الخريستولوجي السكندري – مفاهيم أساسية

الخريستولوجي السكندري – مفاهيم أساسية

 

الخريستولوجي السكندري – مفاهيم أساسية

 

1- لاهوت كامل للمسيح

2- بشريّة كاملة للمسيح

أي أنّ المسيح إنسان كامل، له عقل بشريّ، أي روح عاقلة، وله نفس وجسد حقيقيّ، لا ينتقص من جوهر إنسانيّته أي نقيصة، فهو ماثلنا في كلّ شيء، ما خلا الخطية وحدها. قال القديس أثناسيوس بوضوح إن:

”الجسد الذي كان الكلمة فيه (اتخذه الكلمة) لم يكن مساويًا للاهوت في الجوهر، ولكنه كان مولودًا بحق من مريم، بينما الكلمة نفسه لم يتغير إلى عظم ولحم لكنه أتى في جسد. لأن ما قاله يوحنا: ” الكلمة صار جسدًا “[1] له هذا المعنى، كما يمكننا أن نرى في عبارة مشابهة، فبولس يكتب قائلًا: “المسيح..

صار لعنة لأجلنا”.[2] وكما أنه هو نفسه لم يصر لعنة، ولكنه قيل أنه صار كذلك لأنه أخذ لنفسه اللعنة نيابةً عنا، وهكذا أيضًا صار جسدًا ليس بأن تغير إلى جسد، ولكن لأنه نيابة عنا أخذ جسدًا حيًا وصار إنسانًا“.[3]

وقد كان القديس أثناسيوس أيضًا واضحًا في تعليمه عن الجسد الحى الذي اتخذه كلمة الله أنه يعني ناسوت كامل، أي جسد ونفس عاقلة معًا. وكتب يقول:

”لكن حقًا إن خلاصنا ليس ظاهرًا فحسب، كما أنه ليس ممتدًا إلى الجسد فقط، إنما الإنسان كله، الجسد والنفس على السواء، قد حصلا على الخلاص في الكلمة نفسه”.[4] وقال أيضًا “أن نقول إنّ ” الكلمة صار جسدًا”، يعادل قولنا إن “الكلمة صار إنسانًا”؛ كما جاء في يوئيل: “إنى أسكب روحيّ على كلّ بشر”[5]؛ لأن الوعد لم يمتد إلى الحيوانات غير العاقلة، وإنما للبشر، الذين صار الرّبّ إنسانًا من أجلهم (لحسابهم)“.[6]

من أهم التعاليم التي كان يشدّد عليها القديس كيرلس في فترة ما قبل النزاع النسطوريّ هو التأكيد على كمال إنسانيّة المسيح.

في رسالة موجهة من القديس كيرلس إلى مكسيميانوس أسقف القسطنطينيّة يؤكِّد على كمال إنسانيّة المسيح قائلًا:

”…حيث أن كلمة الله الوحيد الجنس صار إنسانًا كاملًا مثلنا، ليس باحتماله تحولًا أو تغييرًا أو اختلاطًا، كما يتكرّر كثيرًا، أو امتزاجًا، أو انتقالًا إلى ما لم يكن عليه، بل بالحرى ظل كما كان، أيضًا في إنسانيته التي هيَ مثلنا“.

ثم يستطرد مؤكدًا على وجود نفس إنسانيّة في المسيح رافضًا بكل صراحة تعاليم أبولليناريوس:

”ونحن نعترف أن جسده المتحد به حقًا كانت تحييه نفس عاقلة. لأننا لا نرضخ لآراء ذلك المجنون أبولليناريوس، ولكن لأننا نتمسك بالاعتقاد الحق فنحن نحرم أبولليناريوس وآريوس وأفينوميوس ومعهم نسطوريوس لأن عندنا الإيمان المُسلم لنا من فوق: “كمرساة للنفس مؤتمنة وثابتة” (عب19:6) حسب الكتاب. وبناء على ذلك، فكما قلت: نحن نعترف بالواحد والوحيد والابن الحقيقي لله الآب ربنا يسوع المسيح، عالمين أنه هو نفسه الله الكلمة من الآب والإنسان من امرأة، وهو في كرامة السيد حسب الطبيعة (الإلهية) وفي الهيئة العبد بسبب التدبير.

القديس كيرلس يوضح أن قول الكتاب ” الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1) يعني أنه اتحد بجسد ذي نفس عاقلة. فالكلمة اتخذ له جسدًا من مريم وجعله خاصة له ولذلك حمل ابن الإنسان وصار مثلنا:

”…الكلمة الذي من الله الآب وحد بنفسه جسدًا حيًا بنفس عاقلة بطريقة تفوق الفهم وبكيفية لا يمكن التعبير عنها وجاء إنسانًا من امرأة إذ قد صار مثلنا ليس بتغير في طبيعته بل بالحرى بالمسرة الخاصة بتدبير تجسده، لأنه سرّ أن يصير إنسانًا دون أن يفقد ما هو عليه بالطبيعة كإله“.[7]

ويلاحظ أن القديس كيرلس يتبع اللاهوت الأسكندري في أن الإنسان مكون من عنصرين النفس والجسد، وهذا بخلاف التعليم الأنطاكي الذي يُعلِّم بأن الإنسان مركب من ثلاث عناصر: النفس والروح والجسد. وربما التجأ أبولليناريوس إلى التعليم الأنطاكي عندما أُدين لكي يُعلِّم بأن المسيح كان عبارة عن: لوغوس + روح + جسد. ولكن طبعًا في هذه الحالة كان الروح بمفهومه عبارة عن نفس غير عاقلة أي بدون عقل = نوس

3- الاتحاد الحقيقيّ وتبادل الخواص

أي أنّ اتحاد اللاهوت بالناسوت، أو الكلمة الإلهيّ بالجسد المولود من مريم العذراء، اتحاد حقيقيّ وكامل، حتّى قيل عن جسد المسيح أنّه جسد الله الخاص بحسب التعبير الكيرلسيّ. فبدون هذا الاتحاد نفقد المعنى الجوهريّ لخلاصنا. وليس بحسب الهرطقة النسطوريّة أنّ الله والجسد اثنان من بعد الاتحاد وليسا واحدًا، وهذا بالتبعية يؤثر على خلاص الجنس البشريّ الذي احتاج أن يتوحّد بالله في المسيح لينال الشفاء من مرض الخطية القاتل وسلاحها الفعَّال، أي الموت.

وبالرغم من أن نسطور جاء لاحقًا للقديس أثناسيوس، إلاّ أن القديس أثناسيوس قدم تعليمًا صارمًا ضد هرطقة نسطور. فقد كتب:

”كيف يغامر أناسًا يُدعون مسيحيين مجرد أن يرتابوا فيما إذا كان الرّبّ الذي وُلِدَ من مريم، بينما هو ابن الله بالجوهر والطبيعة، هو “من نسل داود من جهة الجسد”[8]، ومن جسد القديسة مريم؟ أم من كان مجازفًا فيقول إنّ المسيح الذي تألم بالجسد وصُلب ليس ربًا ومخلصًا وإلهًا وابن الآب؟

أو كيف يستطيعون أن يتمنوا أن يُدعوا مسيحيين الذين يقولون إن الكلمة حلّ على رجل قديس كما على أحد الأنبياء، ولم يصر هو نفسه إنسانًا، آخذًا جسدًا من مريم؛ لكن إن المسيح هو شخص واحد، بينما كلمة الله، الذي كان قبل مريم وقبل الدهور ابنًا للآب، هو آخر؟ أم كيف يُدعون مسيحيين أولئك الذين يقولون إن الابن واحد وكلمة الله آخر؟ “[9]، كتب أيضًا أن: “كلمة الله جاء في شخصه هو نفسه، لأنه هو وحده صورة الآب، الذي يقدر أن يعيد خلقة الإنسان الذي عُمل على صورته“.[10]

لقد رفض القديس أثناسيوس أي فصل بين لاهوت وناسوت ربنا يسوع المسيح. وكتب قائلًا:

”الآخرين الذين قسموا غير المنقسم ينكرون حقيقة أن “الكلمة صار جسدًا وحل بيننا”[11].[12]

وكتب أيضًا:

”نحن لا نعبد مخلوقًا. ليبعد هذا التفكير، لأن مثل هذا الخطأ يخص الوثنيين والآريوسيّين. ولكننا نعبد رّبّ الخليقة، المتجسد، كلمة الله. لأنه وإن كان الجسد أيضًا في ذاته هو جزء من العالم المخلوق، إلاّ أنه صار جسد الله. لهذا نحن لا نقسم الجسد عن الكلمة، لنعبده في ذاته، كما أننا عندما نرغب في عبادة الكلمة نحن لا نفرده (نعزله) بعيدًا عن الجسد، ولكن كما ذكرنا سابقًا، إننا في معرفتنا، أن ” الكلمة صار جسدًا ” نحن ندركه أنه الله أيضًا، بعدما صار جسدًا.

وبالتالى من هو فاقد الشعور هذا الذي يقول لله: ” أترك الجسد حتّى استطيع أن أعبدك ” أو غير التقى لينضم إلى اليهود فاقدى الشعور في قولهم، بخصوص الجسد، ” فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا؟ “[13] أما الأبرص فلم يكن من هذا النوع لأنه سجد لله في الجسد، وأدرك أنه كان الله قائلًا: ” يا سيد إن أردت تقدر أن تطهرني”“[14].[15]

شرح القديس أثناسيوس كيف أن كلمة الله جعل خصائص الجسد خاصة به وكتب:

”إنّ الكلمة غير المادى جعل خصائص الجسد خاصة به، حيث إنه جسده الخاص به. لماذا، عندما ضرب الجسد بواسطة أحد الخدام، فلأنه هو الذي تألم، سأل: ” لماذا تضربنى؟ “[16] وبالرغم من كونه بالطبيعة غير محسوس، إلاّ أن الكلمة قال: ” بذلك ظهرى للضاربين وخدى للناتفين، وجهى لم استر عن العار والبصق “.[17] 

لأن ما تألم به الجسد البشرى للكلمة، هذا نسبه الكلمة الساكن في الجسد إلى نفسه… وإنه لعجيب بالحقيقة أنه هو الذي تألم مع أنه لم يتألم. تألم لأن جسده الخاص تألم؛ ولم يتألم لأن الكلمة بما أنه بالطبيعة هو الله، فهو غير قابل للألم “.[18]

4- وقوع الآلام والموت على الكلمة

الكلمة (اللوجوس الإلهيّ) في لاهوته، طبيعته غير قابلة للتألُّم، فأخذ جسدًا ليصبح جسد الكلمة الخاص، وبه يُوحِّد البشريّة في ذاته، ويتألم بهم ويموت ليقيمهم معه ويصعد وطبيعتنا فيه. فالآلام التي وقعت على جسد الله الخاص، شعرب بها، ونستطيع بحسب الآباء السكندريّين أن نقول تألم بها الله، ليس لأنّ اللاهوت في طبيعته يتألَّم، بل لأنّ جسده الخاص المتحد به اتحاد حقيقيّ وكامل قد تألّم، فشعر به اللاهوت أيضًا لأجل الاتحاد. فيقول أثناسيوس الرسوليّ:

”ومن الغريب، أنّ الكلمة نفسه كان متألمًا وغير متألم، فمن ناحية، كان (الكلمة) يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم، لأن الكلمة ـ إذ هو إله بالطبيعة ـ فهو لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدي موجودًا في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوى فيه الكلمة غير المتألم الذي كان يبيد العلل التي قبلها في جسده.

وكان يصنع هذا، وهكذا كان يصير، لكي بعد أن يأخذ ما لنا (أي الجسد) ويقدّمه كذبيحة، يقضي على (العلّل والضعفات) كلّها. وهكذا يلبسنا ما له، وهذا ما يجعل الرسول يقول: ’لأن هذا الفاسد لابد أنّ يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت‘ (1كو53:15).[19] لأن ما تألم به هذا الجسد (جسد الكلمة) يُعتبر أنّ الكلمة قد تألم به“.[20]

ويضيف المطوَّب أمبرسيوس:

”وهكذا فإنّ الرسول بولس يقول: لأنهم صلبوا جسد المسيح (غلا24:5)،[21] ويقول القديس بطرس أيضًا: إذ قد تألم المسيح.. بالجسد (1بط 1:4). لذلك فالجسد هو الذي تألم، بينما اللاهوت هو فوق في أمان مِن الموت، وقد خضع جسده للألم بحسب طبيعة البشر. هل يمكن للاهوت أنّ يموت بينما النفس لا تموت؟ يقول ربنا: لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أنّ يقتلوها (مت 28:10).

فإنّ كانت النفس لا يمكن أنّ تُقتل، فكيف يمكن أنّ يموت اللاهوت؟ إذًا، فعندما نقرأ أنّ رب المجد قد صُلِبَ، فعلينا ألاّ نفترض أنه قد صُلِبَ كما في مجده،[22] ولكن لأن الذي هو الله هو أيضًا إنسانٌ، إله بحسب لاهوته، وباتخاذه الجسد لنفسه هو:

الإنسان يسوع المسيح؛ لذلك يُقال إنّ رب المجد قد صُلِبَ، لأنه بامتلاكه الطبيعتين البشرية والإلهية، فإنه احتمل الآلام في بشريته، حتّى يمكننا القول أنّ الذي تألم يُدعى رب المجد وابن الإنسان معًا في نفس الوقت بغير تمييز بينهما، كما هو مكتوب: الذي نزل من السماء (يو 3: 13)“.[23]

إذ أخذ نفسًا وجسدًا إنسانيًّا لم تحدث إضافة إلى عدد الأقانيم، إذ بقيَّ الثالوث كما هو قبلٍا. وذلك كما أنه في كلّ إنسان فيما عدا ذاك الذي وحده أخذ اتحادًا أقنوميًا، فإنّ النفس والجسد يمثلان شخصًا واحدًا، هكذا في المسيح الكلمة ونفسه البشرية وجسده يمثلون شخصًا واحدًا.

وكما أنّ اسم ”الفيلسوف“ كمثال يُعطي لإنسان بالتأكيد بخصوص نفسه وحدها، إلاَّ إنّه لا يُحسب سخافة، بل هو أمر عادي ولائق في اللغة، أن نقول بإنّ الفيلسوف قُتل، الفيلسوف مات، الفيلسوف دفن، مع أنّ هذه الأحداث جميعها تسقط على جسده وليس على العنصر الخاص به كفيلسوف، هكذا بنفس الطريقة اسم الله أو ابن الله أو رب المجد، أو أيّ اسم آخر يُعطي للمسيح بكونه الكلمة، ومع هذا فإنّه من الصواب القول بان الله صُلِب، إذ لا مجال للتساؤل في أنّه احتمل هذا الموت في طبيعته البشريّة وليس في تلك التي بها هو رب المجد.

وبحسب القديس كيرلس السكندري فإنّ الآلام تخص التدبير. والله الكلمة جعل ما يخص جسده يخصه هو نفسه بسبب الاتحاد الفائق الوصف. لكنه ظل فوق الآلام حسب مقتضى طبيعته لأن الله لايتألم. ولاغرابة فيما نقول، لأن نفس الإنسان تظل فوق الآلام عندما يتألم جسدها.

ونحن لا نعتبر النفس بعيدة عن الآلام، أو أنّ الآلام عندما تحدث للجسد لاتخص النفس.. لأن الجسد الذي يتألم هو جسدها. وعندما يتألم الجسد فالنفس المتحدة به وهي من طبيعة بسيطة غير مادية لا تظل بعيدة عن الألم، لأن الجسد الذي يتألم ليس غريبًا عنها بالمرة. هكذا يمكننا أنّ نفهم آلام المسيح مخلّصنا كلنا.[24]

ويكمل أيضًا القديس كيرلس قائلًا:

”إنَّ الكلمة يعطي جسده من صفاته، حتّى يُمكننا أنّ نقول بسبب الاتحاد إنه (الجسد) نزل من السماء، لأنه (الكلمة) عندما اتحد به جعله واحدًا معه،[25] ولاحظ أنه عندما يُذبَح العصفور الأوّل (في طقس الذبائح في العهد القديم) يُغمَس العصفور الثاني في دم الأوّل دون أنّ يموت. ما معنى هذا؟ أنّ الكلمة حي وأن مات جسده، وبسبب الاتحاد اشترك هو في الآلام لأن الجسد الذي تألم هو جسده هو وهو الواحد بعينه، اقتبل هو نفسه الآلام دون أنّ يتألم (في) طبيعته[26].

ويستمر قائلًا: وإنه بسبب اتحاده بالجسد تألم بكلّ الإهانات، لكنه احتفظ بما له من عدم الألم لأنه ليس إنسانًا فقط بل هو نفسه الله. وكما أنّ الجسد هو جسده هكذا آلام الجسد ورغباته غير الدنسة وكلّ الإهانات التي وجهها البعض، كلّ هذا احتمله هو لأنه كان موجهًا إلى جسده الخاص به. لقد تألم دون أنّ يتألم“.[27]

5- جسد المسيح مخلوق

وقد أنكر أيضًا القديس أثناسيوس أن ناسوت ربنا يسوع المسيح كان موجودًا قبل تجسّد الكلمة من العذراء القديسة. وكتب قائلًا:

”كلهم سوف يدينون أنفسهم بحق، أولئك الذين ظنوا أن الجسد الذي أُخذ من مريم كان موجودًا قبلها، وان الكلمة كانت له نفس بشرية قبلها (مريم)، كان كائنًا فيها (النفس البشرية) دائمًا حتّى قبل مجيئه“.[28]

6- الجسد خلص من وقت الحبل به

ومن ناحية أخرى فقد شرح القديس أثناسيوس كيف أن جسد ربنا يسوع المسيح تمجد فوق خصائصه الخاصة التي للطبيعة. وكتب يقول:

”ولكن بما أن الجسد في نفسه هو من طبيعة مائتة، فقد قام مرة أخرى بواسطة ما يفوق طبيعته الخاصة بسبب الكلمة الذي كان فيه؛ وقُطع عن الفساد الطبيعى، وبلبسه الكلمة الذي هو فوق الإنسان، صار غير قابل للفساد“.[29]

7- لقب والدة الإله

توجد نقطة هامة أثارت القديس كيرلس عندما أتت إليه جماعة من الرهبان بمناسبة عيد القيامة لسنة 429م وعرضوا عليه موضوع عظات نسطوريوس والتي هاجم فيها تلقيب مريم العذراء بـ ” والدة الإله “، وعندئذ إنتهز القديس كيرلس الفرصة وكتب لهم خطابًا عقائديًا مطولًا محذرًا إياهم من قبول التعاليم التي تنكر أن العذراء مريم هيَ “والدة الإله” ثمّ شرح لهم في هذه الرسالة عملية التجسد مستندًا إلى تعاليم الكتاب المقدس وتعاليم المجمع المقدس العظيم لكي يبرهن لهم على تجسّد كلمة الله وكيف أنه صار جسدًا مولودًا من العذراء مريم ولذلك تلقب العذراء”بوالدة الإله”.

وهذا لا يعني أن مريم هيَ مصدر وأصل الكلمة بل هيَ أم الكلمة المتجسد.

لكن لماذا أَصرَّ القديس كيرلس على استخدام لقب “والدة الإله”؟

إن نسطوريوس أراد التمييز والفصل بين الطبيعتين لذلك كان يرفض عملية الاتحاد بين الطبيعتين واستخدم في ذلك الكلمة اليونانية (سينافيا) والتي تعني الاتصال أو الاقتران، ولذلك أراد أن يُلقب العذراء مريم ” بأم المسيح ” أو ” أم الإنسان “. وفي هذا أراد نسطور أن يعلم بأن مريم لم تلد الله بل ولدت الإنسان الذي حل فيه الكلمة، وهنا نلاحظ فصل تام بين الطبيعتين. لذلك كتب له القديس كيرلس الآتي:

”..فرغم أن له (أي الكلمة) وجودًا قبل الدهور وقد وُلد من الآب، فإنه يُقال أيضًا أنه وُلد حسب الجسد من امرأة،

كما أن طبيعته الإلهية لا تحتاج لنفسها بالضرورة إلى ولادة أخري بعد الولادة من الآب. إن القول بأن ذلك الذي هو موجود قبل كلّ الدهور وهو أزلي مع الآب، يحتاج إلى بداية ثانية لكي يوجد، إنما هو أمر بلا غاية وفي نفس الوقت هو قول أحمق.

ولكن حيث إنه من أجلنا ومن أجل خلاصنا وَّحد الطبيعة البشرية بنفسه أقنوميًا، وولد من امرأة، فإنه بهذه الطريقة يُقال أنه قد وُلد جسديًا،

لأنه لم يولد أولًا إنسانًا عاديًا من العذراء القديسة ثمّ بعد ذلك حل عليه الكلمة،

بل إذ قد اتحد بالجسد الذي من أحشائها، فيُقال أن الكلمة قد قَبِلَ الولادة الجسدية، لكي يُنسب إلى نفسه ولادة جسده الخاص..

إنه اتخذ دمًا ولحمًا مثلنا، إنه جعل جسدنا خاصًا به، وولد إنسانًا من امرأة بدون أن يفقد لاهوته ولا كونه مولودًا من الله الآب، ولكن في اتخاذه جسدًا ظل كما هو..

وهكذا نجد أن الآباء القديسين قد فكروا بهذه الطريقة. وهكذا لم يتردّدوا كثيرًا في تسمية العذراء القديسة بوالدة الإله“.

القديس كيرلس في استخدامه للقب ” والدة الإله ” للقديسة مريم العذراء يؤكِّد أن هذا التعبير مُنح لها بسبب إتحاد اللاهوت بالناسوت في بطنها. وإن رفض هذا التعبير هو هدم لسر التجسد ففى رسالته إلى رهبان مصر يكتب قائلًا:

”وعلى ذلك فإن اسم المسيح يجب أن يُطلق ليس فقط وبوجه خاص على عمانوئيل كما قلت بل أيضًا على كلّ الباقين الذين يمسحون بنعمة الروح القدس… ما هو إذن الذي يراه أحد أمرًا غير عادى في العذراء القديسة بالمقارنة بالنساء الأخريات، حتّى ولو قيل أنها ولدت عمانوئيل، لأنه لن يكون أمرًا غير لائق إن أختار أحد أن يدعو والدة كلّ واحد من الممسوحين باسم: “والدة المسيح”.

ولكـنه توجد هوة كبيرة واختلافات لا تقارن تفصل بين حالتنا وبين مجد وتفوق مخلصنا. لأننا نحن عبيده أما هو فحسب الطبيعة رّبّ وإله، حتّى وإن كان ـ قد صار معنا وأخذ مالنا بحسب تدبير (التجسد)… وعلى ذلك فإن جميع الآخرين، كما قلت، هم مسحاء، وهذا معقول جدًا، بسبب أنهم قد مُسحوا، أما المسيح وحده فهو الإله الحقيقى، عمانوئيل.

وفي الحقيقة فإن أحدًا لا يخطئ إن اختار أن يقول إنّ أمهات الآخرين هم ” والدات مسيح “، ولكن ليسوا بأى حال “والدات إله” أيضًا. إن العذراء القديسة وحدها، بالمقابلة مع أولئك النساء، هيَ ـ كما ندركها وندعوها والدة المسيح ووالدة الإله معًا.

لأنها لم تلد مجرد إنسان بسيط مثلنا، بل بالحرى الكلمة الذي من الله الآب، الذي تجسّد وتأنس، لأننا نحن أيضًا ندعى آلهة بحسب النعمة، أما الابن فليس إلهًا على هذا النحو، بل بالحرى هو إله بالطبيعة وبالحق، حتّى وإن كان قد صار جسدًا“.

ولكي يشرح القديس كيرلس مفهوم لقب ” والدة الإله ” لمريم العذراء يقول:

”..ومع ذلك فحتى لو كانت هؤلاء النساء هن فقط أمهات للأجساد التي على الأرض، إلاّ أنهن يلدن الكائن الحي كله، وأنا أعني كائنًا مكونًا من جسد ونفس، ولا يُقال عنهن أنهن يلدن جزءً من الكائن..

وعلى ذلك فإنه من الواضح حقًا أن الكلمة لا يُدعي المسيح خارجًا عن الجسد، وكما لو كان منفصلًا عنه. إن مثل هذا الاسم هو مناسب له حينما صار إنسانًا، ويمكننا أن نبرهن على ذلك من الكتب المُقدّسة نفسها، فنبين أنه هو الله حسب الطبيعة، وأن لاهوته قد اتحد، كما قلت بجسده الخاص، وحينما تصير هذه الحقيقة واضحة، فإن العذراء القديسة تُدعي منا والدة الإله“.

لقد وُجهت اعتراضات للقديس كيرلس على تمسكه الشديد بلقب ” والدة الإله ” للعذراء مريم، حيث إنه لم يذكر صراحة في الكتاب المقدس ولا في قانون مجمع نيقية. ولكن المعلم الحاذق المُلهم من الله استطاع أن يتغلب على هذه الصعوبات باقتباسه من الكتاب المقدس قول اليصابات للعذراء مريم: “فمن أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلىَّ” (لو43:1)

وكذلك في شرحه لمفهوم “الكلمة صار جسدًا”، قال بإنّ الكلمة حل في بطن القديسة مريم العذراء وهي التي ولدت الكلمة الذي كان في أحشائها.

كما أن القديس كيرلس اعترف بأن قانون إيمان نيقية لم يذكر إطلاقًا ” والدة الإله ” لمريم العذراء ولكنه اعتمد على أقوال معلميه السابقين من آباء مدرسة الأسكندرية الذين كانوا ينسبون دائمًا هذا اللقب لمريم العذراء أمثال أوريجينوس في تفسيره لرسالة بولس الرسول لأهل رومية، البابا ألكسندروس رئيس أساقفة الأسكندرية، القديس أثناسيوس الرسولي في الرد على الآريوسيّة.

إن تشديد القديس كيرلس على إتحاد الطبيعتين في المسيح الواحد يوضح لنا فهمه الصحيح لتجسد الابن الوحيد لأنه من خلال هذه الوحدة يقول القديس كيرلس بمفهوم روحيّ فائق:

”لإنّه كواحد منّا رغم أنّه لم يعرف الموت، نزل إلى الموت، بواسطة جسده الخاص، لكي نصعد نحن أيضًا معه إلى الحياة. لأنّه عاد إلى الحياة ثانية، سالبًا الجحيم، ليس كإنسان منّا، بل كالإله في الجسد بيننا وفوقنا. إنّ طبيعتنا اغتنت جدًّا بالخلود، فيه هو أولًا، وسُحِق الموت حتمًا حينما هجم العدو على جسد الحياة.

لإنّه كما أنّ الموت قد انتصر في آدم هكذا أيضًا قد انهزم في المسيح. والمرنم الموحى له، كرس ترانيم النصر له في صعوده لحسابنا ولأجلنا، إلى الله الآب في السموات، لكي تظهر السماء أنّها يمكن الوصول إليها بالنسبة لأولئك الذين على الأرض“.

لقد صارت تعاليم القديس كيرلس عن الرّبّ يسوع هيَ تسابيح الكنيسة القبطية التي تردّدها في كلّ طقوس الكنيسة وليتورجياتها إلى مدى الأجيال.

8- مفهوم اتحاد الطبائع

والسؤال الآن هو: كيف شرح القديس كيرلس عملية الاتحاد بين الطبيعتين؟

الإجابة على هذا السؤال توجد في رسالة القديس كيرلس إلى سوكينسوس أسقف ديو قيصرية حيث يوضح أن عملية الاتحاد تمّت بين اللاهوت والناسوت في لحظة الحبل الإلهي، بمعنى أن كلمة الله اتحد بالجنين الذي تكون في بطن العذراء القديسة مريم. وإن هذا الجنين الذي سيصبح جسد المسيح الخاص (بحسب تعبير القديس كيرلس) لم يوجد بأى طريقة من الطرق وحيدًا منفردًا أو منفصلًا عن الكلمة (اللوغوس).

فالكلمة هيأ له جسدًا في بطن العذراء مريم ولم يصنع له جسدًا خاصًا أو هيأ له جسدًا من جوهر لاهوته أو من مادة أخرى تختلف عن المادة التي يتكون منها الجنس البشرى. بل إن جسده الذي أخذه من بطن أمه العذراء مريم أصبح جسد الكلمة المتجسد.

وبناء على ذلك يقول القديس كيرلس إن الذي وُلد من القديسة مريم العذراء، ليس إنسانًا عاديًا، بل كلمة الله المتأنس لأن الذي وُلد من القديسة العذراء مريم لم يكن أولًا إنسانًا عاديًا ثمّ حلّ عليه بعد ذلك الكلمة، لكن بسبب اتحاده منذ الحبل به لذلك ولِدَ ولادة جسدية. وفي هذا يقول القديس كيرلس في رسالته إلى يوحنا الأنطاكي:

”..لأجل هذا نعترف بمسيح واحد، ابن واحد، رّبّ واحد. وبحسب هذا الفهم للاتحاد بدون اختلاط نعترف بأن العذراء القديسة هيَ والدة الإله، لأن الله الكلمة قد تجسّد وتأنس، ومنذ ذات الحمل به وحّدَ الهيكل الذي أخذه منها، مع ذاته“.

ولكي يبيّن القديس كيرلس أنّ الاتحاد قد تمّ فعلًا بين الطبيعتين برغم اختلافهما في الجوهر قال: إن الطبيعتين اللتين اقتربتا لتكوين وحدة حقيقية، مختلفتان ولكن من الاثنين نتج ابن واحد ومسيح واحد. وهذا لا يعني أن الفرق بين الطبيعتين قد زال أو تلاشى بسبب الاتحاد. وفي رسالته إلى يوحنا الأنطاكي كتب يقول:

”ولذلك فإنّنا نعترف أن ربنا يسوع المسيح، ابن الله، الوحيد، هو إله كامل وإنسان كامل ذو نفس عاقلة وجسد، وهو مولود من الآب قبل الدهور بحسب لاهوته، وإنه هو نفسه في الأيام الأخيرة من أجلنا ومن أجل خلاصنا وُلد من مريم العذراء بحسب الناسوت، وهو نفسه، من الجوهر نفسه الذي للآب، حسب لاهوته، ومن نفس الجوهر الذي لنا بحسب ناسوته. لأنه قد حدث اتحاد بين الطبيعتين. لأجل هذا نعترف بمسيح واحد ابن واحد، ورب واحد“.

الملاحظ هنا أن القديس كيرلس استخدم تعبير المساواة في الجوهر للآب. والمساواة في الجوهر لنا بالنسبة لطبيعته البشرية، وقد سبقه في هذا الاستخدام العلامة ديديموس الضرير الذي رُبّما يكون كيرلس قد قرا له، حيث إن ديديموس كان سابقًا لكيرلس في إيضاح مفهوم الاتحاد بين الطبيعتين في المسيح يسوع.

وقد استخـدم القـديس كـيرلس الاصـطلاح الاتحاد (إنوسيس) لكي يشرح مفهوم الوحدة بين الطبيعتين لن هذا الاصطلاح يعني الآتي:

1 ـ لا يُعبّر عن وجود علاقة خارجية عن طريق سكن الكلمة في الناسوت، أو مجرد لبس ثوب، أو السكن في هيكل، بل يعبّر هذا الاصطلاح عن إتحاد الكلمة بالجسد إتحادًا قويًا عميقًا بطريقة تفوق كلّ وصف وإدراك، وهذا الاتحاد لا يعرف الفصل أو التقسيم، لأن الكلمة صار جسدًا، فإنه فيه يحلّ كلّ ملء اللاهوت جسديًا (كو9:2).

2 ـ هذا الاصطلاح يعني أن هذه الوحدة التي تمت بين الطبيعتين، كانت قوية وعميقة لدرجة أنه استخدم تعبيرًا مُستعارًا رُبّما من أثناسيوس “طبيعة واحدة لكلمة الله المتجسد “.

3 ـ الاصطلاح ” إنوسيس” يعني أن الكلمة لم يتحول إلى جسد، بل إنه إتحد بالجسد الذي لا يمكن أن ينفصل عنه بعد الاتحاد.

4 ـ الاصطلاح يعني أيضًا عدم الاندماج أو الاختلاط أو الامتزاج بين الطبائع المتحدة. فبالرغم من هذا الاتحاد القوى فإن الكلمة يظل كلمة والجسد يظل جسدًا.

ولكي يوضِّح القديس كيرلس عملية الاتحاد بين الطبيعتين قدَّم مجموعة من الأمثلة كالتالي:

أ ـ مثل الروح والجسد.

ب ـ مثل العليقة المشتعلة بالنار.

ج ـ جمرة النبي إشعياء.

د ـ النار والحديد.

هـ ـ تابوت العهد.

 

3 يو14:1.

4 غل13:3.

[3] Letter to Epictetus, par. 2, N. & P.N Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p.573.

[4] Ibid. par. 7 p. 572.

7 يوئيل28:2.

[6] Letter to Epictetus, par. 8, N. & P.N Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p.573.

[7] إلى سوكينسوس رسالة 5:45. كما توجد في كتابات القديس كيرلس مواضع خاصة شدّد فيها على كمال إنسانيّة المسيح نذكرها على سبيل المثال لا الحصر ويمكن الرجوع إليها: ”رسالة رقم (1) إلى الرهبان 15،20،21؛ رسالة رقم (11) إلى بوسيدونيوس:5؛ رسالة رقم (33) إلى أكاكيوس: 10؛ رسالة رقم (40) إلى أكاكيوس: 22، 23“.

10 رو2:1.

[9] Letter to Epictetus, par. 2, N. & P.N Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p.571.

[10] On the Incarnation, Chap. III, par. 13, SVS Press, 1982, p. 41.

16 يو14:1.

[12] Letter to Adelphius, par. 2, N. & P.N. Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p. 575.

18 يو23:10.

19 مت2:8.

[15] Letter to Adelphius, par. 3, N. & P.N. Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p. 575.

21 يو23:18.

22 إش6:50.

[18] Letter to Epictetus, par. 6, N. & P.N. Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p. 572, 573.

[19]المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، مرجع سابق. ص 41، 42.

[20]المرجع السابق. ص 47.

[21] يستخدم القديس أمبروسيوس هنا معنى للنص الأصلي مُلفت للنظر حيث يقول النص: ”ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد“.

[22] انظر: 1كو 8:2.

[23] شرح الإيمان المسيحيّ. للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان. الجزء الأوّل الكتاب الثاني. ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد. إصدار المركز الأرثوذكسيّ للدراسات الآبائية. ص 109.

[24] تجسد الابن الوحيد. مرجع سابق. فقره 36.

[25] يعود القديس كيرلس إلى ذات العبارة مرة أخرى: جعله واحدًا مع لاهوته “ليؤكد أنّ الاتحاد تام وكامل حتّى أنّ ابن الإنسان يمكنه أنّ يقول انني نزلت من فوق أو من السماء، لأن المتحدث هو يسوع المسيح الواحد الذي يمكنه أنّ يوصف نفسه–كواحد غير منقسم– كسمائي وابن الله وابن الإنسان.

[26] تجسد الابن الوحيد. مرجع سابق. فقره 36.

[27]المرجع السابق. فقره 37.

9 نفس الشاهد السابق.

[29]Ibid. par. 10, p. 574.

 

الخريستولوجي السكندري – مفاهيم أساسية

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج2

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج2

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج2

الجزء الأول: الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج1

الجزء الثالث: الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج3

3. موقف غير الخلقيدونيين بالنسبة لتعليم المدرسة الأنطاكية:

لم تكن الاعتراضات التي ذكرها سوليفان ضد الموقف الأنطاكي هي بالضبط نفس اعتراضات غير الخلقيدونيين عليه. وفي الحقيقة كان الإصرار الأنطاكي على اتحاد هيبوستاسيسين،* وعلى أن بروسوبون المسيح هو البروسوبون المتكوِّن من اتحاد حقيقتين أقنوميتين (two hypostatic realities)، هو نفس الموقف الذي تمسك به البطريرك ساويروس ولكن بدون أن يقسم أو يفصل الطبيعتين الواحدة عن الأخرى. فبالنسبة للبطريرك ساويروس كانت هناك ثلاثة أشياء قد حدثت (وتزامنت) معاً:

  • كوَّن الله الكلمة الناسوت في رحم العذراء بواسطة الروح القدس بدون تدخل ذَكَري.
  • تم اتحاد لاهوت الكلمة بالناسوت منذ بداية تكوّن الناسوت.

(ج) كان تفرد وتخصخص (individuation) الناسوت منذ بداية اتحاده مع اللاهوت، وبهذا صار الناسوت في الحالة الأقنومية (hypostatic).

ويمكننا مقارنة هذا الموقف مع مفهوم يوحنا الدمشقي الذي كتب: “وهكذا تمت ثلاثة أشياء في وقت واحد؛ اتخاذ الجسد، ونشوء هذا الجسد، وتأليهه”.[1]

ولا ينبغي على الرغم من ذلك أن يُساء فهم موقف البطريرك ساويروس، فهو بتأكيده على الحقيقة الأقنومية لناسوت المسيح لم يكن يقر أن هناك مركزين محددين للوجود والفعل في المسيح الواحد كما يفعل الأنطاكيون، لأنه في نفس الوقت كان يصر على ’الهيبوستاسيس الواحد‘ بكونه (هيبوستاسيس) ’مركب‘. وعندما تزامنت الطبيعتان في ’الهيبوستاسيس المركب‘ الواحد، أصبح للمسيح البروسوبون الواحد الخاص به أيضاً.

وموضع (أو مركز) الاتحاد ليس هو البروسوبون، ولكنه الهيبوستاسيس، لذلك فالاتحاد أيضاً هو اتحاد هيبوستاسي.
ويمكننا أن نقول أن هيبوستاسيس المسيح، بالرغم من أنه الهيبوستاسيس الإلهي لله الكلمة، إلا أن الناسوت أيضاً قد صار أقنومياً (أي في الحالة الهيبوستاسية) في الاتحاد معه؛ وبنفس الطريقة فإن بروسوبون المسيح، بالرغم من أنه بروسوبون الله الكلمة، إلا أن الناسوت أيضاً قد صار بروسوبي فيه.

ونستطيع أن نقدِّر مفهوم البطريرك ساويروس إذا نظرنا إلى حقيقة أن يسوع المسيح هو شخص تاريخي، وبكونه كذلك فإن له الهيبوستاسيس الخاص به مع البروسوبون. وهذا الأمر هو الذي استطاع التعليم الخريستولوجي للبطريرك ساويروس أن يحافظ عليه.

وهنا نرى أنه لم يكن الخريستولوجي الخلقيدوني ـ كما يُزعَم ـ هو الذي قام بتجميع التقاليد المتنوعة في الكنيسة، ولكن التعليم الخريستولوجي لذلك اللاهوتي غير الخلقيدوني (ساويروس) هو الذي كان يتضمن ذلك الاهتمام الأنطاكي بصورة فعالة.

ويمكننا في هذا الصدد أن نسترجع ما أكده البطريرك ساويروس بخصوص ’العصرين‘ (the two ages).[2] وكان نوريس[3] (Norris) قد أظهر أن البطريرك ساويروس لديه مثل ثيؤدور عقيدة وجود ’عصرين‘ أو ’مرحلتين‘ في عمل الله الابن. حيث كان الله الابن في الأولى غير متجسد (unincarnate) أو قبل متجسد (pre-incarnate)، ومن ثم كان الهيبوستاسيس والبروسوبون الخاص به إلهياً وحسب.

ولكن في المرحلة الثانية كان حقيقةً (أو واقعاً) داخل التاريخ البشري، وقد دخل في المجال التاريخي من خلال ولادة ثانية من أم بشرية، والتي أتخذ منها ناسوتاً صار في الحالة الهيبوستاسية المحددة في الاتحاد معه. وهذا هو تدبير الله الابن، الذي صار فيه للابن المتجسد هيبوستاسيس مركب مع البروسوبون الخاص به.[4]

وحيث إن موضع (أو مركز) الاتحاد هو الهيبوستاسيس، فقد أصر البطريرك ساويروس على تبادل الخواص في الاتجاهين معاً، ونتيجة لذلك أمكن للأمور الإلهية أن تُنسب إلى الناسوت، كما أمكن للأمور البشرية أن تٌنسب إلى اللاهوت.[5] ومن هنا استطاع البطريرك ساويروس واللاهوتيون غير الخلقيدونيين الآخرون أن ينسبوا ـ بتأكيد ـ إلى الله الابن:

الحبل (به) في رحم أم بشرية، والولادة منها بعد المسار الطبيعي للحمل؛ وتحمله لكل الخبرات البشرية باستثناء الخطية؛ ومعاناته للآلام الجسدية والأحزان النفسية؛ وموته المهين على الصليب. ولم يكن هناك أي انتقاص للأمور البشرية في المسيح الواحد، وذلك لأن الناسوت الذي اتخذه الله الابن من العذراء مريم كان خاضعاً لكل الأمور الطبيعية التي للناسوت، وله جميع الخواص والملكات البشرية الجوهرية.

ولكن بسبب الاتحاد الهيبوستاسي ـ الذي أنشأ هيبوستاسيس واحد مركب ـ فإن التعبير عن كل تلك الخواص والملكات يتم في المسيح وفي داخل الاتحاد فقط. وهيبوستاسيس يسوع المسيح الواحد كان هو الشخص المحدد الذي عاش في المجال التاريخي، والذي فيه اتحد الله الابن والناسوت المتفرد المخصخص في أقصى العمق الداخلي والشخصي لكيانه.

وكان البطريرك ساويروس لديه اعتراض مزدوج على الموقف الأنطاكي. فمن ناحية كان الأنطاكيون يؤمنون أن الناسوت تكوَّن في رحم العذراء قبل الاتحاد، وقد ناقشنا تلك النقطة قبل ذلك،[6] ومن الناحية الأخرى كانوا يفصلون الأشياء الإلهية عن الأشياء البشرية في المسيح.

وكانت النقطة الأساسية في انتقاده الأول لهم هي إيمانهم بأن الناسوت أصبح هيبوستاسيس حتى قبل، وبمعزل عن، الاتحاد مع الله الابن. ولهذا أظهر البطريرك ساويروس أنه بالنسبة للاهوتيين الأنطاكيين أمثال ديودور وثيؤدور ونسطوريوس وثيؤدوريت أسقف قورش وأندراوس أسقف سموساطا وغيرهم كان هناك فقط اقتران لله الابن مع الإنسان يسوع. والحقيقة أن الدراسات الحديثة للموقف الأنطاكي قد أظهرت أن قراءة غير الخلقيدونيين أمثال البطريرك ساويروس للموقف الأنطاكي لم تكن خاطئة.

أما بالنسبة للإنتقاد الثاني، فقد أظهر الدارسون المعاصرون أن البطريرك ساويروس والقادة الذين شاركوه نفس المعتقد كانوا محقين أيضاً في حكمهم على النقطة الخاصة بفصل الأنطاكييين للأشـياء الإلهية عن الأشـــياء البشرية (في المسيح). فبالنســبة لثيــؤدور ـ كما أظهر سوليفان ـ  “لم يكن الكلمة هو الذي تألم، ولكنه الإنسان المُتّخَذ”.[7]

كما استخرج نوريس أيضاً فقرة تؤيد نفس المفهوم جاء فيها:[8] “وعندما نسمع الأسفار تقول أن يسوع قد ارتفع أو تمجد، أو أن شيئاً قد أُضيف إليه، أو أنه أخذ سيادة على كل الأشياء، فلا ينبغي أن نفهم ذلك على الله الكلمة ولكن على الإنسان المُتّخَذ”. والنقطة التي أبرزها ثيؤدور هنا ـ كما في كل مكان آخر ـ هي أن الأشياء البشرية لا يمكن أن تُنسب إلى الله الكلمة. وعند تلك النقطة بالتحديد كان التقليد غير الخلقيدوني يختلف مع الموقف الأنطاكي ولا يلتقي معه أبداً.

وعلاوة على ذلك، كانت هناك نقطة أخرى ساهم الدارسون المعاصرون في بحثها، مما قد يجعلنا نذهب إلى أبعد من ق. كيرلس واللاهوتيين غير الخلقيدونيين القدماء، في تقييمنا لدواعي الموقف الأنطاكي. فقد أظهر الدارسون المعاصرون أن اللاهوتيين في المدرسة الأنطاكية كانوا قد ورثوا خلفية فكرية لا تجعلهم قادرين تلقائياً أن يعترفوا بالاتحاد الهيبوستاسي للاهوت والناسوت، ولا أن ينسبوا الأشياء البشرية لله الابن، ولا أن يستوعبوا مفهوم الهيبوستاسيس الواحد (المركب) ليسوع المسيح.

وفي الوقت نفسه، وبينما ظل الأنطاكيون في بيئتهم الفكرية الخاصة بهم، حاولوا أن يعترفوا بإيمان الكنيسة بيسوع المسيح في ضوء التقليد الكتابي، وأكدوا أنه كان بالفعل النموذج الوحيد لنوعه (sui generis). فعلى سبيل المثال، كان ثيؤدور مقتنعاً أن الله والإنسان غير متكافئين بصورة جوهرية.

وكان اللاهوتي الأنطاكي يؤمن أن الله حال في العالم بالجوهر (الأوسيا) وبالفعل أو الطاقة (الإنرجيا)، وعلى هذا الأساس رفض ثيؤدور أن يكون الله الكلمة قد سكن في الإنسان المُتّخَذ سواء بالجوهر أو بالفعل أو الطاقة، وأصر أن السكنى كانت بحسب مسرة الإرادة.* وأوضح ثيؤدور أنه حتى السكنى بهذا الوصف كانت مختلفة في النوعية عن سكنى الله بمسرة الإرادة في القديسين.[9]

ومن الجدير بالذكر أيضاً، أنه على الرغم من أن الأنطاكيين لا يقولون إن الله الكلمة قد حُبل به في رحم الأم البشرية أو أنه وُلد منها، إلاّ أنهم يؤكدون الميلاد البتولي (Virgin birth) وبذلك يعترفون أن الله أخذ المبادرة في إحضار الإنسان المُتّخَذ إلى الوجود. ويصر ثيؤدور بجانب هذا على أن الإنسان المُتّخَذ “قد سكنه الله الكلمة منذ بداية تكوينه في رحم الأم”؛ وأن الاتحاد لم يكن بين إثنين من البروسوبون؛ وأن اقتران الله الكلمة والإنسان لم يكن مجرد تعاون بين الله والإنسان.[10] وبالنسبة لأسقف موبسويستا، فإن الله الكلمة اقترن بالإنسان المُتّخَذ منذ أول تكوينه في رحم الأم*، ولذلك نجده يقول:[11]

لقد أتى الله الكلمة ليكون فيه عندما تكون. لأنه لم يكن فيه فقط عندما صعد إلى السماء، ولكن أيضاً عندما قام من الأموات. ولا هو كان فيه فقط عندما قام من الأموات، ولكن أيضاً عندما صُلب وعندما عُمِّد وعندما كان يحيا الحياة الإنجيلية بعد عماده، بل وحتى قبل عماده عندما كان يكمِّل كل متطلبات الناموس.

وعلاوة على ذلك، كان أيضاً فيه حتى عندما وُلد، وعندما كان في رحم أمه مباشرة منذ أول تكوينه. لأنه (أي الله الكلمة) فرض نظاماً على الأشياء التي تعنيه، محضراً إياه (أي الإنسان المُتّخَذ) إلى الكمال خطوة بخطوة.

وذكر نوريس أن ثيؤدور كان يؤمن أن “الله الكلمة كان هو الذي أحضره (أي الإنسان المُتّخَذ) إلى الولادة، وقاده إلى العماد، وسلمه إلى الموت وأقامه، وبالتالي هو الذي منحه الطبيعة غير المائته وغير المتغيرة التي يوجد فيها الآن في السماء.[12]

ويرى نوريس أنه من الممكن أن نستخلص الاستنتاجات الثلاثة التالية حول التعليم الخريستولوجي لثيؤدور:

  • لم يكن مفهوم ثيؤدور عن الاتحاد أنه ’تعاون‘، ولكن التعاون بين الله الكلمة والإنسان هو نتيجة الاتحاد (الذي في صورة اقتران). ولم يؤثر الاتحاد على النشاط الأخلاقي للإنسان (المُتّخَذ)، كما لم يكن النشاط الأخلاقي هو تفسير ذلك الاتحاد.
  • إن الاتحاد هو نتيجة التنازل الإلهي، الذي كان سابقاً، وضرورة أساسية، لما قد تم في ومن خلال الإنسان (المُتّخَذ).

(ج) لم يقدِّم ثيؤدور أي تفسير للاتحاد أكثر من تأكيده على أنه كان سكنى حدثت بمسرة الإرادة الإلهية. وفي نفس الوقت، علق ثيؤدور أهمية كبيرة على علاقة الخضوع والتبعية بين الله الكلمة والإنسان والتي تجعل ’الاقتران‘ بين الشخصين اتحاداً عضوياً (متناسق الأجزاء).[13]

وهكذا يتضح أن التعليم الخريستولوجي الأنطاكي يستحق تقييماً أكثر موضوعية مما أُعتيد أن يُعطى له. ففي إطار بيئتهم الفكرية (التي ورثوها)، حاول رجال مثل ثيؤدور أن يقدموا موقفاً لاهوتياً لم يكن ـ على الأقل من وجهة نظرهم ـ هو الموقف الذي يعني وجود ابنين.

وإذا قارنا بين الفكر اللاهوتي عند البطريرك ساويروس وعند ثيؤدور، سنجد أن البطريرك ساويروس يشارك ثيؤدور الاهتمام في عدد من النقاط بينما يلتزم بموقفه (المختلف) عند مسألة وحدة المسيح. وقد ذكرنا قبلاً نقطتين من تلك النقاط، وهما بالتحديد:

أولاً أن مصطلح ’طبيعة‘ كان يعني في النقاش الخريستولوجي شيء محدد وخاص (أي الطبيعة في واقعها الهيبوستاسي)، وثانياً أن شخص يسوع المسيح لم يكن مجرد هيبوستاسيس وبروسوبون الله الكلمة وحسب. وبالرغم من أن البطريرك ساويروس وثيؤدور لم يتفقا فيما بينهما على (محتوى) هاتين النقطتين، إلا أنهما كانا يشتركان على الأقل في نفس المبدأ العام، وكلاهما لم يكن يوافق وجهة النظر الخلقيدونية (من جهة هاتين النقطتين).

وهناك أيضاً نقطة ثالثة، كان الاتفاق بين البطريرك ساويروس وثيؤدور حولها أكثر صراحة مما هو بين ثيؤدور والجانب الخلقيدوني، وتتعلق هذه النقطة بحالة الإنسان قبل سقوط آدم. ويرى نوريس أنه كان يوجد رأيان (أو مفهومان) حول هذا الأمر في كتابات ثيؤدور: الرأي الأول يتضمن مفهوم أن الإنسان خُلق في الأساس غير قابل للموت ولكنه صار قابلاً للموت بواسطة الخطية.

وبالرغم من ذلك، كان هناك رأي آخر ظهر في فقرات أخرى من كتابات ثيؤدور حيث أصر فيها على أن الإنسان خُلق قابلاً للموت، وأن الموت هو شيء يتعلق بطبيعة الإنسان.[14]

وكما سبق وأظهرنا،[15] كانت وجهة النظر الثانية هي التي يتمسك بها البطريرك ساويروس. وكان البطريرك ساويروس يتفق كذلك مع ثيؤدور في أن ناسوت المسيح قد تقلد بالمجد والكرامة والسيادة الإلهية، وكان هذا المفهوم يعتمد (عند ساويروس) على الاتحاد الهيبوستاسي الذي جعل تبادل الخواص بين اللاهوت والناسوت ممكناً.

ويوجد أمر آخر أكثر أهمية يتفق فيه كل من ثيؤدور والبطريرك ساويروس ويوحنا الدمشقي يتعلق بالدور الذي قام به الناسوت في عمل المسيح الخلاصي. ويؤكد البطريرك ساويروس أننا قد خلصنا بموت المسيح، ولذلك يصر ـ مقتبساً من العبرانيين 2 ـ على أن اتخاذ الله الكلمة للناسوت كان أمراً لا غنى عنه لاتمام خلاص الجنس البشري.

وكان المفهوم الأساسي هنا ـ كما سبق أن ذكرنا[16] ـ هو أن أبانا الأول آدم قد هُزم في المعركة بواسطة الشيطان، ووفقاً لذلك أصبح كل الجنس البشري تحت عبودية العدو، ولذلك اقتضت العدالة أنه ينبغي أن يقوم الإنسان نفسه بالقتال في معركة الإنسان. وبكلمات أخرى نقول إن الله الكلمة أنجز خلاص الجنس البشري في ومن خلال الناسوت الذي كان له دور ديناميكي في العمل الفدائي.

وفي هذه المناسبة ينبغي أن نتذكر حقيقة اعتراض البطريرك ساويروس على نظرية يوليان الذي اعتبر أن ناسوت المسيح كان هو ناسوت آدم قبل السقوط.[17] وكان البطريرك ساويروس يرى أن “جسد المسيح لم يكن خاضعاً للخطية ولكنه كان مثل جسدنا الخاطئ*“.[18]

ويمكننا أن نقارن موقف البطريرك ساويروس هذا مع موقف ثيؤدور الذي كان ـ كما يذكر نوريس ـ يقر بحذر بأن “المسيح ينبغي ألا يكون فقط هو الحامل لخلاصنا والذي جلب لنا العصر الثاني لعدم الموت، ولكنه هو أيضاً الذي تم لأجله الخلاص”.[19]

وفي الحقيقة كان ثيؤدور والبطريرك ساويروس ويوحنا الدمشقي[20] يتفقون على هذا المفهوم بوضوح، على الرغم من أن اللاهوتي الخلقيدوني (أي يوحنا الدمشقي) كان يؤيد النظرية اليوليانية أكثر بكثير من الرجلين الآخرين. وفيما عدا هذا الاستثناء، كان عمل الفداء بالنسبة للرجال الثلاثة يتضمن ضرورة تواجد: ’الله الابن‘ الذي قد خلق الإنسان في الأصل بواسطته، و’الناسوت‘ الذي صار تحت العبودية.  وإذا كان يُحسب للتعليم الخريستولوجي الأنطاكي تأكيده على بشرية المسيح بغير تحفظ، فالحقيقة أن اللاهوتيين غير الخلقيدونيين كانوا متمسكين بنفس ذلك التأكيد بشكل فعال.

وكان تشديد البطريرك ساويروس على أن ناسوت المسيح هو حقيقة أقنومية (hypostatic) له مدلول خاص يمكننا أن نلخصه كما يلي: لم تكن وجهة النظر المسيحية للحقيقة هي النظرة الأحادية (monism) ولا هي النظرة الثنائية (dualism)، لأن المسيحية كانت تفهم العلاقة بين الله والإنسان من خلال عقيدة الخلق. فالإنسان ـ بما في ذلك ناسوت المسيح ـ هو مخلوق، وحيث إنه خُلق على صورةالله فإنه يستطيع بالطبيعة أن يعكس (صورة) الله وأن يقيم علاقة مع الخالق.

وفي هذه العلاقة الإلهية – الإنسانية، لم يكن الله  يحافظ على الشركة مع الناسوت بكونه حقيقة عامة مجردة، ولكن مع رجال ونساء كأشخاص بشرية، ومن بينهم جاء يسوع المسيح بكونه العضو الأول في الجماعة المفتداه. وهكذا لم تكن الحالة الهيبوستاسية لناسوت المسيح هي إضافة غير ضرورية، بل كانت أمراً أساسياً تماماً من أجل وجود ناسوت حقيقي.

 وهناك نقطة أخيرة في هذا السياق، وهي أن الأنطاكيين كانوا يصّرون على أن الله هو أبعد من كل قيود الزمان والمكان، وأنه غير مقيد (أو محدود) في علاقته مع العالم. وكان اللاهوتيون المنتمون للتقليد السكندري يتمسكون أيضاً بنفس هذا المفهوم، فالقديس أثناسيوس على سبيل المثال، أكد أنه عندما صار الله الكلمة إنساناً، فإن الإخلاء الذي تضمنه التجسد لم يؤثر على سيطرته الإلهية على الكون،[21] والله الذي يسمو فوق الزمان والمكان لا ينبغي أن نعتبره ’أحد الأشياء‘ داخل المحيط الزمني المكاني.

ففي التجسد، أخذ الله زمام المبادرة وخلق الإنسان جديداً في نفسه بواسطة الاتحاد الهيبوستاسي الذي أتمه مع الناسوت. ومن خلال عمل الله هذا، تم إعادة البشرية ـ من أساسها ـ إلى وضعها الأصلي المتناغم مع الخالق. ونحن من خلال حياة الإيمان والتكريس (بالأسرار) نُعطى المشاركة في الفداء الذي حققه الله، ونتطلع إلى بلوغ كماله النهائي بالنسبة للخليقة كلها في العالم. وهذه في الحقيقة هي الطريقة التي يمكن أن يُفهم بها التعليم الخريستولوجي غير الخلقيدوني على نحو صحيح.

وبالطبع كان هناك اختلاف في المفهوم بين التعليم الخريستولوجي غير الخلقيدوني والتعليم الخريستولوجي الأنطاكي. ولم يكن هذا الاختلاف في شرح كمال وحقيقة ناسوت المسيح، حيث إن كلا الجانبين قد أكد بنفس القناعة والتصميم أن يسوع المسيح هو كامل في لاهوته وكامل في ناسوته. ولكن الاختلاف بين التقليدين يقع في الحقيقة في التفسير الذي قدَّمه كل جانب عن وحدة المسيح.

وكان هذا الاختلاف ـ كما سبق أن ذكرنا ـ هو ما لاحظه البابا كيرلس بين موقفه وموقف نسطوريوس؛ وكان هو أيضاً نفس الاختلاف الذي ذكره البطريرك ساويروس بين الجانب الكنسي الذي ينتمي إليه وبين كلا الجانبين الأنطاكي والخلقيدوني. وكان الأمر الذي ركز عليه كل جانب يحتاج فقط إلى طلب تعديل الموقف الذي يصر عليه الجانب الآخر.

*   المقصود هنا هو أن اللاهوت وهوهيبوستاسيس الابن الأزلي قد وحد بنفسه ناسوتاً وهو في الحالة الهيبوستاسية (الأقنومية) ولم يكن الناسوت في الحالة العامة المجردة. ولكن الناسوت لم يتكون أو يصير في حالته الهيبوستاسية في استقلال أو انفصال عن اللاهوت.

[1]  John of Damascus, op. cit., p. 295.

[2]  انظر صفحة 467 وما يليها.

[3]  Norris, op. cit., pp. 160f.

[4]  بعد شرح نموذج ’الجسد-الروح‘ ـ الذي ذكرناه في صفحة 473 ـ كتب البطريرك ساويروس: “وبنفس الطريقة، من اللاهوت والناسوت أي الجسد البشري ذو الروح العاقلة، كلٌ بكماله بحسب أصل مبدأه، فإن عمانوئيل هو بروسوبون واحد من خلال الوجود المتزامن للإثنين داخل الإتحاد بدون إختلاط أو تغيير.

وهو له هيبوستاسيس الله الكلمة الذي أعني به ألوهته الأزلية بدون أي تغيير، كما أن الناسوت الذي وحده بنفسه على نحو لا ينطق ظل في الهيبوستاسيس الخاص به (أي في حالته الهيبوستاسية) بدون أي تحول. ولكن من المستحيل أن ننسب لكل منهما، أي إلى لاهوت المولود الوحيد والناسوت الذي اتحد به، بروسوبون خاص، لأنهما أُدركا في وضعهما المركب وليس كما لو كانا قد تكونا (في المسيح) مستقلين أو وجدا منفصلين.

ولكنهما بإلتقائهما معاً، بطريقة تليق بالله ولا يُعبَّر عنها، إكتمل هيبوستاسيس واحد من اللاهوت والناسوت وبالتالي بروسوبون واحد أي الذي لله الكلمة المتجسد.” (ضد النحوي، 1: صفحة 77).

[5]  انظر صفحة 405.

[6]  انظر صفحة 380.

[7]  Sullivan, op. cit., p. 219.

[8]  Norris, op. cit., p. 198.

*   يقصد المؤلف أن الخلفية الفكرية التي كانت لدى الأنطاكيين كانت هي السبب في عدم قدرتهم على قبول المفاهيم السكندرية الخاصة بالاتحاد الهيبوستاسي، والهيبوستاسيس الواحد المركب وغيرها، ورغم عدم اتفاقنا مع تلك الخلفية الفكرية إلا أنها تعطينا فكرة أكثر وضوحاً عن السبب وراء موقفهم اللاهوتي الذي حاولوا فيه شرح العقيدة بما لا يتعارض مع تلك الخلفية الثابتة لديهم. ويعطينا المؤلف في هذه الفقرة مثالاً لهذه الخلفية الفكرية يتعلق بعقيدتهم بالنسبة لحلول الله بجوهره وفعله في العالم.

[9] Norris, op. cit., pp. 218-9.

[10]  المرجع السابق صفحة 222.

*   أي بعد تكونه مباشرة

[11]  المرجع السابق صفحة 225.

[12]  المرجع السابق صفحة 227.

[13]  المرجع السابق صفحة 228.

[14]  المرجع السابق.

[15]  انظر صفحة 412.

[16]  انظر صفحة 412 وما يليها.

[17]  انظر صفحة 408 وما يليها.

*    يقول ق. أثناسيوس: “لهذا فمن الصواب أن يُدعى أيضاً ’أخانا‘ و’بكرنا‘ لأنه بما أن البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان أول من خُلِّص وحُرر بكونه جسد الكلمة، وهكذا نحن من خلال إتحادنا بجسده نخلص على مثال هذا الجسد” (ضد الأريوسيين، 2: 61)..

[18] La Polemique…. I, p. 40.

[19]  Norris, op. cit., p. 195.

[20]  John of Damascus, op. cit., p. 318.

[21]  The Incarnation of the Word.

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج2

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج1

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج1

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج1

الجزء الثاني: الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج2

الجزء الثالث: الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج3

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

إذا كان قد تبين لنا بوضــوح أن الخريستولوجي غير الخلقيدوني ـ في مقارنته مع خريستولوجي الجانب الخلقيدوني في الشرق ـ يحافظ على ناسوت المسيح في كامل حقيقته، فإنه من الضروري أيضاً أن نقوم بمقارنته مع الخريستولوجي الأنطاكي.* وينبغي في مناقشتنا لهذه المسألة، أن نضع في اعتبارنا حقيقة أن العلماء المؤيدين لخلقيدونية قد سعوا ليثبتوا أن الموقف غير الخلقيدوني كان مضاداً (أو عكسياً) للنسطورية بشكل مفرط وغير ملائم.#

ولذلك سنحاول ونحن نعرض الخريستولوجي غير الخلقيدوني ـ في مقارنة مع تعليم الجانب الأنطاكي ـ أن نرى إذا ما كان هناك مبرر حقيقي لوجهة نظرهم تلك أم لا.

والحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن قادة الجانب غير الخلقيدوني كانوا بالفعل معارضين للنسطورية، وأنهم اعتبروا الفكر اللاهوتي الذي تضمَّنه طومس ليو واعتراف الإيمان الخلقيدوني أنه فكر نسطوري، ولكن مع ذلك يظل السؤال الذي يتعين علينا الإجابة عليه هو: هل كان غير الخلقيدونيين، وهم متمسكون بموقفهم هذا، أكثر تضاداً للنسطورية من الجانب الخلقيدوني منذ القرن السادس على الأقل.[1]

وينبغي علينا في البداية أن نسلِّم بأن رجال المدرسة الأنطاكية أمثال ثيودور أسقف موبسويستا كانوا واضحين جداً في تأكيدهم على حقيقة وكمال ناسوت المسيح.

وفي الحقيقة أننا إذا فحصنا التعليم الخريستولوجي الأنطاكي من جهة ألوهة وبشرية ووحدة المسيح، فسنجد أنه يحافظ على تأكيد ألوهة وبشرية المسيح بوضوح شديد، ولكن الاختلاف بينه وبين السكندريين يتمركز حول الأمر الثالث (أي تأكيد وحدة المسيح). وقد أظهر البطريرك ساويروس هذه الحقيقة في فقرة كان قد أخذها من خطاب البابا كيرلس إلى إفلوجيوس (Eulogius) حيث يقول:[2]

إنه ليس من الضروري أن نستبعد ونتخلى عن كل شيء يعترف به الهراطقة*… لأن نسطوريوس، على الرغم من أنه يؤكد الطبيعتين لكي يُظهر الفرق بين الجسد والله الكلمة ـ لأن طبيعة الكلمة شيء والتي للجسد شيء آخر ـ إلا أنه لا يعترف معنا بالاتحاد، حيث إننا باتحادهما معاً نعترف بطبيعة واحدة. والمسيح هو الكيان الواحد نفسه، الابن والرب الواحد، ولذلك هو طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد.

وهكذا لم تكن القضية بين ق. كيرلس ونسطوريوس ـ أو فيما يتعلق بهذا الأمر بين البطريرك ساويروس ونسطوريوس ـ هي أن هناك جانب يؤكد ’الطبيعتين‘ وبالتالي يعترف بحقيقة وكمال اللاهوت والناسوت في المسيح وجانب آخر لا يفعل ذلك، ولكن القضية كانت تدور حول عدم اتفاقهما في شرح مفهوم اتحاد الطبيعتين.

وسنقوم في هذا الفصل بطرح التساؤلين التاليين:

أولا،ً ما هو اعتراف الجانب غير الخلقيدوني بالنسبة لاتحاد اللاهوت والناسوت في المسيح مقارنة بالموقف الأنطاكي؟

ثانياً، هل كان الخريستولوجي غير الخلقيدوني أكثر تضاداً للنسطورية من الخريستولوجي الخلقيدوني؟.

والحقيقة أننا لن نتمكن من الإجابة على هذين التساؤلين إلا في ضوء فهمنا للخريستولوجي الأنطاكي، ولذلك سنقوم بعرض ملخص لهذا التعليم معتمدين على دراسة التعليم الخريستولوجي عند ثيودور أسقف موبسويستا التي قام بها كل من فرانسيس أ. سوليفان (Francis A. Sullivan)[3] وروان جرير (Rowan Greer)[4] ور. أ. نوريس (R. A. Norris).[5]

 

2. ملخص مختصر للتعليم الخريستولوجي الأنطاكي:

كان فرانسيس سوليفان قد وصل في نهاية دراسته إلى استنتاج أن ثيؤدور أسقف موبسويستا (392م – 428م) هو في الحقيقة ’أبو النسطورية‘.[6] وأيد روان جرير نفس هذا الاستنتاج أيضاً، حيث أقر أن نسطوريوس كان ذو خلفية أنطاكية، وأن ثيؤدور هو معلمه سواء بصورة شخصية أو من خلال تلمذته على كلماته المكتوبة.[7]

وأثبت سوليفان أن التعليم الخريستولوجي لثيؤدور كان “بصورة جوهرية مماثلاً لتعليم نسطوريوس الذي قدَّمه في خطابه الذي أُدين في مجمع أفسس”، وقد استطاع سوليفان أن يصل إلى هذا الاستنتاج من خلال فحص عدد كبير من الفقرات التي وردت في كتابات ثيؤدور. ويمكننا أن نلخص الحجج التي أيد بها سوليفان استنتاجه السابق كما يلي:

  • بخلاف سلفيه اللاهوتيين إفستاثيوس الأنطاكي (Eustathius of Antioch)[8] وديودور الطرسوسي (Diodore of Tarsus)[9] اللذين أشارا إلى اقتران ’ابن الله‘ مع ’ابن مريم‘ بدون استخدام كلمتي اللاهوت والناسوت كحقيقتين عامتين مجردتين، فإن ثيؤدور استخدم في الإشارة إلى يسوع المسيح المصطلحين العامين ’الطبيعة الإلهية‘ و ’الألوهة‘[10] للتعبير عن لاهوت المسيح، ولكنه على الرغم من ذلك كان أيضاً يأخذ اللاهوت بمعنى ’الله الابن‘ والناسوت بمعنى ’الإنسان المُتّخَذ‘ بكونهما كيانين محددين.[11]

  • وفي معرض تعليمهم هذا، خلط ثيؤدور ورجال آخرون مثله بين ’الطبيعة‘ بكونها حقيقة مجردة وبين ’الشخص‘ بكونه كيان محدد.[12] وقد اعتبر سوليفان التمييز بين المصطلحين في غاية الأهمية، حيث ذكر في كتابه ’الخريستولوجي الحديث‘:[13] أنه “في التقليد التوماوي* (Thomistic tradition) على الأقل، كان يُفضَل استخدام مصطلحي ’الطبيعة البشرية‘ و’البشرية‘ (بدلاً من مصطلح الإنسان عند الحديث عن الناسوت) لأن مصطلح ’الإنسان‘ كان يحمل ضمنياً افتراض وجود كيان بشري حقيقي (human suppositum):

    أي فرد يملك الطبيعة البشرية وهو الفاعل النهائي لأفعال هذه الطبيعة، ولكن مصطلح ’البشرية‘ يدل على الطبيعة البشرية التي اتخذها الكلمة والتي ـ على الرغم من كونها محددة ومخصخصة ـ فهي ليست شخص قائم بذاته. وكان هذا بالفعل ـ كما رأينا ـ هو الموقف الذي أصر عليه كل من يوحنا النحوي ويوحنا الدمشقي.

    وقد تضمَّن هذا الأمر نوعين من التفريق ـ الأول بين الطبيعة كحقيقة عامة مجردة وبين الشخص، والثاني بين هذين الإثنين وبين شيء متفرد ومحدد (وليس شخصاً). وقد حاول سوليفان أن يرى نفس هذا الرأي عند القديس أثناسيوس السكندري في القرن الرابع، وأكد أن القديس أثناسيوس كان قد حدد هذا التفريق في رده على زعم الأريوسيين بأن الابن كان مخلوقاً. وكان الأريوسيون قد كونوا موقفاً يمكننا أن نضعه في صورة قياس (استنتاج) منطقي كما يلي:[14]

-أن الكلمة هو الفاعل حتى في الأفعال البشرية وفي آلام المسيح.

– كل ما يٌنسب إلى الكلمة (من أفعال) ينبغي أن يٌنسب إليه بحسب الطبيعة

– وبالتالي تكون طبيعة الكلمة محدودة*

وأضاف سوليفان أن ق. أثناسيوس في رده على وجهة نظر الأريوسيين قدم لهم مفهوم علاقة ’التخصيص‘ (appropriation) حيث إن الكلمة الإلهي قد “جعل الجسد البشري جسده الخاص” حتى أن خواص وأفعال هذه الطبيعة البشرية تُنسب إلى الكلمة ولا أحد سواه.

ومن الجدير بالذكر أن ملاحظة سوليفان بأن ق. أثناسيوس قد ميَّز بالفعل بين ’الطبيعة‘ و’الشخص‘ ينبغي أن تكون محل تساؤل على الرغم من أن ذلك ليس هو اهتمامنا هنا. ولكن ما يجب علينا أن نركز عليه الآن من وجهة نظرنا، هو حقيقة أن اتحاد اللاهوت بالناسوت في المسيح عند الأنطاكيين كان يشتمل على اقتران (conjunction) الله الكلمة مع الإنسان المُتّخَذ.

  • وحيث إن الطبيعتين (في المفهوم الأنطاكي) كانتا شخصين، فإن الاتحاد بينهما لا يمكن أن يكون غير مجرد اقتران (سينافيا) للشخصين، وبالتالي فإن ’الله الكلمة‘ و’الإنسان المُتّخَذ‘ كانا حقاً (بالنسبة لهم) مركزين للوجود والفعل (two centers of being and activity).

    وبناءً على هذا الاقتران كان هناك تبادل للخواص بينهما، حتى أنه يمكن للإنسان المُتَخَذ أن يُدعى ’الابن‘ و’الرب‘، وأن يكتسي بالجلال والمجد الإلهي مع السيادة (أي السلطان). ولكن تبادل الخواص كان في اتجاه واحد فقط، وبالتحديد من الله للإنسان، وليس في الاتجاه الآخر أي من الإنسان لله، فالإنسان المُتّخَذ قد ارتفع ولكن الله الكلمة لم ينخفض. وعلى هذا الأساس، يمكن للأمور الإلهية أن تُنسب للإنسان ولكن مع ذلك لا يمكن للأمور البشرية أن تُعزى إلى الله الكلمة.[15]

  • وقد أدى تردد الأنطاكيين في أن ينسبوا الأمور البشرية لله الكلمة، إلى ارتيابهم في اطلاق مصطلح ’والدة الإله‘ (ثيؤطوكس) على العذراء مريم، وكذلك رفضهم أن ينسبوا الآلام والموت لله الابن. وقد عبَّر ثيؤدور عن موقف الأنطاكيين الخاص بلقب ’ثيؤطوكس‘ في إحدى الفقرات التي اقتبسها البطريرك ساويروس الأنطاكي مرات عديدة.[16] كما احتوت نفس الفقرة أيضاً على مفهوم ثيؤدور عن آلام المسيح حيث قال:[17]

“وبالمثل أيضاً، ينبغي أن نعطيهم نفس الإجابة على سؤالهم “هل الله هو الذي صُلب أم الإنسان؟”، والإجابة بالتحديد هي “كليهما، ولكن ليس على نفس النحو”، لأن الأخير (أي الإنسان) صُلب لأنه هو الذي تألم وسمُِّر على الخشبة وأمسك من اليهود، أما الأول (أي الله) فنقول أنه صُلب لأنه كان معه لأجل السبب الذي ذكرناه. وبالنسبة لموت المسيح كان ثيؤدور يتمسك بأنه “واحد هو الذي تألم، وآخر هو الذي أقامه”.

  • وبالتقاء ’الله الابن‘ و’الإنسان المُتّخَذ‘ معاً، نشأ بروسوبون واحد. وبالتالي فإن يسوع المسيح هو بروسوبون واحد وهذا البروسوبون هو محل اتحاد (locus of union) الطبيعتين أو الهيبوستاسيسين. وقد رأي سوليفان أن هذا هو الخلل الأخطر في الخريستولوجي الأنطاكي: لأنهم بذلك لم يعتبروا هذا البروسوبون هو بروسوبون الله الكلمة.[18]

    وقد فهم سوليفان تعليمهم (عن ذلك البروسوبون) بأنه بروسوبون قد تكوَّن بالتقاء ’الله الكلمة‘ والإنسان المُتّخَذ أي ’الإنسان يسوع الذي اتخذه الكلمة‘. وهنا ينبغي أن نتذكر أن فهم سوليفان لمعنى البروسوبون الذي قصده ثيؤدور كان هو نفس ما قدمه البطريرك ساويروس في تعريفه للمصطلحات.[19]

    فالبروسوبون ليس هو الأوسيا الذي تفرد وتخصخص لأن ذلك هو الهيبوستاسيس؛ ولكن البروسوبون هو موضع (locus) خارجي للهيبوستاسيسين والذي يعبران فيه عن اقترانهما معاً. وطبقاً لهذا استنتج سوليفان أن التعليم الخريستولوجي عند ثيؤدور يفترض مقدماً وجود فاعلين (شخصين) ـ أي الله الكلمة والإنسان المُتّخَذ ـ اللذين انجمعا معاً بواسطة اتحاد أخلاقي (سلوكي)، وهذا الاتحاد أنشا بروسوبون جديد (de nova).

    وقد زعم سوليفان أن البابا كيرلس كان قد أكد ـ اعتماداً على قانون إيمان نيقية حسبما فهمه وأكده مجمع أفسس عام 431م ـ أن شخص يسوع المسيح هو “الشخص الإلهي لله الكلمة”.[20]

  • وأكد سوليفان أن ثيؤدور فسَّر عبارة إنجيل ق. يوحنا “الكلمة صار جسداً” في ضوء الكلمات التي أتت بعدها “وسكن بيننا”، وأصر أن التجسد إنما يعني ’السكنى‘ أو ’الإقامة‘، فالكلمة سكن أو أقام في الإنسان المُتّخَذ. وهكذا فكون الله صار إنساناً إنما يعني أن الله أتي ليكون في إنسان”.[21]

    ومع ذلك، رفض أسقف موبسويستا نوعين من السكنى: السكنى ’بالطبيعة‘، والسكنى ’بالفعل‘. فحيث إن الله غير مقيد (غير محدود) بالطبيعة وهو موجود في كل مكان، فإن سكناه بالطبيعة لا يمكن أن يكون محصوراً، ولذلك فمن غير الممكن أن يكون سكناه في الإنسان المُتّخَذ هو بالطبيعة، أما السكنى بالفعل فهي الوضع القائم في كل المخلوقات.

    ولكن سكنى الله الكلمة في الإنسان المُتّخَذ هي نوع خاص من الإقامة، يُشار إليها بالسكنى ’بالغبطة الصالحة‘ (good pleasure) أو يُطلق عليها السكنى ’بمسرة الإرادة‘ (disposition of will) وليست هذه السكنى مثل سكنى الله في قديس أو نبي؛ لأن الله الكلمة كان مسروراً تماماً بسكناه في الإنسان المُتّخَذ كما في ابن. ولهذا اكتسى الإنسان المُتّخَذ بالجلال والسلطان الإلهي، وحقق الله الابن فيه كل الأشياء.[22] وكانت ’مسرة الإرادة‘ تعني عند ثيؤدور “إرادة الله العظمى والأسمى”.[23]

  • وبالنسبة للإنسان المُتّخَذ، أصر ثيؤدور أنه كان بغير خطية، حيث إن نعمة الله حفظته خالياً من الخطية واستمرت معه حتى في الصلب، كما أن الكلمة أقام (هذا) الإنسان من الموت.[24] وكان الاتحاد بين الكلمة والإنسان بالنسبة لثيؤدور عرضة لدرجات متفاوتة من التغير، فقبل الصلب على سبيل المثال صنع الكلمة أموراً كثيرة بواسطة الإنسان؛ ولكنه مع ذلك سمح للإنسان أن يمارس الفضيلة باختياره الذاتي الحر وذلك من خلال تشجيع وتقوية الكلمة له. وسيكون الاتحاد والعمل بين الكلمة والإنسان أكثر كمالاً في السماء عما هو على الأرض.[25]

ويتضح من الملخص السابق للتعليم الخريستولوجي عند ثيؤدور في ضوء أبحاث الدارسين المعاصرين، أنه يتفق تماماً مع التفسير الذي قدَّمه البطريرك ساويروس واللاهوتيين غير الخلقيدونيين الآخرين للخريستولوجي الأنطاكي. ويعتقد سوليفان أن عدم كفاية التعليم الخريستولوجي الأنطاكي ـ كما ظهر عند ثيؤدور ـ هو نتيجة خللين أساسيين:

أولاً، أن الأنطاكيين لم يميِّزوا بين ’الطبيعة‘ و’الشخص‘، وهكذا أخذوا الطبيعتين المتحدتين في يسوع المسيح بكونهما شخصين، وبالتالي لم يستطع الأنطاكيون أن يعترفوا إلا بمجرد حدوث ’اقتران‘ بين الشخصين.

ثانياً، اقتنع الأنطاكيون أن بروسوبون يسوع المسيح الواحد نشأ كبروسوبون جديد من خلال اقتران الشخصين معاً.

وعلى هذا الأساس تم استنتاج أن ثيؤدور قد علَّم بوجود ’ابنين‘، وهو الأمر الذي ورثه نسطوريوس وتمت على أساسه إدانته في مجمع أفسس عام 431م كهرطوقي.

 

 * المقصود هنا هو التعليم الخريستولوجي للمدرسة الأنطاكية التي ينتمي إليها نسطور وديودور الطرسوسي وثيؤدور المبسويستي.

#   أي أنه كان يأخذ التطرف العكسي المقابل للنسطورية.

[1]   من المعترف به أن التعليم الخريستولوجي غير الخلقيدوني هو استمرار للتفسير الكيرلسي لشخص المسيح، والذي نما بقوة في مواجهة تعليم المدرسة الأنطاكية. ولهذا، فليس من الغريب أن يكون الموقف غير الخلقيدوني منتقداً بشدة للموقف النسطوري. ولكن التوجه المضاد للنسطورية في الجانب الخلقيدوني ـ وبالأخص في وجود الزعم بأن مجمع خلقيدونية قد أخرج تكويناً يضم كل التقاليد الموجودة في الكنيسة ـ هو أمر لا يمكن تفسيره.

[2] Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 120.

* لأن بعض ما يقولونه قد يكون صحيحاً

[3] Francis A. Sullivan, S. J., The Christology of Theodore of Mopsuestia, Romae, Apud Aedes Universitatis Gregorianae, 1956.

[4]  Rowan Greer, Theodore of Mopsuestia: Exegete and Theologian, The Faith Press, 1961.

[5]  R. A. Norris, Jr., Manhood and Christ, Oxford at Clarendon Press, 1963.

[6]  Sullivan, ibid., p. 283.

للرجوع إلى تعليقنا على الطريقة التي اتُهِم وأُدين بها ثيؤدور كهرطوقي في مجمع عام 553م، انظر صفحة 273. وكان الأساس الذي بنى عليه المجمع موقفه هو أنه كان مسئولاً عن ترسيخ الهرطقة النسطورية.

[7] Rowan Greer, ibid., 9.

[8] Sullivan, op. cit., p. 165.

[9]  المرجع السابق صفحة 185.

[10]  المرجع السابق صفحة 206.

[11]  المرجع السابق صفحة 205.

[12]  المرجع السابق صفحة 207.

[13]  المرجع السابق صفحة 215.

*   المنسوب لتوما الأكويني

[14]  المرجع السابق صفحة 164.

*  لأنه إذا كانت الأفعال البشرية المحدودة تنسب إلى الكلمة وهم قد افترضوا أنها تدل ضمناً على طبيعته فإن هذا يعني أن طبيعته محدودة

[15]  المرجع السابق صفحة 213.

[16]  للإطلاع على هذه الفقرة كما ترجمناها من الأصل السرياني، انظر صفحة 382. وقد تضمنها أيضاً كتاب: (Norris, op. cit., p. 215).

[17]  Norris, ibid., p. 215.

[18]  Sullivan, op. cit., p. 227.

[19]  انظر صفحة 430 وما يليها.

[20]  Sullivan, op. cit., pp. 283-4.

[21]  المرجع السابق صفحة 229 وما يليها.

[22]  المرجع السابق صفحة 245.

[23]  Norris, op. cit., p. 219.

[24]  المرجع السابق صفحة 219.

[25]  Sullivan, op. cit., p. 253.

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج1

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

قانون إيمان الرسل

إن “قانون إيمان الرسل” (Symblum Apostolicum)، هو عبارة عن موجز مختصر للعقائد المسيحية الرئيسية، لذلك يمكن أن يُطلق عليه الخلاصة الوافية للتعاليم اللاهوتية في الكنيسة. ولكن الشكل الذي هو عليه الآن. المكون من اثني عشر بنداً، لم يظهر قبل القرون السادس الميلادي، ومنذ ذلك الوقت فصاعداً، استخدم في بلاد الغال، واسبانيا، وايرلندا، وألمانيا في مناهج تعليم الموعوظين.

وبالرغم من ذلك، فإن التسمية “قانون إيمان الرسل” تعود إلى ما قبل القرن السادس الميلادي، فقد كتب روفينوس في نهاية القرن الرابع تفسيراً بعنوان حول قانون إيمان الرسل”، يشرح فيه أصل هذا القانون.

وبحسب روفينوس، كان هناك تقليد يذكر أن الرسل بعد ما حل عليهم الروح القدس، وقبل أن يخرجوا للكرازة في مختلف الأمم والبلاد، اتفقوا على صيغة مختصرة للعقيدة المسيحية كأسـاس لتعاليمهم وكقاعـدة إيمان للمؤمنين (ML 21: 337)، ويبدو أن أمبروسيوس يشارك روفينيوس في رأيه، حيث يشير عن عمد في كتابه “شرح مثال الإيمان” (Explanatoin of the Symbol)، إلى الإثني عشر بنداً باعتبارها تمثل الإثني عشر رسولاً.

أما في القرن السادس الميلادي، فنقرأ لأول مرة التأكيد الجازم على أن كل رسول وضع بنداً من بنود قانون إيمان الرسل الاثني عشر، وذلك في عظة منسوبة إلى أوغسطينوس تعود لهذا القرن، وهي تشرح أصل القانون في الكلمات التالية: “قال بطرس: أنا أؤمن بالله الآب ضابط الكل، خالق السماوات والأرض…. وقال أندراوس: وأؤمن بيسوع المسيح، ابنه الوحيد، ربنا…” (ML, 39: 2189-2190) وهكذا ساهم كل رسول في وضع أحد البنود الاثني عشر.

وقد ظل هذا الشرح لقانون إيمان الرسل، والذي ظهر في القرن السادس الميلادي، هو الشرح السائد طوال القرون الوسطى. ولهذا كانت مفاجأة كبرى عندما أعلن ماركوس إفجينيكوس (Marcus Eugenicus)، رئيس أساقفة أفسس اليوناني، في مجمع فيريرا (Ferrara) 1438م، أن الكنائس الشرقية لا تعرف شيئاً لا عن قانون الإيمان المستخدم في الكنائس الغربية، ولا عن نسبته للرسل. وبعد بضعة سنين، أنكر عالم الإنسانيات الإيطالي “لورينزو فالا” (Lorenzo Valla) بشكل قاطع نسبة هذا القانون للرسل.

وقد أثبتت الأبحاث الحديثة حول هذا الموضوع، بشكل كاف، أن المحتوى الجوهري لقانون إيمان الرسل يعود إلى العصر الرسولي؛ ولكن صورته التي هو عليها الآن قد تطورت تدريجياً.

هذا ويرتبط بشدة التاريخ الطويل لقانون إيمان الرسل بالتطور المتطرد لليتورجية المعمودية وإعداد الموعوظين لنوالها، فلم يؤثر شيء آخر، في وضع “قانون الإيمان” هذا، أكثر مما أثرت الحاجة لصيغة اعتراف إيمانية يعلن بها المرشحون لنوال المعمودية إيمانهم، فمنذ عصر الرسل وإلى الآن، كانت الممارسة المسيحية تتطلب أن يعترف الموعوظ بوضوح بإيمانه بالعقائد الأساسية بخصوص يسوع المسيح، لذا كان على المرشحين للمعمودية أن يحفظوا كلمات معدة مسبقاً عن ظهر قلب، وأن يرددوها بوضوح أمام الشعب.

ومن هذه العادة ظهر طقس “التسليم” (Traditio) و”تلاوة قانون الإيمان من الذاكرة” (redditio symboli). وقد كان اعتراف الإيمان جزءً لا يتجزأ من الليتورجية، وعندما ندرك هذه الحقيقة إدراكاً كاملاً، عندئذ يمكننا أن نستوعب مدى أصالتها.

تكشف دراسة التاريخ المبكر لقانون الإيمان عن صيغتين محددتين له: الصيغة الخريستولوجية، والصيغة الثالوثية:

أولاً: الصيغة الخريستولوجية (The Christological Formula)

إن أبسط أشكال قانون الإيمان مسجل في سفر أعمال الرسل (أعمال 8: 37)، فقد عمد فيلبس الخصي الحبشي بعد أن اعترف الأخير بإيمانه هكذا: “أنا أؤمن أن يسوع المسيح هو ابن الله”. هذه العبارة تثبت لنا أن نقطة البداية في قانون الإيمان هي الاعتراف الإيماني بأن يسوع المسيح هو ابن الله. ولم تكن هناك حاجة لأن يطلب المزيد من المرشحين للمعمودية، فقد كان الاعتراف بأن يسوع هو المسيا كافياً، خاصة بالنسبة للمتحولين من اليهودية.

وبمرور الوقت، أضيف ألقاب أخرى لهذه الصيغة، فبعد ذلك بفترة وجيزة أضيف لقب “المخلص” إلى الصيغة، وظهر الشعار “إخثيس” (##)، وهو قانون الإيمان المتداول في العالم اليوناني، لأن كلمة (##) تعني سمكة – تحتوي على الأحرف الأولى من الكلمات اليونانية الخمس: (###) “يسوع المسيح ابن الله المخلص” ويشهد ترتليانوس، وكذلك نقوش” أبيركيوس” (Abercius)، عن انتشار هذه الصيغة (كقانون إيمان) في النصف الثاني من القرن الثاني، غير أنه قبل ذلك بكثير…

كانت توجد في الكتابات المسيحية المبكرة ما يعبر عن الإيمان بالمسيح بصورة رسمية أكثر وبنظرة أوسع، فبالفعل كان الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية (1: 3، 4) يصيغ “إنجيل الله” باعتباره رسالة “ابنه الذي صار من نسل داود من جهة الجسد. وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات يسوع المسيح ربنا”. هناك أيضاً صيغ مشابهة في كورنثوس الأولى (15: 3) وبطرس الأولى (3: 18-22).

وربما كانت هذه الصيغ تستخدم ليتورجياً، هذا الاستنتاج يفرض نفسه خاصة إذا كنا نتكلم عن مُلخص العمل الخلاصي الذي يذكره القديس بولس في فيلبي (2: 5-11) وفي حوالي 100م، أعلن أغناطيوس الأنطاكي (في الرسالة إلى تراليا: 9)..

إيمانه بيسوع المسيح بكلمات تذكرنا بالبند الثاني من قانون إيمان الرسل، فقال: “يسوع المسيح، الذي من نسل داود، ابن مريم، الذي ولد بالحقيقة، أكل وشرب، وتألم بالحقيقة على عهد بيلاطس البنطي، وصلب حقاً ومات، ونظرته الكائنات السماوية والأرضية وما تحت الأرض، والذي أقيم حقاً من الأموات؛ إذ أقامه أبوه، وهكذا سيقيمنا أيضاً في المسيح يسوع طالما نؤمن به، وبدونه ليست لنا حياة حقيقية”.

ثانياً: الصيغة الثالوثية (The Trinitarian Formula)

إلى جانب الصيغة الخرستولوجية، وجدت أيضاً منذ عصر الرسل صيغة ثالوثية للاعتراف بالإيمان خاصة بطقس المعمودية، تلك التي صارت الصيغة السائدة، فوصية الرب بتعميد كل الأمم “باسم الآب والابن والروح القدس” هي التي أوحت بقاعدة الإيمان هذه.

وقد ذكر يوستينوس الشهيد (Apol 1: 61)، حوالي سنة 150م، أن المتقدمين لنوال المعمودية كانوا “يتقبلون غسل الماء باسم الله الآب ورب الكون، ومخلصنا يسوع المسيح، والروح القدس” علاوة على ذلك، كان العمل المعروف باسم “رسالة الرسل” (Epistola Apostolorum)، والذي كتب في نفس الوقت تقريباً، وقد وسع بالفعل من اعتراف الإيمان هذا من ثلاثة بنود إلى خمسة.

فقانون الإيمان. المذكور في هذه الرسالة – يحتوي ليس فقط على الإيمان “بالآب، ضابط العالم كله، وبيسوع المسيح مخلصنا؛ وبالروح القدس المعزي؛ ولكنه يضيف أيضاً “وبالكنيسة المقدسة، وبمغفرة الخطايا”.

ثالثاً: الصيغة المركبة (The Combination Formula)

في حين وسعت “رسالة الرسل” الصيغة الثالوثية بإضافة عنصرين جديدين إليها، إلا أنه قد بقي هناك أسلوب آخر للنمو، وهو بإعطاء تفاصيل أكثر عن كل بند من بنود قانون الإيمان. وتتمثل هذه الطريقة في نمط يمكن لنا أن نسميه الصيغة المركبة، تلك التي تجمع بين الصيغتين الخريستولوجية والثالوثية.

وكان إدخال الاعتراف المسياني الذي كان في الأصل مستقلاً (والذي لا يزال محتفظاً بوجوده المستقل في مدخل الليتورجية الإفخارستية) وقد أخل بتناسق الصيغة الثالوثية البسيطة، وقد نتج عن هذا ثماني أو تسع عبارات بها قاعدة إيمان خريستولوجية موسعة، مثل تلك الصيغة التي كانت سارية في روما سنة 200م، فقد احتوى طقس المعمودية لكنيسة روما الذي يصفه هيبوليتس في التقليد الرسولي على قانون الإيمان التالي:

“أؤمن بالله الآب ضابط الكل، وبيسوع المسيح، ابن الله، الذي ولد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وصلب على عهد بيلاطس البنطي، مات ودفن، وقام من الأموات في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الآب، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، وبالروح القدس، وبالكنيسة المقدسة، وبقيامة الجسد”. وكان ترتليانوس في نهاية القرن الثاني على علم بقانون الإيمان الروماني هذا، وهناك أسباب كثيرة لنعتقد أن هذا القانون كان قد تمت صياغته قبل أن نسمع عنه لأول مرة بفترة طويلة.

هذا ولقد أثبت البحث العميق والواسع النطاق أنه ينبغي اعتبار هذه الصيغة الرومانية لقانون الإيمان بمثابة الأم لكل قوانين الإيمان الغربية بل وأيضاً “قانون إيمان الرسل” خاصتنا. هذا وقد انتقل (قانون الإيمان الروماني) خلال القرن الثالث من كنيسة إلى أخرى حتى ساد عالمياً، ولكننا لا نستطيع أن نثبت – كما حاول (Kattenbush) أن يفعل – أنه كان النموذج الأصلي لصيغ قوانين الإيمان في الشرق، فيبدو على أغلب الظن أن صيغ قوانين الإيمان الشرقية وقانون الإيمان الروماني كانا فرعين مستقلين من أصل مشترك له جذوره في الشرق.

غير أنه يمكننا أن نرى تطوراً في الشرق يشبه ذاك الذي تتبعناه في الغرب، فقد أضيفت إلى الاعتراف الثالوثي البسيط تصريحات خريستولوجية[1]، لكن في حين تم التركيز على الميلاد من العذراء مريم في الغرب، أدخل الشرق عبارات جديدة بخصوص ميلاد المسيح الأزلي قبل خلق العالم، وقد سميت هذه الإضافات بـ: “المادة المضادة للهرطقة”..

ولكننا لا نستطيع أن نكون متأكدين من أن هذه الإضافات كانت لمقاومة أي هرطقة إلا في حالات قليلة فردية، فمعظمها قد تمت إضافته بسبب ظهور حاجة في الكنيسة لشرح العقائد الأساسية في المسيحية أكثر وأكثر في قانون الإيمان بصورة مختصرة بهدف تعليم الموعوظين.

ومثلما تطور طقس المعمودية من طقس بسيط إلى احتفال مهيب، هكذا تطور قانون الإيمان الخاص بالمعمودية من اعتراف ثالوثي بسيط إلى ملخص لكل عقائد المسيحية. ومثلما كانت هناك ليتورجيات مختلفة للمعمودية، هكذا أيضاً وجدت عدة قوانين إيمان.

أما أشهر قوانين الإيمان في الشرق فهو القانون الأورشليمي المسجل في مقالات كيرلس الأورشليمي لطالبي العماد، والقانون القيصري الذي دونه لنا يوسابيوس المؤرخ. ولا يزال الدارسون مختلفين حول ما إذا كان قانون الإيمان النيقي هو صيغة معدلة من النموذج القيصري أم من النموذج الأورشليمي.ِ

من الواضح إذن أن نص قانون إيمان الرسل الحالي لم يظهر قبل القرن السادس، حيث كان قد ظهر أولاً في قيصرية آرل (Arles). كما أن قانون الإيمان الروماني الذي يعود إلى القرن الخامس الميلادي يختلف هو الآخر عن قانوننا؛ إذ تنقصه العبارات التالية: “خالق السماء والأرض – ولِد – تألم ومات ونزل إلى الجحيم – الجامعة – شركة القديسين – الحياة الأبدية.

وعلى كل الأحوال فإن العناصر العقائدية المحتواة في قانون إيمان الرسل كانت جميعها قد ظهرت نحو نهاية القرن الأول الميلادي في صيغ الإيمان المتعددة والمختلفة المسجلة في الكتابات المسيحية المبكرة.

الـديـداخـي

يُذكر الديداخي، في فهرس المخطوطة التي وجدت فيها، تحت اسم مختصر هو: “تعليم الإثني عشر رسولاً” (##)، ولكن عنوانها الكامل هو: “تعليم الرب للأمم بواسطة الإثني عشر رسولاً” يبدو أن هذا العنوان الأخير هو العنوان الذي كان معروفاً به في الأصل.

ولا يكشف الكاتب عن اسمه، إلا أنه سيكون من التسرع أن نفترض، مثلما فعل (Duchesne)، أن العنوان يشير إلى أصل رسولي لهذه الوثيقة، فالنص لا يدل على ذلك بأي شكل من الأشكال، فمن الواضح أن نية الكاتب كانت هي أن يعطي مختصراً لتعاليم المسيح كما علمها الرسل للأمم، وهذا ما قد يفسر العنوان.

ويعتبر الديداخي أهم وثيقة من العصر بعد الرسولي وهو أقدم مصدر قانوني كنسي نملكه هذا ولم يكن الديداخي معروفاً حتى عام 1883م، حينما نشره مطران نيكوميديا اليوناني فيلوثيئوس برينيوس (Philotheos Bryennios) من المخطوطة اليونانية رقم (1057) المملوكة لبطريركية أورشليم. ومنذ ذلك الحين، أغنى الديداخي معرفتنا عن بداية الكنيسة وعمقها بطريقة مدهشة. وقد جنى الدارسون، الذين طالما انجذبوا لمحتواه، الكثير من الإلهام والاستنارة من هذا الكتاب صغير الحجم.

وقد يتوقع المرء – بالاحتكام إلى العنوان فقط – أن الديداخي يُبرز عظات المسيح الكرازية، ولكننا نجده مهتماً بالأكثر أن يقدم خلاصة وافية للوصايا الأخلاقية، وإرشادات تنظيم الجماعات، والقوانين المتعلقة بالوظائف الليتورجية؛ فنحن نملك هنا ملخصاً لتوجيهات من شأنها أن تمنحنا صورة واضحة للحياة المسيحية في القرن الثاني. وفي الحقيقة نقول إنه لدينا هنا أقدم ترتيب كنسي، فهو النموذج الأولي ذو المكانة لكل مجموعات الدساتير والقوانين الرسولية اللاحقة، تلك التي بها بدأت القوانين الكنسية في الشرق والغرب.

المحتـويـات

  1. ينقسم نص الديداخي إلى ستة عشر فصلاً نستطيع أن نميز فيها قسمين كبيرين: القسم الأول (الفصول 1-10)، ويحتوي إرشادات ليتورجية، والقسم الثاني (الفصول 11-15)، ويتضمن قوانين تنظيمية. أما الفصل الأخير عن مجيء الرب الثاني (Parausia)، والواجبات المسيحية المترتبة على ذلك فهو بمثابة الخاتمة.
  2. يحتوي الجزء الأول من القسم الليتورجي (الفصول 1-6) على توجيهات لتعليم الموعوظين، وطريقة عرض هذه التوجيهات هي أكثر ما يثير الاهتمام، فقد قدمت القواعد الأخلاقية فيه في صورة طريقتين: طريق الخير وطريق الشر، وهكذا يبدأ النص قائلاً: “هناك طريقان، أحدهما للحياة والآخر للموت، وهناك فارق كبير بينهما. والآن طريق الحياة هو هذا: أولاً: أحب الله الذي خلقك، ثانياً: أحب قريبك كنفسك، لا تفعل بآخر ما لا تحب لنفسك” (فصل 1: 1-2).

    أما طريق الموت فموصوف في الفصل الخامس كما يلي: “ولكن هذا هو طريق الموت قبل كل شيء، إنه شرير وملعون بالكامل ومليء بكل أنواع القتل، والزنى، والشهوات، والعهر، والسرقة، وعبادة الأوثان، والسحر، والشعوذة، والخطف، وشهادة الزور، والنفاق، والرياء، والمجد الباطل، والخبث، والفظاظة، والطمع، والكلام الباطل، والغيرة، والطيش، والعجرفة، والادعاء الكاذب، وعدم مخافة الله”.
    وتحمل هذه الطريقة المزدوجة، والتي تعتبر هنا وسيلة رئيسية لتعليم الموعوظين، طابعاً يونانياً عقيقاً، فقد كانت هذه الطريقة تستخدم في المجامع الهلينية لتعليم الدخلاء.

  3. أما بالنسبة لدارس التاريخ الليتورجي، فإن الفصول (7-10) هي الأهم. وقد وردت إجراءات منح المعمودية أولاً هكذا: “المعمودية كالتالي: بعدما تشرحون كل هذه النقاط أولاً، عمدوا باسم الآب والابن والروح القدس في ماء جارٍ، وإن لم يكن هناك ماء جاءٍ فعمدوا بماء آخر، وإن لم يمكنكم أن تعمدوا بماء بارد فعمدوا بماء ساخن، وإن لم يكن لديكم كلاهما، فاسكبوا ماء على الرأس ثلاث مرات باسم الآب والابن والروح القدس[2]”. (فصل 7: 1-3).

وبحسب النص، فإن المعمودية بالتغطيس في ماء جارٍ، أي في الأنهار والينابيع، كانت هي الطريقة المعتادة في ممارسة هذا السر، اما المعمودية بالسكب فقد أجيزت في حالات الضرورة، وهذا هو المصدر الوحيد من القرنين الأول والثاني بخصوص المعمودية بالسكب.

وفوق ذلك، يتضمن الديداخي تعليماً صريحاً عن ضرورة الصوم، فقد كان يجب على كل من المتقدم للمعمودية والمعمد أن يصوما قبل إتمام السر (فصل 7: 4). كذلك، حدد يوما الأربعاء والجمعة بأنهما يوما صوم ثابتان، وهي عادة موجعة ضد الممارسات اليهودية، حيث كانت الأخيرة تتضمن حفظ يومي الإثنين والخميس كيومي صوم تقليديين[3] (فصل 8: 1).

  1. الصلاة والليتورجيا: كان ترديد الصلاة الربانية ثلاث مرات في اليوم أمراً واجباً على كل مؤمن. كما أن للفصلين التاسع والعاشر أهمية خاصة في تاريخ الليتورجية، فهما يحتويان على أقدم صلاة إفخارستية مسجلة وهي كالآتي: “فيما يختص بالإفخارستيا، اشكروا هكذا: أولاً: بخصوص الكأس: “نشكرك يا أبانا، لأجل كرمة عبدك داود المقدسة، التي عرفتنا إياها بواسطة خادمك يسوع. لك المجد إلى الأبد.
    كما كان هذا الخبز المكسور منثوراً فوق التلال ثم جُمع فصار واحداً، هكذا فلتجتمع كنيستك من أقصاء الأرض إلى ملكوتك، لأن لك المجد والقدرة بيسوع المسيح إلى الأبد”. لا يأكل ولا يشرب أحد من إفخارستيتكم غير المعتمدين باسم الرب، لأن الرب قد قال بخصوص هذا: “لا تعطوا القدس للكلاب”. (فصل 9).

والحقيقة إن الرأي الذي قُدم أكثر من مرة والقائل بأن ما لدينا هنا ليست صلاة مخصصة للإفخارستيا بل مجرد صلاة مائدة، هو رأي لا سند له، فمناقشة موضوع الإفخارستيا هنا مرتبط بشكل وثيق بالمعمودية، وكلاهما مرتبطان ببعضهما البعض في إيمان الكاتب كما هو واضح، بل الأكثر من ذلك هو أن غير المعمدين ممنوعون صراحة من الاشتراك في (مائدة) الإفخارستيا.

ثم يورد الفصل العاشر صلاة تُقال بعد التناول: “بعد أن تمتلئوا من الطعام، اشكروا هكذا: “نشكرك أيها الآب القدوس من أجل اسمك القدوس الذي أسكنته في قلوبنا، ومن أجل المعرفة والإيمان والخلود الذي أعلنتهم لنا بواسطة يسوع خادمك. لك المجد إلى الأبد. أنت أيها السيد القدير خلقت كل الأشياء لأجل اسمك، ومنحت الناس طعاماً وشراباً ليتمتعوا بهما، لكي يشكروك؛ أما نحن فمنحتنا طعاماً وشراباً روحيين وحياة أبدية بواسطة خادمك (يسوع). نشكرك قبل كل شيء لأنك قدير، لك المجد إلى الأبد.” (10: 1-4).

وتسمى الإفخارستيا هنا. بكل صراحة – طعاماً وشراباً روحياً (##) ثم يضيف الكاتب: “كل من كان طاهراً فليتقدم، ومن ليس كذلك فليتب” (10: 6).

لا تشير التوجيهات الكثيرة فقط، ولكن أيضاً السياق بشكل خاص، إلى أن المقصود من هذا التوجيهات هو تنظيم التناول لأول مرة للمعمدين الجدد في عشية عيد القيامة، أما الإفخارستيا المعتادة كل يوم أحد فقد وُصفت في الفصل الرابع عشر: “في يوم الرب، اجتمعوا معاً لكسر الخبز والشكر، ولكن اعترفوا أولاً بخطاياكم لكي تكون ذبيحتكم طاهرة، لا يجتمع معكم كل من له منازعة مع أخيه حتى يتصالحا لئلا تتنجس ذبيحتكم، لأن الرب قال: “في كل مكان وزمان قربوا لي ذبيحة طاهرة؛ لأني ملك عظيم، يقول الرب، واسمي مرهوب بين الأمم”.

والإشارة الواضحة هنا إلى الإفخارستيا بكونها ذبيحة (##) كذلك التلميح إلى نبوة ملاخي (1: 10) هما أمران لا يخلوان من دلالة.

  1. الاعتراف: وليس أقل إثارة للاتهام، التأكيد على الاعتراف قبل الاشتراك في الإفخارستيا. ويبدو أن الاعتراف بالخطايا الوارد هنا هو على الأرجح اعتراف ليتورجي، وليس اعترافاً شخصياً. وبالمثل، في الفصل (4: 14)، يطلب الكاتب من المصلين الاعتراف بالخطايا قبل الصلاة في الكنيسة: “اعترفوا بخطاياكم في الكنيسة ولا تتقدموا لصلواتكم بضمير مذنب”.

  2. الرتب الكنسية: لا توجد إشارات في الديداخي تبرهن لنا على وجود ما يُعرف بنظام الإيبارشية ذات الأسقف الواحد (Monarchial episcopate)، فقادة الجماعات المسيحية يُدعون أساقفة (##) وشمامسة (##) لكن من غير الواضح إذا كان هؤلاء المُشار إليهم بكلمة (##) هم كهنة عاديون أم أساقفة، كما أننا لا نجد أي ذكر للقسوس (##) ومن ثم، انتخبوا لكم أساقفة وشمامسة، رجالاً جديرين بالرب، ودعاء، غير محبين للمال، أمناء، وقد اختبروا جيداً، لأنهم يسدون إليكم خدمة الأنبياء والمعلمين المقدسة.

    إذاً فلا تحتقروهم لأنهم هم المكرمون بينكم مع الأنبياء والمعلمين” (فصل 15: 1-2).

وهذا الجزء يدفعنا لنستنتج أنه إلى جانب الإكليروس المحلي، فإن من يُدعون بـ “الأنبياء” قد لعبوا دوراً هاماً. ونحن نقرأ بخصوصهم في الفصل (13: 3) (إنهم) “هم رؤساء كهنتكم” وقد سمح لهم بالاحتفال الإفخارستي: “اسمحوا للأنبياء أن يقدموا الإفخارستيا ## كما يشاؤون” (10: 7). كما أنه كان يحق لهم الحصور على العشور كلها: “لذلك، خذوا كل بكور الكرمة والمحصور، الماشية والأغنام، وأعطوها للأنبياء…

وبالمثل عندما تفتحوا وعاء خمر أو زيت جديداً خذ باكورته وأعطه للأنبياء. أما فيما يخص الأموال والملابس والممتلكات الأخرى، فافرزوا أولاً جزءً بحسب تقديركم وأعطوه حسب الوصية”. (فصل 13: 3-7). ومن الواضح أن المكانة التي كان الأنبياء يحتلونها كانت رفيعة حتى إنه قد قيل عنهم إنه لا يمكن لأحد أن يحكم عليهم: “أنه (النبي) غير خاضع لحكمكم لأنه يُحكم عليه من قبل الرب” (فصل 11: 11)، بل وإن انتقادهم كان خطيئة ضد الروح القدس: “كل نبي يتكلم بالروح لا تجربوه ولا تدينوه، فكل خطيئة تُغفر، أما هذه فلا يمكن أن تُغفر” (فصل 11: 7).

  1. أعمال البر والعمل الاجتماعي: إن مبادئ أعمال الصدقات والعمل الاجتماعي كما تظهر في الديداخي مثيرة جداً للاهتمام. فبالرغم من أن اعطاء الصدقات هو أمر مستحسن جداً، إلا أن وجوب العمل لأجل كسب العيش هو أيضاً أمر مُشدد عليه.

    فالتصديق على الآخرين مشروط بعدم قدرتهم على العمل: “إذا كان الآتي عابر سبيل فساعدوه بقدر ما تستطيعون، ولكن لا يبق عندكم أكثر من يومين أو ثلاثة إذا اقتضى الأمر، أما إذا نوى أن يسكن بينكم، إن كان صاحب حرفة فليعمل ليعول نفسه؛ وإذا لم تكن له تجارة أو حرفة فتبصروا كيف تعولونه كي لا يحيا تابع المسيح بينكم بلا عمل. فإذا لم يرض بهذا الترتيب فهو متاجر بالمسيح. احذروا مثل هؤلاء” (فصل 12: 2-5 ACW).

  2. الإكليسيولوجيا (الكنسيات): مفهوم “الكنيسة” في الديداخي يحمل معنى “الجامعية” (Universality) ففكرة الكنيسة التي تحتضن العالم كله تتصدر الوعي المسيحي، ذلك لأن كلمة (##) “كنيسة” لا تعني فقط جماعة المؤمنين المجتمعين للصلاة، بل أيضاً الشعب الجديد أو الجنس الجديد من المسيحيين الذين سيجتمعون معاً في ملكوت الله يوماً ما، كما أن السمتين “الواحدة” و”المقدسة” لهما أهمية خاصة.

    ورمز هذه الوحدة هو خبز الإفخارستيا حيث يُصبح العديد من الحبوب خبزاً واحداً، وذلك كما توضح إحدى الصلوات: ” كما كان هذا الخبز المكسور منثوراً فوق التلال وحين جُمع صار واحداً، هكذا فلتجتمع كنيستك من أقاصي الأرض إلى ملكوتك”. (فصل 9: 4) وفي فقرة أخرى نجد الصلاة الآتية: “اذكر يا رب كنيستك: نجها من كل شر، وكملها في محبتك، واجمع تلك المقدسة من الرياح الأربع إلى ملكوتك الذي أعددته لها.” (فصل 10: 5).

  3. الإسخاتولوجيا (الأخرويات): إن البعد الإسخاتولوجي (الأخروي) بارز في الديداخي، وهو يظهر من حين لآخر في الصلوات الإفخارستية: “لتأت النعمة، ولينته العالم”، كما أنه يظهر في الخاتمة الآرامية “ماران آثا” – والتي تعني – “يا رب تعال”. وهو يتخلل الفصل الأخير من العمل بشكل كامل. وقد كان المسيحيون جميعهم يجهلون متى تأتي الساعة، ولكن “الباروسيا” أي مجيء المسيح الثاني كانت بالنسبة لهم قد غدت وشيكة، لذلك يجب على المؤمنين أن يجتمعوا معاً كثيراً ليبحثوا عما هو نافع لنفوسهم.

    هذا ويشير الديداخي إلى العلامات التي سوف تسبق مجيء الرب وقيامة الأموا: سيكثر الأنبياء الكذبة والمنحرفون، ستتحول الحملان إلى ذئاب، وستتبدل المحبة إلى كراهية؛ عندئذ سيظهر مُضل العالم كابن لله وسيعمل آيات وعجائب، وستدفع الأرض ليديه، “وحينئذ، ستجتاز البشرية الامتحان الصعب”، وعلى الرغم من أن كثيرين سيتضايقون ويضلون، ولكن من يتمسكون بإيمانهم سيخلصون، عندئذ سيرى العالم الرب آتياً على السحاب وكل قديسيه معه.

    لذلك ينصح الديداخي المسيحيين قائلاً: “اسهروا على حياتكم؛ يجب ألا تنطفئ مصابيحكم، وألا تنكشف عوراتكم، بل بالعكس، كونوا مستعدين. أنتم لا تعرفون ساعة مجيء ربنا”. (فصل 16: 1).

زمن كتابة الديداخي:

إن السؤال ذا الأهمية القصوى الذي يمكن للمرء أن يطرحه بشأن الديداخي هو: متى كتب هذا العمل؟ ويكشف الفحص النقدي الحديث للنص أن الفصول (1-6) من الديداخي تتشابه إلى حد بعيد مع الفصول (18-20) من رسالة برنابا، ولكن كون هذا التشابه يعبر عن اعتماد حقيقي للديداخي على رسالة برنابا فهذا محل شك كبير. وعلى أية حال، لا يمكن لمثل هذه العلاقة أن تؤكد دون أن تثير الجدل.

وهناك تفسير آخر محتمل؛ بما أن الفقرات محل النقاش – في كل من الديداخي ورسالة برنابا – تتكلم عن “طريقين”، إذاً من الممكن أن يكون كلاهما مديناً لمصدر آخر مشترك. كما أن محاولات ربط الديداخي بكتاب “راعي هرماس” أو “دياتسرون” تاتيانوس لم بؤد إلى نتيجة مؤكدة. ولكن هناك شيء واحد مؤكد، وهو أن الجزء (من1: 3 إلى 2: 1) هو إضافة متأخرة على نص الديداخي، وقد يكون هذا هو الحال أيضاً بالنسبة للفصلين (6، 14).

والديداخي ككل ليس كتاباً متماسك الأجزاء، بل هو بالأحرى تجميع غير متناسق لنصوص كانت موجودة مسبقاً، فهو أكثر قليلاً من مجرد مجموعة من القوانين الكنسية التي كانت مستخدمة لبعض الوقت، ولهذا اكتسب. مع الزمن – قوة القانون الكنسي. وهذا سيفسر لنا أيضاً الكثير من التناقضات الموجودة في الديداخي، فقد فشل المصنف في محاولته للوصول إلى وحدة متماسكة من المادة التي أمامه.

وتساعدنا الأدلة الداخلية أكثر على تحديد الزمن الذي جُمع في الديداخي. ويكشف المحتوى بوضوح أن النص لا يعود للعصر الرسولي، وذلك لأن المشاعر المعادية لليهود تظهر فيه واضحة، كما كانت عملية التخلي عن عادات المجامع اليهودية لا تزال في طريقها. علاوة على ذلك، تفترض مثل هذه المجموعة من القوانين فترة ما من الاستقرار.

وكذلك تشير التفاصيل المتفرقة داخل النص إلى العصر الرسولي لم يكن زمن الكتابة بل كان قد انقضى، فقد أقر الديداخي المعمودية بالسكب (في حال عدم توفر الماء الجاري للتغطيس)، كذلك لما كان الاهتمام بالأنبياء في النظام الديني الجديد قد تراجع، لذا وجب أن يتم التنبيه عليه مرة أخرى.

لكن ومن ناحية أخرى، هناك الكثير من الخصائص تشير إلى أصله القريب من العصر الرسولي: فالليتورجية الموصوفة في الفصول (7-10) بسيطة إلى أبعد حد؛ ولا تزال المعمودية في الماء الجاري، أي في الأنهار، هي القاعدة السائدة..

أما المعمودية بالسكب فكان يُسمح بها على سبيل الاستثناء فقط، بل وأكثر من هذا، لا توجد أية آثار تشير إلى وجود صيغة موحدة لقانون الإيمان أو قانون العهد الجديد؛ ولا يزال الأنبياء يقيمون الإفخارستيا، كما أنه كان من الضروري التشديد على أن خدام الليتورجيا الفعليين، الأساقفة والشمامسة، لهم نفس الكرامة والاحترام من قبل المؤمنين.

كل هذه الحقائق تساعد في إثبات أن الديداخي كُتب بين (100م – 150م)، وأغلب الظن أنه كُتب في سوريا.

ولقد منح الديداخي اهتماماً وتوقيراً كبيراً في العصور المسيحية المبكرة حتى إن كثيرين كانوا يحسبونه مماثلاً في أهميته لأسفار العهد الجديد. ولهذا السبب كان يوسابيوس (Euseb. Hist. Eccles 3: 25: 4)، وأثناسيوس (Ep. Fest. 39)، وروفينوس (Comm in Symb. 38)، يرون أنه من الضروري التأكيد على أن الديداخي ليس له صفة قانونية، ولذا يجب أن  يُعد من ضمن الكتب الأبوكريفية[4].

ولقد عمل الديداخي كنموذج لكتابات ليتورجية وقوانين كنسية لاحقة، منها على سبيل المثال: الدسقولية السريانية والتقليد الرسولي لييبوليتس الروماني والمراسم الرسولية، وقد كانت تُستخدم لتعليم الموعوظين كما يخبرنا أثناسيوس.

كيف وصل نص الديداخي إلينا؟

فيما يلي النسخ المرجعية لنص الديداخي:

أولاً: النصوص اليونانية:

  1. المخطوطة الأورشليمية (The Codex Hierosolymitanus) المملوكة للبطريركية اليونانية في أورشليم، والتي كانت قبلاً محفوظة في مكتبة نزل كنيسة القبر المقدس في القسطنطينية. ولقد نُسخت تلك المخطوطة عام 1056م بواسطة “ليو” كاتب العدل (Notary)، ووضع فيها نص الديداخي بعد رسائل برنابا وكليمندس وقبل رسائل اغناطيوس.

  2. حُفظ النص اليوناني الخاص بالفصول (1: 3-4؛ 2: 7-3: 2) في مخطوطات أوكسيرينيخوس (Oxyrhynchos) التي تعود إلى القرن الرابع الميلادي.
  3. ضُمنت الفصول (1-6) من الديداخي في الفصول (18-20) من رسالة برنابا.

  4. تحتوي قوانين الرسل المجمعة في مصر في القرن الرابع الميلادي على الفصول (1: 1-3؛ و2: 2-4، 8). كما يحتوي الكتاب السابع من المراسم الرسولية المكتوبة في سوريا في القرن الرابع الميلادي، على النص اليوناني الكامل الخاص بالديداخي تقريباً.

ثانياً: النصوص اللاتينية:

حُفظت لدينا شذرتان من ترجمة لاتينية قديمة لا بد وأنها قد أُنجزت في القرن الثالث الميلادي، أقصرهما من مخطوطة جاءت من مدينة ميلك (Melk)، وتعود إلى القرن التاسع أو العاشر الميلادي، وهي تحتوي على الفصول (1: 1-3؛ 2: 2-6) من الديداخي. أما الشذرة الأخرى فقد وجدت في مخطوطة ميونخ (God. Monoac. Lat. 6264) وتعود إلى القرن الحادي عشر، وتتضمن الفصول (1: 1-2؛ 2: 2-6: 1).

ولقد اكتشفت حديثاً جزء كبير من الديداخي (الفصول 10: 3ب – 12: 2أ) في ترجمة قبطية تعود إلى القرن الخامس في البردية رقم (927) بالمتحف البريطاني. ووفقاً لهذه الشذرة القبطية كان هذا الجزء من الديداخي بمثابة صلاة تتلى على زيت المسحة (##) بعد صلاة الإفخارستية، وكان هذا الزيت غالباً هو الميرون المستخدم في تتميم سريّ المعمودية والتثبيت.

وبالإضافة للمخطوطات سابقة الذكر نملك شذرات من ترجمات سريانية وعربية وأثيوبية وجورجية.

 

[1] ويعطينا هذا الموضوع فكرة عن مدى قدم الصيغة الثالوثية المستخدمة في المعمودية حتى الآن في كنيستنا القبطية (قانون إيمان دير البلايزه”: “أؤمن بإله واحد، الله الآب ضابط الكل، وابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا، والروح القدس المحيي، وقيامة الجسد، والكنيسة الواحدة الوحيدة المقدسة الجامعة الرسولية، أمين” (المترجم)

[2] هنا السكب جاء كحالة استثنائية عندما لا يوجد ماء كاف للتغطيس، لأن المعمودية هي سر موت ودفن الطبيعة القديمة مع المسيح، والقيامة مع بالطبيعة الجديدة المؤهلة لسكنى الروح القدس. (المراجع)

[3] نستطيع أن نلمح بوضوح مدى تطابق هذه الطقوس والتقاليد السحيقة مع ما تمارسه كنيستنا القبطية حتى يومنا هذا. (المترجم)

[4] أي ليس من الأسفار المقدسة القانونية.

علم الأبائيات باترولوجي – الفصل الأول: الصيغ الليتورجية والتشريعات القانونية الأولى – كواستن

Exit mobile version