الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

4- الكائنات الحية لا تأتي إلا من كائنات حية

ج: لقد أخطأ الذين ظنوا أن الكائنات الحية – مثل البكتيريا التي تظهر على الخبز، أو الديدان التي تظهر في الجبن أو اللحوم، أو الديدان التي تظهر في الأرض الرطبة – تأتي من غير كائنات حية، وقد أوضح ” باستير ” هذه الحقيقة عندما أستخدم أسلوب التعقيم، ولو أن الحياة نشأت من التوالد الذاتي، فلماذا لا يحدث مثل هذا التوالد الآن؟ لماذا لا نرى مادة حية تخرج من الجماد..؟!

هل أصيبت القوى الطبيعية بالعقم فلم تعد قادرة على إيجاد كائنات حية من الجماد..؟! هل تغيرت نواميس الطبيعة للأضعف؟! ويقول د. حليم عطية سوريال ” ولكن تجارب العلامة ” باستير ” صدمت نظرية التوالد الذاتي صدمة قاتلة، فإن ذلك الباحث العبقري ” باستير ” اكتشف أعظم ناموس حيوي وهو أن الكائنات الحية لا يمكن أن تأتي إلا من كائنات حية مثلها، وهذا الناموس يسري على أصغر الميكروبات كما يسري على الحيوانات الكبيرة، وغني عن البيان أن هذه القاعدة قبلت بالإجماع، ولم يسع المكابرون سوى التسليم بها..

وعلى ذلك نرى أنه كان يجب أن لا يكون مجال للتكلم عن التوالد الذاتي بعد باستير، ولكن عقلية الماديين غريبة مدهشة لا تقبل التسليم بالواقع.. يناقضون أنفسهم تناقضا بينا ويخلقون لأنفسهم مشاكل لا يمكنهم حلها لأن قبولهم نظرية التوالد الذاتي يضع أمامهم معضلات أعظم من معضلة الاعتقاد بالخلق الخاص، ويمكننا أن نشير إلى بعض تلك المعضلات:

(أولا) إنهم يعترفون أن التوالد الذاتي لا يحدث الآن.. فإن كان التوالد الذاتي لا يحدث الآن ألا يحق لنا أن نسأل ما الذي جعل قوة الطبيعة والمادة تشيخ وتهرم – ما لها عقمت وعجزت عن خلق كائنات حية من الجمادات كما فعلت سابقا؟ إذا نواميس الطبيعة متغيرة متقلبة لا تثبت على حال فإذا قالوا بذلك يواجهون مشكلة أخرى، لأن القول بعدم ثبات نواميس الطبيعة يترتب عليه انهيار العلم كله.

(ثانيا) إنهم يقولون أن أول الكائنات الحية أعني التي نشأت بالتوالد الذاتي كانت صغيرة جدا وعلى غاية البساطة.. وتولدت منها المخلوقات الكبيرة، وهذا القول لا يتفق مع الحقائق العلمية لأن المخلوقات الحية مهما كانت صغيرة الحجم لا يعتبرها العلم بسيطة لأن البساطة لا تتفق مع مميزات الحياة، لأنه بين أصغر خلية حيوانية أو نباتية وبين المواد الغير عضوية الجمادية هوة عميقة لا يمكننا أن نتصور عبورها.. إن الخلايا الحية مهما صغر حجمها فهي عالم في ذاتها.. لها جميع مميزات الحياة الجوهرية الأساسية، فإنها تأخذ المواد الغذائية التي تصلح لها من الوسط الذي تعيش فيه وتهضمها كما نهضم طعامنا بواسطة عصارات متشابهة.

وبعد هضمها تنبذ فضلات الطعام بطرق غاية في الدقة، وبعد ذلك تستخدم الطعام المهضوم لنفس الأغراض التي يستعمل فيها عند الحيوانات الكبيرة، فإنها تخلق منه مادة برتوبلازمية تشبه المادة المكون منها جسمها وتعوض بذلك المواد التي استهلكت في العمليات الحيوية.. على أن أروع وأبدع ما تشاهده في تلك المخلوقات الصغيرة هو عملية التوالد بالانقسام.. لأنها تنقسم بعملية غاية في الدقة إلى نصفين متساويين تمام المساواة يصير كل منهما فردا مشابها تمام المشابهة لوالده.. ولقد قال الأستاذ ولسن بصدد هذه الحقائق أن تقدم العلم قد وسع الهوة التي بين الكائنات الحية ذوات الخلية الواحدة وبين المواد الغير عضوية”(1).

وقد قام عالم الكيمياء ” لافوازييه ” Lavoisier في القرن التاسع عشر بتقسيم المواد الكيميائية إلى مجموعتين أحدهما لا يستطيع أن يصنعها إلا الأحياء من إنسان وحيوان ونبات، وأتفق على تسميتها بالكيمياء العضوية، والثانية هي المواد الكيميائية التي تنتشر في الطبيعة من تربة وماء

ثم اكتشف ” فوهلر ” Wahler سنة 1828م أنه يمكن تحضير البول معمليا، لذلك قالوا أن الكيمياء العضوية هي التي يدخل في تركيبها الكربون، وذرات الكربون لها قدرة فذة على الإتحاد بغيرها من العناصر، حتى وصلت مركبات الكربون إلى أكثر من ربع مليون مركب، ولا أحد يستطيع أن يدعي أن المواد غير الحية يمكن أن تجتمع معا لتكوين حياة، لأن الحياة لا تولد إلا من حياة، ولم ينجح للآن أي إنسان في تكوين خلية حية بالجمع بين المواد غير الحية!! وهذا ما يقر به علماء التطور أنفسهم.

أما القول بأن الحياة وجدت من تلقاء ذاتها فإنه يشبه القول بأن هذا المبنى وجد من ذاته بالصدفة بكل ما فيه من تجهيزات كهربائية وصحية ودهانات ونجارة وأثاث.. إلخ ومن يقدر أن يتصور أن الصدفة تدخلت في قطع الأشجار وتصنيعها أبوابا وشبابيك وأثاثات فاخرة بدون تدخل يد إنسان، والصدفة تدخلت أيضا فاختارت المواد التي يصنع منها السيراميك ووصلت به إلى هذه الدرجة من الجودة بدون تدخل إنسان.. إلخ ومع كل هذا فإن إمكانية وجود مبنى ضخم بكل ما يحويه من تحف وأثاث وأجهزة بمجرد الصدفة لهو أهون من وجود خلية حية واحدة!!

_____

(1) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 71 – 77.

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

3- الحياة ليست مجرد تركيب كيميائي

ليست الحياة مجرد تركيبا كيميائيا، والمظهر الكيميائي واحد من ثلاث مظاهر للحياة، والمظهران الآخران هما المظهر التشريحي والمظهر الفسيولوجي، ويقول د. حليم عطية سوريال ” أما القول بأن الحياة نشأت تدريجيا من المواد.. تمشيا مع ناموس النشوء والارتقاء على نحو ما ذكره الأستاذ شيفر في خطبته بالمجمع العلمي البريطاني سنة 1912م فلا يقبله العقل بتاتا، ويكفي لدحضه أن نذكر أن الحياة ليست مركبا كيميائيا، وأن لها ثلاثة مظاهر، وهو المظهر الكيميائي والمظهر التشريحي، والمظهر الفسيولوجي. أما المظهر الكيميائي فقد أشرنا إليه ويمكن فهمه إذا منعنا عن الكائن الحي عنصرا واحدا من العناصر التي يتركب منها فإنه ينهار بنيان حياته لا محالة.

ومن الوجهة التشريحية يلاحظ أن أجزاء الكائن الحي مرتبطة ببعضها ارتباطا في غاية الدقة والترتيب وحتى الخلية البسيطة ترينا أن أجزاءها ليست مبعثرة في داخلها خبط عشواء بل نرى أجزاءها الدقيقة وضعت بعناية فائقة في مواضع مخصوصة كعجلات وأتراس الساعة كذلك من الوجهة الفسيولوجية نرى أنه مع تعدد وظائف الحياة واختلافاتها، اتفاقا لغاية مخصوصة هي حفظ الحياة وحفظ النوع..

وتعدد مظاهر الحياة يبين استحالة توصل الإنسان إلى تكوين مخلوقات حية، ولا عبرة بالقول أن بعض الكيماويين توصل إلى صنع مواد عضوية مثل التي تصنعها البروتوبلازما وكان يجب على الذين يحاولون أن يصنعوا خلية حية أن يلموا بأسرار الحياة وأسرار البرتوبلازم التي مازالوا يجهلون عنها أكثر مما يعلمون. وهب أنهم توصلوا إلى صنع مادة كيماوية تشبه البروتوبلازما فهل تعتبر هذه خطوة نحو صنع كائن حي؟! وهل الكائن الحي مجرد مركب كيماوي؟! من ذلك يتضح أن محاولة صنع كائن حي هي إضاعة للوقت ومقضى عليه بالفشل”(1).

فمن جهة المظهر الكيميائي نجد الخلية تتركب من البروتوبلازم (وهو عبارة عن سيتوبلازم ونواة) واشتقت كلمة البروتوبلازم من البروتين، لأن البروتين هو الذي يكون البروتوبلازم، وتتكون مادة البروتين من خمس عناصر (كربون – أيدروجين – أكسجين – نيتروجين – كبريت) لا يمكن الاستغناء عن عنصر منها، ويقول د. ” فرانك اللن”.. ” أن البروتين الذي يدخل في تركيب الخلية الحية نباتية أو حيوانية يحتوي على خمسة عناصر الكربون والأيدروجين والنيتروجين والأكسحين والكبريت، ويبلغ عدد الذرات في الجزيء البروتيني الواحد 40 ألف ذرة، ولما كان عدد العناصر في الطبيعة نحو 103 عنصر، فإن احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة في كل هذه الأعداد ضئيلا جدا لدرجة المستحيل”.

ومن جهة المظهر التشريحي فالخلايا تختلف بحسب وظيفتها، فالخلايا العصبية تختلف عن العضلية، والاثنتان تختلفان عن خلايا عضلة القلب، وخلايا الدم تختلف عن كل ما سبق وهلم جرا.. وجميعها تعمل في انسجام تام، فالخلية الواحدة لا توجد قط في حالة فوضى وتبعثر، إنما توجد في غاية من النظام والدقة، وأيضا تختلف أجهزة الإنسان وأعضائه، ولكن كلها تعمل في انسجام تام في منتهى الدقة والبراعة.

ويقول ” كريسي موريسون ” في مقاله ” كيف بدأت الحياة؟”.. ” ونحن بوصفنا كائنات بشرية يتكون كل منا من أمم منتظمة من بلايين فوق بلايين من أمثال تلك الخلايا، وكل خلية فينا كأنها مواطن صالح يؤدي نصيبه الكامل من الخدمة الخالصة، كأنه في ذكاء.. ففي أي مخلوق حي يجب أن تكيف نفسها لتكون جزءا من اللحم أو تضحي بنفسها كجزء من الجلد الذي لا يلبث أن يبلى..

وهذه الخلية ترغم كل نسلها على أن يؤدي الخدمات وأن يتبع دون انحراف.. أن مئات الآلاف من الخلايا تبدو كأنها مدفوعة لأن تفعل الشيء الصواب، في الوقت الصواب، وفي المكان الصواب، والحق أنها طائعة.. بيد أنك قد تقول الآن، ولكن كل هذا لا يفسر لنا كيف بدأت الحياة، أو كيف جاءت إلى هذه الأرض، والكاتب لا يعرف كيف إلا أن يكون هناك خالق قد أوجدها”(2).

أما المظهر الفسيولوجي فيتجلى في أنه رغم اختلاف الوظائف الحيوية لخلايا وأعضاء وأجهزة الإنسان، إلا أنها لا تتعارض قط، إنما تتكامل معا لحفظ حياة النوع من الأحياء.

_____

(1) تصدع مذهب داروين ص 80 – 83.

(2) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 213.

 

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

Exit mobile version