: لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أنّ يقتلوها (مت 28:10).

فإنّ كانت النفس لا يمكن أنّ تُقتل، فكيف يمكن أنّ يموت اللاهوت؟ إذًا، فعندما نقرأ أنّ رب المجد قد صُلِبَ، فعلينا ألاّ نفترض أنه قد صُلِبَ كما في مجده،[22] ولكن لأن الذي هو الله هو أيضًا إنسانٌ، إله بحسب لاهوته، وباتخاذه الجسد لنفسه هو:

الإنسان يسوع المسيح؛ لذلك يُقال إنّ رب المجد قد صُلِبَ، لأنه بامتلاكه الطبيعتين البشرية والإلهية، فإنه احتمل الآلام في بشريته، حتّى يمكننا القول أنّ الذي تألم يُدعى رب المجد وابن الإنسان معًا في نفس الوقت بغير تمييز بينهما، كما هو مكتوب: الذي نزل من السماء (يو 3: 13)“.[23]

إذ أخذ نفسًا وجسدًا إنسانيًّا لم تحدث إضافة إلى عدد الأقانيم، إذ بقيَّ الثالوث كما هو قبلٍا. وذلك كما أنه في كلّ إنسان فيما عدا ذاك الذي وحده أخذ اتحادًا أقنوميًا، فإنّ النفس والجسد يمثلان شخصًا واحدًا، هكذا في المسيح الكلمة ونفسه البشرية وجسده يمثلون شخصًا واحدًا.

وكما أنّ اسم ”الفيلسوف“ كمثال يُعطي لإنسان بالتأكيد بخصوص نفسه وحدها، إلاَّ إنّه لا يُحسب سخافة، بل هو أمر عادي ولائق في اللغة، أن نقول بإنّ الفيلسوف قُتل، الفيلسوف مات، الفيلسوف دفن، مع أنّ هذه الأحداث جميعها تسقط على جسده وليس على العنصر الخاص به كفيلسوف، هكذا بنفس الطريقة اسم الله أو ابن الله أو رب المجد، أو أيّ اسم آخر يُعطي للمسيح بكونه الكلمة، ومع هذا فإنّه من الصواب القول بان الله صُلِب، إذ لا مجال للتساؤل في أنّه احتمل هذا الموت في طبيعته البشريّة وليس في تلك التي بها هو رب المجد.

وبحسب القديس كيرلس السكندري فإنّ الآلام تخص التدبير. والله الكلمة جعل ما يخص جسده يخصه هو نفسه بسبب الاتحاد الفائق الوصف. لكنه ظل فوق الآلام حسب مقتضى طبيعته لأن الله لايتألم. ولاغرابة فيما نقول، لأن نفس الإنسان تظل فوق الآلام عندما يتألم جسدها.

ونحن لا نعتبر النفس بعيدة عن الآلام، أو أنّ الآلام عندما تحدث للجسد لاتخص النفس.. لأن الجسد الذي يتألم هو جسدها. وعندما يتألم الجسد فالنفس المتحدة به وهي من طبيعة بسيطة غير مادية لا تظل بعيدة عن الألم، لأن الجسد الذي يتألم ليس غريبًا عنها بالمرة. هكذا يمكننا أنّ نفهم آلام المسيح مخلّصنا كلنا.[24]

ويكمل أيضًا القديس كيرلس قائلًا:

”إنَّ الكلمة يعطي جسده من صفاته، حتّى يُمكننا أنّ نقول بسبب الاتحاد إنه (الجسد) نزل من السماء، لأنه (الكلمة) عندما اتحد به جعله واحدًا معه،[25] ولاحظ أنه عندما يُذبَح العصفور الأوّل (في طقس الذبائح في العهد القديم) يُغمَس العصفور الثاني في دم الأوّل دون أنّ يموت. ما معنى هذا؟ أنّ الكلمة حي وأن مات جسده، وبسبب الاتحاد اشترك هو في الآلام لأن الجسد الذي تألم هو جسده هو وهو الواحد بعينه، اقتبل هو نفسه الآلام دون أنّ يتألم (في) طبيعته[26].

ويستمر قائلًا: وإنه بسبب اتحاده بالجسد تألم بكلّ الإهانات، لكنه احتفظ بما له من عدم الألم لأنه ليس إنسانًا فقط بل هو نفسه الله. وكما أنّ الجسد هو جسده هكذا آلام الجسد ورغباته غير الدنسة وكلّ الإهانات التي وجهها البعض، كلّ هذا احتمله هو لأنه كان موجهًا إلى جسده الخاص به. لقد تألم دون أنّ يتألم“.[27]

5- جسد المسيح مخلوق

وقد أنكر أيضًا القديس أثناسيوس أن ناسوت ربنا يسوع المسيح كان موجودًا قبل تجسّد الكلمة من العذراء القديسة. وكتب قائلًا:

”كلهم سوف يدينون أنفسهم بحق، أولئك الذين ظنوا أن الجسد الذي أُخذ من مريم كان موجودًا قبلها، وان الكلمة كانت له نفس بشرية قبلها (مريم)، كان كائنًا فيها (النفس البشرية) دائمًا حتّى قبل مجيئه“.[28]

6- الجسد خلص من وقت الحبل به

ومن ناحية أخرى فقد شرح القديس أثناسيوس كيف أن جسد ربنا يسوع المسيح تمجد فوق خصائصه الخاصة التي للطبيعة. وكتب يقول:

”ولكن بما أن الجسد في نفسه هو من طبيعة مائتة، فقد قام مرة أخرى بواسطة ما يفوق طبيعته الخاصة بسبب الكلمة الذي كان فيه؛ وقُطع عن الفساد الطبيعى، وبلبسه الكلمة الذي هو فوق الإنسان، صار غير قابل للفساد“.[29]

7- لقب والدة الإله

توجد نقطة هامة أثارت القديس كيرلس عندما أتت إليه جماعة من الرهبان بمناسبة عيد القيامة لسنة 429م وعرضوا عليه موضوع عظات نسطوريوس والتي هاجم فيها تلقيب مريم العذراء بـ ” والدة الإله “، وعندئذ إنتهز القديس كيرلس الفرصة وكتب لهم خطابًا عقائديًا مطولًا محذرًا إياهم من قبول التعاليم التي تنكر أن العذراء مريم هيَ “والدة الإله” ثمّ شرح لهم في هذه الرسالة عملية التجسد مستندًا إلى تعاليم الكتاب المقدس وتعاليم المجمع المقدس العظيم لكي يبرهن لهم على تجسّد كلمة الله وكيف أنه صار جسدًا مولودًا من العذراء مريم ولذلك تلقب العذراء”بوالدة الإله”.

وهذا لا يعني أن مريم هيَ مصدر وأصل الكلمة بل هيَ أم الكلمة المتجسد.

لكن لماذا أَصرَّ القديس كيرلس على استخدام لقب “والدة الإله”؟

إن نسطوريوس أراد التمييز والفصل بين الطبيعتين لذلك كان يرفض عملية الاتحاد بين الطبيعتين واستخدم في ذلك الكلمة اليونانية (سينافيا) والتي تعني الاتصال أو الاقتران، ولذلك أراد أن يُلقب العذراء مريم ” بأم المسيح ” أو ” أم الإنسان “. وفي هذا أراد نسطور أن يعلم بأن مريم لم تلد الله بل ولدت الإنسان الذي حل فيه الكلمة، وهنا نلاحظ فصل تام بين الطبيعتين. لذلك كتب له القديس كيرلس الآتي:

”..فرغم أن له (أي الكلمة) وجودًا قبل الدهور وقد وُلد من الآب، فإنه يُقال أيضًا أنه وُلد حسب الجسد من امرأة،

كما أن طبيعته الإلهية لا تحتاج لنفسها بالضرورة إلى ولادة أخري بعد الولادة من الآب. إن القول بأن ذلك الذي هو موجود قبل كلّ الدهور وهو أزلي مع الآب، يحتاج إلى بداية ثانية لكي يوجد، إنما هو أمر بلا غاية وفي نفس الوقت هو قول أحمق.

ولكن حيث إنه من أجلنا ومن أجل خلاصنا وَّحد الطبيعة البشرية بنفسه أقنوميًا، وولد من امرأة، فإنه بهذه الطريقة يُقال أنه قد وُلد جسديًا،

لأنه لم يولد أولًا إنسانًا عاديًا من العذراء القديسة ثمّ بعد ذلك حل عليه الكلمة،

بل إذ قد اتحد بالجسد الذي من أحشائها، فيُقال أن الكلمة قد قَبِلَ الولادة الجسدية، لكي يُنسب إلى نفسه ولادة جسده الخاص..

إنه اتخذ دمًا ولحمًا مثلنا، إنه جعل جسدنا خاصًا به، وولد إنسانًا من امرأة بدون أن يفقد لاهوته ولا كونه مولودًا من الله الآب، ولكن في اتخاذه جسدًا ظل كما هو..

وهكذا نجد أن الآباء القديسين قد فكروا بهذه الطريقة. وهكذا لم يتردّدوا كثيرًا في تسمية العذراء القديسة بوالدة الإله“.

القديس كيرلس في استخدامه للقب ” والدة الإله ” للقديسة مريم العذراء يؤكِّد أن هذا التعبير مُنح لها بسبب إتحاد اللاهوت بالناسوت في بطنها. وإن رفض هذا التعبير هو هدم لسر التجسد ففى رسالته إلى رهبان مصر يكتب قائلًا:

”وعلى ذلك فإن اسم المسيح يجب أن يُطلق ليس فقط وبوجه خاص على عمانوئيل كما قلت بل أيضًا على كلّ الباقين الذين يمسحون بنعمة الروح القدس… ما هو إذن الذي يراه أحد أمرًا غير عادى في العذراء القديسة بالمقارنة بالنساء الأخريات، حتّى ولو قيل أنها ولدت عمانوئيل، لأنه لن يكون أمرًا غير لائق إن أختار أحد أن يدعو والدة كلّ واحد من الممسوحين باسم: “والدة المسيح”.

ولكـنه توجد هوة كبيرة واختلافات لا تقارن تفصل بين حالتنا وبين مجد وتفوق مخلصنا. لأننا نحن عبيده أما هو فحسب الطبيعة رّبّ وإله، حتّى وإن كان ـ قد صار معنا وأخذ مالنا بحسب تدبير (التجسد)… وعلى ذلك فإن جميع الآخرين، كما قلت، هم مسحاء، وهذا معقول جدًا، بسبب أنهم قد مُسحوا، أما المسيح وحده فهو الإله الحقيقى، عمانوئيل.

وفي الحقيقة فإن أحدًا لا يخطئ إن اختار أن يقول إنّ أمهات الآخرين هم ” والدات مسيح “، ولكن ليسوا بأى حال “والدات إله” أيضًا. إن العذراء القديسة وحدها، بالمقابلة مع أولئك النساء، هيَ ـ كما ندركها وندعوها والدة المسيح ووالدة الإله معًا.

لأنها لم تلد مجرد إنسان بسيط مثلنا، بل بالحرى الكلمة الذي من الله الآب، الذي تجسّد وتأنس، لأننا نحن أيضًا ندعى آلهة بحسب النعمة، أما الابن فليس إلهًا على هذا النحو، بل بالحرى هو إله بالطبيعة وبالحق، حتّى وإن كان قد صار جسدًا“.

ولكي يشرح القديس كيرلس مفهوم لقب ” والدة الإله ” لمريم العذراء يقول:

”..ومع ذلك فحتى لو كانت هؤلاء النساء هن فقط أمهات للأجساد التي على الأرض، إلاّ أنهن يلدن الكائن الحي كله، وأنا أعني كائنًا مكونًا من جسد ونفس، ولا يُقال عنهن أنهن يلدن جزءً من الكائن..

وعلى ذلك فإنه من الواضح حقًا أن الكلمة لا يُدعي المسيح خارجًا عن الجسد، وكما لو كان منفصلًا عنه. إن مثل هذا الاسم هو مناسب له حينما صار إنسانًا، ويمكننا أن نبرهن على ذلك من الكتب المُقدّسة نفسها، فنبين أنه هو الله حسب الطبيعة، وأن لاهوته قد اتحد، كما قلت بجسده الخاص، وحينما تصير هذه الحقيقة واضحة، فإن العذراء القديسة تُدعي منا والدة الإله“.

لقد وُجهت اعتراضات للقديس كيرلس على تمسكه الشديد بلقب ” والدة الإله ” للعذراء مريم، حيث إنه لم يذكر صراحة في الكتاب المقدس ولا في قانون مجمع نيقية. ولكن المعلم الحاذق المُلهم من الله استطاع أن يتغلب على هذه الصعوبات باقتباسه من الكتاب المقدس قول اليصابات للعذراء مريم: “فمن أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلىَّ” (لو43:1)

وكذلك في شرحه لمفهوم “الكلمة صار جسدًا”، قال بإنّ الكلمة حل في بطن القديسة مريم العذراء وهي التي ولدت الكلمة الذي كان في أحشائها.

كما أن القديس كيرلس اعترف بأن قانون إيمان نيقية لم يذكر إطلاقًا ” والدة الإله ” لمريم العذراء ولكنه اعتمد على أقوال معلميه السابقين من آباء مدرسة الأسكندرية الذين كانوا ينسبون دائمًا هذا اللقب لمريم العذراء أمثال أوريجينوس في تفسيره لرسالة بولس الرسول لأهل رومية، البابا ألكسندروس رئيس أساقفة الأسكندرية، القديس أثناسيوس الرسولي في الرد على الآريوسيّة.

إن تشديد القديس كيرلس على إتحاد الطبيعتين في المسيح الواحد يوضح لنا فهمه الصحيح لتجسد الابن الوحيد لأنه من خلال هذه الوحدة يقول القديس كيرلس بمفهوم روحيّ فائق:

”لإنّه كواحد منّا رغم أنّه لم يعرف الموت، نزل إلى الموت، بواسطة جسده الخاص، لكي نصعد نحن أيضًا معه إلى الحياة. لأنّه عاد إلى الحياة ثانية، سالبًا الجحيم، ليس كإنسان منّا، بل كالإله في الجسد بيننا وفوقنا. إنّ طبيعتنا اغتنت جدًّا بالخلود، فيه هو أولًا، وسُحِق الموت حتمًا حينما هجم العدو على جسد الحياة.

لإنّه كما أنّ الموت قد انتصر في آدم هكذا أيضًا قد انهزم في المسيح. والمرنم الموحى له، كرس ترانيم النصر له في صعوده لحسابنا ولأجلنا، إلى الله الآب في السموات، لكي تظهر السماء أنّها يمكن الوصول إليها بالنسبة لأولئك الذين على الأرض“.

لقد صارت تعاليم القديس كيرلس عن الرّبّ يسوع هيَ تسابيح الكنيسة القبطية التي تردّدها في كلّ طقوس الكنيسة وليتورجياتها إلى مدى الأجيال.

8- مفهوم اتحاد الطبائع

والسؤال الآن هو: كيف شرح القديس كيرلس عملية الاتحاد بين الطبيعتين؟

الإجابة على هذا السؤال توجد في رسالة القديس كيرلس إلى سوكينسوس أسقف ديو قيصرية حيث يوضح أن عملية الاتحاد تمّت بين اللاهوت والناسوت في لحظة الحبل الإلهي، بمعنى أن كلمة الله اتحد بالجنين الذي تكون في بطن العذراء القديسة مريم. وإن هذا الجنين الذي سيصبح جسد المسيح الخاص (بحسب تعبير القديس كيرلس) لم يوجد بأى طريقة من الطرق وحيدًا منفردًا أو منفصلًا عن الكلمة (اللوغوس).

فالكلمة هيأ له جسدًا في بطن العذراء مريم ولم يصنع له جسدًا خاصًا أو هيأ له جسدًا من جوهر لاهوته أو من مادة أخرى تختلف عن المادة التي يتكون منها الجنس البشرى. بل إن جسده الذي أخذه من بطن أمه العذراء مريم أصبح جسد الكلمة المتجسد.

وبناء على ذلك يقول القديس كيرلس إن الذي وُلد من القديسة مريم العذراء، ليس إنسانًا عاديًا، بل كلمة الله المتأنس لأن الذي وُلد من القديسة العذراء مريم لم يكن أولًا إنسانًا عاديًا ثمّ حلّ عليه بعد ذلك الكلمة، لكن بسبب اتحاده منذ الحبل به لذلك ولِدَ ولادة جسدية. وفي هذا يقول القديس كيرلس في رسالته إلى يوحنا الأنطاكي:

”..لأجل هذا نعترف بمسيح واحد، ابن واحد، رّبّ واحد. وبحسب هذا الفهم للاتحاد بدون اختلاط نعترف بأن العذراء القديسة هيَ والدة الإله، لأن الله الكلمة قد تجسّد وتأنس، ومنذ ذات الحمل به وحّدَ الهيكل الذي أخذه منها، مع ذاته“.

ولكي يبيّن القديس كيرلس أنّ الاتحاد قد تمّ فعلًا بين الطبيعتين برغم اختلافهما في الجوهر قال: إن الطبيعتين اللتين اقتربتا لتكوين وحدة حقيقية، مختلفتان ولكن من الاثنين نتج ابن واحد ومسيح واحد. وهذا لا يعني أن الفرق بين الطبيعتين قد زال أو تلاشى بسبب الاتحاد. وفي رسالته إلى يوحنا الأنطاكي كتب يقول:

”ولذلك فإنّنا نعترف أن ربنا يسوع المسيح، ابن الله، الوحيد، هو إله كامل وإنسان كامل ذو نفس عاقلة وجسد، وهو مولود من الآب قبل الدهور بحسب لاهوته، وإنه هو نفسه في الأيام الأخيرة من أجلنا ومن أجل خلاصنا وُلد من مريم العذراء بحسب الناسوت، وهو نفسه، من الجوهر نفسه الذي للآب، حسب لاهوته، ومن نفس الجوهر الذي لنا بحسب ناسوته. لأنه قد حدث اتحاد بين الطبيعتين. لأجل هذا نعترف بمسيح واحد ابن واحد، ورب واحد“.

الملاحظ هنا أن القديس كيرلس استخدم تعبير المساواة في الجوهر للآب. والمساواة في الجوهر لنا بالنسبة لطبيعته البشرية، وقد سبقه في هذا الاستخدام العلامة ديديموس الضرير الذي رُبّما يكون كيرلس قد قرا له، حيث إن ديديموس كان سابقًا لكيرلس في إيضاح مفهوم الاتحاد بين الطبيعتين في المسيح يسوع.

وقد استخـدم القـديس كـيرلس الاصـطلاح الاتحاد (إنوسيس) لكي يشرح مفهوم الوحدة بين الطبيعتين لن هذا الاصطلاح يعني الآتي:

1 ـ لا يُعبّر عن وجود علاقة خارجية عن طريق سكن الكلمة في الناسوت، أو مجرد لبس ثوب، أو السكن في هيكل، بل يعبّر هذا الاصطلاح عن إتحاد الكلمة بالجسد إتحادًا قويًا عميقًا بطريقة تفوق كلّ وصف وإدراك، وهذا الاتحاد لا يعرف الفصل أو التقسيم، لأن الكلمة صار جسدًا، فإنه فيه يحلّ كلّ ملء اللاهوت جسديًا (كو9:2).

2 ـ هذا الاصطلاح يعني أن هذه الوحدة التي تمت بين الطبيعتين، كانت قوية وعميقة لدرجة أنه استخدم تعبيرًا مُستعارًا رُبّما من أثناسيوس “طبيعة واحدة لكلمة الله المتجسد “.

3 ـ الاصطلاح ” إنوسيس” يعني أن الكلمة لم يتحول إلى جسد، بل إنه إتحد بالجسد الذي لا يمكن أن ينفصل عنه بعد الاتحاد.

4 ـ الاصطلاح يعني أيضًا عدم الاندماج أو الاختلاط أو الامتزاج بين الطبائع المتحدة. فبالرغم من هذا الاتحاد القوى فإن الكلمة يظل كلمة والجسد يظل جسدًا.

ولكي يوضِّح القديس كيرلس عملية الاتحاد بين الطبيعتين قدَّم مجموعة من الأمثلة كالتالي:

أ ـ مثل الروح والجسد.

ب ـ مثل العليقة المشتعلة بالنار.

ج ـ جمرة النبي إشعياء.

د ـ النار والحديد.

هـ ـ تابوت العهد.

 

3 يو14:1.

4 غل13:3.

[3] Letter to Epictetus, par. 2, N. & P.N Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p.573.

[4] Ibid. par. 7 p. 572.

7 يوئيل28:2.

[6] Letter to Epictetus, par. 8, N. & P.N Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p.573.

[7] إلى سوكينسوس رسالة 5:45. كما توجد في كتابات القديس كيرلس مواضع خاصة شدّد فيها على كمال إنسانيّة المسيح نذكرها على سبيل المثال لا الحصر ويمكن الرجوع إليها: ”رسالة رقم (1) إلى الرهبان 15،20،21؛ رسالة رقم (11) إلى بوسيدونيوس:5؛ رسالة رقم (33) إلى أكاكيوس: 10؛ رسالة رقم (40) إلى أكاكيوس: 22، 23“.

10 رو2:1.

[9] Letter to Epictetus, par. 2, N. & P.N Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p.571.

[10] On the Incarnation, Chap. III, par. 13, SVS Press, 1982, p. 41.

16 يو14:1.

[12] Letter to Adelphius, par. 2, N. & P.N. Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p. 575.

18 يو23:10.

19 مت2:8.

[15] Letter to Adelphius, par. 3, N. & P.N. Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p. 575.

21 يو23:18.

22 إش6:50.

[18] Letter to Epictetus, par. 6, N. & P.N. Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p. 572, 573.

[19]المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، مرجع سابق. ص 41، 42.

[20]المرجع السابق. ص 47.

[21] يستخدم القديس أمبروسيوس هنا معنى للنص الأصلي مُلفت للنظر حيث يقول النص: ”ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد“.

[22] انظر: 1كو 8:2.

[23] شرح الإيمان المسيحيّ. للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان. الجزء الأوّل الكتاب الثاني. ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد. إصدار المركز الأرثوذكسيّ للدراسات الآبائية. ص 109.

[24] تجسد الابن الوحيد. مرجع سابق. فقره 36.

[25] يعود القديس كيرلس إلى ذات العبارة مرة أخرى: جعله واحدًا مع لاهوته “ليؤكد أنّ الاتحاد تام وكامل حتّى أنّ ابن الإنسان يمكنه أنّ يقول انني نزلت من فوق أو من السماء، لأن المتحدث هو يسوع المسيح الواحد الذي يمكنه أنّ يوصف نفسه–كواحد غير منقسم– كسمائي وابن الله وابن الإنسان.

[26] تجسد الابن الوحيد. مرجع سابق. فقره 36.

[27]المرجع السابق. فقره 37.

9 نفس الشاهد السابق.

[29]Ibid. par. 10, p. 574.

 

الخريستولوجي السكندري – مفاهيم أساسية

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

 

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

عندما نقوم بفحص الأسباب التي جعلت المسيحيين في مصر وفي أجزاء كثيرة في الشرق يعارضون مجمع خلقيدونية، ستتضح أمامنا حقيقة واحدة من خلال وثائق القرنين الخامس والسادس، ألا وهي أنهم رفضوا الاعتراف بذلك المجمع على أسس لاهوتية جوهرية.

وبالرغم من أنه ليس من المستبعد أن يكون لدى أولئك المسيحيين شكوى عنيفة ضد مجمع عام 451م بسبب الطريقة التي عُومل بها البابا ديسقوروس وبسبب القرار الخاص بالقسطنطينية، إلا أن تلك الأمور لم يأتِ ذكرها في أي من الوثائق سوى بطريقة غير مباشرة، حيث ظل السبب الرئيس المعلن لرفض المجمع هو سبب لاهوتي.

وفي محاولتنا لفهم وجهة نظر أولئك المعارضين، يتعين علينا أن نتذكر حقيقة أنهم كانوا يتمسكون بإخلاص بالتقليد اللاهوتي السكندري الذي كان بالنسبة لهم هو التقليد الأرثوذكسي الوحيد.

ولم يكن هذا التقليد يقتصر على الإسكندرية أو مصر، ولكنه في الحقيقة كان منتشراً في جميع المناطق في الشرق، ومنذ إدانة نسطوريوس ازداد التقدير لهذا التقليد بصورة كبيرة كما صار البابا كيرلس ـ أكثر من أي شخص آخر ـ هو الرجل اللاهوتي الذي يعبِّر عن الأرثوذكسية بكل إمتياز.

وهذه الشعبية التي نالتها تعاليم آباء الإسكندرية لم تكن شعبية مطلقة أو كليةً إذ كان لها معارضون في الجانب الأنطاكي. وكان المؤيدون للتقليد الأنطاكي ـ كما رأينا ـ يحاولون بشتى الطرق تقوية موقفهم، وكانوا في سعيهم هذا يحرِّفون ـ عن قصدٍ أو عن غير قصدٍ ـ وجهة نظر الجانب السكندري.

وكانت هذه بالفعل هي طبيعة التوتر في الشرق التي على خلفيتها عُقدت المجامع الكنسية الثلاثة عام 448م وعام 449م وعام 451م. وبالنسبة للمنتمين للتقليد السكندري، اعتُبر مجمع عام 448م أنه دافع عن التقليد الأنطاكي وقد تم تصحيح ذلك من خلال مجمع عام 449م، ولكن مجمع خلقيدونية عام 451م قام بإلغاء قرارات مجمع عام 449م.

ولكي نستطيع تقدير وجهة النظر تلك، لابد أن نقوم ببحث الموقف اللاهوتي الذي أقره مجمع خلقيدونية. ومن أجل هذا، سنقوم بفحص الفكر اللاهوتي الذي أكده طومس ليو من جهة، والفكر اللاهوتي الذي أكده تعريف الإيمان الخلقيدوني من الجهة الأخرى. وبعد ذلك سنناقش تعليم البابا ديسقوروس لكي نرى ما هي بالتحديد الأمور التي كان يريد التشديد عليها.

 

2. الفكر اللاهوتي لطومس ليو:

كان الأمر المركزي في مجمع خلقيدونية ـ كما سبق وأوضحنا ـ هو قبول أو عدم قبول طومس ليو. ولذلك سيكون من المناسب هنا أن نعطي ملخصاً مختصراً لهذه الوثيقة، لكي نرى مدى الصعوبة التي يمكن أن يجدها (الشخص) اللاهوتي السكندري في تقبل وهضم الفكر اللاهوتي لتلك الوثيقة.

 

(أ) ملخص مختصر لطومس ليو:

كانت الوثيقة مؤلفة لغرض محدد هو تأييد إدانة أوطيخا التي أعلنها مجمع عام 448م. وقد أخذ الطومس في عرض الموضوع من بدايته الأولى،[1] حيث ذكر أنه: بدلاً من أن يتعلم أوطيخا من أولئك الأكثر منه حكمة اعتمد على فهمه الناقص للإيمان، ولو كان قد توقف فقط ليفحص بعناية العبارة الواردة في قانون الإيمان “أؤمن بالله الآب الضابط الكل، وبابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا الذي وُلد من الروح القدس ومن مريم العذراء”،[2] لما كان قد وقع في تلك الهرطقة الحمقاء.

وعندئذ بدأت الوثيقة تقدم أدلة من الأسفار لتبين بها أن “المولود الوحيد الأزلي نفسه الذي من الآب الأزلي، هو ذاته الذي وُلد من الروح القدس ومن مريم العذراء”.

وبهذه الطريقة أخذ الله الابن طبيعتنا لأجل شفائنا، ولكن أوطيخا ـ على عكس هذا التعليم الواضح ـ استعمل “كلمات مضللة” وقال إنه “قد حُبل به في رحم العذراء”، وأن المسيح “أخذ شكل إنسان بدون جسد حقيقي مأخوذ من أمه”. والحق هو أن “الروح القدس جعل العذراء تحبل وتلد، ولكنه كان جسد حقيقي مأخوذ من جسدها” ذاك الذي ولدته.

وقد اتخذ الله الابن الأزلي ناسوتاً بحيث إن “خواص كلتا الطبيعتين والجوهرين محفوظة ومتواجدة معاً في شخص واحد”. إن ابن الله “نزل من عرشه السماوي” ولكنه في نفس الوقت “بدون أن يتنحى عن مجد الآب”، ودخل في هذا العالم وولد بطريقة جديدة.

وبهذا الميلاد (الزمني) لم يتغير اللاهوت إلى ناسوت، ولا ابتُلع الناسوت في اللاهوت، ولكنهما كانا متحدين تماماً بحيث إن “كل طبيعة تقوم بما هو ملائم (proper) لها (أو مختص بها) وهي في شركة (communion) مع الأخرى؛ فعلى سبيل المثال كان الكلمة يقوم بما هو ملائم للكلمة، وكان الجسد ينفذ ما هو ملائم للجسد”.

فكإنسان كان يمكنه أن يشعر بالجوع والعطش وأن يتعب وينام؛ ولكن كإله أشبع الآلاف من الناس بخمس خبزات كما صنع معجزات أخرى. والحق أنه “في الرب يسوع المسيح، يوجد شخص واحد لله والإنسان، ومع ذلك فإنه من حيث التألم الذي هو مشترك لكليهما فإن هذا شيء، ومن حيث المجد الذي هو مشترك (أيضاً) لكليهما فإن هذا شيء آخر؛ لأن الناسوت الذي أدنى من الآب هو له منا، واللاهوت المساوي للآب هو له من الآب”.

ومن هنا فإن وحدة الشخص “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين”، ولذلك يمكننا أن نقول أن ابن الإنسان أتى من السماء، وأن ابن الله أخذ جسداً وولد من العذراء.

واستمر الطومس ليبين أنه طبقاً لشهود العهد الجديد، فإن المسيح هو إنسان وإله معاً، والرسول بطرس على سبيل المثال أوضح ذلك بصورة جلية في اعترافه التاريخي في قيصرية فيلبس، وبالتالي كان هناك سبب وجيه لكي “يعلن الرب طوباويته” وأن “يشتق (الرب) ثبات قوته واسمه من الصخرة الأصلية”.

وكانت ظهورات ربنا بعد القيامة من أجل تأكيد هذه الحقيقة العظمى للتلاميذ. وقد فشل أوطيخا في إدراك هذا، لأنه لم يميِّز “طبيعتنا في (الابن) المولود الوحيد، لا في حالة تواضع الموت ولا في حالة مجد القيامة”، وبهذه الطريقة تجاهل حقيقة الصليب وبالتالي أنكر المعنى الحقيقي لخلاصنا.

وقام البابا ليو بتوبيخ فلافيان أسقف القسطنطينية لأنه لم يُسكِت الراهب أوطيخا حين قال: “أنا أعترف أن ربنا من طبيعتين قبل الاتحاد، ولكن بعد الاتحاد أنا أقر أنه بالحق طبيعة واحدة”.[3]

(ب) بعض الملاحظات على طومس ليو:

كان البابا ليو قد وضع هذا الطومس في ضوء افتراضٍ مبدئي بأن أوطيخا قد فشل في تأكيد حقيقة ناسوت المسيح وميلاده البشري، ولذلك ركز البابا ليو في الطومس على ثلاثة نقاطٍ بقصد استبعاد الخطر المتضمَّن في الموقف الذي نُسب لأوطيخا. وهذه النقاط هي:

(1) إن ناسوت المسيح كان حقيقياً ـ فقد وُلد كإنسان من الأم العذراء، وكان له كل الخواص الإنسانية الجوهرية، ومات وقام ثانية من بين الأموات.

(2) من خلال ميلاد وحياة وتدبير يسوع المسيح، دخل الله الكلمة ـ الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس ـ بنفسه في الوجود التقليدي للجنس البشري وتمم خلاصه.

(3) إن لاهوت الكلمة والناسوت الذي اتخذه، قد استمرا في شخصه الواحد بدون تغيير.

وفي الحقيقة كان التقليدان اللاهوتيان السكندري والأنطاكي يقران بكل هذه التأكيدات (الواردة في الطومس) بدون أي تحفظ. ولكن الصدام بينهما كان قد حدث نتيجة تخوف الجانب السكندري من أن الجانب الآخر لا يؤكد على وحدة شخص المسيح بالمعنى الحقيقي، وكذلك تخوف الجانب الأنطاكي من أن الجانب الآخر يتجاهل حقيقة ناسوت المسيح. وكان طومس ليو بالفعل يقدم العقيدة بالطريقة التي تحقق الرضاء التام للجانب الأنطاكي.

فماذا إذن عن اهتمامات الجانب السكندري؟. لقد تحدث طومس ليو عن ’شخص واحد‘، فماذا كان يعني البابا بهذا التعبير؟ ولكي نقدم السؤال بهذا الشكل ينبغي علينا أن نتذكر أولاً أنه في السياق التاريخي للقرن الخامس كان اللاهوتيون الشرقيون يستخدمون الكلمتين ’بروسوبون‘ و ’هيبوستاسيس‘ اليونانيتين كمرادف يكافئ كلمة ’برسونا‘ عند اللاتين. وكان الأنطاكيون ـ كما ذكرنا سابقاً ـ يؤكدون على اتحاد الطبيعتين في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘، وعلى هذا الأساس كانوا يعلِّمون أن المسيح هو طبيعتين متحدتين في بروسوبون واحد.

ولكن السكندريون أصروا على أن اتحاد الطبيعتين كان بحسب ’الهيبوستاسيس‘ وأن المسيح هو هيبوستاسيس واحد وبروسوبون واحد،* لأن الطبيعتين الإلهية والإنسانية كانتا متحدتين إلى درجة أن المسيح لم يكن “طبيعتين بعد الاتحاد”؛ وهو كان دائماً “من طبيعتين” ولكنه مع ذلك “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.

وفي الحقيقة كانت تلك الرؤية السكندرية هي الأساس اللاهوتي الذي تمت على أساسه إدانة نسطوريوس كهرطوقي في مجمع عام 431م. ومن ثم يصبح السؤال عن المعنى الذي كان البابا ليو يقصده من تعبير ’شخص واحد‘، هو سؤال وثيق الصلة بالموضوع. فهل كان يعني بتعبير ’شخص واحد‘ أنه ’هيبوستاسيس واحد‘ أم ببساطة مجرد ’بروسوبون واحد‘؟.

من الواضح من الطومس أن البابا ليو لم يتطرق إلى تلك الأمور (أو الفروق) الدقيقة الخاصة بالشرق، وفي أغلب الظن أنه لم يكن ملماً بها، ولذلك حينما كان يؤكد وحدة شخص المسيح أصر على أن “كل طبيعة تقوم بما هو ملائم (proper) لها (أو مختص بها) وهي في شركة (communion) مع الأخرى؛ فعلى سبيل المثال كان الكلمة يقوم بما هو ملائم للكلمة، وكان الجسد ينفذ ما هو ملائم للجسد”، وأن وحدة الشخص “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين”.

ورأى القادة الذين تربوا على التقليد اللاهوتي السكندري في عبارة ’شخص واحد كائن في طبيعتين‘ ما يتضمن فقط معنى ’البروسوبون‘، كما رأوا في عبارة ’أن كل طبيعة تقوم بما هو ملائم لها وهي في شركة مع الأخرى‘ ما يحمل معنى ’الهيبوستاسيس‘، وهذا بالتحديد ما كان الأنطاكيون يعلِّمون به طوال الوقت. وهكذا فهم السكندريون أن ليو يؤمن أن ’الهيبوستاسيسين‘ أي الله الابن ويسوع الإنسان اتحدا في ’بروسوبون‘ واحد.

وإذا قارنوا الطومس مع رسائل البابا كيرلس التي أرسلها إلى نسطوريوس وبالأخص الرسالة التي احتوت على الحروم، فسيجدون تناقضاً حقيقياً بين تعليم اللاهوتي السكندري وتأكيدات البابا ليو. لأن ق. كيرلس على سبيل المثال كان قد أوضح تماماً أن الأقوال والأفعال يقوم بها الهيبوستاسيس المتجسد الواحد، بينما يذكر الطومس أن الأقوال والأفعال تقوم بها الطبيعتان،[4] فإذا أُخذ مصطلح ’الطبيعة‘ بمعنى ’الهيبوستاسيس‘ ـ وهو المعنى الوحيد المعقول والمنسجم مع سياق النص ـ سيكون هذا الموقف بالتحديد هو ما لا يمكن قبوله على الإطلاق.

 

[1]   للاطلاع على الطومس انظر: (ACO. II, i. pp. 10f.). الأصل اللاتيني مع الترجمة الإنجليزية موجودة في (T. H. Bindley, op. cit.).

[2] هنا اقتبس ليو بابا روما من قانون الإيمان الروماني القديم وليس من قانون نيقية.

[3]   يذكر طومس ليو أن كلمات أوطيخا هي:

Confiteor ex duabis naturis fuisse Dominum nostrum ante adunationem post adunationem vero unam Confiteor”  

والحقيقة أن الأصل اليوناني الذى عبَّر فيه الراهب عن هذه الكلمات ليس فيه كلمة تتطابق مع كلمة (vero) التي ذُكرت باللاتينية التي كتب بها الطومس. (وهذه الكلمة تعني بالحق أو بالتأكيد أو في الواقع)

*   انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب عن “التطور التاريخي لمدلول المصطلحات المستخدمة في الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى”.

[4]   كان هذا هو الاختلاف بين البابا كيرلس والبابا ليو، والذي يبدو أن بول جالتييه قد تجاهله في محاولته التوفيق بين الرجلين. وكما سنرى فلم تكن صيغة إعادة الوحدة تبرر التعليم الذي قدمته روما أثناء النزاع. انظر:

(Galtier’s essay on Le Saint Cyrile d’Alexandrie et Saint Leon le Grand a Chalcedon, in Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., vol. I)

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

 

Exit mobile version