كيف نعلل وجود كائنات أولية بسيطة مثل الأميبا والبكتريا للآن بدون تطور؟
كيف نعلل وجود كائنات أولية بسيطة مثل الأميبا والبكتريا للآن بدون تطور؟
249- لو كانت قصة التطوُّر حقيقية، فكيف نُعلّل وجود كائنات أولية بسيطة مثل الأميبا والبكتريا للآن بدون تطوُّر؟
ثانيًا: بقاء الكائنات الأولية البسيطة كما هي
ج: قال التطوُّريون أن التطوُّر شمل بعض وليس كل الأميبا، ولم يعللوا لماذا تطوَّرت بعض الأميبا منذ زمن بعيد بينما بقى الآخر كما هو زمانًا هذا مقداره بدون تطوُّر؟ إن بقاء الأميبا كما هي حتى الآن تفسد تمامًا قضية التطوُّر، ولاسيما أن التطوُّريّين جعلوا تطوُّر الأميبا هي نقطة الانطلاق للتطوُّر، ويقول هنري م. موريس ” ظل الكثير من الفصائل الحيوانية والنباتية كما هي دون أي ” تحوُّر ” خلال ملايين السنين، بينما المفروض أنها تمثل العصور الجيولوجية، ومن المؤكد أن هذا الحال كان ممكن أن ينطبق على الكثير غيرها.. بل أن من بين المخلوقات التي ظهرت كما هي بدون تحوُّر، الحيوانات وحيدة الخلية والتي من المفروض، حسب نظرية التطوُّر، أن التطوُّر بدأ بها”(1).
ورغم أن داروين قد اعترف بهذه الصعوبة، إلاَّ أنه صرَّح بأن هذه الصعوبة لا تلغي فكرة الانتقاء الطبيعي والبقاء للأصلح فقال ” والحقيقة القائلة بأنه لم يحدث تغيير -أو حدث تغيير بسيط- على هذه الحيوانات منذ العصر الجليدي، فإنها قد تكون لها بعض القيمة في مواجهة هؤلاء الذين يؤمنون بوجود قانون ارتقائي فطري (متأصل) وضروري، ولكنها عاجزة عن الوقوف أمام مبدأ الانتقاء الطبيعي أو البقاء للأصلح، والذي يقضي بأنه عندما يتصادف أن تحدث تغيرات أو اختلافات فردية ذات طبيعة مفيدة، فإنها سوف تصان”(2).
_____
(1) ترجمة نظير عريان ميلاد – الكتاب المقدَّس ونظريات العلم الحديث ص 67.
(2) أصل الأنواع ص 337.
كيف نعلل وجود كائنات أولية بسيطة مثل الأميبا والبكتريا للآن بدون تطور؟
الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟
الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟
4- الكائنات الحية لا تأتي إلا من كائنات حية
ج: لقد أخطأ الذين ظنوا أن الكائنات الحية – مثل البكتيريا التي تظهر على الخبز، أو الديدان التي تظهر في الجبن أو اللحوم، أو الديدان التي تظهر في الأرض الرطبة – تأتي من غير كائنات حية، وقد أوضح ” باستير ” هذه الحقيقة عندما أستخدم أسلوب التعقيم، ولو أن الحياة نشأت من التوالد الذاتي، فلماذا لا يحدث مثل هذا التوالد الآن؟ لماذا لا نرى مادة حية تخرج من الجماد..؟!
هل أصيبت القوى الطبيعية بالعقم فلم تعد قادرة على إيجاد كائنات حية من الجماد..؟! هل تغيرت نواميس الطبيعة للأضعف؟! ويقول د. حليم عطية سوريال ” ولكن تجارب العلامة ” باستير ” صدمت نظرية التوالد الذاتي صدمة قاتلة، فإن ذلك الباحث العبقري ” باستير ” اكتشف أعظم ناموس حيوي وهو أن الكائنات الحية لا يمكن أن تأتي إلا من كائنات حية مثلها، وهذا الناموس يسري على أصغر الميكروبات كما يسري على الحيوانات الكبيرة، وغني عن البيان أن هذه القاعدة قبلت بالإجماع، ولم يسع المكابرون سوى التسليم بها..
وعلى ذلك نرى أنه كان يجب أن لا يكون مجال للتكلم عن التوالد الذاتي بعد باستير، ولكن عقلية الماديين غريبة مدهشة لا تقبل التسليم بالواقع.. يناقضون أنفسهم تناقضا بينا ويخلقون لأنفسهم مشاكل لا يمكنهم حلها لأن قبولهم نظرية التوالد الذاتي يضع أمامهم معضلات أعظم من معضلة الاعتقاد بالخلق الخاص، ويمكننا أن نشير إلى بعض تلك المعضلات:
(أولا) إنهم يعترفون أن التوالد الذاتي لا يحدث الآن.. فإن كان التوالد الذاتي لا يحدث الآن ألا يحق لنا أن نسأل ما الذي جعل قوة الطبيعة والمادة تشيخ وتهرم – ما لها عقمت وعجزت عن خلق كائنات حية من الجمادات كما فعلت سابقا؟ إذا نواميس الطبيعة متغيرة متقلبة لا تثبت على حال فإذا قالوا بذلك يواجهون مشكلة أخرى، لأن القول بعدم ثبات نواميس الطبيعة يترتب عليه انهيار العلم كله.
(ثانيا) إنهم يقولون أن أول الكائنات الحية أعني التي نشأت بالتوالد الذاتي كانت صغيرة جدا وعلى غاية البساطة.. وتولدت منها المخلوقات الكبيرة، وهذا القول لا يتفق مع الحقائق العلمية لأن المخلوقات الحية مهما كانت صغيرة الحجم لا يعتبرها العلم بسيطة لأن البساطة لا تتفق مع مميزات الحياة، لأنه بين أصغر خلية حيوانية أو نباتية وبين المواد الغير عضوية الجمادية هوة عميقة لا يمكننا أن نتصور عبورها.. إن الخلايا الحية مهما صغر حجمها فهي عالم في ذاتها.. لها جميع مميزات الحياة الجوهرية الأساسية، فإنها تأخذ المواد الغذائية التي تصلح لها من الوسط الذي تعيش فيه وتهضمها كما نهضم طعامنا بواسطة عصارات متشابهة.
وبعد هضمها تنبذ فضلات الطعام بطرق غاية في الدقة، وبعد ذلك تستخدم الطعام المهضوم لنفس الأغراض التي يستعمل فيها عند الحيوانات الكبيرة، فإنها تخلق منه مادة برتوبلازمية تشبه المادة المكون منها جسمها وتعوض بذلك المواد التي استهلكت في العمليات الحيوية.. على أن أروع وأبدع ما تشاهده في تلك المخلوقات الصغيرة هو عملية التوالد بالانقسام.. لأنها تنقسم بعملية غاية في الدقة إلى نصفين متساويين تمام المساواة يصير كل منهما فردا مشابها تمام المشابهة لوالده.. ولقد قال الأستاذ ولسن بصدد هذه الحقائق أن تقدم العلم قد وسع الهوة التي بين الكائنات الحية ذوات الخلية الواحدة وبين المواد الغير عضوية”(1).
وقد قام عالم الكيمياء ” لافوازييه ” Lavoisier في القرن التاسع عشر بتقسيم المواد الكيميائية إلى مجموعتين أحدهما لا يستطيع أن يصنعها إلا الأحياء من إنسان وحيوان ونبات، وأتفق على تسميتها بالكيمياء العضوية، والثانية هي المواد الكيميائية التي تنتشر في الطبيعة من تربة وماء
ثم اكتشف ” فوهلر ” Wahler سنة 1828م أنه يمكن تحضير البول معمليا، لذلك قالوا أن الكيمياء العضوية هي التي يدخل في تركيبها الكربون، وذرات الكربون لها قدرة فذة على الإتحاد بغيرها من العناصر، حتى وصلت مركبات الكربون إلى أكثر من ربع مليون مركب، ولا أحد يستطيع أن يدعي أن المواد غير الحية يمكن أن تجتمع معا لتكوين حياة، لأن الحياة لا تولد إلا من حياة، ولم ينجح للآن أي إنسان في تكوين خلية حية بالجمع بين المواد غير الحية!! وهذا ما يقر به علماء التطور أنفسهم.
أما القول بأن الحياة وجدت من تلقاء ذاتها فإنه يشبه القول بأن هذا المبنى وجد من ذاته بالصدفة بكل ما فيه من تجهيزات كهربائية وصحية ودهانات ونجارة وأثاث.. إلخ ومن يقدر أن يتصور أن الصدفة تدخلت في قطع الأشجار وتصنيعها أبوابا وشبابيك وأثاثات فاخرة بدون تدخل يد إنسان، والصدفة تدخلت أيضا فاختارت المواد التي يصنع منها السيراميك ووصلت به إلى هذه الدرجة من الجودة بدون تدخل إنسان.. إلخ ومع كل هذا فإن إمكانية وجود مبنى ضخم بكل ما يحويه من تحف وأثاث وأجهزة بمجرد الصدفة لهو أهون من وجود خلية حية واحدة!!
ج: لاحظ البعض ظهور كائنات حيَة دقيقة على الخبز، وظهور ديدان في الجبن واللحوم التي تترك في الهواء، وخروج بعض الديدان من الأرض الرطبة. فنادوا بنظرية التوالد الذاتي للحياة، وعللوا ذلك بحدوث بعض التفاعلات الكيميائية بين بعض العناصر في ظروف خاصة، وقد نتج عن هذه التفاعلات خروج كائنات حيَة للحياة، وظهرت في هذا المجال عدة نظريات تعلل نشأة الحياة مثل ” نظرية أوبارين ” ونظرية ” برنال ” وغيرهما، ولكل نظرية مثالبها التي لم يستطع العلماء التغلب عليها، ولكن هناك ملاحظات عامة على هذه النظريات وهي:
1- تفترض هذه النظريات أن الحياة نشأت في الماء قبل اليابس.
2- أن حبيبات الطين هي أنسب مكان لحدوث التفاعلات التي أدت إلى نشأة الحياة، وذلك لتوفر العناصر التي تتكون منها الكائنات الحيَة في الطمي نفسه.
3- تفترض هذه النظريات توافر مصادر طاقة صدرت من البروق أو الإشعاعات الشمسية، وساعدت على حدوث التفاعلات التي أدت إلى نشأة الحياة.
ويوضح د. أنور عبد العليم الأسس العامة أو الخطوات التي أدت إلى نشأة الحياة فيقول ” وضع العلماء فروضا أساسية ثلاثة لنظرية نشأة الحياة وهذه الفروض هي:
1- تكوين مواد عضوية بسيطة التركيب مثل الغازات الأيدروكربونية ومشتقاتها النتروجينية من مواد غير عضوية بسيطة كخطوة أولى أساسية في نشأة الحياة.
2- تحويل هذه المواد العضوية البسيطة إلى مواد عضوية أكثر تعقيدا من نوع تلك المواد التي تتميز بها المادة الحيَة، مثل البروتينات والأحماض الأمينية والدهنيات والبورفيرينات.
3- تجميع جزئيات هذه المواد العضوية المعقَدة لتبني أنظمة أكثر تعقيدا، قادرة على القيام بالتفاعلات الكيميائية وقادرة أيضا على الانقسام، مثلما تجده في الكائنات الحيَة الأولية”(1)(2).
وقد دلَل أصحاب نظرية ” التوالد الذاتي ” على صحة نظريتهم في الخمسينيات عندما نجح ” ستانلي ميلر ” بمساعدة أستاذه ” هارولد يوري ” في تحضير بعض الأحماض الأمينية من مواد غير عضوية بالمعمل، وعندما نجح ” فوكس ” في الوصول إلى نظائر البروتينات. كما أعتبر أصحاب هذه النظرية أن الفيروسات المتبلورة تعد مرحلة وسيطة بين عالمي الجماد والأحياء، وقد سبق ” هيجل ” وقال ” أعطني هواء ومواد كيميائية ووقتا، وأنا أعطيك إنسانا”(3).
ومع تقدم العلم اتضح عدم صدق نظرية التوالد الذاتي، كما اتضح أن كلام ” هيجل ” هراء.
_____
(1) قصة الحياة ونشأتها على الأرض ص 100.
(2) ويتكرر نفس المعنى في ذات الكتاب ص 151، 152.
(3) نيافة الأنبا بولا أسقف طنطا – الكتاب المقدَس والعلم – أيام الخلق ص 36.
لا أحد يعرف على وجه الدقة متى بدأت الحياة على كوكبنا على وجه الدقة، ويستخدم العلماء حفريات الكائنات الحية لمعرفة متى بدأت الحياة على الأرض، والحفرية هي آثار الكائن الحي المطبوعة على الصخور أو الهياكل والعظام المتحجرة التي يعثر عليها بين طبقات الصخر، وبعض هذه الحفريات دقيق لا يرى إلا بالمجهر، والآخر قد تصل إلى 30 مترا، ومنها ما انقرض نهائيا ولم يعد له وجود على الأرض، وتمثل الحفريات صفحات مطوية من عمر الأرض، يقرأ فيها الجيولوجيون تاريخ الحياة القديمة وإلى يومنا هذا.
والحفريات القديمة توجد في الطبقات السفلى ما لم تلفظها البراكين والزلازل وتقلصات القشرة الأرضية نحو السطح، والحفريات الأحدث توجد في طبقات أعلى، وكأنها كتاب يسجل لنا ظهور الكائنات الحية، ويبدأ هذا السجل الحفري للكائنات الحية واضحا منذ نحو 500 مليون سنة، ويقول د. أنور عبد العليم ” كما أن الثابت أيضا أن أقدم الحفريات التي عرفت في الصخور قد ظهرت على الأرض منذ نحو 500 مليون سنة، وهي كائنات قشرية من فصيلة يطلق عليها اسم “التريلوبيت” عاشت في مياه البحار الأولى القديمة. وهي ليست بحال من الأحوال أول الكائنات التي ظهرت على سطح الأرض”(1).
ولو استعرضنا العصور الجيولوجية ببساطة وقارناها بنشأة الحياة يتضح لنا الآتي:
1- من 2000 إلى 500 مليون سنة سادت الحقبة القديمة وما قبلها، وهذه الفترة لم تكن الحياة فيها متميزة، وإن كانت هناك أدلة على أن البحار في تلك الفترة كانت تعج بالأحياء الرخوة والهلامية.
2- من 500 إلى 200 مليون سنة، وفيها طغى البحر على اليابسة ثم انحسر مرات كثيرة، وتطورت الحياة من الكائنات البسيطة إلى الأكثر تعقيدا، وظهرت الأسماك لأول مرة، وفي أواخر هذه الحقبة ظهرت الحيوانات البرمائية والنباتات التي كونت مناجم الفحم.
3- من 200 إلى 70 مليون سنة سادت الحقب المتوسطة، وتميزت بالحوادث الجيولوجية العنيفة فتكونت الجبال الشاهقة مثل جبال الروكي والأنديز في أمريكا، وفيها ظهرت الزواحف الماردة من فصيلة الديناصورات، ومنها الزواحف الطائرة.
4- منذ 70 مليون سنة حتى الآن كان المناخ في بداية هذه الحقبة حار جدا ثم ساد العصر الجليدي، ثم أنحسر البحر وتكونت جبال الهيمالايا وجبال الألب، وظهرت الثدييات، وفي الجزء الأخير من هذه الحقبة ظهر الإنسان(2).
ثانيا: كيفية بدء الحياة على الأرض
إن كان السؤال الذي شغل باب العلماء: ما هو أصل الكون؟ فإن السؤال التالي الذي شغل بال العلماء أيضا: ما هو أصل الحياة على الأرض..؟ وقد اعتقد البعض أن الحياة انتقلت من كوكب آخر، واعتقد آخرون أن الحياة تولدت من تلقاء ذاتها، ونناقش هنا بشيء من الاختصار هذين الفرضين:
_____
(1) قصة الحياة ونشأتها على الأرض ص 86.
(2) راجع د. أنور عبد العليم – قصة الحياة ونشأتها على الأرض ص 86 – 90.