مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2
مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2
الطريق إلى خلقيدونيّة
بعد انفضاض المجمع المسكوني الثالث ظهر أرشمندريت اسمه أوطيخا رئيس أحد أديار القسطنطينيّة، وكان من ألد اعداء نسطوريوس المبتدع. فلم يكتف بمـا حدّده المجمع في أفسّس ضد بدعته فتطرّف إلى القول بإنّ ربنا يسوع المسيح مؤلَّف من طبيعة واحدة وأنّ جسده غير مساوٍ لجسدنا في جوهره بما أنّه جسد إله وإنّ الطبيعة البشريّة ابتُلِعَت وتلاشت باتحادها مع الطبيعة الإلهيّة.
ولإنّه كان رئيس دير أيوب في الربع (الحي) السابع من المدينة، لذا فقد كان يقود 300 راهب لمدة تزيد عن الثلاثين عامًا، ومن خلال ابنه بالمعموديّة (الذي هو ابن أخيه) كريسافيوس Chrysaphius كبير موظفي البلاط الملكي استطاع أوطيخا الوصول إلى البلاط. وبينما كان المناخ الكنسيّ مُلبدًا بغيوم الخلاف بين الجانب السكندريّ ونظيره الأنطاكيّ، واجه أوطيخا مقاومة ومعارضة من الأنطاكيّين لأنّه كان متعصبًا جدًّا للسكندريّين، وهكذا زاد من حدة التوتر.[1]
وفي سنة 448 قدّم يوسابيوس أسقف دوريلاوس (دوريلوم) في فريجيّة إلى القسطنطينيّة ورفع شكواه على أوطيخا إلى فلافيانوس البطريرك القسطنطينيّ. فجمع هذا مجمعًا من 31 أسقفًا و32 أرشمندريتًا وبعد محاولات عديدة حضر أوطيخا إلى المجمع وسُئِل عن إيمانه فصدر الحكم بضلاله وتجديفه وجُرّد من الكهنوت وقُطِع من الشركة وعُزِل من رئاسة الدير.
وقد زار يوسابيوس أسقف دوريليم أوطيخا[2] في ديره بالقسطنطينيّة مرات عدّة واكتشف أنّ عقيدته غير أرثوذكسيّة، إذ يعتقد بالامتزاج.
وسعى أوطيخا وأنصاره لدى الإمبراطور ثيودوسيوس الصغير فكتب هذا إلى البابا ليو الأوّل يطعن بالبطريرك فلافيانوس ومجمعه. فكتب البابا مستفسرًا ورد عليه الجواب فوافق على الحكم الذي أصدره مجمع فلافيانوس.
وأمر ثيودوسيوس بعقد مجمع ثان في القسطنطينيّة فعقد في نيسان سنة 449 وأيّد حكم المجمع السابق
وكتب ليو رسالة مجمعيّة مسهبة تعرف باسم “طومس لاون” ثبت فيها تعليم فلافيانوس وضلال أوطيخا.
موقف كنيسة الإسكندريّة
شعر البابا ديسقوروس بخطورة انتشار أفكار ثيودوريت أسقف قورش، وإيباس أسقف الرُها في الشرق، تلك التي تهاجم عقيدة البابا كيرلس السكندريّ. وكذلك انتشار تعاليم ثيودور الموبسويستيّ ونسطور في كثير من المناطق في المشرق. وأمام اعتراف أوطيخا الخطيّ المخادع بأنّه:
”يرفض هؤلاء الذين يقولون إنّ جسد ربنا يسوع المسيح قد نزل من السماء… لأنّ ذاك الذي هو كلمة الله نزل من السماء بدون جسد وتجسّد من جسد العذراء نفسه بدون تغيير ولا تحويل وبطريقة عرفها هو نفسه وأرادها، وذاك الذي هو دومًا إله كامل قبل الدهور، صار أيضًا إنسانًا كاملًا في آخر الأيام من أجلنا ومن أجل خلاصنا“.[3]
شعر البابا ديسقوروس أنّ فلافيان بطريرك القسطنطينيّة، ويوسابيوس أسقف دوريليم قد انضما إلى التيار النسطوريّ الموجود في الشرق حينما طُلِب من أوطيخا في مجمع القسطنطينيّة المكانيّ 448م حرم كلّ من لا ينادي بطبيعتين من بعد الاتحاد.
مجمع أفسّس الثاني 449م
لم يرق لثيودوسيوس حكم المجمع، فأصدر أمره بعقد مجمع مسكونيّ في أفسّس في السنة نفسها 449، واستدعى ديوسقورس بطريرك الإسكندريّة نصير أوطيخا ليتولى رئاسة المجمع. وكتب ثيودوسيوس كذلك للبابا ليو بشأن هذا المجمع فأجاب البابا بإرسال نوَّابه الأسقف يوليانوس والقس رينادوس والشماس إيلاريوس.
وبعد استعراض وقائع مجمع أفسّس الأوّل 431م، ومجمع القسطنطينيّة المكاني 448م، وقراءة اعتراف أوطيخا المكتوب بالإيمان الأرثوذكسيّ قدّمه إلى المجمع مخادعًا.
وبعد الاستماع إلى آراء الحاضرين؛ حكم المجمع بإدانة وعزل فلافيان بطريرك القسطنطينيّة ويوسابيوس أسقف دوروليم وبتبرئة أوطيخا وإعادته إلى رتبته الكهنوتيّة.كما حكم المجمع بحرم وعزل كلّ من هيباس أسقف الرها وثيودوريت أسقف قورش وآخرين.[4]وحدّد المجمع أنّ ديودور الطرسوسيّ نسطوريّ.[5] ولم تُقرأ رسالة البابا ليو الأوّل إلى المجمع وهيَ المعروفة بطومس لاون.
وفي سنة 450 توفي ثيودوسيوس الصغير فخلفته شقيقته الملكة بلخريا وتزوجت بقائد جيشها مركيانوس الحسن العبادة ليشاركها في إدارة المملكة. وأوّل عمل قامت به نقل جسد الشهيد فلافيانوس إلى كنيسة الرسل القديسين في القسطنطينيّة. واهتمّت بعقد مجمع مسكونيّ وكتبت في ذلك إلى البابا ليو فأجاب البابا مستحسنًا عملها وعيّن موفديه الأسقف يوليانوس والقس باسيليوس.
وجرت مكاتبات بين الملك مركيانوس والبابا ليو بهذا الشأن أسفرت عن صدور أمر الملك بعقد المجمع في مدينة نيقية التي عُقِد فيها المجمع الأوّل وبعث برسائل الدعوة إلى كلّ الأساقفة.
ولكن الملك مركيانوس لم يتمكن من الذهاب إلى نيقية وأصيب بعض الأساقفة بأمراض، فصدر الأمر بنقل المجمع إلى خلقيدونيّة في جوار القسطنطينيّة. وبدأ اجتماعه هُناك يوم الأثنين في 8 تشرين الأوّل 451 في كنيسة القديسة أوفيمية المعظمة في الشهيدات. وحضر المجمع مركيانوس والملكة بلخريا زوجته وكثيرون من أمراء الدولة.
مجمع خلقيدونية 451م
لم يقبل البابا ليو الأوّل نتائج مجمع أفسّس الثاني 449م ومنح الحلّ الكنسيّ لثيودوريت أسقف قورش وأعاده إلى الشركة.[6]
وليقرّروا أنّه مورس عليهم ضغوط أو وقعوا على أوراق بيضاء أو أنّه قد تمّ التزوير في أوراق المجمع (ύπέγρψαν είς άγραφον χάρτην).
الأمر الهام أنّه خلال المناقشة اعترف الباب ديسقورس بإصرار بطبيعتين في المسيح قبل الاتحاد وطبيعة واحدة بعد الاتحاد ولكنها (متجسِّدة):
”لا يمكن أن نعقل طبيعتين ولكن واحدة للكلمة المتجسِّد…أنا أقبل من طبيعتين بعد الاتحاد لا يوجد طبيعتان“.
“ού δεί νοείν δύο φύσεις،άλλά μίαν φύσιν τού Λόγου σεσρκωμένην…..τό έκ δύο δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι….Μετά τήν ένωσιν δύο φύσεις ούκ είσί”.
حينها شرح يوسابيوس أسقف دوريليم وباسيليوس سيليفكياس وميلوفثونجوس اليوبوليتون وآخرين بأنّ في المسيح الواحد يوجد طبيعتين (طبيعتين في شخص واحد، رّبّ واحد معروف في طبيعتين
δύο φύσεις έν ένί προσώπω…ένας Κύριος…..έν δύο φύσεσι γνωριζόμενος).
فقال البابا ديسقورس إنّ هذه الأقوال (تمزيق وتشريح) καινοτομίας وذيوفيزيتية δυοφημίας، وأضاف أنّه بسبب هذه الأقوال تمّ حرمان -وعن حق- فلافيانوس في 449، بينما قرّر المجمع أنّ فلافيانوس يتفق مع كيرلس الإسكندريّ.
وبالرغم من ذلك فإنّ البابا ديسقورس أظهر استعدادًا كبيرًا في أن يحكم على أوطيخا إذا ما ثبت أنّه يمتلك مفاهيم دوتوكية (δοκτικές (άντιλήψεις وأراد أن يبتعد عن مونوفيزيتيّة أوطيخا وأعلن أنّه يقبل مثل كيرلس طبيعتين الرّبّ بغير اختلاط ولا تغيير ولا تمزيق
όπως ό Κύριλλος ότι δέχεται άσύγχυτες καί άτρεπτες τίς φύσεις τού Κύρίου ούτε σύγχυσιν،λέγομεν ούτε τροπήν،ούτε τομήν…
وقد نُوقش البابا ديسقوروس بشأن عقيدة أوطيخا الذي برأه مجمع أفسّس الثاني 449م ؛ فقال:
”إذا كان أوطيخا يتمسّك بمفاهيم ترفضها عقائد الكنيسة، فهو يستحق ليس العقاب فقط بل حتّى النار (أي جهنم) أيضًا. ولكن اهتمامي إنّما هو بالإيمان الجامع الرسوليّ وليس بأي إنسان أيًا كان“.[7]
وهو في تأكيده على الطبيعة الواحدة المتجسّدة لله الكلمة أراد أن يثبت عدم التقسيم بين الطبيعتين من بعد الاتحاد، وفي قبوله لعبارة: “من طبيعتين بعد الاتحاد”، أراد أن يؤكِّد ما أكّده القديس كيرلس الكبير عن استمرار وجود الطبيعتين في الاتحاد وعدم امتزاجهما أو اختلاطهما.
وكان أناطوليوس أسقف القسطنطينيّة قد أعلن في الجلسة الخامسة للمجمع أنّ:
”ديسقوروس لم يتم عزله بسبب عقيدته، إنما بسبب أنّه قد حرم لاون“.[9]
وقد وافق الثلاثة عشر أسقفًا المصريين الذين حضروا مجمع خلقيدونية على حرم أوطيخا لكنهم رفضوا التوقيع على قرارات مجمع خلقيدونية أو طومس ليو أو عزل البابا ديسقوروس.
“وقد أشاروا إلى أنهم لا يستطيعون التوقيع بدون التوافق مع رئيس أساقفتهم.. وأنهم لا يستطيعون التوقيع دون أن يكون رئيس أساقفتهم معهم…”.[10]
وحدثت اضطرابات كبيرة في الشرق بسبب قرارات مجمع خلقيدونية ومع تغيير الأباطرة كانت الظروف تتغير.
نص حكم عزل البابا ديسقوروس
” من المجمع المسكوني العظيم والمقدس، الذي بنعمة الله وبأمر من……. أباطرتنا، والمجتمِع في خلقيدونية… إلى ديسقوروس: بسبب ازدراء القوانين المُقدّسة، واحتقارك لهذا المجمع المسكوني المقدس، حيث ـ وبالإضافة للتعديات الأخرى التي أُدنت بسببها ـ قد رفضت أن تستجيب لثلاثة استدعاءات من هذا المجمع العظيم والمقدس، والتي قُدمت لك وفقًا للقوانين الإلهية لكي ترد على التهم الموجهة إليك:
فلتعلم إذن، إنك في الاونم الثالث عشر من الشهر الحالي أكتوبر قد عُزلت بواسطة المجمع المسكوني والمقدس من أسقفيتك، وجُردت من كلّ رتبة كنسية“.
ومن كلمات أناطوليوس يوم 22 أكتوبر عندما قال إنّ السبب وراء إدانة البابا ديسقوروس لم يكن أمرًا متعلقًا بالإيمان وإنّما حقيقة “إنّه قد حرم السيد رئيس الأساقفة لاون”، ولم يذعن لاستدعاءات المجمع الثلاثة له.[11]
وهكذا نجد أنّ البابا ديسقورس لم يُحكم عليه لأجل إيمانه، أو أنّ إيمانه كان مختلفًا عن إيمان الآباء، أو لكونه هرطوقيّ، بل فقط لأسباب إداريّة وسياسيّة بحتة.
في ضوء الحقائق التي ناقشناها طوال هذه الدراسة، نستطيع أن نقدم الملاحظات التالية المتعلقة بالجدال الخريستولوجي:
عندما كان الفكر اللاهوتي المسيحي يشير إلى ما أسماه بـ ’النسطورية‘، فإنه كان دائماً يعني ذلك الموقف المتطرف الذي فُهم أن التفسير الأنطاكي لشخص يسوع المسيح يؤكده. ولكن لا نسطوريوس نفسه ولا أي من الرجال المعتبرين قادة في المدرسة الأنطاكية كان يتمسك بالصورة المتطرفة التي ذاعت عن تلك الهرطقة.*
وعلى نفس المنوال كانت ’الأوطيخية‘ أو ’المونوفيزيتيزم‘ هي تشويه معيب للتعليم الخريستولوجي السكندري. وبالفعل لا تُعد كل الأدلة المتوفرة لدينا كافية للإصرار على أن أوطيخا كان يتمسك بما سُمي بالهرطقة الأوطيخية.
ولذلك ـ ومع أن أوطيخا لم يكن قادراً على التعبير عن وجهة نظره بشكل واضح ـ فإننا لا نجد ضرورة لتقديم أي دفاع عن الرجل. ولكننا في نفس الوقت ينبغي أن نؤكد أنه لا كيرلس السكندري ولا أيّ من اللاهوتيين المعروفين أو آباء الكنيسة في الجانب غير الخلقيدوني بما فيهم البطريرك ديسقوروس كان مداناً بتمسكه بتلك الأفكار (التي نُسبت لأوطيخا) على الأطلاق.
في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة في حوض البحر المتوسط والشرق الأوسط متحدة بشكل ما، كان هناك شعور بالرغبة في وجود ’صيغة‘ أو ’تركيب‘ لاهوتي (synthesis) من كلا التقليدين السكندري والأنطاكي (أي من المفاهيم اللاهوتية المتضمّنة فيهما). ولكن الحقيقة أن ذلك لم يكن من الممكن تحقيقه حتى في تلك العصور القديمة، بسبب أن كل موقف (أو تقليد) كان قد صار مترسخاً بعمق في مناطق محددة بعينها، لدرجة أن كلا الجانبين لم يكن يريد أن يسعى لذلك ’التقارب‘.
وعلى سبيل المثال، كانت إعادة الوحدة عام 433م حادثة يمكن أن يأخذها الطرفان المعنيان كأساس يعتمدان عليه للوصول إلى ذلك ’التركيب‘ المشترك، ولكن كل جانب أخذها فقط كحجر يخطو عليه (أو وسيلة) لكي يدفع بكل مفاهيمه تجاه استبعاد مفاهيم الآخر. وفي هذا الصدد كان الجانب السكندري، بدون شك، أكثر قوة من الجانب الأنطاكي، ولكن مجمع خلقيدونية قام بدوره في قلب هذا الموقف حين ذهب إلى أبعد مما تم التسليم به في إعادة الوحدة عام 433م وأصر على عبارة ’في طبيعتين‘.
وبعد خلقيدونية حدث نفس الأمر ـ الذي رأيناه من الجانبين تجاه حادثة إعادة الوحدة ـ بشأن مرسوم الاتحاد الخاص بالإمبراطور زينو ’الهينوتيكون‘، فبالرغم من أن هذا المرسوم قد صدر كأداة يمكن أن يصل بواسطتها الطرفان المتنازعان إلى الوحدة، فإن أولئك الذين قبلوا تلك الوثيقة من كلا الطرفين قد أخذوها فقط كخطوة ينطلقون منها لتأكيد وجهة نظرهم دون أن يعيروا أي التفات لرأي المعارضين لهم.
بينما كان كل اهتمام روما في خلقيدونية منصباً على جعل المجمع يقبل طومس ليو بدون مناقشة، وأن يقبل الفكر اللاهوتي الذي تضمَّنه الطومس بكونه مقياس الكنيسة العقائدي، كانت السلطة الإمبراطورية على الجانب الآخر مهتمة بأن تحصل على صيغة للإيمان تضعها لجنة من رجال ينتمون إلى التقاليد المتنوعة في الكنيسة، ومن ثم تحقق الوحدة للإمبراطورية. وهنا كانت الاعتبارات السياسية وليست الفائدة اللاهوتية ـ بالإضافة إلى النفوذ البشري ـ هي التي توجه القيادة الحكومية.
وفي إصرارها العنيد على مسألة قبول طومس ليو، كانت روما منقادة بفكرة فرض مزاعمها الباباوية (على الكنيسة) كما كانت منقادة أيضاً وبنفس الدرجة برغبتها في أن يشاركها الجميع في طريقة فهمها للإيمان المحفوظة في التقليد اللاهوتي للكنيسة في الغرب. ولكن البابا ليو في محاولته تلك، لم يُظهر أي فهم للجدال الخريستولوجي القائم في الشرق، ولا أسَّس تفسيره اللاهوتي (في الطومس) على قرارات المجامع السابقة التي تم اعتبارها مجامعاً مسكونية.
وعلى نفس هذا النحو، لم تكن لدى السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية أي تعاطف لا مع مجمع أفسس عام 431م ولا مع التقليد اللاهوتي لآباء الإسكندرية. وكانت خطة الإمبراطور والإمبراطورة هي تأييد ومناصرة روما ضد الإسكندرية، بالإضافة إلى الترتيب لرفع مكانة (كرسي) القسطنطينية ـ عاصمة الإمبراطورية ـ لموقع القيادة في الكنيسة والذي يأتي تالياً فقط لكرسي روما.
وحيث إن كل من الكرسي الغربي (في روما) والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية، اللذان سيطرا على مجمع خلقيدونية، كانت له خطته الخاصة التي يريد تحقيقها من خلال ذلك المجمع ـ وهي خطة لم تكن بالتأكيد لها أية صلة بالمسألة الخريستولوجية ـ فإنهما لم يجدا كليهما أية صعوبة في تخطي وجهة نظر المعارضين للمجمع بإسلوب يدعو إلى غاية الذهول وبدون حتى أي أثر من دليل يؤيدهم على ذلك.
وقامت اللجنة المجمعية في خلقيدونية بإصدار تعريف للإيمان تحت ضغط الجانب الروماني من جهة والسلطة الإمبراطورية من الجهة الأخرى. وكان هذا التعريف هو نوع من صيغة تسوية (أو حل وسط)، تجنبت اللجنة فيه المشكلة المركزية التي كانت تواجه الكنيسة في ذلك الوقت. وبالرغم من أن تلك الصيغة أرضت روما ورجال الجانب الأنطاكي، إلا أن السكندريين الذين لم يكن لهم دور في مجمع عام 451م عارضوها ورفضوها.
وبالقطع أخطأت كل من روما والسلطة الإمبراطورية في تقدير حجم التأييد الذي يملكه التراث اللاهوتي السكندري في الشرق. وكانت المعارضة لمجمع خلقيدونية عنيفة جداً وشديدة العزم لدرجة أنه تحتم أن يتم الدفاع عن الموقف الخلقيدوني من خلال: أولاً، إطلاق العنان لسلسلة من الإضطهادات القاسية ضد المعارضين للمجمع قام بها الأباطرة في القسطنطينية، وثانياً، من خلال اتهام المعارضين للمجمع بهرطقة ’المونوفيزيتيزم‘ (عقيدة الطبيعة الوحيدة) بالرغم من إنكار غير الخلقيدونيين المتكرر لتلك العقيدة بعبارات قاطعة. ولم تساعد أي من هذه الممارسات الجانب الخلقيدوني في فرض موالاة الشرق المسيحي كله له.
كما لم تنجح مجهودات جوستنيان وبعض خلفائه من أجل إعادة الوحدة وذلك لسبب بسيط وهو أن الجانب الخلقيدوني لم يكن ليتخلى عن المجمع، ولم يكن للجانب غير الخلقيدوني شيئاً ليفعله أمام ذلك الإصرار.
وأمام اعتراض وتحدي المعارضين للمجمع، شرع الجانب الخلقيدوني في الشرق في بناء موقف خريستولوجي (مختلف) منذ بداية القرن السادس، وكان هذا الموقف ـ من حيث الجوهر ـ هو تقريباً نفس الموقف الذي يتبناه المنتقدون للمجمع والمؤسس على التقليد اللاهوتي لآباء الإسكندرية ولكن مع وجود اختلاف هام وهو استمراره (أي الجانب الخلقيدوني) في الدفاع عن مجمع عام 451م وعبارة ’في طبيعتين‘ وهما الأمران اللذان رفضهما المعارضون للمجمع.
وفي سماحه بحدوث هذا التطور، يكون الجانب الخلقيدوني ـ بالرغم من احتفاظه بعبارة ’في طبيعتين‘ ـ قد تحرك بعيداً عن موقف خلقيدونية الذي أراد الوصول إلى تسوية تميل إلى المفاهيم اللاهوتية الأنطاكية. وفي الحقيقة لو كان الجانب الخلقيدوني، باتخاذه هذه الخطوة، يتبنى فهماً لشخص المسيح يتجاهل الحالة الهيبوستاسية لناسوته أو يتسع للأفكار اليوليانية، فإنه بذلك يكون أكثر تضاداً للنسطورية وللأنطاكية* من التعليم الخريستولوجي لقادة الجانب غير الخلقيدوني أمثال البطريرك ساويروس الأنطاكي.
والاستنتاج الواضح هو أن الجانب الخلقيدوني بدفاعه عن مجمع خلقيدونية لم يحقق أي شيء لصالح الأرثوذكسية لم يكن الجانب غير الخلقيدوني نفسه، وهو يرفض المجمع، يتمسك به بثبات. ولذلك فإن الأمر الوحيد بين الجانبين كان تحفظ كل طرف على اللغة التي يدافع بها الآخر عن فكره. فلو كان الجانبان يرغبان حقاً في المضي إلى أبعد من المصطلحات، فما كان من المستحيل لهما أن يقبلا صيغة مشتركة، يعملان على أساسها من أجل استعادة وحدتهما المفقودة.
ومع ذلك، كان هناك تعليم أصر عليه يوحنا الدمشقي ـ متتبعاً في ذلك تقليد اللاهوتيين الخلقيدونيين الأوائل ـ ولم يكن هذا التعليم يُشرح في الجانب غير الخلقيدوني بنفس الأسلوب. ويتعلق هذا التعليم بالتأكيد على أن ناسوت المسيح قد تأله منذ لحظة تكوينه في الاتحاد مع الله الابن.
ومن خلال ارتباطه الحميم مع نظرية ’التأقنم‘ كان هذا التعليم يأخذ الناسوت كطبيعة عامة مجردة وليس كحقيقة أقنومية، وحيث إن هيبوستاسيس الله الابن عند الدمشقي كان هو شخص الناسوت، فإن الله الابن نفسه كان هو الذي يقوم بكل ما هو بشري بالإضافة لكل ما هو إلهي.
وهذا هو السبب وراء تأله ناسوت المسيح. ولم يكن تأله ناسوت المسيح بهذا الشكل هو تعليم الجانب غير الخلقيدوني، فبالنسبة لهم كان الناسوت الذي تخصخص وبالتالي أصبح في الحالة الهيبوستاسية، هو الذي صار ناسوت الله الابن ولهذا السبب امتلأ بالمجد الإلهي وتأله.*
ويقف التعليم الخريستولوجي للجانب غير الخلقيدوني بين الموقف الخلقيدوني الذي تم بناؤه في الشرق منذ القرن السادس، والتقليد الذي يحفظه الجانب الأنطاكي.
فإذا كان الجانبان غير الخلقيدوني والأنطاكي يستطيعان أن يتغلبا على المآسي القديمة، فسيكون من الممكن لها أن يصلا إلى اتفاق لاهوتي حول مسألة شخص المسيح، بشكل أسهل من أمكانية وصول الجانبين الخلقيدوني والأنطاكي لهذا الاتفاق. وفي الحقيقة إذا لم يقم الجانب الخلقيدوني بإدراك قيمة التأكيد على الحالة الهيبوستاسية (الأقنومية) لناسوت المسيح، فلن يستطيع أن يتفهم المساهمة اللاهوتية للمدرسة الأنطاكية.
2. صلة هذه الدراسة بالسياق المعاصر:
إن الجدال الخريستولوجي الدائر في زمننا الحاضر ينتمي بشكل لا يمكن إنكاره إلى تاريخ الكنيسة القديم.
ولذلك فإن دراستنا المتعمقة لتلك الفترة من التاريخ الكنسي ينبغي أن تكون ذات مدلول وثيق الصلة بالسياق المعاصر بثلاثة طرق على الأقل.
(أ) من المنظور المسكوني:
كان الجدال الخريستولوجي ـ كما ذكرنا ـ هو السبب الظاهر لانقسام المسيحية في الشرق إلى ثلاثة كيانات (الأنطاكي، والخلقيدوني ’الجديد‘، وغير الخلقيدوني). وبعد الشقاق الذي حدث في القرن الخامس، صار كل كيان منهم ينظر إلى الكيانين الآخريّن كهراطقة وقام بقطع الشركة معهما. فهل كان هذا التصرف مبرراً؟
ولهذا السؤال في الحقيقة أهمية قصوى، لأن نسب الهرطقة إلى أحد إنما يعني افتراض أنه في وقت الانقسام كان في الكنيسة معيار عمومي معترف به للأرثوذكسية، فهل كان هناك مثل هذا المعيار في الكنيسة في القرن الخامس؟.
والحقيقة كما رأينا، أنه بعد مجمع أفسس عام 431م نشأ موقفان لهما صلة بهذا السؤال، فالسكندريون تمسكوا بأن الأرثوذكسية تتطلب التواصل مع قانون مجمع نيقية بالطريقة التي فهمه وأكده بها مجمع عام 431م، أما الأنطاكيون فلم يكونوا راغبين في تأييد مجمع عام 431م في مجمله، إذ اعترفوا بهذا المجمع بالقدر الذي تم قبوله فقط في صيغة إعادة الوحدة عام 433م. وفي هذا الموقف لم يعر مجمع خلقيدونية أي اهتمام لوجهتي النظر المتضاربتين، ولكنه قدَّم طومس ليو واعتراف الإيمان الخاص بالمجمع كمعيار للأرثوذكسية.
وكانت هذه الأمور بالتحديد هي التي قام الجانب غير الخلقيدوني بانتقادها ورفضها. وبالنسبة للكنيسة المشرقية التي تخلد ذكرى نسطوريوس واللاهوتيين الأنطاكيين الآخرين، فإنها لم تأخذ مجمع عام 451م بعين الاعتبار تماماً. فإذا وضعنا هذه الحقائق نصب أعيننا، سنجد أنه عندما نسب أي من الثلاثة كيانات تهمة الهرطقة للإثنين الآخرين، فإنه لم يكن هناك افتراض وجود معيار موحد للأرثوذكسية ـ سابق على الانقسام ـ معترف به منهم جميعاً. وبكلمات أخرى نقول أنه لم يكن لأي من هذه التقاليد الكنسية أي أساس شرعي لكي ينظر إلى الآخرين كهراطقة.*
ومع ذلك انفصلت الكنائس، وأصبحت هناك بالفعل حاجة ملحة لوسيلة فعالة تساعدهم لاستعادة وحدتهم المفقودة. وفي الحقيقة حاولت روما ـ اعتماداً على ادعائها السيادة العالمية على الكنيسة ـ أن تحل تلك المشكلة من خلال توحيد الكنائس بجعلها تتحول من انتماءاتها التاريخية إلى الالتصاق بكنيسة روما مباشرة ولكن هذه الوسيلة لم تحقق إلا نجاحاً محدوداً جداً في مناطق قليلة في الشرق المسيحي.
ولذلك فإن المشكلة في الحقيقة تحتاج إلى حل مرضي يُبنى على أساس تقييم إيجابي وموضوعي لتاريخ الانشقاق وللموقف اللاهوتي الذي تحتفظ به كل من تلك الكنائس. وقد أردنا من خلال تلك الدراسة أن نقدم محاولة في هذا الاتجاه نفسه.
(ب) من منظور السلطة الكنسية:
وإذا لم يكن هناك معيار متفق عليه للأرثوذكسية في وقت الانقسام، فهل لم يكن هناك أيضاً ’سلطة كنسية‘ يُعمل حسابها؟. لقد كان البابا ليو، على سبيل المثال، يزعم وجود إلهام إلهي في الطومس الخاص به من خلال التعاقب البطرسي (الذي لكرسيه)، كما أن الكيان الخلقيدوني في الشرق كان يتمسك هو الآخر بأن الروح القدس هو الذي قاد مجمع خلقيدونية ـ وبقية المجامع المسكونية الأخرى ـ لكي يحفظ الإيمان في نقاوته.
وفي كلتا الحالتين تتصل القضية محل التساؤل بـ ’السلطة الكنسية‘، وهذا الأمر في الواقع كان ذو أهمية حقيقية للكنيسة في كل العصور بما في ذلك العصر الذي نتحدث عنه.
وهنا يمكننا أن نلاحظ موقفين متنوعين. الموقف الأول يتعلق بأن أسقف روما بكونه خليفة بطرس الرسول، فإن له مدخل شخصي مباشر لأسرار رئيس الرسل، ومن خلاله إلى فكر الله المتجسد نفسه، وأنه لهذا السبب قد تقلد بسلطة خاصة تجعله يفسِّر الإيمان بطريقة معصومة بنفسه وبدون أي مساعدة خارجية. أما الموقف الثاني فيصر على أن مجمع خلقيدونية بكونه مجمعاً مسكونياً فإنه قدم إعلاناً للإيمان ينبغي أن يعتبر ملزماً للكنسية كلها.
ولا يوجد في الحقيقة اتفاق عام على مسألة السلطة المجمعية، إذ بينما تحاول بعض التقاليد الكنسية أن تؤكد أن المجامع المسكونية حين تقوم بتقرير أي شيء فإنها تتحدث من واقع سلطتها، فإن بعض التقاليد الأخرى تؤمن فقط أن سلطة القرار المجمعي تتوقف على المحتوى الذي يحفظه من الحق. وقد يستند أولئك الذين يؤمنون بالرأي الثاني إلى أن كل المجامع المسكونية المعترف بها كانت قد اتخذت قرارات عقائدية تم التصديق عليها باعتبارها تحفظ الحق المسيحي.
وليس ما يعنينا هنا هو مناقشة مسألة ’السلطة الكنسية‘ من خلال الدفاع عن أو معارضة أي من الموقفين السابقين، ولكننا نريد فقط أن نوجه النظر إلى أنه في ضوء الحقائق التي قدمناها عن مجمع خلقيدونية وبقية المجامع (التي تتعلق بنفس الموضوع) فليس من الممكن تأييد أي من هذين الادعاءين السابقين (أي السيادة الباباوية والسلطة المجمعية) بصورة قاطعة.
ولذلك فلا الجدال الخريستولوجي ولا المجامع التي ناقشت ذلك الأمر في العصور القديمة، يمكن الاعتداد بها شرعياً، كحوادث سابقة جديرة بالاستشهاد، لتدلنا على الطريقة الملائمة التي ينبغي أن تُمارس بها ’السلطة الكنسية‘.
ونحن لا نعني بقولنا هذا أن موضوع مجمع خلقيدونية قد أثبت في حد ذاته (أو بنفسه) بطلان المزاعم الباباوية لروما أو مزاعم الشرق في السلطة المجمعية، ولكن الحقيقة مع ذلك هي أنه مثلما كان الحال بالنسبة لمعيار الأرثوذكسية، فإنه لم يكن هناك أيضاً تقليد متفق عليه في الكنيسة بالنسبة للكيفية التي ينبغي أن تُمارس بها ’السلطة الكنسية‘.
فبينما كان الشرق بصفة عامة يتبنى فكرة اعتبار أن ’السلطة المجمعية‘ هي الحكم النهائي في الشئون الكنسية، فإن روما كانت تضيف إلى ذلك فكرة ’السيادة الباباوية‘ على الكنيسة. ولم يكن كلا الموقفين واضحين بالنسبة لعدد من النقاط. فنظرية ’السيادة الباباوية‘، على سبيل المثال، كان عليها أن تقيم الدليل على زعمها بأن بطرس الرسول كانت لدية معرفة بفكر المسيح بالنسبة لأي جدل عقائدي قد يظهر في الكنيسة وأن هذه المعرفة يتم توريثها لأساقفة روما.
ولم تكن ’السلطة المجمعية‘ أيضاً قد أوضحت أمرها بالنسبة لتكوينها وطبيعة سلطتها، فهل ينبغي على سبيل المثال أن يكون للأساقفة وحدهم الحق في عضوية المجمع؟ والحقيقة أن العرف الخاص بأن الأساقفة وحدهم هم الذين يشكّلون المجمع لم يكن متعارفاً عليه قبل مجمع خلقيدونية، وحتى في خلقيدونية كان الموظفون الذين رأسوا المجمع موظفين حكوميين وليسوا حتى رجالاً ذوي رتبة كهنوتية، كما كان هناك أيضاً رجال كنسيون ليست لهم رتبة الأسقفية مشاركين بصورة فعالة في أحداث وإجراءات المجمع.
وينبغي علينا أن نتذكر أيضاً أن المجامع القديمة لم تصل إلى قراراتها من خلال التصويت بواسطة الأساقفة فقط. وفي ضوء تلك الحقائق، نستطيع أن نقول إن الكنيسة كانت لديها تقاليد مختلفة فيما يتعلق بممارسة السلطة الكنسية، ولذا ينبغي في الإطار المعاصر للكنيسة أن تُجمع هذه التقاليد معاً مع ضرورة حدوث تعديلات ملائمة في كل منها، والحقيقة أن مجمع خلقيدونية والمجامع الكنسية الأخرى في الأزمنة القديمة كانت قد أشارت إلى وجود هذا الاحتياج في الكنيسة.
ويتعين علينا بالنسبة لمسألة ممارسة السلطة الكنسية، أن نضع في اعتبارنا عدداً من الحقائق:
أولاً، إن كل من أسقف روما نفسه والأساقفة الذين يشتركون في المجامع سواء كأفراد أو ككيان هم صغار بالنسبة لعصرهم، ونحن ليس لدينا أساس لكي نعتقد أنهم من خلال التتويج الباباوي أو السيامة الأسقفية يتمكنون من تجاوز قيودهم البشرية في المعرفة أو التحيز أو ظروف الحياة.
ثانياً، إن السلطة في معناها الحقيقي تنتمي بطبيعتها إلى الله وحده، وأي سلطة في الكنيسة تصدر منه ومن المفترض أن تكون من أجل تحقيق خطته وقصده، ولذلك فإن كل السلطة الكنسية ينبغي أن تكون وفق الخطة الإلهية والأمر الإلهي في ممارستها.
ثالثاً، يتحتم أن يٌنظر إلى القرارات الكنسية سواء العقائدية منها أو التنظيمية بصورة نسبية (غير مطلقة) تتصل بالأوقات والظروف التي صدرت فيها، فبالرغم من أنه ينبغي الاعتراف بقيمة الأساس الذي بُنيت عليه هذه القرارات ـ كلما أمكن وعلى حسب الضرورة ـ إلا إنه لا يمكن الإصرار على قبول الكنيسة للقرارات نفسها في جميع الأزمنة وفي كل مكان.
ولكي نؤكد هذه النقطة يجب علينا أن نتذكر أن الجانب الخلقيدوني قد عدَّل وضعه بالنسبة لثلاثة مواقف على الأقل، كان يتبناهم مجمع عام 451م:
(أ) القرار الخاص بثيؤدوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها.
(ب) وبينما تجاهل مجمع خلقيدونية عملياً الحروم الإثني عشر للبابا كيرلس، تعامل مجمع عام 553م معها على افتراض أن مجمع عام 451م كان يعترف بتلك الوثيقة وبسلطتها الشرعية الكاملة.
(ج) على الرغم من أن مجمع خلقيدونية كان قد استبعد عبارتي ’من طبيعتين‘ و’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘، فإن الجانب الخلقيدوني اعترف بأرثوذكسيتهما وبقبولهما في القرن السادس.
رابعاً، لقد رأينا أنه بالنسبة لمجمع عام 553م ومجمع عام 680 – 681م فإن كليهما مع بالغ الأسى قد أهمل تمثيل الموقف الخريستولوجي للجانب غير الخلقيدوني.
وأمام الزعم بأن هذين المجمعين وغيرهما من المجامع المماثلة هي مجامع مسكونية وذات سلطان، لا يمكننا أن نهمل تلك الحقائق الخاصة بها. وهي تظهر أنه لم يكن أي من تلك المجامع معصوماً في ذاته، وأنه من غير الممكن أن ننسب لها السلطة بصورة مطلقة. وكانت هذه المجامع هي اجتماعات كنسية عُقدت في سياق محدد وتخضع لقيود خاصة بها. والشيء الذي له قيمة في تلك المجامع كان يكمن في أسس الإيمان التي قد تكون قد سعت للحفاظ عليها.
وهي سواء بإسهاماتها الإيجابية أو بإخفاقاتها إنما تنتمي للتاريخ المسيحي، ونحن بحفظنا للمبادئ القيمة الموجودة بها وبرفضنا للأخطاء التي من الممكن أن تكون قد ارتكبتها، يمكننا أن نحاول أن نواجه مسئولياتنا في إطار ظروفنا المعاصرة. ومن أجل هذا لسنا في حاجة للإصرار على أن يقبل أحد التقاليد الكنسية أي من المجامع التي كان قد رفضها في الماضي.
ويمكننا أن نوضح تلك النقطة على النحو التالي: بينما لم تعترف كنيسة فارس القديمة بمجامع القرن الخامس وكذلك أيضاً المجامع التي عُقدت في الأزمنة المتأخرة، وبينما أيضاً لم يقبل الجانب غير الخلقيدوني مجمع عام 451م ومجمع عام 553م ومجمع عام 680 – 681م ، فإن الجانب الخلقيدوني يزعم بأنه يأخذ وضعه في التقليد الذي كونته هذه المجامع التي تعتبر امتداد لمجمع عام 431م.
والنقطة الأساسية في هذا الإدعاء ليس في أن الجانب الخلقيدوني يجعلهم ضمن قائمة المجامع المقبولة الخاصة به، لأن القبول القانوني لأي مجمع لا يعني أي شيء سوى أنه يحمل تأييد الأساس العقائدي الذي أكده المجمع، كما أن المعنى الشرعي الوحيد الذي يمكن أن يُقال على مجمع أنه مقبول هو الإقرار بالإيمان الذي يُعتقد أن هذا المجمع قد حفظه.
وإذا نظرنا إلى المسألة بهذا الشكل سنجد أن الاختلاف بين التقاليد الثلاثة التي انقسمت إليها الكنيسة ـ على أساس الجدال الخريستولوجي ـ ليس هو في الواقع بالأمر الذي لا يمكن تخطيه. وحتى بالنسبة لمجمع أفسس الثاني عام 449م الذي يعتبره الجانب غير الخلقيدوني مقبولاً، فبالرغم من أن مجمع خلقيدونية حاول أن يجعل استبعاده يتم بسرعة، لكن الحقيقة أن كل قراراته تقريباً التي تتصل بإيمان الكنيسة قد تم التصديق عليها صراحة بواسطة مجمع عام 553م، وهذه القرارات مازالت حية حتى الآن في كلا الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني.
(ج) في ضوء إيمان الكنيسة:
وهكذا نرى أن الأمر الرئيس في إيمان الكنيسة كان هو شخص يسوع المسيح، وكان هذا في الحقيقة أمراً قديماً قدم المسيحية ذاتها. وتسجل لنا الأناجيل الإزائية كيف سأل ربنا تلاميذه عمن يكون هو في وجهة نظرهم، وكيف قدَّم بطرس الاعتراف الشهير أنه هو المسيح ابن الله الحي. وقد تضمنت كتابات العهد الجديد تلك الإجابة نفسها بمعناها الحقيقي.
وبعد عصر كتابة العهد الجديد، استمر آباء الكنيسة في التمسك بنفس الحقيقة من خلال شرح أعمق للإيمان، واعتمدوا في عملهم هذا على قاعدة الإيمان التي كانت تعني بالنسبة لهم وديعة إيمان الكنيسة.
وينبغي أن يُنظر لهذا العمل الذي قام به أولئك الآباء في أجيالهم المختلفة ـ والذي كان يقود الكنيسة أكثر من أي شيء آخر ـ من جهة الطريقة التي استخدموها ومن جهة المحتوى الذي سعوا لكي يحفظوه. وتعتبر كلتا الوجهتين (الطريقة والمحتوى) هامتين بالنسبة لذلك العمل نفسه.
أولاً: الطريقة
كانت الشروحات اللاهوتية للكنيسة الأولى قد تمت في إطار الظروف الفكرية والثقافية لتلك العصور. وهم في تفسيرهم للإيمان أخذوا ـ بدرجات متفاوتة ـ أفكاراً ومفاهيماً كانت سائدة في العالم الديني والثقافي اليوناني – الروماني.
وهم لم يفعلوا ذلك من خلال تبنيهم لموقف توفيقي (أي محاولة التوفيق بين المعتقدات المختلفة) بالنسبة لاعترافهم بالمسيحية، ولكنهم على الجانب الآخر حاولوا أن يظلوا أمناء لقاعدة الإيمان التي اعتبروها مؤسسة على الكرازة الرسولية، وبكونها أيضاً (أي قاعدة الإيمان) جوهر حياة العبادة والنظام الذي نما على أساسها. ومن هنا اتبع الآباء في شرحهم اللاهوتي طريقة تهدف إلى الحفاظ على التميز الجوهري للمسيحية.
ولذلك كانت عملية استنباط طريقة تساعد على حفظ الإيمان من جهة وتمكن من توصيله بشكل مبتكر من الجهة الأخرى، هي أمر لا غنى عنه بالنسبة للكنيسة في كل زمان. وبالقطع ليست الظروف الثقافية والفكرية في القرن العشرين هي نفس الظروف الخاصة بالعصور التي عاش وعمل فيها اللاهوتيون القدامى وآباء الكنيسة، بل وحتى في أيامنا هذه ليست تلك الظروف هي نفسها بالنسبة للأوروبيين والهنود، أو بالنسبة للأمريكيين والأفريقيين. وتبعاً للاختلاف في الثقافة والظروف الأخرى، ينبغي أن يكون هناك تعبيرات مختلفة للحديث عن المسيحية.
وفي الحقيقة، يجب أن تكون الكنيسة في كل عصر وفي كل منطقة جغرافية، قادرة أن تكوِّن طريقتها الخاصة في توصيل الإيمان وأنماط الحياة، ولكن بدون أن يكون هناك أي إضعاف أو تشويه للإيمان نفسه. وأمام هذه المهمة يمكن للكنيسة أن ترى في الطريقة التي تبناها اللاهوتيون القدامى دروس جديرة ذات مدلول لوقتنا المعاصر.
ثانياً: المحتوى
تتفق كل الكيانات الثلاثة (الأنطاكي والخلقيدوني وغير الخلقيدوني)، التي انفصلت بسبب الجدال الخريستولوجي، على الاعتراف أن يسوع المسيح هو مخلص العالم الوحيد، وبالتالي فقد ظل كل منهم أميناً لقاعدة الإيمان، ولكن اختلافهم كان ينصب فقط على شرح الكيفية التي ينبغي أن يتم بها هذا الاعتراف.
ويمكننا أن نوضح تلك الحقيقة من خلال الرجوع إلى المواقف الثلاثة: فالموقف الخلقيدوني يؤكد ـ في كل من تقليده البيزنطي الشرقي وتقليده التوماوي* الغربي ـ أن يسوع المسيح هو مخلص العالم لأنه هو الله الابن الذي وحد الطبيعة البشرية بذاته بأن صار هو شخصها. وقد جعل الله الابن، الواحد من الثالوث القدوس، نفسه هو العامل الفاعل للطبيعة البشرية في يسوع المسيح.
ولذلك فالحقيقة التي هي أساس كل الرجال والنساء الذين يشكلون الجنس البشري كله (أي الأوسيا البشري أو الطبيعة البشرية) قد اتحدت بالله الابن. وكان التجسد عند الجانب الخلقيدوني يعني أن شخص المخلص هو الشخص الأزلي لله الابن. وكان الجانب الأنطاكي يقر أن الله الابن، الواحد من الثالوث القدوس، قد رفع الطبيعة البشرية من خلال عضو واحد من الجنس البشري بالاتحاد مع نفسه، ولكن بدون أن يجتاز أي تنازل من جانبه، ولذلك فهو مخلص العالم.
أما الجانب غير الخلقيدوني فقد أكد أن الله الابن، الواحد من الثالوث المبارك، وحد ناسوتاً بذاته. وفي الاتحاد لم يكن ذلك الناسوت غير اقنومي (أي غير محدد أو مخصخص)، على الرغم من أنه لم يكن شخصاً موازياً لشخص الله الابن. وبكونه هيبوستاسيس مركب، فإن الله الابن قد وحَّد في نفسه الحقيقة الهيبوستاسية للناسوت، ولذلك فيسوع المسيح هو الله الابن في حالته المتجسدة وهو بذلك مخلص العالم.
وفي الختام نستطيع أن نقول إن الأمر يحتاج بالفعل إلى إعادة تقييم. والاعتراف بحقيقة وجود تلك التقاليد الثلاثة يدفعنا إلى التأكيد أنه يتعين علينا البدء من الأسس الخاصة بهم، لكي ما نستطيع أن نصل للتعبير عن الإيمان بطريقة ذات دلالة لجيلنا المعاصر.
* ارجع إلى ملخص التعليم الخريستولوجي الأنطاكي في الفصل السابق
* أي موقفاً يأخذ التطرف العكسي المقابل للنسطورية وللأنطاكية
* كان التأله عند غير الخلقيدونيين بسبب أن الناسوت المخصخص قد اتحد هيبوستاسياً بالله الابن وصار جسده الخاص بالتالي كان هناك تبادل للخواص بين اللاهوت والناسوت، أما التأله عند يوحنا الدمشقي فكان بسبب أن الناسوت لم يكن في الحالة الأقنومية وبالتالي صار شخص الله الابن هو شخص الناسوت وهو الذي يقوم فيه بكل ما هو بشري.
* قد نختلف مع الكاتب عند تلك النقطة، لأن رؤية السكندريين بأن الأرثوذكسية تتطلب التواصل مع قانون مجمع نيقية بالطريقة التي فهمه وأكده بها مجمع عام 431م، كانت هي المعيار العمومي للكنيسة كلها في ذلك الوقت، حتى أن إعادة الوحدة نفسها قد تضمنت الاعتراف الكامل بمجمع أفسس، كما أكد نفس الشيء أيضاً مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م والذي يعتبر البداية الحقيقية لما حدث في مجمع خلقيدونية عام 451م.
أما كون الأنطاكيين كانوا يبطنون عدم التأييد الكامل لمجمع عام 431م فهذا هو الخروج عن الإجماع الكنسي العام. هذا بالإضافة إلى أن عدم اتفاق الكنيسة المشرقية التي تكرم نسطوريوس مع مجمع أفسس عام 431م كان يعتبر هو الآخر خروج عن الإجماع الكنسي العام.
عهد الإمبراطور هراقليوس وتأثيره على مجمع خلقيدونية
1. بعض الملاحظات التمهيدية:
بمجرد أن انتهى الإمبراطور هراقليوس من توطيد أموره في القسطنطينية، قام بتوجيه اهتمامه إلى استعادة الأراضي المحتلة التي فقدتها الإمبراطورية نتيجة غزوات الفرس. ويسجِّل المؤرخ ميخائيل السرياني أن هراقليوس حاول في البداية أن يسترجع تلك الأراضي بطريقة ودية حيث أرسل خطاباً إلى كسرى الثاني إمبراطور فارس يخبره فيه أن الرجل الذي أهلك الإمبراطور موريس وعائلته قد قُتل، وبالتالي يمكن أن يكون هناك سلام بين الدولتين.[1]
ولم يأتِ هذا الخطاب بأية نتيجة مع كسرى الثاني، فاضطر هراقليوس أن يدخل في حرب مع الفرس، وكان الانتصار حليف الفرس في كل المعارك التي دارت بين عام 611م وعام 620م حيث أصبحت مصر وكل الشرق تحت سيطرتهم. وكتب فاسيليف عن ذلك قائلاً: “إن السهولة التي احتل بها الفرس سوريا وفلسطين يمكن تفسيرها جزئياً من خلال الظروف الدينية لتلك المناطق، فمعظم السكان ـ وبالأخص في سوريا ـ كانوا من غير المؤيدين للإيمان الأرثوذوكسي الرسمي للحكومة.
كما أن النساطرة وأصحاب الطبيعة الوحيدة (Monophysites) الذين يقطنون تلك المناطق كانوا يعانون من الاضطهاد العنيف من الدولة البيزنطية، ولهذا كان من الطبيعي أن يفضِّل أولئك السكان سيادة الفرس عبدة النار عليهم، لأن النساطرة كانوا يتمتعون في بلاد الفرس بحرية دينية نسبية”.[2] وقد أيد المؤرخون السريان وجهة نظر فاسيليف الذي أضاف مؤكداً أنه لا يمكننا أيضاً إهمال الجزء الخاص بالدور الذي لعبه الكيان الخلقيدوني في تحريض الأباطرة على الاضطهاد.
2. انتصارات هراقليوس:
لم يستطع هراقليوس تحقيق أي شيء يُذكر في التسع سنوات الأولى من حكمه، بل تمكن الفرس من التوسع في الأراضي التي اغتصبوها دون أية إعاقة. ففي عام 613م احتلوا (Cilicia)، كما نهبوا فلسطين في العام الذي يليه وسجنوا البطريرك زخارياس وأخذوا الصليب المقدس إلى عاصمتهم المداين (Ctesiphon). وفي عام 615م وصل الفرس إلى مدينة خلقيدونية وضاعت شبه الجزيرة اليونانية في أيدي السلافيين (Slaves). وبدأ الفرس غزوهم لمصر عام 617م وسقطت الإسكندرية على الفور في أيديهم.
وأمام هذه الكوارث أعلن هراقليوس خطته للانسحاب إلى قرطاج (Carthage) في شمال أفريقيا، ولكن الشعب لم يدعه يقوم بهذا ونجح البطريرك سرجيوس (Sergius) في أن يجعل الإمبراطور يغير رأيه وقدمت له الكنيسة كل الدعم مع الرجال والأموال. ووسط هذا التأييد قام هراقليوس ببناء جيش وأسطول جديد، وفي ليل الخميس 7 أغسطس عام 626م هُزم الأسطول السلافي شر هزيمة.
وحقق هراقليوس أيضاً في الشرق سلسلة من الانتصارات الرائعة على الفرس بلغت ذروتها في المعركة الحاسمة التي جرت قرب نينوى (Nineveh) عام 627م، وقتل هراقليوس بيده فيها ثلاثة من قواد الفرس، كما قُتل رئيس الجيش الفارسي رازاتاس (Razatas). ومات كسرى الثاني على يد ابنه، وتم التوصل إلى سلام بين الدولتين في عام 628م، كما أُعيدت خشبة الصليب المقدسة إلى أورشليم.
وهكذا نجح هراقليوس في أن يعيد للإمبراطورية الرومانية مجدها السابق، وقد صارت في الحقيقة منذ ذلك الوقت ’الإمبراطورية البيزنطية‘. واتخذت تلك الإمبراطورية سمتها المميزة التي تتكون من ملمحين أساسيين ساهما معاً في توحيدها وهما بالتحديد التمسك بالتوجه الخلقيدوني واللغة اليونانية.
ولم تأخذ الإمبراطورية في حسابها حقيقة أن المسيحيين الأقباط والسريان الذين لن يقبلوا هذين الأمرين يستحقون معاملة عادلة، ولذلك لم تلائم تلك الإمبراطورية وكنيستها التي تحت قيادة القسطنطينية إلاّ فقط الرجال والنساء الذين ولدوا ونموا في البيئة الثقافية اليونانية. وعلى هذا لم تستطع الكنيسة ـ التي حاولت الإمبراطورية توطيدها ـ أن ترى البعد الجامعي (الكاثوليكي) من منظوره الصحيح.
وبالرغم من أن هراقليوس استعاد سوريا ومصر عام 628م، إلاّ أنه اضطر للتخلي عن سوريا للعرب بعد ذلك بسنوات قليلة، كما فُقدت مصر كذلك فور موته عام 641م. ويعتقد المؤرخون السريان أن هذا كان من عمل الله رداً على “الشر الذي ارتكبه الرومانيون (أي المنتمون للإمبراطورية الرومانية)، الذين كانوا كلما أمسكوا بالسلطة، سرقوا كنائسنا وأديرتنا وحكموا علينا دون رحمة”.[3]
وكان هراقليوس قد تبنى إجراءات قاسية جداً ضد الكيان غير الخلقيدوني في الفترة التي كانت فيها مصر وسوريا وأسيا الصغرى وفلسطين تحت سلطته الإمبراطورية، ولكن هذا لم يحدث إلا بعد فشل محاولته الخاصة لتوحيد الجانبين.
3. جهود في سبيل إعادة الوحدة:
وكان هراقليوس بعد تلك الانتصارات في سوريا، وعندما قام بزيارة الرها رحب به رجال الكنيسة والرهبان والشعب ترحيباً حاراً وكانوا ينتمون إلى الجانب غير الخلقيدوني، فأسعد ذلك الإمبراطور جداً.[4]
وفي غضون ذلك الوقت أصدر هراقليوس خطاباً دورياً موجهاً إلى (diakrinomenoi)[5] أي ’المُفرزين‘ أو ’المُنشقين‘[6] جاء فيه: “إن الابن كلمة الله الذي مع الآب والروح القدس قبل الدهور، هو واحد من الثالوث القدوس المحيي والواحد في ذات الجوهر. ولكي يفدي الجنس البشري أراد أن يصير متجسداً من مريم ’والدة الإله‘ وأن يولد منها.
وهو إله كامل، الذي هو نفسه قد صُلب في أيام بيلاطس البنطي. وإذ هو الله الكلمة الغير قابل للتألم فإنه ظل الله وإنسان كطبيعتين اتحدتا في فعل واحد (one operation)، أي الطبيعة الواحدة لله الكلمة المتجسد كما أقر كيرلس الطوباوي. والقول بطبيعتين لا يعني الفصل بينهما”، واختُتم الخطاب بإعلان الحرم لأي واحد يتمسك “بإيمان مخالف، سواء كان ذلك مجمع نيقية أو القسطنطينية أو أفسس أو خلقيدونية”.
ويؤكد الفكر اللاهوتي لهراقليوس ـ كما يعكسه هذا الخطاب ـ أن المسيح هو إله وإنسان اتحدا في فعل واحد (one operation)، وهذا الفكر لم يكن بأي حال من الأحوال أفضل من التعليم المنسوب لنسطوريوس والذي تمت على أساسه إدانته. وثمة نقطة أخرى نلاحظها في هذا الخطاب، وهي أنه استخدم كلمة ’طبيعة‘ بمعنيين مختلفين، ففي تأكيده على الطبيعتين يشير الخطاب بأنهما الله الابن وإنسان، ولكن في الصيغة الكيرلسية (التي يذكرها) جعل الطبيعة تعني فقط ’الفعل‘.
وإذا وضعنا هذه الحقائق في الحسبان، نستطيع القول بأن هراقليوس لم يكن يريد أن يصدر صيغة وسطية يقبلها الجانبان، وإنما كان يقدم إعادة تفسير للتعليم الخريستولوجي، ولكن هذا التفسير لم يكن مع الأسف جدير بالتقدير على الإطلاق.
4. هراقليوس والإضطهاد:
لم يكن خطاب هراقليوس العقائدي مقبولاً لدى الكيان غير الخلقيدوني إلا عند بعض الفصائل، وقد أثار ذلك عداوة هراقليوس ضدهم فبدأ برنامجاً من الاضطهاد الوحشي جعل المسيحيين في مصر وسوريا يشعرون بالضجر الشديد.
وكان في مصر في ذلك الوقت اثنين من البطاركة واحد خلقيدوني وآخر غير خلقيدوني، وكان للبطريرك الخلقيدوني كورش (Cyrus) سلطة سياسية على البلاد بجانب سلطته الدينية، فاستخدم وضعه هذا في اضطهاد الكيان غير الخلقيدوني الذي كان تحت قيادة البطريرك أندرونيكوس (Andronicus) ـ خليفة أناستاسيوس ـ مما تسبب في كراهية الشعب الشديدة له. وهنا ينبغي علينا أن نذكر أن البابا بنيامين (Benjamin) الذي جاء بعد أندرونيكوس قد رحب بالعرب عندما قاموا بغزو مصر.
أما في سوريا فكان هراقليوس نفسه متداخلاً في الاضطهاد الدائر هناك، فبينما كان يقيم في الرها حضر إلى الكنيسة في أحد أيام الأعياد مع غير الخلقيدونيين، وتقدم ليأخذ سر الشركة، ولكن إشعياء أسقف المدينة رفض ذلك قائلاً للإمبراطور أنه ما لم يعلن تخليه عن مجمع خلقيدونية وطومس ليو فلن يستطع أن يعطيه من الأسرار. وهنا شعر هراقليوس بالإهانة وأمر في غضبه بأن يُطرد الأسقف وتؤخذ الكنيسة وتُعطى للخلقيدونيين، وبهذه الطريقة صارت كاتدرائية الرها في أيدي الجانب الخلقيدوني بتدخل من هراقليوس نفسه.
وبعد مغادرة هراقليوس لمدينة الرها ذهب إلى منبج (Mabbogh) حيث قابله هناك البطريرك أثناسيوس مع اثني عشر أسقفاً، ومكث قادة الكنيسة السريانية مع الإمبراطور اثني عشر يوماً يناقشون فيها معه موضوع الإيمان. وقدم له هؤلاء القادة ـ بناء على طلبه ـ موقفهم العقائدي مدوناً في بيان أعده البطريرك.[7]
وجاء في ذلك البيان أن قانون إيمان نيقية كما أقره مجمع القسطنطينية ومجمع أفسس هو الرمز الوحيد للإيمان، وبخصوص التجسد أكد البيان:
(1) أن كلمة الله الآب، المساوي والواحد في ذات الجوهر مع الآب والروح القدس، أخذ ـ بالحقيقة وفي الواقع ـ جسداً له روح وعقل من والدة الإله.
(2) أن الله الكلمة وحَّد مع نفسه الجسد من جهة الطبيعة والفعل.
(3) أن الجسد أخذ وجوده فقط في التقائه (واتحاده) مع الكلمة، ولذلك فهو لم يتكون قبل الاتحاد.
(4) أنه (أي الكلمة) صار إنساناً، ليس من خلال تحول أي من الطبيعتين إلى الأخرى.
(5) أن كلمة الله له ميلادان، واحد أزلي من الآب والآخر في الزمن من الأم البشرية.
(6) أن الذي كان قبل التجسد استمر كما هو في التجسد بدون إدخال أي إضافة إلى الثالوث.
(7) أنه مركب من اللاهوت والناسوت، وكل منهما كامل بحسب أصل مبدأه وكل منهما يحتفظ بخصائصه الطبيعية، ويسوع المسيح هو واحد، طبيعة واحدة، أي شخص واحد، وهو ليس منقسم إلى طبيعتين، أو شخصين، أو ابنين، أو مسيحين من بعد الاتحاد الذي يفوق الوصف.
(8) أن الانقسام من جهة والخيالية* من الجهة الأخرى مرفوضتان تماماً، حيث إن الأولى هي خطأ نسطوريوس والثانية هي هرطقة أوطيخا.
(9) أن المسيح الواحد هو في نفس الوقت، واحد في ذات الجوهر مع الله الآب والروح القدس في اللاهوت، كما أنه واحد في ذات الجوهر معنا في الناسوت.
(10) ولذلك فإن كل الأمور الإلهية وكل الأمور البشرية، الأمور السامية والأمور المتواضعة، هي كلها لنفس الشخص الواحد، الذي احتمل بالحقيقة ـ وهو بلا أدنى لوم ـ الآلام التي تخص الطبيعة البشرية بينما ظل هو بلا ألم من جهة لاهوته؛ لأننا كنا نحتاج إلى إله متجسد يجوز الموت كما قال ق. غريغوريوس النزينزي.
وقد ذكر البيان خمسة أسباب تفسر إصرارهم على رفض مجمع خلقيدونية، واختتم بقوله: إن هذه هي الأشياء “التي تزعجنا والتي تسبب انقسام الكنيسة، وعندما يتم تصحيح هذه الأمور فلن يكون هناك شيء يمنعنا من الذهاب إلى بيت الله سوياً والتمتع بالفرح الروحي. والله الذي يعرف الخفايا شاهد بأن اهتمامنا فقط هو الحفاظ على الإيمان، وبأننا لسنا منقادين بروح النزاع أو بالغرور الشخصي كما يظن بعض الناس”.
وعندما قرأ الإمبراطور هذا البيان قام بإدانته ـ كما يقول المؤرخ السرياني ـ وطلب من البطريرك والأساقفة الذين معه أن يعطوه الشركة (الإفخارستية) وأن يؤيدوا رسالته العقائدية، فرفض قادة الكنيسة السريانية الإذعان لأي من المطلبين وانتهى الأمر عند هذا الحد.
وثار غضب الإمبراطور مرة أخرى على الكيان غير الخلقيدوني، فكتب إلى كل المناطق التي تحت سيادته يأمرهم بأنه “يتحتم على كل الذين لا يقبلون مجمع خلقيدونية، أن تُقطع أنوفهم وآذانهم، وتتم مصادرة ممتلكاتهم”.[8] واستمر هذا الاضطهاد الرسمي لفترة من الزمن اضطر أثناءها كثير من الرهبان أن يؤيدوا مجمع خلقيدونية بسبب سوء المعاملة والظلم الشديد، أما الذين رفضوا الاستسلام فقد أُجبروا على الموافقة على المجمع بأساليب شتى.
ويذكر المؤرخ السرياني أن غير الخلقيدونيين أمام هذه الآلام الشديدة قاموا بإرسال استغاثاتهم إلى الإمبراطور، ولكنه لم يظهر حتى مجرد الرغبة في سماع توسلاتهم. وفي خضم هذه الأحداث بدأ الغزو العربي، فقابله أولئك المسيحيون بكل ترحاب. ومن هنا فإن اللوم في امتناع المسيحيين في مصر وسوريا عن المقاومة وبقائهم محايدين أثناء الفتح العربي لتلك الأراضي يقع على هراقليوس نفسه الذي كان قد استطاع في الماضي أن يستعيد الإمبراطورية البيزنطية.
وحينما وصل العرب إلى السلطة فعلوا أمراً واحداً أفاد الكيان الخلقيدوني جداً، حيث سمحوا لكل جانب بالاحتفاظ بمباني الكنائس والمؤسسات التي كانت في حوزته وقت الفتح العربي، وبهذه الطريقة بقيت الكنائس التي كان هراقليوس قد أخذها من غير الخلقيدونيين في حوزة الكيان الخلقيدوني.
ولكن الجانب غير الخلقيدوني ـ كما يذكر المؤرخ السرياني ـ استطاع على الأقل أن يتخلص من الاضطهاد غير الإنساني الذي مارسه ضده المسيحيون الخلقيدونيون. وهكذا أظهر عهد هراقليوس في التاريخ البيزنطي خطأ رؤية الإمبراطورة بولخريا في منتصف القرن الخامس، حيث اعتقدت أن تلك الرؤية يمكنها أن تتحقق من خلال اضطهاد المسيحيين في الشرق لأنهم وجدوا أن قوانين مجمع خلقيدونية تختلف عن فهمهم لتقليد الكنيسة العقائدي الراسخ لديهم، ولأنهم رأوا كذلك عدم ملائمة ادعاءات السيادة التي فرضها كرسي روما.
5. بعض الملاحظات الختامية:
ويتبادر إلى الذهن هنا سؤال هام جداً وهو: لماذا لم يقتنع المسيحيون الأقباط والسريان بقبول مجمع خلقيدونية؟. والإجابة الجاهزة لدى المؤيدين للجانب الخلقيدوني هي أن ذلك يرجع إلى أوطيخية أولئك المسيحيين والتي حاولوا تطويرها في الأزمنة اللاحقة لتبدو مشابهة للموقف الخلقيدوني. ولكن الحقيقة أن تلك الإجابة لا تجد أبداً ما يساندها في التقليد غير الخلقيدوني إلاّ في فهم جزافي وأحادي الجانب لبعض الحوادث المتفرقة.
وكانت القوى التي تسيطر على مجمع خلقيدونية قد رأت في أوطيخا بعض الأفكار (الخاطئة) وأقرت إدانته كهرطوقي، ولكن البابا ديسقوروس الذي عزلته هذه القوى ـ معتقدة أنه هو القائد الفعلي للهرطقة الأوطيخية ـ فلم تكن لديه بالفعل أية صعوبة في الإقرار بأن الموقف الذي نُسب لأوطيخا هو موقف هرطوقي واضح.
ومن هنا يتضح أن اعتراض غير الخلقيدونيين على مجمع عام 451م لم يكن من منطلق أوطيخي، وحتى لو سلمنا جدلاً بأنه قد حدث تطور في الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني يتناغم مع أحداث الأزمنة اللاحقة، فإن القول بأن موقفهم هذا قد نبع من الهرطقة الأوطيخية يعتبر قمة المجافاة للحقيقة. ولذلك فإن انقسام الكنيسة بسبب الجدال الخريستولوجي في القرن الخامس والقرون اللاحقة يحتاج بالفعل إلى تفسير أكثر قبولاً.
ولا يُعد هذا الأمر من وجهة نظرنا مهمة مستحيلة، فعندما سنأتي لشرح مدخلنا لهذا الموضوع سوف نشير إلى أن المسيحية كانت لها منذ البداية قاعدة إيمان تُظهر معيارها العقائدي المميَّز. وفي الجدال الخريستولوجي على سبيل المثال، كانت (جميع) التقاليد الإيمانية في الشرق تُرجع مواقفها اللاهوتية إلى إيمان نيقية حسبما أقره مجمع القسطنطينية عام 381م، أي قانون الإيمان النيقاوي في صيغته التي زيدت أثناء الربع الثالث من القرن الرابع والتي نسبها مجمع خلقيدونية لمجمع عام 381م.
ولكن هذا القانون صار يُفسر ويُفهم، على الأقل بطريقتين متباينتين في الشرق، وبدأ الصدام بين هذين الجانبين منذ موسم عيد الميلاد لعام 428م. وحاول ق. كيرلس السكندري ـ وهو يمثل أحد هذين التقليدين ـ أن يؤكد من خلال مجمع أفسس عام 431م أن الموقف السكندري هو فقط الموقف الأرثوذكسي، ولكنه مع ذلك لم يستطع النجاح بشكل كامل، لأنه على الأقل منذ الربع الأخير من القرن الرابع كان الأنطاكيون ـ وهم لا يزالون داخل الكنيسة الأرثوذكسية ـ قد كوَّنوا تقليداً (فكراً) لاهوتياً خاصاً لم يكن من الممكن تحطيمه في ’انقلاب‘ (coup d’etat) عام 431م.
وكان السكندريون كذلك قد بنوا تقليدهم اللاهوتي الذي لم يكن من الممكن أيضاً التخلص منه بالمناورات الدبلوماسية ليوحنا الأنطاكي أو بالاتفاق غير المرغوب فيه الذي تم التوصل إليه مع البابا كيرلس عام 433م.
وهكذا في سياق هذا التوتر الناشئ تم انعقاد مجمع خلقيدونية، وبدون مواجهة الأمور المختلف عليها (بين التقليدين) بشكل مباشر سعى هذا المجمع لتوطيد سيطرة تحالف روما مع السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية، لكي تؤكد روما في النهاية سلطانها الشامل على الكنيسة ولكي تضع القسطنطينية نظاماً كنسياً للشرق تحت قيادة عاصمة الإمبراطورية.
ونظر كل جانب من الجانبين في الشرق إلى تقييم مجمع عام 451م بكونه محاولة من الجانب الآخر للتعدي على التقليد الخاص به، وقد تفاعل الجانبان مع المجمع بالاعتراض من جانب السكندريين وبالتجاهل من جانب الأنطاكيين. وكانت النتيجة الحتمية هي انقسام الكنيسة، واستطاع كل من الجانبين أن يزعم بأنه هو وحده المتواصل مع الكنيسة الأرثوذكسية التي كانت قبل مجمع خلقيدونية.
عندما مات تيبريوس في 13 أغسطس عام 582م، جلس مكانه الإمبراطور موريس، وكان موريس رجلاً كبادوكياً أقامه تيبريوس حاكماً على الشرق. وقد عُيّن موريس قيصراً في يوم 5 أغسطس وأُعطي أوغُسطا (Augusta) ابنة تيبريوس زوجة له، وقد تغير اسمها في الزواج إلى قسطنطينا (Constantina).
وكان الإمبراطور موريس متمسكاً بالإيمان الخلقيدوني، ولكنه رغم ذلك لم يصدر أوامره لتعزيز مجمع خلقيدونية بسبب وقوعه تحت نوعين من القيود، فمن ناحية كان لديه ما يكفي من المشاكل الأخرى التي تتطلب كل تركيزه والتي لم تترك له الحرية ليقوم بذلك، ومن الناحية الأخرى لم يكن بطريرك القسطنطينية يرغب في اضطهاد زملائه من المسيحيين (غير الخلقيدونيين).
ومن الجدير بالذكر أن سلف موريس الإمبراطور تيبريوس كان رجلاً مسرفاً ترك الخزائن ورائه خاوية، فكان على موريس أن يواجه مشكلة الحرب مع الفرس مع بقية الالتزامات المالية الأخرى، هذا بالإضافة إلى أنه في ذلك الوقت كانت ديانات منطقة البحر الأبيض المتوسط القديمة قد بدأت في النمو في أماكن عديدة من الإمبراطورية.
(أ) الإمبراطور موريس والاضطهاد:
مات البطريرك أوطيخا في نفس السنة التي جلس فيها الإمبراطور موريس على العرش، وكان خليفته هو البطريرك يوحنا الرابع الذي كان يتمتع بروح رقيقة فلم يوافق على أي برنامج للاضطهاد ضد الكيان غير الخلقيدوني.
وقد كتب يوحنا أسقف أفسس يخبرنا أن الشعب ورجال الكنيسة في الجانب الخلقيدوني ـ والذين اعتادوا على الاستفادة من أوامر الاضطهاد الإمبراطورية ليسلبوا ثروة الشعب غير الخلقيدوني ـ وصلوا إلى الإمبراطور وحاولوا أن يقنعوه بإصدار أوامره لهذا الغرض، وبالفعل سأل الإمبراطور البطريرك ليقوم بالقبض على قادة الكيان غير الخلقيدوني وتفريق تجمعاتهم، ولكن يوحنا الرابع لم يوافق على ذلك وقال له “هل يمكن أن يسر الله بهذا”[1]
وأضاف أيضاً “لقد قمنا بتبرئة الوثنيين وإطلاقهم ومسامحتهم، فهل نريد الآن أن نضطهد المسيحيين؟، ثم ما هو الذي يقوله أو يعمله ’غير المتوافقين معنا‘ حتى يستحقوا الاضطهاد؟، وإذا كان عهدكم قد اشتهر بالرأفة على الوثنيين، فكيف تطالبني باضطهاد المسيحيين الذين بلا لوم في تمسكهم المسيحي، ولهم إيمان حار وغيور أكثر مما لدينا؟”. وقد منعت كلمات البطريرك هذه، الإمبراطور من إصدار أوامر الاضطهاد في القسطنطينية على الأقل.
وعلى الرغم من ذلك، كانت هناك حالات من سوء المعاملة لغير الخلقيدونيين، في أماكن أخرى من الشرق في فترة حكم الإمبراطور موريس. ومن هذه الحالات حادثة ذكرها المؤرخون السريان، حيث كان الإمبراطور موريس يفعل كل شيء في استطاعته لكي يرفع من شأن أقاربه ويقلدهم أعلى المناصب، ومن بين أولئك الأقارب دوميتيان (Domitian) ابن أخيه بطرس الذي رُسم أسقفاً على مدينة ميليتين (Melitene) أحد أهم الكراسي في شمال سوريا حيث كان الكيان غير الخلقيدوني قوياً هناك.
ولم تنجح جهود دوميتيان في فرض مجمع خلقيدونية في هذه المنطقة، فأعطى الإمبراطور للأسقف في عام 599م أوامره بالاستيلاء على الكنائس والمؤسسات الأخرى في منطقة ما بين النهرين (Mesopotamia) وبقية الأماكن في الشرق وتسليمها للكيان الخلقيدوني.
وطلب الأسقف من الرهبان في تلك المناطق أن يقبلوا الشركة الإفخارستية منه أو من رجال كنيسته كتعبير عن خضوعهم له، فلما وجدهم غير طائعين[2] قام بطردهم من أديرتهم فمات منهم أربعمائة شخص، فشيَّد غير الخلقيدونيين في ذلك المكان كنيسة بعد ذلك إحياءً لذكراهم.
ومن الجدير بالذكر أن الإمبراطور موريس كان رجلاً دبلوماسياً، حيث استطاع أن يُظهر كياسته مع الذين يدينون بغير المسيحية فأقام علاقة صداقة مع كسرى الثاني (Chosroes II) ملك الفرس، وأعطاه ابنته ماريا (Maria) زوجة له. لكنه على الرغم من ذلك كان داخل إمبراطوريته يرى أن الكيان غير الخلقيدوني هو قوة جامحة حاول أن يكبحها بمختلف الوسائل رغم نصيحة البطريرك يوحنا الرابع له بوقف هذه الإجراءات.
(ب) النزاع بين مصر والشرق:
كانت قضية بولس الأسود التي سبق أن أشرنا إليها قد سببت اضطراباً داخل الكنيسة، ليس فقط في سوريا وبين المسيحيين العرب، ولكنها أحدثت أيضاً تأزماً في العلاقة بين سوريا ومصر. وحاول المنذر قائد المسيحيين العرب أن يسوي الموقف بينهما، فعندما كان في القسطنطينية عام 580م عقد مجموعة من اللقاءات بين ممثلي الطرفين السوري والمصري،[3] وبالفعل توصل الجانبان في يوم 2 مارس إلى اتفاق بينهما.
ولكن كانت هناك جماعة من مثيري المشاكل حاولت تدمير ذلك الاتفاق، وساندهم في ذلك دميان البطريرك السكندري الذي عيَّنه المصريون خلفاً لبطرس أثناء رفضهم لثيؤدور (الذي كان بولس الأسود قد ساعد على رسامته). ولأن دميان كان سرياني الأصل، فقد سافر إلى الشرق من أجل إقامة بطريرك لأنطاكيا مكان بولس الأسود الذي كان لا يزال على قيد الحياة.
وعندما رفض الأساقفة السريان أن يتفقوا معه في الرأي، حاول دميان أن يرسم شخصاً بسيطاً يُدعى ساويروس داخل الكنيسة الأنطاكية معطياً مبلغاً من المال لحارس الكنيسة لكي يفتحها له في الليل، ولكن الخبر تسرب فاضطر دميان إلى الفرار عائداً إلى الإسكندرية بعد أن قضى بعض الوقت بالقسطنطينية ليداري خجله.
وبعد محاولات دميان الفاشلة في سوريا رُسم بطرس الذي من الرقة (Callinicus) بطريركاً على أنطاكيا في عام 581م، وكان بالفعل رجلاً مقتدراً. وفي أيام يعقوب البرادعي كان بطرس قد رفض كرامة البطريركية على أساس أنه لا يمكنه أن يقبلها قبل أن تتم تسوية قضية بولس الأسود قانونياً، ولكن بطرس عاد بعد ذلك وقبل الرسامة رغم أن بولس كان لا يزال حياً وقضيته لم تُحسم بعد.
وندم بطرس على هذا الأمر، فسافر إلى الإسكندرية ليعمل على مصالحة بولس مع المصريين، ولكن بولس مات في ذلك الوقت فتثبت بطرس كبطريرك لغير الخلقيدونيين في أنطاكيا.
وعلى الرغم من أن بطرس (البطريرك الأنطاكي) ودميان (البطريرك السكندري) قد تبادلا رسائل الوحدة والشركة في الإسكندرية، إلا إن هذا الوفاق كان قصير الأمد.
ولم يكن دميان بالرجل المقتدر لاهوتياً، فحين قابله بعض الرجال الذين مالوا إلى هرطقة الثلاثة آلهة وقدموا له بعض الأسئلة، قام دميان بإعداد رسالة تجيب على النقاط التي أثاروها، وقبل أن ينشر تلك الرسالة أرسل نسخة منها إلى بطرس البطريرك السرياني ليعرف تعليقه عليها، فرد بطرس على دميان ذاكراً له العديد من الجمل غير الدقيقة وغير الواضحة التي احتوتها الرسالة، واعتبر دميان هذا الرد إهانة موجهة إلى شخصه فانقطعت العلاقات بينهما طوال فترة حياتهما. ومات بطرس عام 591م، وخلفه سكرتيره يوليان (Julian) الذي مات هو الآخر بعد ثلاث سنوات فقط من رسامته، فجلس بعد ذلك البطريرك أثناسيوس على الكرسي الأنطاكي.
ومات دميان البطريرك السكندري أيضاً وجلس مكانه أناستاسيوس (Anastasius)، وعاد الكرسيان مرة أخرى إلى الوحدة بفضل مبادرة قام بها أثناسيوس البطريرك الأنطاكي.
وكان أثناسيوس هذا بحق رجلاً عظيماً[4] ينحدر من عائلة في سموساطا (Samosata)، وقد فقد والده في بداية حياته فربته أمه التقية هو وأخوه ساويروس، وعندما كبرا جعلتهما ينضمان إلى أحد الأديرة. وبعد موت البطريرك يوليان في عام 594م، اجتمع الأساقفة ليختاروا خليفة لكرسي البطريركية في الدير الذي كان يقيم فيه الأخوان (أثناسيوس وساويروس).
وحسب العادة، صام الأساقفة ثلاثة أيام، وفي اليوم الأخير شعر بعض منهم أنه ينبغي أن يتحدثوا مع أول راهب يقابلوه في صباح اليوم التالي، وبالفعل عندما خرجوا من غرفهم في ذلك اليوم رأوا أثناسيوس يعد جمال الدير للأعمال اليومية، فتحدثوا إليه ووجدوه رجلاً ذو علم جديراً بكرسي البطريركية.
وعندما قام المجمع أيضاً بفحصه، اقتنعوا به وقرروا أن يختاروه على عكس إرادته تماماً، ومع ذلك جعل أثناسيوس الأساقفة يوافقون على السماح له بإكمال سنة الخدمة التي تعهد بها للدير. وعاد أثناسيوس إلى عمله بالدير دون أن يبوح بمسألة اختياره للبطريركية حتى إلى أخيه، وعندما أكمل سنة خدمته جاءه وفد من المجمع فذهب معهم ليتولى وظيفته الجديدة.
وبسبب أن عمله بالدير أثناء تلك السنة كان إحضار المؤن للجماعة من الخارج على ظهر الجمال، فلُقِّب أثناسيوس بالجمَّال (Gamolo). وبعد رسامته بطريركاً زار أثناسيوس الإسكندرية وحاول تسوية النزاع القائم بين الكرسيين، فقابل البابا أناستاسيوس السكندري هذه المبادرة بالترحاب، وتبادل الرجلان رسائل الوحدة فيما بينهما.[5]
(ج) انهيار مملكة المسيحيين العرب:
كانت مملكة المسيحيين العرب الغساسنة في غاية الازدهار والشهرة في أيام الحارث وابنه المنذر. وكان كلاهما يتبع التيار الديني غير الخلقيدوني وقد لعب كل منهما دوراً هاماً في فترة حكمه أثناء القرن السادس. وكانت هذه المملكة تتبع أباطرة القسطنطينية المسيحيين وتدعم مصالحهم ضد الفرس، ولكن الإمبراطور موريس قام بنفي المنذر وابنه النعمان (Naaman) وطُمست مملكتهم من على وجه الأرض.
وبالطبع كان ولاء أولئك الرجال للجانب غير الخلقيدوني له دوره المؤثر في خلق هذا البغض الشديد داخل الإمبراطور الخلقيدوني موريس تجاههم.
وفي فترة حكم يوستين الثاني، كان المنذر يساعد الجانب الروماني في نزاعه مع الفرس، ولذا طلب من الإمبراطور يوستين أن يمده بالعون ليحافظ على تفوقه العسكري، ولكن الإمبراطور لم يكن فقط غير راغب في تلبية طلبه بل كان أيضاً حانقاً عليه، حتى أنه قرر في الحقيقة أن يدبر مؤامرة لقتله.
وكتب يوستين خطابين واحد إلى المنذر نفسه، والآخر إلى مركيان قائد قواته في الشرق، ففي الخطاب الأول طلب من المنذر أن يذهب ويقابل مركيان في دارا (Dara) ليناقشه في بعض المسائل الملحة، وفي الخطاب الثاني كتب يأمر رئيس الجيش أن يتخلص من القائد العربي الذي سيحضر لمقابلته. وحدث خطأ في إرسال الخطابين فاستلم المنذر الخطاب المُرسل إلى مركيان، فقام بقطع كل الاتصالات مع الرومانيين.
وحين وصل تيبريوس إلى الحكم عادت علاقات الصداقة بينهما، وذهب المنذر إلى القسطنطينية في فبراير عام 580م واستقبل هناك بمنتهى الحفاوة والمودة حتى أن الإمبراطور الجديد اعترف بلقبه الملكي. وكان هذا هو الوقت الذي تقابل فيه المنذر مع الفريقان المتنازعان في الكيان غير الخلقيدوني وحاول أن يوفق بينهما.
وفي ذلك الحين كان موريس هو الحاكم على الشرق، وعند عودة المنذر من القسطنطينية تعاون مع موريس في التخطيط لحملة في منطقة الفرس، وبينما يقودان الجيوش وجدا الجسر الذي يعبر النهر الذي على الحدود محطماً، فشك موريس في أن يكون المنذر هو الذي قام بذلك، ولم يفلح أي شيء في تغيير رأيه وإزالة هذا الشك من داخله.
وكتب موريس عن هذا الأمر إلى تيبريوس فتغير موقف الإمبراطور هو الآخر تجاه الملك العربي. وتم القبض على المنذر وأُخذ بغدر إلى القسطنطينية حيث احتُجز في السجن هناك، أما أولاده الأربعة فقد قاموا تحت قيادة الأخ الأكبر النعمان بالثأر لأبيهم من خلال سلسلة من الغارات الانتقامية على الأراضي الرومانية، وعلى الرغم من أن محاولة القبض عليهم لم تنجح إلا إن سمعتهم قد تأثرت بشدة.
وكان جلوس الإمبراطور موريس على العرش خلفاً لتيبريوس في عام 582م له تبعات مأساوية على الملك العربي الذي كان في النفي. وجاء النعمان ابن المنذر إلى القسطنطينية يحاول أن يلتمس الحرية لأبيه، فرد الإمبراطور موريس عليه بأنه على استعداد لقبول طلبه بشرط أن يشترك مع القوات الرومانية ضد الفرس وأن يتبنى الفكر الديني الخلقيدوني.
فوافق النعمان على الشرط الأول ولكنه رفض الثاني بحجة أنه إذا قبله فقد يتعرض للقتل من شعبه، وعند مغادرة النعمان حضرة الإمبراطور قال أنه لن يرى وجه الرومان مرة ثانية. وتم القبض على النعمان وهو في طريقه ونُفي مع والده، وعندئذ انقسمت مملكة المسيحيين العرب إلى خمسة عشر إمارة مما أدى إلى انضمام الواحدة تلو الأخرى إلى الفرس[6] الذين تزعموا المنطقة خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن السابع.
وكان وجود مملكة قوية للمسيحيين العرب أمراً نافعاً لأباطرة القسطنطينية، حيث أوقفت تلك المملكة بشكل فعال التوسع الاستعماري الفارسي في سوريا وفلسطين ومصر ـ والذي تم (بعد انهيار مملكة المسيحيين العرب) في أوائل القرن السابع ـ كما أنها منعت أثناء وجودها الاجتياح العربي للإمبراطورية والذي قد تحقق أيضاً فيما بعد.
وقد أدت السياسة القصيرة النظر للإمبراطور موريس ـ والتي قد تكون بدافع من الغيرة والتعصب الديني ـ إلى تلك الأفعال الطائشة (تجاه مملكة المسيحيين العرب) بالإضافة إلى كل ما جلبته تلك الأفعال على تاريخ الشرق الأوسط بصفة عامة وعلى المسيحية في تلك المنطقة بصفة خاصة.
(د) الإمبراطور موريس يلقى حتفه:
كان موريس في الواقع إمبراطوراً مميزاً، فكجندي كان شجاعاً وماهراً، وكحاكم قام بعدد من الإصلاحات التنظيمية المؤثرة. وفي علاقته مع الفرس كان موريس بالفعل ناجحاً جداً في ضوء حقيقة أن الإمبراطورية الرومانية كان عليها أن تواجه في تلك الفترة ما بين عام 531م وعام 628م الإمبراطورين الطموحين كسرى الأول (Chosroes I) وحفيده كسرى الثاني (Chosroes II)، وكانا كلاهما له نزعة توسعية جامحة.
ولم يستطع الإمبراطور جوستينيان أن يحقق طموحه في إعادة إخضاع الغرب للإمبراطورية إلا من خلال إبرام اتفاقية سلام مع كسرى الأول كلفته مبلغاً ضخماً من المال يُدفع كإتاوة سنوية. وكان الحاكم الفارسي يكسر هذا الاتفاق مرات ومرات، وفي كل مرة يطلب أموالاً أكثر وامتيازات على أراض أكبر، وقضت الاتفاقية الأخيرة بينهما أن تدفع القسطنطينية لفارس مائتين ألف قطعة من الذهب الروماني سنوياً.
وبعد وفاة جوستينيان لم يتم الوفاء بهذا الاتفاق في أحوال عديدة، فكان الفرس يقومون بحملات عسكرية كلما تمكنوا من ذلك لكي يحصلوا على المال. وورث موريس هذه المشكلة مع استلامه للحكم عام 582م، ولكن أثناء السنوات العشر الأولى من حكمه نجح قائدا الجيش الشجاعين فيليبيكوس (Philippicus) وهراقليوس (Heraclius) في الحفاظ على حدود الإمبراطورية من أي اعتداء فارسي.
ومنذ عام 591م أصبحت العلاقة بين موريس وكسرى الثاني وطيدة جداً، لأن موريس أمد كسرى الثاني بالعون أثناء نزاعه مع بهرام (Bahram) الذي كان يقود ثورة ضد الإمبراطور الفارسي. وبالفعل استعاد كسرى الثاني وضعه مرة أخرى، وأصبح موريس وكسرى الثاني صديقين، ولو صدقت رواية المؤرخين السريان فإن موريس أعطى ابنته ماريا لكسرى الثاني زوجه له.[7] وحينما رأى موريس أنه لم يصبح هناك أي تهديد من جهة الشرق، كافأ هراقليوس على خدماته بتعيينه حاكماً على شمال أفريقيا.
وكانت لدى موريس مشاكل في الشمال على حدود الدانوب، وكان يحتاج في مواجهتها للتعاون المخلص من كل جيوشه، ولكنه لم يستطع أن يتحصل على تلك المساندة الكاملة أبداً، لأنه منذ وصوله إلى الحكم لم يهتم بالتواصل معهم، كما أن خزائنه الخاوية منعته من دفع رواتبهم. هذا بالإضافة إلى أنه كانت هناك شكوى من أن موريس يستخدم وضعه الإمبراطوري في تسهيل حصول أقاربه على الثروة والنفوذ، ويبدو أن صداقته مع كسرى الثاني قد جعلته يهمل قواته الحربية.
وعلى أية حال فقد قام الجيش بتمرد ضد موريس عام 602م وخذلته الحامية التي كانت معه في المدينة، وحاول موريس الهرب إلى خلقيدونية لكنه قتل هو وأولاده الأربعة يوم 26 نوفمبر، وأجلس الجيش الضابط فوكاس (Phocas) إمبراطوراً على العرش.
3. فترة حكم الإمبراطور فوكاس:
واجه الإمبراطور فوكاس أياماً عصيبة أثناء حكمه، فقد تأثر كسرى الثاني جداً بمقتل الإمبراطور موريس وعائلته وحاول أن يثأر لصديقه فاحتل منطقة ما بين النهرين (Mesopotamia) وسوريا وكبادوكيا وبافلاجونيا (Paphlagonia)، ولم يستطع فوكاس أن يفعل أي شيء ليوقف الجيش المعتدي، ولكنه أظهر فشله في التصدي للموقف بإرغام اليهود في أورشليم على قبول الإيمان المسيحي.
ولكي يدمج كسرى الثاني المناطق التي انتزعها معاً، وضع في اعتباره معارضة الشعوب المسيحية هناك للجانب الخلقيدوني، فأرسل لهم أسقفاً من فارس ينتمي للكنيسة السريانية الشرقية التي كانت توقر ذكرى نسطور،[8] وعندما لم يقبله الشعب هناك ترك كسرى الثاني المنطقة بكاملها تحت رئاسة الأساقفة غير الخلقيدونيين.
ويسجل المؤرخ السرياني أنه نتيجة هذا الموقف لم يصبح هناك وجود للمناصرين للجانب الخلقيدوني في الشرق من منطقة حدود نهر الفرات، كما عاد كذلك إلى الشرق الأساقفة غير الخلقيدونيين المنفيين في مصر.
ولم يستطع فوكاس أن يحافظ على تماسك الإمبراطورية لوقت طويل، فقد كان عليه أن يواجه الغزو الفارسي بالإضافة إلى أعداء الإمبراطورية الأوروبيين في الشمال، وقد فشل بالفعل في كلا الأمرين، وحاول أن يداري عجزه هذا بقانون للإرهاب داخل الإمبراطورية. وأدى تزايد الاستياء من عجز فوكاس إلى قيام هراقليوس حاكم شمال أفريقيا بتمرد عليه كما انضمت مصر أيضاً إلي ذلك التمرد.
ورتب هذا الحاكم المنشق مع ابنه هراقليوس وابن أخيه نكيتاس (Nicetas) أن يقود الأول أسطولاً والثاني جيشاً ويتجها إلى العاصمة على أساس أن الذي يصل إليها أولاً يكون هو الإمبراطور والآخر يكون مساعداً له. ووصل هراقليوس أولاً في سبتمبر عام 610م فرحب به الشعب جداً وتولى زمام الحكومة وقبض على فوكاس يوم 4 أكتوبر. وسأل هراقليوس فوكاس قائلاً “أبهذه الطريقة قمت بقيادة الإمبراطورية؟”، فأجابه فوكاس: “وهل أنت متأكد أنك تستطيع أن تفعل ما هو أفضل؟”، وفي النهاية حُكم على فوكاس بالقتل.
مات الإمبراطور جوستينيان يوم 14 نوفمبر عام 565م، وخلفه على التوالي الأباطرة:
-يوستين الثاني (Justin II) (565م – 578م)
-تيبريوس (Tiberius) (578م – 582م)
-موريس (Maurice) (582م – 602م)
-فوكاس (Phocas) (602م – 610م).
وبعدئذ أصبحت الإمبراطورية على حافة الاضمحلال، فنهض هراقليوس (Heraclius) ليعيد مجدها من جديد، وأسس سلالة حاكمة ظلت قابضة على مقاليد السلطة إلى أن حلت محلها السلالة الأيسورية في عام 717م.
1. فترة حكم الإمبراطور يوستين الثاني:
من بين كل خلفاء جوستينيان كان يوستين الثاني هو الرجل الذي وجّه كل اهتمامه إلى قضية وحدة الكنيسة بجدية حقيقية. وكانت زوجته صوفيا (Sophia) مثل الإمبراطورة ثيؤدورا وإن كانت أقل منها قدرة، وكانت تتعاطف مع الموقف غير الخلقيدوني، وقد ساندت خطة الإمبراطور في هذا الاتجاه. وفي الحقيقة بدأ الإمبراطور فترة حكمه وهو عاقد العزم على توحيد الفريقين، وعندما فشلت جهوده في ذلك انقلب في النهاية ليكون مضطهد تقليدي للكيان غير الخلقيدوني، بتوجيه من يوحنا الثالث بطريرك القسطنطينية.
وكان التوتر الناتج عن الحروب الفارسية بالإضافة إلى الشعور بالذنب بسبب التعامل الوحشي مع الرعايا المسيحيين، قد أديا إلى جنون هذا الإمبراطور الضعيف في عام 573م. وبعد أن ظل في هذه الحالة لمدة خمس سنوات مات في عام 578م، وترك العرش لقيصره تيبريوس الثاني.
(أ) الجهود المبذولة لتوحيد الجانبين:
فور اعتلاء الإمبراطور الجديد (يوستين الثاني) للعرش أظهر رغبته ـ كما سبق القول ـ في توحيد الجانبين. وكان البابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية يقيم في القسطنطينية في ذلك الوقت وقد طلب أن يقابل الإمبراطور، فلم يستجب يوستين إلى سؤاله فقط بل وطلب من البطريرك غير الخلقيدوني أن يراه في ملابسه الكنسية،* وعندما ذهب إليه البابا ثيؤدوسيوس استقبله الإمبراطور بمنتهى الاحترام وأخبره أنه سيتم التوصل إلى مصالحة بين الجانبين، وعندئذ سيكون البطريرك قادراً على العودة إلى كرسيه مرة أخرى.
ولكن البابا ثيؤدوسيوس تنيح في 22 يونيو عام 566م ودُفن بإكرام كبير، ومن الجدير بالذكر أن الذي قام بإلقاء العظة في الجنازة راهب يُدعى أثناسيوس استطاع حتى أن يعلن إدانته لمجمع خلقيدونية في أثناء تلك العظة.
وقد سجل المؤرخون السريان بشيء من التفصيل جهود الإمبراطور يوستين الثاني من أجل توحيد الجانبين في الكنيسة. وبدأت هذه الجهود بسلسلة من المفاوضات بين قادة الطرفين في القسطنطينية، وقد تم التوصل لعقد تلك المفاوضات بفضل وجود مندوبين عن مجموعتين متنازعتين داخل الكيان غير الخلقيدوني في العاصمة، حيث كانوا قد ذهبوا إلى هناك من أجل تسوية المشكلة التي حدثت بينهما بتوسط من الإمبراطور.
وقصة ذلك النزاع ـ والتي سيتم تناولها باختصار فيما بعد ـ ترجع إلى خمسينات القرن السادس، حينما دخل إلى الشرق شرح جديد لعقيدة الثالوث القدوس. وكان هناك رجل سرياني من منطقة ما بين النهرين يُدعى يوحنا أسكوناغس (JohnAsconaghes) وكان يتبع العادة النسكية في لبس الأحذية المصنوعة من الجلد المستخدم في صنع قِرَب المياه، وقد ذهب يوحنا هذا ـ الذي كان يتبع ذلك الشــرح الجديد لعقيدة الثالوث ـ إلى القسطنطينية حوالي عام 557م، ونجح في كسب تأييد أثناسيوس حفيد الإمبراطورة ثيؤدورا.[1]
وفي الإسكندرية، كان هناك أيضاً يوحنا فيلوبونوس* (John Philoponus) وهو فيلسوف أرسطوتالي انجذب هو الآخر إلى وجهة النظر الجديدة. ومن بين القادة الكنسيين الآخرين الذين تبنوا ذلك الرأي أيضاً، كونون أسقف طرسوس (Conon of Tarsus) وإفجين أسقف سلوكيا (Eugene of Seleucia) اللذين أقامهما يعقوب البرادعي. وقد قام البابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية بإدانة يوحنا أسكوناغس ومؤيديه باعتبارهم ينادون بثلاثة آلهة (tritheists)، ولكنهم مع ذلك استطاعوا أن يجذبوا للحركة تابعين آخرين.
وعندما واجهوا مقاومة عنيفة من الكيان غير الخلقيدوني، ذهب قادة هذا الفريق إلى القسطنطينية لكي يضمنوا تأييد الإمبراطور الذي أشار على الفريقين بمناقشة الاختلاف الذي بينهما في وجود يوحنا الثالث (the scolastic) بطريرك القسطنطينية، وقد جمعت هذه الاجتماعات كلا الفريقين في مواجهة مع الجانب الخلقيدوني، وجرت مفاوضات ثلاثية الأطراف لبعض الوقت، وقد توصل الفريقان المنتميان للجانب غير الخلقيدوني إلى اتفاق مؤقت في عام 566م.
وبعد هذه الأحداث، عُقدت محادثات الوحدة بين قادة الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، واستمرت لمدة تزيد عن السنة. وفي ذلك الوقت، كان القادة غير الخلقيدونيين حريصين على أن يقبلوا فقط تسوية مشرفة بدون إجبارهم على تأييد مجمع خلقيدونية بشكل شرعي، وكان الإمبراطور نفسه يوافق على هذا الأمر وقد أظهر ذلك بوضوح من خلال المرسوم الذي أصدره ليُتخذ كأساس للاتحاد.[2]
ويذكر هذا المرسوم: أن قانون إيمان مجمع نيقية ـ بالشكل الذي أكده به مجمع القسطنطينية ـ هو الرمز الوحيد المقبول للإيمان، وأن هذا القانون ـ بالطريقة التي فسَّره بها مجمع عام 431م دون غيره ـ هو معيار الكنيسة العقائدي. وبعد ذكر قانون الإيمان، ذهب المرسوم ليؤكد أن هناك “ميلادين لله الكلمة، واحد من الله الآب منذ الأزل، والآخر من مريم العذراء في الزمن.
ونحن نعترف أنه هو الله الكلمة الوحيد بالحقيقة، الذي ظل بدون أي تغيير في لاهوته. وأنه تألم بالجسد، وصنع العجائب بكونه إله، ليس مثل واحد (تألم) وآخر (صنع العجائب)، وليس أن واحداً هو المسيح وآخر هو الله، ولكن هو نفس الواحد ذاته، مركب من طبيعتي اللاهوت والناسوت، هو هيبوستاسيس (أقنوم) واحد وبروسوبون واحد؛ وهو ليس هيبوستاسيسين (أقنومين) أو بروسوبونين أو ابنين، ولكن هيبوستاسيس واحد لله الكلمة المتجسد”.
وقد أدان المنشور كل الهراطقة، ومن بينهم نسطوريوس وثيؤدور، بالإضافة إلى خطاب إيباس وكتابات ثيؤدوريت. كما جاء في المرسوم أيضاً: “ونحن نقبل البطريرك المبارك ساويروس، ونلغي الإدانة السيئة التي أُعلنت ضده بدون وجه حق، كما نرفع كل الحروم التي أُعلنت منذ أيام ق. كيرلس إلى وقتنا الحاضر”.
واقترح القادة غير الخلقيدونيين الذين رأوا المرسوم إجراء تعديلين عليه. التعديل الأول يخص العبارة التي حول التجسد فتتغير الكلمات التي بعد عبارة “وليس أن واحداً هو المسيح وآخر هو الله، ولكن ..”، لتصبح “ولكن الذي هو نفس الواحد ذاته، مركب من طبيعتين أي من هيبوستاسيسين (أقنومين) إلهي وإنساني،* وصار طبيعة واحدة أي هيبوستاسيس واحد وبروسوبون واحد.
وهو ليس هيبوستاسيسين (أقنومين) أو بروسوبونين أو طبيعتين أو ابنين”. أما التعديل الثاني فيختص بطلبهم إدماج حروم ق. كيرلس الإثني عشر كوثيقة مقبولة للإيمان.
وشهد المؤرخون السريان أن الإمبراطور وافق على الأخذ بالتعديلين، وأمر بأن يتضمن نص المرسوم الذي أصدره هذه التغييرات، ولكن الرجال الذين كُلفوا بهذا العمل قاموا بإغفالها، فتضايق الإمبراطور من هذا التصرف ولكنه عاد وهدأ في آخر الأمر. وعندما وجد القادة غير الخلقيدونيين أن التعديلين اللذين اقترحوهما وأقرهما الإمبراطور لم يوضعا في نص المرسوم، رفضوا أن يوقعوا على الوثيقة، وهكذا لم يخدم ذلك المرسوم الهدف الذي كُتب من أجله.
وبالرغم من هذا الفشل، أخذ الجانب غير الخلقيدوني المبادرة وطلب من الإمبراطور أن يستمر في جهوده من أجل وحدة الكنيسة، وتوجه يعقوب البرادعي نفسه إلى القسطنطينية مع القادة الآخرين لتقديم هذا الطلب. فأعادهم يوستين الثاني كلهم إلى الشرق، مؤكداً لهم أنه سينتدب ’النبيل‘ يوحنا ـ الذي كان قد أُرسل في مهمة سياسية إلى فارس ـ (ليذهب إليهم) ليناقش الرهبان والقادة الآخرين في قضية الوحــدة.
وبالفعل ذهب ’النبيل‘ يوحنا إلى الشــــرق ـ على الأرجح في عام 568م ـ حيث قابله عدد كبير من الرجال في دير مار زكا بالرقة (Callinicus) على حدود الفرات، وعرض ’النبيل‘ على الجمع منشوراً للإمبراطور كان قد أحضره معه، وعلى الرغم من أن الأساقفة وعدد من القادة الآخرين رأوا هذا المنشور مرضياً إلاّ أن الرهبان أثاروا اضطراباً كبيراً فانتهى الاجتماع بالفشل، وأحس يعقوب البرادعي نفسه بالعجز عن فعل أي شيء.
وحين وصل الأمر إلى الإمبراطور دعا يعقوب وثيؤدور وعدد من الأساقفة غير الخلقيدونيين إلى العاصمة، ولكن يعقوب تخلف عن الذهاب بينما ذهب ثيؤدور وبولس الأسود وآخرون إلى القسطنطينية، ودخلوا في مفاوضات مع يوحنا أسقف أفسس والأسقف النوبي لونجينوس[3] (Longinus) من عام 569م إلى عام 570م. وفي عام 571م أصدر يوستين مرسوماً آخراً ليستخدمه الجانبان كأساس للاتحاد، ولم يتعرض هذا المرسوم لقضية مجمع خلقيدونية، بالضبط مثلما فعل مرسوم الإتحاد ’هينوتيكون‘ الذي صدر عام 482م.
وأكد يوحنا بطريرك القسطنطينية لأساقفة الجانب غير الخلقيدوني ـ الذين كانوا يريدون عبارة حاسمة عن (رفض أو إسقاط) مجمع عام 451م ـ أنه بمجرد أن يتم الاتحاد بين الجانبين سيكون من الممكن إسقاط مجمع خلقيدونية[4] وقال لهم: “كما أعلنا نحن وحكامنا الأباطرة مراراً، فإننا نعطيكم كلمتنا ووعدنا أمام الله، أنه بمجرد أن تدخلوا في اتحاد معنا سيتم إسقاط المجمع (خلقيدونية).
وما قد خرج من شفاهنا لن يتغير أبداً”. وبناءً على هذه الكلمات، وبعد التعبير عن رفض مجمع خلقيدونية رفضاً مطلقاً، قام الأساقفة ـ ومن بينهم المؤرخ نفسه ـ وكذلك البطريرك السرياني بولس الأسود، بالشركة مع يوحنا بطريرك القسطنطينية.
وبعد أن فعلوا ذلك مرتين ذكَّر الأساقفة البطريرك الخلقيدوني بوعده وطالبوه بالوفاء به، ولكنه رجع في كلامه قائلاً: “سوف نكتب إلى بابا روما، فإذا وافق سنقوم بإلغاء المجمع، لأننا لا يمكن أن نقطع صلتنا مع روما بسببكم”. ومع ذلك، أُعطي لهؤلاء الأساقفة ’إيبارشيات‘ ليرعوها رداً على دخولهم في الاتحاد مع الكيان الخلقيدوني، ولكنهم رفضوا أن يقبلوها وقالوا أنه لم يعد هناك شيء أكثر ليفعلوه مع يوحنا بطريرك القسطنطينية.
(ب) أوامر إمبراطورية بالاضطهاد:
وأثار عدم التوصل إلى الوحدة غيظ الإمبراطور جداً، فتحول إلى مضطهد قاسٍ للكيان غير الخلقيدوني بتحريض من يوحنا بطريرك القسطنطينية والجانب الخلقيدوني.
وكان قد جلس على كرسي القسطنطينية بعد رحيل أنثيموس عام 536م، البطريرك ميناس ومن بعده البطريرك أوطيخا، وفي عام 565م تم طرد الأخير بأوامر من الإمبراطور وأُعطي مكانه ليوحنا. وكان يوحنا هذا سرياني الجنسية من قرية (Sirmis) وهو الذي تمت في عصره مفاوضات الوحدة ثم اضطهاد الأساقفة غير الخلقيدونيين.
واحتفظ لنا يوحنا أسقف أفسس الذي عاش في القسطنطينية في ذلك في الوقت ـ والذي تعرض هو نفسه للتعذيب الشديد ـ بتسجيل مفصل ودقيق عن ذلك الاضطهاد الإمبراطوري[5] فيقول: وفي أول الأسبوع السابق لأحد السعف عام 571م، أصدر الإمبراطور مرسوماً يقضي بتجريد الكيان غير الخلقيدوني من حقوقه، وأمر بغلق أماكن عبادتهم، وباعتقال أساقفتهم وقسوسهم، وبتشتيت كل تجمعاتهم.
وكان البطريرك يوحنا يراقب الأحداث عن قرب ليتأكد من تنفيذ الأوامر الإمبراطورية حرفياً، وفي الحقيقة كانت هذه الأوامر بتأثير البطريرك نفسه وبتحريض منه. ومن هنا وبتوجيه من البطريرك يوحنا، تم القبض على الأساقفة غير الخلقيدونيين ورجال الكنيسة (الإكليروس) ووضعوا في الحبس وتعرضوا لمعاملة غير إنسانية تماماً.
وبعد ذلك أُرسل رجال دين خلقيدونيون ليقيموا الخدمات (الليتورجية) للجماعات الرهبانية وللشعب المنتمين للجانب غير الخلقيدوني. وعندما رفض غير الخلقيدونيين أن يقبلوا تلك الخدمات (الليتورجية) من الأساقفة والقسوس الخلقيدونيين ـ وبخاصة الشركة الإفخارستية ـ تم القبض عليهم ووضعهم في السجون، ونُهبت ممتلكاتهم، وحُكم على كثير منهم بالنفي.
وأمام هذه التصرفات الوحشية، أعلن كثير من الناس إذعانهم وانضموا للجانب الخلقيدوني. ومَن كان من هؤلاء في رتبة كنسية، تم قبوله في نفس رتبته وسُمح له بالاستمرار في ممارسة خدمته الكنسية، ولكن بعد فترة شعر البطريرك يوحنا ومشيروه أنه ينبغي عليهم أن يقووا مركزهم أكثر من خلال إرغام أولئك الرجال على قبول طقس الرسامة مرة أخرى (بعد انضمامهم للجانب الخلقيدوني).
وكان هناك واحداً من أولئك الرجال يُدعى بولس، وهو أسقف بسيط متقدم في العمر، أُحضر إلى القسطنطينية بناء على أوامر من البطريرك يوحنا، وبعد بقائه في الحجز فترة من الوقت طُلب منه أن يوقع على بيان[6] يقول فيه أنه انطلاقاً من إرادته الشخصية واختياره الحر انضم إلى كنيسة الله.
ويذكر المؤرخ (يوحنا أسقف أفسس) أنه طُلب من بولس التوقيع على الوثيقة بدون حتى أن يقرأها أو يعرف محتواها، ثم خضع بعد ذلك لعملية إعادة رسامة ضد رغبته. ولم يستطع الرجل أن يحتمل الإهانة والشعور بالذنب من كونه جعل نفسه عرضة لهذا الفعل غير الشرعي، فمات[7] من الأسى بعد أيام قليلة. وكان هناك أيضاً أسقف يُدعى إليشع (Elisha) أُحضر من دير (Dius) وتم التحفظ عليه في البطريركية.
وبالرغم من أنه قام بالشركة مع البطريرك الخلقيدوني، إلاّ إنه رفض أن تُعاد رسامته قائلاً إنه إذا كان يتعين أن تٌعاد رسامته فينبغي أن تُعاد معموديته أولاً، فأخبروه أنه سيتم وضع الطيلسان عليه فقط، لكنه تمسك برفضه فأُرسل إلى دير أبراهام وعُذب هناك بشدة.
أما الأسقف ستيفن (Stephen) فقد كان أكثر جرأة وتوفيقاً، لأنه عندما طُلب منه أن تُعاد رسامته، قدم التماساً إلى الإمبراطور يعترض فيه على الأساس الذي يُبنى عليه هذا التصرف، وقال أن القانون التاسع عشر لمجمع نيقية فرض على التابعين لهرطقة بولس السموساطي، أنه لكي يتم قبولهم مرة أخرى في الكنيسة ينبغي أن تُعاد معموديتهم ورسامتهم، ولا يُلتفت إلى المعمودية والرسامة التي قبلوها في مؤسستهم الكنسية السابقة.
وهنا تساءل ستيفن: هل الكيان غير الخلقيدوني إذن يشابه التابعين لبولس السموساطي وليس لديهم (أحقية ممارسة) أسرار شرعية صحيحة؟ فإذا كان الأمر كذلك، فينبغي على من مثله أن تُعاد معموديتهم قبل أن تُعاد رسامتهم. وكان لموقف ستيفن تأثيره الفعَّال حيث أمر الإمبراطور أن تُوقف مثل هذه الإجراءات، ولم تتم إعادة رسامة ستيفن بل صار أسقفاً في قبرص.
(ج) الاضطهاد يفشل:
كان النهج الذي اتخذه البطريرك يوحنا، في إعادة رسامة الأساقفة ورجال الكنيسة غير الخلقيدونيين، مثار اعتراض شديد من قبل أساقفة الجانب غير الخلقيدوني في اجتماعاتهم التالية معه انطلاقاً من نفس الأساس الذي تبناه الأسقف ستيفن.
وكان غير الخلقيدونيين يطلبون في الحقيقة من البطريرك الخلقيدوني أن يوضح لهم ما هي هرطقة غير الخلقيدونيين، فلم تكن عند البطريرك إجابة سوى سؤالهم هل يكونون راضين إذا توقف عن موضوع إعادة الرسامة تماماً. ومرة أخرى أوضح الأساقفة غير الخلقيدونيين وجهة نظرهم في أن مسألة مجمع خلقيدونية وطومس ليو هي التي فصلت بينهم وبينه، وأنه قبل التفكير في إعادة الوحدة ينبغي أن تُحل هذه النقطة أولاً.
ولم يدم الاضطهاد ضد غير الخلقيدونيين، فقد اعتل عقل الإمبراطور يوستين الثاني، وتم تصعيد تيبريوس قيصراً في عام 574م. وكان الحاكم الصغير معارضاً لفكرة المعاملة السيئة للجانب غير الخلقيدوني.
وسجل يوحنا أسقف أفسس أن كلاً من البطريرك يوحنا وخليفته أوطيخا حاول أن يقنع تيبريوس بإصدار أوامره باضطهاد غير الخلقيدونيين، فسأل تيبريوس البطريرك قائلاً: “ينبغي أن تخبرني بالحق، هل تؤمن أن أولئك الذين تسألني أن اضطهدهم هم وثنيين؟”، فأجاب البطريرك “لا”، وهنا أعاد القيصر السؤال ثانية: “هم مسيحيون، أليس كذلك؟”، فأجاب يوحنا “نعم، ولكنهم لا يشتركون معنا في الكنيسة”، فقال تيبريوس: “اذهب الآن وكن في سلام، فأنا لا أريد أن اضطهد مسيحيين كما فعل ديوكلتيان (Diocletian)”.[8]
ومات البطريرك يوحنا في عام 577م، وأُعيد أوطيخا إلى الكرسي الذي كان قد أُبعد عنه في عام 565م. وكان أوطيخا هو الآخر متحمساً لخلقيدونية وحاول تحريض تيبريوس لاضطهاد غير الخلقيدونيين، فرد عليه تيبريوس قائلاً: “تكفينا الحروب التي بيننا وبين البربر المحيطين بنا من جميع الجهات،وليس من الممكن أن نثير حرباً أخرى ضد المسيحيين، فاذهب الآن وكن في سلام”.
وكانت للبطريرك أوطيخا وجهة نظر تختص بالحياة الآخرة تسببت في فقدان شعبيته إلى حد بعيد، فقد طرح سؤالاً مفاده أنه إذا كان الإنسان في موته ينحل ويذهب الجسد إلى الأرض التي أُخذ منها، فهل من الممكن أن يكون هناك في القيامة إعادة تجميع للجزيئات المادية للجسد المنحل؟ وكانت إجابة أوطيخا عن هذا السؤال هي النفي القاطع، حيث أكد أنه في الآخرة سيخلق الله رجالاً ونساءً من جديد. ولم تلقى وجهة نظر أوطيخا هذه قبولاً لدى أي من الذين كانوا في أيامه.[9]
ومات يوستين الثاني في عام 578م، وأُعلن تيبريوس إمبراطوراً. ولكن تيبريوس لم يمكث في الحكم طويلاً حيث مات في عام 582م وجاء الإمبراطور موريس خلفاً له.
(د) نظرة الجانب غير الخلقيدوني لشرعية الدرجات الكهنوتية (التي يمنحها الخلقيدونيون):
حاول الجانب الخلقيدوني أن ينفذ برنامجاً لإعادة سيامة الإكليروس غير الخلقيدونيين الذين وافقوا على قبول مجمع خلقيدونية، كإشارة إلى أنهم لم يكونوا منتمين (في الماضي) إلى الكنيسة، وكانت إعادة الرسامة تتم سواء بإرادة الشخص أو بالإكراه. وكانت هذه الخطوة في الحقيقة جزءاً من الاضطهاد الذي تبناه الجانب الخلقيدوني ضد غير الخلقيدونيين.
وعلى الرغم من ذلك، واجه الجانب غير الخلقيدوني ـ في ذلك الوقت ـ مسألة شرعية السيامات التي يمنحها الخلقيدونيون بأسلوب له مغزاه اللاهوتي. ففي أثناء حكم الإمبراطور يوستين الثاني، برز تساؤل بين القادة غير الخلقيدونيين عن الطريقة التي ينبغي أن يُقبل بها الذين ينضمون إليهم من الجانب الخلقيدوني.[10]
وكان هناك رأيان في هذا الصدد، الأول يقر بأن الدرجات الكهنوتية التي يمنحها الجانب الخلقيدوني هي صحيحة وشرعية، أما الرأي الثاني فيصر على أنها غير شرعية، وبالتالي ينبغي أن تُعاد السيامة كاملة لأولئك الذين ينضمون للكيان غير الخلقيدوني.
وأمام هذه القضية، قام قادة الجانب غير الخلقيدوني مع يعقوب البرادعي وثيؤدور أسقف العرب بعقد اجتماع تقرر عنه:
(1) أن السيامة التي تمت بواسطة الكيان الخلقيدوني يمكن تعقبها (زمنياً) إلى ما قبل مجمع خلقيدونية* لأن الأساقفة الذين اشتركوا في المجمع كانوا قد رُسموا بالفعل داخل الكنيسة الجامعة، ووقوعهم في الخطأ لا يلغي صحة وشرعية الدرجات الكهنوتية التي قبلوها.
(2) إن هذه السيامة هي “هبة من فوق أُعطيت للرسل، ومنهم انتقلت (وتعاقبت) حتى النهاية”، وهي التي نقبلها ونشفي (بها) أيضاً أولئك الذين قبلوها ووقعوا في الخطأ.
(3) وبالتالي فإن أولئك الذين في درجات كهنوتية في الجانب الخلقيدوني وأرادوا أن ينضموا للكيان غير الخلقيدوني، فإنهم يحتاجون فقط إلى ’الشفاء‘ وليس إلى الرسامة مرة ثانية.
ومن هنا اقترح الاجتماع أن الإكليروس الخلقيدونيين الذين ينضمون إلى الكيان غير الخلقيدوني، يتعين عليهم أن يخضعوا للتوبة لمدة سنتين، وبعد ذلك تكون هناك صلاة يصليها عليهم الأساقفة، وهكذا يمكنهم أن يخدموا في نفس الدرجة التي كانوا عليها في الجانب الخلقيدوني بدون أي إعادة لرسامتهم.
(هـ) آثار الاضطهاد:
أدت السياسة الدينية لعائلة جوستينيان إلى الإضرار بالكيان غير الخلقيدوني بصورة بالغة، كما تسببت تلك السياسية أيضاً ـ والتي اعتبرت الموقف الخلقيدوني هو الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية ـ في انقسام الكنيسة الواحدة إلى كيانين كنسيين يشجب كل منهما الآخر.
وأهم ما كان على الكيان غير الخلقيدوني أن يواجهه هو النقص الحاد في الإكليروس، وعلى الرغم من أن الإمبراطورة ثيؤدورا كانت تحيط غير الخلقيدونيين برعايتها، إلاّ أن ما فعلته معهم كان محاطاً بقيود شديدة، كما أن موتها عام 548م حرمهم حتى من تلك المساعدة. وأخذ الأسقف يعقوب البرادعي يدور في كل الشرق يقوي المؤسسات الكنسية (غير الخلقيدونية)، ورغم ذلك لم ينجح في رسامة بطريرك لكرسي أنطاكيا خلفاً للبابا ساويروس ـ الذي كان قد رقد عام 538م ـ إلا بعد حوالي ستة أعوام.[11]
وبعد ثلاثة سنوات فقط، تنيح البطريرك (سرجيوس)، فلم يستطيعوا رسامة خلفاً له على كرسي أنطاكيا حتى عام 564م عندما رشح البابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية سكرتيره الراهب المصري بولس الأسود لهذا المنصب. وبعد موافقة يعقوب البرادعي والأساقفة الآخرين في الشرق رُسم بولس الأسود بطريركاً لأنطاكيا، وبدلاً من أن تساهم تلك الرسامة في تقوية الكنيسة، سببت عدداً لا يُحصى من المشاكل.
ومنذ البداية كان بولس الأسود رجلاً مثيراً للجدل، فبعد رسامته أرسله البابا ثيؤدوسيوس إلى الإسكندرية نيابة عنه ليقيم أساقفة للكراسي الشاغرة في مصر، ولكن المصريون لم يوافقوا على تلك الخطوة واتهموا بولس بطموحه في الكرسي السكندري.
ومن ناحية أخرى كان لبولس أنصاراً في سوريا، ولكن بعد أن أصبح على غير وفاق مع يعقوب البرادعي، قل عددهم جداً إلا أن المنذر ابن الحارث قائد العرب الغساسنة ظل مناصراً له. وكانت الأمور في البداية تسير على ما يرام بين يعقوب وبولس، ولكن بعد أن تقدم يعقوب في العمر أصبح من الممكن أن يتأرجح في رأيه بسبب المتطرفين من أتباعه الذين انضموا إلى المصريين في معارضتهم العنيفة ضد بولس.
ونحن على أية حال نرى أن بولس يستحق تعاطفنا معه على الرغم من أنه قد لا يكون فوق الزلل، لأن المشكلة التي كان عليه أن يواجهها ـ والذي أُعتبر أنه المتسبب فيها ـ كانت بصورة ما نتيجة التأثير السيئ للوضع الكنسي في ذلك الوقت.
وفي عام 571م، كان بولس الأسود واحداً من الأساقفة والرجال غير الخلقيدونيين الذين قُبض عليهم بأوامر من الإمبراطور. وقد قام مع يوحنا أسقف أفسس وآخرين بالشركة مع الجانب الخلقيدوني مرتين، وقام معهم أيضاً بعد ذلك بكسر تلك الشركة فتم التحفظ عليه واحتجازه بدير أبراهام بالقسطنطينية.
وحينما كان هناك بدأ بولس يكتب مذكراته عن الأمور التي تعرض لها، ووصل خبر هذه المذكرات إلى المشرفين عليه، فانتزعوها منه وتعاملوا معه بطريقة سيئة جداً، ثم تشفع له الأسقف ستيفن فتم إطلاق سراحه في النهاية. وعلم الإمبراطور بقضية بولس، فتأثر جداً بقدرة الرجل وتحمله، ووصل تقديره لموقف بولس إلى درجة أنه أصبح يلتمس مشورته، وقد أثار هذا غيرة البطريرك يوحنا فحاول بطرق ماكرة أن يجعل بولس يترك العاصمة.
وبعد بعض الوقت اختفى بولس، وأمر الإمبراطور بالبحث عنه في كل الأديرة والمنازل وحتى السفن التي في البحر، ولكنهم لم يعثروا عليه. وفي الواقع كان بولس قد سكن في مخبأ مع أحد أصدقائه لمدة تسعة أشهر، ثم هرب بعدها إلى صديقه المنذر ابن الحارث في العربية، ومن هناك أرسل التماساً (إلى الكنيسة) يطلب فيه أن يستعيد وضعه الكنسي، وكان يعقوب البرادعي والذين معه على استعداد لقبول طلب بولس ولكنهم كانوا حريصين على معرفة مشاعر المصريين تجاه الرجل، فأرسلوا أسقفين إلى مصر وتأجل القرار لحين عودتهما من هناك.
وفي نفس الوقت استطاع بولس أن يذهب إلى مصر عام 574م في زى جندي، وكانت الكنيسة في مصر تعاني من الفوضى التامة بسبب غياب القيادة الباباوية، بالإضافة إلى وجود تحزبات كثيرة فتتت من وحدة الكنيسة هناك. وحين رأى بولس أن الوضع الكنسي في مصر أصبح يُرثى له، طلب من الأسقف النوبي لونجينوس أن يأتي ويساعد في رسامة بطريرك للإسكندرية خلفاً للبابا ثيؤدوسيوس الذي كان قد رقد في عام 566م.
واستجاب لونجينوس لطلب بولس وجاء إلى الإسكندرية، وبمساعدة الأسقفين السريانيين أخذ لونجينوس المبادرة وقام برسامة راهب سرياني يُدعى ثيؤدور بطريركاً على الإسكندرية في عام 575م. ولم يكن بولس مشتركاً في طقس الرسامة غير أنه هو الذي سمح للأسقفين السريانيين بالمساعدة في إتمام الطقس كما أنه هو الذي طلب من لونجينوس إتمام الأمر. ولكن المصريون ـ الذين كانوا بالفعل لا يميلون إلى بولس ـ صدقوا أنه هو المسئول عن رسامة ثيؤدور، وأنه فعل ذلك بقصد السيطرة على كرسي الإسكندرية، فكانت النتيجة أنهم رفضوا الاعتراف بثيؤدور، وأضمروا لبولس ضغينة لا تُمحى.
وكتعبير عن عدائهم ورفضهم لثيؤدور، قام المصريون برسامة شماس عجوز يُدعى بطرس بطريركاً لكرسي الإسكندرية خلفاً لثيؤدوسيوس، وبواسطته تمت رسامة سبعين أسقفاً جديداً في مصر. ومات بطرس بعد ثلاث سنوات، ولكن المصريون رغم ذلك لم يقبلوا ثيؤدور بطريركاً لهم، وقاموا برسامة رجل سرياني آخر هو دميان (Damian) ليكون خلفاً للبابا بطرس. وتجاوز المصريون حدود حقوقهم الشرعية، وقاموا بإعلان حرمهم لبولس الأسود.
وفي الحقيقة كان الرجل الوحيد على الأرض الذي يستطيع في ذلك الوقت أن يمارس تأثيره ويحقق المصالحة بين بولس والمصريين، هو يعقوب البرادعي. ولكن يعقوب كان قد أصبح رجلاً مسناً جداً، لدرجة أنه كان من الممكن التأثير عليه ليقوم بمساندة أي من الجانبين بواسطة أصدقائه المقربين.
وتجنباً لحدوث ذلك* قام المصريون من جانبهم بأخذ موافقة يعقوب على رسامة بطرس وحرمان بولس، وهنا وجد يعقوب نفسه يقف في جانب المصريين ضد بولس الذي كان قد أيد رسامته بطريركاً على أنطاكيا بمنتهى الحماس. وكانت النتيجة هي انقسام كنيسة سوريا إلى معسكرين،[12] واحد يؤيد يعقوب البرادعي والآخر يتبع بولس الأسود، وقام كل فريق بتوجيه الاتهام للفريق الآخر بشكل يدعو للأسى.
وعقد الفريق الموالي ليعقوب اجتماعاً لينظروا في مسألة إقامة بطريرك ليحل محل بولس، ولكن الأمر لم يتحقق بسبب معارضة عدد من الأساقفة الذين طالبوا بضرورة إدانة بولس أولاً وعزله قبل القيام بهذا الأمر. ومع ذلك قام هذا الفريق بعد موت يعقوب البرادعي برسامة بطرس الذي من الرقة بطريركاً على أنطاكيا بينما كان بولس لا يزال على قيد الحياة.
وعندما رأى بولس الفتنة الخطيرة التي حدثت بسببه، اختفى عن الأنظار ولم يُسمع عنه تماماً طيلة أربعة سنوات، وأخيراً عُرف أنه اعتزل في كهف داخل جبل قرب القسطنطينية، وأنه مات هناك. أما في الإسكندرية، فحينما سمع ثيؤدور ـ الذي رفضه المصريون ـ أن صديقه بولس في القسطنطينية، شرع في الذهاب إلى هناك باحثاً عنه لكي يراه، ولكنه فشل في بحثه وعاد إلى مصر مغتماً ومات على الفور هناك.[13]
وكانت حادثة موت يعقوب البرادعي في غاية الغرابة، فبعد المشاركة في الاجتماع الذي ناقش مسألة إقامة بطريرك مكان بولس، دعا يعقوب ثمانية من أصدقائه المقربين ومن بينهم بعض الأساقفة، ورتب معهم رحلة إلى الإسكندرية بدون أن يخبرهم عن قصده من ذلك. ويقول البعض أنه شرع في هذه الرحلة من أجل محاولة المصالحة بين بولس والمصريين، ولكن آخرون قالوا أن هدفه من تلك الرحلة كان إقامة بطريرك آخر مكان بولس بمساندة المصريين.
وعلى أية حال، عندما وصل الرجال إلى دير (Cassin) في منطقة مايوما (Maiuma) بغزة على الحدود المصرية، توقفوا هناك لراحة قصيرة، وحينئذ مات أحد الرجال فجأة وكان أسقفاً، فصلى يعقوب قداساً على روحه. وفي اليوم التالي مات واحد آخر من الأساقفة، ومات يعقوب نفسه أيضاً في اليوم الثالث، وفي غضون عشرة أيام مات كل الرجال واحداً تلو الآخر.
ولا يعرف المؤرخ السبب وراء هذه الوفيات، ولكننا نستطيع فقط أن نقول أنه هكذا انتهت بمنتهى الغرابة الحياة المدهشة لرجل واجه المخاطر بكل شجاعة من أجل تحقيق هدفه الغالي على قلبه.[14]
(و) قضية عقائدية:
كان التفسير الجديد لعقيدة الثالوث، الذي قدمه بعض الرجال أمثال يوحنا أسكوناغس (JohnAsconaghes) في خمسينات القرن السادس، قد أدى إلى ازدياد الفوضى المنتشرة في ذلك الوقت. وكانت المسألة التي أثارها هؤلاء الرجال هي أن عقيدة الثالوث التي شرحها الآباء الكبادوك في النصف الثاني من القرن الرابع تحتاج إلى توضيح أكثر من أجل استبعاد خطر السابلية.
وكان هؤلاء الآباء قد علَّموا في القرن الرابع بأن الله جوهر واحد (one ousia)، وأن هذا الجوهر بتمامه متخصخص (individuated) في الآب والابن والروح القدس، ولذلك كل منهم هو أقنوم (hypostasis) أو كيان واقعي، ولهذا فالله هو جوهر واحد وطبيعة (physis) واحدة ولكن ثلاثة أقانيم.*
أما أولئك الرجال في القرن السادس فقد زعموا أنه إذا كان المسيح هو الله الكلمة المتجسد الذي له طبيعته الخاصة،[15] فإن كل من الآب والروح القدس لابد وأن يكون له طبيعته الخاصة، وبناءً على هذا أصروا أن الله ثلاثة جواهر وثلاثة طبائع وثلاثة أقانيم، ولم ينتبهوا جيداً إلى خطورة الوقوع في هرطقة القول بثلاثة آلهة (tritheism) التي يتضمنها موقفهم هذا.
وقد رفض الجانب غير الخلقيدوني هذا التفسير تماماً، وقام البابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية بإدانة يوحنا أسكوناغس، وكتب تفنيداً لهذه المعتقدات على نفس النحو الذي اتبعه البطريرك ساويروس الأنطاكي ضد يوليان أسقف هاليكارنيسوس في عشرينات القرن السادس. ومثل اليوليانية حظيت هذه الحركة أيضاً بالنجاح في أول الأمر في مناطق كثيرة من الشرق، ولكن بسبب المعارضة والإدانة التي واجهتهما (من الكيان غير الخلقيدوني) سعى قادة تلك الحركة إلى تنظيم أمورها بشكل ذاتي ومستقل.
وكان هذا ـ بحسب ظروف القرن السادس ـ يقتضي وجود قيادة من الأساقفة، ولكن الحركة لم تكن تضم إلا أسقفين فقط هما كونون (Conon) وإفجين (Eugene)، فاستلزم الأمر انضمام أسقف ثالث ليكتمل النصاب القانوني لرسامة أساقفة آخرين. ومن هنا حاول قادة الحركة الاتصال بيوحنا أسقف أفسس يطلبون مشاركته، فرفض يوحنا طلبهم ونصحهم بترك هرطقتهم والانضمام إلى الكنيسة.
وفي النهاية وجدوا ضالتهم في الأسقف ثيؤناس (Theonas) الذي رسمه البابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية ثم حرمه من أجل شروره، وقام الأساقفة الثلاثة معاً برسامة أساقفة آخرين وأرسلوهم لمناطق مختلفة لنشر تعليمهم.[16]
واستطاع أصحاب هرطقة الثلاثة آلهة (tritheism) أن يكسبوا تأييد كل من أثناسيوس حفيد الإمبراطوة ثيؤدورا، ويوحنا فيلوبونوس السكندري،[17] وقاموا باستخدام مقاطع قليلة من كتابات البطريرك ساويروس الأنطاكي وثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية نفسه، ليؤكدوا أن وجهة نظرهم تتفق مع تعاليم الآباء.
وأمام هذا التحدي قام قادة الجانب غير الخلقيدوني بفحص تلك الفقرات التي أشاروا إليها، وأظهروا أن كل تلك الاقتباسات قد أُخذت خارج سياق الكلام الذي ذُكرت فيه.
وكان كل من ساويروس وثيؤدوسيوس قد علم بأنه بالرغم من أن اللاهوت واحد أي جوهر واحد وطبيعة واحدة، فإن الثلاثة أقانيم ليسوا مجرد ثلاثة أشكال ـ كما ادعت بذلك الهرطقة السابيلية ـ ولكنهم بالأحرى أشخاص حقيقيين منذ الأزل، وحينما نفكر في أي منهم ينبغي أن نقر بأن له جوهر وطبيعة، ولكن هذا لم يكن يعني عند كل من البطريرك ساويروس والبابا ثيؤدوسيوس أن اللاهوت هو الاسم المشترك لثلاثة جواهر أو ثلاثة طبائع.
ورغم أن تلك الحركة شكَّلت مقاومة كبيرة للكيان غير الخلقيدوني في القرن السادس، إلاّ أنها أعطت الفرصة للقادة غير الخلقيدونيين ليشرحوا الأساس اللاهوتي وراء عقيدة الثالوث القدوس.
* وهذا يعني اعترافاً ضمنياً من الإمبراطور يوستين الثاني برتبته الكنسية برغم كونه من الجانب غير الخلقيدوني الذي كان قد جرَّمه الإمبراطور السابق جوستينيان.
* المقصود هنا ليس أنه مركب من هيبوستاسيسين (أقنومين) مستقلين منفصلين ولكن المعنى الذي سيتضح فيما بعد هو أن غير الخلقيدونيين كانوا يصرون على أن الطبيعة الإنسانية في المسيح وجدت في الإتحاد وهي في الحالة الأقنومية (أي المخصخصة المتفردة) وليس الحالة العامة المجردة. انظر الفصل صفحة .
[3] كان لونجينوس راهباً من النوبة، وكان يعيش في القسطنطينية في صحبة البابا ثيؤدوسيوس، وهو الذي أراد البطريرك أن يرسمه أسقفاً على بلاده، ولكنه لم يُرسم إلا بعد موت البابا ثيؤدوسيوس. وقد احتُجز في العاصمة حوالي ثلاث سنوات بسبب التدخل الإمبراطوري. وقد أقيمت اجتماعات الوحدة حينما كان لونجينوس لا يزال في القسطنطينية، وكان له دور فيها كما كان له دور أيضاً في الأمور الكنسية الأخرى التي في عصره. انظر صفحة .
[4] للرجوع لهذه الأحداث انظر (John of Ephesus, op. cit., 1: 24-25)
[6] المرجع السابق 2: 43. ويحتفظ لنا يوحنا أسقف أفسس بالبيان الذي قدَّمه بولس حيث قال: “أنا، بولس الذي كنت قد ضللت وتهت، وإذ قد وجدت الإيمان الصحيح فإني أرجع إليه بإرادتي الخاصة وحريتي، وبدون إكراه أو إجبار، وانضم إلى كنيسة الله.
وبهذا البيان المكتوب، أعترف لكم يا سيدي البطريرك المسكوني يوحنا إلى النفس الأخير، أنني أتفق في الرأي مع مجمع الآباء الستمائة والثلاثين القديسين الذين اجتمعوا في مدينة خلقيدونية، واتفق مع رسالة (طومس) القديس المطوب بابا روما التي تتفق مع اعتراف بطرس الرسول رئيس الرسل. وإنني لن أرجع أو أتحول عن هذا إلى الأبد. وأنا أعترف بهذه الأمور وأؤكدها بتوقيعي هذا، أنا الأسقف بولس. وأنا أعترف، وأتفق مع، وأقبل كل ما هو مكتوب في هذا البيان.
[7] للإطلاع على قصة إعادة رسامة بولس وموته، انظر (يوحنا أسقف أفسس 1: 14؛ وميخائيل السرياني، مرجع سابق صفحة 339) وكان بولس هذا أسقفاً على أفرودوسياس المدينة الكبرى في كاريا (Aphrodosias the chief city of Caria).
* أي أن هذه السيامات متسلسلة ومتعاقبة زمنياً بدون انقطاع منذ عصر ما قبل خلقيدونية.
[11] يذكر فرند تاريخ رسامة سرجيوس أنه عام 557م (مرجع سابق، صفحة 290). للرجوع لهذا التاريخ انظر:
(William Wright, A Short History of Syriac Literature, Amsterdam Philo Press, 1966, p. 87)
ويرى فرند أنه من المحتمل أن البابا سرجيوس لم يُقام خلفاً للبابا ساويروس، ولكن ذلك يتعارض مع مؤرخي الكنيسة السريانية الذين يضعون اسم البابا سرجيوس ضمن قائمة البطاركة الأنطاكيين تالياً للبابا ساويروس.
* أي تجنباً لأن يستطيع أحد الأصدقاء التأثير على يعقوب البرادعي ويجعله يميل إلى جانب بولس الأسود وليس إلى جانب المصريين.
[12] للإطلاع على أحداث هذا الانقسام انظر صفحة المرجع رقم 57.
[13] للرجوع إلى عرض مفصل عن أيام بولس الأخيرة وموته انظر:
(John of Ephesus, op. cit., IV: 53f)
[14] للإطلاع على أحداث نياحة يعقوب انظر (المرجع السابق، 4: 33).
* انظر مقارنة بين ق. أثناسيوس والآباء الكبادوك في شرح المصطلحات اللاهوتية، بالملحق الذي في نهاية الكتاب.
[15] يبدو أن فرند يعتقد أن هرطقة القول بثلاثة آلهة (tritheism) لها إرتباط بعقيدة ’الطبيعة الواحدة المتجسدة‘ التي ينادي بها غير الخلقيدونيين. وهذا في رأينا استنباط بعيد من عنده كما هو الحال في تقييمه للموقف غير الخلقيدوني في كثير من الأمور الأخرى. انظر (فرند: مرجع سابق صفحة 290 وما يليها). وهذه الحادثة تدل على أنه في القرنين الخامس والسادس كان هناك في الشرق مفكرين يتسمون بالتجاسر.
[16] ناقش يوحنا أسقف أفسس قصة هرطقة القول بثلاثة آلهة في (مرجع سابق، الخامس)
[17] لقد أورد يوحنا الدمشقي اسم يوحنا فيلوبونوس كأحد قادة الكيان غير الخلقيدوني. ومما لا شك فيه أن الدمشقي كان مخطئاً في هذا الأمر. انظر:
(St. John of Damascus, The Fathers of the Church, A New Translation, vol. 37, pp. 139f)
عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج1
كان الإمبراطور يوستين رجلاً مسناً وُلد في منتصف القرن الخامس وسط عائلة ريفية في ثراكي. ومن المحتمل أن يكون قد أتى إلى العاصمة وهو شاب صغير في أوائل العشرينات ليجرب حظه هناك،[1] وقد أهلته قوته البدنية ويقظته العقلية للدخول في سلك الجندية الذي اختاره لنفسه. وبعد استقراره في العاصمة أحضر من بلدته مجموعة من أقربائه كان من بينهم ابن أخته جوستينيان.
وعلى الرغم من أن يوستين كان أميّاً، إلاّ إنه قدم لأقربائه التسهيلات لينالوا قسطاً محترماً من التعليم، فاستفاد جوستينيان بالفعل من هذه المساعدة. وحينما كان يوستين جندياً اشترى امرأة اسمها لوبوسينا لتكون سريته، ثم تزوجها بعد ذلك ولكنهما لم يُرزقا بأولاد. ومنذ بداية تولي يوستين الحكم جعل ابن أخته جوستينيان قريباً من الإدارة وكان هو بالفعل العقل المدبر وراء سياسات خاله.
وفي ربيع عام 527م مرض يوستين فاختار ابن أخته ليعاونه في الحكم يوم 4 أبريل من نفس العام، وبعد ذلك مات يوستين في شهر أغسطس فتم تنصيب جوستينيان إمبراطوراً منفرداً في الحكم.
(أ) سياسة جوستينيان الدينية:
كان جوستينيان رجلاً طموحاً وواثقاً من إلمامه بالتفاصيل النظرية، ولذلك بدأ فترة حكمه متبعاً نفس السياسة الدينية التي كان ينتهجها خاله والتي كانت في الحقيقة من تدبيره هو. ولكن الإمبراطور جوستينيان سرعان ما أدرك أن الخلاف بين المؤيدين والمعارضين لمجمع خلقيدونية يحتاج إلى إيجاد تسوية، وكانت خطته في ذلك هو أن يجعل الذين ينتقدون المجمع يقبلونه من خلال تفسير قرارات المجمع بالطريقة التي قد تهدئ شكوكهم.
وكان هذا بالفعل أمراً دقيقاً للغاية، وبحسب كلمات دياكونوف (Dyakonov) ـ التي يذكرها فاسيليف (Vasiliev) ـ “كانت إدارة جوستينيان في سياسته الكنسية ذات وجهين (مثل الإله الروماني جانوس ذو الوجهين)، الوجه الأول متجه نحو الغرب يسأل الإرشاد من روما، بينما الوجه الآخر ينظر إلى الشرق يلتمس الحقيقة من الرهبان السريان والمصريين”.[2]
ويعتبر هذا التعليق نوع من المبالغة، أما حقيقة الأمر فهي أن جوستينيان ـ الذي لم يكن مقتنعاً أن المنتقدين لمجمع خلقيدونية قد ضلوا عن الحق ـ حاول أن يحقق هدفاً مستحيلاً، فقد سعى من ناحية إلى إرضاء روما من أجل أن يحظى بتأييدها في خطته لإعادة إخضاع الغرب للإمبراطورية، ومن الناحية الأخرى حاول أن يوحد الفريقين المتنازعين داخل الكنيسة بدون أن يتخلى عن مجمع خلقيدونية.
وبالطبع فشل جوستينيان في تحقيق مآربه، وقد صدق تعليق روميلي جنكينز (Romily Jenkins) بأن جوستينيان الذي استعاد إمبراطورية عالم البحر الأبيض المتوسط، والذي نظم الدستور المدني، والذي بنى كاتدرائية القديسة صوفيا، لم تكن لديه القدرة ليفرض على الناس الأفكار التي ينبغي أن يعتنقوها فيما يخص طبيعة التجسد الإلهي.[3]
(ب) الحو ار مع قادة الجانب غير الخلقيدوني:
ولكي ينفذ خطته في توحيد الفريقين المتنازعين في الكنيسة، أمر الإمبراطور جوستينيان أساقفة وقادة الجانب غير الخلقيدوني الذين كانوا إما منفيين أو متخفيين بأن يأتوا إلى العاصمة لمناقشة الأمر، معطياً إياهم الأمان في المرور والتحرك.
ولم تصل إلينا تفاصيل تلك المناقشات ما عدا إشارة واحدة إليها في خطاب، حيث ذُكر أن حوالي خمسمائة رجل من بينهم أساقفة وقادة من الرهبان قد ذهبوا إلى القسطنطينية. وكان جوستينيان قد أرسل دعوة خاصة إلى البطريرك ساويروس، ولكنه رفض وكتب رسالة إلى الإمبراطور يشرح له فيها أسباب عدم ذهابه إلى العاصمة.[4]
وسلم القادة غير الخلقيدونيين إلى الإمبراطور اعترافاً بالإيمان وقدَّموا فيه عرضاً عقائدياً بمصطلحات واضحة تماماً، مظهرين أسباب عدم قبولهم لمجمع خلقيدونية وطومس ليو.[5] وتم عقد سلسلة من الاجتماعات بين ممثلين عن كلا الجانبين تحت إشراف جوستينيان، ولكنها لم تصل إلى أي اتفاق بين الطرفين، واضطر القادة غير الخلقيدونيين إلى الانسحاب مرة أخرى إلى أماكن متفرقة يمكنهم فيها أن يجدوا الأمان لحياتهم.
ومن خلال تعليق فرند[6] على الاجتماع الأول من تلك الاجتماعات، يمكننا أن ندرك النقطة الحقيقية التي لم يتفق عليها الطرفان، حيث يشير فرند إلى خطاب[7] أرسله إينوسنتيوس أسقف مارونيا (Innocentius of Maronia) ـ وهو واحد من الأساقفة الخلقيدونيين المشاركين ـ إلى توماس القس الخلقيدوني في كنيسة تسالونيكي، ويقول إينوسنتيوس في هذا الخطاب: لقد أعطت الجلسة الأولى من الاجتماعات ـ والتي عُقدت في مارس عام 532م ـ كل الأفضلية للخلقيدونيين في التعامل مع جذور الخلاف.
ويعلق فرند على ما ورد في ذلك الخطاب بأنه بعد أن قبل غير الخلقيدونيين أن أوطيخا كان هرطوقياً، صاروا مضطرين للاعتراف بأن البابا ديسقوروس كان متفقاً معه (في الرأي) وأنه قد حرم فلافيان. فكيف يمكن عندئذ أن يكون البابا ديسقوروس أرثوذكسياً؟.
وأمام حجة أن أوطيخا قد ندم على ما فعل، سأل الخلقيدونيون “فلماذا إذن تعتبروه هرطوقياً؟”، ومن هنا أصبح غير الخلقيدونيين في النهاية مضطرين للإقرار بأن البابا ديسقوروس كان غير واعٍ للأمر، وأن إدانته لفلافيان كانت غير عادلة، وبالتالي يكون الاستدعاء لعقد مجمع جديد في خلقيدونية له ما يبرره. وكان ويجرام (Wigram)[8] هو الذي ذكر أمر هذا الجدال.
وكما رأينا،[9] لم يكن أساس الشقاق الذي حدث بسبب خلقيدونية هو بالأمر الهين، ومن الجدير بالذكر أن البطريرك ساويروس رفض الادعاء بأن غير الخلقيدونيين قد قاموا بمثل هذا الإقرار المزعوم (حول البابا ديسقوروس) الذي يذكره فرند، مما يدل على أن المصدر الذي اعتمد عليه فرند في تسجيل تعليقه لا يمكن أن يقبله غير الخلقيدونيين كمصدر صحيح على الإطلاق.
والحقيقة أن كل دفاع عن مجمع خلقيدونية يمكن أن يكون موضع شك بسبب الوثائق ذاتها التي يستخدمها العلماء الخلقيدونيون في إثبات دفاعهم. وفي الواقع أن مجمع أفسس الثاني عام 449م مع تبرئته لأوطيخا ـ وفي إطار السياق التاريخي لهذا المجمع ـ كان له ما يبرره بالفعل، وأي دفاع عن مجمع خلقيدونية لا يعطي اهتماماً لهذه الحقيقة لا يستحق أي نوليه أي اعتبار جاد.
(ج) البطريرك ساويروس في القسطنطينية:
ورغم فشل المناقشات عام 532م، استمر الإمبراطور جوستينيان في الضغط على البطريرك ساويروس ليزور العاصمة من أجل المشورة. وفي النهاية أذعن البطريرك ساويروس لرأيه، وعندما وصل إلى القسطنطينية قُوبل بمنتهى الاحترام والإجلال من الإمبراطور والإمبراطورة. ومن الجدير بالذكر أن دعوة جوستينيان للرجال غير الخلقيدونيين (للمناقشة) كانت بتأثير من زوجته ثيؤدورا (Theodora) التي كانت تساندهم.
وكانت ثيؤدورا بحق شخصية غير عادية. ويمكننا أن نعرف وصفاً لحياتها الأولى وكذلك أنشطتها الأخيرة من خلال كتابات بروكوبيوس (Procopius) أسقف قيصرية وهو كاتب معاصر لتلك الفترة كان يجد سعادة كبيرة في ذم عائلة جوستينيان.
وقد قام روبرت برونينج (Robert Browning)[10] في الآونة الأخيرة بتجميع سيرة ثيؤدورا (وجوستينيان) من كتابات بروكوبيوس. ولكن بصرف النظر عن الحقيقة وراء قصة بروكوبيوس، فإننا لدينا دليل بأن ثيؤدورا كان لها حفيد من ابنتها يُدعى أثناسيوس، وقد صار راهباً فيما بعد وحاول الوصول إلى الكرسي السكندري خلفاً لثيؤدوسيوس ولكنه فشل في ذلك.[11]
وعلى الرغم من أن التاريخ يسجل أن جوستينيان حاول مرة أن يجعل ثيؤدوسيوس يرسم حفيد ثيؤدورا قساً ولم ينجح، فإن القرابة الجسدية بينهما لم يأتِ ذكرها أبداً، وهذا يدل على أن ثيؤدورا كانت مرتبطة برجل ـ سواء بزواج أو بطريقة أخرى ـ قبل زواجها من الإمبراطور. ونجد في مصادر العصور الوسطى المصرية والسريانية مزاعم بأن ثيؤدورا قد وُلدت في مصر وترعرعت في سوريا،[12] ولكن ما يهمنا هنا هو حقيقة أن ثيؤدورا كانت تؤيد الحركة غير الخلقيدونية بشدة وكانت تشجع أهدافها دون أي تحفظ.
وكان إبيفانيوس أسقف القسطنطينية ـ الذي جاء بعد يوحنا ـ قد مات في يونيو عام 535م، وخلفه على كرسي القسطنطينية أنثيموس (Anthimus) الذي كان أسقفاً على تريبيزوند (Trebizond). وكان أنثيموس ـ كما يذكر فرند[13] ـ عضواً في الوفد الخلقيدوني الذي اشترك في اجتماعات عام 532م، وكان متعاطفاً مع الموقف غير الخلقيدوني، وقد التقى مع البطريرك ساويروس عن طريق الإمبراطورة، وأصبح الأثنان صديقين مرتبطين ببعضهما البعض في الإيمان، وكونا مع البابا ثيؤدوسيوس (بطريرك الإسكندرية) ثالوثاً معارضاً لمجمع خلقيدونية.
وكانت هذه بحق فترة انتصار (قصيرة) للجانب غير الخلقيدوني، وبحسب كلمات ماسبيرو (Maspero) التي أوردها فاسيليف “كانت عاصمة الإمبراطورية في بداية عام 535م، تتخذ بصورة ما نفس الشكل الذي كان لها في فترة حكم الإمبراطور أناستاسيوس”.[14]
(د) رد فعل الجانب الخلقيدوني:
لم يكن من الممكن أن يدوم انتصار الجانب غير الخلقيدوني طويلاً، فقد أدت إقامة البطريرك ساويروس في العاصمة لمدة ثمانية عشر شهراً متمتعاً بضيافة الزوجين الإمبراطوريين وبرفقة البطريرك القسطنطيني إلى إثارة حفيظة القادة الخلقيدونيين في الشرق، فأرسل رهبان فلسطين ومنطقة (سوريا 2) ممثلين عنهم إلى القسطنطينية، كما أن إفرايم أسقف أنطاكيا الذي جلس على الكرسي بعد إزاحة ساويروس عام 518م، استخدم هو الآخر رجلاً يُدعى سرجيوس، وهو طبيب يتمتع باللباقة والدبلوماسية، ليسافر إلى روما ويخبر البابا أجابيتوس (Agapetus) بالموقف في القسطنطينية.
وتزامنت مهمة سرجيوس مع تطور آخر في الغرب، حيث إن الملك الجرماني ثيؤداد (Theodahad) الذي كان قد اعترف ـ ولو اسمياً ـ بجوستينيان كحاكم أعلى فوقه، كان قلقاً بشأن العمليات العسكرية لبليساريوس (Belisarius) في الغرب. وحيث إن روما كانت تحت سلطته السياسية، استطاع ثيؤداد أن يرغم البابا أجابيتوس أن يذهب إلى القسطنطينية كممثل عنه ليطلب من جوستينيان أن يوقف حملات بليساريوس في صقلية ودالماتيا.
وذهب أجابيتوس إلى القسطنطينية في أوائل مارس عام 536م، واستقبله جوستينيان بموكب واحتفال عظيم، وأحدثت مجرد رؤية جوستينيان للبابا تغيير إعجازي في توجهه.
وبمجرد أن استعاد البابا أجابيتوس سيطرته على الإمبراطور ـ كما يذكر زكريا ـ حتى قام البابا باتهام البطريرك أنثيموس بأنه ’زاني‘[15] والبطريرك ساويروس بأنه ’أوطيخي‘، أما الإمبراطور جوستينيان فقد توقف من جانبه عن فعل أي شيء لغير الخلقيدونيين. وأمام هذا التغير، قام أنثيموس بإعادة الطيلسان البطريركي الخاص به إلى الإمبراطور وانسحب من الكرسي.
كما عاد البطريرك ساويروس مرة أخرى إلى مكان اعتزاله في مصر، وقبل أن يترك العاصمة كتب البطريرك ساويروس[16] إلى رجال الكنيسة والرهبان في الشرق وأبلغهم برحيله. وكتب فاسيليف عن ذلك يقول: “من المحتمل جداً أن يكون أحد أسباب التقدير الذي أعطاه الإمبراطور جوستينيان للبابا (أجابيتوس ) أن الحرب القوطية الشرقية كانت قد بدأت في إيطاليا في ذلك الوقت، وكان جوستينيان يحتاج إلى تأييد الغرب”.[17]
(هـ) الجانبان ينفصلان:
وقام البابا أجابيتوس بنفسه بسيامة ميناس (Menas) بطريركاً على القسطنطينية بدلاً من أنثيموس في 13 مارس عام 536م، وقبل البطريرك الجديد مجمع خلقيدونية وعادت القسطنطينية من جديد مركزاً للخلقيدونية المسيحية في الشرق، وفي وسط هذه الإنجازات المتألقة مات أجابيتوس فجأة في يوم 22 أبريل.
وفي أثناء شهري مايو ويونيو من نفس العام عقد مجمع القسطنطينية المكاني سلسلة من الاجتماعات حضرها خمسة من مندوبي روما وخمسة وأربعين أسقفاً من الشرق، وأصدر المجمع قراراً بحرم أنثيموس كهرطوقي وتجديد إدانة وحرم البطريرك ساويروس. وقام الإمبراطور جوستينيان بالتصديق على قرار المجمع وأصدر مرسوماً يوم 6 أغسطس يعلن فيه تجريم الاعتراف بالموقف غير الخلقيدوني في الإمبراطورية، كما أمر بإحراق كتابات البطريرك ساويروس.
وعقد إفرايم أسقف أنطاكيا أيضاً مجمعاً من مئة واثنين وثلاثين أسقفاً، وأكد هذا المجمع على قبوله لخلقيدونية وإدانة البطريرك ساويروس وأتباعه.[18]
ولم يحل مرسوم جوستينيان المشكلة الدينية في الإمبراطورية، وإنما كل ما فعله هو الإعلان أن الخلقيدونية وحدها هي التي تمثل ديانة الدولة، بالضبط على نفس النحو الذي فعله’مرسوم الاتساق‘ (Act of Uniformity) عام 1662م مع المسيحية في إنجلترا.
وكان مرسوم جوستينيان بالفعل مؤذياً للكيان غير الخلقيدوني من ثلاثة أوجه على الأقل؛ أولاً: صارت الكنائس والمؤسسات الدينية الأخرى في الإمبراطورية بحكم القانون ملكاً للكيان الخلقيدوني، ثانياً: كان على الأساقفة وقادة الكنيسة من المعارضين لخلقيدونية أن يقضوا حياتهم في النفي أو في التخفي، كما مُنعت كذلك الرسامات الجديدة، ثالثاُ: حُرم العلمانيون (غير الخلقيدونيين) من فرص الحصول على المناصب الرفيعة في الدولة.
وبالرغم من كل هذه الصعوبات تمسك الناس بموقفهم الديني غير الخلقيدوني بثبات في كل من مصر وسوريا وبقية الشرق. وحيث إن الكنائس والمؤسسات الأخرى في المدن صارت متاحة لكنيسة الدولة (الخلقيدونية)،أصبح لزاماً على غير الخلقيدونيين أن يبنوا الكنائس والأديرة خارج المدن. وعلى سبيل المثال أصبح على كنيسة مصر أن تتخلى عن الإسكندرية وتنقل مركزها الكنسي إلى الدخيلة (Enaton) حيث بنت هناك تجمعات رهبانية،[19] بلغت ستمائة تجمع.
وكذلك الحال مع البطاركة السريان الذين أتوا بعد البطريرك ساويروس، فقد اتخذوا مكان إقامتهم في مناطق مثل حاران (Haran) والرقة (Callinicus) والرها (Edessa) وماردين (Mardin) في شمال سوريا.[20] وفي الحقيقة يذكر ميخائيل السرياني أن المرة الأولى التي تطأ فيها قدم بطريرك أنطاكي غير خلقيدوني مدينة أنطاكيا، بعد أن تركها البطريرك ساويروس عام 518م، كانت في عام 721م عندما زارها البطريرك إلياس ليكرس كنيسة تم بناؤها في المدينة.[21]
(و) تنظيم الكيان غير الخلقيدوني:
ولم يتخلى الأساقفة المعارضون لمجمع خلقيدونية ـ والذين أُجبروا على ترك كراسيهم منذ عصر يوستين الأول ـ عن وضعهم الكنسي القيادي، بل على العكس تبنوا أسلوباً مختلفاً كان من وجهة نظرهم هو الأكثر تواصلاً (مع رعيتهم) من أجل وفائهم بمسئولياتهم الروحية. وفي نفس الوقت كان الناس في سوريا وفي مختلف الأنحاء يحاولون الضغط على الحكام من أجل رجال الكنيسة، وتمت تلبية هذه الطلبات بصورة جزئية، وقد لعب يوحنا أسقف تللا (Tella) في شمال سوريا دوراً مؤثراً في هذا الأمر، ولكنه قُبض عليه ومات في سجنه عام 538م.
وكما ذكرنا سابقاً، ظل البطريرك ساويروس الأنطاكي على اتصال مع الشعب والتجمعات التي تحت مسئوليته الروحية حتى بعد ابتعاده عام 518م، وقد قبل من حيث المبدأ أن يكون هناك تسلسل رئاسي (hierarchy) منفصل للكيان غير الخلقيدوني، رغم إنه حاول أن يسير بحذر في هذه الخطة لكي يتجنب الصدام المباشر مع القسطنطينية.
وقد يكون هذا هو أحد الأسباب التي كانت وراء عدم رغبة البطريرك ساويروس في تلبية دعوة جوستينيان لمفاوضات الوحدة عام 532م، وفي النهاية عندما قبل الذهاب قيل أنه خضع للضغوط من رفقائه، وأنه قال لهم أنه لا يتوقع أي شيء طيب من هذه الرحلة.[22]
وعلى أية حال، لم يترك البطريرك ساويروس شعبه يعيش بدون اهتمام رعوي وعناية مسيحية. وفي عام 536م عندما رحل هو وأنثيموس عن العاصمة، تبادلا الرسائل[23] التي اتفقا فيها على تبني موقف واحد ضد خلقيدونية، وكانا كلاهما على اتصال مع ثيؤدوسيوس بابا الإسكندرية الذي كان في القسطنطينية منذ عام 537م، وفي الحقيقة أنه أقام في العاصمة لمدة ثلاثة عقود بعد ذلك كقائد للحركة غير الخلقيدونية.
وفي مواجهة محاولة الإمبراطور جوستينيان لفرض منشوره، كان على البطريرك ساويروس والبابا ثيؤدوسيوس على وجه الخصوص أن يفكرا ملياً في طرق ووسائل لتثبيت تسلسل رئاسي (غير خلقيدوني) موازٍ للتسلسل الخلقيدوني الرسمي للدولة.
ورقد البطريرك ساويروس الأنطاكي في 8 فبراير عام 538م،[24] وتمت رسامة سرجيوس خلفاً له في عام 544م، وكان من بين الأساقفة الذين اشتركوا في الرسامة يعقوب الملقب بالبرادعي (أي الذي يلبس ثوب من برادع الخيل). وكان سرجيوس راهباً من مدينة تللا (Tella) وهو صديق ليعقوب البرادعي الذي كان هو الآخر من نفس المدينة، ومثل الكثيرين في تلك الأيام نقلا محل إقامتهما إلى القسطنطينية.
وكان يعقوب البرادعي (Baradaeus) بالفعل شخصاً في غاية الأهمية، ففي الوقت الذي كان فيه الكيان غير الخلقيدوني على وشك أن يصير محروماً تماماً من الرتبة الأسقفية بسبب موت أو نفي أساقفته، تمت رسامة يعقوب أسقفاً في عام 542م. ومنذ ذلك الحين أخذ يعقوب دور الرجل الكنسي الجوال، وواجه بشجاعة كل المخاطر وتحمل الكثير على الدوام في سبيل خدمة الجزء الذي ينتمي إليه من الكنيسة في مواجهة الإمبراطورية الرومانية العتية.
ويعقوب البرادعي هو ابنٌ لقس سرياني يُدعى ثيؤفيلس بار مانو، وقد وُلد حوالي عام 500م في مدينة تللا التي تبعد خمسة وخمسين ميلاً إلى الشرق من الرها، وفي فترة مبكرة من حياته دخل حياة الرهبنة حيث تعلم اللغة السريانية واللغة اليونانية ودرس الأعمال المتوفرة لديه بهذه اللغات، وشيئاً فشيئاً صار يعقوب مستغرقاً في حياة الزهد، حتى أنه عندما ورث أملاك والديه قام بتحرير عبيده ووزع عليهم ممتلكاته.
وفي عام 528م انتقل إلى القسطنطينية على أمل أن يعرض قضية الكيان غير الخلقيدوني على الإمبراطورة ثيؤدورا، وعاش هناك سنوات عدة. وعندما رأى يعقوب الحالة الرثة التي صار عليها الجزء الذي ينتمي إليه من الكنيسة، قدم نفسه للرسامة كأسقف للرها في نفس الوقت مع ثيؤدور الذي رُسم على المسيحيين الذين من سلالات عربية.
وتمت رسامة يعقوب وثيؤدو بواسطة البابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية تحت رعاية الإمبراطورة ثيؤدورا، وبطلب من الحارث بن جبدة حاكم المسيحيين العرب. وكانت المنطقة التي تقع على الحدود بين الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الفارسية تقطنها القبائل العربية، وكانت كلتا الإمبراطوريتين تسعيان لنوال مساعدة هذه القبائل القوية في منازعتها مع الأخرى.
وفي القرن السادس اتحدت هذه القبائل فيما بينها وكونت تجمعين: اللخميين في الشمال والشرق واتخذوا الحيرة مركزاً لهم، والغساسنة في الجنوب والغرب. وكان الحارث بن جبدة هو قائد الغساسنة في ذلك الوقت، وهو مسيحي يتبع الجانب غير الخلقيدوني، وقد حاول إفرايم أسقف أنطاكيا أن يغير توجهه الديني إلى الجانب الخلقيدوني ولكن دون جدوى.
ومع ذلك تم التخلص من ابن الحارث وخليفته ’المنذر‘ مع كل عائلته ودُمرت مملكتهم المسيحية تماماً بواسطة الأعمال الغادرة لخلفاء جوستينيان. ولكن في عام 541م، كان الحارث لا يزال في السلطة وقد طلب من الإمبراطورة ثيؤدورا إقامة أساقفة من أجل تنظيم الكنيسة في الشرق، وكان هذا هو السبب وراء رسامة كل من يعقوب وثيؤدور، وقد أُعطي للأول بالتحديد سلطة شاملة.
وبدأ يعقوب نشاطه في طريق وعر للغاية، وكان يتنقل على الدوام من مكان إلى مكان في أنحاء سوريا، وما بين النهرين (Mesopotamia) ومصر وفلسطين ومختلف الأماكن في الشرق. وحيثما ذهب كان يعقوب يثبت المؤمنين ويرسم رجالاً للكنيسة ويساعد في إقامة أساقفة وفي بعض الأوقات بدون حتى اختبار دقيق لملاءمة الشخص المتقدم لتلك الخدمة الكنسية، وكان يعقوب في تجواله يحاول أن يظل متخفياً عن الأعين من خلال ارتدائه ثوب مصنوع من برادع الخيل، ومن هنا سُمي بالبرادعي.
وقد دامت أسقفيته لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً، كرس نفسه خلالها ـ وبدون أدنى انحراف عن الهدف ـ لخدمة الكيان غير الخلقيدوني المضطهَد. وفي وسط المخاطر العظمى وإحساس الحرمان المر، استطاع يعقوب أن يرتب خلفاً للبابا ساويروس على كرسي أنطاكيا القديم،[25] كما قام برسامة أساقفة ورجالاً كنسيين وصل عددهم لحوالي مئة ألف شخص،[26] وأسس كنائس في أجزاء عديدة من الشرق.
وهكذا وبرغم الاضطهاد والمعوقات المختلفة، استطاع الكيان غير الخلقيدوني أن يصمد في المجتمعات الكنسية القوية في مصر وسوريا وما بين النهرين ومختلف المناطق في الشرق. ولم يكن من السهل على الجانب الخلقيدوني أن يتغاضى عن مثل هذا النمو، وكتعبير عن عدم الرضا أطلق الخلقيدونيون أسم ’اليعاقبة‘ (Jacobite) للإشارة إلى غير الخلقيدونيين.[27]
(ز) جهود جوستينيان الأخيرة:
أصبحت الكنيسة في القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية منذ عام 536م منقسمة إلى كيانين متمايزين، كل منهما يعتبر نفسه أنه هو فقط الكنيسة وينظر للآخر كهرطوقي.
ومع ذلك كان الكيان الخلقيدوني بالتحديد يتمتع بموقع أفضل بسبب ما يحظى به من مساندة الدولة، وقد استغل قادته ذلك ليستمروا في حملتهم القوية ضد معارضيهم[28] حتى أن جوستينيان استطاع أن يكتب إلى مجمع القسطنطينية عام 553م ويقول:[29] “والآن عندما رفعتنا نعمة الله إلى العرش، اعتبرنا أن عملنا الرئيس هو أن نوحد الكنائس مرة أخرى، وأن نجعل مجمع خلقيدونية مع الثلاثة مجامع السابقة تحظى بالقبول العام.
وبالفعل كسبنا الكثيرين ممن كانوا يعارضون ذلك المجمع سابقاً؛ أما الذين أصروا على موقفهم فقد قمنا بنفيهم، وهكذا استعدنا وحدة الكنيسة ثانية”. وكانت هذه العبارة تمثل أحلام جوستينيان أكثر من كونها تعبر عن حقيقة تاريخية.
وفي يونيو عام 548م ماتت الإمبراطورة ثيؤدورا من سرطان في الحلق. ويذكر هارولد لامب (Harold Lamb) أنه عندما كان جسدها موضوعاً بين الشموع في صحن كنيسة الرسل، ظهر هناك البطريرك العجوز أنثيموس الذي كان يعتقد الكثيرون أنه مات منذ أكثر من اثنتي عشر سنة.[30]
وبالرغم من أن أنثيموس انسحب من الكرسي في مارس 536م، كما أن جوستينيان كان قد أمر بطرده من المدينة، إلاّ إنه عاش في أحد الأماكن بالعاصمة تحت حماية الإمبراطورة مع ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية والقادة غير الخلقيدونيين الآخرين.[31]
ويسجل ميخائيل السرياني[32] أنه بعد موت الإمبراطورة أقنع القادة الخلقيدونيين جوستينيان أن يعقد اجتماعاً آخراً من أجل الوحدة، على أمل أنه من الممكن بدون رعاية الإمبراطورة أن يعلن غير الخلقيدونيين إذعانهم. واستجاب جوستينيان لطلبهم، وأحضر بالفعل إلى العاصمة أربعمائة رجل مكثوا هناك ما يقرب من العام يناقشون الأمر مع المعينين من قبل الإمبراطور.
ولم تؤتِ تلك الجهود بأي ثمار وعاد الرجال إلى بلادهم، لكن الجدير بالذكر أن ذلك الموقف قد أثبت أن اعتراض غير الخلقيدونيين على مجمع خلقيدونية لم يكن معتمداً على مساعدة أي سلطة أرضية.
واستخدم الإمبراطور جوستينيان، في دعوة القادة غير الخلقيدونيين لمناقشات الوحدة، أشخاصاً يكونون محل ثقته ومحل ثقة الرجال المدعوين. وكان يوحنا أسقف أفسس من بين هؤلاء الأشخاص، وهو رجل سرياني من أنودا (Anuda) وُلد في أوائل القرن السادس ونال تعليمه في الشرق، وبعد أن عاش في فلسطين فترة من الزمن أستقر في القسطنطينية، وقام يعقوب البرادعي برسامته أسقفاً على أفسس في عام 558م.
وكان يوحنا غير خلقيدوني بحسب المعتقد وبحسب المنطقة التي ينتمي إليها، وقد خدم قضية كنيسته بطرق مختلفة في العاصمة أثناء فترة حكم جوستينيان واثنين من خلفائه حتى مات في حوالي عام 586م.
وهناك اثنان من أعمال يوحنا التاريخية يعتبران من المصادر النفيسة لدراسة الكنيسة الشرقية في القرن السادس، أولهما كتاب عن تاريخ الكنيسة في ثلاثة أجزاء، لم يصل إلينا منها إلاّ الجزء الثالث فقط وبعض بقايا من الجزء الثاني،[33] أما العمل الثاني فهو ’حياة القديسين الشرقيين‘ وهذا الكتاب متاح لدينا.[34]
وكان يوحنا يحظى بقدر كبير من التقدير لدى جوستينيان، وقد أشركه في إنجاز عدد من المهام الدقيقة من بينها التبشير بالإنجيل بين الوثنيين في آسيا الصغرى، واستطاع يوحنا أن يجذب سبعين ألف نفس للإيمان المسيحي من خلال برنامج للخدمة بدأه عام 542م. ومن المسجل أن يوحنا قام بهذا المشروع بناءً على طلب من جوستينيان الذي تحمل كل النفقات المطلوبة له، وأنه كان من سعة الأفق والمرونة حتى أنه سمح للداخلين في الإيمان أن ينضموا للكيان الخلقيدوني.[35]
(ح) مجمع القسطنطينية عام 553م:
على الرغم من خطة جوستينيان لمساندة مجمع خلقيدونية، إلاّ أن كثرة مناقشاته مع القادة غير الخلقيدونيين أقنعته بأن اعتراضهم على مجمع عام 451م لا يمكن أن يكون كله بدون أساس، ولا يمكن أن يتم تجاهل هذا الاعتراض تماماً. ومن هنا سعى جوستينيان أن يجعل مجمع خلقيدونية وصيغته العقائدية متسقاً مع الفكر اللاهوتي للتقليد السكندري. وكان هذا هو هدفه من وراء الدعوة لعقد مجمع القسطنطينية عام 553م. ويعتبر هذا المجمع هو المجمع المسكوني الخامس عند الخلقيدونيين.
وحيث إن تاريخ مجمع عام 553م يقع خارج مجال دراستنا الحالية، فسنكتفي هنا بالنظر باختصار للموقف اللاهوتي الذي تبناه المجمع ونرى كيف كانت المشكلة التي نتجت عن خلقيدونية معقدة للغاية. وكانت هناك ثلاثة قرارات لمجمع عام 553م تستدعي الملاحظة: (1) إعلان مجمع خلقيدونية المجمع المسكوني الرابع؛ (2) إدانة ’الفصول الثلاثة‘؛ (3) قبول الحروم الأربعة عشر.
وبالنسبة للقرار الأول، ذكر جوستينيان في خطابه الموجه إلى المجمع: “نحن نتمسك بشدة بقوانين المجامع الأربعة”،[36] كما أن المجمع في عبارته ضد ’الفصول الثلاثة‘ عبَّر عن “قبوله للأمور … التي حددها الستمائة والثلاثون المجتمعون في خلقيدونية، للإيمان الواحد ذاته”،[37] وبهذه الطريقة تم التصديق على مجمع خلقيدونية بواسطة مجمع عام 553م.
ويستحق القرار الثاني انتباهاً خاصاً، حيث كانت ’الفصول الثلاثة‘ تشير إلى إدانة ثيؤدور أسقف موبسوستا[38] كهرطوقي، وكتابات معينة لثيؤدوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها باعتبارها تخالف إيمان الكنيسة. وهذا يعني أنه من هؤلاء الرجال الثلاثة تم وصف ثيؤدور بأنه هرطوقي خطر، على الرغم من أنه في خلقيدونية لم يُذكر حتى اسم ثيؤدور بصورة جادة، مثلما حدث مع كل من ثيؤدوريت وإيباس.
ووجد مجمع عام 553م عيباً في ثيؤدوريت بسبب ما “كتبه بدون تقوى ضد الإيمان القويم، وضد حروم ق. كيرلس الإثني عشر، وضد مجمع أفسس الأول” وأيضاً بسبب “بعض الأشياء التي كتبها في الدفاع عن ثيؤدور ونسطور عديمي التقوى “.[39] ومن الواجب أن نتذكر أن كل كتابات ثيؤدوريت، كانت قد نُشرت قبل أن ينعقد مجمع خلقيدونية عام 451م، وأنه على أساس هذه الكتابات نفسها تمت إدانته في مجمع أفسس الثاني عام 449م.
ومع ذلك فبالرغم من تلك الإدانة وبالرغم من تلك الكتابات، قام ليو بابا روما ـ كما رأينا ـ بإعادته إلى الأسقفية،[40] كما سعت السلطة الإمبراطورية لتجعله يشترك في مجمع عام 451م[41] ـ وذلك بدون ذكر لأي كلمة عن هذه الكتابات أو عن دفاعه عن الرجل الذي وصفه مجمع عام 553م بـ ’ثيؤدور أكثر الجميع في عدم التقوى‘ ـ وكان ذلك على أساس مجرد حرمان فاتر وغير مرغوب فيه نطق به ثيؤدوريت ضد نسطور.
فإذا كان ثيؤدوريت يستحق بالحقيقة ذلك الوصف الذي وصفه به مجمع عام 553م، فيكون من الغريب فعلاً أن يتجرأ ذلك المجمع (أي مجمع القسطنطينية عام 553م) ليدافع في نفس اللحظة عن مجمع خلقيدونية الذي بعد فحص كل هذه التهم ضد ثيؤدوريت حكم بتبرئته.
وهذه النقطة تبدو أكثر قوة عند الرجوع إلى معالجة المجمع لموضوع إيباس، فقد حكم مجمع عام 553م بأن “الخطاب الذي قيل أن إيباس قد أرسله إلى ماريس الفارسي” يحتوي بالفعل على “تجاديف الهرطوقيين ثيؤدور ونسطور” الذي يدافع عنهما إيباس ويدعوهما من علماء اللاهوت، بينما يشير إلى الآباء القديسين بأنهم هراطقة.[42]
وخطاب إيباس هذا كان قد كُتب هو الآخر قبل انعقاد مجمع خلقيدونية بفترة طويلة، كما أن إيباس كان قد أُدين بسبب هذا الخطاب وبسبب تهم أخرى في مجمع عام 449م. وحينما قُدمت كل هذه الأدلة إلى مجمع خلقيدونية وتم فحصها، أعطى مندوبو روما حكمهم بأن تلك الأدلة لا تبرر إدانة الرجل وحرمه، وأن إيباس ـ برغم ذلك الخطاب ـ كان أرثوذكسياً.[43] وزعم مجمع عام 553م بأن خطاب إيباس لم يُقبل من مجمع خلقيدونية بحجة أن تلك الوثيقة تتسم بمنتهى عدم التقوى بحيث أنه من غير الممكن أن يكون ’المجمع المقدس‘ قد قبلها.
وتعتبر هذه الحجة غريبة بالفعل، كما أن دفاع مجمع عام 553م عن مجمع خلقيدونية من خلال إدانته ’للثلاثة فصول‘ هو بمثابة محاولة لتصحيح خلل خطير رآه جوستينيان ومن معه في المجمع السابق.
وتعزز الحروم التي أصدرها مجمع عام 553م حكمنا هذا بصورة أكبر، فقد استبعدت (هذه الحروم) هرطقات معينة من جهة، وتمسكت بموقف لاهوتي محدد من الجهة الأخرى. والحقيقة التي تكمن وراء تلك الحروم بجهتيها هي أنها تثبت وتؤيد وجهة النظر التي تمسك بها غير الخلقيدونيين على الدوام. فلو كان الإمبراطور والكيان الخلقيدوني قد اعترف بهذه الحقيقة، لكان من الممكن تجنب قدر عظيم من المصادمات التي أدت إلى تباعد الفريقين.
ويروي ميخائيل السرياني[44] أن جوستينيان الذي فعل الكثير جداً من أجل توطيد مجمع خلقيدونية، انجذب في نهاية حياته إلى الفكر اليولياني. ويذكر ذلك المؤرخ السرياني أن الإمبراطور، الذي اعتاد أن يمتدح مجمع خلقيدونية بأنه لم يقبل خطاب إيباس، صُدم حين سمع من فيجيليوس (Vigilius) بابا روما أن المجمع في الحقيقة كان قد قبل الوثيقة، وهنا وفي غيظه أطلق جوستينيان حرماً ثلاثياً على خلقيدونية، وتبنى الفكر اليولياني.[45]
[1] See Robert Browning: Justinian and Theodora, op. cit., pp. 38f
[2]History of the Byzantine Empire, op. cit., p. 149.
[3] Romily Jenkins: Byzantium: The Imperial Centuries – A. D. 610 – 1071, Wiedenfeld and Nicolson, 1966, pp. 12-3.
[4] للإطلاع على رسالة البطريرك ساويروس انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 123-31). وكان ويجرام (Wigram) قد ذكر أن البطريرك ساويروس ’قد تعلل بالمرض‘ (مرجع سابق صفحة 114)، ولكن الرسالة في الواقع لا تؤيد هذا الرأي.
[5] للإطلاع على ملخص لهذا الاعتراف انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 115-123).
[12]Michael le Syrien, ibid., p. 277; Gregorii Barhebreii, Chronicon Syriacum (Syriac) Paris, 1890, p. 78; C. S. C. O., vol. 81, p. 192; History of the Patriarchs of the Coptic Church of Alexandria, II, P.O., Tome 1, Fascicule 4, p. 459.
[14] Vasiliev: History of the Byzantine Empire, op. cit., p. 151.
[15] كان هذا الإتهام يشير إلى إنتقاله من تريبيزوند (Trebizond) إلى كرسي القسطنطينية. وكان القانون الخامس عشر من قوانين مجمع نيقية يمنع إنتقال أسقف أو قس أو شماس من مدينة (أي المدينة التي رُسم عليها) إلى أخرى.
[16] معظم هذا الخطاب محفوظ في (Zacharia, op. cit., II, pp. 139-140).
[17]History of the Byzantine Empire, op. cit., p. 151.
[22] هذا القول نقلاً عن يوحنا الأسيوي. انظر (C.S.C.O. vol. 104, p. 405)
[23] هذه الخطابات محفوظة في: (Zacharia, II, op. cit.).
[24] لقد إتفقت المصادر على أن يوم الثامن من فبراير كان هو يوم نياحة البطريرك ساويروس، ولكنها اختلفت في تحديد العام، فالبعض ذكر أنه عام 537م والبعض عام 538م والآخر عام 539م.
[25] لقد اشترك يعقوب في سيامة بطريركين لأنطاكيا وهما بالتحديد سرجيوس وبولس الأسود.
[26] حول هذا العدد انظر: (Michael le Syrien, op. cit., p. 365)، ويذكر المؤلف أن هذا العدد قد وُجد في أوراق يعقوب.
[27] لم تكن كلمة ’اليعاقبة‘ (Jacobite) في الأصل، وصف معيب استخدمه الخلقيدونيون ضد غير الخلقيدونيين، ولكنها كانت اسم استخدمه الفريق المعارض ليعقوب في الكنيسة السريانية للحط من قدر الجماعة المؤيدة له. فكما سنرى فيما بعد (صفحة ) نشأ في سبعينات القرن السادس صراع بين يعقوب والبطريرك بولس الأسود، نتج عنه إنقسام الشعب إلى معسكرين. وفي هذا السياق تم صياغة اسم ’اليعاقبة‘ واستخدامه. (Michael le Syrien, p. 357).
[28] لقد أُطلق العنان للإضطهاد غير الآدمي على الأساقفة ورجال الإكليروس والرهبان والراهبات غير الخلقيدونيين وعلى الشعب عموماً من قبل القيادات الكنسية الخلقيدونية أمثال إفرايم الأنطاكي، وبولس الرهاوي، وأبراهام بار كيلي أسقف أميدا. وقد قام المؤرخون السريان بوصف هذه الإضطهادات بكلمات مؤثرة للغاية.
[33] لقد كتب يوحنا بالسرياني، والجزء الثالث من كتابه عن تارخ الكنيسة يمثل المجلد رقم 105 في (C. S. C. O., 1935)، أما بقايا (أو شذرات) الجزء الثاني فهي ملحق المجلد رقم 104 صفحة 403 – 415.
[34] للإطلاع على كتاب ’حياة القديسين الشرقيين‘ انظر: (P. O. vol. 17-19)
كان هناك في القسطنطينية ـ كما في المدن الكبيرة الأخرى بالإمبراطورية ـ حزبين ميدانيين، حزب ’الزُرق‘ (Blues) وحزب ’الخُضر‘ (Greens)، وكان حزب ’الزُرق‘ بكامله يؤيد الموقف الخلقيدوني، أما حزب ’الخُضر‘ فكان بصورة أو بأخرى يتعاطف مع الموقف غير الخلقيدوني. وكان وجود هذين الحزبين في العاصمة إنما يدل على أنه حتى ذلك الوقت لم يكن هناك قبول كامل لمجمع خلقيدونية من الكنيسة كلها. وقد ناضل كل حزب من الاثنين في سبيل وجهة نظره بحماس كبير كلما حانت له الظروف لذلك.
ففي أثناء فترة حكم الإمبراطور أناستاسيوس قام حزب ’الزرق‘ بشغب ضد الإمبراطور ولكنه نجح في التعامل مع الموقف. أما في فترة حكم الإمبراطور جوستنيان فقد اشترك حزب ’الخضر‘ في ثورة ضد الإمبراطور عام 532م، وكان الإمبراطور ينوي أن يتحاشاهم ولكن الإمبراطورة أشارت عليه باتخاذ إجراءات حاسمة ضد المتمردين لكي يخمد تلك الثورة.
ومات الإمبراطور أناستاسيوس في ليل يوم 8 يوليو عام 518م[1] عن عمر يصل إلى 88 سنة. ولم يكن أناستاسيوس قد دبر أي ترتيب لتعيين خليفة بعده، ومع ذلك أُعلن في اليوم التالي لوفاته تنصيب يوستين الأول (Justin I) إمبراطوراً للبلاد. ويرى رونسيمان (Runciman) أن “الخداع الماكر غير الشريف أصعد على العرش ضابط جاهل، هو يوستين الأول”.[2]
وبهذا الاختيار أصبح لحزب ’الزرق‘ اليد العليا في الدولة، كما ابتدأ عصر جديد في التاريخ البيزنطي ظهر فيه ما يُسمى بكنيسة الدولة أو الكنيسة الرسمية (state Church) في الإمبراطورية ـ تمشياً مع الخطة التي كان قد وضعها كل من ماركيان و بولخريا في مجمع خلقيدونية ـ وصار تعريف الإيمان الخلقيدوني هو ميثاقها الأرثوذكسي العظيم (magna carta).
ومن الجدير بالذكر أن السلالة الحاكمة الجديدة قامت بتبني هذه الخطوات ليس من قبيل إدراكها لخطأ الاعتراضات الكنسية على مجمع خلقيدونية عام 451م، ولكن من قبيل الضرورة التي رأوها في سبيل تعزيز طموحاتهم السياسية.
وكان جوستينيان، المخطط الرئيسي للأسرة الحاكمة الجديدة، متلهف لأن يعيد الغرب ـ الذي كان قد أصبح تحت حكم القوطيين (Goths) والوندال (Vandals) ـ مرة ثانية إلى الإمبراطورية، ومن أجل تحقيق هذا الهدف كان جوستينيان يحتاج إلى تأييد البابا الروماني الذي كان تمسكه المتشدد بخلقيدونية عاملاً حاسماً في تحديد سياسة جوستينيان الكنسية.
ولم تكن لدى العائلة السابقة (عائلة ليو) ـ التي وصلت إلى السلطة بعد موت ماركيان ـ مثل تلك الطموحات، ومن ثم كان أعضاؤها مستعدين لرفض مجمع خلقيدونية وتوحيد الجزء الشرقي من الإمبراطورية. ومنذ عام 533م، بدأ جوستينيان في مخططه لإخضاع الغرب،[3] واستغرق تحقيق هذا الهدف أكثر من عشرين عاماً من الزمن، حيث دخل في حرب من أكثر الحروب خراباً تحت قيادة القائد بليساريوس (Belisarius) ومن بعده القائد نارسس (Narses).
وفي عام 554م استطاع جوستينيان أن يعيد كل من إيطاليا ودالماتيا (Dalmatia) وصقلية (Sicily) إلى داخل حدود الإمبراطورية، ولكن هذا الأمر لم يتم إلا على حساب حياة الملايين من البشر، وكم لا يُحصى من الذهب، بالإضافة إلى معاهدة مخزية مع فارس (Persia) تم فيها التعهد بدفع مبلغ هائل من المال في صورة جزية سنوية.
وحتى بعد كل هذا التبديد الإجرامي للبشر وللموارد، ما لبث الجزء الغربي من الإمبراطورية ـ والذي شعر جوستينيان بالرضا بعد ضمه إلى أراضي الإمبراطورية ـ أن انفصل في غضون عامين بعد موت الإمبراطور، ولم يذرف أحد دمعة واحدة على كل ما فُقد.
2. الإمبراطور يوستين الأول:
لقد كانت هناك في الحقيقة مجموعة من الأمور لها آثارها السلبية على الشئون الكنسية في الشرق.
أولاً، تنصيب الإمبراطور يوستين الأول بمساندة حزب ’الزرق‘.[4]
ثانياً، ولع ابن أخته ـ الذي كان يوجِّه خاله منذ البداية ـ بفكرة إعادة بناء إمبراطورية قسطنطين العظيم.
ثالثاً، لم يكن يوجد لأي أحد من رجال الكنيسة ـ بما في ذلك بابا روما والبطريرك ساويروس الأنطاكي ـ رؤية عامة للكنيسة (ككل) بخلاف رؤيته الخاصة المحدودة.
وقد ظهر الإمبراطور العجوز ـ بتحريض من الجانب الخلقيدوني[5] ـ كمؤيد لا يلين لمجمع خلقيدونية وطومس ليو، وتبنى إجراءات قاسية وصارمة من أجل تقوية الخلقيدونيين في كل مكان في الشرق ومن أجل قمع الحركة غير الخلقيدونية. ولكنه استبعد مصر من هذه الإجراءات لأنها كانت تعتبر مخزن القمح الخاص بالعاصمة، لذلك هرب الكثير من قادة الكيان المعارض لمجمع خلقيدونية إلى هذه المنطقة.
ويذكر (Chronicon Anonymum) قائمة بأسماء أربعة وخمسين أسقفاً من كيليكية وكبادوكيا وسوريا وآسيا كان عليهم إما أن يتعرضوا للنفي أو أن يتخفوا ويختبئوا.[6] وبحسب مصدر يوحنا أسقف أفسس، يقدِّم ميخائيل السرياني نفس قائمة الأساقفة ويضيف عليها أسماء عدد كبير من قادة الرهبان،[7] وقد تعرض معظم هؤلاء الرجال لتجارب شديدة وماتوا في أرض غريبة.
وكان من بين أولئك الرجال بولس أسقف الرها (Edessa) الذي غيَّر موقفه بعد فترة وجيزة وانضم للجانب الخلقيدوني، وأصبح مضطهداً قاســياً للمــعارضين لمجمع خلقيدونية. وقـد قدَّم كل من (Chronicon Anonymum) وميخائيل السرياني بياناً تفصيلياً عن نشاط ذلك الرجل.
ويُذكر عن بولس هذا أنه قد دعا الشاعر السرياني العظيم يعقوب السروجي لمناقشته من أجل تغيير موقفه الكنسي، ولكن الرجل صلى إلى الله لكي لا يدعه يرى بولس بعد أن انضم إلى الجانب الخلقيدوني، فمات يعقوب السروجي بعد ذلك بيومين فقط.[8] وأدت جهود بولس أسقف الرها في فرض مجمع خلقيدونية على الرهبان والراهبات والشعب في منطقته إلى حدوث حالة من الاضطراب والمعاناة، ولكنهم على الرغم من ذلك ظلوا على رفضهم لقبول المجمع.[9]
وحيث إن الإمبراطور يوستين لم يتدخل في شئون المؤسسة الدينية بمصر، فقد صار بطريرك الإسكندرية مطلق الحرية في التمسك بعقيدته غير الخلقيدونية، بل استطاع حتى أن يوفر ملاذاً لكثير من القادة الذين فروا من مناطق أخرى في الشرق. وكان البطريرك أثناسيوس* هو الذي خلف البابا بطرس مُنجوس على كرسي الإسكندرية، وجاء بعده البطاركة يوحنا الأول ويوحنا الثاني وديسقوروس الثاني.
وحين تقلد الإمبراطور يوستين الأول السلطة، كان البطريرك تيموثاؤس الثالث الذي خلف البابا ديسقوروس الثاني عام 517م هو الذي يجلس على كرسي الإسكندرية. أما في القسطنطينية فقد صار يوحنا بطريركاً بعد البطريرك تيموثاؤس قبل أن يصبح يوستين إمبراطوراً، وكان يوحنا قد وقَّع وثيقة يدين فيها مجمع خلقيدونية،[10] بل وقام كما يذكر هور (Hore) باضطهاد الجانب الخلقيدوني.[11]
ولكن يبدو أن يوحنا رجع عن توجهه وأذعن للجانب الخلقيدوني بعد تغير الإمبراطور ـ كما فعل أناتوليوس عام 450م ـ وحصل على لقب ’البطريرك المسكوني‘.[12] وهكذا أصبحت كل الأمور تحت السيطرة، لذلك وجَّه الإمبراطور اهتمامه إلى تسوية الخلاف والمصالحة مع روما.
ولم يكن ذلك بالأمر العسير لأن الإمبراطور كان مستعداً لعمل أي شيء من أجل تحقيق هذا الهدف، وفي 28 مارس عام 519م تمت إعادة العلاقات على أساس وضع مهين للغاية طالب به البابا هورميسداس (Hormisdas) وهو أن يتم حذف أسماء البطاركة أكاكيوس وفرافيتا وإفميوس وتيموثاؤس وكذلك الأباطرة زينو وأناستاسيوس من الدبتيخا. وكان على البطريرك يوحنا أن يوافق على هذا الطلب ولكنه مات في عام 520م، وخلفه البطريرك إبيفانيوس (Epiphanius) الذي جلس على كرسي القسطنطينية حتى عام 535م وكان مؤيداً للمجمع الخلقيدوني.
وكان جلوس الإمبراطور يوستين الأول على العرش قد أثر على البطريرك ساويروس الأنطاكي بصورة سلبية، ففي خلال الأسبوع الأول الذي تلا هذا الحدث جرت أمور كثيرة في القسطنطينية حيث قامت زوجة يوستين الإمبراطورة لوبوسينا (Lupucina) بإبلاغ البطريرك يوحنا أنه إذا لم يقبل الأربعة مجامع فإنها لن تذهب إلى الكنيسة ولن تقبل الشركة من يديه،[13] كما صار للرهبان المؤيدين لخلقيدونية الحرية في تنظيم حركة معارضة ضد البطريرك ساويروس.
وبحلول يوم الأحد التالي لتولي يوستين السلطة كان يوحنا قد أعلن إذعانه للجانب الخلقيدوني، وتم عقد مجمع مكاني يوم 20 يوليو (عام 518م) بحضور 43 أو 44 أسقفاً وقرروا عزل البطريرك ساويروس،[14] رغم أن اختصاص المجمع وأهليته كانا في الحقيقة أقل من أن يتخذ قراراً مثل هذا ضد بطريرك أنطاكيا. وأعلنت أورشليم على الفور وبطريقة هادئة قبول المجامع الأربعة، وكذلك فعل إبيفانيوس أسقف صور نفس الأمر في يوم 16 سبتمبر.
وقيل أن الإمبراطور نفسه قد أمر بالقبض على البطريرك ساويروس وقطع لسانه،[15] فسافر البطريرك ساويروس إلى الإسكندرية حتى لا يعطي الفرصة للإمبراطور للاستمتاع بقتله، ووصل إلى هناك يوم 29 سبتمبر. وقضى البطريرك ساويروس بقية حياته في مصر، باستثناء الفترة الوجيزة التي زار فيها القسطنطينية استجابة للطلب المتكرر من الإمبراطور جوستينيان في منتصف الثلاثينات من القرن السادس.
وطوال هذا الوقت استمر البابا سايروس يدافع عن الموقف اللاهوتي للكيان غير الخلقيدوني ككل، كما ظل على اتصال بكنيسته في سوريا من خلال الخطابات وزيارات الأصدقاء المؤتمنين.
وقامت السلطات بتعيين شخص آخر ليحل محل البطريرك ساويروس (بعد عزله) هو بولس الملقب بـ ’اليهودي‘ (Paul the Jew)، الذي كان موظفاً مدنياً في القسطنطينية. وقام بولس هذا باضطهاد الموالين للبابا ساويروس في سوريا بقسوة استحق معها اللقب الذي أُطلق عليه. ورغم أن الإجراءات التي تبناها قد تبدو ضرورية بالنسبة لشعبية البطريرك ساويروس في تلك المنطقة، إلا إن الإمبراطور نفسه شعر أن بولس قد تصرف بأكثر مما ينبغي فأُجبر على الاستقالة في عام 521م.
وجاء بعده إفراسيوس (Euphrasius) الذي جلس على الكرسي حتى عام 526م ثم مات في حادثة زلزال.[16] وتم تعيين الكونت إفرايم (Ephraim) خلفاً لإفراسيوس، وشغل المنصب حتى عام 545م، وقد فعل إفرايم كل ما في وسعه ليوطد ويرسخ مجمع خلقيدونية في منطقة سوريا.
3. اضطراب في المعسكر غير الخلقيدوني:
وبينما كان الإمبراطور يوستين يطبق سياسته الدينية الرامية إلى فرض مجمع خلقيدونية بالقوة في كل مكان في الشرق، نشأ خلاف في الجانب غير الخلقيدوني بين البطريرك ساويروس ويوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘ (Halicarnassus).[17]
(أ) يوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘ (Halicarnassus):
كان يوليان واحداً من الأساقفة الذين تم إبعادهم عن كراسيهم في فترة حكم الإمبراطور يوستين الأول بسبب معارضته لمجمع خلقيدونية. وكان ليوليان بعض النفوذ وسط الفريق الذي ينتمي إليه بسبب تقدمه في العمر، وقد قام بتأليف كتاب عن شخص المسيح وأرسله إلى البطريرك الأنطاكي في منفاه مع خطاب منه،[18] حيث كان متأكداً من قبول البطريرك ساويروس للأفكار الواردة في هذا الكتاب.
وأشار يوليان في هذا الخطاب إلى أنه استناداً إلى ثلاث فقرات من كتابات البابا كيرلس، فإن بعض الناس يؤمنون بأن جسد ربنا كان قابلاً للفساد (corruptible)،[19] فعلى سبيل المثال كتب ق. كيرلس إلى سكسينسوس (Succensus) أسقف ديوقيصرية يقول: “فالجسد بعد القيامة كان هو نفس الجسد الذي تحمل الآلام، على الرغم من أنه لم يعد بعد له نفس الضعفات البشرية وغير قابل للفساد”.
وفي رسالته إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس أشار ق. كيرلس إلى نفس الأمر بقوله: “إنها أعجوبة ومعجزة أن الجسد الذي هو قابل للفساد بحسب الطبيعة، قام ثانية بغير فساد”، ومرة أخرى ذكر ق. كيرلس في كتابه السابع والستين عن العذراء ’والدة الإله‘: “إن جسد ربنا لم يكن بأي حال من الأحوال خاضعاً للخطية التي تخص الفساد، ولكنه كان قابلاً للموت والدفن الحقيقي، وهو قد أبطله فيه (أي أبطل الموت في جسده)”.
وقد أكد يوليان أن جسد ربنا كان غير قابل للفساد سواء قبل القيامة أو بعدها، وحيث إن الفقرات المأخوذة عن البابا كيرلس تتعارض مع هذه الفكرة فقد اعتبر أن ذلك بسبب ’خطأ في النساخة‘. وحاول يوليان أن يبين في كتابه أن جسد المسيح كان على الدوام غير قابل للفساد (incorruptible)، وقد قام بإرسال نسخة من الكتاب إلى البطريرك ساويروس ليحظى بموافقته.
وتأخر البطريرك ساويروس في رده على الكتاب لكي لا يُظهر صديقه وزميله كهرطوقي، ولكنه عاد وخشي أن يتولد انطباع بأن أفكار يوليان هي انعكاس لتعليم الكنيسة[20] ـ الذي كان ساويروس يهتم بالحفاظ عليه ـ ولذلك كتب ساويروس رده[21] بعد بعض الوقت وأظهر أن أفكار يوليان غير مقبولة لديه، وأن أناساً آخرين في القسطنطينية كانت لديهم أفكاراً مماثلة وقد قام هو نفسه بدحضها. ولم يعجب يوليان برد البطريرك ساويروس فكتب خطاباً ثانياً،[22] وقام بنشر كتابه، مما اضطر ساويروس إلى القيام بتفنيده.
واليوليانية ـ مثل الأوطيخية ـ تعبر عن نزعة ما في العبادة المسيحية الصوفية، حيث تكمن الفكرة التي وراء كلتيهما في التأكيد على ألوهة المسيح، ليس من خلال تجاهل إنسانيته ـ وهو المفهوم الخاطئ الشائع عن تلك البدعتين ـ ولكن من خلال رؤية نوع من الاختلاف في إنسانية المسيح الحقيقية والكاملة عن إنسانيتنا.
فإنسانية المسيح بحسب مفهومهم تختلف عنا نحن البشر في كونها اتحدت منذ اللحظة الأولى لنشأتها في رحم العذراء بالله الابن بغير انفصال ولا انقسام، ولذلك فينبغي أن تكون تلك الإنسانية التي اتحدت بالله القدوس هي الآخرى مقدسة (ومختلفة عنا). وكان أوطيخا قد حاول أن يؤكد أنه بسبب أن المسيح هو الله، وبرغم أنه كإنسان وُلد من أم إنسانية، فلا يمكن أن نتكلم عنه بكونه واحد معنا في الجوهر (consubstantial with us).[23]
أما يوليان فقد رأى أن الفرق بين المسيح كإنسان وبيننا (نحن البشر) هو في عدم اتصال المسيح الجذري بالسقوط (والفساد) الخاص ببشريتنا، وهذا ما جعل تعليمه جذاباً في تقدير كثير من الناس في كلا الجانبين.
ومثلما حدث مع أبوليناريوس في القرن الرابع، استطاع يوليان في القرن السادس أن يحظى بتأييد الكثيرين لوجهة نظره، ويحفظ لنا ميخائيل السرياني قصة انضمام بروكوبيوس (Procopius) أسقف أفسس إلى الفريق اليولياني في حوالي منتصف القرن السادس.
وعلى الرغم من أن يوليان نفسه لم يكن يريد أن يقيم أساقفة آخرين بدون حضور أسقفين معه ليكتمل النصاب القانوني اللازم، فقد اضطره أنصاره أن يقيم خلفاً له وهو على فراش الموت بوضع يده على أحد الأشخاص، وقام هذا الشخص برسامة عشرة أساقفة وأرسلهم إلى الأجزاء المختلفة من الشرق لنشر تعليم يوليان.[24] ومن الجدير بالذكر أن الإمبراطور جوستينيان نفسه قد تبنى الفكر اليولياني وآمن به قرب نهاية حياته.[25]
ونجح أتباع يوليان في نشر أفكارهم في أرمينيا بل واستطاعوا أن يكسبوا تأييد الكنيسة هناك إلى جانبهم. ولم تكن الكنيسة في أرمينيا ضالعة في الخلاف الدائر بين المؤيدين والمعارضين لمجمع خلقيدونية، فمنذ أوائل القرن السادس قررت كنيسة أرمينيا في مجمع دوين (Dwin) أن تتبرأ من مجمع خلقيدونية وطومس ليو، ويذكر ساركيسيان[26] (Sarkissian) أنه قد تكرر اتخاذ نفس هذا القرار في المجامع اللاحقة للكنيسة.
ولكن كان للموالين للفكر اليولياني أثرهم على كنيسة أرمينيا،[27] وعلى الرغم من ذلك لدينا سجل لمجمع عُقد في أرمينيا عام 726م أوقف هذا التوجه، وقد حضر ذلك المجمع ستة من الأساقفة السريان، وكبير أساقفة أرمينيا مع واحد وعشرين من الأساقفة المساعدين وقادة رجال الكنيسة، واتخذ المجمع قراراً بالابتعاد عن الانحياز للتعليم اليولياني، واعتبار البطريرك ساويروس وبقية الآخرين معه قديسين في الكنيسة.
[28] وكانت هناك أيضاً كنيسة يوليانية في سوريا، وكان لتلك الكنيسة في نهاية القرن الثامن رئيس يُدعى جبرائيل، وكان يريد إعادة الوحدة بين كنيسته والكيان الكنسي السرياني. وفي أيام البطريرك كرياكوس (792م – 817م) عُقد مجمع للكنيسة السريانية عام 798م لمناقشة أمر تلك الوحدة، وعلى الرغم من أن البطريرك كان يرغب في تقديم كل التسهيلات الممكنة، إلاّ أن بعض الأساقفة السريان لم يكونوا بهذا التساهل مما أدى في النهاية إلى فشل ذلك الأمر.[29]
(ب) خلاف في الإسكندرية:
وكان للجدال اليولياني أثره السلبي على الكنيسة في مصر، فقد استطاع يوليان أن يضم مجموعة من الانفصاليين وعدد كبير من الناس والرهبان في القطر المصري إلى وجهة نظره، وعندما رقد البابا تيموثاؤس الثالث* في 7 فبراير عام 535م، استطاع الموالون ليوليان أن يقيموا مرشحهم قيانوس (Gaianus) بطريركاً في 10 فبراير، غير أن الفريق الذي كان في جانب البطريرك ساويروس قام بسيامة ثيؤدوسيوس# خلفاً لتيموثاؤس الثالث.
واستطاع قيانوس أن يشغل الكرسي حتى 24 مايو إلى أن تم طرده بأوامر من الإمبراطور جوستينيان، وقُبض عليه وسط اضطراب من مؤيديه، وراح في هذه الفوضى ـ كما يذكر ميخائيل ـ ثلاثة آلاف نفس من المصريين. وفي أثناء تولي قيانوس لمقاليد الأمور كانت هناك قوة عسكرية إمبراطورية تقوم بحراسة البطريرك ثيؤدوسيوس، وبعد طرد قيانوس أُعيد البابا ثيؤدوسيوس إلى الكرسي مرة أخرى.
ولم يمر شهر بعد ذلك حتى كان البابا ثيؤدوسيوس قد عقد مجمعاً أعلن فيه أن مجمع نيقية ومجمع أفسس وحروم البابا كيرلس الإثني عشر كانت بإلهام إلهي، وأن مرسوم الإتحاد ’الهينوتيكون‘ هو وثيقة تهدف إلى استبعاد مجمع خلقيدونية وطومس ليو من الكنيسة.[30] وقد أرسل المجمع خطاباً إلى البطريرك ساويروس معبراً عن اتفاقه معه، فرد البطريرك ساويروس في 25 يوليو موافقاً على الموقف الذي تبناه المجمع ومؤيداً للبابا ثيؤدوسيوس في مساندته له ضد يوليان.
وكان الإمبراطور جوستينيان يأمل في أن يرد البابا ثيؤدوسيوس على حمايته له بقبوله لمجمع خلقيدونية، وعندما لم يتحقق هذا الأمر، طلب الإمبراطور من البابا ثيؤدوسيوس وأساقفته أن يسافروا إلى القسطنطينية، فذهبوا بالفعل في ديسمبر عام 536م، ولكن في نفس الوقت قام البطريرك بوضع الأساس الذي يضمن الاستمرار القوي للتقليد غير الخلقيدوني في مصر من خلال رسامة الأساقفة وترتيب الكنيسة بشتى الطرق.
وقضى البابا ثيؤدوسيوس في العاصمة حوالي سنة، وأدى رفضه التام لقبول مجمع خلقيدونية لأن يأمر جوستينيان بأن يؤخذ البطريرك إلى ثراكي (Thrace) ويُسجن في حصن (Derkos). ولم يبقى البابا ثيؤدوسيوس هناك طويلاً حيث أحضرته الإمبراطورة مرة أخرى إلى العاصمة وعاش مع أعوانه تحت الحراسة في قصر هورميسداس (Hormisdas).
[1] Vasiliev, Justin the First, op. cit., pp. 68f.
[2] Steven Runciman, Byzantine Civilization, Edward Arnold, 1959, p. 35.
[3] يشرح روبرت براوننج (Robert Browning) في دراسته المتميزة عن جوستنيان وثيؤدورا (Justinian and Theodora) كيف قام جوستينيان يشن حروبه. انظر:
(Weidenfeld and Nicolson, 1971)
[4] تعد معالجة فاسيليف لانتخاب يوستين (مرجع سابق صفحة 68 وما يليها) هي محاولة للدفاع عن هذه الحادثة، ولكنه أقر بأن الانتخاب كان يجب أن يتم بعناية كبيرة.
ويذكر هذا المؤرخ أن فيتاليان (Vitalian) الإبن الروحي لفلافيان بطريرك أنطاكيا كان لديه حقد كبير نحو البطريرك ساويروس، وأنه هو الذي حرَّض يوستين لإصدار مثل هذه الأوامر.
[17] هاليكارنيسوس (Halicarnassus) هي مدينة في (Caria) إحدى المقاطعات الساحلية في الجنوب الغربي لأسيا الصغرى.
[18] للإطلاع على الخطاب انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 102-103)
[19] إن كلمة ’قابل للفساد‘ محملة بالمعاني. والتعليم بأنه بعد القبر قام جسد ربنا ثانية من الأموات بدون أن يعاني فساداً، هي ما أشار إليه العهد الجديد (انظر أعمال الرسل 2: 27؛ 13: 35)، وكان هذا هو التعليم المقبول في الكنيسة. ومع ذلك لم تكن هذه هي الفكرة المقصودة هنا. للرجوع إلى التعليم المشار إليها هنا انظر صفحة وما يليها.
[20] لقد تمت إدانة المذهب اليولياني (اليوليانية) رسمياً من قبل جميع الكنائس الشرقية المعارضة لخلقيدونية، ولذا لا يمكن ضمه ضمن تلك الكنائس بصفته منتمياً لها.
[21] للإطلاع على الخطاب انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 103-104)
[22] للإطلاع على هذا الخطاب مع رد البطريرك ساويروس انظر: (المرجع السابق صفحة 104-112).
يعلق فرند هنا بأن المجمع المكاني الذي عقده ثيؤدوسيوس لم يذكر مجمع أفسس الثاني مع مجمعي نيقية وأفسس الأول. ويمكن أن ينطبق نفس هذا التعليق على تقريباً كل قرار عقائدي أو عبارة وضعها الجانب غير الخلقيدوني. وكانت وجهة نظرهم هي أن مجمع عام 449م لم يفعل غير أنه كرر نفس موقف مجمع 431م، ولهذا لا يتعين أن يتم ذكره بشكل خاص.