نتائج هامة بعد دراسة ما يخص مجمع خلقيدونية

نتائج هامة بعد دراسة ما يخص مجمع خلقيدونية

نتائج هامة بعد دراسة ما يخص مجمع خلقيدونية

1. نتائج هذه الدراسة:

في ضوء الحقائق التي ناقشناها طوال هذه الدراسة، نستطيع أن نقدم الملاحظات التالية المتعلقة بالجدال الخريستولوجي:

  • عندما كان الفكر اللاهوتي المسيحي يشير إلى ما أسماه بـ ’النسطورية‘، فإنه كان دائماً يعني ذلك الموقف المتطرف الذي فُهم أن التفسير الأنطاكي لشخص يسوع المسيح يؤكده. ولكن لا نسطوريوس نفسه ولا أي من الرجال المعتبرين قادة في المدرسة الأنطاكية كان يتمسك بالصورة المتطرفة التي ذاعت عن تلك الهرطقة.*

    وعلى نفس المنوال كانت ’الأوطيخية‘ أو ’المونوفيزيتيزم‘ هي تشويه معيب للتعليم الخريستولوجي السكندري. وبالفعل لا تُعد كل الأدلة المتوفرة لدينا كافية للإصرار على أن أوطيخا كان يتمسك بما سُمي بالهرطقة الأوطيخية.

    ولذلك ـ ومع أن أوطيخا لم يكن قادراً على التعبير عن وجهة نظره بشكل واضح ـ فإننا لا نجد ضرورة لتقديم أي دفاع عن الرجل. ولكننا في نفس الوقت ينبغي أن نؤكد أنه لا كيرلس السكندري ولا أيّ من اللاهوتيين المعروفين أو آباء الكنيسة في الجانب غير الخلقيدوني بما فيهم البطريرك ديسقوروس كان مداناً بتمسكه بتلك الأفكار (التي نُسبت لأوطيخا) على الأطلاق.

  • في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة في حوض البحر المتوسط والشرق الأوسط متحدة بشكل ما، كان هناك شعور بالرغبة في وجود ’صيغة‘ أو ’تركيب‘ لاهوتي (synthesis) من كلا التقليدين السكندري والأنطاكي (أي من المفاهيم اللاهوتية المتضمّنة فيهما). ولكن الحقيقة أن ذلك لم يكن من الممكن تحقيقه حتى في تلك العصور القديمة، بسبب أن كل موقف (أو تقليد) كان قد صار مترسخاً بعمق في مناطق محددة بعينها، لدرجة أن كلا الجانبين لم يكن يريد أن يسعى لذلك ’التقارب‘.

    وعلى سبيل المثال، كانت إعادة الوحدة عام 433م حادثة يمكن أن يأخذها الطرفان المعنيان كأساس يعتمدان عليه للوصول إلى ذلك ’التركيب‘ المشترك، ولكن كل جانب أخذها فقط كحجر يخطو عليه (أو وسيلة) لكي يدفع بكل مفاهيمه تجاه استبعاد مفاهيم الآخر. وفي هذا الصدد كان الجانب السكندري، بدون شك، أكثر قوة من الجانب الأنطاكي، ولكن مجمع خلقيدونية قام بدوره في قلب هذا الموقف حين ذهب إلى أبعد مما تم التسليم به في إعادة الوحدة عام 433م وأصر على عبارة ’في طبيعتين‘.

    وبعد خلقيدونية حدث نفس الأمر ـ الذي رأيناه من الجانبين تجاه حادثة إعادة الوحدة ـ بشأن مرسوم الاتحاد الخاص بالإمبراطور زينو ’الهينوتيكون‘، فبالرغم من أن هذا المرسوم قد صدر كأداة يمكن أن يصل بواسطتها الطرفان المتنازعان إلى الوحدة، فإن أولئك الذين قبلوا تلك الوثيقة من كلا الطرفين قد أخذوها فقط كخطوة ينطلقون منها لتأكيد وجهة نظرهم دون أن يعيروا أي التفات لرأي المعارضين لهم.

  • بينما كان كل اهتمام روما في خلقيدونية منصباً على جعل المجمع يقبل طومس ليو بدون مناقشة، وأن يقبل الفكر اللاهوتي الذي تضمَّنه الطومس بكونه مقياس الكنيسة العقائدي، كانت السلطة الإمبراطورية على الجانب الآخر مهتمة بأن تحصل على صيغة للإيمان تضعها لجنة من رجال ينتمون إلى التقاليد المتنوعة في الكنيسة، ومن ثم تحقق الوحدة للإمبراطورية. وهنا كانت الاعتبارات السياسية وليست الفائدة اللاهوتية ـ بالإضافة إلى النفوذ البشري ـ هي التي توجه القيادة الحكومية.

  • وفي إصرارها العنيد على مسألة قبول طومس ليو، كانت روما منقادة بفكرة فرض مزاعمها الباباوية (على الكنيسة) كما كانت منقادة أيضاً وبنفس الدرجة برغبتها في أن يشاركها الجميع في طريقة فهمها للإيمان المحفوظة في التقليد اللاهوتي للكنيسة في الغرب. ولكن البابا ليو في محاولته تلك، لم يُظهر أي فهم للجدال الخريستولوجي القائم في الشرق، ولا أسَّس تفسيره اللاهوتي (في الطومس) على قرارات المجامع السابقة التي تم اعتبارها مجامعاً مسكونية.

    وعلى نفس هذا النحو، لم تكن لدى السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية أي تعاطف لا مع مجمع أفسس عام 431م ولا مع التقليد اللاهوتي لآباء الإسكندرية. وكانت خطة الإمبراطور والإمبراطورة هي تأييد ومناصرة روما ضد الإسكندرية، بالإضافة إلى الترتيب لرفع مكانة (كرسي) القسطنطينية ـ عاصمة الإمبراطورية ـ لموقع القيادة في الكنيسة والذي يأتي تالياً فقط لكرسي روما.

    وحيث إن كل من الكرسي الغربي (في روما) والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية، اللذان سيطرا على مجمع خلقيدونية، كانت له خطته الخاصة التي يريد تحقيقها من خلال ذلك المجمع ـ وهي خطة لم تكن بالتأكيد لها أية صلة بالمسألة الخريستولوجية ـ فإنهما لم يجدا كليهما أية صعوبة في تخطي وجهة نظر المعارضين للمجمع بإسلوب يدعو إلى غاية الذهول وبدون حتى أي أثر من دليل يؤيدهم على ذلك.

  • وقامت اللجنة المجمعية في خلقيدونية بإصدار تعريف للإيمان تحت ضغط الجانب الروماني من جهة والسلطة الإمبراطورية من الجهة الأخرى. وكان هذا التعريف هو نوع من صيغة تسوية (أو حل وسط)، تجنبت اللجنة فيه المشكلة المركزية التي كانت تواجه الكنيسة في ذلك الوقت. وبالرغم من أن تلك الصيغة أرضت روما ورجال الجانب الأنطاكي، إلا أن السكندريين الذين لم يكن لهم دور في مجمع عام 451م عارضوها ورفضوها.

    وبالقطع أخطأت كل من روما والسلطة الإمبراطورية في تقدير حجم التأييد الذي يملكه التراث اللاهوتي السكندري في الشرق. وكانت المعارضة لمجمع خلقيدونية عنيفة جداً وشديدة العزم لدرجة أنه تحتم أن يتم الدفاع عن الموقف الخلقيدوني من خلال: أولاً، إطلاق العنان لسلسلة من الإضطهادات القاسية ضد المعارضين للمجمع قام بها الأباطرة في القسطنطينية، وثانياً، من خلال اتهام المعارضين للمجمع بهرطقة ’المونوفيزيتيزم‘ (عقيدة الطبيعة الوحيدة) بالرغم من إنكار غير الخلقيدونيين المتكرر لتلك العقيدة بعبارات قاطعة. ولم تساعد أي من هذه الممارسات الجانب الخلقيدوني في فرض موالاة الشرق المسيحي كله له.

    كما لم تنجح مجهودات جوستنيان وبعض خلفائه من أجل إعادة الوحدة وذلك لسبب بسيط وهو أن الجانب الخلقيدوني لم يكن ليتخلى عن المجمع، ولم يكن للجانب غير الخلقيدوني شيئاً ليفعله أمام ذلك الإصرار.

  • وأمام اعتراض وتحدي المعارضين للمجمع، شرع الجانب الخلقيدوني في الشرق في بناء موقف خريستولوجي (مختلف) منذ بداية القرن السادس، وكان هذا الموقف ـ من حيث الجوهر ـ هو تقريباً نفس الموقف الذي يتبناه المنتقدون للمجمع والمؤسس على التقليد اللاهوتي لآباء الإسكندرية ولكن مع وجود اختلاف هام وهو استمراره (أي الجانب الخلقيدوني) في الدفاع عن مجمع عام 451م وعبارة ’في طبيعتين‘ وهما الأمران اللذان رفضهما المعارضون للمجمع.

    وفي سماحه بحدوث هذا التطور، يكون الجانب الخلقيدوني ـ بالرغم من احتفاظه بعبارة ’في طبيعتين‘ ـ قد تحرك بعيداً عن موقف خلقيدونية الذي أراد الوصول إلى تسوية تميل إلى المفاهيم اللاهوتية الأنطاكية. وفي الحقيقة لو كان الجانب الخلقيدوني، باتخاذه هذه الخطوة، يتبنى فهماً لشخص المسيح يتجاهل الحالة الهيبوستاسية لناسوته أو يتسع للأفكار اليوليانية، فإنه بذلك يكون أكثر تضاداً للنسطورية وللأنطاكية* من التعليم الخريستولوجي لقادة الجانب غير الخلقيدوني أمثال البطريرك ساويروس الأنطاكي.

  • والاستنتاج الواضح هو أن الجانب الخلقيدوني بدفاعه عن مجمع خلقيدونية لم يحقق أي شيء لصالح الأرثوذكسية لم يكن الجانب غير الخلقيدوني نفسه، وهو يرفض المجمع، يتمسك به بثبات. ولذلك فإن الأمر الوحيد بين الجانبين كان تحفظ كل طرف على اللغة التي يدافع بها الآخر عن فكره. فلو كان الجانبان يرغبان حقاً في المضي إلى أبعد من المصطلحات، فما كان من المستحيل لهما أن يقبلا صيغة مشتركة، يعملان على أساسها من أجل استعادة وحدتهما المفقودة.

  • ومع ذلك، كان هناك تعليم أصر عليه يوحنا الدمشقي ـ متتبعاً في ذلك تقليد اللاهوتيين الخلقيدونيين الأوائل ـ ولم يكن هذا التعليم يُشرح في الجانب غير الخلقيدوني بنفس الأسلوب. ويتعلق هذا التعليم بالتأكيد على أن ناسوت المسيح قد تأله منذ لحظة تكوينه في الاتحاد مع الله الابن.

    ومن خلال ارتباطه الحميم مع نظرية ’التأقنم‘ كان هذا التعليم يأخذ الناسوت كطبيعة عامة مجردة وليس كحقيقة أقنومية، وحيث إن هيبوستاسيس الله الابن عند الدمشقي كان هو شخص الناسوت، فإن الله الابن نفسه كان هو الذي يقوم بكل ما هو بشري بالإضافة لكل ما هو إلهي.

    وهذا هو السبب وراء تأله ناسوت المسيح. ولم يكن تأله ناسوت المسيح بهذا الشكل هو تعليم الجانب غير الخلقيدوني، فبالنسبة لهم كان الناسوت الذي تخصخص وبالتالي أصبح في الحالة الهيبوستاسية، هو الذي صار ناسوت الله الابن ولهذا السبب امتلأ بالمجد الإلهي وتأله.*

  • ويقف التعليم الخريستولوجي للجانب غير الخلقيدوني بين الموقف الخلقيدوني الذي تم بناؤه في الشرق منذ القرن السادس، والتقليد الذي يحفظه الجانب الأنطاكي.

    فإذا كان الجانبان غير الخلقيدوني والأنطاكي يستطيعان أن يتغلبا على المآسي القديمة، فسيكون من الممكن لها أن يصلا إلى اتفاق لاهوتي حول مسألة شخص المسيح، بشكل أسهل من أمكانية وصول الجانبين الخلقيدوني والأنطاكي لهذا الاتفاق. وفي الحقيقة إذا لم يقم الجانب الخلقيدوني بإدراك قيمة التأكيد على الحالة الهيبوستاسية (الأقنومية) لناسوت المسيح، فلن يستطيع أن يتفهم المساهمة اللاهوتية للمدرسة الأنطاكية.

 

2. صلة هذه الدراسة بالسياق المعاصر:

إن الجدال الخريستولوجي الدائر في زمننا الحاضر ينتمي بشكل لا يمكن إنكاره إلى تاريخ الكنيسة القديم.

ولذلك فإن دراستنا المتعمقة لتلك الفترة من التاريخ الكنسي ينبغي أن تكون ذات مدلول وثيق الصلة بالسياق المعاصر بثلاثة طرق على الأقل.

 

(أ) من المنظور المسكوني:

كان الجدال الخريستولوجي ـ كما ذكرنا ـ هو السبب الظاهر لانقسام المسيحية في الشرق إلى ثلاثة كيانات (الأنطاكي، والخلقيدوني ’الجديد‘، وغير الخلقيدوني). وبعد الشقاق الذي حدث في القرن الخامس، صار كل كيان منهم ينظر إلى الكيانين الآخريّن كهراطقة وقام بقطع الشركة معهما. فهل كان هذا التصرف مبرراً؟

ولهذا السؤال في الحقيقة أهمية قصوى، لأن نسب الهرطقة إلى أحد إنما يعني افتراض أنه في وقت الانقسام كان في الكنيسة معيار عمومي معترف به للأرثوذكسية، فهل كان هناك مثل هذا المعيار في الكنيسة في القرن الخامس؟.

والحقيقة كما رأينا، أنه بعد مجمع أفسس عام 431م نشأ موقفان لهما صلة بهذا السؤال، فالسكندريون تمسكوا بأن الأرثوذكسية تتطلب التواصل مع قانون مجمع نيقية بالطريقة التي فهمه وأكده بها مجمع عام 431م، أما الأنطاكيون فلم يكونوا راغبين في تأييد مجمع عام 431م في مجمله، إذ اعترفوا بهذا المجمع بالقدر الذي تم قبوله فقط في صيغة إعادة الوحدة عام 433م. وفي هذا الموقف لم يعر مجمع خلقيدونية أي اهتمام لوجهتي النظر المتضاربتين، ولكنه قدَّم طومس ليو واعتراف الإيمان الخاص بالمجمع كمعيار للأرثوذكسية.

وكانت هذه الأمور بالتحديد هي التي قام الجانب غير الخلقيدوني بانتقادها ورفضها. وبالنسبة للكنيسة المشرقية التي تخلد ذكرى نسطوريوس واللاهوتيين الأنطاكيين الآخرين، فإنها لم تأخذ مجمع عام 451م بعين الاعتبار تماماً. فإذا وضعنا هذه الحقائق نصب أعيننا، سنجد أنه عندما نسب أي من الثلاثة كيانات تهمة الهرطقة للإثنين الآخرين، فإنه لم يكن هناك افتراض وجود معيار موحد للأرثوذكسية ـ سابق على الانقسام ـ معترف به منهم جميعاً. وبكلمات أخرى نقول أنه لم يكن لأي من هذه التقاليد الكنسية أي أساس شرعي لكي ينظر إلى الآخرين كهراطقة.*

ومع ذلك انفصلت الكنائس، وأصبحت هناك بالفعل حاجة ملحة لوسيلة فعالة تساعدهم لاستعادة وحدتهم المفقودة. وفي الحقيقة حاولت روما ـ اعتماداً على ادعائها السيادة العالمية على الكنيسة ـ أن تحل تلك المشكلة من خلال توحيد الكنائس بجعلها تتحول من انتماءاتها التاريخية إلى الالتصاق بكنيسة روما مباشرة ولكن هذه الوسيلة لم تحقق إلا نجاحاً محدوداً جداً في مناطق قليلة في الشرق المسيحي.

ولذلك فإن المشكلة في الحقيقة تحتاج إلى حل مرضي يُبنى على أساس تقييم إيجابي وموضوعي لتاريخ الانشقاق وللموقف اللاهوتي الذي تحتفظ به كل من تلك الكنائس. وقد أردنا من خلال تلك الدراسة أن نقدم محاولة في هذا الاتجاه نفسه.

 

(ب) من منظور السلطة الكنسية:

وإذا لم يكن هناك معيار متفق عليه للأرثوذكسية في وقت الانقسام، فهل لم يكن هناك أيضاً ’سلطة كنسية‘ يُعمل حسابها؟. لقد كان البابا ليو، على سبيل المثال، يزعم وجود إلهام إلهي في الطومس الخاص به من خلال التعاقب البطرسي (الذي لكرسيه)، كما أن الكيان الخلقيدوني في الشرق كان يتمسك هو الآخر بأن الروح القدس هو الذي قاد مجمع خلقيدونية ـ وبقية المجامع المسكونية الأخرى ـ لكي يحفظ الإيمان في نقاوته.

وفي كلتا الحالتين تتصل القضية محل التساؤل بـ ’السلطة الكنسية‘، وهذا الأمر في الواقع كان ذو أهمية حقيقية للكنيسة في كل العصور بما في ذلك العصر الذي نتحدث عنه.

وهنا يمكننا أن نلاحظ موقفين متنوعين. الموقف الأول يتعلق بأن أسقف روما بكونه خليفة بطرس الرسول، فإن له مدخل شخصي مباشر لأسرار رئيس الرسل، ومن خلاله إلى فكر الله المتجسد نفسه، وأنه لهذا السبب قد تقلد بسلطة خاصة تجعله يفسِّر الإيمان بطريقة معصومة بنفسه وبدون أي مساعدة خارجية. أما الموقف الثاني فيصر على أن مجمع خلقيدونية بكونه مجمعاً مسكونياً فإنه قدم إعلاناً للإيمان ينبغي أن يعتبر ملزماً للكنسية كلها.

ولا يوجد في الحقيقة اتفاق عام على مسألة السلطة المجمعية، إذ بينما تحاول بعض التقاليد الكنسية أن تؤكد أن المجامع المسكونية حين تقوم بتقرير أي شيء فإنها تتحدث من واقع سلطتها، فإن بعض التقاليد الأخرى تؤمن فقط أن سلطة القرار المجمعي تتوقف على المحتوى الذي يحفظه من الحق. وقد يستند أولئك الذين يؤمنون بالرأي الثاني إلى أن كل المجامع المسكونية المعترف بها كانت قد اتخذت قرارات عقائدية تم التصديق عليها باعتبارها تحفظ الحق المسيحي.

وليس ما يعنينا هنا هو مناقشة مسألة ’السلطة الكنسية‘ من خلال الدفاع عن أو معارضة أي من الموقفين السابقين، ولكننا نريد فقط أن نوجه النظر إلى أنه في ضوء الحقائق التي قدمناها عن مجمع خلقيدونية وبقية المجامع (التي تتعلق بنفس الموضوع) فليس من الممكن تأييد أي من هذين الادعاءين السابقين (أي السيادة الباباوية والسلطة المجمعية) بصورة قاطعة.

ولذلك فلا الجدال الخريستولوجي ولا المجامع التي ناقشت ذلك الأمر في العصور القديمة، يمكن الاعتداد بها شرعياً، كحوادث سابقة جديرة بالاستشهاد، لتدلنا على الطريقة الملائمة التي ينبغي أن تُمارس بها ’السلطة الكنسية‘.

ونحن لا نعني بقولنا هذا أن موضوع مجمع خلقيدونية قد أثبت في حد ذاته (أو بنفسه) بطلان المزاعم الباباوية لروما أو مزاعم الشرق في السلطة المجمعية، ولكن الحقيقة مع ذلك هي أنه مثلما كان الحال بالنسبة لمعيار الأرثوذكسية، فإنه لم يكن هناك أيضاً تقليد متفق عليه في الكنيسة بالنسبة للكيفية التي ينبغي أن تُمارس بها ’السلطة الكنسية‘.

فبينما كان الشرق بصفة عامة يتبنى فكرة اعتبار أن ’السلطة المجمعية‘ هي الحكم النهائي في الشئون الكنسية، فإن روما كانت تضيف إلى ذلك فكرة ’السيادة الباباوية‘ على الكنيسة. ولم يكن كلا الموقفين واضحين بالنسبة لعدد من النقاط. فنظرية ’السيادة الباباوية‘، على سبيل المثال، كان عليها أن تقيم الدليل على زعمها بأن بطرس الرسول كانت لدية معرفة بفكر المسيح بالنسبة لأي جدل عقائدي قد يظهر في الكنيسة وأن هذه المعرفة يتم توريثها لأساقفة روما.

ولم تكن ’السلطة المجمعية‘ أيضاً قد أوضحت أمرها بالنسبة لتكوينها وطبيعة سلطتها، فهل ينبغي على سبيل المثال أن يكون للأساقفة وحدهم الحق في عضوية المجمع؟ والحقيقة أن العرف الخاص بأن الأساقفة وحدهم هم الذين يشكّلون المجمع لم يكن متعارفاً عليه قبل مجمع خلقيدونية، وحتى في خلقيدونية كان الموظفون الذين رأسوا المجمع موظفين حكوميين وليسوا حتى رجالاً ذوي رتبة كهنوتية، كما كان هناك أيضاً رجال كنسيون ليست لهم رتبة الأسقفية مشاركين بصورة فعالة في أحداث وإجراءات المجمع.

وينبغي علينا أن نتذكر أيضاً أن المجامع القديمة لم تصل إلى قراراتها من خلال التصويت بواسطة الأساقفة فقط. وفي ضوء تلك الحقائق، نستطيع أن نقول إن الكنيسة كانت لديها تقاليد مختلفة فيما يتعلق بممارسة السلطة الكنسية، ولذا ينبغي في الإطار المعاصر للكنيسة أن تُجمع هذه التقاليد معاً مع ضرورة حدوث تعديلات ملائمة في كل منها، والحقيقة أن مجمع خلقيدونية والمجامع الكنسية الأخرى في الأزمنة القديمة كانت قد أشارت إلى وجود هذا الاحتياج في الكنيسة.

ويتعين علينا بالنسبة لمسألة ممارسة السلطة الكنسية، أن نضع في اعتبارنا عدداً من الحقائق:

أولاً، إن كل من أسقف روما نفسه والأساقفة الذين يشتركون في المجامع سواء كأفراد أو ككيان هم صغار بالنسبة لعصرهم، ونحن ليس لدينا أساس لكي نعتقد أنهم من خلال التتويج الباباوي أو السيامة الأسقفية يتمكنون من تجاوز قيودهم البشرية في المعرفة أو التحيز أو ظروف الحياة.

ثانياً، إن السلطة في معناها الحقيقي تنتمي بطبيعتها إلى الله وحده، وأي سلطة في الكنيسة تصدر منه ومن المفترض أن تكون من أجل تحقيق خطته وقصده، ولذلك فإن كل السلطة الكنسية ينبغي أن تكون وفق الخطة الإلهية والأمر الإلهي في ممارستها.

ثالثاً، يتحتم أن يٌنظر إلى القرارات الكنسية سواء العقائدية منها أو التنظيمية بصورة نسبية (غير مطلقة) تتصل بالأوقات والظروف التي صدرت فيها، فبالرغم من أنه ينبغي الاعتراف بقيمة الأساس الذي بُنيت عليه هذه القرارات ـ كلما أمكن وعلى حسب الضرورة ـ إلا إنه لا يمكن الإصرار على قبول الكنيسة للقرارات نفسها في جميع الأزمنة وفي كل مكان.

ولكي نؤكد هذه النقطة يجب علينا أن نتذكر أن الجانب الخلقيدوني قد عدَّل وضعه بالنسبة لثلاثة مواقف على الأقل، كان يتبناهم مجمع عام 451م:

(أ) القرار الخاص بثيؤدوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها.

(ب) وبينما تجاهل مجمع خلقيدونية عملياً الحروم الإثني عشر للبابا كيرلس، تعامل مجمع عام 553م معها على افتراض أن مجمع عام 451م كان يعترف بتلك الوثيقة وبسلطتها الشرعية الكاملة.

(ج) على الرغم من أن مجمع خلقيدونية كان قد استبعد عبارتي ’من طبيعتين‘ و’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘، فإن الجانب الخلقيدوني اعترف بأرثوذكسيتهما وبقبولهما في القرن السادس.

رابعاً، لقد رأينا أنه بالنسبة لمجمع عام 553م ومجمع عام 680 – 681م فإن كليهما مع بالغ الأسى قد أهمل تمثيل الموقف الخريستولوجي للجانب غير الخلقيدوني.

وأمام الزعم بأن هذين المجمعين وغيرهما من المجامع المماثلة هي مجامع مسكونية وذات سلطان، لا يمكننا أن نهمل تلك الحقائق الخاصة بها. وهي تظهر أنه لم يكن أي من تلك المجامع معصوماً في ذاته، وأنه من غير الممكن أن ننسب لها السلطة بصورة مطلقة. وكانت هذه المجامع هي اجتماعات كنسية عُقدت في سياق محدد وتخضع لقيود خاصة بها. والشيء الذي له قيمة في تلك المجامع كان يكمن في أسس الإيمان التي قد تكون قد سعت للحفاظ عليها.

وهي سواء بإسهاماتها الإيجابية أو بإخفاقاتها إنما تنتمي للتاريخ المسيحي، ونحن بحفظنا للمبادئ القيمة الموجودة بها وبرفضنا للأخطاء التي من الممكن أن تكون قد ارتكبتها، يمكننا أن نحاول أن نواجه مسئولياتنا في إطار ظروفنا المعاصرة. ومن أجل هذا لسنا في حاجة للإصرار على أن يقبل أحد التقاليد الكنسية أي من المجامع التي كان قد رفضها في الماضي.

ويمكننا أن نوضح تلك النقطة على النحو التالي: بينما لم تعترف كنيسة فارس القديمة بمجامع القرن الخامس وكذلك أيضاً المجامع التي عُقدت في الأزمنة المتأخرة، وبينما أيضاً لم يقبل الجانب غير الخلقيدوني مجمع عام 451م ومجمع عام 553م ومجمع عام 680 – 681م ، فإن الجانب الخلقيدوني يزعم بأنه يأخذ وضعه في التقليد الذي كونته هذه المجامع التي تعتبر امتداد لمجمع عام 431م.

والنقطة الأساسية في هذا الإدعاء ليس في أن الجانب الخلقيدوني يجعلهم ضمن قائمة المجامع المقبولة الخاصة به، لأن القبول القانوني لأي مجمع لا يعني أي شيء سوى أنه يحمل تأييد الأساس العقائدي الذي أكده المجمع، كما أن المعنى الشرعي الوحيد الذي يمكن أن يُقال على مجمع أنه مقبول هو الإقرار بالإيمان الذي يُعتقد أن هذا المجمع قد حفظه.

وإذا نظرنا إلى المسألة بهذا الشكل سنجد أن الاختلاف بين التقاليد الثلاثة التي انقسمت إليها الكنيسة ـ على أساس الجدال الخريستولوجي ـ ليس هو في الواقع بالأمر الذي لا يمكن تخطيه. وحتى بالنسبة لمجمع أفسس الثاني عام 449م الذي يعتبره الجانب غير الخلقيدوني مقبولاً، فبالرغم من أن مجمع خلقيدونية حاول أن يجعل استبعاده يتم بسرعة، لكن الحقيقة أن كل قراراته تقريباً التي تتصل بإيمان الكنيسة قد تم التصديق عليها صراحة بواسطة مجمع عام 553م، وهذه القرارات مازالت حية حتى الآن في كلا الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني.

 

(ج) في ضوء إيمان الكنيسة:

وهكذا نرى أن الأمر الرئيس في إيمان الكنيسة كان هو شخص يسوع المسيح، وكان هذا في الحقيقة أمراً قديماً قدم المسيحية ذاتها. وتسجل لنا الأناجيل الإزائية كيف سأل ربنا تلاميذه عمن يكون هو في وجهة نظرهم، وكيف قدَّم بطرس الاعتراف الشهير أنه هو المسيح ابن الله الحي. وقد تضمنت كتابات العهد الجديد تلك الإجابة نفسها بمعناها الحقيقي.

وبعد عصر كتابة العهد الجديد، استمر آباء الكنيسة في التمسك بنفس الحقيقة من خلال شرح أعمق للإيمان، واعتمدوا في عملهم هذا على قاعدة الإيمان التي كانت تعني بالنسبة لهم وديعة إيمان الكنيسة.

وينبغي أن يُنظر لهذا العمل الذي قام به أولئك الآباء في أجيالهم المختلفة ـ والذي كان يقود الكنيسة أكثر من أي شيء آخر ـ من جهة الطريقة التي استخدموها ومن جهة المحتوى الذي سعوا لكي يحفظوه. وتعتبر كلتا الوجهتين (الطريقة والمحتوى) هامتين بالنسبة لذلك العمل نفسه.

 

أولاً: الطريقة

كانت الشروحات اللاهوتية للكنيسة الأولى قد تمت في إطار الظروف الفكرية والثقافية لتلك العصور. وهم في تفسيرهم للإيمان أخذوا ـ بدرجات متفاوتة ـ أفكاراً ومفاهيماً كانت سائدة في العالم الديني والثقافي اليوناني – الروماني.

وهم لم يفعلوا ذلك من خلال تبنيهم لموقف توفيقي (أي محاولة التوفيق بين المعتقدات المختلفة) بالنسبة لاعترافهم بالمسيحية، ولكنهم على الجانب الآخر حاولوا أن يظلوا أمناء لقاعدة الإيمان التي اعتبروها مؤسسة على الكرازة الرسولية، وبكونها أيضاً (أي قاعدة الإيمان) جوهر حياة العبادة والنظام الذي نما على أساسها. ومن هنا اتبع الآباء في شرحهم اللاهوتي طريقة تهدف إلى الحفاظ على التميز الجوهري للمسيحية.

ولذلك كانت عملية استنباط طريقة تساعد على حفظ الإيمان من جهة وتمكن من توصيله بشكل مبتكر من الجهة الأخرى، هي أمر لا غنى عنه بالنسبة للكنيسة في كل زمان. وبالقطع ليست الظروف الثقافية والفكرية في القرن العشرين هي نفس الظروف الخاصة بالعصور التي عاش وعمل فيها اللاهوتيون القدامى وآباء الكنيسة، بل وحتى في أيامنا هذه ليست تلك الظروف هي نفسها بالنسبة للأوروبيين والهنود، أو بالنسبة للأمريكيين والأفريقيين. وتبعاً للاختلاف في الثقافة والظروف الأخرى، ينبغي أن يكون هناك تعبيرات مختلفة للحديث عن المسيحية.

وفي الحقيقة، يجب أن تكون الكنيسة في كل عصر وفي كل منطقة جغرافية، قادرة أن تكوِّن طريقتها الخاصة في توصيل الإيمان وأنماط الحياة، ولكن بدون أن يكون هناك أي إضعاف أو تشويه للإيمان نفسه. وأمام هذه المهمة يمكن للكنيسة أن ترى في الطريقة التي تبناها اللاهوتيون القدامى دروس جديرة ذات مدلول لوقتنا المعاصر.

 

ثانياً: المحتوى

تتفق كل الكيانات الثلاثة (الأنطاكي والخلقيدوني وغير الخلقيدوني)، التي انفصلت بسبب الجدال الخريستولوجي، على الاعتراف أن يسوع المسيح هو مخلص العالم الوحيد، وبالتالي فقد ظل كل منهم أميناً لقاعدة الإيمان، ولكن اختلافهم كان ينصب فقط على شرح الكيفية التي ينبغي أن يتم بها هذا الاعتراف.

ويمكننا أن نوضح تلك الحقيقة من خلال الرجوع إلى المواقف الثلاثة: فالموقف الخلقيدوني يؤكد ـ في كل من تقليده البيزنطي الشرقي وتقليده التوماوي* الغربي ـ أن يسوع المسيح هو مخلص العالم لأنه هو الله الابن الذي وحد الطبيعة البشرية بذاته بأن صار هو شخصها. وقد جعل الله الابن، الواحد من الثالوث القدوس، نفسه هو العامل الفاعل للطبيعة البشرية في يسوع المسيح.

ولذلك فالحقيقة التي هي أساس كل الرجال والنساء الذين يشكلون الجنس البشري كله (أي الأوسيا البشري أو الطبيعة البشرية) قد اتحدت بالله الابن. وكان التجسد عند الجانب الخلقيدوني يعني أن شخص المخلص هو الشخص الأزلي لله الابن. وكان الجانب الأنطاكي يقر أن الله الابن، الواحد من الثالوث القدوس، قد رفع الطبيعة البشرية من خلال عضو واحد من الجنس البشري بالاتحاد مع نفسه، ولكن بدون أن يجتاز أي تنازل من جانبه، ولذلك فهو مخلص العالم.

أما الجانب غير الخلقيدوني فقد أكد أن الله الابن، الواحد من الثالوث المبارك، وحد ناسوتاً بذاته. وفي الاتحاد لم يكن ذلك الناسوت غير اقنومي (أي غير محدد أو مخصخص)، على الرغم من أنه لم يكن شخصاً موازياً لشخص الله الابن. وبكونه هيبوستاسيس مركب، فإن الله الابن قد وحَّد في نفسه الحقيقة الهيبوستاسية للناسوت، ولذلك فيسوع المسيح هو الله الابن في حالته المتجسدة وهو بذلك مخلص العالم.

وفي الختام نستطيع أن نقول إن الأمر يحتاج بالفعل إلى إعادة تقييم. والاعتراف بحقيقة وجود تلك التقاليد الثلاثة يدفعنا إلى التأكيد أنه يتعين علينا البدء من الأسس الخاصة بهم، لكي ما نستطيع أن نصل للتعبير عن الإيمان بطريقة ذات دلالة لجيلنا المعاصر.

 

*  ارجع إلى ملخص التعليم الخريستولوجي الأنطاكي في الفصل السابق

*  أي موقفاً يأخذ التطرف العكسي المقابل للنسطورية وللأنطاكية

*   كان التأله عند غير الخلقيدونيين بسبب أن الناسوت المخصخص قد اتحد هيبوستاسياً بالله الابن وصار جسده الخاص بالتالي كان هناك تبادل للخواص بين اللاهوت والناسوت، أما التأله عند يوحنا الدمشقي فكان بسبب أن الناسوت لم يكن في الحالة الأقنومية وبالتالي صار شخص الله الابن هو شخص الناسوت وهو الذي يقوم فيه بكل ما هو بشري.

*   قد نختلف مع الكاتب عند تلك النقطة، لأن رؤية السكندريين بأن الأرثوذكسية تتطلب التواصل مع قانون مجمع نيقية بالطريقة التي فهمه وأكده بها مجمع عام 431م، كانت هي المعيار العمومي للكنيسة كلها في ذلك الوقت، حتى أن إعادة الوحدة نفسها قد تضمنت الاعتراف الكامل بمجمع أفسس، كما أكد نفس الشيء أيضاً مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م والذي يعتبر البداية الحقيقية لما حدث في مجمع خلقيدونية عام 451م.

أما كون الأنطاكيين كانوا يبطنون عدم التأييد الكامل لمجمع عام 431م فهذا هو الخروج عن الإجماع الكنسي العام. هذا بالإضافة إلى أن عدم اتفاق الكنيسة المشرقية التي تكرم نسطوريوس مع مجمع أفسس عام 431م كان يعتبر هو الآخر خروج عن الإجماع الكنسي العام.

* نسبة إلى توما الأكويني

نتائج هامة بعد دراسة ما يخص مجمع خلقيدونية

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج3

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج3

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج3

الجزء الأول: الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج1

الجزء الثاني: الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج2

4. بعض التعليقات على التعليم الخريستولوجي للجانب الخلقيدوني:

كان كل من طومس ليو وتعريف الإيمان الخلقيدوني ـ كما سبق أن رأينا ـ قد صدَّق على العبارة الأنطاكية “طبيعتين بعد الاتحاد” وذلك من خلال تبنيهما لمفهوم أن يسوع المسيح “يُعترف به في طبيعتين”. والحقيقة أنه ليست لدينا أية وسيلة للتحقق من المعنى الذي كانت وفود مجمع عام 451م تراه في مصطلح ’طبيعة‘ في ذلك الوقت. وحسب ما لدينا من أدلة حتى الآن، لم يقم الجانب الخلقيدوني بتوضيح معنى ذلك المصطلح طوال القرن الخامس.

وأمام معارضة المنتقدين للمجمع، بدأ الجانب الخلقيدوني في التطرق لهذه المسألة في القرن السادس. ومن خلال ذلك التناول، نشأ تقليد يَعتبر مصطلح ’طبيعة‘ مرادفاً للـ ’أوسيا‘ ويأخذه بالمعنى العام المجرد. وفي الحقيقة، كان هذا التفسير هو المخرج الوحيد الملائم والمتاح للمهتمين بالدفاع عن مجمع خلقيدونية عند تعرضهم لعبارة “في طبيعتين”.

ولكن الجانب الخلقيدوني، من خلال تعريف مصطلح ’طبيعة‘ على هذا النحو، قد ابتعد عن الهدف الذي عبَّر عنه وهو الادعاء أن مجمع خلقيدونية قدَّم تركيباً (لاهوتياً) مكوناً من المبادىء اللاهوتية التي يتضمنها التقليد السكندري والأنطاكي والغربي.* كما أن الجانب الخلقيدوني بهذا أيضاً (أي من خلال ذلك التعريف) قد تبنى موقفاً أكثر تضاداً للنسطورية وأكثر تضاداً للأنطاكية من الموقف الذي اتخذه الجانب غير الخلقيدوني في أي وقت مضى.

وكان موقف الجانب الخلقيدوني هو الموقف الذي قدَّمه رجال مثل يوحنا الدمشقي من خلال عقيدة ’التأقنم‘ (enhypostasia) والتي تتكون من النقاط التالية:

  • يسوع المسيح هو تجسد الله الابن.

  • وهو هيبوستاسيس واحد يُعرف في طبيعتين.

  • وهذا الهيبوستاسيس الواحد هو الهيبوستاسيس الإلهي لله الابن

  • يشير مصطلح ’طبيعة‘ إلى الحقيقة العامة المجردة، وهذا يشير بتركيز خاص إلى ناسوت المسيح.

  • وكانت كلتا الطبيعتين كاملتين، وكل منهما لها خواصها وملكاتها الخاصة بدون أي نقصان. ولذلك كان للمسيح إرادتان طبيعيتان وفعلان طبيعيان.

  • وحيث إن الناسوت ليس له الهيبوستاسيس الخاص به (بحسب مفهوم الدمشقي عن الهيبوستاسيس)، فقد أعطاه الله الابن الهيبوستاسيس الخاص به، وبهذه الطريقة لا يكون الناسوت بدون أقنوم (anhypostatic) ولكنه متأقنم (enhypostatic).

  • وعلى الرغم من أن ناسوت المسيح كان بدون هيبوستاسيس خاص به، إلا أنه كان محدداً وخاصاً.

والحقيقة أن تلك النقطة الأخيرة قد أصابت ناسوت المسيح تماماً، ناهيك عن أن الواقع البشري الذي يقولون عنه هنا هو أبعد ما يكون عن الوضوح.

وعلى سبيل المثال، يذكرون أن تلك الطبيعة البشرية تستطيع أن ’تفعل‘ وأن ’تريد‘، ولكنهم مع ذلك يقرون بأنها ليست أقنومية (not hypostatic).* وكذلك يقولون عن تلك الطبيعة البشرية أنها حقيقة عامة مجردة، ورغم ذلك يتكلمون عنها بكونها محددة وخاصة. فكيف يمكن للبشرية التي يؤكدون أنها عامة ومجردة أن تصبح مرئية ومحددة من خلال تلازمها (اتحادها) في الله غير المرئي؟.

وكانت هذه هي بعض التساؤلات التي تحير كل من يريد أن يدرس الموقف الخلقيدوني بشكل دقيق ومتفحص. والحقيقة أنه إلى أن يتم تفسير تلك التساؤلات وتوضيحها، فإننا ينبغي أن نصر على أن التعليم الخريستولوجي الخلقيدوني كما شرحه التقليد ’التوماوي‘ (Thomistic tradition) ـ الذي أشار إليه سوليفان ـ ليس بعيداً عن القصور. وإذا كان الموقف الأنطاكي ضعيفاً فيما يخص تأكيد وحدة المسيح، فإن شرح التعليم الخريستولوجي الذي حفظته مدرسة توما الأكويني لا يقل عنه ضعفاً فيما يخص مسالة حقيقة المسيح البشرية من وجهة النظر التاريخية.

وكما سبق أن ذكرنا، إذا لم يكن يوحنا الدمشقي يقر بالحالة الأقنومية لناسوت المسيح، فإن الموقف اللاهوتي الذي قدَّمه سيكون معيباً بنفس المقدار، أما إذا كان يقر به ـ ولكنه يميل بصورة مفرطة تجاه اليوليانية ـ فإن شرحه اللاهوتي الخاص بشخص المسيح لن يحتوي عندئذ على أية فكرة ذات قيمة (أو إضافية) لم يكن البطريرك ساويروس بالفعل قد تمسك بها.

 

5. كلمة ختامية:

كان اللاهوتيون في التقاليد الثلاثة* يتفقون ـ على الأقل من جهة الهدف ـ على تأكيد كمال ألوهة وكمال بشرية المسيح ووحدته الحقيقية. وكان عدم الاتفاق بينهم يرجع فقط إلى الطريقة التي يشرحون بها تلك المفاهيم الثلاثة. فالتعليم الخريستولوجي الأنطاكي على سبيل المثال كان يؤكد الألوهة والبشرية على أنهما شخصين أو هيبوستاسيسين، ونتيجة لذلك كان تفسيرهم لوحدة المسيح ضعيفاً.

أما التعليم الخريستولوجي للجانب الخلقيدوني ـ بحسب ما قدَّمه لاهوتيو القرن السادس ـ فكان قوياً في تأكيده على ألوهة المسيح ووحدته، ولكن بالنسبة لحقيقته البشرية من الناحية التاريخية فإنه يظل في حاجة إلى إيضاح أكثر. وكانت هناك بالتأكيد نقاط اتفاق رائعة بين الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني.

ومن بين التقاليد الثلاثة الخريستولوجية، لم يكن التقليد الذي قدمه الجانب الخلقيدوني منذ القرن السادس هو الذي حفظ مفاهيم الألوهة والبشرية والوحدة (في المسيح) بشكل أكثر قبولاً وارضاءً من التقليدين الآخرين، ولكن الذي فعل ذلك في الحقيقة كان هو الموقف اللاهوتي الذي حفظه البطريرك ساويروس الأنطاكي والجانب غير الخلقيدوني.

وحتى إذا افترضنا أن مجمع خلقيدونية ـ كما يزعمون ـ قد نجح في تقديم تركيب (لاهوتي) مكوّن من التقاليد المتنوعة التي كانت قائمة في الكنيسة في ذلك الوقت، فإن الجانب الخلقيدوني (الذي قدَّم تعاليمه منذ القرن السادس) لم يتبع نفس هذا المسار، ولكنه على العكس في محاولته أن يؤكد أنه هو الوحيد الذي يمثل الأرثوذكسية، أهمل موقف المنتقدين للمجمع وأنشأ تعليماً خريستولوجياً تخلى حتى عن أي مساهمة ذات قيمة لمدرسة أنطاكيا.

ومن الضروري قبل أن نختم هذه المناقشة، أن نبحث الأساس الذي بنى عليه أندريه (Andre de Halleux) رأيه في تعليم مار فيلوكسينوس أسقف منبج حيث رأى فيه مفهوم ’المونوفيزيتيزم‘ (أي أصحاب الطبيعة الوحيدة). ويؤكد أندريه أنه بالنسبة لمار فيلوكسينوس كان الله الكلمة هو شخص التجسد، وأن هذا التعليم يشكل العنصر الرئيس لمفهوم ’المونوفيزيتيزم‘ في الفكر اللاهوتي لأسقف منبج.[1]

وأمام هذا الرأي يتعين علينا أن نذكر ملاحظتين هامتين. الملاحظة الأولى هي أن قراءة أندريه للتعليم الخريستولوجي لمار فيلوكسينوس في تلك النقطة تعتبر نوعاً من التبسيط المبالغ فيه إن لم تكن نوعاً من التحريف أو التشويه. فمن الحقيقي أن مار فيلوكسينوس قد يعترف ـ متتبعاً في ذلك تعليم الآباء السكندري* ـ أن الله الكلمة المتجسد هو شخص (أو الفاعل في) التجسد، ولكن تعليمه هنا لم يكن أن الله الكلمة في حالته غير المتجسدة (unincarnate) أو قبل المتجسدة (pre-incarnate) هو شخص (أو الفاعل في) التجسد.

وحيث إن الله الكلمة المتجسد هو شخص التجسد، فإن العنصر البشري كان هناك متحداً مع الله الكلمة في المسيح الواحد. ويتضح هذا الأمر جداً من خلال تأكيد مار فيلوكسينوس أن الله الكلمة هو فوق الألم والعذاب من ناحية، وأنه في التجسد من الناحية الأخرى تحمل الله الكلمة العذاب والخزي والموت بصورة أشد من أي واحد آخر.[2] وبجانب هذا أكد مار فيلوكسينوس أنه في التجسد لا الله الكلمة ولا الناسوت قد تغير إلى الآخر.[3]

وليس من الصعب تفسير هذا التعليم الذي قدَّمه مار فيلوكسينوس، لأن الاعتراف بحقيقة (وجود) شخص بشري في المسيح في مقابل الشخص الإلهي كان عند مار فيلوكسينوس هو إنكار للتجسد، لأن الرب المتجسد بالنسبة له هو وحدة (unity). وحيث إن الإنسان مخلوق على صورة الله، فقد أُعيد خلقته في الله الكلمة بواسطة الاتحاد الهيبوستاسي من خلال التجسد.

وبهذه الطريقة بلغ الناسوت إلى اتحاده النهائي مع الخالق، دون أن يفقد حالته الشخصية المخلوقة، لأن الله يظل الله، والإنسان يظل مخلوقاً كما هو. وحيث إن الإنسان قد خُلق على صورة الله، فمن الممكن أن يصير الله متجسداً، بدون أن يفقد الله أو الإنسان هويته الخاصة به.

ولكن في حالة التجسد، كل ما هو إلهي صار ينتمي للناسوت، وكل ما هو بشري أصبح يُنسب لله، وهذه الحالة من الاتحاد بين الله والإنسان هي ما تحققت في يسوع المسيح بواسطة التجسد. وكان مار فيلوكسينوس واضحاً في أنه من خلال توسط يسوع المسيح، سنبلغ نحن أنفسنا إلى الاتحاد مع الإلهي في الحياة الآخرة كما نستدل على ذلك في سريّ المعمودية والإفخارستيا المقدسة.

وهكذا لم يكن التعليم الخريستولوجي لمار فيلوكسينوس هو إصرار ساذج على أن الله الكلمة هو شخص التجسد، ولكنه في الحقيقة كان أكثر حذقاً من ذلك وكان دائم التأكيد على وحدة المسيح بثبات حقيقي.

وهناك ملاحظة ثانية يتعين علينا ذكرها أمام سعي أندريه لإثبات مفهوم ’المونوفيزيتيزم‘ في التعليم اللاهوتي لأسقف منبج. فكما رأينا[4] كان مفهوم أن الله الكلمة هو شخص التجسد هو تعليم الجانب الخلقيدوني نفسه منذ بداية القرن السادس على الأقل (وليس مفهوم مار فيلوكسينوس). وعلى سبيل المثال، كانت نظرية ’التأقنم‘ (enhypostasia) تشدد بالتحديد على ذلك المفهوم، حيث أصرت تلك النظرية على أن الله الكلمة أصبح هو شخص الناسوت بالإضافة إلى كونه شخص لاهوت الابن.

وكان هذا هو نفس الموقف ـ كما لاحظ سوليفان[5] ـ الذي تمسك به ’التوماويون‘ (نسبة إلى مدرسة توما الأكويني). وحسب سوليفان، كان ناسوت المسيح بالنسبة لتلك المدرسة عاماً ومجرداً، على الرغم من أنه كان في نفس الوقت محدداً وخاصاً. وقد لجأوا إلى ذلك التفسير ليتجنبوا افتراض وجود كيان بشري (مستقل) (human suppositum) في المسيح، فإذا لم يكن هناك كيان بشري (مستقل) في المسيح، فإنه ينبغي لناسوته أن يكون له شخصه في شخص الله الكلمة.

والسؤال الذي يحتاج هنا إلى توضيح هو: هل الخلقيدونية التي أشار إليها شارلز مولر في كتابه باسم ’الخلقيدونية المتشددة‘* (strict Chalcedonianism) والتي يبدو أن أندريه نفسه يثني عليها، كان لها تفسير مختلف لتلك النقطة عن ذاك الذي لنظرية ’التأقنم‘ أو لمفهوم ’التوماويين‘، ويبتعد في نفس الوقت عن التقسيم النسطوري؟. والحقيقة أن أندريه لم يقم بمناقشة تلك القضية.

وكان تعريف الإيمان الخليقدوني ـ كما رأينا ـ يتكلم عن ’شخص واحد‘ بكونه يُعرف ’في طبيعتين‘، وشخص التجسد ينبغي بكل يقين أن يكون ذلك الشخص الواحد. فمن هو ذلك الشخص الواحد؟ فلو أن الطبيعتين كانتا بحيث أن كل منهما هو شخص (فاعل) فسيصبح من العسير أن نفهم كيف استبعدت الخلقيدونية المتزمتة مشكلة النسطورية (وهي تعترف أن المسيح يُعرف في طبيعتين). وإذا أكدوا أن الشخص الواحد هو الذي يُفعِّل (activate) الطبيعتين، فلن يحل ذلك المشكلة.

فإذا كانت الخلقيدونية المتزمتة تريد بالحقيقة أن تستبعد النسطورية فإن عليها أن تختار بين التعليم الخريستولوجي للبطريرك ساويروس والجانب غير الخلقيدوني من ناحية وبين التعليم الخريستولوجي لنظرية ’التأقنم‘ من الناحية الأخرى.

وسواء كان لدى الخلقيدونية المتزمته إجابة شافية على ذلك السؤال أم لا، فإن الحقيقة التي ينبغي التسليم بها هي أنه لو كان التعليم الخريستولوجي لمار فيلوكسينوس يمكن أن يوصف بـ ’المونوفيزيتيزم‘ (بسبب الإدعاء أنه يؤمن أن الله الكلمة هو شخص التجسد)، فإن الموقف الذي أكدته نظرية ’التأقنم‘ يمكن أن يُوصف هو الآخر بـ ’المونوفيزيتيزم‘ بنفس المقدار إن لم يكن بدرجة أكبر.

           

*   كان هذا الادعاء يعتمد على زعم الخلقيدونيين أنه إذا كان التقليد الأنطاكي يركز على كمال ألوهة وكمال بشرية المسيح (مع فشله في التأكيد على وحدته) وإذا كان التقليد السكندري يؤكد على وحدة المسيح بينما فشل في التأكيد على كمال بشرية المسيح (حسب زعمهم)، فإن مجمع خلقيدونية جمع التقليدين معاً إذ أكد على الوحدة من خلال الهيبوستاسيس الواحد، كما أكد على كمال الألوهة والبشرية من خلال عبارة في طبيعتين.

*  كيف يمكن القول أن الطبيعة البشرية تستطيع أن تفعل وأن تريد بحق والفاعل والمريد فيها هو الهيبوستاسيس الإلهي وحسب؟.

*   أي التقليد السكندري (غير الخلقيدوني) والتقليد الأنطاكي (الخاص بالمدرسة الأنطاكية) والتقليد الخلقيدوني (الذي نشأ منذ مجمع خلقيدونية وتطور في القرن السادس).

[1]  مرجع سابق صفحة 359، 363، 514.

*  ارجع إلى ق. كيرلس في رسالته الثالثة إلى نسطوريوس حيث يذكر أن كلا الأقوال الإنسانية والأقوال الإلهية قد قيلت بواسطة شخص واحد هو هيبوستاسيس الكلمة الواحد المتجسد (الهيبوستاسيس المركب).

[2]  انظر صفحة 461.

[3]  انظر المرجع رقم 8 صفحة 369.

[4]  انظر صفحة 512.

[5]  انظر صفحة 537 وما يليها.

 *  أي الجانب الخلقيدوني الذي لم يتجاوب مع التغيير الذي قام به الخلقيدونيون في الشرق في القرن السادس ولذلك سمي بالخلقيدونية المتزمتة، بينما سمي الجانب الخلقيدوني في الشرق بالخلقيدونية الجديدة.

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج3

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1

الجزء الثاني: مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج2

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

لابد وأنه قد أصبح واضحاً الآن، بعد كل الفحص السابق للتاريخ والفكر اللاهوتي، أن التقييم التقليدي للموقف غير الخلقيدوني من جانب الخلقيدونيين لم يعتمد على أي أساس حقيقي لا في تاريخ الصراع نفسه ولا في وجهة النظر العقائدية التي تمسك بها غير الخلقيدونيين. ويمكننا أن نرى هذه الحقيقة في أجلى صورها عندما نقارنها بالموقف الخريستولوجي الذي تبناه الجانب الخلقيدوني منذ القرن السادس.

وكما ذكرنا، كان الكيان الخلقيدوني وبالأخص في الشرق، قد حاول بطرق متعددة أن يُصلح العيوب التي أشار إليها معارضوه، ولكن بدون أن يعترف أن مجمع خلقيدونية ينبغي أن يُلام في أي شيء. وكان هذا هو الإطار الذي قدم فيه الجانب الخلقيدوني شرحه الخريستولوجي في القرنين السادس والسابع.

ويتعين علينا الآن أن ننظر بإيجاز في الموقف الذي تمسك به الجانب الخلقيدوني، ونرى إذا كان ـ بالرغم من دفاعه عن مجمع عام 451م ـ قد قدَّم بالفعل رؤية أكثر ملاءمة وقبولاً لبشرية المسيح من تلك التي أكدها الجانب غير الخلقيدوني، كما ادعى ذلك الباحثون المؤيدون لخلقيدونية.

وسوف نقوم في سبيل هذا البحث، بفحص الموقف العقائدي الذي تبناه مجمعا القسطنطينية عام 553م، وعام 680 – 681م على الترتيب، وهما اللذان يعتبرهما الكيان الخلقيدوني مجمعين مسكونيين،* وسوف نفحص أيضاً الفكر اللاهوتي الذي تمسك به لاهوتيو الجانب الخلقيدوني في كلا المجمعين.

وسنعتمد في هذا المجال على دراسة التفسيرات اللاهوتية لكل من يوحنا النحوي  (John the Grammarian) ـ الذي انتقده ساويروس الأنطاكي في واحد من أكبر كتبه ـ ويوحنا الدمشقي (John of Damascus). وهناك أسباب دعتنا لتفضيل اختيار هذين الرجلين عن ليونتيوس البيزنطي (Leontius of Byzantium) ومكسيموس المعترف (Maximus the confessor).

فبالرغم من أن اللاهوتيين البيزنطيين الأرثوذكس يستشهدون بكل من ليونتيوس ومكسيموس كمرجعين مقبولين لديهم، وبالرغم من أن كثير من الباحثين الغربيين يعتبرونهما من اللاهوتيين الخلقيدونيين المعترف بهم، إلا أن ديفيد بيشر (David Beecher Evans) قد أظهر في دراسته عن ليونتيوس[1] أن ذلك اللاهوتي الذي ظهر في القرن السادس كان في الحقيقة هرطوقياً يتمسك بفكر خريستولوجي  ينتمي إلى أوريجينوس، وأن مكسيموس كذلك الذي ظهر في القرن السابع من الممكن أن يكون أيضاً قد أخذ فكره المتحيز من نفس المصدر.[2]

وحيث إن مثل هذه الشكوك لم تُثار حول أي من يوحنا النحوي أو يوحنا الدمشقي، فسوف نقوم هنا بفحص موجز لتعاليمهما. وفي ظل غياب الكتاب الأصلي ليوحنا النحوي، سنعتمد في تلخيص فكره الخريستولوجي على مقتطفات من كتابه، كان البطريرك ساويروس الأنطاكي قد أوردها في رده عليه. أما بالنسبة ليوحنا الدمشقي فسنرجع في التعامل معه إلى أعماله التي نُشرت ضمن مجموعة “آباء الكنيسة” (The Fathers of the Church).[3]

 

2. مجمعا القسطنطينية:

لقد كان مؤلف كتاب ’الاقتباسات الكيرلسية‘[4] ويوحنا النحوي من أوائل الخلقيدونيين الذين ابتدئوا الفكر اللاهوتي الجديد في العقود الأولى من القرن السادس، وقد كُتب لهذا الفكر الانتصار في مجمع عام 553م، وهو الذي أسماه شارلز موللر[5] ’الخلقيدونية الجديدة‘ (neo-Chalcedonianism). وكما أظهرنا فيما سبق، فإن الموقف اللاهوتي الذي تبناه ذلك المجمع ـ ما عدا دفاعه عن مجمع خلقيدونية ـ كان في جوهره يقترب من نفس الموقف الذي يتمسك به الكيان غير الخلقيدوني.[6]

أما مجمع عام 680 – 681م فله تاريخ مختلف، لأنه هو الذي وضع نهاية عصر من الصراع بين فريقين داخل الكيان الخلقيدوني في الشرق. وكان أحد هذين الفريقين يتمسك بأن ’إرادة (will)‘ المسيح هي واحدة و’فعل (operation)‘ المسيح هو واحد في جميع الأحوال.

وحيث إن كاتب هذه الدراسة يشعر بأنه غير مؤهل لأن يوضح بالضبط وجهة نظر الرجال الذين دافعوا عن هذا التفسير، فلن يحاول السير في هذا الإتجاه.[7] وعلاوة على ذلك، بما أن اهتمامنا هنا هو فحص الفروق الحقيقية بين الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني حول هذا الأمر، فإن السؤال عن المفهوم اللاهوتي للرجال الذين أدانهم مجمع عام 680 – 681م يصبح ليس ذو أهمية لنا في السياق الحالي.

وقد صدَّق مجمع عام 680 – 681م على مجمع نيقية، والقسطنطينية، وأفسس، وخلقيدونية، والقسطنطينية الثاني.[8] وأشار المجمع إلى مجمع خلقيدونية بكونه مجمع “الآباء الستمائة والثلاثين الملهمين من الله ضد أوطيخا وديسقوروس المبغضين من الله”.[9]

وأكد المجمع (عام 680 – 681م) أن قانون إيمان نيقية والقسطنطينية يعتبر كافياً في حد ذاته، ولكن بما أن[10] الشيطان وجد رجالاً يستخدمهم كأدوات يقلق بهم الكنيسة، لهذا فقد أصبح إعلان الإيمان الذي أصدره المجمع ضرورياً.  وهؤلاء الرجال (الذين استخدمهم الشيطان) كانوا يروجون هرطقة وجود “إرادة واحدة وفعل واحد في الطبيعتين اللتين للمسيح، إلهنا الحقيقي، الواحد من الثالوث القدوس”.

وزعم المجمع أنه اكتشف (وجود) تلك الهرطقة في عدد من القادة في الجانب الخلقيدوني[11] بما في ذلك أربعة بطاركة سابقين للقسطنطينية، وواحد من باباوات روما، وبطريرك واحد لكل من الإسكندرية وأنطاكيا. وذكر المجمع في حكمه أن تأكيد أولئك الرجال على وجود “إرادة واحدة” و”فعل واحد” إنما يتضمن اعتبارهم أن ناسوت المسيح كان بلا إرادة وبلا فعل[12] وهو موقف مشابه لموقف أبوليناريوس. وأصر المجمع أن هذه الهرطقة “تشبه الاعتقاد الجنوني والشرير الذي لعديمي التقوى أبوليناريوس وساويروس وثيميستيوس”.[13]

وكان المجمع قد أكد بايجابية على ما يلي:

  • إنه ينبغي الاعتراف أن المسيح إله حقيقي وإنسان حقيقي، وهو واحد من الثالوث القدوس، وأنه كامل في اللاهوت وكامل في الناسوت.

  • إنه يوجد فيه (أي في المسيح) إرادتان طبيعيتان وفعلان. والإرادتان لا تناقض إحداهما الأخرى، ولكن الإرادة البشرية تعمل وفق (conforms to) الإرادة الإلهية وتخضع لها على الدوام.

  • إن كل طبيعة ـ على الرغم من أنها متحدة مع الأخرى ـ تريد وتفعل بدون اختلاط ولا انقسام.

  • إن الطبيعتين متحدتان في الهيبوستاسيس (الأقنوم) الواحد الذي يتمم المعجزات ويتحمل الآلام في طبيعتي اللاهوت والناسوت على الترتيب.

  • “لذلك نحن نعترف بإرادتين وبفعلين يتزامنان بتطابق كامل فيه (في المسيح) من أجل خلاص الجنس البشري.”

وقد تعامل مجمع عام 680 – 681م مع مسألة ’إرادة‘ و’فعل‘ المسيح، على أساس مبدأ لاهوتي هام وهو أن الطبيعتين اللتين تكوَّن منهما المسيح كانتا حقيقيتين وكاملتين. وبكونهما طبيعتين حقيقيتين وكاملتين، فإن كلاً من اللاهوت والناسوت كانت له خواصه وملكاته الخاصة به بدون أي نقصان.

وكانت القدرة على الإرادة والفعل موجودة في اللاهوت وكذلك في الناسوت أيضاً، ولذلك كان الله الكلمة لديه في ذاته القدرة الإلهية على الإرادة والفعل، كما أن الناسوت الذي وحَّده بنفسه كانت لديه أيضاً القدرة البشرية على الإرادة والفعل. وكان اهتمام مجمع عام 680 – 681م الواضح هو أن يؤكد هذا المبدأ اللاهوتي الأساسي، وهو الأمر الذي لم يكن محل تساؤل الإطلاق سواء بالنسبة للجانب الخلقيدوني أو غير الخلقيدوني.

ومع التسليم بتلك الحقيقة، ينبغي لنا أن نقدم بعض الملاحظات الخاصة بمجمع عام 680 – 681م:

أولاً، سواء كان رجال الجانب الخلقيدوني ـ الذين أدانهم المجمع كهراطقة ـ يرون أن ناسوت المسيح كان خالياً من القدرة على الإرادة والفعل أم لا، فالحقيقة أن البطريرك ساويروس والجانب الذي كان يدافع عنه لم تكن لديهم تلك الرؤية على الإطلاق. وعلى الرغم من أنهم كانوا بالفعل يصِّرون على تعبير ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘، إلا إنهم كانوا يؤكدون في نفس الوقت أن الطبيعتين كانتا حقيقيتين وكاملتين، بحيث أنه في المسيح الواحد كانت توجد كلتا الخواص والقدرات الإلهية والبشرية بدون أي نقصان، ويمكننا أن نميِّز بينهما على مستوى الذهن (الفكر).

كما أكدوا أيضاً أن طاعة المسيح لإرادة وعمل الآب كانت أمراً لا غنى عنه لأجل خلاص العالم.  وعلاوة على ذلك كانوا يرون (أي البطريرك ساويروس وبقية الجانب غير الخلقيدوني) أن آلام المسيح وموته هي الوسيلة التي تمم بها فداء الجنس البشري. وبالإضافة إلى كل ما ذكرناه، أوضحوا أنه لا يوجد هناك اختلاط أو انقسام في المسيح الواحد، مما يعني أن الناسوت ظل ناسوتاً دون أن يختلط مع اللاهوت في المسيح الواحد، والعكس بالعكس. 

وغني عن البيان هنا أنه لم يكن من الممكن لغير الخلقيدونيين أن يقدِّموا كل تلك التأكيدات بدون أن يكون لها أساس حقيقي. وهكذا فكما كانت عبارتهم “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” لا تتضمن أي تجاهل أو رفض لأي من الطبيعتين، فكذلك لم يكن القصد من تعبيري ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘ هو تأكيد ضياع أو سلبية إحدى الحقيقتين اللتين دخلتا في الإتحاد.

وبحسب وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، فإن ’الإرادة‘ و’الفعل‘ هما التعبير (expression) عن ملكة الاختيار وملكة العزم (على الفعل) (volitional and conative faculties)، المتأصلتين في كل طبيعة، ولكن الشخص أو الهيبوستاسيس هو الذي يظهرهما.

فملكتا الاختيار والعزم (على الفعل) لكل من اللاهوت والناسوت كانتا كاملتين بدون أي نقصان أو اختلاط في المسيح الواحد الذي يقوم أقنومه الواحد بالتعبير عنهما.* ولم يكن تقليد غير الخلقيدونيين (السكندري) يتحدث عن ’إرادتين طبيعيتين‘ و’فعلين طبيعيين‘ لأن ذلك من وجهة نظرهم يتضمن وجود شخصين، ولكن هذا لم يكن يعني أنهم أكدوا على وجود طبيعة إلهية ناقصة أو طبيعة بشرية متقلصة، بل قد أنكروا كلا الوضعين قطعياً. وكان اهتمامهم الأول هو الاعتراف بحقيقة الطبيعتين وكمال كل منهما، بدون التخلي عن تأكيد وحدة المسيح.

وقد يكون الإصرار على تعبيري ’إرادتين طبيعيتين‘ و’فعلين طبيعيين‘ جائزاً لدى اللاهوتيين المنتمين للتقليد المؤسس على الخطاب العقائدي للبابا ليو، ولكن هذان التعبيران بالنسبة للذين نشأوا على التراث اللاهوتي الكيرلسي، كانا من الممكن أن يتضمَّنا تقسيماً للمسيح الواحد إلى مركزين للوجود والفعل.

وهكذا مثلما كان مجمع خلقيدونية متعجلاً جداً في تبني عبارة ’في طبيعتين‘، كان مجمع عام 680 – 681م هو الآخر متسرعاً جداً في التأكيد على عقيدة ’إرادتين‘ و’فعلين‘، وإدانة عقيدة ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘ بدون فحص مدقق للقضية محل النقاش.

ثانياً، زعم المجمع أنه يؤكد أن هيبوستاسيس المسيح هو واحد. وقد أصر المجمع في الحقيقة على أن كلاً من المعجزات والآلام هي لنفس الشخص أو الهيبوستاسيس، ولكنه ذكر في نفس الوقت أيضاً أن كل طبيعة تريد وتفعل الأشياء اللائقة بها. فما هو إذن الهيبوستاسيس؟ أليست الطبيعتان اللتان تريدان وتفعلان هما هيبوستاسيسين؟ وهل يختلف هذا الهيبوستاسيس الواحد (الذي تكلموا عنه) من أي ناحية عن البروسوبون الواحد الخاص بالمدرسة النسطورية؟

وينبغي علينا، ونحن نطرح هذه الأسئلة، أن نتذكر أن تلك كانت إحدى الأمور التي أشار إليها البطريرك ساويروس ضد مجمع خلقيدونية، وقد فشل مجمع عام 680 – 681م في الرد عليها. ولكن يزعم كل من يوحنا النحوي ويوحنا الدمشقي أن لديهما إجابات مرضية على تلك الأمور.

 

3. يوحنا النحوي:

يوحنا النحوي، هو أحد رجال الجانب الخلقيدوني في بدايات القرن السادس، وقد أخذ على عاتقه مهمة الدفاع عن مجمع عام 451م ضد البطريرك ساويروس الأنطاكي. ويعتبر يوحنا النحوي هو الشخص الذي وضع الأساس لكل تطور لاحق في التعليم الخريستولوجي الخلقيدوني.

(أ) تعريف المصطلحات:

إن الفقرات التي اقتبسها البطريرك ساويروس من كتاب يوحنا النحوي، لا تحتوي في الواقع على إشارات كافية نستطيع من خلالها أن نصل إلي تعريف شامل لمعاني المصطلحات عنده. ولكن كانت هناك فقرة واحدة قام فيها النحوي بتعريف مصطلحات ’أوسيا‘، و’هيبوستاسيس‘ و’فيزيس‘ نوردها فيما يلي:[14]

“يدل ’الأوسيا‘ على ما هو عمومي (the common) مثل اللاهوت الواحد الذي للثالوث القدوس أو مثل الناسوت بصفة عامة. أما ’الهيبوستاسيس‘ فيشير إلى ’البروسوبون‘ الواحد الذي للآب، و(البروسوبون) الذي للابن و(البروسوبون) الذي للروح القدس؛ أو أيضاً الذي لبطرس أو يوحنا أو أي رجل. وتُعرَّف ’الفيزيس‘ في بعض الأحيان مع الأوسيا وفي بعض الأحيان مع الهيبوستاسيس”.

ونلاحظ من التفسير المبدئي لتلك الفقرة الواضحة، أنه لا يوجد أي فرق ظاهر في تعريف المصطلحات اللاهوتية بين البطريرك ساويروس ويوحنا النحوي. وحتى يوحنا الدمشقي كان يمكنه أيضاً أن يتفق معهما في ذلك التعريف.

ولكن عند استخدام هذه المصطلحات في التفسيرات المتعلقة بشخص المسيح، نجد أن البطريرك ساويروس يختلف مع النحوي في أمرين على الأقل:

الإختلاف الأول: عندما يشير النحوي إلى ’العمومي‘ كمدلول للأوسيا فإنه يأخذه في المعنى المجرد، لذلك استطاع أن يعترف بإمكانية تصور ’الأوسيا‘ (لنوع ما) قائماً بذاته بعيداً عن كل الأعضاء الفردية لذلك النوع. وقد جعله هذا (التصور) يأخذ مصطلح ’طبيعة‘ أو ’فيزيس‘ في عبارتي “من طبيعتين” و”في طبيعتين” بمعنى ’الأوسيا‘ كحقيقة عامة مجردة (وليست مخصخصة).

ولذلك كتب النحوي: “وهكذا كان في المسيح اتحاد لإثنين من الأوسيا”.[15] وعلى النقيض من هذا، كان البطريرك ساويروس معارضاً لهذا الفهم،[16] حيث وجد ـ في ضوء تعريفه للمصطلحات السابقة ـ أنه إذا أخذنا الطبيعتين بمعنى ’الأوسيا‘ (كحقيقة عامة) فإنه من المستحيل أن نتصور إمكانية أن يتحدا ’هيبوستاسياً‘.[17]

الاختلاف الثاني بين النحوي والبطريرك ساويروس نراه في إدعاء الأول أن مصطلح ’طبيعة‘ الذي ورد في عبارة ق. كيرلس “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” لم يكن بمعني ’الأوسيا‘، رغم أن هذا كان هو معنى الكلمة في عبارتي “من طبيعتين” و”في طبيعتين”، وقد عبَّر النحوي عن ذلك بقوله:[18]

“ولذلك عندما يتكلم ق. كيرلس عن ’الطبيعة‘ بذاتها بدون إضافة كلمات “لله الكلمة”، فهو يشير إلى ’الأوسيا‘ وبالتحديد عمومية اللاهوت”.

ويصر البطريرك ساويروس في رده على النحوي في تلك النقطة على أن ق. كيرلس لم يأخذ مصطلح ’طبيعة‘ في الإشارة إلى المسيح، إلا فقط بمعنى حقيقة أقنومية (hypostatic reality). ولا توجد فقرة واحدة في الاقتباسات التي أوردها البطريرك ساويروس (من كتاب يوحنا النحوي) توضح المعنى الذي كان يراه يوحنا لكلمة ’طبيعة‘في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.

ولكن يمكننا من سياق الكلام، أن نفترض أنه كان يأخذها بمعنى ’هيبوستاسيس‘. ويرى يوحنا الدمشقي أن كلمة ’طبيعة‘ التي في العبارة لا تعني ’العمومي‘ الذي نجده في أشخاص الثالوث الثلاثة ولا تعني شخص الله الكلمة، ولكنها هي “الطبيعة العمومية التي تعتبر بكمالها في شخص الكلمة”.[19]

وحيث إن الابن له نفس الأوسيا الواحد الذي للآب وللروح القدس، فإن عبارة الدمشقي تعتبر عبارة مضللة، لأنه على سبيل المثال ما هو الفرق بين ’العمومي‘الذي نجده في أشخاص الثالوث الثلاثة والطبيعة العمومية التي تعتبر بكمالها في شخص الكلمة أو الابن؟. ومع ذلك كان التمييز بين لاهوت الابن (أي الأوسيا) والابن نفسه (أي الهيبوستاسيس) يتضمن تعليماً ينبغي التسليم به، وكان البطريرك ساويروس وبقية اللاهوتيين غير الخلقيدونيين يؤيدون هذا المفهوم بدرجة لا تقل عما يفعله يوحنا الدمشقي.

وما يجب أن نؤكد عليه هنا هو إصرار البطريرك ساويروس الأنطاكي على أن كلمة ’فيزيس‘ أو ’طبيعة‘ عند ق. كيرلس ينبغي أن تؤخذ في جميع العبارات (التي تشير للمسيح) بمعنى حقيقة محددة (concrete reality) وليس بمعنى الحقيقة العامة المجردة.

ومن الثابت أن ق. كيرلس واللاهوتيين غير الخلقيدونيين وكذلك يوحنا الدمشقي نفسه كانوا يرفضون فكرة أن ناسوت المسيح أُحضر للوجود منتمياً لشخص بشري قبل أن يُوحَّد بالله الابن، ولكن البطريرك ساويروس كان يصر على أن الناسوت الذي اتخذه الكلمة في التجسد كان في الحالة الأقنومية أي أنه كان ناسوتاً مخصخصاً ومتفرداً (individuated manhood). وبهذا التأكيد حفظ البطريرك ساويروس الحالة الأقنومية للناسوت بدون الوقوع في عقيدة وجود شخصين في المسيح.*

أما بالنسبة لمصطلح ’بروسوبون‘، فلا تحتوي الاقتباسات (التي أوردها ساويروس عن النحوي) على كثير من الأدلة التي نستطيع من خلالها أن نحدد وجهة نظر النحوي. وقد ذُكر هذا المصطلح في فقرة واحدة جاء فيها:[20]

“والهيبوستاسيس الذي تكوَّن، ينبغي أن نفهمه كبروسوبون”. فهل يعني هذا أن ’الهيبوستاسيس‘ والبروسوبون‘ هما مترادفان عند النحوي؟ أم يعني أنه عندما يتكون الهيبوستاسيس يصبح له البروسوبون الخاص به؟ والمفهوم الأخير  ـ كما ذكرنا ـ كان هو المفهوم الذي يتمسك به البطريرك ساويروس.

 

(ب) نقد الموقف غير الخلقيدوني:

كان يوحنا النحوي يتهم الموقف غير الخلقيدوني ـ الذي يعبِّر عنه البطريرك ساويروس ـ بالتمسك بخطأين:

أولاً: قام النحوي بتفسير مصطلح ’طبيعة‘ بمعنى ’الأوسيا‘، ثم أصر على أن البطريرك ساويروس والجانب غير الخلقيدوني عندما يؤكدون على “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” ويستبعدون “في طبيعتين”، فإنهم بذلك يعترفون بعقيدة  (وجود) أوسيا واحد في المسيح، حيث يقول النحوي:[21]

“هو (أي ساويروس) يتكلم عن أوسيا واحد للجسد والروح. وبنفس الطريقة هو يعتبر أن الرب واحد مع جسده. فمن الجلي أنه يقصد أوسيا واحد وليس بروسوبون (واحد) كما يتضح من الأدلة التي أظهرها”.

ويكرر النحوي هذا الإدعاء مراراً فنجده يقول: “وهو (أي ساويروس) لا يتنازل عن (مفهوم) ’الأوسيا الواحد‘، ولكنه يخلط ويفسد كل الأشياء. فكل شيء (عنده) هو جسد فقط؛ وقد حاول التملص من الروح العاقل.[22]

وقد أورد البطريرك ساويروس العبارة السابقة مع العديد من الاقتباسات الأخرى من كتاب النحوي ـ كما ذكرنا سابقاً[23] ـ والتي وجه من خلالها النحوي نفس اتهامه. وقد تحدى البطريرك ساويروس منتقده إن كان يستطيع أن يريه مثلاً واحداً على الأقل، سواء في كتاباته أو كتابات أي واحد من المقبولين في الجانب غير الخلقيدوني، يؤيد اتهامه هذا. وهكذا أنكر البطريرك ساويروس بشدة المعنى الذي رآه النحوي عنده، وهو الاعتراف (بوجود) ’أوسيا واحد‘ في المسيح.

ثانياً: اتهم يوحنا النحوي البطريرك ساويروس الأنطاكي أن تعــريفه لمصطلــح ’طبيــعة‘ بمعني واقـــــع خـــــــــاص محدد (concrete particular)، هو ضد تعليم الآباء. وقد كتب النحوي: “لقد تعلمنا من الآباء أن المسيح واحد في ذات الجوهر مع الله الآب وواحد في ذات الجوهر معنا. وهم لم يعلِّموا أن الابن له ذات الهيبوستاسيس مع الآب ولا أن له ذات الهيبوستاسيس معنا.”[24]

وفي رده على هذا الإتهام أقر البطريرك ساويروس ـ متفقاً مع النحوي ـ أن الآباء لم يعلِّموا أن الابن له ذات الهيبوستاسيس مع الآب ولا أن له ذات الهيبوستاسيس معنا.* وأكد البطريرك ساويروس أن تفسيره للعقيدة لم يتضمن أي من هذين المعنيين، وأضاف أن الآباء على النقيض من ذلك علَّموا أن:[25]

“المسيح هو واحد في ذات الجوهر مع الآب فيما يخص اللاهوت، وكذلك واحد في ذات الجوهر معنا نحن البشر فيما يخص الناسوت. وهذا لأنه بغير تغيير وبغير تقسيم هو واحد من كلا اللاهوت الذي للكلمة والجسد البشري الواحد الذي اتخذه من مريم الذي هو جسد مُحيَ بروح مفكر وعقل”.

فالله الابن هو الذي صار متجسداً، وحيث إن الابن واحد في ذات الجوهر مع الله الآب، لذلك فإن المسيح ’الابن المتجسد‘ هو واحد في ذات الجوهر مع الله الآب. وعلى نفس النحو، فإن ناسوت المسيح بكونه الأوسيا البشري الكامل الذي تفرد وتخصخص (individuated) في الاتحاد مع الله الابن، فهو يظل متواصلاً مع بشريتنا. ولهذا فإن يسوع المسيح هو في نفس الوقت له ذات الجوهر مع الآب وله ذات الجوهر معنا. وإذا أخذنا مصطلح ’طبيعة‘ بمعنى واقع خاص معين، فإن ذلك لا يتضمن معنى أن المسيح له ذات الهيبوستاسيس مع الآب وله ذات الهيبوستاسيس معنا.[26]

(ج) شخص يسوع المسيح:

لقد أكد النحوي على حقيقة لاهوت المسيح وناسوته. فبكونه الله، هو الابن الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس، الذي له ذات الجوهر مع الآب ومع الروح القدس. ولذلك فإن الابن له نفس الأوسيا بكماله كما هو الحال بالنسبة للآب.

وكتب النحوي:[27] “نحن نعترف أن كل هيبوستاسيس هو يملك كل مضمون (فحوى) اللاهوت”. ولذلك عندما نقول أن “الثالوث له ذات الجوهر الواحد”، فنحن نعني أن “نفس الأوسيا مُتضمَّن بالكامل” في كل واحــد من الأقــــانيم الثـــلاثة. “فالآب له الأوســـيا بكمـــــاله (in perfection)، وكذلك أيضاً لكل من الابن والروح القدس الأوسيا بكامله. ولهذا فإن الآب هو إله كامل؛ والابن هو إله كامل؛ والروح القدس هو إله كامل.” وكان النحوي واضحاً في أن “الآب ليس هو الذي صار متجسداً”، لأن الابن ليس هو الآب، ولا هو الروح القدس. “إنه الابن هو الذي صار متجسداً”، وهو (أي الابن) الذي له ’أوسيا‘ اللاهوت كاملاً. ولذلك نحن نقول مع بولس الرسول أن كل ملء اللاهوت كان موجوداً في يسوع المسيح جسدياً.[28]

وبعد تأكيده على ألوهية المسيح، مضى النحوي ليشرح بشريته، وتساءل: “كيف يمكننا ونحن نعترف أنه إنسان تام كامل، ألاّ نقر أن فيه كل ’أوسيا‘ الناسوت؟ لأنه لم يتخذ جزءاً من الناسوت كما ادعى أبوليناريوس أي جسداً بدون روح عاقل، ولكنه اتخذ ’الأوسيا‘ بكامله أي جسد ممنوح روحاً عاقلاً ومفكراً. وحيث إن هذا هو الموجود تماماً في كل الكائنات البشرية كحقيقة عمومية، لذلك يشار إليه بـ ’الأوسيا‘. وهم (أي الكائنات البشرية) لا يتمايزون الواحد عن الآخر في ’الأوسيا‘، وإنما في الصفات الخاصة التي تصاحبهم أي الحجم واللون وتلك هي التي تُذكر كمواصفات للبروسوبون.”[29]

وهنا ينبغي علينا أن نلاحظ نقطتين أكد عليهما النحوي بالنسبة لناسوت المسيح. النقطة الأولى هي كمال ناسوت المسيح، وبالتالي فإن كل الخواص والقدرات (الملكات) التي تصاحب الناسوت الكامل كانت في ناسوت المسيح بدون أي نقصان. ولم تكن هذه النقطة محل خلاف بين النحوي والبطريرك ساويروس ولا بين الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني. أما النقطة الثانية فكانت اصراره على أن الأوسيا هو ’الحقيقة العمومية‘ التي في كل البشر.

وقد أخذ النحوي هنا ناسوت المسيح بمدلول ’الأوسيا‘ بالمعنى المجرد بدون التسليم بأنه (أي الناسوت) هو ’هيبوستاسيس‘. ومن الواضح أنه كان مهتماً بتجنب عقيدة وجود ’هيبوستاسيسين‘ أو شخصين في المسيح الواحد.

ويبدو أنه قد ميَّز بين ’الهيبوستاسيس‘ والحقيقة الخــــاصة المحددة (concrete particular)، لذلك اعترف أن ناسوت المسيح كان واقعاً خاصاً محدداً، أي جسداً أُعطي روح عاقل مفكر (ولكنه مع ذلك لم يعترف به كهيبوستاسيس).* وعلى الجانب الآخر كان البطريرك ساويروس يستطيع أن يعترف ليس فقط أن ناسوت المسيح كان واقعاً خاصاً محدداً، ولكنه أيضاً كان في الحالة الأقنومية (hypostatic).

وقد تجنب البطريرك ساويروس ـ كما ذكرنا ـ عقيدة وجود شخصين (في المسيح)، أولاً بالإصرار على أن الناسوت أصبح في الحالة الأقنومية فقط في الإتحاد مع الله الكلمة، وثانياً من خلال مفهومه عن ’الهيبوستاسيس المركب‘. ومن هنا نرى أن كلاً من الرجلين يوحنا النحوي والبطريرك ساويروس كانا متفقين مبدئياً في مفهومهما اللاهوتي حتى فيما يخص النقطة الثانية، ولكنهما كانا يختلفان في مسألة الحالة الأقنومية لناسوت المسيح.

أما بالنسبة للعبارات الخريستولوجية، فكان النحوي واضحاً في أن كلتا العبارتين “من طبيعتين” و”في طبيعتين” مقبولتين، وأن مصطلح ’طبيعة‘ يشير إلى ’العمومي‘. وحيث إن ناسوت المسيح لم يكن بالنسبة له ’هيبوستاسيس‘، فقد أصر النحوي على أنه لم يكن ناسوت إنسان (مستقل) معين (particular man)، وكان هذا أيضاً هو ما أكده مراراً كل من البطريرك ساويروس ومار فيلوكسينوس أسقف منبج.

وكان البطريرك ساويروس هو الذي ركز على مفهوم أن الناسوت كان ’في الحالة الأقنومية‘، أما مار فيلوكسينوس فقد أكد على الخاصية ’المركبة‘ (composite) التي للمسيح ولكنه لم يتناول الحالة ’الأقنومية‘ لناسوته. وكان مار فيلوكسينوس في الحقيقة يمثل موقفاً خريستولوجياً أقل نضجاً من البطريرك ساويروس الأنطاكي في تلك النقطة بالتحديد.

وهناك نقطة أخرى لها صلة بالموضوع نفسه يتعين علينا أن نذكرها هنا، وهي أن يوحنا النحوي قد يكون أول لاهوتي خلقيدوني ـ ممن وصلت كتاباتهم إلينا ـ يُسلِّم بأرثوذكسية عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”. وحينما أقر النحوي بهذا الأمر، كان يؤكد أيضاً أن المعنى الذي أستخدم فيه ق. كيرلس هذه العبارة لا يتعارض مع عبارة مجمع خلقيدونية “في طبيعتين”.

وفي الحقيقة حاول النحوي من خلال زعمه بسلطة وشرعية صيغة إعادة الوحدة ومن خلال الاعتماد على دفاع ق. كيرلس عن تعبير “طبيعتين” الوارد فيها، أن يدافع عن مجمع خلقيدونية من خلال الإدعاء بأن ق. كيرلس كان يعلِّم بأنه “لا فرق بين التأكيد على طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، وبين الاعتراف بأن عمانوئيل هو بغير تقسيم متحد في طبيعتين”.[30] وأقر النحوي ـ كما رأينا ـ أن صيغة “طبيعة واحدة” هي صيغة ضرورية بالضبط مثل صيغة ’طبيعتين‘ من أجل الحفاظ على الأرثوذكسية، فالأولى لأجل استبعاد النسطورية والثانية لنبذ الأوطيخية.[31]

ومن وجهة نظر البطريرك ساويروس، كانت الصيغتان تتناقضان مع بعضهما البعض، ولذلك فإنه من غير الممكن أن تكون كلتاهما أرثوذكسيتين في نفس الوقت. وهكذا انفصل البطريرك ساويروس الأنطاكي ويوحنا النحوي عن بعضهما (في الفكر) بدون أن يدركا أنهما كانا بطريقة أو بأخرى متفقين في جوهر الشرح اللاهوتي.

أما القضية الوحيدة بينهما التي كانت بالفعل تحتاج إلى تسوية فلم تكن مسألة ’المونوفيزيتيزم‘ (الطبيعة الوحيدة) في مقابل ’الديوفيزيتيزم‘ (الطبيعتين)، ولكن القضية كانت في التساؤل عن مَن يكون هيبوستاسيس المسيح الواحد. وقد حاول النحوي أن يؤكد أن الهيبوستاسيس الواحد كان هو هيبوستاسيس الله الكلمة الذي بالإضافة لطبيعته الإلهية وحَّد بنفسه ناسوتاً كطبيعة ثانية.

أما البطريرك ساويروس على الناحية الأخرى فكان يصر أنه (أي الهيبوستاسيس الواحد) كان هو الهيبوستاسيس المتجسد لله الكلمة* وهو بذلك كان هيبوستاسيس ’مركب (composite)‘.

 

*  وهما المجمع الخامس والمجمع السادس في سلسلة المجامع السبعة التي يعترف بها الجانب الخلقيدوني والتي بدأت بمجمع نيقية عام 325م.

[1] David Beecher Evans: Leontius of Byzantium: An Origenist Christology, Dumbarton Oaks Studies, Thirteen, 1970.

[2]  المرجع السابق صفحة 146.

[3] St., John of Damascus: writings, Tr., Frederic H. Chase, Jr., NewYork, 1958.

[4]  انظر صفحة 376.

[5]  مرجع سابق.

[6]  انظر صفحة 272 وما يليها.

[7]  من الأسلوب الذى اتبعه هذا المجمع في تقييم اللاهوتيين غير الخلقيدونيين بشكل غير صحيح، يمكننا أن نتساءل عما إذا كان المجمع قد أخطأ أيضاً في تفسيره لموقف هؤلاء الرجال.

[8] Nicene and post-Nicene Fathers, sec. ser., vol. XIV, p. 344.

[9] المرجع السابق صفحة 344.

[10] المرجع السابق صفحة 344.

[11] الرجال المشار إليهم هم:

Theodorus of Pharan; Sergius, Pyrrhus, Paul and Peter of Constantinople; Honorius of Rome; Cyrus of Alexandria; Macarius of Antioch; Stephen; and Polychronius.

[12] هل من الممكن أن يكون هذا بالفعل هو إعتقادهم؟.

[13] عن ثيميستيوس انظر صفحة 508.

*   إذاً كانت الإرادة والفعل من وجهة نظر الجانب الخلقيدوني هما من ملكات الطبيعتين، ولذلك كان يصر على أن المسيح له إرادتان وفعلان. ولكن من وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، فإن الإرادة والفعل هما التعبير عن ملكتي القدرة على الاختيار والقدرة على الفعل، وحيث إن التعبير يخص الهيبوستاسيس الواحد لذلك فهو تعبير واحد، أي إرادة واحدة وفعل واحد. لأن الهيبوستاسيس هو الذي يستطيع فقط أن يُظهر الإرادة والفعل (أي يجعلهما واقعاً).

فالقدرة على الاختيار والقدرة على الفعل هما من الملكات العامة للطبيعة ولكن الهيبوستاسيس هو الذي يُظهر الإرادة ويعبر عنها ويظهر الفعل ويعبر عنه

[14] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 145.

[15] المرجع السابق صفحة 146.

[16] انظر صفحة 462 ومايليها.

[17] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 200.

[18] المرجع السابق صفحة 166.

[19] John of Damascus, op. cit., p. 291.

*   القول بأن الناسوت كان في الحالة الأقنومية لا يعني أنه كان أقنوماً مستقلاً أٌضيف إلى أقنوم الكلمة وإنما يعني أن الناسوت أُوجد في التجسد مخصخصاً ومتفرداً وليس بالمعنى العام المجرد.

[20] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 179, 199.

[21]  المرجع السابق صفحة 34.

[22]  المرجع السابق صفحة 38.

[23]  انظر صفحة 462.

[24]  المرجع السابق صفحة 252.

*   من الواضح أن مصطلح ’طبيعة‘ عند النحوي كان يعني نفس معنى الأوسيا (الحقيقة العامة المجردة)، ولذلك كان يفسر عبارة “في طبيعتين” بمعنى في جوهرين واعتبر أن طبيعة واحدة إنما تعني “أوسيا واحد”.

ويبدو أنه رأى أن عبارة واحد مع الآب في الجوهر وواحد معنا في الجوهر هي مرادف لواحد مع الآب في الطبيعة وواحد معنا في الطبيعة، لأنه حينما وجد تفسير ساويروس للطبيعة بأنها وجود خاص محدد، رأى أن هذا هو مدلول ’الهيبوستاسيس‘ وكان ذلك يعني بالنسبة له أن المسيح له نفس الهيبوستاسيس مع الآب وله نفس الهيبوستاسيس معنا.

[25] المرجع السابق صفحة 253.

[26] المرجع السابق صفحة 255.

[27] المرجع السابق صفحة 153.

[28] كولوسى 2: 9.

[29]  Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 154.

*   انظر الفرق بين يوحنا النحوي والبطريرك ساويروس في تفسيرهما لمدلول الهيبوستاسيس في الملحق الموجود في نهاية الكتاب.

[30] المرجع السابق صفحة 107- 108.

[31] انظر المرجع رقم 3 صفحة 459.

*  كان البطريرك ساويروس يتبع في ذلك تعليم ق. كيرلس الذي ذكر في رسالته الثالثة إلى نسطوريوس أن كلا الأقوال الإنسانية والأقوال الإلهية قد قيلت بواسطة شخص واحد هو هيبوستاسيس الكلمة الواحد المتجسد (الهيبوستاسيس المركب).

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1

طبيعة الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

طبيعة الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

طبيعة الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

استمراراً للمناقشة التي بدأناها في الفصل السابق، سوف نكمل هنا كيف كان الجانب غير الخلقيدوني يشرح موقفه اللاهوتي من خلال العبـــارات المقبولة لديه. فبينما كانوا ـ كما رأينا ـ يرفضون العبارة الأنطاكية “طبيعتين بعد الاتحاد”، كانوا يصرون على عبارة “من طبيعتين”، وعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، وأثناء موافقتهم على هاتين العبارتين أكدوا كذلك على مصطلحات “الاتحاد الهيبوستاسي”، و”هيبوستاسيس واحد”، و”طبيعة واحدة مركبة أو هيبوستاسيس واحد مركب”.

والحقيقة أنه منذ القرن السادس قام الجانب الخلقيدوني ـ الذي في الشرق على الأقل ـ بالتسليم بأرثوذكسية كل تلك العبارات التي يتبناها الجانب غير الخلقيدوني. ومع ذلك فقد حاول الجانب الخلقيدوني أن يبين أن رفض الجانب غير الخلقيدوني لمجمع خلقيدونية وطومس ليو بالإضافة إلى رفضه لعبارة “في طبيعتين” إنما كان نتيجة تمســـكهم بهــرطقة الطبــيعة الوحــــيدة (monophysite heresy)، كما اعتبر الغرب أن دفاعهم عن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة”، يعد أساساً كافياً لوصفهم كلهم معاً بـ ’المونوفيزيتيين‘.

فهل من الممكن تبرير وإثبات هذا الرأي الخلقيدوني؟.

ولكي نقوم هنا ببحث هذا السؤال، سنعتمد على الرجوع إلى فهم الجانب غير الخلقيدوني نفسه لتلك العبارات التي يتبناها.

 

2. عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”:

لقد أكد الكثير من العلماء المعاصرين[1] أن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كانت قد صيغت في الأصل بواسطة المدرسة الأبولينارية. وحتى إذا سلمنا بهذا الاحتمال، فينبغي أن ننتبه إلى أن الأصل غير الأرثوذكسي لمصطلح ما أو وثيقة ما لا يُعد سبباً وجيهاً لرفضه بواسطة الفكر اللاهوتي الأرثوذكسي. وعلى سبيل المثال، كان التعبير النيقاوي ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘ (هوموأووسيوس تو باتري)، جزءاً من المفردات الفالنتينية (التي تخص أتباع فالنتين)،[2] بل والأكثر من ذلك أنها أُدينت بواسطة مجمع أنطاكيا الذي حرم بولس السموساطي عام 268م.

وبالرغم من ذلك قام مجمع نيقية عام 325م بتبني تلك العبارة، وبعد حوالي نصف قرن من الصراع العنيف قامت الكنيسة بالتصديق عليها في مجمع القسطنطينية عام 381م. ولهذا فإن الأمر محل الاهتمام بالنسبة لمصطلح ما، ليس هو كيفية نشوئه، وإنما المعنى الذي يُنسب إلي ذلك المصطلح والحاجة اللاهوتية لتأكيد فكرة ما (بواسطته).

وفي القرن الخامس، نُظر إلى عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كجزء من التراث اللاهوتي للبابا أثناسيوس، وقد تبناها البابا كيرلس كأداة لغوية لا غنى عنها لشرح الفهم الأرثوذكسي لشخص يسوع المسيح، وخاصة في مواجهة التعاليم النسطورية، ولذلك كانت تلك العبارة بالفعل أساسية وحاسمة بالنسبة لكيرلس والذين يتفقون معه في الفكر اللاهوتي.

وعلى الرغم من أن مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م وكذلك مجمع خلقيدونية قد تجاهلا بوضوح تلك العبارة، إلاّ أن المدافعين الشرقيين عن مجمع خلقيدونية في القرن السادس ادعوا أنه كان هناك اعتراف بها، وزعموا أن وضع تلك العبارة بجانب عبارة المجمع “في طبيعتين” كان له أهميته في استبعاد النسطورية.[3]

وعلى الجانب الآخر، أكد القادة غير الخلقيدونيين أن هاتين العبارتين أي “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” و “في طبيعتين” تتعارضان مع بعضهما البعض في المعنى، ولهذا لم يعطوا أهمية كبيرة لدفاع الجانب الخلقيدوني عن العبارة الأولى.

والحقيقة أن كل قادة الجانب غير الخلقيدوني قاموا بالدفاع عن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، ومن الواضح أيضاً أنهم وبينما هم يفعلون ذلك لم يتجاهلوا (أو ينكروا) ناسوت المسيح.

وعلى سبيل المثال، نجد أن البابا ديسقوروس يؤكد أن المسيح طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، ولكنه يصر في نفس الوقت على أنه يتركب من اللاهوت والناسوت، وأنه في المسيح الواحد استمرت الطبيعتان بدون اختلاط أو امتزاج من ناحية وبدون تقسيم أو انفصال من الناحية الأخرى.

وبكلمات أخرى، كانت الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة هي نفسها نتيجةً لاتحاد الطبيعتين اللتين كانتا حقيقيتين بلا أي تقسيم أو اختزال في المسيح الواحد. ولهذا فبالنسبة للبابا ديسقوروس، لم يكن هناك محل للتساؤل الخاص بمَنْ مِن الطبيعتين قد أُبعد أو أُهمل.

وكان البابا تيموثاؤس إيلوروس ـ كما رأينا ـ مدافعاً لا يلين عن وحدة المسيح، ولكنه في تبنيه لهذا الموقف لم يستبعد أياً من الطبيعتين، وإنما في الحقيقة أقر بالوجود الديناميكي للاهوت والناسوت ـ بدون اختلاط أو أنفصال ـ في المسيح الواحد، وكان تأكيده فقط ينصب على أن الناسوت لم يوجد بمفرده مستقلاً عن الله الابن.

أما مار فيلوكسينوس، اللاهوتي السرياني ـ الذي كان التجسد هو العقيدة المحورية في تعليمه اللاهوتي ـ فقد أصر هو الآخر بثبات على وحدة المسيح. وبينما كان يرفض التقسيم النسطوري (للمسيح)، استبعد بنفس القوة الاختزال الدوسيتي (للمسيح) عند الأبوليناريين والأوطيخيين. وقد نسب مار فيلوكسينوس للكلمة المتجسد ـ في تعبيرات قوية ـ كل القيود التي تخص الطبيعة البشرية ماعدا الخطية. وسنورد هنا فقرتين تؤيدان هذه الفكرة من كتابات أسقف منبج، هذا إلى جانب العديد من الفقرات التي ذُكرت قبلاً.[4]

“ولأن الرحم هو المكان الذي تتكوَّن فيه الكائنات البشرية، فقد نزل أيضاً وسكن هناك. وحيث إن الكائنات البشرية تنشأ وتُخلق من الجسد، فهو كذلك نشأ فيه وصار إنساناً. وقد حُبل به في الرحم، ونزل من البطن كرضيع؛ وحُمل كطفل على الركب والأيدي؛ واحتمل كل قيود الطبيعة البشرية، وضعفها ونحيبها وتوالدها وكل الأمور الأخرى المتعلقة بها”.

وقد نسب مار فيلوكسينوس الميلاد البشري لله الكلمة، لأن المسيح بالنسبة له هو وحدة (unity)، فإذا وضعنا هذه الحقيقة في أذهاننا يمكننا أن نقول إن ناسوت المسيح قد تكوَّن بالفعل وتشكَّل في الرحم. وهو قد وُلد كإنسان، وخضع لكل القيود البشرية والأرضية، ولهذا لم يكن هناك في ولادته أو في حياته في العالم أي اختزال (لبشريته).

ويركز مار فيلوكسينوس بنفس القوة في الفقرة التالية على الآلام والموت فيقول:[5]

“لقد تألم أكثر من أي واحد آخر، وكان خاضعاً للفقر والبؤس أكثر من الجميع؛ وتعرض للإهانة والاحتقار والسخرية والسب؛ وازدُري به وجُدِّف عليه؛ وحُسب كأحمق ومحتقر من هيرودس ومرافقيه ومن بيلاطس وخدامه”.

ومن هنا نرى أن مار فيلوكسينوس لم يكن لديه بالقطع أي اهتمام بأن يتجاهل أو ينكر ناسوت المسيح.

أما بالنسبة للقادة غير الخلقيدونيين، الذين قدَّموا اعتراف إيمانهم للإمبراطور جوستينيان عام 531م أثناء ذهابهم إلى القسطنطينية للاجتماع والتشاور، فقد دافعوا فيه أيضاً عن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.[6] وأكدوا “أنه من الواجب علينا، كما فعل آباؤنا من قبل، أن نعترف بوضوح بطبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، لأنه صار إنساناً بالكمال”.

وهكذا لم يكن المقصود من تلك العبارة عند هؤلاء القادة هو استبعاد الناسوت (أو تجاهله) ولكن التأكيد أنه كان كاملاً وتاماً. ومثل مار فيلوكسينوس وآخرين كثيرين، أشار أولئك القادة في اعترافهم إلى نموذج الجسد – الروح، وأصروا على أن الأمور الفائقة واللائقة بالله من ناحية والأمور الضئيلة والبشرية من الناحية الأخرى هي كلها مظاهر وتعبيرات للطبيعة الواحدة المتجسدة والهيبوستاسيس الواحد لله الكلمة. إذاً التأكيد كان على وحدة المسيح، وليس على فقدان واحدة من الطبيعتين اللتين يتركب منهما المسيح بلا نقصان.

وكان الجانب الخلقيدوني ـ كما ذكرنا ـ يرى منذ البداية أن حركة مقاومة مجمع عام 451م تمثل تحدياً خطيراً له، ولذلك حاول أن يواجهها بطرق متعددة، ومن ضمن هذه الطرق اتهام معارضي المجمع بالهرطقة. وقد أشار البطريرك ساويروس الأنطاكي في كتابه “ضد النحوي” إلى عدد من الفقرات التي أوردها النحوي في مؤلفه وينتقد فيها الكيان غير الخلقيدوني لتمسكه بعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” فقط بدون الإقرار بعبارة “في طبيعتين” الخاصة بمجمع خلقيدونية.

ويزعم النحوي أن مجمع خلقيدونية “كان مهتماً بحرم أوطيخا مع أولئك الذين كافحوا بحماس لنشر تعليمه”، وكان ذلك التعليم متضمناً في تأكيدهم على “أن اللاهوت والجسد قد ألفا ’أوسيا‘ واحد وطبيعة واحدة”.[7] وفي الحقيقة كان فهم هذا المعنى في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة”، هو السبب وراء إطلاق وصف ’المونوفيزيتيين‘ (أصحاب الطبيعة الوحيدة) على الكيان غير الخلقيدوني.

ورد البطريرك ساويروس على اتهامات النحوي بقوله:[8] “إن اتهامك يبدو وكأنه موجهاً لي، كما لو كنت قد أكدت في أماكن عديدة في كتاباتي أن الجسد المحيَ بروح عاقلة، الذي اتخذه الله الكلمة من مريم العذراء والدة الإله ووحده بنفسه، هو واحد معه في ذات ’الأوسيا‘ (الجوهر)”. ويضيف البطريرك ساويروس أنه في الحقيقة، حينما كان يناقش موضوع تركيب الإنسان في كتابه الموجه إلى نِفاليوس (Nephalius)، قد أوضح بصورة قاطعة المعنى الحقيقي المقصود في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة”.

فالطبيعة المتجسدة هي ’واحدة‘[9] ليس بسبب أن الطبيعتين قد تقلصتا إلى طبيعة ’واحدة بسيطة‘، ولكن بسبب أن “التقاء الطبيعتين ـ بدون اختلاط ـ في ’وحدة‘، أي للشخص الواحد، هو دلالة على الوجود المتزامن لكليهما معاً”.[10] ولا تتضمن صيغة “طبيعة واحدة” أي اختزال (لأي من الطبيعتين)، ولكن هي فقط للتأكيد على الوحدة التي أحدثها التقاء الطبيعتين معاً. ومن هنا نرى أن البطريرك ساويروس لم يكن أبداً في الموقف الذي كان ينتقده يوحنا النحوي الخلقيدوني.

وبتطبيق الأمر على كل الجانب غير الخلقيدوني، استمر البطريرك ساويروس يقول: فإذا أراد النحوي أن يكون هذا الاتهام مفحِماً، فعليه أن يُظهر وجود هذا الخلل (الذي يدعيه) في الموقف اللاهوتي الذي أكده وتبناه مجمع صور.[11] ولكن حقيقة الأمر أن مجمع صور عبَّر بتعبيرات قاطعة عن معارضته لـ “للاختلاط والامتزاج والتغيير والاندماج في الجوهرين (الإثنين أوسيا)، وكذلك معارضته للخيال (أي أن إحدى الطبيعتين كانت وهماً أو خيالاً)”، وبنفس القوة استبعد المجمع “التقسيم والانفصال”.

كما أثبت البطريرك ساويروس أن نفس التأكيد قد حدث أيضاً من الجانب غير الخلقيدوني في مجمع آخر بمصر.[12] ولهذا “فليس مرة واحدة ولا اثنتين ولكن عدة مرات” تكتب مجامع في سوريا ومصر إلى بعضها البعض معترفة أن “المسيح هو كلمة الله الذي صار إنساناً بالحقيقة وأصبح متجسداً، وقد اتخذ جسداً له ذات الجوهر معنا ومُحيَاً بروح عاقلة، وجعل نفسه مثلنا في كل شيء ماخلا الخطية”.

وبالتالي لم يكن الجانب الذي ينتمي إليه البطريرك ساويروس (أي غير الخلقيدوني) يُعلِّم أن المسيح هو أوسيا واحد، وأنه واحد في الجوهر مع نفسه، ولكن كان يُعلِّم أن “الذي هو واحد في الجوهر مع الآب والروح القدس فيما يخص اللاهوت، صار واحداً في الجوهر معنا فيما يخص الناسوت”.[13]

وكرر البطريرك ساويروس نفس هذه النقطة مرات ومرات في كتابه “ضد النحوي” وفي أعماله الأخرى. والسؤال الوثيق الصلة بالموضوع هنا هو: هل أقر البطريرك ساويروس أن المسيح كان “في إثنين أوسيا”؟. وفي الواقع لم يتعرض اللاهوتي غير الخلقيدوني (ساويروس) لهذا الأمر، لأن ذلك السؤال من وجهة نظره لا يمكن أن يتطرق إلى العقل.

فالأوسيا وهو يعني العمومي أو المشترك (common)، ينبغي أن “يشمل في حالة اللاهوت الثلاثة أشخاص الآب والابن والروح القدس، وينبغي في حالة الإنسان أن يتضمَّن داخله كل أفراد البشر”،[14] ولذلك أكد البطريرك ساويروس بأن الله الكلمة الذي صار متجسداً ليس هو ’الأوسيا‘، ولكن واحداً من الثلاثة أشخاص (أقانيم)، وبالرغم من أن الأوسيا يتخصخص ويتفرد في ’الهيبوستاسيس‘، إلاّ أن الثلاثة ليسوا هم نفس الهيبوستاسيس.[15] ولذلك يكون الحديث عن المسيح بكونه ’في إثنين أوسيا‘ هو غير ذي معنى.

إذاً كيف فهم البطريرك ساويروس عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”؟

لقد ناقش البطريرك ساويروس هذا الأمر في كتابه”محب الحق” (Philalathes)[16] حيث ذكر أنه: حينما تحدث الآباء عن “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، أوضحوا تماماً أن الكلمة لم يتنازل عن طبيعته”؛ ولم يتعرض لأي “فقدان أو نقصان في الهيبوستاسيس الخاص به”. وعندما أكدوا أنه ’صار متجسداً‘ أوضحوا أن “الجسد لم يكن إلاّ جسداً، ولكنه لم يأتِ إلى الوجود بنفسه (منفرداً) بمعزل عن الاتحاد مع الكلمة”.

ولذلك يكون من الصحيح أن نقول أن ” الكلمة، قبل الدهور كان بسيطاً وغير مركب”، ولكن “عندما أراد أن يشابهنا بدون خطية، أُحضر الجسد إلى الوجود ولكن ليس مستقلاً أو منفصلاً”.

وتشير عبارة ’صار متجسداً‘ إلى أخذ الكلمة للجسد من العذراء، وهو الأخذ الذي به، وُلد مسيح واحد من مريم “من طبيعتين” أي اللاهوت والناسوت، وهو في آنٍ واحد الله وإنسان، كيان واحد له ذات الجوهر مع الآب فيما يخص اللاهوت وذات الجوهر معنا فيما يخص الناسوت.

وهكذا فإن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” تؤكد ثلاثة نقاط:

  • أن الله الكلمة نفسه هو الذي صار متجسداً، بدون أن يحدث له أي تغيير.[17]

  • وهو في تجسده، لم يتخذ ناسوتاً كان قد تكوَّن من قبل في رحم العذراء. فالناسوت تكوَّن فقط داخل الاتحاد.[18]

  • أن الكلمة المتجسد هو شخص واحد (مركب)، فالذي كان “بسيطاً منذ الأزل”، أخذ في نفسه ناسوتاً محدداً وبالتالي أصبح “مركباً”.[19]

واللاهوت (الله) هو خالق وليس مخلوقاً، ولكن الناسوت هو مخلوق، وقد التقى الإثنان في وحدة في يسوع المسيح. ولهذا توجد فيه (أي في المسيح) الأشياء الإلهية والأشياء البشرية في حقيقة وكمال كل منها.

وفي الواقع، يمكننا على مستوى التأمل في المسيح الواحد أن ندركها (أي ندرك كلاً من الأشياء الإلهية والأشياء البشرية)، ولكننا لا يجب أن نتمادى لنخصص لكل طبيعة حالة مستقلة عن الأخرى، لأننا هنا لن نستطيع أن نعترف بالتجسد الذي لم يأتِ فيه الناسوت إلى الوجود بصورة منفصلة أو مستقلة.

وفي مناقشته لهذا الأمر أشار البطريرك ساويروس إلى تعليم الآباء الذين سبقوه، ومن بينهم تعليم اللاهوتيين الكبادوك.[20] وكان الآباء الكبادوك في دفاعهم عن الإيمان النيقاوي ضد إفنوميوس (Eunomius) الأريوسي قد شرحوا كيف أن الابن المساوي مع الآب، يتكلم بكلمات تحمل معنى أنه أقل من الآب.

وأكد البطريرك ساويروس أن الآباء الكبادوك في تفسيرهم لهذا الأمر لم ينسبوا الأقوال والأعمال المتواضعة للطبيعة البشرية،[21] ولكنهم نظروا إلى التجسد كإخلاء (وتدبير) للابن، وأعزوا الأقوال والأعمال (كلها) إلى الابن المتجسد. وبعد اقتباس عدد من الفقرات التي تؤيد هذا المفهوم من كتابات الآباء الكبادوك، أكد البطريرك ساويروس أنهم تجنبوا بحرص فكرة تقسيم الابن المتجسد.

وأضاف أنه على هذا النحو “أكد ق. باسيليوس أنه أصبح متجسداً وصار إنساناً، وأن كل شيء يخص التجسد هو خاص به سواء كان كلمات أو أفعال، ولكنه فصل وقت التجسد عن الوقت الذي قبل التجسد”. وأظهر البطريرك ساويروس أن ق. باسيلوس قال كذلك “أن الأشياء المتواضعة لا يمكن تطبيقها على اللاهوت، ولكن على التجسد”.[22]

فهل يمكن أن يوصف هذا الموقف أنه ’مونوفيزايت‘ (أي موقف من يؤمن بالطبيعة الوحيدة)؟. وعلى الرغم من أن هذا الوصف لم يكن قد أُطلق بعد على التقليد اللاهوتي لغير الخلقيدونيين في القرن السادس، إلاّ أن البطريرك ساويروس كان قد أدرك مقدماً ذلك الاحتمال وحاول أن يحتاط له بتكرار فقرتين اقتبسهما من كتابات ق. كيرلس. ونورد هنا إحدى هاتين الفقرتين:[23]

“حينما كنا نؤكد أن طبيعة الكلمة هي واحدة، فهل قبلنا أن نقول ذلك فقط بدون أن نضيف (كلمة) ’متجسدة‘ ومن ثم نجعل التدبير كأنه شيء بلا أهمية. ومن المحتمل أنه كان لديهم أساس ـ له ما يبرره ـ في تساؤلهم الخاص بكمال الناسوت أو كيف تم الحفاظ على (تأكيدنا على) تمام (الطبيعة) البشرية ومدلول الأوسيا الخاص بنا (في المسيح)؟. وحيث إننا ذكرنا في اعترافنا كلمة ’متجسدة‘، فليطرحوا جانباً العصا التي قد رفعوها ضدنا”.

وهكذا فعند الإشارة إلى المسيح، لا ينبغي استخدام عبارة “طبيعة واحدة” بدون كلمة ’متجسدة‘. ومن ثم فإن كلمة ’واحدة‘ المذكورة في العبارة ليست هي ’واحدة بسيطة‘؛ ولكنها الواحدة التي تتضمن كمال اللاهوت والناسوت، فيسوع المسيح ليس ’ذو طبيعة وحيدة (single-natured)‘ ولكنه هو طبيعة واحدة ’مركبة (composite)‘.

وكان ق. كيرلس قد عبَّر عن هذا المفهوم بتعبيرات جلية لا تُخطئ، وقام البطريرك ساويروس باقتباسها مرات ومرات في كتاباته، ومنها على سبيل المثال:[24]

“ولا تُستخدم كلمة ’واحد‘ للإشارة فقط إلى تلك (الأشياء) البسيطة في طبيعتها، ولكنها تُستخدم أيضاً للإشارة إلى التي لها وجود مركب، والتي يُعتبر الإنسان مثالاً جيداً لها”.

ولا يكون من الصحيح اعتبار أن كلمة ’واحدة‘ المذكورة في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، مكافئة في المعنى لكلمة ’وحيدة‘ أو مونوس (monos)‘ التي في وصف ’مونوفيزايت (monophysite)‘ (أصحاب الطبيعة الوحيدة). ويقول البطريرك ساويروس نفسه ما يلي:[25]

“وعندما يعترف بأن عمانوئيل هو طبيعة واحدة، فإنه يدرك الاختلاف بين الحقيقتين (realities) اللتين دخلتا في الاتحاد. ولكنه لا يفصل خواص الناسوت وينسبها إلى الناسوت منفرداً؛ كما لا يعزي الأمور الملائمة لله إلى اللاهوت منفصلاً، وإنما على العكس تعتبر تلك التي تنتمي للجسد وتلك التي تنتمي للاهوت أنها كلها تخص الشخص (الواحد) ككل”.

وكما ذكرنا من قبل، فقد تم الاعتراف بأرثوذكسية عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” من جانب التقليد الخلقيدوني في الشرق. وسنولي اهتمامنا في وقت لاحق بالرد على السؤال: هل يختلف التفسير الذي قدَّمه الجانب غير الخلقيدوني لتلك العبارة عن التفسير الذي قدَّمه اللاهوتيون الخلقيدونيون المعروفون أمثال يوحنا الدمشقي؟.

ولكن ما ينبغي علينا ذكره في السياق الحالي، هو أن مصطلح ’طبيعة‘ في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كان يعني بالنسبة للبطريرك ساويروس كيان متفرد مخصخص أو ’هيبوستاسيس‘.
ومنذ عصر البطريرك ساويروس أضاف القادة غير الخلقيدونيين كلمتي “أو هيبوستاسيس” مباشرة بعد كلمة “طبيعة” (one incarnate nature or hypostasis of God the Word) ليوضحوا أنهم يعتبرون أن كلمة ’طبيعة‘ الواردة في العبارة إنما تشير إلى كيان خاص متفرد. ونستشهد هنا بعبارة واحدة للبابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية كان قد كتبها إلى بولس الأسود (Paul the Black) بطريرك أنطاكيا حيث يقول:[26]

“نحن نعترف أن الله الكلمة في الأيام الأخيرة قد صار متجسداً، بدون أن يطرأ عليه أي تغيير أو اختلاط؛ وبدون أن يخضع الجسد ـ الذي وحَّده بنفسه هيبوستاسياً ـ لأي اختلاط أو امتزاج بعد الاتحاد غير الموصوف وغير المنفصل.

ولم يؤثر الاتحاد الهيبوستاسي على الاختلاف والآخرية* (otherness) الذي للطبيعتين اللتين دخلتا معاً في الاتحاد، وكذلك لم تنقسم أي منهما أو تنفصل عن الأخرى. ولكن تكوَّن عمانوئيل من الإثنتين بلا انفصال من أجلنا، وطبيعته أي الهيبوستاسيس، واحد(ة)، وهي التي تكوّنت بالتركيب (in composition)”.#

وإذا أردنا أن نجمل كل ما سبق في كلمة واحدة، نقول أن التأكيد أن يسوع المسيح هو “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” إنما كان يعني بالنسبة للجانب غير الخلقيدوني أنه هو الله الابن في حالته المتجسدة (incarnate state).

 

3. عبارة “من طبيعتين”:

كانت الفكرة من وراء عبارة “من (κε) طبيعتين” هي التأكيد على أن “الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة” تتركب (composed) من طبيعتين.

ولكن تعبير “من طبيعتين” أصبح على الرغم من ذلك محل اعتراض بسبب المعنى المضلل الذي أُشير إلي وجوده في العبارة التي نطق بها أوطيخا في مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م. ولكن غير الخلقيدونيين ـ كما رأينا ـ لم يتبنوا هذا المعنى على الإطلاق، وفي الحقيقة قد يكون أوطيخا نفسه لم يقصد أن يؤكد ذلك المعنى في كلامه.

وكان اعتراض منتقدو مجمع خلقيدونية على عبارة “طبيعتين قبل الاتحاد”، هو أنها تحمل ضمنياً معنى أن الناسوت قد أتى إلى الوجود ككيان خاص حتى  قبل الاتحاد، وكان هذا هو نفس المضمون الذي رأوه في عبارة الأنطاكيين “طبيعتين بعد الاتحاد”، ولذا كان اللاهوتيون غير الخلقيدونيين يرفضون تلك العبارة باستمرار. ونورد هنا فقرة إضافية (للبطريرك ساويروس) توضح تلك النقطة:[27]

“وليس الأمر أن هيبوستاسيسين قد تكونا (أولاً) ثم أتيا معاً بعد ذلك كهيبوستاسيس واحد. فهذا شيء معترض عليه بل وحتى غير ممكن؛ لأن اللذين تكوَّنا في انفصال وانفرادية، يبقيان إثنين. ولهذا فهو (أي المسيح) قد تكوَّن مركباً ـ بغير تغيير ـ من (الطبيعتين) المختلفتين اللتين كل منهما ليست واحدة في الجوهر مع الأخرى”.

ومن هنا نرى أن المقصود من عبارة “من طبيعتين” لم يكن هو التأكيد على الوجود الزمني المسبق للطبيعتين كحقيقتين متفردتين.

ومن خلال الفقرة التالية من كتاب البطريرك ساويروس الأنطاكي ضد النحوي (the grammarian)، ستتضح الفكرة التي كان يحاول التأكيد عليها باستخدام عبارة “من طبيعتين”:[28]

“وهو كان في أزلية مشتركة مع الآب والروح القدس، ولكنه عندما أراد أن يصير إنساناً من أجلنا ـ بينما يظل بغير تغيير كما هو عليه ـ سكن كما هو مكتوب في العذراء والدة الإله بطريقة فائقة للعقل. وبالروح القدس وحَّد بنفسه ـ من خلال اتحاد طبيعي متزامن ـ جسداً (مأخوذاً) منها له روح وعقل، وهذا الجسد هو واحد معنا في الجوهر.

ولذلك نقول عن الاتحاد أنه هيبوستاسي (أقنومي)، لأن هذا الجسد تكوَّن وأتى إلى الوجود في الاتحاد ذاته مع الكلمة الذي هو قبل الأزمنة، وفي تزامنه معه (أي مع الكلمة) أخذ الجسد تفرده المحدد (concreteness) داخل الاتحاد. وعلى هذا النحو، ومن الإثنين ـ أي من اللاهوت والناسوت ـ يُعرف المسيح بغير تقسيم بأنه عمانوئيل واحد.

وهو قد حُبل به وولد في الجسد، مثل الروح التي تُولد مع الجسد في كل إنسان. فالأولى (أي الروح) هي من جوهر مختلف عن الأخير (الجسد)، ورغم ذلك يكتمل الإنسان في طبيعة واحدة وهيبوستاسيس واحد من كليهما. وبنفس الطريقة ـ كما هو مكتوب ـ اشترك الله الكلمة في اللحم والدم وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية”.

وهكذا تبدو الفكرة التي ركَّز عليها البطريرك ساويروس في غاية الوضوح، وهو في الحقيقة يؤكدها في العديد من كتاباته. فبكونه طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، فإن يسوع المسيح يتركب من طبيعتي اللاهوت والناسوت، اللتين تتحدان فيه بنفس الطريقة التي يتحد بها الجسد والروح في كل إنسان.

وقد استخدم كل اللاهوتيين غير الخلقيدونيين في العصور القديمة نموذج (الجسد – الروح) لشرح تلك الفكرة، ولكننا ينبغي أن نقول أن هذا النموذج في الحقيقة لا يُعتبر كافياً لشرح الفكرة بصورة كاملة. فأولاً هذا النموذج يأخذ بالتقسيم الثنائي للجسد والروح المستخدم في الأنثروبولوجي* اليوناني؛ وثانياً فإن التمييز الذي يرسمه بين الجسد والروح ليس مثل الفرق بين الإنسان والله.

ولكن مع تسليمنا بكل هذا، ينبغي علينا أن نتذكر حقيقة أن هذا النموذج كان قد استُخدم على نطاق واسع ـ كمثال توضيحي للإتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح ـ بواسطة اللاهوتيين القدامى في كل من الشرق والغرب على حدٍ سواء. ففي الغرب على سبيل المثال، استخدمه (Quinquenque Vult)، أما في الشرق فقد استخدمه رجال الجانب الخلقيدوني بنفس الكثرة التي استخدمه بها معارضوهم.

وإذا بحثنا عن الفكرة التي أراد اللاهوتيون غير الخلقيدونيين توضيحها من هذا النموذج، سنجد أنها التأكيد على وحدة المسيح، فكلمات وأفعال المسيح ـ على سبيل المثال ـ كانت بالنسبة لهم هي تعبيرات لـ ’الله – الإنسان‘ (الله المتأنس). وفي الإنسان، يكون لكل من الجسد والروح دوره الخاص في كل كلماته وأفعاله، ولكننا لا نستطيع أن نقول أن هناك أقوالاً وأفعالاً معينة تختص حصرياً بالجسد، وهناك أقوالاً وأفعالاً أخرى تختص بالروح، وإنما كل ما نستطيع قوله فقط هو أن كل كلمات وأفعال الإنسان هي ناشئة عنه (كوحدة أو ككل).

وبنفس الطريقة في المسيح، الحقيقتان الإلهية والإنسانية كائنتان بدون أي نقصان؛ ولكن بالنسة للأقوال والأفعال فإنها كلها تعبيرات للمسيح الواحد. ويعد استخدام نموذج (الجسد – الروح) على هذا النحو استخدام شرعي باعتراف الجميع.

ويتضمن تعبير “من طبيعتين” فكرتين أساسيتين:

أولاً، هو يؤكد أن “من طبيعتي اللاهوت والناسوت، اللتين كل منهما كاملة بحسب أصل مبدأها (جوهرها)، ظهر عمانوئيل بكونه واحداً، بكونه طبيعة واحدة أو هيبوستاسيس واحد لله الكلمة”.[29] وهكذا صار اللاهوت والناسوت بالفعل معاً في واحد. وبالضبط كما أن اللاهوت دخل في الإتحاد من خلال الله الابن، فإن الناسوت صار في الإتحاد في حالة مخصخصة متفردة (individuated state) . ويذكر البطريرك ساويروس هذه النقطة مراراً وتكراراً حيث يقول:[30]

“إن الله الكلمة هو هيبوستاسيس واحد، وقد وحَّد بنفسه ’هيبوستاسياً (أقنومياً)‘ جسداً خاصاً واحداً له روح عاقلة ومفكرة، وهذا الجسد أخذه من مريم والدة الإله (ثيؤطوكس)”.

إذن الطبيعتان اللتان التقيتا في الإتحاد كانتا هيبوستاسيسين (أي في الحالة الأقنومية المخصخصة)، هذا بالرغم من أن الناسوت أخذ الحالة الهيبوستاسية فقط في داخل الإتحاد.[31] ونجد هذا المعنى في كلمات البطريرك ساويروس التالية:[32]

“والطفل، على سبيل المثال، لم يتكوَّن في الرحم بمفرده ـ كما يُعلِّم الهراطقة ـ ولكن الله الكلــمة منذ عين البداية ـ أي منذ أول لحظة تكوَّن فيها الجسد المحيَ بروح وعقل داخل الرحم ـ كان متحداً به. وهكذا لم يكن هناك أي فاصل بين تكوّن الجسد (حضوره للوجود) وبين اتحاده مع الله الكلمة”.

ونتيجة لهذا الاتحاد، فإن يسوع المسيح قد حُبل به في رحم العذراء بكونه شخص واحد. وهذا الشخص الواحد لم يكن ببساطة هو الله الابن. لأنه بينما أن الله الابن هو إلهي فقط، فإن يسوع المسيح بشخصه الواحد قد تكوَّن من اتحاد اللاهوت مع الناسوت. وهكذا فإنه في ذات اللحظة، التي التقى فيها اللاهوت والناسوت في رحم العذراء فقد كوّنا معاً مركزاً بؤرياً (focal point) صار فيه كل ما هو إلهي بحسب الجوهر وكل ما هو إنساني بحسب الجوهر، هناك معاً في حالة إتحاد.

ولذلك كان تطابق المسيح مع الكائنات البشرية الأخرى هو تطابق حقيقي بكل ما تعنيه الكلمة، سواء في تكوينه في الرحم أو في ولادته كطفل بشري أو في حياته على الأرض بعد ذلك. ويقول البطريرك ساويروس في هذا الصدد:[33]

“وحيث إن المسيح الواحد هو طبيعة واحدة وهيبوستاسيس واحد من اللاهوت والناسوت ـ لله الكلمة المتجسد ـ فإن ذلك يؤدي بالقطع إلى أنه ـ في نفس الوقت ـ يُعرف بكونه واحد مع الآب في الجوهر فيما يخص اللاهوت وواحد معنا في الجوهر فيما يخص الناسوت. وهو نفسه ابن الله وابن الإنسان. وبالتالي فهو ليس ابنان ولكنه هو نفس الابن الواحد”.

إذن فيسوع المسيح هو وحدة  (unity)منذ أول لحظة حُبل به فيها في الرحم.

ثانياً، كان المقصود من عبارة “من طبيعتين” هو التأكيد ـ كما ذكرنا قبلاً ـ على استمرار (وجود) اللاهوت والناسوت في المسيح الواحد طوال الوقت منذ تكوينه في رحم العذراء. ولذلك فعلى الرغم من أننا لا نستطيع أن نقسم الأقوال والأفعال بين اللاهوت والناسوت، إلا أننا قد نميِّز ـ في الفكر (contemplation) فقط ـ بعض الكلمات والأفعال بكونها إلهية والبعض الآخر بكونها بشرية.[34]

والحقيقة أن القضية ليست في أن الناسوت لم يكن له مكان في الحياة المتجسدة لابن الله، ولكنها في أن الناسوت كان متحداً مع اللاهوت. وبسبب الاتحاد كان يسوع المسيح مركباً من اللاهوت والناسوت طوال حياته على الأرض. ومن الواجب أن نضيف أيضاً أنه حتى بعد القيامة لم يتوقف عن كونه من طبيعتين.

وكما رأينا سابقاً، كانت النقطة الفعلية التي على أساسها رفض الجانب غير الخلقيدوني قبول تعريف إيمان مجمع خلقيدونية، تتعلق بعبارة “في طبيعتين”. فمن وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، كانت عبارة “في طبيعتين” من الممكن أن تعني أن الله الابن والإنسان يسوع قد اتحدا في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘ فقط.

 وبسبب هذا القلق من كلمة ’في‘ (التي في عبارة ’في طبيعتين‘) رأى الجانب غير الخلقيدوني أنه يمكن الحفاظ على المعنى من خلال عبارة “من طبيعتين” بالإضافة إلى كلمة ’متجسدة‘ في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” وكلمة ’مركبة أو مركب‘ في عبارة “طبيعة واحدة مركبة أو هيبوستاسيس واحد مركب”، وكذلك من خلال التأكيد على أن الاختلاف بين الطبيعتين يمكن رؤيته على مستوى الفكر (فقط).

وكان القصد من وراء كل هذه التفسيرات الدقيقة والفروق المحددة بعناية هو التأكيد على وحدة المسيح، ولم يكن القصد أبداً هو استبعاد أي من الطبيعتين.

 

4. عبارة “اتحاد هيبوستاسي (أقنومي)”:

كان اتحاد الطبيعتين (في المسيح) هو اتحاد هيبوستاسي (أقنومي). وقد أصَّر كل من ق. كيرلس والجانب السكندري على عبارة “إتحاد هيبوستاسي” في مواجهة نسطوريوس والأنطاكيين. وكان الجانب الأنطاكي يرفض تلك العبارة على الدوام، وهناك فقرة اقتبسها البطريرك ساويروس من ثيؤدوريت أسقف قورش يوضح فيها وجهة نظره بشدة، حيث قال:[35]

“ولكننا لا نعترف أبداً بالاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)، لأنه يتعارض مع الأسفار الإلهية، ومع الآباء الذين فسَّروها”.

وقد أقر مجمع خلقيدونية هذه العبارة ـ كما ذكرنا ـ من خلال اعترافه بـ “هيبوستاسيس واحد”، ومن خلال تبنيه للرسالة الثانية لكيرلس ضد نسطوريوس والتي تضمنت تلك العبارة.

ولكن الجانب غير الخلقيدوني مع ذلك، أكد أنه في سياق قبول المجمع لطومس ليو ولعبارة “في طبيعتين”، وفي ســـياق تبرئته لثيؤدوريت أسقف قورش ـ الذي كان يعتبر مصطلح هيبوستاسيس مرادفاً لمصطلح بروسوبون ـ وفوق كل ذلك في غياب إيضاح المعنى الذي كان يراه المجمع في مصطلح ’اتحاد هيبوستاسي‘، ففي ضوء كل ما سبق دفع الجانب غير الخلقيدوني بأن مجمع خلقيدونية لا يمكن أن يكون قد أخذ المصطلح بالمعنى الذي سعى الآباء أن يؤكدوه من وراء استخدامه. ولذلك أثناء مناقشة هذا الأمر، تساءل البطريرك ساويروس: ما هو معنى أن المسيح “هيبوستاسيس واحد” بالنسبة لمجمع خلقيدونية.[36]

ويذكر البطريرك ساويروس أن المدرسة النسطورية اعترضت على “الاتحاد الهيبوستاسي” لأن الاتحاد من وجهة نظر النساطرة كان اتحاداً لأقنومين كل منهما أتى بالفعل بشكل منفصل، وعلى أساس أن ’الطبيعة‘ بالنسبة لهم كانت تعني كائن محدد. وعلى سبيل المثال يذكر البطريرك ساويروس أن نسطوريوس كتب ما يلي:[37]

“إن الاتحاد لم يكن من (from) طبيعتين ولكن لـ (of) طبيعتين”.

والسؤال هنا هو كيف واجه مجمع خلقيدونية هذه المشكلة؟

الحقيقة إنه عند هذه النقطة بالتحديد، فشل كل من العالِمين ليبون (Joseph Lebon) وأندريه (Andre de Halleux) في ابراز وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني بموضوعية.[38]

فتعليق ليبون على سبيل المثال، بأن تعليمهم الخريستولوجي (أي تعليم الجانب غير الخلقيدوني) ينتمي إلى ما قبل خلقيدونية، يمكن الرد عليه بأن طومس ليو وتعريف الإيمان الخلقيدوني ينتميان إلى ما قبل أفسس (أي يفتقدان إلى تحديدات مجمع أفسس). وكانت وجهة نظر غير الخلقيدونيين  ـ  كما أوضحنا ـ  هي أنه لا البابا ليو ولا مجمع خلقيدونية قد أخذا قرارات مجمع أفسس عام 431م والاتفاق الذي سبق إعادة الوحدة عام 433م بجدية كافية، كما أنهم كذلك لم يقوموا بتوضيح ما كانوا يقصدونه بادعائهم رفض النسطورية.

وكان الجدل النسطوري قد بدأ بالقضية التي أثارها نسطوريوس في تطبيق لقب ’والدة الإله‘ (ثيؤطوكس) على العذراء مريم. وهذا الأمر ذاته كان له تاريخ في التقليد الخريستولوجي لمدرسة أنطاكية، فكما رأينا من قبل[39] ـ وسوف نرى أكثر فيما بعد[40] ـ كان الفكر اللاهوتي للأنطاكيين الذي يصر على “طبيعتين بعد الاتحاد” هو الأساس الذي شكك في إمكانية إطلاق لقب ’والدة الإله‘ (ثيؤطوكس) على العذراء مريم.

وفي مواجهة هذه الخلفية، بدأ آباء الإسكندرية ومَنْ يتفقون معهم في بناء فكر لاهوتي يعترف بلقب ’ثيؤطوكس‘ ويستبعد مفهوم ’طبيعتين بعد الاتحاد‘. ولكن الغريب أن البابا ليو ومجمع خلقيدونية صدَّقا على لقب ’ثيؤطوكس‘ وعلى عبارة ’طبيعتين بعد الاتحاد‘ كليهما معاً، بدون أن يقدِّما تفسيراً عن كيف يمكنهما أن يجمعا بين الإثنين معاً.

وهذه في الحقيقة هي المشكلة المطلوب مواجهتها فيما يتعلق بالنزاع بين الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، ولكن بدون افتراض مسبق بأن مجمع خلقيدونية عام 451م قدَّم بالفعل مساهمة (جديدة) ذات معنى وأن منتقديه كانوا على خطأ.

أما بالنسبة لعبارة ’اتحاد هيبوستاسي (أقنومي)‘، فقد كانت في الحقيقة تهدف إلى المحافظة على مفهومين على الأقل:

أولاً: هي تؤكد أن الله الابن، وهو هيبوستاسيس أزلي، وحَّد بنفسه ناسوتاً. وعلى الرغم من أن الناسوت لم يكن في ذاته هيبوستاسيس (مستقل) في مقابل (هيبوستاسيس) الله الابن، إلا أنه صار مخصخصاً ومتفرداً وبالتالي تقَبَّل حالته الهيبوستاسية في الاتحاد مع الله الابن.

ثانياً: تفيد هذه العبارة التأكيد على أن اتحاد الطبيعتين كان داخلياً وحقيقياً. ويمكننا أن نوضح هذه النقطة من خلال الرجوع إلى معاني المصطلحات التي ذكرناها سابقاً، فالهيبوستاسيس هو الأوسيا بكامله حينما يأخذ وجوده المحدد، والبروسوبون يدل على الهيئة الخارجية للشيء أو الشخص التي يتمايز بها كل هيبوستاسيس من نوع (class) معين عن الآخر الذي من نفس النوع.

وبناءً على هذه المعاني، نستطيع أن نقول أنه بالاتحاد الهيبوستاسي للاهوت والناسوت، كان هناك حضور للاهوت الابن والناسوت معاً في يسوع المسيح. ولكن هذا لم يُحدِث مع ذلك أي تغيير لا في الله الابن ولا في الناسوت الذي اتخذه. وهذا المعنى هو ما نجده في كلمات البطريرك ساويروس إلى نيفاليوس (Nephalius):[41]

“لقد بقي الجسد جسداً، وظل اللاهوت لاهوتاً. ولم يتحول أي منهما إلى طبيعة الآخر. ولكن اتحادهما وإلتقاءهما معاً قد حدث في تركيب الطبيعة الواحدة المتجسدة للابن”.

وهكذا فإنه في الاتحاد الهيبوستاسي، تظل سلامة الطبيعتين بكل خواصهما وقدراتهما (ملكاتهما) محفوظة بدون اختلاط أو انفصال. وحيث إن الطبيعتين تتحدان داخلياً (inwardly) فلذلك يكون هناك تبادل للخواص (exchange of properties).[42] ويكون الناسوت حاضراً مع لاهوت الله الابن، كليهما في شخص المسيح (الواحد المركب) وفي حياته في كل لحظة.

ومن هنا فإنه في كل كلمة تكلم بها (المسيح) وفي كل فعل قام به، كان الناسوت قائماً فيه في حالة الاتحاد. ولم يكن الناسوت مختلطاً مع اللاهوت، ولا كان سلبياً، بل على العكس اتخذه الله الابن ناسوتاً خاصاً به* (as his own) بكل ما له من حرية مخلوقة، ووعي إنساني وكل الوظائف والخواص المنتمية للناسوت، ولهذا فبدون أن يفقد الناسوت طابعه الجوهري، أصبح متقلداً بالمجد الإلهي.[43]

وقد تحتاج الجملة الأخيرة لبعض التوضيح، حيث إنها لا تعني أن ناسوت المسيح قد خضع لنوع من التحول إلى الألوهة، أو أن هدف الجنس البشري يكمن في بلوغ مثل هذا التغيير، ولكنها تعني في المقابل أن الإنسان بخلقته على صورة الله، كان له مصير نهائي يصبح فيه متشبهاً بالله (God-like) ممتلئاً بالمجد الإلهي. ويسوع المسيح وحده هو الذي حقق ذلك في حياته، واحتفظ بذلك كإنسان بدون أن يحدث أي نوع من التحول لناسوته على الإطلاق. وهذه هي الغاية النهائية التي يتطلع إليها الإنسان في إيمان ورجاء، معتمداً على نعمة وقوة الرب المتجسد كما أعلن في موته وقيامته.

وتبقى نقطة واحدة جديرة بالاهتمام في هذا الفكر اللاهوتي. فكما رأينا، كان الأنطاكيون يؤمنون بنظرية الإتحاد البروسوبي،[44] وبالتالي يؤكدون أن المسيح كان إنساناً سكنه الله الابن ولذلك كان كل شيء إنساني فيه متحداً باللاهوت. أما السكندريون فكانوا يؤمنون أن تلك النظرية غير كافية للاعتراف بالتجسد، ومن هنا كانوا يؤكدون على الاتحاد الهيبوستاسي.

ولكي نوضح هذا الأمر بطريقة أكثر نقول أن الاتحاد البروسوبي ـ الذي يؤمن به الأنطاكيون ـ يستطيع أن يفسر فقط العلاقة التي كانت قائمة في الأصل بين الله والإنسان. وحيث إن الإنسان لم يقدر أن يحافظ على تلك العلاقة؛ فإن الله الكلمة ـ برحمته ـ وحّد هيبوستاسياً (أقنومياً) بذاته ناسوتاً لكي ما يثبِّت الإنسان في حقيقة نعمة خلاصه للجنس البشري.[45]

وهكذا فإن العلاقة التي تأسست بين الله والإنسان في يسوع المسيح هي علاقة حميمية وشخصية أكثر من تلك التي كانت قائمة بين الله وآدم قبل سقوطه. وسيستمر يسوع المسيح إلى الأبد في حالة هذه العلاقة بكونه ’الله ـ الإنسان‘ (الله المتأنس).

 

5. عبارة “هيبوستاسيس واحد” وعبارة “طبيعة واحدة مركبة أو هيبوستاسيس واحد مركب”:

يعترف كل من اللاهوتيين الخلقيدونيين وغير الخلقيدونيين بأن يسوع المسيح هو “هيبوستاسيس واحد”، رغم أنهما لا يتفقان في تفسير ماهية الهيبوستاسيس الواحد. والهيبوستاسيس الواحد (للمسيح) عند اللاهوتيين غير الخلقيدونيين هو ’هيبوستاسيس مركب‘ وهم يعتبرون أن عبارة “هيبوستاسيس واحد مركب” هي مرادف لعبارة “طبيعة واحدة مركبة”. أما الجانب الخلقيدوني ـ على الأقل في الشرق ـ فيفصل بين العبارتين.

ونجد أن يوحنا الدمشقي ـ على سبيل المثال ـ يفضل عبارة “هيبوستاسيس واحد مركب”* وليس عبـــارة “طبيعة واحـــدة مركـبة”.[46] ويصـــر شــــــارلز مــوللر (Charles Moeller) على أن تعبير “هيبوستاسيس مركب” هو تعبير مبهم وغامض وغير مقبول من الكنيسة.[47] ولو كان مصطلح ’طبيعة‘ يُستخدم بمعناه العام المجرد، وليس كحقيقة محددة (مخصخصة)، لكان رفض الفكر اللاهوتي الخلقيدوني لعبارة “طبيعة مركبة” يصير مفهوماً.

ولكن السؤال هو: كيف يمكن لناسوت المسيح كحقيقة عامة مجردة أن يدخل حيز الزمان والمكان ما لم يكن في صورة شخص مرئي وملموس (أي في صورة محددة)؟. ويبدو أن الفكر اللاهوتي الخلقيدوني هنا كان قلقاً بشدة من أجل استبعاد احتمالية الاضطرار للاعتراف بأن الله هو ’رابوع‘ بدلاً من ثالوث. وهكذا نرى أنه كان هناك فرق بين التفسير الخلقيدوني وغير الخلقيدوني حول هذه النقطة.

وبواسطة عبارة “هيبوستاسيس مركب” أو “طبيعة مركبة” يؤكد الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني على الوجود المتزامن للاهوت والناسوت في المسيح الواحد. وهذا يعني أن شخص يسوع المسيح الواحد قد تكوَّن بواسطة اتحاد اللاهوت والناسوت. وكان تعريف الإيمان الخلقيدوني قد أكد أن طبيعتي اللاهوت والناسوت “يتواجدان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد”.

وقد أصر الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني على الطابع المركب لشخص المسيح، وكان هذا الفكر مؤسس على مفهوم سكندري الأصل. فإذا كان ’الهيبوستاسيس الواحد‘ ـ الذي جاء في اعتراف الإيمان الخلقيدوني ـ لم يؤخذ بكونه “هيبوستاسيس واحد مركب”، فإن هذا يعد إثباتاً إضافياً أن البطريرك ساويروس ومن يتفققون معه كانوا بالتأكيد على حق في حكمهم أن مجمع خلقيدونية لم يحافظ على مدلولات المفاهيم السكندرية التي قصدها الآباء.

ويؤكد الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني أن اتحاد اللاهوت والناسوت في يسوع المسيح لم يكن اتحاداً لطبيعتين في صورتهما العامة المجردة، ولكن اتحاداً لله الابن مع الناسوت الذي صار مخصخصاً (individuated) في الاتحاد. وبالرغم من أن الناسوت لم يكن هيبوستاسيس مستقل في مقابل (هيبوستاسيس) الله الابن، فقد صار (الناسوت) في الحالة الهيبوستاسية (hypostatic) في الاتحاد.

ومن هنا أصر كل من البطريرك ساويروس وتقريباً كل اللاهوتيين الآخرين المعترف بهم في الجانب غير الخلقيدوني، على أن الهيبوستاسيس الواحد ليس ’بسيطاً‘ (simple) ولكنه ’مركباً‘ (composite). وكان هذا المفهوم الكيرلسي ـ كما ذكرنا ـ يُظهر أن المقصود بمصطلح “طبيعة واحدة” ـ كما هو محفوظ في التقليد السكندري ـ لا يلائم وصفه كمكافئ لمصطلح ’الطبيعة الوحيدة‘ (monophysite).

وهيبوستاسيس يسوع المسيح الواحد ليس ببساطة هو هيبوستاسيس الله الابن، ولكنه هو هيبوستاسيس الله الابن في حالته المتجسدة. ولذلك كتب البطريرك ساويروس في كتابه “ضد النحوي”:[48]

“إن الطبيعتين والهيبوستاسيسين* الذي منهما تركب (المسيح)، قد أُدركا في الاتحاد بلا أي اختزال وبلا أي تغيير. ولكن من غير الممكن أن نميِّز بروسوبون لكل منهما، لأنهما لم يوجدا (في المسيح) منفصلين سواء في تحديد معين (specific concretion) أو في ثنائية. لأنه هو هيبوستاسيس واحد من كليهما، وبروسوبون واحد على نحو موحد* (conjointly)، وطبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد”.

وهكذا يصبح الأمر واضحاً جداً، فالهيبوستاسيس الواحد ليسوع المسيح هو من كلا اللاهوت والناسوت. ولم يكن على الإطلاق القصد من هذا التأكيد هو التقليل من السيكولوجية الإنسانية الخاصة بربنا، وإنما الاعتراف بها بدون الوقوع في موقف يتضمن تقسيماً للمسيح الواحد.

 

[1]   للإطلاع على وجهة نظر مختصرة حول الموضوع انظر:

(R.V. Sellers: Two Ancient Christologies, London, 1954, p. 89, especially note 2)

[2] G. L. Prestige, God In Patristic Thought, London, 1952, p. 197.

[3]   يقول يوحنا النحوي (بحسب إقتباس البطريرك ساويروس): “ولهذا السبب قَبِل المبارك كيرلس هؤلاء الذين أكدوا ’طبيعتين‘ لعمانوئيل، لكي يفلتوا من هرطقة أبوليناريوس. ومرة أخرى صدق على التأكيد على ’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘ لكي يدين نسطوريوس. فعندما يتم التأكيد على الأمرين فإنهما يشيران إلى الرأي الصواب، أما إذا تم استبعاد واحد منهما فقد يجعلنا هذا نقع في شر الآراء الهرطوقية”. انظر:  (Contra Gr., I, p. 131).

[4] Tractatus…., op. cit., p. 185.

[5]  المرجع السابق صفحة 190.

[6]  للرجوع إلى هذا الاعتراف انظر المرجع صفحة 258.

[7] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 20.

[8] المرجع السابق صفحة 21.

[9]  المرجع السابق صفحة 24.

[10] المرجع السابق صفحة 24.

[11] المرجع السابق صفحة 21. للرجوع إلى هذا المجمع انظر صفحة 239.

[12]  المرجع السابق صفحة 22.

[13]  المرجع السابق صفحة 22. واستمر البطريرك ساويروس بعد ذلك في التأكيد على أن النحوي في إتهامه للكيان غير الخلقيدوني أنه يؤمن بنظرية ’أوسيا واحد‘ لم يقدم حتى دليلاً واحداً على صحة ذلك الإتهام. (انظر المرجع السابق صفحة 23).

[14]  المرجع السابق صفحة 200.

[15]  المرجع السابق صفحة 203. وفي تفنيده لرأي النحوي طالبه البطريرك ساويروس بأن يريه كيف يمكن أن نعترف أن المسيح ’في إثنين أوسيا‘ (لأن الأوسيا هو الحقيقة العامة المجردة). كيف يمكن على سبيل المثال أن يكون أوسيا الجسد حتى ولو كان موجوداً قبل الإتحاد بالله الكلمة أن يتخصخص ويتفرد ولايزال باقياً كأوسيا؟ وهل أن الله الكلمة قد وحَّد بنفسه ’هيبوستاسياً‘ الناسوت في عموميته (المجردة)؟ ألم يوحِّد بنفسه جسداً واحداً ذو روح وعقل ينتمي إلى الأوسيا البشري، أي إلى الجنس البشري بأكمله، وبهذا أصبح واحداً في الجوهر مع جنسنا؟ (المرجع السابق صفحة 267).

ويؤكد البطريرك ساويروس أن النحوي عليه أن يقر أن قصده الحقيقي ليس هو التأكيد على ’في إثنين أوسيا‘ وإنما ’في إثنين هيبوستاسيس‘ مما يحمل ضمنياً الاعتراف بأن الجنين قد تكون في الرحم بنفسه (مستقلاً) بمعزل عن الإتحاد بالله الكلمة. ويصر البطريرك ساويروس أنه لهذا السبب أكد النحوي على ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ والتي بها نكون من أصحاب عقيدة ’البروسوبونين‘ و’الابنين‘ و’المسيحين‘”. (المرجع السابق صفحة 268).

[16] Philalethes, op. cit., pp. 131f.

[17]  “الله الكلمة الأبدي والذي بلا بداية، الذي ولد من الآب بغير ألم وبغير جسد، هذا قد صار متجسداً”. (المرجع السابق صفحة 131).

[18]  كتب البطريرك ساويروس: “لقد صار متجسداً بواسطة الروح القدس من القديسة مريم الدائمة البتولية والدة الإله ’ثيؤطوكس‘، (وذلك بأن اتخذ) جسداً من نفس طبيعتنا ذو روح عاقلة مفكرة، وهذا الجسد لم يأتِ إلى الوجود قبل سكنى الله الكلمة في رحم العذراء”. وفي نفس الوقت أصر البطريرك ساويروس أن: “الله الكلمة وحَّد بنفسه الأوسيا الخاص بنا بأكمله ولم يترك أي شيء مما يتكون منه ناسوتنا”. (المرجع السابق صفحة 132).

[19]  هذا الأمر أكده البطريرك ساويروس مرات عديدة.

[20] Contra Grammaticum, op. cit., II, pp. 110f.

[21] كتب البطريرك ساويروس: إن ق. باسيليوس قد عرَّف ذاك الذي صار متجسداً بأنه غير منقسم. وهو يرسم فاصلاً بين وقت ما قبل التجسد ووقت ما بعد التجسد، فقبل التجسد كان بغير جسد ولكنه بعد التجسد صار له جسد”. (المرجع السابق صفحة 117).

[22] المرجع السابق صفحة 115.

[23] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 34.

[24] المرجع السابق 1: صفحة 91.

[25] Ad Nephalium, op. cit., p. 29.

وهذا التعليق جاء بعد بعض المقولات المنسوبة إلى يوليان أسقف روما.

[26] C. S. C. O. vol. 17, p. 121.

*  أي اختلاف كل طبيعة عن الأخرى.

#  انظر الحاشية صفحة 283.

[27] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 185.

[28] Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 239-40.

وهنا كما في العديد من المواضع الأخرى، يستخدم ساويروس مثال الجسد-الروح في الإنسان.

* الأنثروبولوجي هو العلم الخاص بالإنسان

[29] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 87.

[30] المرجع السابق صفحة 148.

[31] وهذا التأكيد هو ما قد ذكرناه بالفعل. انظر الحاشية صفحة 283.

[32] المرجع السابق صفحة 184.

[33]  المرجع السابق صفحة 227.

[34]  هذا الأمر أكده البطريرك ساويروس مرات عديدة. ونقدِّم هنا مثالاً على ذلك حيث قال: “حينما نتأمل في الحقيقتين اللتين منهما تركب المسيح الواحد، سوف نرى في أذهاننا الطبيعتين اللتين التقيتا في الإتحاد غير المنقسم. أما بعد التفكير في الإتحاد، فليس من الصواب أن نؤكد على ’طبيعتين‘، لأن الطبيعتين لم تأتيا إلى وجودهما المحدد (داخل الإتحاد) منفصلتين، ولكن تكوَّن منهما معاً الهيبوستاسيس الواحد والطبيعة الواحدة لله الكلمة. (Contra Gr., I, p. 119)

[35] Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 9.

[36] انظر صفحة 384 وما يليها.

[37] Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 28.

[38]  انظر خاتمة مقال ليبون فى:

(‘Le Christologie du Monophysisme Syrien’ in Das Konzil Von Chalkedon, vol. 1)

وانظر أيضاً الملاحظات الختامية لأندريه في: (Adler de Halleux, op. cit.,)

[39]  انظر صفحة 382.

[40] انظر صفحة 535 وما يليها.

[41] Ad Nephalium, op. cit., p. 24.

[42] هذه النقطة سبق الإشارة إليها. انظر صفحة 405.

*  كثيراً ما كان ق. اثناسيوس يستخدم نفس هذا التعبير في حديثه عن تجسد الابن. (انظر ق. أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة، ترجمة د. جوزيف موريس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة. فصل: 8، 10، 20، 25، 31)

[43]  لقد تبنى الجانب الأنطاكي والجانب الخلقيدوني وجهات نظر متشابهة برغم وجود اختلافات طفيفة. أنظر صفحة 519 وصفحة 539.

[44]  انظر صفحة 379. من أجل توضيح أكثر انظر صفحة 540.

[45]  وكما ذكر ق. بولس أنه “حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً”. (رو 5: 20)، فقد أكد مار فيلوكسينوس أنه بالتجسد خلق الله الإنسان من جديد في داخل شخصيته الخاصة. انظر صفحة 448.

*   وحتى بالنسبة لتعبير ’هيبوستاسيس واحد مركب‘ يختلف يوحنا الدمشقي في تفسيره تماماً عن البطريرك ساويروس الأنطاكي. انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب.

[46]  انظر صفحة 511.

[47] See essay in Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., p. 703.

[48] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 187.

*  يقول ق. كيرلس في رسالته إلى أكاكيوس أسقف مليتين: “لأنه يُعترف أن هناك طبيعة واحدة للكلمة، ولكننا نعرف أنه تجسد وصار إنساناً… وبناء على هذا فقط يُفهم إختلاف الطبيعتين أي الهيبوستاسيسين (الأقنومين)، لأن اللاهوت والناسوت ليسا هما نفس الشيء من جهة النوعية الطبيعية” (رسائل ق. كيرلس السكندري، الجزء الثالث، ترجمة وإصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة 1995م. رسالة 40: 15 صفحة 51).

* أي بروسوبون واحد للهيبوستاسيس الواحد الذي تركب من اتحادهما معاً

طبيعة الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

من هو الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

من هو الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

من هو الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

مَنْ هو الله الكلمة:

في الفكر اللاهوتي لكل من الخلقيدونيين وغير الخلقيدونيين، يسوع المسيح هو الله الابن الذي تجسد وصار إنساناً، والله الابن هو “الواحد من الثالوث”. وكان كلا الجانبان قد ورث الفكر اللاهوتي الكبادوكي الخاص بعقيدة الثالوث ولكنهما لم يتفقا كثيراً مع تعاليم ق. أغسطينوس.

ويؤكد الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني على وجه الخصوص (بحسب المفهوم الكبادوكي) أن الله هو ’أوسيا‘ واحد وثلاثة ’هيبوستاسيس‘، بما يعني أن اللاهوت الواحد يتفرد ويتخصخص (individuated) أزلياً وبالتساوي والكمال في الأشخاص الثلاثة الآب والابن والروح القدس. وبما أن الأوسيا بكليته يتفرد ويتخصخص في كل واحد منهم، لذلك فإن الآب هو إله كامل والابن هو إله كامل والروح القدس هو إله كامل، ولكن مع ذلك هم ليسوا ثلاثة آلهة لأن كل منهم له نفس الأوسيا فيه.*

والأوسيا أي اللاهوت هو غير منقسم، ولا يوجد بنفسه بعيداً عن الثلاثة أشخاص (هيبوستاسيس).

ومع ذلك لم يكن هذا التفسير لعقيدة الثالوث، في نظر اللاهوتيين غير الخلقيدونيين، كافياً تماماً لشرح سر الله المكنون، لذلك نرى البطريرك ساويروس على سبيل المثال يصر على أن “الثالوث القدوس لا يخضع للتعريفات الطبيعية، أو الأبحاث العقلانية، لأن ماهيته هي فوق إمكانية المعرفة”. فهو أبعد من كل شيء، ويعلو على كل فكر، ولا يمكن لعقولنا أن تدرك الثالوث القدوس.

وحتى المصطلحات ’أوسيا‘ و ’فيزيس‘ و ’هيبوستاسيس‘ وغيرها، هي غير كافية في الحقيقة لتشرح المعنى الحيقي لله، إلا أننا نستخدمها فقط لمساعدتنا على شرح بعض المفاهيم الفائقة.

والله هو الثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس. والعلاقة الأولية للابن مع الآب هي الوحدانية في ’الأوسيا‘، وهو الابن الفريد المولود من الآب وولادته هي في الأزل. والابن بلا بداية وقبل الزمن، وهو “حكمة الله وقوة الله”. وهو “مولود من الآب ـ مثل ’الكلمة‘ ـ بلا بداية وبلا ألم أو أي قيود جسدية”.

والابن مولود من الآب “قبل الزمن وقبل كل الدهور ومنذ الأزل”، وهو “بهاء مجده وصورة شخصه”. وهو “المولود الوحيد، والفريد من الفريد، والذي له في كيانه كل ما للآب دون أي نقصان. ولأنه مولود على هذا النحو، “فهو يسكن (أو كائن)” في أبيه بكونه “صورته غير المتغيرة”.[1]

إذن فالابن مولود من الآب والروح القدس ينبثق من الآب منذ الأزل، ولا يعني هذا أن الآب سابق على الابن والروح القدس، ولا أن الابن والروح القدس لاحقان للآب في الزمن، فالثلاثة أشخاص أزليون معاً ومتساوون معاً.

والآب والابن والروح القدس مشتركون في الطبيعة والإرادة والسلطة، ولذلك فإن الابن والروح القدس حاضران مع الآب في كل ما يفعله، وعلى نفس النحو يكون الآب والروح القدس حاضرين مع الابن في كل ما يفعله، ويكون الاب والابن حاضرين مع الروح القدس في كل ما يفعله. والآب يخلق بواسطة الابن ويكمِّل الخليقة في الروح القدس.

والآب يختلف عن الابن وعن الروح القدس فقط في كونه وحده هو آب، أو في كونه وحده له الأبوة؛ والابن يختلف عن الآب والروح القدس فقط كونه وحده له البنوة؛ والروح القدس يختلف عن الآب والابن فقط في كونه الرب الذي يسكن في الخلائق ويلهمهم لكي يعرفوا الله.*

والله غير قابل للتغير، ولذلك لا يخضع لأي تحول في طبيعته؛ وهو كامل في ذاته ولذا لا يقبل أية إضافة في كيانه؛ وهو يخلق ليس بسبب اضطرار موضوع عليه، ولكن كتعبير عن حبه اللانهائي.

وبعيداً عن الزمان والمكان وكافة القيود الأخرى يتصل الله بخلائقه وبالعالم. أما العالم فكائن في الزمان والمكان وبقية القيود الطبيعية، وقد صنعه الله شيئاً حقيقياً وخطط ليقوده نحو الكمال الذي قصده له، والعالم لم يضف أي شيء إلى الله الكامل أزلياً، والذي هو بالحقيقة وحده المستقل (غير الاعتمادي) والكائن ذاتياً (independent and self-existent).

وكان اللاهـوتيون غير الخلقـــيدونيين قد استبعدوا كلاً من: (1) السابلية، حيث أكــــدوا على أزلـــــية وكمـــال الثلاثة أقانيم؛ (2) الديناميزم (Dynamism) التي كان ينادي بها بولس السموساطي،# حيث اعترفوا أن الآب والابن والروح القدس هم ثلاثة أشخاص حقيقية أزلية؛ (3) الأريوسية، إذ قد إعترفوا مع آباء نيقية بأن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب؛ (4) المقدونية، حيث قد أكدوا أن الروح القدس له ذات الجوهر الواحد مع الآب والابن.

وكما أدان غير الخلقيدونيين هذه الهرطقات التي كانت ضد عقيدة الثالوث القدوس قبل مجمع خلقيدونية، فقد تصدوا كذلك لموقف الذين نادوا بثلاثة آلهة في القرن السادس ومحاولتهم لنشر هذا الفكر الخاطئ.[2]

وهكذا نجحوا في مقاومة كل من هرطقة الثلاثة آلهة من ناحية، والهرطقة السابلية ـ والتي تُعرف ايضاً بالشكلية (modalism) ـ من الناحية الأخرى، ففي مواجهة الأولى أصر غير الخلقيدونيين على أن الله أوسيا واحد وطبيعة واحدة وإرادة واحدة وسيادة واحدة، وفي مقاومة الثانية أكدوا أنه متى فكرنا في الآب أو الابن أو الروح القدس، فإننا يجب أن نقر أن كل واحد منهم هو أوسيا وطبيعة وإرادة وسيادة في ذاته.

 

هو صار إنساناً:

كان التأكيد الدائم المتكرر لكل اللاهوتيين غير الخلقيدونيين هو أن الله الابن، الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس، قد صار إنساناً. ويؤكد مار فيلوكسينوس أسقف منبج على سبيل المثال أن الله الكلمة أو الله الابن “صار جسداً في رحم العذراء”.[3] وهي قد حملته وهو صار جسداً؛ أو بصورة أدق: هو صنع لنفسه جسداً من رحم العذراء، جسداً له روح عاقلة ومدركة، وجعله جسده الخاص.[4]

ويصر مار فيلوكسينوس أنه (أي الابن) لم يتخذ لنفسه جسداً كان قد تكوّن من قبل؛ لأن هذا لا يعتبر تجسداً.[5] ومن هنا فإن الجسد ـ الذي كان يعني بالنسبة لأسقف منبج ’إنساناً كاملاً‘ ـ قد أُخذ من رحم العذراء.

وهناك أمران واضحان في كلام مار فيلوكسينوس: أولاً، كان تعبير ’صار جسداً‘ لا يعني أن الله الكلمة قد تغير إلى إنسان، ولكنه كان يعني فقط أنه قبل في نفسه وبإرادته إخلاءً ذاتياً، وولد من أم إنسانية.[6]

وهكذا فإن الذي وُلد أزلياً من الآب بحسب الطبيعة، وُلد كإنسان تحت ظروف الزمان والمكان لأجل خلاصنا،[7] ولكي يولد هكذا صنع الله الكلمة لنفسه جسداً من رحم العذراء. ثانياً، كان تعليم مار فيلوكسينوس يشير إلى تدبير إلهي حقيقي مطلق، اتخذ فيه الله الابن ناسوتاً، يتكون من كل شيء إنساني، بكل ما في ذلك من معنى حقيقي، باستثناء الخطية وحدها.[8]

وبالتالي فقد حُبل به، وولد كرضيع، ونما كطفل؛ وكان خاضعاً لكل قوانين الطبيعة، وتحمل الألم، والسخرية والخزي والعذاب ومات وقام ثانية من بين الأموات.[9]

وفي تأكيده على تجسد الله الابن، أوضح أسقف منبج أن أحد أهداف التجسد هو أن يعطينا معرفة عن طبيعة الله الحقيقية، ويقول مار فيلوكسينوس أنه بالتجسد عرفنا أنه يوجد (من يُدعى) الله الابن،* فلو لم يتجسد الابن لما كانت هذه الحقيقة قد كُشفت لنا.[10]

وكان للبطريرك ساويروس الأنطاكي فهماً أكثر تطوراً لعقيدة التجسد، فقد أكد أن الله الابن خصخص له ناسوتاً في الإتحاد معه، واتخذه ناسوته الخاص.[11] وقد تخصخص (individuated) ناسوت المسيح بنفس الطريقة التي تحدث بالنسبة لأي إنسان آخر، ماعدا أن الجسد في تلك الحالة أخذ وجوده في معية الله الكلمة.[12]

وقد تكوَّن الجسد أو الناسوت بالفعل من جسد الأم العذراء، وعندما “أكمل الوقت كجنين”[13] وُلد كطفل بشري. وفي تأكيده على أن الكلمة “صار جسداً”، كان ساويروس مهتماً بالاعتراف أن “الجسد اتخذ وجوده في ذات الطبيعة المتجسدة لله الكلمة”، وأن الجسد “خضع للنمو التدريجي” في أخذه صورة الإنسان.[14]

ومن الجدير بالذكر أن البطريرك ساويروس كان قد أكد نقطتين هامتين بخصوص ميلاد المسيح، النقطة الأولى هي أن الميلاد كان من عذراء بدون تدخل رجل، وقد ذُكرت هذه النقطة فيما قبل.[15]

والنقطة الثانية هي أن هذا الميلاد كان ميلاداً حقيقياً وتلا حبلاً حقيقياً ونمواً للجنين في رحم الأم. ولذلك كتب ساويروس خطاباً إلى أنطونينو أسقف أليبو[16] (Antonino of Aleppo) يقاوم فيه رجلاً كان يعلِّم أن “العذراء القديسة لم تحس بالولادة”، واحتوى هذا الخطاب على تأكيد البطريرك ساويروس أن “العذراء ولدت وهي تشعر” بحقيقة الولادة، وأن “هذه الولادة لم تكن خيالية”.

“وإذ أراد أن يشترك بالحقيقة في كل شيء يخصنا مقدِّماً نفسه كواحد منا نحن أخوته في كل شيء ما خلا الخطية، وُلد باليقين في الجسد ميلاداً ظاهراً حقيقياً، جاعلاً تلك التي ولدته أن تشعر (بحقيقة الولادة)، وإن كانت قد تحررت من كل آلم أو معاناة”.

وأكد البطريرك ساويروس على أمرين بخصوص أم ربنا، أولاً أنها ولدته وهي عذراء، وثانياً أنها ثيؤطوكس (والدة الإله)، وحيث إننا قد تعرضنا للأمر الأول، فسنناقش الأمر الثاني باختصار في السياق التالي.

يعلق البطريرك ساويروس على فقرة من رسالة ق. كيرلس إلى الرهبان، ويؤكد أن السر الخاص بميلاد المسيح يشبه ذلك الخاص بميلادنا[17] فيقول: “حينما تقضي الأمهات على الأرض فترة حملهن الطبيعية، يتكون في أرحامهن الجسد الذي يأخذ شكله تدريجياً”، ويضع الله فيه روحاً بطريقة لا يعلمها إلاّ هو وحده، وبفعل الله ينمو الجسد إلى قوامه الكامل.

وفي الأساس الجسد مختلف عن الروح، “ولكن على الرغم من أن الأمهات على الأرض هن أمهات للأجساد فقط، فإنهن يلدن الكيان المركب من الجسد والروح بأكمله”. ولذلك لا يقول أحد أن “أليصابات حملت الجسد وليس الروح”. ونفس الشيء حدث بالنسبة لميلاد عمانوئيل، فالله الابن صار مثلنا “وولد في الجسد بواسطة امرأة. وبالرغم من أن العذراء كانت أماً لناسوت المسيح وحده، فلأن الناسوت قد أتى إلى الوجود وتكوَّن فقط، داخل الاتحاد مع الله الابن، فقد ولدت الله المتجسد، ولذلك صارت هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘”.

ولم يكن بالقطع تأكيد البطريرك ساويروس على الميلاد البتولي ولا على الاعتراف بالعذراء كثيؤطوكس، بقصد الانتقاص من حقيقة أو كمال ناسوت المسيح، بل كان القصد هو التأكيد على وحدة المسيح.

وكانت هناك أيضاً خمس أمور على الأقل أكدها البطريرك ساويروس الأنطاكي بخصوص ناسوت المسيح نوردها فيما يلي:

  • إن الناسوت لم يتغير إلى اللاهوت، وقد أصر ساويروس على أن “الجسد لم يتخلى عن طبيعته كجسد، بالرغم من أنه صار جسد الله”.[18]

  • إن اتحاد الطبيعتين لم يؤثر على الحـالة المخلوقية (creaturely status) للناسوت أو خواصه وملكاته.

  • إن الله الابن في حالته المتجسدة سمح للناسوت أن يمارس كل وظائفه المخلوقية من (داخل) حالة الاتحاد. وعلى هذا النحو نما الجنين في الرحم واكتمل كطفل بشري، وعندما حان الوقت وُلد في العالم. وبعد ولادتـــه نما الطفل وتقوّى، وامتلأ بالحكمة “وكانت نعمة الله عليه”.[19] كما كان للناســوت وعيه الذاتي (self-consciousness)، وحريته المخلوقة بكاملها، ولكن لأن الناسوت كان متحداً بغير انفصال مع اللاهوت، فالحقيقة في واقع الأمر أن تلك الملكات (الخاصة بالناسوت) لم تُستخدم على نحو خاطئ في عصيان الله.

  • كان للناسوت كل القيود الخاصة ببشريتنا ماعدا كونه بغير خطية، ولذلك أصبح من الممكن أن يكون محكوماً بوجود محدود؛ وأن يجوع ويعطش ويتعب جسمانياً؛ وأن يُرفض من خاصته ويُسلم إلى السلطة السياسية في عصره كمجرم؛ وأن يعاني التعذيب والألم والموت. وكانت كل خبرة من هذه الخبرات شديدة الوطأة جداً، ولم تكن لا خيالية ولا خادعة، بل في الواقع كانت حقيقة تلك الخبرات أمر أساسي لخلاصنا الذي أتى الرب لتتميمه.

  • كل الحقائق البشرية قد أخذها الله الابن كخاصته (أي جعلها خاصة به) في التدبير الخلاصي.

وفي محاولة البطريرك ساويروس توضيح التعليم الخريستولوجي لغير الخلقيدونيين، كانت له إجابة هامة على سؤال يختص بما حدث لناسوت المسيح بعد القيامة. وقد رد البطريرك ساويروس على هذا التساؤل في رسالته إلى كنيسة حمص[20] (Homs)، حيث كان هناك شخص يروج فكرة أن الله الكلمة الذي صار متجسداً، أصبح بعد القيامة بدون جسد لأنه “خلع ما كان متحداً به هيبوستاسياً”. وقد فند البطريرك ساويروس هذه الفكرة وأصر على أنها “أبعد من كل تقوى وأكبر من كل تجديف”.

وفي رسالته إلى كليدونيوس (Cledonius)، كتب البطريرك ساويروس أن غريغوريوس النزينزي كان قد أدان بالفعل الذين يقولون إن “الجسد قد طُرح (تُرك) الآن، وأصبح اللاهوت بدون الجسد”، وأضاف البطريرك ساويروس: إن الله الكلمة في طبيعته هو بدون لحم ودم، ولكن في تدبيره الخلاصي اتخذ لحماً ودماً، ولا يعني هذا أنه كان يعاني قصوراً في الكمال (ليأخذ شيئاً لم يكن فيه)، ولكنه أخذ لحماً ودماً لكي يتمم خلاص الجنس البشري في جسد بشري.

وهكذا فإن الطبيعة البشرية التي اتخذها لم تُبتلع (أو تتلاشى) في ’أوسيا‘ اللاهوت. ولذلك أصر البطريرك ساويروس على أن “الجسد بقي جسداً حتى بعد القيامة والصعود الإلهي، وهو يضيء في المجد الخاص بالابن الذي له هذا الجسد. وبكونه جسد الله فهو (جسد) إلهي، ولكنه لم يتغير إلى ’أوسيا‘ اللاهوت”. فالناسوت الذي أخذه الله الابن وجعله خاصاً به في التجسد هو ناسوت مخلوق، وسيبقى هكذا إلى الأبد وهو لم يمتص في الطبيعة الإلهية.

 

الكلمة صار إنساناً في يسوع المسيح:

إذاً كان المفهوم الذي شدد عليه غير الخلقيدونيين هو أن واحداً من الثالوث القدوس وهو الله الابن، قد صار متجسداً ومتأنساً. وكانت الفقرة الكتابية الحاسمة التي يُشار إليها هي التي جاءت في إنجيل يوحنا: “الكلمة صار جسداً وحل بيننا”،[21] وكان يُذكر معها أيضاً كلمات بولس الرسول: “الله أرسل ابنه مولوداً من امرأة”.[22]

وبينما كان البابا تيموثاؤس إيلوروس يؤكد على أن الناسوت كان حقيقياً، كان يصر أيضاً على أن الله الابن في التجسد صار “واحداً مع الجسد”. وقد عبَّر البابا تيموثاؤس عن وجهة نظره بصورة أوضح بواسطة فقرة اقتبسها ـ وهو متفق معها ـ من الأعمال الزائفة المنسوبة ليوليوس أسقف روما (Pseudo-Julius of Rome)، حيث قال:[23]

“إذاً، فإن كان الذي وُلد من العذراء يُدعى يسوع، فهو نفسه الذي بواسطته دُعيت كل الأشياء إلى الوجود. فالطبيعة هي واحدة، لأن الشخص هو واحد، وهو الذي لا يمكن أن ينفصل إلى إثنين: لأنه في التجسد، لم توجد طبيعة الجسد قائمة بذاتها (مستقلة)، ولم توجد طبيعة اللاهوت منفصلة عنها”.

لقد كان ناسوت المسيح حقيقياً، ولكنه لم يوجد قائماً بذاته منفصلاً عن اللاهوت.

ولكي يؤكد البابا تيموثاؤس حقيقة بشرية المسيح، أقتبس فقرة من يوحنا أسقف أورشليم ـ وهي التي قام البطريرك ساويروس باستخدامها مرة ثانية في كتابه ضد يوليان أسقف هاليكارنيســوس ـ  وتبدأ هذه الفقرة بذكر أن ربنا وُلد من مريم العذراء بفعل الروح القدس، ثم تستمر كما يلي:[24]

“وأخذ جسداً حقيقياً وليس خيالياً من جسدها، وهذا الجسد له نفس طبيعة جسدنا. وفي (هذا) الجسد تحمل الآلام بالحقيقة لأجلنا، وتعب من السفر مثلنا بدون أي خداع، ومثلنا (أيضاً) نام وشعر بآلام الجروح التي أصابته بواسطة بيلاطس. وعندما لُطم على خديه تحمل الوجع؛ وحينما ثُقبت يداه ورجلاه بالمسامير، كان يشعر بالألم… ونحن نعترف كذلك أن له نفساً عاقلة تحملت (هي الأخرى) المعاناة مثلنا ولأجلنا. وقد تحمَّل حقيقة آلام النفس أي الحزن والكرب والتنهد”.

وقد أكد الكاتب ـ ومعه البطريركان تيموثاؤس وساويروس ـ أن كل هذا كان حقيقياً (وليس وهماً أو خيالاً أو خداعاً)، وهكذا فإن المسيح ذاته كان ـ في آنٍ واحد ـ له ذات الجوهر الواحد مع الله الآب ومع الله الروح القدس، وله ذات الجوهر الواحد معنا. وحيث إنه كان وحدة (unity)، فإن الناسوت لم يوجد فيه في حالة استقلال أو انفصال عن اللاهوت.

أما مار فيلوكسينوس فيقر أن قانون الإيمان النيقاوي يشرح الإيمان الإنجيلي بتأكيده على أن الله الابن نفسه هو الذي نزل من السماء، وولد من العذراء، وتألم، ومات، وقُبر، وقام ثانية… وينسب كل هذه الحقائق لله الابن المتجسد، وليس بعضاً منها إلى الله الابن وبعضاً منها إلى الطبيعة البشرية. فالإيمان إذاً هو أن الله الابن “بحلوله في الرحم وتجسده، فإن نفس الواحد قد أُعلن ـ في آنٍ واحد ـ أنه هو الكلمة والجسد، الله والإنسان، المُخفى والظاهر، صورة (هيئة) الله وصورة الإنسان”. وبكونه صورة الله، فهو الكلمة الأزلي الواحد مع الآب في الجوهر، وبكونه صورة الإنسان فإنه هو نفسه قد صار واحداً معنا في الجوهر.[25]

ويؤكد مار فيلوكسينوس أن التجسد هو عمل الله، وهو عمل من خلاله أصبح الله الكلمة “أحد أشخاص الثالوث” وبالتحديد “الشخص الأوسط (middle person)، وسيطاً بين الله والإنسان”.

وقد فعل ذلك “بتجسده في رحم العذراء”، و”بتأنسه لكي يخلق كل إنسان في نفسه من جديد”. ويؤكد مار فيلوكسينوس أنه طبقاً لذلك، فإن الله الذي خلق آدم في البداية خارجاً عن شخصه، قد قام الآن بإعادة خلقة طبيعة الإنسان في ذاته.[26] وهذا سر نعترف به بالإيمان وليس بالمنطق، فيسوع المسيح بالنسبة للعين المجردة هو إنسان عاش على مستوى التاريخ، ولكن بالنسبة لعين الإيمان فهو الله الكلمة الذي صار متجسداً.

وإذا انتقلنا إلى البطريرك ساويروس الأنطاكي فسنجد أنه قد ذكر خمسة ملاحظات في معرض تأكيده على أن يسوع المسيح هو الله الكلمة المتجسد سنوردها فيما يلي:

  • في التجسد، “لم تتغير الطبيعة الإلهية للكلمة إلى ما لم تكن عليه”، ولكنه (أي الكلمة) ظل كما هو. وحينما صار الكلمة جسداً، فإنه هو نفسه كان الإله الكامل والإنسان الكامل. فالكلمة الذي لا يُرى قد أصبح مرئياً. لأن ما كان هو عليه وما أصبح عليه ليسا اثنين، لأنه هو واحد.

  • لقد قبل الله الابن حالة التجسد كتدبير لأجل خلاص العالم. وقد اتخذ حياة بشرية كاملة، وجعل نفسه بالحقيقة مع الإنسان الساقط، وحقق خلاصه إلى الأبد.

  • إن تدبير الخلاص هو عمل إلهي، قبل فيه الله الابن ميلاداً ثانياً من أم بشرية، بالإضافة إلى ولادته الأزلية من الله الآب. ولكن هذا لم يؤثر على كيانه الأزلي، فبكونه الله هو يملأ كل شيء وفعله مدرك في كل مكان في الطبيعة وأيضاً في الإنسان. وهذه الأعمال تمثِّل ضبط الله وتوجيهه (للخليقة)؛ ولكن في التجسد تم إعلان الله عن ذاته.

  • إن التأكيد بأن الله الابن صار إنساناً لا يعني أن الكون أصبح محروماً من عنايته الإلهية أثناء حياته على الأرض. وكان البطريرك ساويروس ـ مثل مار فيلوكسينوس وبقية اللاهوتيين غير الخلقيدونيين ـ يصر على أن الله الابن لكي يصبح متجسداً كان لابد أن يقبل في نفسه إخلاءً ذاتياً، وهذا المفهوم له دلالاته الهامة التي سنلتفت إليها فيما بعد.

  • إن أساس مفهومنا عن التجسد هو اعتراف الكنيسة بأنه سر ينبغي قبوله بالإيمان. ونحن نؤمن أن “هيبوستاسيس الله الكلمة ذاته صار متجسداً، بحسب التقليد الرسولي للكنيسة الذي تسلمته منذ القديم”.

وهذا التأكيد على أن يسوع المسيح هو ابن الله المتجسد وأنه في آن واحد إله كامل وإنسان كامل، يمكننا أن نجده في أي عبارة لاهوتية تشير إلى شخص المسيح عند قادة الجانب غير الخلقيدوني. ونستطيع أن نذكر هنا عبارتين من تلك العبارات وضعهما الجانب غير الخلقيدوني في القرن السادس. وتظهر العبارة الأولى في الاعتراف الذي قدَّمه القادة غير الخلقيدونيين للإمبراطور جوستنيان عام 531م.[27]

فبعد التعبير عن إيمانهم بالثالوث القدوس، أكدوا أن واحداً من أشخاص الثالوث القدوس وهو الله الكلمة ـ بإرادة الله الآب ولأجل خلاص البشر ـ اتخذ في الأيام الأخيرة جسداً من القديسة العذراء مريم والدة الإله (ثيؤطوكس) بالروح القدس، وهذا الجسد له روح عاقلة مفكرة. ولأنه له نفس الطبيعة معنا، فقد كان الجسد قابلاً للألم.

وقد صار الله الكلمة إنساناً ولكنه “لم يتغير عما كان عليه، لذلك فهو واحد مع الآب في الجوهر فيما يخص اللاهوت، وأصبح واحداً معنا في الجوهر فيما يخص الناسوت. وبهذه الطريقة، أصبح الذي هو الكلمة الكامل ابن الله، إنساناً كاملاً بغير تغيير”.

وأكد القادة (في هذا الاعتراف) أن التجسد كان حقيقياً وليس ظاهرياً. “وقد تحمل عنا إرادياً الآلام البريئة الطبيعية في جسده القابل للألم، الذي هو واحد معنا في نفس الجوهر، وقبل كذلك موتنـــا لأجلــنا. كما وهب لنــــــا أيضاً الحيــــاة بقيامـــته اللائقــة بالله (God-befitting)، واستعاد لأول مرة عدم الفساد وعدم الموت للجنس البشري”.

وأضاف القادة أنه لا ينبغي أن نقسِّم الرب المتجسد إلى شخصين أو طبيعتين، كما فعل نسطوريوس ومؤيدوه، ولكنه “وهو الذي مثل الآب في كل شيء ماعدا الأبوة، قد صار له نفس الطبيعة معنا وأصبح يُسمى ابن الإنسان. وهو واحد، لأن هو نفسه أُظهر بكونه إلهاً وإنساناً (في آنٍ واحد)، وولد كما هو كطفل من أجلنا”. ولذلك “فإن الذي كان في السابق بسيطاً وليس مركباً، أي الله الكلمة، صار متجسداً من العذراء مريم والدة الإله، ووحد بنفسه (to himself) جسداً مُحيَاً بروح عاقلة، وأصبح مركباً في التجسد”.

وهذه العبارة في الحقيقة واضحة تماماً، وهي تؤكد في كلمات بسيطة جداً أن يسوع المسيح هو في آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل، وأنه وحدة (unity)، وأنه هو الله الابن الذي صار متجسداً بالمعنى الحقيقي الكامل.

أما الوثيقة الثانية فقد كُتبت عام 536م، لأنه بعد فشل المباحثات بين البطريرك ساويروس وجوستنيان طُرد الأول من المدينة، وقبل مغادرته تبادل هو وأنثيموس وثيؤدوسيوس الرسائل التي تعبر عن اتفاقهم في الإيمان.[28] وفيما يلي ملخص الرسالة التي بعث بها البطريرك أنثيموس إلى البطريرك ساويروس:

ذكرت الرسالة أن قانون إيمان نيقية حسبما فهمه وأقره مجمعا عام 381م وعام 431م، وكذلك حروم ق. كيرلس الإثني عشر، بالإضافة إلى منشور الإتحاد (هينوتيكون) لزينو ـ كلها وثائق إيمانية مقبولة. واستمر أنثيموس بعد ذلك يقول:

“إن الله الكلمة المولود من الآب قبل العالمين، الذي له ذات الطبيعة الواحدة وذات الأزلية الواحدة مع الآب، الذي به عُملت (خُلقت) كل الأشياء، هذا قد صار في الأيام الأخيرة متجسداً من العذراء مريم والدة الإله بالروح القدس”. “وقد وحَّد هيبوستاسياً (hypostatically) بنفسه جسداً له ذات الطبيعة معنا وله روح عاقلة مفكرة. وقَبِلَ أن يشابهنا بغير تغيير أو اختلاط أو خطية”، مجتازاً ميلاداً ثانياً.

والأم العذراء هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘، “والذي وُلد منها في الجسد هو إله كامل وإنسان كامل. وهو ابن واحد ورب واحد ومسيح واحد وطبيعة واحدة متجسدة للكلمة”. وتعبير ’طبيعة واحدة‘ لا يعني أن أي من الطبيعتين قد فُقد في الإتحاد. “لقد صار إنساناً بالتمام، بينما ظلت كل من الطبيعتين بدون اختلاط طبقاً للمبدأ (الأصل) الذي عليه كل من هاتين اللتين إلتقيتا معاً في اتحاد غير قابل للانفصال”. وبالتالي فإن كلاً من الطبيعتين استمرت في الإتحاد (ولم تُفقد).

وأصر أنثيموس على أن التجسد لم يحول الثالوث إلى ’رابوع‘ (Quaternity)، ولكن حيث إن الله الكلمة هو فوق التألم بطبيعته فقد اتخذ جسداً له ذات الطبيعة معنا لكي يشترك في معاناتنا. وقد تألم في الجسد، وبالرغم من أنه غير قابل للألم بلاهوته، إلاّ أنه تألم فيما اتخذه (أي في الجسد).

“إنه تألـــم بالحقيقة ـ وليس ظاهرياً ـ في الجسد الذي هو بالطبيعة قابل للألم”. وأكد أنثيموس أننا مع ذلك لا نفصل هاتين اللتين إلتقيتا معاً في الاتحاد؛ “ولا نتحدث عن من هو واحد، وفوق كل تعبير، بأنه طبيعتين أو نَصِفه بأنه في طبيعتين”. وفي نفس الوقت “لا نُدخِل أي اختلاط (في الاتحاد) بإلغاء الاختلاف بين اللاهوت والناسوت”.

 

التعليم عن المسيح (الخريستولوجي) والتعليم عن الخلاص (السوتيريولوجي):

لقد أجمع اللاهوتيون غير الخلقيدونيين على التأكيد بأن القصد من التجسد هو خلاص العالم، وقد حققه الله في ومن خلال حياة إنسانية. ومن أجل تتميم خلاص العالم، صار الله الابن ـ الذي بواسطته خُلق العالم ـ متجسداً حسب مشيئة ومشاركة الله الآب والله الروح القدس.

ويسوع المسيح الابن المتجسد هو الوسيط بين الله والإنسان، وهو يقف في الوسط لأنه في آنٍ واحد متواصل (في وحدانية الجوهر) مع الله الأزلي ومع الإنسان المخلوق، ولذلك فهو فريد في خواصه (sui generic)، وهو المخلِّص الواحد والوحيد للعالم. ولأنه الوسيط، فقد تمت فيه خلقة الجنس البشري من جديد، وهو آدم الثاني وأول عضو في البشرية الجديدة وسيستمر رأساً لها إلى الأبد.

وقد عالج البطريرك ساويروس بشكل مختصر جداً موضوع القصد من التجسد في كتابه “ضد النحوي” ، ونورد منه هنا هذه الفقرة الحاسمة:[29]

“لقد صار ابن الله الوحيد واحداً معنا في الجوهر، من خلال اتحاده هيبوستاسياً بجسد مُحيَ بروح عاقلة. وبسبب هذا، أصبح ’أوسيا‘ البشرية بكامله وكل الجنس البشري متحداً بالحب مع الطبيعة الإلهية التي كان غريباً ومُبعداً عنها فيما سبق. ولذلك ـ كما هو مكتوب ـ فنحن الذين جُبلنا مؤهلين للتوافق الأصلي (مع الأصل)، أصبحنا شركاء الطبيعة الإلهية. وبالمشاركة، تقبلنا العطايا الإلهية وعدم الموت الذي كان قد فُقد منا بسبب معصية آدم”.

ومن خلال هذه الفقرة يمكننا أن نضع تعليم البطريرك ساويروس على النحو التالي: لقد خلق الله الإنسان لكي يظل الإنسان في علاقة وثيقة معه ـ علاقة الحب. ولكن بسبب السقوط، لم يستطع الإنسان أن يحتفظ بهذه العلاقة ولم يكن من الممكن له أن يسترد حالته المفقودة مع الخالق.

وفي ذلك المأزق، عبَّر الله بنفسه عن حبه نحو الإنسان، وأعاد إلى الحياة عضواً من الجنس البشري متحداً به هيبوستاسياً، ومن خلال ذلك حقق الله الابن في وبواسطة هذا العضو الذي من العائلة البشرية خلاص الجنس البشري كله. وجعل الله الابن نفسه ـ في اتحاده بالناسوت ـ وسيطاً بين الله والإنسان لأنه هو نفسه وفي آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل. فبكونه إله هو الله الابن الواحد من الثالوث القدوس، وبكونه إنسان هو نفسه متواصل مع الجنس البشري كله.

ومرة أخرى نقول أن يسوع المسيح كإنسان هو فرد بشري، وبما أن كل الناسوت بكماله قد تفرد وتخصخص فيه، فهو يمثل كل البشر بشكل فردي وكل الجنس البشري بأجمعه. ويسوع المسيح، الوسيط، لم يتم ابتلاعه في الله الثالوث بل ظل في اتحاد غير قابل للانحلال مع الله، كما أن لاهوت الابن لم يُستنفذ (أو يتغير) في التدبير الإلهي الذي أُظهر في ذلك الوسيط.

*   انظر: توماس. ف. تورانس، الإيمان بالثالوث، ترجمة المترجم، مراجعة د. جوزيف موريس، دار باناريون للنشر القاهرة، ط1 2007، صفحة 294. انظر أيضاً الملحق الموجود في نهاية الكتاب.

[1] Contra Grammaticum, op. cit., I, pp. 154-7; P.O., vol. VIII, p. 216.

*  إن الروح القدس يختلف عن الآب والابن فقط في كونه وحده له الإنبثاق.

#  كان بولس السموساطي ينادي بأن الابن هو قوة الآب دون أن يكون شخصاً حقيقياً، وأن هذه القوة سكنت في يسوع الإنسان، كما كان يرى أن الروح القدس ليس أقنوماً إلهياً، وإنما فقط نعمة الله التي أُعطيت للرسل.

[2]  انظر صفحة 297.

[3]  انظر المرجع رقم 15 صفحة 396. حيث تجد اعتراض مار فيلوكسينوس على الأوطيخية.  وقد انتقد أسقف منبج الأوطيخية على أساس أنها رفضت التسليم بأن الله الابن قد اتخذ الجسد من رحم العذراء.

[4]  يؤكد مار فيلوكسينوس: “وبالضبط مثل كل جسد يتم تكوينه إذ يحضر إلى الوجود في الرحم وينمو هناك ، فهكذا وبنفس الطريقة حينما أراد الكلمة بإعجاز أن يتجسد فإنه لم يأخذ جسده من أي مكان آخر سوى الرحم، حيث حُبل به فيه. لأنه لم يتحد بجسد أي واحد آخر ولكن بجسده الخاص”. (Tractatus…., op. cit., p. 40) .

ويقول مرة أخرى: “لأنه أخلى ذاته، ونزل بنفسه، ودخل في (رحم) العذراء؛ وقد أصبح متجسداً منها وصار إنساناً؛ وحُبل به وولد، وصار واحداً منا في كل شيء ماعدا الخطية. وكان هذا هو جسده هو وليس جسد أي واحد آخر”. (المرجع السابق صفحة 53).

[5]  هذه النقطة كررها كل من مار فيلوكسينوس والبطريرك ساويروس مرات عديدة. وعلى سبيل المثال، أكد مار فيلوكسينوس: “إن إخلاء الذات (للابن) قد حدث أولاً، وعندئذ صار متجسداً. وذاك الذي أخلى ذاته، هو الذي صار جسداً”. (المرجع السابق صفحة 57).

[6]  كتب مار فيلوكسينوس: “لقد تعلمنا أن لابن الله ميلادين، واحد بالطبيعة والآخر بالإرادة. واحد من الآب، والآخر من الأم. واحد أزلي يتجاوز الزمن، والآخر بشري وفي الزمن”. (المرجع السابق صفحة 70).

[7]  إن الغرض الحقيقي للتجسد هو خلاصنا، وقد أكد مار فيلوكسينوس هذه الفكرة من خلال ربطها بالعماد. وقد كتب يقول: “وحيث إن ذاك الذي هو الابن بالطبيعة قد ولد من العذراء، فإننا صرنا أبناء الله بالنعمة بواسطة العماد”. (المرجع السابق صفحة 87).

[8]  كان مار فيلوكسينوس يؤكد مراراً أن الله الابن وحَّد بنفسه ناسوتاً حقيقياً وكاملاً. وقد كتب إلى رهبان (Senoun) قائلاً: “إن الإنسان الكامل قد تم فداءه في الله. فحيث إن آدم كله قد صار تحت اللعنة والفساد، فقد اتخذه الله كله وجدده. إن الرب الذي صار متجسداً قد أعطى جسده للموت من أجل كل جسد، وروحه من أجل خلاص كل الأرواح. وبهذه الطريقة أُعيد خلقة كل طبيعتنا فيه لتكون إنساناً جديداً”.

(Lettre Aux Moines de Senoun, C. S. C. O. vol. 231, ed. Andre de Halleux, 1963, p. 9)

[9]  انظر صفحة 460.

*   لأن الله هو الذي أعلن لنا ذاته بذاته، وهذا قد تم في التجسد إذ كشف لنا الله عن ذاته بكونه ثالوث.

[10]  Tractatus…., op. cit., pp. 84f.

[11]  كتب البطريرك ساويروس: “لم يتكون الطفل مستقلاً بذاته في رحم العذراء مريم، والدة الإله (ثيؤطوكس)، كما يظن الهراطقة بغرور. فالكلمة الذي قبل الدهور وحَّد بنفسه جسداً ذو روح وعقل منذ أول بداية تكوينه في الرحم”. (Contra Gr., op. cit., I, p. 184)

[12] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 183.

[13]  المرجع السابق صفحة 183.

[14]  إن الطفل الذي حبلت به العذراء قد أخذ في الرحم نموه (التدريجي) الطبيعي. فالاعتراف بأنه قد صار متجسداً إنما يعني أن الجسد قد تكون في ذات (تجسد) الكلمة الذي هو بالطبيعة غير متجسد. وقد نما بالتدريج وأخذ شكل البشر. لكن الجسد لم يأتِ إلى الوجود بمعزل عن الإتحاد مع الكلمة. (المرجع السابق صفحة 183).

[15]  انظر صفحة 412.

[16]  للإطلاع على الخطاب انظر: (P.O., vol. XII, pp. 260-61)

[17] للإطلاع على هذه المناقشة انظر: (Philalethes, op. cit., pp. 136-7). ونستطيع أن نرى من خلال هذا الفهم لمعنى لقب ’ثيؤطوكس‘ أن تخوف المدرسة الأنطاكية مردود عليه.

[18] ذكر البطريرك ساويروس هذا في: (Letter to Oecumenius, P.O. XII, p. 176)

[19]  لو 2: 52.

[20] P.O. XII, pp. 266f.

[21] يو 1: 14.

[22] غل 4: 4.

[23] Zacharia Rhetor, op. cit.,

[24] La Polemique…. I, p. 138.

[25] المرجع السابق صفحة 131.

[26] المرجع السابق صفحة 38.

[27] للرجوع إلى هذا الاعتراف انظر صفحة 258 وما يليها.

[28] للرجوع إلى هذه الرسائل انظر صفحة 266.

[29] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 200.

من هو الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

 

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

عندما نقوم بفحص الأسباب التي جعلت المسيحيين في مصر وفي أجزاء كثيرة في الشرق يعارضون مجمع خلقيدونية، ستتضح أمامنا حقيقة واحدة من خلال وثائق القرنين الخامس والسادس، ألا وهي أنهم رفضوا الاعتراف بذلك المجمع على أسس لاهوتية جوهرية.

وبالرغم من أنه ليس من المستبعد أن يكون لدى أولئك المسيحيين شكوى عنيفة ضد مجمع عام 451م بسبب الطريقة التي عُومل بها البابا ديسقوروس وبسبب القرار الخاص بالقسطنطينية، إلا أن تلك الأمور لم يأتِ ذكرها في أي من الوثائق سوى بطريقة غير مباشرة، حيث ظل السبب الرئيس المعلن لرفض المجمع هو سبب لاهوتي.

وفي محاولتنا لفهم وجهة نظر أولئك المعارضين، يتعين علينا أن نتذكر حقيقة أنهم كانوا يتمسكون بإخلاص بالتقليد اللاهوتي السكندري الذي كان بالنسبة لهم هو التقليد الأرثوذكسي الوحيد.

ولم يكن هذا التقليد يقتصر على الإسكندرية أو مصر، ولكنه في الحقيقة كان منتشراً في جميع المناطق في الشرق، ومنذ إدانة نسطوريوس ازداد التقدير لهذا التقليد بصورة كبيرة كما صار البابا كيرلس ـ أكثر من أي شخص آخر ـ هو الرجل اللاهوتي الذي يعبِّر عن الأرثوذكسية بكل إمتياز.

وهذه الشعبية التي نالتها تعاليم آباء الإسكندرية لم تكن شعبية مطلقة أو كليةً إذ كان لها معارضون في الجانب الأنطاكي. وكان المؤيدون للتقليد الأنطاكي ـ كما رأينا ـ يحاولون بشتى الطرق تقوية موقفهم، وكانوا في سعيهم هذا يحرِّفون ـ عن قصدٍ أو عن غير قصدٍ ـ وجهة نظر الجانب السكندري.

وكانت هذه بالفعل هي طبيعة التوتر في الشرق التي على خلفيتها عُقدت المجامع الكنسية الثلاثة عام 448م وعام 449م وعام 451م. وبالنسبة للمنتمين للتقليد السكندري، اعتُبر مجمع عام 448م أنه دافع عن التقليد الأنطاكي وقد تم تصحيح ذلك من خلال مجمع عام 449م، ولكن مجمع خلقيدونية عام 451م قام بإلغاء قرارات مجمع عام 449م.

ولكي نستطيع تقدير وجهة النظر تلك، لابد أن نقوم ببحث الموقف اللاهوتي الذي أقره مجمع خلقيدونية. ومن أجل هذا، سنقوم بفحص الفكر اللاهوتي الذي أكده طومس ليو من جهة، والفكر اللاهوتي الذي أكده تعريف الإيمان الخلقيدوني من الجهة الأخرى. وبعد ذلك سنناقش تعليم البابا ديسقوروس لكي نرى ما هي بالتحديد الأمور التي كان يريد التشديد عليها.

 

2. الفكر اللاهوتي لطومس ليو:

كان الأمر المركزي في مجمع خلقيدونية ـ كما سبق وأوضحنا ـ هو قبول أو عدم قبول طومس ليو. ولذلك سيكون من المناسب هنا أن نعطي ملخصاً مختصراً لهذه الوثيقة، لكي نرى مدى الصعوبة التي يمكن أن يجدها (الشخص) اللاهوتي السكندري في تقبل وهضم الفكر اللاهوتي لتلك الوثيقة.

 

(أ) ملخص مختصر لطومس ليو:

كانت الوثيقة مؤلفة لغرض محدد هو تأييد إدانة أوطيخا التي أعلنها مجمع عام 448م. وقد أخذ الطومس في عرض الموضوع من بدايته الأولى،[1] حيث ذكر أنه: بدلاً من أن يتعلم أوطيخا من أولئك الأكثر منه حكمة اعتمد على فهمه الناقص للإيمان، ولو كان قد توقف فقط ليفحص بعناية العبارة الواردة في قانون الإيمان “أؤمن بالله الآب الضابط الكل، وبابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا الذي وُلد من الروح القدس ومن مريم العذراء”،[2] لما كان قد وقع في تلك الهرطقة الحمقاء.

وعندئذ بدأت الوثيقة تقدم أدلة من الأسفار لتبين بها أن “المولود الوحيد الأزلي نفسه الذي من الآب الأزلي، هو ذاته الذي وُلد من الروح القدس ومن مريم العذراء”.

وبهذه الطريقة أخذ الله الابن طبيعتنا لأجل شفائنا، ولكن أوطيخا ـ على عكس هذا التعليم الواضح ـ استعمل “كلمات مضللة” وقال إنه “قد حُبل به في رحم العذراء”، وأن المسيح “أخذ شكل إنسان بدون جسد حقيقي مأخوذ من أمه”. والحق هو أن “الروح القدس جعل العذراء تحبل وتلد، ولكنه كان جسد حقيقي مأخوذ من جسدها” ذاك الذي ولدته.

وقد اتخذ الله الابن الأزلي ناسوتاً بحيث إن “خواص كلتا الطبيعتين والجوهرين محفوظة ومتواجدة معاً في شخص واحد”. إن ابن الله “نزل من عرشه السماوي” ولكنه في نفس الوقت “بدون أن يتنحى عن مجد الآب”، ودخل في هذا العالم وولد بطريقة جديدة.

وبهذا الميلاد (الزمني) لم يتغير اللاهوت إلى ناسوت، ولا ابتُلع الناسوت في اللاهوت، ولكنهما كانا متحدين تماماً بحيث إن “كل طبيعة تقوم بما هو ملائم (proper) لها (أو مختص بها) وهي في شركة (communion) مع الأخرى؛ فعلى سبيل المثال كان الكلمة يقوم بما هو ملائم للكلمة، وكان الجسد ينفذ ما هو ملائم للجسد”.

فكإنسان كان يمكنه أن يشعر بالجوع والعطش وأن يتعب وينام؛ ولكن كإله أشبع الآلاف من الناس بخمس خبزات كما صنع معجزات أخرى. والحق أنه “في الرب يسوع المسيح، يوجد شخص واحد لله والإنسان، ومع ذلك فإنه من حيث التألم الذي هو مشترك لكليهما فإن هذا شيء، ومن حيث المجد الذي هو مشترك (أيضاً) لكليهما فإن هذا شيء آخر؛ لأن الناسوت الذي أدنى من الآب هو له منا، واللاهوت المساوي للآب هو له من الآب”.

ومن هنا فإن وحدة الشخص “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين”، ولذلك يمكننا أن نقول أن ابن الإنسان أتى من السماء، وأن ابن الله أخذ جسداً وولد من العذراء.

واستمر الطومس ليبين أنه طبقاً لشهود العهد الجديد، فإن المسيح هو إنسان وإله معاً، والرسول بطرس على سبيل المثال أوضح ذلك بصورة جلية في اعترافه التاريخي في قيصرية فيلبس، وبالتالي كان هناك سبب وجيه لكي “يعلن الرب طوباويته” وأن “يشتق (الرب) ثبات قوته واسمه من الصخرة الأصلية”.

وكانت ظهورات ربنا بعد القيامة من أجل تأكيد هذه الحقيقة العظمى للتلاميذ. وقد فشل أوطيخا في إدراك هذا، لأنه لم يميِّز “طبيعتنا في (الابن) المولود الوحيد، لا في حالة تواضع الموت ولا في حالة مجد القيامة”، وبهذه الطريقة تجاهل حقيقة الصليب وبالتالي أنكر المعنى الحقيقي لخلاصنا.

وقام البابا ليو بتوبيخ فلافيان أسقف القسطنطينية لأنه لم يُسكِت الراهب أوطيخا حين قال: “أنا أعترف أن ربنا من طبيعتين قبل الاتحاد، ولكن بعد الاتحاد أنا أقر أنه بالحق طبيعة واحدة”.[3]

(ب) بعض الملاحظات على طومس ليو:

كان البابا ليو قد وضع هذا الطومس في ضوء افتراضٍ مبدئي بأن أوطيخا قد فشل في تأكيد حقيقة ناسوت المسيح وميلاده البشري، ولذلك ركز البابا ليو في الطومس على ثلاثة نقاطٍ بقصد استبعاد الخطر المتضمَّن في الموقف الذي نُسب لأوطيخا. وهذه النقاط هي:

(1) إن ناسوت المسيح كان حقيقياً ـ فقد وُلد كإنسان من الأم العذراء، وكان له كل الخواص الإنسانية الجوهرية، ومات وقام ثانية من بين الأموات.

(2) من خلال ميلاد وحياة وتدبير يسوع المسيح، دخل الله الكلمة ـ الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس ـ بنفسه في الوجود التقليدي للجنس البشري وتمم خلاصه.

(3) إن لاهوت الكلمة والناسوت الذي اتخذه، قد استمرا في شخصه الواحد بدون تغيير.

وفي الحقيقة كان التقليدان اللاهوتيان السكندري والأنطاكي يقران بكل هذه التأكيدات (الواردة في الطومس) بدون أي تحفظ. ولكن الصدام بينهما كان قد حدث نتيجة تخوف الجانب السكندري من أن الجانب الآخر لا يؤكد على وحدة شخص المسيح بالمعنى الحقيقي، وكذلك تخوف الجانب الأنطاكي من أن الجانب الآخر يتجاهل حقيقة ناسوت المسيح. وكان طومس ليو بالفعل يقدم العقيدة بالطريقة التي تحقق الرضاء التام للجانب الأنطاكي.

فماذا إذن عن اهتمامات الجانب السكندري؟. لقد تحدث طومس ليو عن ’شخص واحد‘، فماذا كان يعني البابا بهذا التعبير؟ ولكي نقدم السؤال بهذا الشكل ينبغي علينا أن نتذكر أولاً أنه في السياق التاريخي للقرن الخامس كان اللاهوتيون الشرقيون يستخدمون الكلمتين ’بروسوبون‘ و ’هيبوستاسيس‘ اليونانيتين كمرادف يكافئ كلمة ’برسونا‘ عند اللاتين. وكان الأنطاكيون ـ كما ذكرنا سابقاً ـ يؤكدون على اتحاد الطبيعتين في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘، وعلى هذا الأساس كانوا يعلِّمون أن المسيح هو طبيعتين متحدتين في بروسوبون واحد.

ولكن السكندريون أصروا على أن اتحاد الطبيعتين كان بحسب ’الهيبوستاسيس‘ وأن المسيح هو هيبوستاسيس واحد وبروسوبون واحد،* لأن الطبيعتين الإلهية والإنسانية كانتا متحدتين إلى درجة أن المسيح لم يكن “طبيعتين بعد الاتحاد”؛ وهو كان دائماً “من طبيعتين” ولكنه مع ذلك “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.

وفي الحقيقة كانت تلك الرؤية السكندرية هي الأساس اللاهوتي الذي تمت على أساسه إدانة نسطوريوس كهرطوقي في مجمع عام 431م. ومن ثم يصبح السؤال عن المعنى الذي كان البابا ليو يقصده من تعبير ’شخص واحد‘، هو سؤال وثيق الصلة بالموضوع. فهل كان يعني بتعبير ’شخص واحد‘ أنه ’هيبوستاسيس واحد‘ أم ببساطة مجرد ’بروسوبون واحد‘؟.

من الواضح من الطومس أن البابا ليو لم يتطرق إلى تلك الأمور (أو الفروق) الدقيقة الخاصة بالشرق، وفي أغلب الظن أنه لم يكن ملماً بها، ولذلك حينما كان يؤكد وحدة شخص المسيح أصر على أن “كل طبيعة تقوم بما هو ملائم (proper) لها (أو مختص بها) وهي في شركة (communion) مع الأخرى؛ فعلى سبيل المثال كان الكلمة يقوم بما هو ملائم للكلمة، وكان الجسد ينفذ ما هو ملائم للجسد”، وأن وحدة الشخص “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين”.

ورأى القادة الذين تربوا على التقليد اللاهوتي السكندري في عبارة ’شخص واحد كائن في طبيعتين‘ ما يتضمن فقط معنى ’البروسوبون‘، كما رأوا في عبارة ’أن كل طبيعة تقوم بما هو ملائم لها وهي في شركة مع الأخرى‘ ما يحمل معنى ’الهيبوستاسيس‘، وهذا بالتحديد ما كان الأنطاكيون يعلِّمون به طوال الوقت. وهكذا فهم السكندريون أن ليو يؤمن أن ’الهيبوستاسيسين‘ أي الله الابن ويسوع الإنسان اتحدا في ’بروسوبون‘ واحد.

وإذا قارنوا الطومس مع رسائل البابا كيرلس التي أرسلها إلى نسطوريوس وبالأخص الرسالة التي احتوت على الحروم، فسيجدون تناقضاً حقيقياً بين تعليم اللاهوتي السكندري وتأكيدات البابا ليو. لأن ق. كيرلس على سبيل المثال كان قد أوضح تماماً أن الأقوال والأفعال يقوم بها الهيبوستاسيس المتجسد الواحد، بينما يذكر الطومس أن الأقوال والأفعال تقوم بها الطبيعتان،[4] فإذا أُخذ مصطلح ’الطبيعة‘ بمعنى ’الهيبوستاسيس‘ ـ وهو المعنى الوحيد المعقول والمنسجم مع سياق النص ـ سيكون هذا الموقف بالتحديد هو ما لا يمكن قبوله على الإطلاق.

 

[1]   للاطلاع على الطومس انظر: (ACO. II, i. pp. 10f.). الأصل اللاتيني مع الترجمة الإنجليزية موجودة في (T. H. Bindley, op. cit.).

[2] هنا اقتبس ليو بابا روما من قانون الإيمان الروماني القديم وليس من قانون نيقية.

[3]   يذكر طومس ليو أن كلمات أوطيخا هي:

Confiteor ex duabis naturis fuisse Dominum nostrum ante adunationem post adunationem vero unam Confiteor”  

والحقيقة أن الأصل اليوناني الذى عبَّر فيه الراهب عن هذه الكلمات ليس فيه كلمة تتطابق مع كلمة (vero) التي ذُكرت باللاتينية التي كتب بها الطومس. (وهذه الكلمة تعني بالحق أو بالتأكيد أو في الواقع)

*   انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب عن “التطور التاريخي لمدلول المصطلحات المستخدمة في الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى”.

[4]   كان هذا هو الاختلاف بين البابا كيرلس والبابا ليو، والذي يبدو أن بول جالتييه قد تجاهله في محاولته التوفيق بين الرجلين. وكما سنرى فلم تكن صيغة إعادة الوحدة تبرر التعليم الذي قدمته روما أثناء النزاع. انظر:

(Galtier’s essay on Le Saint Cyrile d’Alexandrie et Saint Leon le Grand a Chalcedon, in Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., vol. I)

التعليم الخريستولوجي للتقليد غير الخلقيدوني

 

Exit mobile version