كتاب الله والإلحاد الدليل المختصر للأسئلة حول وجود الله – القس أمير ثروت PDF
كتاب الله والإلحاد الدليل المختصر للأسئلة حول وجود الله – القس أمير ثروت PDF
يمثل قانون الأنتروبيا القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية، وينص على أن الأنظمة في خلال الظروف الطبيعية، وبدون تدخل خارجي يصيبها الخلل وتؤول إلى الخراب بمرور الزمن فمثلًا لو تُركت سيارة جديدة في الصحراء سنوات طويلة، فبلا شك ستتعطل وتتآكل ولا تصلح للاستعمال، وقد دعى العبقري العظيم ” ألبرت أنيشتاين ” قانون الأنتروبيا بأنه القانون الأول للكون بأجمعه(1).
ونظرية التطوُّر تقول عكس قانون الأنتروبيا، فبينما إن الأشياء تبلى ويصيبها الخلل بمرور الزمن وبدون تدخل خارجي، فإن نظرية التطوُّر تنادي بالعكس، بأن الأشياء تتطوَّر مع الزمن وبدون تدخل خارجي، فالجزيئات المتفرقة وغير الحيَّة مع مرور الزمن تتطوَّر إلى جزيئات أكثر تعقيدًا مثل البروتينات والأحماض النووية، ويقول عالِم التطوُّر ” رَش”.. ” فبينما يقر هذا القانون (قانون الأنتروبيا) بأن هناك اتجاهًا دائمًا وغير عكسي نحو الخلل والاضطراب تفترض نظرية التطوُّر أن الحياة تتخذ أشكالًا أرقى وأكثر تنظيمًا باستمرار وبمرور الوقت”(2).
كما يقول عالِم التطوُّر ” جورج سترافرد بولس ” في مقال بمجلة American Scientist ” في ظل الظروف الطبيعية، لا يمكن أن يتكون أي جزئ عضوي مُعقَّد التركيب تلقائيًا، بل أنه يجب أن يتحلل طبقًا للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية، وفي الواقع، فإنه كلما زاد تعقيد تركيب الخلية أصبحت أقل ميلًا للاستقرار على حالها، وبالتالي يصبح من المؤكد -إن عاجلًا أو آجلًا- أن تؤول إلى التحليل والتلاشي. إن عملية التمثيل الضوئي.. لا يمكن فهمها وتفسيرها على ضوء معطيات القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية”(3).
كما يقول عالِم التطوُّر ” جيرمي رفكين ” فقد ادَّعى أن نظرية التطوُّر تتغلب على قانون الأنتروبيا بقوة سحرية، فقال ” يقول قانون الأنتروبيا أن التطوُّر يستهلك ويبدد الطاقة الكلية في سبيل الحياة على هذا الكوكب. أما مفهومنا عن التطوُّر فهو على عكس من ذلك تمامًا، فنحن نرى أن عملية التطوُّر تولد طاقة أعظم وتزيد من أوجه النظام على الأرض بطريقة سحرية ما!!”(4)(5).
_____
(1) راجع هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 141.
(2) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 141.
(3) المرجع السابق ص 142.
(4) Jeremy Rifkin, Entropy: A New World View , P. 55.
(5) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 142.
ج: قال التطوُّريون أن التطوُّر شمل بعض وليس كل الأميبا، ولم يعللوا لماذا تطوَّرت بعض الأميبا منذ زمن بعيد بينما بقى الآخر كما هو زمانًا هذا مقداره بدون تطوُّر؟ إن بقاء الأميبا كما هي حتى الآن تفسد تمامًا قضية التطوُّر، ولاسيما أن التطوُّريّين جعلوا تطوُّر الأميبا هي نقطة الانطلاق للتطوُّر، ويقول هنري م. موريس ” ظل الكثير من الفصائل الحيوانية والنباتية كما هي دون أي ” تحوُّر ” خلال ملايين السنين، بينما المفروض أنها تمثل العصور الجيولوجية، ومن المؤكد أن هذا الحال كان ممكن أن ينطبق على الكثير غيرها.. بل أن من بين المخلوقات التي ظهرت كما هي بدون تحوُّر، الحيوانات وحيدة الخلية والتي من المفروض، حسب نظرية التطوُّر، أن التطوُّر بدأ بها”(1).
ورغم أن داروين قد اعترف بهذه الصعوبة، إلاَّ أنه صرَّح بأن هذه الصعوبة لا تلغي فكرة الانتقاء الطبيعي والبقاء للأصلح فقال ” والحقيقة القائلة بأنه لم يحدث تغيير -أو حدث تغيير بسيط- على هذه الحيوانات منذ العصر الجليدي، فإنها قد تكون لها بعض القيمة في مواجهة هؤلاء الذين يؤمنون بوجود قانون ارتقائي فطري (متأصل) وضروري، ولكنها عاجزة عن الوقوف أمام مبدأ الانتقاء الطبيعي أو البقاء للأصلح، والذي يقضي بأنه عندما يتصادف أن تحدث تغيرات أو اختلافات فردية ذات طبيعة مفيدة، فإنها سوف تصان”(2).
_____
(1) ترجمة نظير عريان ميلاد – الكتاب المقدَّس ونظريات العلم الحديث ص 67.
(2) أصل الأنواع ص 337.
ج: عندما اكتشف ” جريجور مندل ” قوانين الوراثة وجه ضربة قاتلة لنظرية التطوُّر التي بُنيت على الانتقاء الطبيعي وتوارث الصفات، فطبقًا لقوانين الوراثة أن كل كائن ينسل كجنسه، وهذا يتوافق تمامًا مع قول الوحي في سفر التكوين ” وقال الله لتُنبت الأرض عشبًا وبقلًا يُبزر بزرًا وشجرًا ذا ثمر يعمل ثمرًا كجنسه.. فأخرجت الأرض عشبًا وبقلًا يُبزر بزرًا كجنسه وشجرًا يعمل ثمرًا بزره فيه كجنسه” (تك 1: 11، 12).. ” فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحيَّة الدبَّابة التي فاضت بها المياه كأجناسها وكل طائر ذي جناح كجنسه” (تك 1: 21).. ” وقال الله لتُخرج الأرض ذوات أنفس حيّة كجنسها. بهائم ودبَّابات ووحوش أرض كأجنسها وكان كذلك. فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبَّابات الأرض كأجناسها” (تك 1: 24، 25) فجميع الكائنات الحيَّة من نبات وحيوان وإنسان، من صغيرها لكبيرها، ومن أدناها لأرقاها، ومن أبسطها مثل الأميبا والبكتريا إلى أعقدها مثل الحيوان والإنسان، وبغض النظر عن البيئة التي تعيش فيها تخضع لقوانين الوراثة، فكل نوع يثمر ويتكاثر كجنسه بدون اختلاط ولا تشويش بين الكائنات، وكل كائن يورث سلفه صفاته لا غير.
وقال ” ج. م. برايس”.. ” إن نظرية التطوُّر العضوي كانت مقبولة في أزمنة الجهل البشري بحقائق علم الوراثة، وعلم طبقات الأرض.. ولكن هذه النظرية (نظرية التطوُّر) الآن غير ذات موضوع”(1) ولو كانت قوانين الوراثة قد عُرفت أيام داروين ما كان يفكر قط بالطريقة التي فكر بها وأوصلته إلى هذه النظرية.. لقد اعتقد داروين أنه يمكن استنباط أجناسًا من أجناس أخرى، فيمكن تحويل البقر إلى أجناس جديدة، وتحويل الدببة إلى مخلوقات هائلة كالحيتان، ولكن في ظل قوانين الوراثة أصبح كلام داروين نوعًا من الخيال، لأنه بين الأجناس المختلفة حواجز مُحكَمة لا يمكن اختراقها بل أن داروين نفسه قد تشكَّك في إمكانية تغيُّر الأنواع واستنباط أنواعًا جديدة، فيقول دكتور ” موريس بوكاي”.. ” وفي كتاب ” م. فيرنيه ” M. Vernet ” تصوُّر العالم الحي ” نجده ينقل خطابًا من داروين كان قد أرسله إلى ” توماس ثورتون ” Thomus Tharton في سنة 1861م ويقرر داروين أنه يدرك فشله في تفسير التطوُّر فيقول {إلاَّ أنني أؤمن بالانتقاء الطبيعي، ليس لأنني أستطيع في أي حالة وحيدة أن أُثبت أنه غيَّر نوعًا من الأنواع إلى نوع آخر، وإنمًا لأنه يُصنّف ويُفسّر جيدًا – كما يبدو لي – عددًا هائلًا من الحقائق في التصنيف، وعلم الأجنة وعلم التشكل (المورفولوجيا) والأعضاء الأولية Rudimentary Drgans، والتتابع الجيولوجي والتوزيع}(2).
وطبقًا لقوانين الوراثة لا يمكن توارث الصفات المكتسبة، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فالحداد ذو العضلات المفتولة لا يُوّرث ابنه هذه الصفة، ولا السيدات الصينيات اللاتي يضعن أرجلهن في أحذية حديدية لتُضغط وتكون أصغر حجمًا يورثن بناتهن هذه الصفة، ولا الآباء المختونين يورثن أطفالهم الختان، فالكائن لا يرث إلاَّ الصفات الوراثية التي تحملها الجينات، أما أي صفات مكتسبة فهي بعيدة تمامًا عن الجينات، ويقول ” هنري م. موريس”.. ” إن العدد غير المُحصى من التجارب التي قام بها مندل لإثبات قوانينه الوراثية قد ألقى الكثير من الضوء على مكونات الخلية، فأصبح من المعروف أن جميع الخلايا ليست متشابهة، ولكنها تختلف بشكل أساسي باختلاف الفصائل المختلفة، وحتى في نفس المخلوق هناك تمايز واختلاف في خلايا الأجزاء المختلفة في جسمه..
أهم جزء في الخلية هو الكروموزومات Chromosomes والتي من دراسة نشاط الخلية التكاثري تعتبر الحامل للصفات الوراثية، وكل كروموزوم عبارة عن تركيب كالخيط، وهناك عدد محدد منها في كل خلية من خلايا مخلوق ما بصرف النظر عن نوعية الخلية وموقعها في جسم هذا المخلوق، ويعتمد عدد الكروموزومات في الخلية على النوع الذي تنتمي إليه هذه الخلية، فخلايا الإنسان تحتوي مثلًا على 46 كروموزوم، إلاَّ أن الخلايا التناسلية لكل نوع تحتوي فقط على نصف العدد (23 كروموزوم).. وقد وُجِد عمليًا أن أي تغيّير يحدث في خلايا الجسم بتأثير الاستعمال وسوء الاستعمال أو بتأثير العوامل المحيطة لن يكون له أي تأثير على الخلايا التناسلية، ومن ثم لن يؤثر وراثيًا. لذلك فالصفات المكتسبة ليست وراثية، بالإضافة إلى ذلك، فكل النظريات الوراثية الحديثة تعتبر ضربة مميتة لنظريتي داروين ولامارك. لأن الفرص الضئيلة لتكوين فصائل جديدة والتي يسببها الانتقاء الطبيعي ما هي إلاَّ عمليات التحام جديدة لعوامل وراثية كانت موجودة أصلًا في الأباء. وإن الطفرة التي تظهر فجأة لم تكن سوى صفات مندلية معطلة، والتي ظهرت فجأة عندما التقى الأبوان الصحيحان”(3).
والأمر المضحك أن بعض التطوُّريّين قال أن عدد الكروموزومات في الإنسان 46، وهي تقارب عددها في الشمبانزي 48، مما يثبت أن كلاهما له جد واحد مشترك، فرد عليهم بعض العلماء قائلين بأن عدد الكروموزومات في البطاطا 46، مثل عددها في الإنسان بالضبط، فهل معنى هذا أن الإنسان والبطاطا لهما جد مشترك واحد..؟!! إن التشابه في شفرات الـDNA لا يمكن أن يعتبر دليلًا على وجود علاقة ارتقائية من نوع إلى نوع آخر، ويقول ” مايكل دانتون”.. ” إن كل نوع من الأحياء يُعد – على المستوى الجزيئي – فريدًا ووحيدًا وغير مرتبط بوسطاء، ومن ثمَ فقد عجزت الجزيئات شأنها شأن الحفريات – عن تقديم الوسطاء الذي يبحث عنهم علماء الأحياء من دعاة التطوُّر منذ زمن طويل.. لو كان هذا الدليل الجزيئي متاحًا قبل قرن من اليوم فربما لم تكون فكرة التطوُّر العضوي لتجد أي قبول على الإطلاق”(4)(5).
كما أوضح ” ثيودور هاندرتش ” أن البيئة عاجزة عن خلق جينات جديدة فيقول ” من المهم أن نلاحظ أن البيئة، إذا تغيرت، لا تخلق جينات Genes جديدة، وهذه الجينات هي التي تحدد مختلف صفات الأعضاء في الفرد.. ولقد ظهر أن أشعة X (إكس) قادرة على بتر وفصل الجينات الأضعف عن الجينات الأقوى، لكنها لا تخلق جينات جديدة بالمرة. إن العوامل الموجودة في الخلية الحيَّة الأولى، والتي تحدد صفات أعضاء الفرد هي موجودة في الخلية منذ أوجدها الله فيها حين خلقها.. ففي كل جنس من أجناس المخلوقات وضع الله الخالق مجموعة كبيرة من الجينات، وتباين الارتباطات التي تتم بين هذه الجينات هو الذي يبرز هذه التشكيلة العظيمة التي يمكن أن تنتج من جنس واحد. فهذه التشكيلات لم تبرز للوجود عن طريق خلق جينات جديدة بل عن طريق تنويع العلاقات بين مجاميع الجينات..
ومن ثمَّ، فقد تكون هناك أيضًا بيئة من نوع معين تساعد على تفوق مجموعة معينة من الجينات. وهنا يأتي دور بقاء الأصلح أو الأنسب للبيئة.. ولما كان عدد الجينات في أي مجتمع جيني محددًا فإن عدد التشكيلات التي يمكن إنتاجها (للنوع الواحد) مُحدَّدًا أيضًا.. وإن كان بديهيًا أن العوامل الطبيعية تستطيع أن تعيد تنظيم مجموعات من الجينات الموجودة، فمن البديهي أيضًا أن هذه العوامل الطبيعية لا يمكن أن تكون العلة أو الأصل الذي أوجد الجينات. إن البيئة لا توجد جينات.. فمثلًا قد يتعرض الفرد لأشعة الشمس المباشرة في بيئة معينة (كخط الاستواء مثلًا) فإذا بكمية من الصبغة الملونة تغطي الجليد (فتجعله قاتمًا) لتحميه من التأثير الضار الذي لهذه الأشعة.. البيئة ساعدت فقط، مجرد مساعدة على إظهار ما هو موجودًا أصلًا..”(6)(7).
_____
(1) أورده برسوم ميخائيل بطلان نظرية التطوُّر ص 47.
(2) ما أصل الإنسان ص 52.
(3) ترجمة نظير عريان ميلاد – الكتاب المقدَّس ونظريات العالم الحديث ص 64، 65.
(4) Michael Denton , Evolution: A Theary in Crisis, PP. 290 – 291.
(5) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 165.
(6) الخليقة حقائق ونظريات وإيمان ص 277 – 283.
(7) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 162 – 164.
ج: أعلن التطوُّريون أكثر من مرة أنهم اكتشفوا الحلقة المفقودة بين القردة والإنسان، فأظهروا جزءًا مثلًا من حجمه أو عظمة فك أو حتى ضرس واحد، وتخيلوا شكلًا معينًا بحسبما يشاؤون لصاحب هذا الجزء أو ذاك الجزء، فراحوا يرسمونه منتصبًا وبملامح الشمبانزي، وأحيانًا كانوا يصوُّرونه مع عائلته وفي بيئته الطبيعية يمارس أعماله التي اعتاد عليها، ويدَّعون أن هذا هو أب البشرية.
ويقول البروفسور “إيرنست هوتون”E. A. Hooton بجامعة هارفارد ” بعض المشتغلين بالتشريح يعيدون تشكيل الجماجم التي تكتشف في الحفريات بإعادة بناء التفاصيل الدقيقة بالرأس والوجه على غلاف الجمجمة لتدل على مظهر الإنسان الذي كان له أثناء حياته. هذه الطريقة تعطي فرصة كبيرة للشك في صحة التفاصيل الصغيرة المُعاد تشكيلها.. إن محاولة الاحتفاظ بالتفاصيل الدقيقة هي محاولة خطيرة إذ أن الأنف والفم والعينين والشفاه لا تترك أي دليل يشير إلى شكلها في عظام الجمجمة يمكن الاسترشاد به عند إعادة تشكيلها.. فأنت تستطيع – على جمجمة للإنسان النباندرثالي – أن تُشكّل ملامح شمبانزي أو ملامح فيلسوف بنفس السهولة. هذا الاحتفاظ المزعوم بأشكال الإنسان القديم فائدته العلمية قليلة فضلًا عن أنه مُضلّل للعامة، فإن بكل تأكيد غير معقول أن تُعيد تشكيل رأس إنسان جاوة من مجرد العثور على عظمة غطاء الرأس وسنتين أو ثلاثة من أسنانه. فنحن لا نعلم شيئًا بالمرة عن التفاصيل الدقيقة والجزئية لمظهر إنسان جاوة أو الإنسان النياندرثالي.. إلخ مثل شكل الشعر وتوزيعه ولونه إلى آخر التفاصيل التي تميز ملامح كل منها. لهذا لا نثق في بدء إعادة تشكيل الجماجم المُكتشفة في الحفريات”(1)
كما يقول “هوتون” أيضًا “أن محاولة إعادة بناء أو تركيب الأجزاء اللينة مهمة تحف بها المشاكل والمخاطر ذلك لأن الشفاه والعيون والأذان وطرف الأنف.. إلخ لا تترك أية آثار على الأجزاء العظمية التي تكسوها، ويمكنك أن تشكل بنفس السهولة من جمجمة شخص شبيه بالشخص النياندرتالي نموذجًا بملامح شمبانزي أو بقسمات فيلسوف. أما فيما يتعلق بإعادة البناء المزعومة لأنواع قديمة من البشر استنادًا إلى بعض بقايا فإنها لا تحظى بأي قيمة علمية، وهي لا تستعمل إلاَّ للتأثير على العامة وتضليلها، لذا لا يمكن الثقة بإعادة التركيب”(2)(3).
وأيضًا يقول بروفسور ” هوتون”.. ” لذلك لا تضع ثقتك في عملية إعادة التكوين هذه.. بل ولا عجب إذا كان الأستاذ ” ف. ر. جونز ” من جامعة لندن، حكم على تكوين النماذج الخيالية أو رسمها واستنبطها من الخيال بأنه {أقل الأعمال جدارة بعلم دراسة جنس الإنسان}”(4).
ويقول ” ديفيد بيلبيم ” عالِم الإنتروبولوجيا من جامعة هارفارد ” على الأقل في علِم الحفريات الذي هو ساحتي واختصاص، فإن النظرية – أي نظرية التطوُّر – وُضعت على أساس تأويلات معينة أكثر من وضعها على أساس من المعطيات والأدلة الفعلية”(5).
إنسان جاوة – إنسان هيلدبرج – إنسان نياندرثال – إنسان بليدْاون – السيد هيسبير أويوتيكص والسيدة قرينته – أوتابينغا
جاء في دائرة المعارف الكتابية عما عثر عليه التطوُّريون سنة 1891م في جزيرة جاوة ” فإن اكتشاف دكتور ديبوا في جزيرة جاوة قمة جمجمة ورأس عظمة ساق وبعض الأسنان لحيوان، يفترضون أنه من الثدييات الشبيهة بالإنسان، لا يقدم لنا الدليل الحاسم المطلوب، ولقد انقسم الرأي في حقيقة الأمر منذ البداية، بصورة غريبة بين علماء الطبيعيات، وقد شك ” فركاو ” في انتماء هذه الأجزاء إلى نفس الحيوان الواحد.. ومن بين أربعة وعشرين عالِمًا فحصوا تلك البقايا عندما اُكتشفت، ظن عشرة منهم أنها لقرد، وسبعة منهم اعتقدوا أنها لإنسان، وسبعة في أنها لأحد الأشكال المتوسطة بينهما(6) وفي مؤتمر الأنثروبولوجيا الذي عُقد في لندن في سبتمبر 1899م، قرأ دكتور بوميللر ورقة أعلن فيها، أن ما يزعمونه ” بيثيكانثروبس أركتس ” أي الإنسان القرد المعتدل القامة، أو الإنسان جاوة، ليس إلاَّ جيبونًا (قردًا رشيق الحركة) كما قال فركانو من البداية”(7)(8).
كما يقول ” هنري م. موريس”.. ” لعل أسوأ هذه الآثار هو ” بيتيكانتروبس إيركناس ” الذي عُثر عليه في جاوة سنة 1891 – 1892م، فقد تكوَّن هذا الأثر من قطعة من قصعة جمجمة وقطعة من عظمة فخذ أيسر وثلاثة ضروس، ولم توجد هذه الأجزاء مع بعضها، بل في مساحة مقدارها 50 قدمًا، وعُثِر عليها على مدى عامل كامل في قاع نهر قديم مختلطة ببقايا عظام حيوانات مُنقرضة، وعلى ذلك يعتبرها علماء علم التطوُّر قرينة هائلة تؤكد صدق نظريتهم، فهل يُعقل أن تقوم نظرية أو حتى فلسفة على قرائن واهية هكذا؟! وهل يجوز بعد ذلك أن يتمادى البعض حتى ينكر وجود الله بسبب هذه النظرية المدمرة؟! لقد عُثِر في السنوات الأخيرة على أثر في جاوة ظنه بعض العلماء لفترة طويلة من الزمن أنه لإنسان العصر الحديث، ولكن بمزيد من الدراسة اتضح أنه بقايا قرد لا تمت للبقايا الأخرى بأي صلة”(9).
عثر التطوُّريون على عظمة فك تحتفظ بأسنان سليمة، فنسجوا حولها التخيلات وقالوا أنها تخص الإنسان البدائي، ودعوه “إنسان هيلدبرج” ثم اتضح أنها تخص إنسانًا عاديًا، وعرض ” بيركنر ” العلامة الألماني جمجمة إنسان من الإسكيمو تحمل نفس الملامح(10).
نسبة إلى وادي نياندرثال في أوربا الوسطى، حيث عثر التطوُّريون على عظام جمجمة وعظام ذراع وعظام ساق وعظمة حوض وأجزاء من الضلوع، وإدعى التطوُّريون أنها تمثل الحلقة المفقودة بين القردة لأنها تشبه الغوريلا. ثم اتضح أنها تخص إنسانًا يعاني من بعض الأمراض التي أثرت على عظامه، فيقول العلامة ” رودلف فرنسو”.. ” إن هذه الأعضاء قد تغيرت كثيرًا بسبب مرض كان بها (إذ وُجِد بها أثارًا من لين العظام وراء المفاصل)”(11) كما قال ” هكسلي ” الذي يؤمن بنظرية التطوُّر ” لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعتبر أن عظام نياندرثال كبقايا لإنسان متوسط بين الإنسان والقرد”(12).
فإنسان نياندرثال يمثل جنس من الأجناس البشرية يتميز بالقوة وكبر حجم الجمجمة الذي يصل إلى 1740 سم3 وقال عالِم الحفريات ” إريك ترانيكاوس ” وهو من جامعة نيومكسيكو ” لقد أظهرت المقارنات التفصيلية بين بقايا الهيكل العظمي للإنسان النياندرثالي، وبقايا الهيكل العظمي للإنسان العصري عدم وجود أي شيء في تشريح الإنسان النيناندرثالي يدلل بشكل قاطع على أن قدراته الحركية أو اليدوية أو الفكرية أو اللغوية أقل من نظيراتها في الإنسان العصري”(13).
ويتسم إنسان نياندرثالي والإنسان المنتصب القامة بنتوء عظمي في الظهر، فقد كان النياندرثاليون يصنعون الآلات الموسيقية، وتجمعهم قرابات ثقافية، وكانوا يدفنون موتاهم، مثلهم مثل أي إنسان قوي يعيش بيننا، فهم يمثلون جنسًا بشريًا تعرض للانقراض، ولكن دعاة التطوُّر مازالوا يصوُّرونهم على أنهم يشبهون القردة.
ويقول الدكتور مصطفى عبد العزيز ” وكان إنسان نياندرثال يهيم على وجهه في الغابات -مثله كمثل غيره من الحيوانات- يتغذى على ما يصادفه من نباتات، إذ كان نباتيًا بطبعه، ولكنه ما لبث أن تعلَّم اقتناص الحيوانات مستخدمًا الرماح أو ناصبًا لها الفخاخ، وكان ميالًا للحياة الانفرادية أو في جماعات بدائية قليلة العدد، وقد انتشرت هذه السلالة البشرية في أوربا لآلاف السنين، وفي وقت كان يغطيها الجليد!.. وما أن اختفى العصر الجليدي الأخير حتى ظهرت صورة جديدة من صور الإنسان، أكثر ذكاء ومعرفة بالحياة، وأكثر مقدرة على النطق والكلام، فقضت على إنسان النياندرثال، ولم يتبق منه إلاَّ ما خلفه من عظام وأشلاء كحفريات”(14).
ويمثل أكبر فضيحة في تاريخ العلم ففي سنة 1912م أكد الطبيب وعالِم الآثار ” تشارلز داوسون ” عثورة على عظمة فك سفلي وجزء من جمجمة، على فترات متفاوتة مع بعض الأدوات البدائية في حفرة ببلتدْاون بإنجلترا، وركَّب ” سميث ويردوارد ” هذه الحفرية، وزعم علماء التطوُّر أن عمر هذه العينة خمسمائة الف سنة، وعرضت في كثير من المتاحف كدليل على تطور الإنسان، ونُوقش حولها ما لا يقل عن خمسمائة رسالة دكتوراة، وأعدت رسومات تبين الشكل لهذا الإنسان البدائي، وفي سنة 1935م قال عالِم الحفريات الأمريكي المشهور ” هنري فيرفيلد أوسبورن ” أثناء زيارته للمتحف البريطاني ” تعد هذه الحفرية اكتشافًا مذهلًا عن الإنسان البدائي”(15) ولكن اعترض كثير من العلماء مثل ” جيريت س. ميللار ” بالمتحف الوطني بالولايات المتحدة، و” راي لانكستر ” البريطاني مؤكدين أن الفك والجمجمة لا ينتميان إلى كائن واحد، وقال ” داود واترسون ” بجامعة لندن ” أن الفك الأسفل من الواضح أنه فك شمبانزي، بينما بقايا الجمجمة تشبه جملة وتفصيلًا الجمجمة البشرية”(16).
وفي سنة 1949م أجرى ” كينيث أوكلي ” وهو من قسم الحفريات بالمتحف البريطاني اختبار الفلورين لتحديد عمر هذه الحفرية بطريقة أكثر دقة، فكانت الفضيحة إذ ثبت أن عظمة الفك لا تحتوي على أية فلورين، وحوت الجمجمة على قدر ضئيل من الفلورين، وبناء على هذا التحليل المفصل الذي أجراه ” وينر ” سنة 1935م تم تحديد عمر الجمجمة بنحو خمسمائة عام فقط وهي جمجمة إنسان، بينما عظمة الفك تخص قردًا مات مؤخرًا، وقد تم التزييف بحشو مفاصل الفك لكيما يبدو فكًا شبيه بفك الإنسان، وتم تلطيخ القطعة ككل بثاني كرومات البوتاسيوم لتكتسب مظهرًا عتيقًا، ولكن عند غمسها في الحمض زال هذا اللون، وعقب هذه الفضيحة تم على عجل نقل إنسان بيلتدون من المتحف البريطاني بعد عرضه لمدة أربعين عامًا، ولم يتمكن “غروس كلارك ” أحد أعضاء الفريق الذي كشف هذا التزييف من إخفاء اندهاشه قائلًا ” لقد ظهرت للعين في الحال أدلة على حدوث كشط صناعي، وكانت هذه الأدلة واضحة جدًا لدرجة تجعل المرء يتساءل: كيف لم يتم الانتباه إليها من قبل؟!”(17)(18).
ويقول الأستاذ مجدي صادق ” إن أي حفرية يمكن أن تبدو كأنها موغلة في القدم رغم حداثتها حيث تتوقف حالة الحفرية على ظروف الهلاك ومعدل التحلُّل الكيماوي والإشعاعي للحفرية، وهذا يحكمه نوع التربة التي وُجدت فيها الحفرية، وعوامل الحرارة والرطوبة والضغط. هذه المتغيرات متضافرة هي التي تُحدّد حالة الحفرية والتي بناءًا عليها تم تحديد عمرها جيولوجيًا. ونظرًا لأن تلك التغيرات تختلف من مكان إلى مكان فإنه يمكن أن يترتب على هذا أن تبدو بعض الحفائر رغم حداثتها وكأنها موغلة في القدم عند تقرير عمرها جيولوجيًا.. إن حفرية إنسان نياندرثال التي قدَّر التطوُّريون عمرها أولًا بنحو مليون سنة، قدَّرها آخرون عند إعادة فحصها بنحو 100000 سنة، وأخيرًا تحدَّد عمرها وفقًا لأحدث التقديرات بنحو 50000 سنة. في حين أن الحفرية كما قرَّر المتخصصون هي لإنسان حديث عانى من مرض التشوه التضخمي acromegaley أي إن عمرها الحقيقي لا يتجاوز الستة آلاف سنة بحالٍ من الأحوال. ومما يبرهن أيضًا على اختلاف التطوُّريون في تقدير أزمنة الحفريات أن جمجمة إنسان بيلتدون التي قدَّر التطوُّريون عمرها أولًا بنحو نصف مليون سنة، قدَّرها آخرون عند إعادة فحصها بنحو 50000 سنة، ثم اتضح أخيرًا أن الجمجمة حديثة وأنها عُولجت بأملاح الحديد لتبدو قديمة”(19)
في سنة 1922م أعلن ” هنري فيرفيلد أوسبرن ” مدير المتحف الأمريكي عثوره على ضرس متحجر في غرب نبراسكا يعود إلى العصر البليوسيني، ويحمل صفات مشتركة بين الإنسان والقرد، فقام ” إيليون سميث ” بتصوُّر صاحب هذا الضرس، فرسم إنسانًا مع زوجته وأولاده في بيئته الطبيعية، ونشر هذا الرسم في مجلة أخبار لندن في 24 يوليو 1922م وأُعطي اسمًا علميًا لهذا الاكتشاف وهو ” هسبيروبايثيكوس هارولدكوكي ” Hesperopithecus Haroldcooki وعندما اعترض ” وياتيام ” على هذه التخمينات والتخيلات، تعرض لانتقاد شديد، ولكن في سنة 1927م وبعد خمس سنوات تم العثور على أجزاء أخرى من الهيكل العظمي لإنسان نبراسكا، واكتشف العلماء أن هذا الضرس وملحقاته لا يخص لا إنسانا ولا قردًا، إنما يخص نوعًا من الخنازير الأمريكية البرية المنقرضة.
وهو قزم عاش في الكنغو، وكان متزوجًا وله طفلين، وفي سنة 1904م قام أحد الباحثين في مجال التطوُّر باصطياده، ووُضِع في قفص كالحيوان، ونُقِل إلى الولايات المتحدة ليراه الجمهور في معرض ” سانت لويس ” العالمي كحلقة انتقال بين القرد والإنسان، وبعد عامين عرضوه مع بعض الشمبانزي في حديقة حيوان ” برونكس ” في نيويورك، ولأنه لم يحتمل كل هذه المعاناة لذلك فضل الانتحار(20) وهذا يُظهر مدى قسوة دعاة التطوُّر، واستعدادهم لارتكاب أي حماقة مقابل إثبات صحة نظريتهم.
والحقيقة أنه ظهر على مر التاريخ نحو ستة آلاف نوع من القردة انقرضت ولم يتبق منها إلاَّ 120 نوعًا، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وتمثل الأنواع المنقرضة مصدرًا ثريًا لدعاة التطوُّر، وقد أظهرت جميع نتائج البحوث البالانتولوجية، والتشريحية، والبيولوجية خديعة تطوُّر الإنسان من القردة، أو أن هناك أصلًا مشتركًا نشأ منه القرد والإنسان، ولم ينجح التطوُّريون في اكتشاف أي حفرية حقيقية تمثل الحلقة المفقودة بين القردة والإنسان، وستظل الاختلافات التشريحية العديدة بين الإنسان والقردة حجر عثرة أمام نظرية التطوُّر.
ويقول الأستاذ برسوم ميخائيل ” سُئل الأستاذان ” ج. أ. تومسون ” بجامعة أبيردين، و” باتريك جيدس ” بجامعة أدنبرج، وهما من المناضلين عن قضية التطوُّر، سئلا: كيف أتى الإنسان؟ فأجابا الإجابة الآتية التي تستدعي الرثاء لهما: نحن لا نعرف من أين أتى الإنسان.. ولا كيف أتى”(21).. ” وقال الأستاذ رينكة {إن القول الذي يمكن أن يقوله العلم متفقًا مع كرامته، هو: إنه لا يعلم شيئًا عن أصل الإنسان}”(22).
والحقيقة أن القول بأنه كان هناك أجناس بشرية مُنقرضة قول غير صحيح، لأن ما انقرض هو أنواع من القردة مثل أنواع الغوريلا والشمبانزي والأورانج أوتان التي عثروا على بقاياها من عصور سابقة مثل اليوسين، والبليوسين، والبلسيوسين. أما الإنسان فهو جنس واحد لم يتعرض للانقراض، وأقدم بقايا له لن نجدها إلاَّ في العصر الحديث (عصر الهلوسين).
_____
(1) ترجمة أنيس إبراهيم – بيتر وستوفر – العلم يشهد ص 85، 86.
(2) Earnest. A. Hoston, Up From The Ape , P. 332.
(3) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 67، 69.
(4) أورده برسوم ميخائيل – بطلان نظرية التطوُّر ص 58.
(5) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 67.
(6) الطبيعة والدين – أوتو – ص 110.
(7) أكسبوزتر – أور سنة 1910م.
(8) دائرة المعارف جـ 1 ص 435، 436.
(9) ترجمة نظير عريان ميلاد – الكتاب المقدس ونظريات العلم الحديث ص 70، 71.
(10) راجع ميكان – الله أم الغوريلا ص 62.
(11) راجع كلابش وهيلتون – التطوُّر وتقدم البشرية ص 19.
(12) برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 170.
(13) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 91.
(14) صور من الحياة ص 33، 34.
(15) هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 70.
(16) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 171.
(17) Stephen Jay Govld, Smith Woodward’s Folly, P. 44.
(18) هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 72.
(19) الكتاب المقدَّس مفتاح العلم وأسرار الكون ص 47، 48.
(20) راجع هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 74.
(21) بطلان نظرية التطوُّر ص 58.
(22) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 67.
س244:
رأى داروين أن السجل الجيولوجي غير كامل، ولذلك يصعب أن نقرأ قصة التطوُّر من خلاله، فيقول ” هؤلاء الذين يؤمنون بأن السجل الجيولوجي كامل بأي درجة من الدرجات، سوف يقومون بدون أي شك برفض النظرية على الفور. أما من جانبي، وإتباعًا لكتابة ” لايل ” فإن قد نظرت إلى السجل الجيولوجي على أساس أنه تاريخ للعالم تمت المحافظة عليه بشكل غير كامل، وتمت كتابته بلهجة متغيرة، ونحن نمتلك من هذا التاريخ الجزء الأخير فقط، وهو المتعلق باثنين أو ثلاثة من الأقطار فقط.
ومن هذا الكتاب (الجيولوجي) فقد تم الحفاظ فقط على باب قصير هنا وهناك، ومن كل صفحة تم الحفاظ فقط على بعض الأسطر هنا وهناك”(1).
كما حاول داروين بأن يبرز نقص السجل الجيولوجي لصغر المساحة التي تم اكتشافها، وأيضًا تعرض هذا السجل للإزالة
فيقول ” لقد حاولت أن أبين السجل الجيولوجي غير مكتمل إلى أقصى حد – وإن جزءًا صغيرًا فقط من الكرة الأرضية هو الذي قد تم استكشافه بدقة، وإن بعض الطوائف المعينة من الكائنات العضوية فقط هي التي قد تم حفظها على نطاق واسع في حالة أحفورية مستحجرة – وإن عدد كل من العينات أو من الأنواع الحيَّة المحفوظة في متاحفنا لا يمثل شيئًا على الإطلاق بالمقارنة بالعدد الخاص بالأجيال التي لا بُد وأنها قد هلكت حتى في أثناء تكوين واحد.. وإنه من المحتمل أنه كانت هناك إبادة على نطاق أكبر في أثناء الفترات الخاصة بالإزالة..
وفي أثناء هذه الفترات الأخيرة فإن السجل الجيولوجي سوف يكون قد تم الحفاظ عليه بشكل أقل اكتمالًا”(2).. فهل حقيقة أن السجل الجيولوجي غير كامل ولذلك لم يكشف عن قصة التطوُّر؟
ج: إن كان السجل الجيولوجي احتفظ لنا بأنواع لا حصر لها من الكائنات التي عاشت عبر العصور، حتى التي انقرضت منذ زمن طويل مثل الديناصورات، فكيف يخلو تمامًا من أي إشارات لقصة التطوُّر؟
ويقول الدكتور حليم سوريال عطية” إننا نعرف ما يقوله التحوُّليون بهذا الصدد – هم يقولون أن خلو الجيولوجيا من دليل قاطع يثبت نظرية التحوُّل سببه ضياع كثير من بقايا الحيوانات البائدة والجيولوجيا تشبه كتابًا قد تمزقت بعض أوراقه والزمن كفيل باستكشاف تلك الحقائق التي تؤيد نظريتنا – ولكن خصومهم يجيبون على ذلك بالقول اللاذع الذي قاله الأستاذ كاترفاج عالِم التاريخ الطبيعي المشهور فإنه يقول ” من الغريب أن الجيولوجيا لم تحفظ لنا في كتابها العظيم إلاَّ الحقائق التي تنقض نظرية التحوُّل..
ولم يُفقد من كتابها إلاَّ الصحائف التي بها ما يؤيد تلك النظرية”(3).
وقال الدكتور “أ. هـ. كلارك” في كتابه ” التطوُّر الحديث”(4) “مهما توغلنا في سجلات الحفريات الخاصة بالحياة الحيوانية السالفة على الأرض، فلن نجد من المجموعات الرئيسية المتنوعة أثرًا لأي شكل من الأشكال الحيوانية تتوسط كحلقة اتصال بين مجموعة وأخرى أرقى.. إن أعظم مجموعات الحياة الحيوانية لا تمت الواحدة بصلة إلى الأخرى، لقد كانت ثابتة على حالها منذ بدء وجودها.. وليس هناك سوى تفسير واحد لعدم وجود حلقات متوسطة بين مجموعات الحيوانات الرئيسية، هو أنه لا تطوُّر..”(5)(6).
ويقول عالِم الحفريات ” نيفيل جورج”.. لا داعي للاعتذار – الآن – عن فقر سجل الحفريات، فقد أصبح هذا السجل غنيًا لدرجة يكاد يتعذر معها السيطرة عليه..
ومع ذلك، مازال سجل الحفريات يتكون بشكل أساسي من فجوات”(7) بل نقول إنه حدث عكس ما توقعه داروين تمامًا، إذ جزمت الحفريات بأنه لا يوجد أي أثر لما يسمونه بتطوُّر الكائنات الحيَّة، ويقول ” ديريك آجر ” وهو من أحد دعاة التطوُّر ” تتمثل نقطة الخلاف في أننا إذا فحصنا سجل الحفريات بالتفصيل، سواء على مستوى الترتيب أو الأنواع، فسنكتشف – مرارًا وتكرارًا – عدم وجود تطوُّر تدريجي، بل انفجار فجائي لمجموعة واحدة على حساب الأخرى”(8)
وصدق عالِم التطوُّر ” مارك سيزارنكي ” عندما قال ” إن المشكلة الأساسية في إثبات النظرية تكمن في سجل الحفريات، أي آثار الأنواع المنقرضة المحفوظة في التكوينات الجغرافية للأرض. ولم يتكشف هذا السجل قط أية أثار للأشكال المتوسطة التي إفترضها داروين، وعوضًا عن ذلك تظهر الأجناس وتختفي فجأة، ويدعم هذا الشذوذ حجة دعاة الخلق القائلة بأن الأنواع قد خلقها الله”(9)(10).
والآن يا صديقي دعنا نلقي الضوء على السجل الجيولوجي، ونتناول الحفريات من أدناها إلى أرقاها ليتأكد من لم يتأكد بعد من بطلان نظرية التطوُّر:
أ – العصر ما قبل الكمبري: (قيل أن لفظة كمبري مشتقة من كلمة ” كمبريا ” وهي المقاطعة الإنجليزية التي اُكتشفت فيها الحفريات أولًا) وفي هذا العصر نجد الحفريات لا تتعدى الطحالب والطفيليات والمخلوقات الشبيهة بالحشرات، وقال دكتور ” برسي ” أن العصور التي سبقت العصر الكمبري كانت بحق عصور مظلمة، وبالتالي فإنها لم تترك حفريات تُذكر.
ب – العصر الكمبري: وُجدت حفريات لنحو ألفي نوع من الكائنات الحيَّة تمثل فئات الحياة الحيوانية، ومتميزة بفئاتها وأجناسها وفصائلها، ولا يوجد أدنى دليل على تطوُّر الكائنات الحيَّة، وهذه الحفريات مثلت ضربة قاسية لنظرية التطوُّر…
حتى قال عالِم الحفريات السويسري ” ستيفن بنفستون ” وهو من دعاة التطوُّر ” هذا الوضع الذي أربك داورين، ومازال يبهرنا”(11) وقال ” ديفيد روب ” أستاذ الجيولوجيا في جامعات هارفرد وروتشستر وشيكاغو ” إن عيون ثلاثيات الفصوص تملك تصميمًا لا يستطيع الإتيان به سوى مهندس بصريات معاصر ذو قابليات كبيرة ومتدرب تدريبًا جيدًا”(12).
ويقول ” ريتشارد موناسترسكي ” المُحرّر في مجلة علوم الأرض التي تؤيد نظرية التطوُّر ” قبل نصف بليون سنة ظهرت – فجأة – أشكال الحيوانات التي نراها اليوم والتي تتسم بقدر لافت للنظر من التعقيد، وتُعد هذه اللحظة، عند بداية العصر الكامبري للأرض بالضبط.. وكانت شعب الحيوانات الكبيرة التي نراها اليوم موجودة بالفعل في أوائل العصر الكامبري، وكانت تتميز عن بعضها البعض بنفس القدر الذي تتميز به عن بعضها البعض اليوم(13)(14).
ويقول د. حليم عطية سوريال “يقول التحوُّليين أن الحيوانات الكبيرة تسلسلت من الحيوانات البسيطة.. ولكن علم الحفريات لا يؤيد هذا الرأي لأن أقدم الحيوانات التي نشاهدها أعني التي وجدت في التكوين الكمبري الأولي Pre-Cambuarian، ليست من نوع واحد، بل من أنواع متعددة.
وتحتوي على جميع الفصائل الأساسية للمملكة الحيوانية ماعدا الحيوانات الفقارية، أعني تحتوي على جميع فصائل الحيوانات اللافقارية مثل الحيوانات المفصلية والمحارية والرخوة وبعض الديدان، والفصائل الأسفنجية والنجمة المرجانية.. إلخ ولقد وجدت بعض الحيوانات الوحيدة الخلية معاصرة لتلك الفصائل وليس قبلها.
وجميع تلك الحيوانات على قدم عهدها يمكن بمجرد النظر إليها معرفة الفصيلة التي تنتمي إليها لأنها جميعًا حائزة من يوم ظهورها لمميزات تلك الفصيلة وجميعها منفصلة عن بعضها تمام الانفصال. ولم يتمكن الجيولوجيون من العثور على حيوانات يمكن اعتبارها حلقات تصل بعضًا من تلك الفصائل ببعض..
ولم توجد حلقات اتصال بين الحيوانات وحيدة الخلية وبين متعددة الخلايا، ولم يوجد أقل دليل على أن الأولى سبقت الثانية في تاريخ ظهورها، وهذا ينطبق على ما يدلنا عليه علم الحيوان لأن الحيوانات الوحيدة الخلية مثل الأميبا وغيرها تعيش على فضلات وبقايا الحيوانات والنباتات الكبيرة، فلا يُعقل أن تكون قد وُجدت قبلها.
كما إن الحقائق العلمية الراسخة والمشاهدات الصادقة تقول أن الكائنات الحيَّة وحيدة الخلية مثل الأميبا والبكتريا كائنات مستقلة مُقفلة وُجدت لتعيش معيشة خاصة، ولتؤدي عملًا خاصًا، ولها مكانة خاصة في عالم الحيوان وتتبع في توالدها ناموس الوراثة القائل أن كل نوع ينسل كجنسه، بل يمكن القول أن علم البكتريولوجيا ينهار من أساسه إذا قبلنا القول بإمكانية تحوُّل حيوان وحيد الخلية إلى حيوان عديد الخلايا لأن ذلك العلم العظيم الأهمية مؤسَّس على زرع تلك البكتريا واستنباتها وعلى تميّيز هيئاتها الخاصة التي تميزها بعضها عن بعض”(15).
جـ – طبقًا لتسلسل الحفريات بحسب الطبقات تأتي الفقاريات بعد الرخويات، وليس من المعقول أن الرخويات قد تطوَّرت إلى الفقاريات مثل الأسماك وغيرها. كما إن قولهم بأن الأسماك تطوَّرت من فصيلة حيوان صغير يدعى ” امفيوكسس ” قول مردود عليه، لأن الحفريات لم تثبت أن الأمفبوكسس كان موجودًا قبل الأسماك. كما أن الحفريات تُظهر بأن الفقاريات ظهرت ظهورًا فجائيًا بجميع أنواعها الأساسية، والدليل على هذا أنه لم يتم العثور على أية حفريات لحيوان يعتبر حلقة اتصال بين الرخويات والأسماك.
د – طبقًا لتسلسل الحفريات حسب الطبقات تأتي البرمائيات بعد الأسماك، وليس من المعقول أن الأسماك تطوَّرت إلى البرمائيات مثل الضفادع والسلامندر وغيرها، لأن الحفريات أظهرت البرمائيات كاملة التكوين حائزة لكل مميزات فصيلتها، ويعترف عالما التاريخ الطبيعي ” هرون ” و” جراس”..
” بأنهما عاجزان عن معرفة أي حيوان يمكن اعتباره أنه حلقة اتصال توضح كيفية تطوُّر زعانف الأسماك إلى أطراف البرمائيات ذات المفاصل والأصابع والعضلات والجلد. هذا فضلًا عما بينهما من الاختلافات الكثيرة في التركيب التشريحي لكل منها، وفي الوظائف الحيوية”(16)(17).
كما اعترف ” روبرت كارل ” وهو من دعاة التطوُّر قائلًا ” ليست لدينا حفريات متوسطة بين الأسماك الرايبدستية (التي يحبذ كارول اعتبارها أسلافًا للحيوانات التي تدب على أربعة أقدام) وبين البرمائيات الأولى”(18).
ورأى داورين أن هناك أسماكًا تستطيع أن تتنفس الهواء المذاب في الماء أو الهواء الجوي، وأن المثانة الهوائية فيها تحولت إلى رئة، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فقال ” فإنه توجد أسماك مزودة بالألغاد أو الخياشيم التي تستطيع أن تتنفس الهواء الذائب في الماء، وذلك في نفس الوقت تتنفس فيه الهواء الطلق الموجود في مثاناتها الهوائية، ويكون هذا العضو الأخير مُقسَّمًا بواسطة جدران داخلية فاصلة مشبعة بالأوعية الدموية بشكل كبير، وله قناة هوائية لإمداده بالهواء..
المثال الموضح الذي تم تقديمه عن المثانة الهوائية من الأسماك هو مثال جيد.. إن عضوًا ما كان قد تم تصميمه في الأصل من أجل غرض واحد، ألا وهو الطفو، من الممكن أن يتحوَّل إلى عضو يُستخدَم لغرض مختلف، ألا وهو التنفس.. ووفقًا لهذا المنظور فمن الممكن استنتاج أن جميع الحيوانات الفقارية ذات الرئات الحقيقة قد انحدرت عن طريق النشوء المألوف من نموذج بدائي قديم وغير معروف، والذي كان مزودًا بجهاز طفو أو مثانة هوائية”(19).
وقدم دعاة التطوُّر سمكة “كولاكانث – سايلاكانث” Coelacanth التي عاشت منذ حوالي 410 مليون سنة بوصفها الشكل الانتقالي بين الأسماك والبرمائيات حيث أنها تمتلك رئة بدائية، ودماغ متطور، وجهاز هضمي، وجهاز دوري يصلح للعمل على اليابسة، ولديها آلية بدائية للمشي، وأنها قد انقرضت منذ سبعين مليون سنة، وصدق الناس هذه الخدعة، ولكن في 22 ديسمبر سنة 1938م تم اصطياد سمكة حية من فصيلة الكولاكانث من المحيط الهندي، وبعد ذلك تم اصطياد نحو 200 سمكة كولاكانث من مختلف أنحاء العالم…
وبذلك ثبت أولًا أن هذه السمكة لم تنقرض منذ 70 مليون سنة، وثانيًا بتشريح هذه السمكة تم اكتشاف أنها لا تمتلك رئة بدائية، والعضو الذي ظنوه أنه رئة بدائية كان مجرد كيس دهني، ولا تمتلك دماغ كبيرة، وأنها من أسماك الأعماق التي تعيش في أعماق المحيطات ولا تظهر إلاَّ بعد عمق 180 مترًا من سطح الماء(20).
وأثبت العلماء استحالة تطوُّر الأسماك إلى الحيوانات البرمائية للأسباب الآتية:
أ – حمل الوزن: فالكائنات البحرية لا تواجه مشكلة في حمل الوزن، بينما تستهلك الكائنات البرية 40 % من طاقتها في حركتها وحمل وزنها.
ب- الاحتفاظ بالحرارة: فدرجة حرارة الماء تتغيَّر ببطء، لذلك فالكائن البحري لكيما يعيش على اليابسة التي تتميز بتذبذب درجة الحرارة وتغيُّرها بسرعة يحتاج إلى نظام وآلية تقاوم هذه التغيُّرات الكبيرة في درجة الحرارة.
جـ- استخدام الماء: يشعر الكائن البري بالعطش، ولذلك تجد جلده لا يسمح بفقد الماء إلاَّ بنسبة بسيطة، بعكس الكائنات البحرية التي لا تشعر بالعطش، وجلدها لا يناسب إلاَّ البيئة البحرية، ولا يناسب البيئة البرية.
د- الجهاز التنفسي: تتنفس الأسماك الأكسجين المذاب في الماء عن طريق الخياشيم، وتعجز عن الحياة على اليابس، فالكائنات البرية لها نظام رئوي كامل، ومن المستحيل أن تحدث مثل هذه التغيُّرات الفسيولوجية في نفس الكائن، فيتحوَّل من كائن بحري إلى كائن بري.
ويقول دكتور حليم عطية سوريال ” نذكر على سبيل المثال الأسماك الرئوية dipneust التي اعتبرها بعضهم حلقة اتصال بين الأسماك والحيوانات البرمائية لأن لها كيسًا هوائيًا، فقد ثبت أنها أسماك بكل معنى الكلمة كما يدل على ذلك تركيبها العظمي”(21).
هـ – طبقًا لتسلسل الحفريات حسب الطبقات تأتي الزواحف بعد البرمائيات، ويقول د. حليم عطية سوريال ” وفي الأحقاب الجيولوجية التالية لعصر الأميبا نصادف فصيلة الزواحف، وأقدمها ظهر خلال التكوين الكربوني، وكان من أنواع الورل (السحالي) وهذه الحيوانات لها أهمية جيولوجية عظيمة لطول المدة التي سادت فيها الأرض والهواء والماء، لأنها بقيت طوال الحقب الجيولوجي الثاني كله (الحياة الوسطى) …
وظهرت منها أنواع مختلفة وأشكال لا تقع تحت حصر، منها الصغير ومنها الكبير الحجم مثل الديناصور (الذي كان طوله نحو 30 مترًا) وكان بعضها آكل اللحوم، وبعضها نباتي، وبقاياها المتحجرة مازالت تملأ متاحف التاريخ الطبيعي، ولكن هذه الحيوانات بالرغم من اختلاف حجمها وطرق معيشتها واختلاف شكلها كانت كلها مُركَّبة على تصميم واحد.
وما الأنواع الباقية منها مثل التماسيح والسلاحف والثعابين إلاَّ صورة مصغرة لبعض الأنواع الكبيرة التي عاشت في خلال الحقب الثاني ويُقدَّر عصر الزواحف بنحو عشرة ملايين سنة، والعلماء لا يعرفون كيف تحوَّلت الحيوانات البرمائية إلى زاحفات لما بينها من فوارق جسيمة”(22).
أما قول البعض بأن الزواحف الحالية أكثر تعقيدًا من سابقتها، ويعد هذا دليلًا على التطوُّر، فإنه قول مردود عليه، لأن الزواحف الضخمة مثل الديناصورات التي انقرضت كانت أعظم حجمًا وأكثر تعقيدًا من الزواحف الحالية.
و – طبقًا لتسلسل الحفريات حسب الطبقات تأتي الطيور بعد الزواحف، فلما قاربت الزواحف الكبيرة أن تنقرض ظهرت فصائل الطيور (كما أن بعض الأشكال البدائية من الحيوانات الثديية ظهرت مع الزواحف) ويعتقد التطوُّريون أن الطيور تطوَّرت من الزواحف، ودلَّلوا على قولهم بـ”الأركيوبتركس” الذي يجمع بين الزواحف في صورة الأسنان والذيل الفقاري، وبين الطيور في صورة الجناحين والمنقار، والحقيقة أن “الأركيوبتركس” كان نوعًا من الزواحف الطائرة التي خُلقت هكذا، ولم يتطوَّر من الزواحف إلى الطيور كما رأينا من قبل.
ولو كانت الطيور تطوَّرت من الزواحف فكيف تغيَّر دمها؟! فالزواحف من ذوات الدم البارد، بينما الطيور من ذوات الدم الحار، وهذا يستدعي تغيُّر تركيب القلب والرئتين، وكيف تغيَّرت حراشيف الزواحف إلى ريش الطيور؟!
ويقول الدكتور حليم عطية سوريا ” والقول بأن الطيور نشأت من الزواحف يضع أمام التحوُّليين معضلة أخرى وهي كيفية تحوُّل حراشيف الزواحف إلى ريش الطيور، ذلك المميز الحيوي الذي لا يمكن الطائر أن يعيش بدونه مدة طويلة فإن الريش ليس مجرد غشاء للجسم بل هو عضو حيوي عظيم الأهمية، وقال الأستاذ طمسن {لا يعلم أحد كيفية نشوء الريش} وقال الأستاذ إيفارت {إننا كلما تعمقنا في درس تاريخ الريش تظهر لنا عدم معقولية تطوره من حراشف الزاحفات}”(23)
والحقيقة أن تطوُّر الزواحف للطيور لا يتوقف على حد الدم والأجنحة فقط، بل أن الطائر يتميز عن الزواحف من جهة العظام، فعظام الطائر مجوَّفة وخفيفة، ومن جهة الرئة فإنها تعمل بشكل مختلف تمامًا، فرئة الزواحف يدخل فيها الهواء ويخرج من نفس الوعاء الهوائي، أما في الطيور فإن الهواء يدخل للرئة من الأمام ويندفع من الخلف، وذلك لأنها تحتاج إلى كمية أكبر من الأكسجين، كما أن هناك اختلافًا من جهة القلب والدورة الدموية، ومن جهة الجهاز العضلي.. ولماذا لم تنجح الجهود في العثور على حفرية واحدة بنصف جناح أو بجناح واحد؟!
ز- كيف تطوَّرت الزواحف التي تبيض وتفقس إلى الثدييات التي تلد وتُرضع..؟ من الصعب تصوُّر تطوُّر الزواحف إلى ثدييات للأسباب الآتية:
1- تغطي القشور أجسام الزواحف، بينما يغطي الفرو أجسام الثدييات.
2- تعتبر الزواحف من ذوات الدم البارد، بينما تعتبر الثدييات من ذوات الدم الحار.
3- تتكاثر الزواحف عن طريق وضع البيض، بينما تتكاثر الثدييات عن طريق التوالد، ويقول د. حليم عطية سوريال أن “مسألة نشوء الحيوانات الثديية (من الزواحف) من المعضلات الشائكة لا يمكننا درسها في عجالة قصيرة ولكننا نقتصر على ذكر بعض المعضلات التي يواجهها التحوليون بقولهم أنها نشأت من الزواحف. فإن تحول نوع من الزواحف إلى نوع من الحيوانات الثديية يستدعي تغيير دم الزواحف البارد إلى دم الطيور الحار، وهذا يتبعه تغييرات عظيمة في تكوين القلب والرئتين.
ويتبعه أيضًا تغيير حراشيف الزاحفات إلى شعر الثدييات إلى غير ذلك من التغيرات الخطيرة – كما إن التغيير الذي يحدث في كيفية نمو الجنين في حالات الثدييات المشيمية، أعني التي تلد ولا تبيض لا يمكن للعقل أن يتصوَّر حدوثه تدريجيًا ولا بُد أن يكون حدث هذا التغيير دفعة واحدة إذ لا يُعقل أن جنينًا ناميًا داخل البيضة (على نحو ما يحدث في الزاحفات) ابتدأ أن يفقد قشرة بيضته ويصنع مشيمة يتغذى عن طريقها من دم الأم (على نحو ما يحدث في الحيوانات الثديية) مع ما يتبع ذلك من تغييرات خطيرة أخرى مثل تكوين الثديين وغريزة الرضاعة وغيرها.
والتحوُّليون أنفسهم في حيرة من هذا الأمر، ويقرُّون بالعجز التام عن معرفة سبب هذه التغييرات وبعجزهم عن معرفة الأصل الذي تناسلت منه الحيوانات الثديية المشيمية”(24).
4- توجد ثلاث عظام صغيرة على جانبي الفك السفلي للزواحف، بينما يتكون الفك السفلي للثدييات من عظمة واحدة توضع على الأسنان.
5- توجد عظمة واحدة في الأذن الوسطى لكل الزواحف، بينما توجد ثلاث عظام في الأذن الوسطى لثدييات (المطرقة والسندان والركّاب) ولا يستطيع أحد أن يفسر كيف تطوَّرت العظمة الواحدة إلى ثلاث عظام مع الاستمرار في عملية السمع أثناء حدوث التطوُّر.
6- لم يحصل علماء الحفريات على حفرية واحد تحمل الشكل الانتقالي بين الزواحف والثدييات.
7- قال عالِم الحفريات ” روجر ليوين ” إن ” عملية التحوُّل إلى أولى الثدييات، التي حدثت – على الأرجح – في نسل واحد أو نسلين على الأكثر، مازالت تمثل لغزًا بالنسبة لنا”(25).
8- يقول “جورج جايلورد سيمبسون” وهو من أكبر مؤسسي النظرية الداروينية الجديدة…
“إن أكثر حدث محير في تاريخ الحياة على الأرض هو الانتقال الفجائي من العصر المازوريكي، أي عصر الزواحف، إلى عصر الثدييات، ويبدو الأمر وكأن الستار قد أُسدل فجأة على خشبة المسرح حيث كانت الزواحف، وخاصة الديناصورات، تلعب أدوار البطولة الرئيسية بأعداد كبيرة وتنوع مُحيّر، ثم أزيح الستار مرة أخرى في الحال ليكشف عن نفس المشهد، ولكن شخصيات جديدة تمامًا، شخصيات لا تظهر بينها الديناصورات على الإطلاق، في حين تلعب الزواحف الأخرى دور الكومبارس فقط، وأخذت الثدييات تلعب كل الأدوار الرئيسية علمًا بأننا لا نعثر على أي أثر لها في الأدوار والعهود السابقة”(26).
كما يقول أحد المناهضين لنظرية التطوُّر أن ظهور واختفاء الزواحف بكيفية مفاجئة في كل من الحالتين، وما أعقبه بنفس الكيفية من ظهور الثدييات والطيور، مع ما بين هذه الزواحف من تباين عظيم دون أي تدرج بينهما، هو أحد الألغاز التي حيَّرت عقول العلماء، فتطوُّر نوع من الزواحف إلى نوع آخر طائر أو ثديي بطريقة تدريجية بطيئة لم يقم عليه أي دليل حفري في الطبقات، وإنما يستنتجه أصحاب النظرية مجرد استنتاج، أو يفترضونه مجدر افتراض، أو يؤمنون مجرد إيمان.
لأن الحلقات التي يزعمون أنها تصل بين الأنواع، والتي كنا بداهة نتوقع توافرها بمقادير غير محدودة، لا وجود لها بالمرة”(27)(28).
9- وقال عالِم الحيوان التطوُّري ” أريك لومبارد ” في مقال بمجلة التطوُّر (Evalution).. ” ستكون خيبة الأمل حليفًا لأولئك الذين يبحثون عن أي معلومات حول أي علاقات تطوُّرية بين الثدييات”(29).
10- حفريات الخفاش التي يرجع عمرها إلى 50 مليون سنة تُظهر الخفاش كما هو اليوم، بدون أي عملية تطور طرأت عليه”(30)(31).
ح- والنتيجة النهائية أن علم طبقات الأرض أثبت عقيدة الخالق، فالله الخالق هو الذي خلق كل نوع ينسل كجنسه..
ويقول د. حليم عطية سوريال ” إن كثيرين من علماء الجيولوجيا يقولون أن ذلك العلم يؤيد عقيدة الخلق الخاص، أكثر مما يؤيد نظرية التحوُّل، ويقولون أن بارئ الحياة قد خلق كل فصيلة حيوانية في الوقت الذي كانت حالة الأرض تصلح لها، وإن كل انقلاب جيولوجي (غيَّر وجه الأرض) كان يتفق مع ظهور الحيوانات التي تستطيع أن تعيش في الحالة التي يحدثها ذلك الانقلاب، وإنه يبدو لنا أن هناك اتفاق وتدبير بين التغييرات الجيولوجية التي حدثت في الأرض والتغييرات التي حدثت في عالم الحياة سواء كان ذلك في المملكة الحيوانية أو المملكة النباتية، وهذا الاتفاق بين التغييرين يبدو لنا بصورة لا تدع مجالًا للشك في وجود عقل مدبر وعلم سابق وراء تلك الحوادث.
فإن الزاحفات تكاثرت في زمن كانت الأرض فيه تصلح لمعيشتها لكثرة مستنقعاتها وكان هواءها مشبعًا بثاني أكسيد الكربون، كما أن الحيوانات الثديية لم تكثر وتنتشر إلاَّ عندما أصبحت الحالة ملائمة لها عندما زادت نسبة الأكسجين وظهرت النباتات ذات الأثمار التي بدونها لا يمكن أن تعيش.
كما أن تاريخ ظهور أنواع النباتات الجيولوجي يؤيد هذا القول، لأن كل فصيلة حيوانية كانت تعاصرها النباتات التي تصلح لها، سواء كانت للتغذية أو للمعيشة فوقها. وهنا اقتبس عبارة توضح القول من الأستاذ Lull الجيولوجي المشهور فإنه يقول مشيرًا إلى اتفاق الانقلابات الجيولوجية مع ظهور أنواع جديدة في عالم الحياة {أن هذه الاتفاقات كثيرة ومضبوطة الارتباط (مُحكمة الارتباط) بحيث لا يمكننا القول بأنها حدثت عن طريق الصدفة، ولا يمكننا تعليل هذا الارتباط إلاَّ بالاعتقاد بأنها نتيجة مُسبب أو محرك وراءها”(32).
_____
(1) أصل الأنواع ص 536.
(2) المرجع السابق ص 575.
(3) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقدية الخلق ص 43، 44.
(4) ص 189.
(5) العلم الحديث والإيمان المسيحي ص 136.
(6) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 145.
(7) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 48.
(8) المرجع السابق ص 46.
(9) Mark Czarnecki ” The Revival of the Creationist Crusade ” Maclean’s P. 56.
(10) هارون يحيى – خديعة التطور ص 46.
(11) المرجع السابق ص 50.
(12) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 50.
(13) Richard Monastersky ” Mysteries of the Orient.
(14) المرجع السابق ص 50.
(15) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 30 – 32.
(16) عالم الحيوان ص 787.
(17) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 140.
(18) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 52.
(19) أصل الأنواع ص 300، 301.
(20) راجع هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 54.
(21) تصدع مذهب داروين ص 18.
(22) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 34، 35.
(23) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 36.
(24) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 36، 37.
(25) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 64.
(26) المرجع السابق ص 65.
(27) العلم الحديث والإيمان المسيحي ص 36، 37.
(28) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 142.
(29) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 65 .
(30) من مجلة ساينس ص 154.
(31) المرجع السابق ص 65.
(32) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 39، 40.
ج: لا تعد الأعضاء المتماثلة ولا التركيب المشترك بين الأنواع دليلًا على التطوُّر للأسباب الآتية:
1- لو قلنا أن الأجنحة في نوعين من الطيور دليل على أن لهما جد واحد مشترك، فإننا نقف أمام معضلة وهي أن للطيور أجنحة، وللخفافيش (وهي نوع من الثدييات) أجنحة، وللحشرات أيضًا أجنحة، وكذلك الأركيوبتركس وهو نوع من الديناصورات المنقرضة، كان له أجنحة، فهل معنى هذا أن الفئات الأربعة السابقة نشأوا من جد واحد مشترك؟! لا يقل بهذا أحد، ولا التطوُّريون أنفسهم، وبالمثل إذا كان هناك عيونًا متشابهة بين الإنسان والأخطبوط، فهل معنى هذا أن لهما جد واحد مشترك؟! لم يقل أحد بهذا، ولا التطوُّريون أنفسهم.
2- إن قلنا أن كل من الحمامة والحيَّة يتشابهان في أن كل منهما يضع بيضًا يفقس، فهل معنى هذا أن الحمامة وهي طائر تطوَّرت من الحيَّة وهي من الزواحف..؟! وإذا قلنا أن هناك تشابهًا بين الفأر والإنسان في أن كل منهما يلد ويُرضع، فهل معنى هذا أن الفأر الأدنى قد تطوَّر إلى الإنسان الأرقى؟! لم يقل أحد بهذا، ولا التطوُّريون أنفسهم.
3- إذا قلنا أن تشابه المركبات العضوية في الإنسان والحيوان يعد دليلًا على التطوُّر، فمن المنطقي أن نقول أن الزواحف والحيوانات والطيور والإنسان جميعهم يرجعون إلى أصل واحد، لأن عظام كل منهم يتكون من كربونات الكالسيوم.
4- عاشت ومازالت تعيش جميع الثدييات في وقت واحد، الأدنى منها مع الأرقى، وهذا دليل واضح على أن الله جبل كل نوع كجنسه بدون خوض ولا اختلاف ولا تغيّير ولا تشويش.
5- لو كان التطوُّر يؤدي حقيقة إلى ظهور أنواع جديدة، واختفاء الأنواع القديمة، لوجدنا الآن الإنسان فقط يتربع على قمة التطوُّر، ولختفت جميع الثدييات الأدنى منه، مثل الثدييات التي تضع بيضًا، أو التي تحتفظ بصغارها في كيس، ولكننا مازلنا نرى الثدييات البيوضة مثل خلد الماء والكيسية مثل الكنغر ولم يتحوَّل احدهما إلى ثدييات مشيمية.
س239:
عندما أصدر داروين كتابه عن ” أصل الإنسان ” أرجع الإنسان إلى أصل حيواني معتمدًا على تشابه تركيب الأعضاء Homologaus فقال أن ذراع الإنسان تتشابه من جهة العظام مع الرجل الأمامية للحيوان مع جناح الخفاش، وإن اختلفت الوظيفة، وإن هناك تشابهًا في تركيب المخ بين الإنسان والحيوان، كما قال البعض مع أن هناك اختلافًا ظاهريًا بين أطراف الحيوانات الفقارية والإنسان، لكن هناك تشابه في التشريح، فمثلًا تتشابه يد الإنسان وجناح الخفاش وزعانف الحوت، فكل منهم يحمل في نهايته يدًا ذو خمسة أصابع، وهكذا استخدم التطوريون علم التشريح المقارن للتدليل على صحة نظريتهم مدَّعين أن وجود أعضاء متشابهة في الوظيفة مثل الأجنحة في الحشرات والطيور، تعد دليلًا على أنهما انحدرا من أصل واحد.
وأيضًا وجود أعضاء متشابهة في التركيب التشريحي مثل الأطراف الأمامية في الإنسان والحصان والأجنحة في الطيور تدل على الأصل الواحد، وكذلك تشابه بعض أجهزة الجهاز الهضمي والدوري والعضلي، يعد دليلًا على وحدة الأصل ” ويمكن فهم هذا الدليل إذا قارنا بعض الحيوانات المعروفة بعضها بعض نجد أن الثور والكلب والأرنب والدجاجة والضفدعة مثلًا بالرغم من اختلاف أشكالها وأحجامها تتشابه في تركيبها الأساسي، أعني أنه يمكن القول أنها مركَّبة على تصميم واحد فكلها لها أجهزة للهضم والتنفس وتوزيع الدم إلخ وهياكلها مؤسسة على تصميم واحد وفكرة واحدة وأحشاؤها الداخلية متشابهة بعض الشبه في تكوينها الأساسي..
كما إن أطرافها وعظامها وعضلاتها متماثلة أيضًا خصوصًا بين الحيوانات التي من فصيلة واحدة، وهذا التشابه يدركه أبسط الناس”(1).. فهل علم التشريح المقارن يؤيد قصة التطور؟
ج: لا يعد علم التشريح المقارن دليلًا على أن الكائنات قد تطوَّرت عن أصل واحد مشترك، وذلك للأسباب الآتية:
1- هل يُعقل أن الحوت تطوَّر من الخفاش؟! أو أن الإنسان تطوَّر من الحوت؟! وإن كان الثلاثة تطوروا من أصل واحد مشترك، فأين هو هذا الأصل؟! هل يوجد في عالم الحقيقة أم أنه يوجد في عالم الخيال والأوهام؟! وبينما يوجد تشابه في التشريح بين يد الإنسان وجناح الخفاش وزعانف الحوت، إلاَّ أن هناك خلافات هائلة بينهم، فالله خلق بعض الكائنات الحيَّة مثل الكائنات المائية لتعيش في الماء، وبعض الكائنات كالطيور لتعيش في الهواء، وبعض الكائنات كالبهائم لتعيش على اليابسة، وبعض الكائنات الحيَّة تعيش في الماء وفي اليابسة كالتماسيح ولم يحدث أن تغيَّر نوع إلى نوع آخر.
ويشبه برسوم ميخائيل هذه الكائنات بالآلات فقال ” وتلك الآلات الحيَّة مكوَّنة من أجزاء متداخلة بعضها ببعض كارتباط عجلات وأتراس الساعة التي لا يمكن تغيّير أحدها في الشكل أو في الحجم بدون تغيّير كل الأجزاء الداخلية والخارجية، لأنه لا يُخفى أن الصلة بين الاثنين متينة جدًا، فإن تحويل زعنفة السمكة مثلًا إلى عضو الضفدعة الذي له مفاصل وأصابع، أو تغيّير حراشيف التمساح إلى ريش الطاووس لا يمكن أن يتم تدريجيًا بطريق التطور البطيء المزعوم على مر الأجيال.
إذ يترتب عليه حتمًا تغيّير كيفية معيشة ذلك الحيوان. وهذا يستدعي تغيّير الأعضاء الحيوية مثل أعضاء التنفس والقلب، بل وتغيّير تركيب الحيوان كله، وهذا إن أمكن حدوثه في الأطراف، لا يمكن حدوثه في الأعضاء الحيوية كالرئتين والقلب لأن أقل تغيير في تكوينها يؤدي إلى موت الحيوان”(2).
2- طبقًا لعلم الوراثة لا يمكن أن ينشأ نوع إلاَّ من نفس نوعه، فجناح الخفاش لا صلة له بجناح الذبابة، لأنه لا يستطيع كائن أن يرث صفات لا تتوافر في الأصل، والكائنات اللافقارية التي تفتقد الهيكل العظمي لا يمكن أن تعطي نسلها هذه الصفة، ويقول ” بيتيت ” في كتابه ” فضح الهرطقات(3) ما خلاصته ” يؤكد قانون الوراثة أن الأب لا يستطيع أن يعطي ذريته ما لا يملك، فكيف نتصوَّر إذًا أن الأميبا أو سمكة الهلامي الرخوة (قنديل البحر) اللافقارية أو التي لا هيكل عظمي لها بالمرة، تتطوَّر إلى حوت أو خفاش أو إنسان، مما هو فقاري له هيكل عظمي؟!”(4).
3- يرجع التشابه التشريحي بين الكائنات الفقارية إلى أنها تعيش في بيئة واحدة، ولها غذاء واحد، كما تتشابه بويضات تلك الكائنات (على اختلاف أشكالها وأحجامها) لدرجة أنه يصعب التمييز بينها، وما دامت البذور تتشابه، فما المانع من تشابه النتاج؟ ويقول الدكتور حليم عطية سوريال ” على إن بعض التحوُّليين لا يرون في التشابه دليلًا قاطعًا على التسلسل ووحدة الأصل، فالأستاذ ” بول ” وهو من أنصار مذهب التحوُّل وأستاذ علم الحفريات في متحف التاريخ الطبيعي يقول: إن التشابه لا يعني دائمًا التسلسل، وقال ذلك في صدد التشابه العظيم بين بعض القردة والإنسان، ومع إن ذلك التشابه عظيم جدًا إلاَّ أنه لم يُقبَل كدليل على تسلسل الإنسان من القردة..
ولا يخفى أن الحيوانات على اختلاف أشكالها وأحجامها تنمو أجنتها من بويضات مُلقَّحة صغيرة الحجم لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وتلك البويضات متشابهة تشابهًا عظيمًا بدرجة لا يمكن تمييز بعضها عن بعض في أكثر الأحيان، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. أعني أن البذور التي تأتي منها الحيوانات المختلفة تتشابه تمامًا، فليس بعجيب أن تراها متشابهة بعد النمو”(5).
4- لاحظ هذا التشابه الكثيرون قبل داروين، وواحد منهم لم يربط هذا بقصة التطور، إنما ارجعوا هذا إلى وحدانية الخالق الذي خلق هذه الآلاف من الأنواع، فبالرغم من وجود نحو نصف مليون نوع من الحيوانات الحيَّة لكن جميعها تندرج تحت نحو 16 تصميمًا، وبذلك نجد مئات الأنواع تتشابه في التشريح، وبينما اعتقد ” داروين ” بأن هذه الكائنات الحيَّة تسلسلت من عدة أصول سماها ” الأصول الأولية ” فإنه فشل في الوصول إلى منشأ تلك الأصول، ولم يرد أن يقتنع أن الله الخالق الواحد هو الذي خلق كل هذه الأنواع، وكل نوع يتكاثر كجنسه، وقد اعترف التطوريون مثل ” مول ” بأن التشابه التشريحي لا يعني أبدًا التسلسل والتطور.
ويقول دكتور كمال شرقاوي غزالي ” لقد حصر بعض العلماء الصفات التشريحية للقرود الكبار وتلك التي تتشابه لدى الإنسان، فكانت النتيجة أن الشنبانزي والغوريلا أقرب صلة للإنسان(6) كما تشير بعض دراسات حديثة أخرى أجراها جروتشي وضمَّنها كتابه: من ميلاد الأنواع إلى شواذ الأشكال الحية.. إن الإنسان يشترك مع الشنبانزي في 98 % من الجينات.. ألا يدل هذا على أن الخالق واحد؟”(7).
5- إن قال التطوريون أن تشابه أعضاء بعض الكائنات من جهة التركيب يدل على وحدة الأصول، فلماذا لا يقولون أن كل اختلاف بين الكائنات يدل على اختلاف الأصول..؟! لقد اعتقد داروين بأن الكائنات الحيَّة نشأت ليست من أصل واحد، بل من عدة أصول (الأصول الأولية) ولكنه فشل في تعليل منشأ تلك الأصول، فكان هذا بمثابة إقرار ضمني بأن الله هو الذي خلق هذه الأصول الأولية.
_____
(1) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 20، 21.
(2) حقائق كتابية جـ 1 ص 129.
(3) ص 88.
(4) برسوم ميخائيل – بطلان نظرية التطور ص 14.
(5) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 23، 28.
(6) جروتشي 1978م.
(7) التطور بين الضلال وممارسة حق النقد ص 65، 66.
ج: نقتطف هنا بعض الفقرات من إجابة الدكتور ” سعيد بن ناصر الغامدي ” عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد على هذا التساؤل في أحد المواقع على شبكة الإنترنت حيث يقول ” إن الأمور القطعية في الإسلام أن آدم هو أبو البشر جميعًا.. والأديان السماوية كلها على هذا الاعتقاد ولم يخالف فيه أحد، حتى جاء داروين، ووضع ما يُسمى بنظرية التطوُّر والارتقاء، فأخذ بها الغربيون الذين كانوا في حاجة إلى أي مساندة تقوض سلطان الكنيسة الطاغي، وتحطم هيمنة رجال الدين، وتساند توجههم المادي، ثم اتضح أن هذه النظرية ساقطة علميًا ومنهجيًا.. (وقد قَبِل بعض المسلمين النظرية معتمدية على القول) ” وقد خلقكم أطوارًا” (نوح 14)..
فقال: آدم أبو الإنسان، أما البشر فقد كانوا من قبل، ونشأوا وارتقوا ثم انقرضوا.. وهو ما عبر عنه داروين بقوله {الطبيعة تخلق كل شيء، ولا حد لقدرتها على الخلق} وهذه النظرية من الناحيَّة العلمية والعقلية منقوضة، ذلك بأنه افترضت أن الطبيعة ذات إرادة وقدرة شاملة وتحكم ونظام ذاتي، بحيث تنتخب الأفضل والأقوى، ثم تزعم النظرية في الوقت نفسه أن الطبيعة تعطي وتحرم بدون خطة مرسومة بل بعشوائية.. وقد بين جليان هكسلي أحد أتباع هذه النظرية نقاط ضعفها والثغرات العلمية فيها، وكذلك أرثر كيت الدارويني المتعصب الذي أفاد بأن هذه النظرية بدون براهين، وذلك في قوله {إن نظرية النشوء والارتقاء لازالت بدون براهين وستظل كذلك، والسبب الوحيد في أننا نؤمن بها، هو أن البديل الوحيد الممكن لها هو الإيمان بالخلق المباشر، وهذا غير وارد على الإطلاق} وتزعزعت النظرية بشكل كبير عند علماء الطبيعيات الغربيين بعد ظهور قانون مندل الوراثي، واكتشاف وحدات الوراثة (الجينات) بوصفها الشفرة السرية للخلق، واعتبار أن الكروموزومات تحمل صفات الإنسان الكاملة، وتحفظ الشبه الكامل للنوع. أما التشابه بين الكائنات الحيَّة فهو دليل ضد نظرية داروين، لأن هذا التشابه يدل على وحدانية الخالق، ولا يدل على وحدة الأصل”.
ج: يقول الخوري بولس الفغالي إنه في سنة 1950م ” قال البابا بيوس الثاني عشر في رسالته ” الجنس البشري”.. إن الكنيسة لا تمنع العلماء من البحث في نظرية التطوُّر، أي من التساؤل إذا كان جسم الإنسان أُخذ من مادة حيَّة قد وجدت سابقًا، بل تفرض عليهم ألا ينسوا أن الله يخلق النفس البشرية بطريقة مباشرة.
يمكن العلماء أن يتابعوا بحثهم في هذا المجال ويمكن شارح الكتاب المقدَّس أن يتابع بحثه ليفهم ما نواه الله عندما خلق الإنسان. لا يخسر العالم إن عرف عظمة الإنسان وما يُميّزه عن الحيوان، ولا يخسر اللاهوتي إن عرف ارتباط الإنسان بالكون وتطوُّر جسمه وشخصيته إلى أن يصير ذلك الإنسان الكامل”(1).
ويقول جيمس بيرك ” وتحركت الكنيسة الكاثوليكية أسرع من أي كنيسة أخرى، وكانت قد سمحت للكاثوليك بمناقشة التطوُّر بعد صدور كتاب بيوس الثاني عشر في عام 1951 م بعنوان الجنس الإنساني”(2)(3).
ويقول الأستاذ هشام عبد الرءوف ” وبالنسبة للعديد من المسيحيّين.. فقد رأوا أن حجج أنصار داروين كانت تتمتع بقدر كبير من الإقناع والوجاهة، ففي عام 1996م أعلن البابا يوحنا بولس بابا الفاتيكان الذي رحل من عالمنا مؤخرًا استعداد الكنيسة الكاثوليكية لدراسة نظرية داروين على أنها أكثر من مجرد نظرية”(4).
ويركز الخوري بولس الفغالي على الخلق المباشر للنفس البشرية دون الجسد، فيقول ” لن نبحث إذًا في الكتاب المقدَّس عن نظرية علمية في تطوُّر جسم الإنسان، بل أن نتعلم أن نقرأ إرادة الله في الإنسان من خلال رواية شعبية كتبها بطريقة بدائية الكاتب المُلهَم المستنير بنور الإيمان(5) …
ونقول: يكون قد تم نمو جسم الإنسان انطلاقًا من مادة حيَّة وُجِدت سابقًا، كما يقول العلماء، أي انطلاقًا من الحيوان (أقردًا كان أم غيره) غير أن النفس البشرية لا تدخل في سنة التطوُّر، بل هي مخلوقة خلقًا مباشرًا، وكل كلام غير هذا الكلام يتعارض والإيمان الكاثوليكي”(6).
وعن السؤال: هل الإنسان انحدر من القرد؟ يقول الخوري بولس الفغالي ” ويسأل سائل: إذًا هل ينحدر الإنسان من القرد؟ لم يعد يُطرح هذا السؤال على هذه الصورة، لأنه يحط من قدر الإنسان وكرامته، والذين تعودوا أن يدافعوا عن هذه النظرية خفت حدة كلامهم، لا لأن العلم تخلى عن الافتراض القائل بأن الإنسان وريث القرد. بل لأن علم البيولوجيا أخذ يقرَّ يومًا بعد يوم بمكانة الإنسان الفريدة وسط العالم الطبيعي..
وخلاصة القول: لا تعارض بين كلمات الكتاب المقدَّس ونظرية التطوُّر، لأن الكاتب المُلهَم لم يتعرف إلى نظرية التطوُّر، فما كان عليه أن يأخذ بها أو يرفضها. ونحن المؤمنون نستطيع أن نوافق على افتراض التطوُّر بشرط أن نقول بتدخل مباشر من الله ليخلق النفس البشرية”(7).
وواضح تمامًا أن هذا الفكر الكاثوليكي يتعارض مع الكتاب المقدَّس نصًا وروحًا.
_____
(1) تفسير سفر التكوين ص 58.
(2) عندما تغيَّر العالم ص 337.
(3) القس عبد المسيح بسيط أبو الخير – الكتاب المقدَّس يتحدى نقاده ص 15.
(4) مجلة العلم عدد 345 – يونيو 2005م ص 35.
(5) يرى بعض الكاثوليك أن مصدر قصة الخلق التي ذُكرت في سفر التكوين هي الروايات الشعبية.
(6) تفسير سفر التكوين ص 59.
(7) تفسير سفر التكوين ص 61.