الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

4- الكائنات الحية لا تأتي إلا من كائنات حية

ج: لقد أخطأ الذين ظنوا أن الكائنات الحية – مثل البكتيريا التي تظهر على الخبز، أو الديدان التي تظهر في الجبن أو اللحوم، أو الديدان التي تظهر في الأرض الرطبة – تأتي من غير كائنات حية، وقد أوضح ” باستير ” هذه الحقيقة عندما أستخدم أسلوب التعقيم، ولو أن الحياة نشأت من التوالد الذاتي، فلماذا لا يحدث مثل هذا التوالد الآن؟ لماذا لا نرى مادة حية تخرج من الجماد..؟!

هل أصيبت القوى الطبيعية بالعقم فلم تعد قادرة على إيجاد كائنات حية من الجماد..؟! هل تغيرت نواميس الطبيعة للأضعف؟! ويقول د. حليم عطية سوريال ” ولكن تجارب العلامة ” باستير ” صدمت نظرية التوالد الذاتي صدمة قاتلة، فإن ذلك الباحث العبقري ” باستير ” اكتشف أعظم ناموس حيوي وهو أن الكائنات الحية لا يمكن أن تأتي إلا من كائنات حية مثلها، وهذا الناموس يسري على أصغر الميكروبات كما يسري على الحيوانات الكبيرة، وغني عن البيان أن هذه القاعدة قبلت بالإجماع، ولم يسع المكابرون سوى التسليم بها..

وعلى ذلك نرى أنه كان يجب أن لا يكون مجال للتكلم عن التوالد الذاتي بعد باستير، ولكن عقلية الماديين غريبة مدهشة لا تقبل التسليم بالواقع.. يناقضون أنفسهم تناقضا بينا ويخلقون لأنفسهم مشاكل لا يمكنهم حلها لأن قبولهم نظرية التوالد الذاتي يضع أمامهم معضلات أعظم من معضلة الاعتقاد بالخلق الخاص، ويمكننا أن نشير إلى بعض تلك المعضلات:

(أولا) إنهم يعترفون أن التوالد الذاتي لا يحدث الآن.. فإن كان التوالد الذاتي لا يحدث الآن ألا يحق لنا أن نسأل ما الذي جعل قوة الطبيعة والمادة تشيخ وتهرم – ما لها عقمت وعجزت عن خلق كائنات حية من الجمادات كما فعلت سابقا؟ إذا نواميس الطبيعة متغيرة متقلبة لا تثبت على حال فإذا قالوا بذلك يواجهون مشكلة أخرى، لأن القول بعدم ثبات نواميس الطبيعة يترتب عليه انهيار العلم كله.

(ثانيا) إنهم يقولون أن أول الكائنات الحية أعني التي نشأت بالتوالد الذاتي كانت صغيرة جدا وعلى غاية البساطة.. وتولدت منها المخلوقات الكبيرة، وهذا القول لا يتفق مع الحقائق العلمية لأن المخلوقات الحية مهما كانت صغيرة الحجم لا يعتبرها العلم بسيطة لأن البساطة لا تتفق مع مميزات الحياة، لأنه بين أصغر خلية حيوانية أو نباتية وبين المواد الغير عضوية الجمادية هوة عميقة لا يمكننا أن نتصور عبورها.. إن الخلايا الحية مهما صغر حجمها فهي عالم في ذاتها.. لها جميع مميزات الحياة الجوهرية الأساسية، فإنها تأخذ المواد الغذائية التي تصلح لها من الوسط الذي تعيش فيه وتهضمها كما نهضم طعامنا بواسطة عصارات متشابهة.

وبعد هضمها تنبذ فضلات الطعام بطرق غاية في الدقة، وبعد ذلك تستخدم الطعام المهضوم لنفس الأغراض التي يستعمل فيها عند الحيوانات الكبيرة، فإنها تخلق منه مادة برتوبلازمية تشبه المادة المكون منها جسمها وتعوض بذلك المواد التي استهلكت في العمليات الحيوية.. على أن أروع وأبدع ما تشاهده في تلك المخلوقات الصغيرة هو عملية التوالد بالانقسام.. لأنها تنقسم بعملية غاية في الدقة إلى نصفين متساويين تمام المساواة يصير كل منهما فردا مشابها تمام المشابهة لوالده.. ولقد قال الأستاذ ولسن بصدد هذه الحقائق أن تقدم العلم قد وسع الهوة التي بين الكائنات الحية ذوات الخلية الواحدة وبين المواد الغير عضوية”(1).

وقد قام عالم الكيمياء ” لافوازييه ” Lavoisier في القرن التاسع عشر بتقسيم المواد الكيميائية إلى مجموعتين أحدهما لا يستطيع أن يصنعها إلا الأحياء من إنسان وحيوان ونبات، وأتفق على تسميتها بالكيمياء العضوية، والثانية هي المواد الكيميائية التي تنتشر في الطبيعة من تربة وماء

ثم اكتشف ” فوهلر ” Wahler سنة 1828م أنه يمكن تحضير البول معمليا، لذلك قالوا أن الكيمياء العضوية هي التي يدخل في تركيبها الكربون، وذرات الكربون لها قدرة فذة على الإتحاد بغيرها من العناصر، حتى وصلت مركبات الكربون إلى أكثر من ربع مليون مركب، ولا أحد يستطيع أن يدعي أن المواد غير الحية يمكن أن تجتمع معا لتكوين حياة، لأن الحياة لا تولد إلا من حياة، ولم ينجح للآن أي إنسان في تكوين خلية حية بالجمع بين المواد غير الحية!! وهذا ما يقر به علماء التطور أنفسهم.

أما القول بأن الحياة وجدت من تلقاء ذاتها فإنه يشبه القول بأن هذا المبنى وجد من ذاته بالصدفة بكل ما فيه من تجهيزات كهربائية وصحية ودهانات ونجارة وأثاث.. إلخ ومن يقدر أن يتصور أن الصدفة تدخلت في قطع الأشجار وتصنيعها أبوابا وشبابيك وأثاثات فاخرة بدون تدخل يد إنسان، والصدفة تدخلت أيضا فاختارت المواد التي يصنع منها السيراميك ووصلت به إلى هذه الدرجة من الجودة بدون تدخل إنسان.. إلخ ومع كل هذا فإن إمكانية وجود مبنى ضخم بكل ما يحويه من تحف وأثاث وأجهزة بمجرد الصدفة لهو أهون من وجود خلية حية واحدة!!

_____

(1) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 71 – 77.

الكائنات الحية من الجماد – هل يمكن أن تأتي الكائنات الحيَّة من الجماد؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

3- الحياة ليست مجرد تركيب كيميائي

ليست الحياة مجرد تركيبا كيميائيا، والمظهر الكيميائي واحد من ثلاث مظاهر للحياة، والمظهران الآخران هما المظهر التشريحي والمظهر الفسيولوجي، ويقول د. حليم عطية سوريال ” أما القول بأن الحياة نشأت تدريجيا من المواد.. تمشيا مع ناموس النشوء والارتقاء على نحو ما ذكره الأستاذ شيفر في خطبته بالمجمع العلمي البريطاني سنة 1912م فلا يقبله العقل بتاتا، ويكفي لدحضه أن نذكر أن الحياة ليست مركبا كيميائيا، وأن لها ثلاثة مظاهر، وهو المظهر الكيميائي والمظهر التشريحي، والمظهر الفسيولوجي. أما المظهر الكيميائي فقد أشرنا إليه ويمكن فهمه إذا منعنا عن الكائن الحي عنصرا واحدا من العناصر التي يتركب منها فإنه ينهار بنيان حياته لا محالة.

ومن الوجهة التشريحية يلاحظ أن أجزاء الكائن الحي مرتبطة ببعضها ارتباطا في غاية الدقة والترتيب وحتى الخلية البسيطة ترينا أن أجزاءها ليست مبعثرة في داخلها خبط عشواء بل نرى أجزاءها الدقيقة وضعت بعناية فائقة في مواضع مخصوصة كعجلات وأتراس الساعة كذلك من الوجهة الفسيولوجية نرى أنه مع تعدد وظائف الحياة واختلافاتها، اتفاقا لغاية مخصوصة هي حفظ الحياة وحفظ النوع..

وتعدد مظاهر الحياة يبين استحالة توصل الإنسان إلى تكوين مخلوقات حية، ولا عبرة بالقول أن بعض الكيماويين توصل إلى صنع مواد عضوية مثل التي تصنعها البروتوبلازما وكان يجب على الذين يحاولون أن يصنعوا خلية حية أن يلموا بأسرار الحياة وأسرار البرتوبلازم التي مازالوا يجهلون عنها أكثر مما يعلمون. وهب أنهم توصلوا إلى صنع مادة كيماوية تشبه البروتوبلازما فهل تعتبر هذه خطوة نحو صنع كائن حي؟! وهل الكائن الحي مجرد مركب كيماوي؟! من ذلك يتضح أن محاولة صنع كائن حي هي إضاعة للوقت ومقضى عليه بالفشل”(1).

فمن جهة المظهر الكيميائي نجد الخلية تتركب من البروتوبلازم (وهو عبارة عن سيتوبلازم ونواة) واشتقت كلمة البروتوبلازم من البروتين، لأن البروتين هو الذي يكون البروتوبلازم، وتتكون مادة البروتين من خمس عناصر (كربون – أيدروجين – أكسجين – نيتروجين – كبريت) لا يمكن الاستغناء عن عنصر منها، ويقول د. ” فرانك اللن”.. ” أن البروتين الذي يدخل في تركيب الخلية الحية نباتية أو حيوانية يحتوي على خمسة عناصر الكربون والأيدروجين والنيتروجين والأكسحين والكبريت، ويبلغ عدد الذرات في الجزيء البروتيني الواحد 40 ألف ذرة، ولما كان عدد العناصر في الطبيعة نحو 103 عنصر، فإن احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة في كل هذه الأعداد ضئيلا جدا لدرجة المستحيل”.

ومن جهة المظهر التشريحي فالخلايا تختلف بحسب وظيفتها، فالخلايا العصبية تختلف عن العضلية، والاثنتان تختلفان عن خلايا عضلة القلب، وخلايا الدم تختلف عن كل ما سبق وهلم جرا.. وجميعها تعمل في انسجام تام، فالخلية الواحدة لا توجد قط في حالة فوضى وتبعثر، إنما توجد في غاية من النظام والدقة، وأيضا تختلف أجهزة الإنسان وأعضائه، ولكن كلها تعمل في انسجام تام في منتهى الدقة والبراعة.

ويقول ” كريسي موريسون ” في مقاله ” كيف بدأت الحياة؟”.. ” ونحن بوصفنا كائنات بشرية يتكون كل منا من أمم منتظمة من بلايين فوق بلايين من أمثال تلك الخلايا، وكل خلية فينا كأنها مواطن صالح يؤدي نصيبه الكامل من الخدمة الخالصة، كأنه في ذكاء.. ففي أي مخلوق حي يجب أن تكيف نفسها لتكون جزءا من اللحم أو تضحي بنفسها كجزء من الجلد الذي لا يلبث أن يبلى..

وهذه الخلية ترغم كل نسلها على أن يؤدي الخدمات وأن يتبع دون انحراف.. أن مئات الآلاف من الخلايا تبدو كأنها مدفوعة لأن تفعل الشيء الصواب، في الوقت الصواب، وفي المكان الصواب، والحق أنها طائعة.. بيد أنك قد تقول الآن، ولكن كل هذا لا يفسر لنا كيف بدأت الحياة، أو كيف جاءت إلى هذه الأرض، والكاتب لا يعرف كيف إلا أن يكون هناك خالق قد أوجدها”(2).

أما المظهر الفسيولوجي فيتجلى في أنه رغم اختلاف الوظائف الحيوية لخلايا وأعضاء وأجهزة الإنسان، إلا أنها لا تتعارض قط، إنما تتكامل معا لحفظ حياة النوع من الأحياء.

_____

(1) تصدع مذهب داروين ص 80 – 83.

(2) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 213.

 

هل الحياة مجرد تفاعلات كيميائية؟ وما هي مظاهر الحياة؟

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

2- فشل المحاولات للوصول للمادة الحية

لم يتمكن العلماء رغم كثرة التجارب التي أجروها من التوصل للمادة الحية، وجميع نظريات التوالد الذاتي فشلت في تفسير كيفية تكون الجزئيات الحية، فيقول د. أنور عبد العليم ” لم يتوصل أحد من العلماء حتى اليوم إلى تكوين جزئيات حية أو شيئا قريبا منها على الإطلاق، كما أن ثمة فراغات في هيكل نظرية نشأة الحياة لا بد من ملئها حتى تكتمل الصورة، وذلك الأمر لا ينكره العلماء المعاصرون أنفسهم الذين وضعوا أسس النظرية بل هم يسلمون به”(1).

وقال ” الكسندر ايفانوفيتش أوبارين ” A. I. Oparin أستاذ الكيمياء الحيوية بمعهد باخ بموسكو وعضو أكاديمية العلوم في المؤتمر الدولي الأول لعلوم البحار بنيويورك سنة 1959م والذي حضره مئات العلماء لبحث نشأة الحياة ” أن جميع المحاولات التي أجريت لتوليد الحياة من المواد غير العضوية سواء تحت ظروف طبيعية أو في المعمل قد باءت بالفشل”(2) كما قال “اسكندر أوبارين” أيضا (وهو أحد دعاة التطور) في كتابه ” أصل الحياة ” سنة 1936م ” لسوء الحظ، مازال أصل الخلية سؤالا يشكل -في الواقع- أكثر نقطة مظلمة في نظرية التطور بأكملها”(3)(4).

وقال الأستاذ ” كلاوس دوز ” رئيس معهد الكيمياء الحيوية بجامعة جوهانز جوتنبيرج ” لقد أدت أكثر من ثلاثين سنة من إجراء التجارب عن أصل الحياة في مجالات التطور الكيميائي والجزيئي إلى الوصول إلى إدراك أفضل لضخامة مشكلة أصل الحياة على الأرض بدلا من حلها، وفي الوقت الحالي فإن المناقشات الدائرة حول نظريات وتجارب أساسية في هذا المجال إما أن تنتهي إلى طريق مسدود أو إلى اعتراف بالجهل(5)(6).

ويقول الكيميائي الجيولوجي ” جيفري باد”.. ” ونحن نترك القرن العشرين اليوم، نواجه أكبر مشكلة لم يتم حلها استمرت معنا منذ دخولنا القرن العشرين، ألا وهي: كيف بدأت الحياة على الأرض”(7)(8).

إن العلم لا يدرك ماهية الروح، ولا يدرك سر الحياة، كل ما يدركه العلم هو مظاهر الحياة من تغذية ونمو وحركة وتنفس وانفعالات، وتكاثر.. إلخ، ويقول ” جون ألدر”.. ” عندما يموت الكائن الحي، فإننا لا نرى شيئا يخرج من جسده المنظور، ولكننا نعرف أنه مات أو فقد الحياة. إن جسده هو هو في مظهره بعد مضي ساعة على موته، كما كان قبل موته، ولكننا نعرف أن الحياة قد فارقته. فإن كانت الحياة موجودة ولو أنها غير منظورة، فلا غرابة على الإطلاق إن كان مصدرها موجودا ولو كان غير منظور، فالعقل والعلم ينتهيان من جهة الحياة إلى الله كأصلها ومنشئها”(9)(10) وقد سبق ” جورج ” ابن ” تشالز داروين ” وقال ” إن سر الحياة سيظل كما هو.. لا يسبر غوره”(11).

وحتى لو فرضنا جدلا أن الإنسان نجح في تصنيع خلية حية، فسيظل السؤال: ومن الذي خلق العناصر التي كونت هذه الخلية؟ وحتى لو فرضنا المستحيل أن العلماء نجحوا في تكوين جسم إنسان، فمن أين لهم بالروح سر الحياة..؟

لقد نجح العالم الروسي الملحد ” اسكندر أوبارين ” في تكوين يشبه إلى حد كبير البروتوبلازم، ولكنه فشل في أن يجعل هذا التجمع يقوم بالوظائف الحيوية التي تقوم بها الخلية الحية، وأيضا فشل الإنسان تماما في التغلب على قضية الموت وحفظ الحياة، حتى عندما أعلن عالم روسي أنه اخترع جهازا كهربائيا يعيد للغدد البشرية حيويتها، أعترف في نفس الكتاب قائلا ” أن الموت هو الصعوبة الوحيدة التي أعيت حيل العلم وأثبطت همم العلماء، وهو العدو الوحيد الذي لا يستطيع الإنسان قهره أو صده”(12)(13) كما أن الاستنساخ لا يعني أبدا قدرة الإنسان على خلق الحياة، لأن النعجة دوللي مثلا لم يتم استنساخها من مجرد مواد كيميائية، بل من خلية حية.

_____

(1) قصة الحياة ونشأتها على الأرض ص 153.

(2) المرجع السابق ص 112.

(3) Alexander I , Oparin , Origint of Life , P. 196.

(4) أورده هارون يحيى – خديعة التطور ص 106.

(5) Klaus Dose , the Origin of Life: More Questions than Answer – Jnterdis ciplimary Science Revieus , Vol 13 , No. 4 , 1988 , P. 348.

(6) المرجع قبل السابق ص 106.

(7) Jeffery Bada , Earth , P. 40.

(8) المرجع قبل السابق ص 106.

(9) الإيمان بالله ص 23.

(10) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 58.

(11) المرجع السابق ص 48.

(12) أسرار الحياة ص 112.

(13) نيافة الأنبا بولا أسقف الغربية – الكتاب المقدس والعلم ص 35.

هل استطاع العلماء للآن التوصل إلى المادة الحية؟

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

هل كان هناك خليقتان، أولهما عبَر عنها الكتاب بقوله “في البدء خلق الله السموات والأرض” (تك 1: 1) وهذه تعرضت للفناء والاندثار، وهذا ما أشار إليه الكتاب بقوله “كانت الأرض خربة وخالية” (تك 1: 2) والثانية هي الخليقة الحالية والتي خلقها الله في ستة أيام (راجع وليم كلى – في البدء والأرض الأدمية)؟

ج:

يصعب قبول القول بخلقتين الأولى تعرضت للفناء والاندثار، ثم جاءت الثانية وهي مازالت قائمة للآن، وذلك للأسباب الآتية:

1- لماذا خلق الله الخليقة الأولى في أحقاب زمنية تمتد إلى ملايين السنين، بينما خلق الخليقة الثانية في ستة أيام..؟! هل قدرات الله قد زادت أم أنه طوَر أسلوبه في الخلق؟!

2- لماذا أفنى الله الخليقة الأولى؟ هل لأنه اكتشف نقصها وعدم نفعها، أو لأنها تعدت أوامره، أم لأنه يهوى التغيير؟!! وإن قالوا أن الله خلق الخليقة الأولى وسمح بانقراضها تهيئة للخليقة الثانية، فربما هذا يصح بالنسبة للكائنات الضخمة التي تحوَلت فيما بعد إلى بترول أو فحم، ولكن لماذا أفنى الكائنات الصغيرة والدقيقة؟!

3- قول الكتاب “وكانت الأرض خربة وخالية” تعبير عن أنها كانت جسمًا منصهرًا تحيط به الأبخرة الكثيفة المتصاعدة مما منع وصول الضوء إليها ” وعلى وجه الغمر ظلمة ” فهذه بداية الأرض، بينما لو كانت الأرض معمَرة بالخلقة الأولى ثم آلت إلى الخراب لأوضح الكتاب هذا بقوله ” وصارت الأرض خربة وخالية”، وليس ” وكانت”.

4- كثير من الكائنات التي ظنوها أنها خلقت في الخلقة الأولى مازالت مستمرة ليومنا هذا.

هل كان هناك خليقتان لهذا الكون؟

برهان الوعي : لغز العقل 1 – لي ستروبل

برهان الوعي : لغز العقل 1 – لي ستروبل

برهان الوعي : لغز العقل 1 – لي ستروبل

برهان الوعي : لغز العقل 1 – لي ستروبل

Cogito ergo sum “أنا أفكر، إذاُ أنا موجود”.

رينيه ديكارت

لماذا تمتلك مجموعة من الذرات قدرة على التفكير؟ لماذا – حتى وأنا أكتب الآن – أستطيع أن أفكر فيما أفعله ولماذا أنت – حتى وأنت تقرأ الآن – تستطيع أن تفكر فيما أكتبه، قد توافق أو لا توافق، بسرور أو بألم، وقد تقرر رفض ما أكتبه وأنه لا يستحق المجهود الذي بُذل فيه؟ لا أحد، ولا حتى الدارونيين، يبدو أنه لديهم إجابة على ذلك. إذ ليس هناك إجابة علمية على ذلك”.

فيلسوف داروني: مايكل روس [1]

“أن ذكاء الآلات سيتفوق على الذكاء البشري في بداية هذا القرن” هكذا تنبأ راي كورزويل، الذي نال جائزة الوسام الوطني الرفيع المستوى للتقنية. وأضاف: “من خلال الذكاء، يمكن أن يكون لدي كل الطرق المتنوعة والغامضة التي يبرع فيها البشر بما فيها الموسيقى والفن والإبداع والرياضة وحتى الاستجابة على المشاعر”.

وفي عام 2019 سوف يوجد كمبيوتر ثمنه 1000 دولار سيجاري قوة معالجة المخ البشري… وفي عام 2050، سوف يوجد كمبيوتر ثمنه 1000 دولار يتساوى مع القوى الذهنية لكل العقول البشرية على الأرض… هل ستكون هذه المكائن المستقبلية قادرة على امتلاك تجارب روحية؟ بالتأكيد سوف يدّعون ذلك. سوف يدعون بأنهم بشر وأن لديهم خبرات عاطفية وروحية التي يدعى الناس الآخرون بأنها لديهم”[2].

وفي تصوره للمستقبل يثير كورزويل في كتابه “عصر الآلات الروحية” السؤال المثير للجدل عما إذا كانت أجهزة الكمبيوتر سوف تصبح ليس فقط أكثر ذكاء من الناس ولكن أيضاً قد تحقق نوعاً من الوعي وبذا يصبح من المتعذر تميزها عملياً عن نظراتهم البيولوجيين.

“وهنا تعتبر نظريات كورزيل امتداداً منطقياً للتطور الداروني. فطبقاً للدارونيين، يعتبر العالم المادي هو كل ما هو موجود. وعند نقطة معينة يتطور المخ البشري بطاقته العاملة وزيادة الأيونات. وعندما يصل المخ لمستوى معين في تركيبه وتعقيده، يصبح الإنسان “واعياً” وتنمو فيه الذاتية والشعور والآمال ووجهات النظر والوعي وفحص الأفكار” والصوت الخفي لذواتنا ونحن على انفراد”.

ورجوعاُ لعام 1871 قال مدافع داروني “توماس هوكسلي” “إن العقل (أو الوعي) هو عمل المادة، عندما تصل المادة إلى درجة معينة من التنظيم”[3] ويوافق الدارونيون اليوم على أن “الخبرة الواعية هي خبرة جسدية وليست ظاهرة خارقة”، كما قال عالم الإحياء الاجتماعي إدوارد ويلسون[4].

فإذا كان الوعي حقاً الناتج العرضي الآلي لقوة الدماغ المتطورة جداً، فلماذا إذاً لا يستطيع الروبوت الذكي أن يشعر عندما تكون لديه قدرة ذهنية أكبر مما لدى البشر؟ وحينما تقبل المسلمة الدارونية الأساسية، عندئذ يصبح السيناريو المستقبلي لكورزويل يبدو ممكناً فجأة.

“إذا كان بإمكانك أن تحصل على كمبيوتر بأي تركيبة تشاء، وإذا كانت هذه التركيبة هي التي تولد الوعي، عندئذ فإن هذا النوع سوف يمنحك الوعي في النهاية”. هكذا قال ديفيد تشارلمرز، مدير مشارك لمركز دراسات الوعي في جامعة أريزونا”[5].

ومع ذلك، فإن تنبؤات كورزويل، قد هوجمت بعنف من النقاد الذين قالوا إن وعي الكمبيوتر مناف للعقل وأمر سخيف. فقد سخر جون سيرل، وهو أستاذ المخ في جامعة كاليفورنيا في يبركيلي: إنه لا يمكنني أن أستعيد قراءة كتاب به هذا الخضم الهائل من الادعاءات المذهلة والحجج الضعيفة اليت تحاول أن تؤيدها[6] وبإمكانك أن تزيد القوة التي تريدها للكثير من الكمبيوترات التي تحتاجها، ولكنها لا تستطيع أن يكون لديها وعي، لأن كل ما تستطيع فعله هو خلط الرموز”[7].

وقال وليام ديمبسكي للمؤسسات التصورية للعلم في جامعة بايلور: “إن مورزويل يتعامل مع الخيال العلمي والفلسفة الفاسدة”[8].

وبالرغم من جاذبية هذا النقاش عن الحاسبات المستقبلية، فما زالت هناك الكثير من المتناقضات عن الوعي الإنساني. وللدهشة فإن الكثير من العلماء والفلاسفة يستنتجون الآن بأن قوانين الفيزياء والكيمياء لا تستطيع أن تفسر خبرة الوعي في الكائنات البشرية. وهم مقتنعون بوجود ما هو أكثر من مجرد الدماغ الجسدي الذي يعمل، ولكن يوجد أيضاً الحقيقة غير المادية التي تسمى “الروح”، “العقل” أو “النفس” وكل هذا يفسر ما يقوله لنا العلم.

في الحقيقة، إنهم يستشهدون بوجودهم كدليل قوي ضد النظرية الطبيعية البحتة للتطور الداروني، والتي تُحسب لمصلحة الخالق الذي خلق الإنسان على صورته.

الخـلاف حـول الـوعـي

أحد العلماء الذي انعكست أفكاره على هذه القضية هو ويلدير بينفيلد، الأب المشهور لجراحة الأعصاب الحديثة. وقد بدأ بالشك في أن الوعي انبثق بطريقة ما من الأنشطة العصبية في الدماغ، حيث الوصلات العصبية يمكن أن تشعل عدداً مهولاً يصل إلى 10 مليون بليون مرة في الثانية. وقال: “وخلال حياتي العملية، فإنني، مثل العلماء الآخرين، ناضلت لأثبت بأن الدماغ هو الذي يفسر العقل”[9].

ولكن من خلال إجراء عمليات جراحية على أكثر من ألف مريض بالصرع، واجهت دليل قاطع بأن الدماغ والعقل متمايزان في الحقيقة عن بعضهما البعض، ولو أنهما يتفاعلان معاً بشكل واضح. وقد شرح ذلك أحد الخبراء في نفس المجال فقال:

سوف ينبه بينفيلد كهربائياً القشرة الدماغية للمرضى الواعين ويتحداهم إذا كان بإمكانهم بأن يحتفظوا بيد واحدة لا تتحرك عندما يُسلط تيار الكهرباء. فسوف يمسل المريض هذه اليد باليد الأخرى ويحاول أن يحفظها ساكنة. وبهذا تكون يد واحدة تحت سيطرة التيار الكهربائي واليد الأخرى تحت سيطرة عقل المريض وكلاهما يقاوم الآخر. ويفسر بينفيلد ذلك بالقول بأن المريض لا يتمتع فقط بمخ جسدي والذي استثير لكي يعمل ولكن أيضاً بحقيقة غير جسدية تفاعلت مع الدماغ[10].

وبكلمات أخرى، انتهى بينفيلد إلى الموافقة على تأكيد الكتاب المقدس بأن للكائنات البشرية جسد وروح. ويقول: “لتوقع آلية الدماغ الأعلى أو أي مجموعة ردود أفعال، مهما كانت معقدة، لتنفيذ ما يفعله العقل، ولذلك يؤدي كل وظائف العقل، فإن هذا مناف للعقل تماماُ”[11]. ويقول: “يا له من أمر مثير، أن تكتشف أن العالم أيضاً يمكنه أن يصدق بطريقة منطقية وصحيحة بوجود الروح”[12].

وبنفس الطريقة، فإن أستاذ علم وظائف الأعضاء بجامعة أكسفورد السير تشارلز شيرينجتون، الحائز على جائزة نوبل والذي وصف بـ “العبقري الذي أرسى معرفتنا بعمل الدماغ والحبل الشوكي”[13] أعلن قبل وفاته بخمسة أيام: “بالنسبة لي الآن إن الحقيقة الوحيدة هي الروح الإنسانية”[14].

أما بالنسبة لتلميذه السابق جون سي. إكليس، العالم الفز للأمراض العصابية والحائز على جائزة نوبل، كان له نفس الاستنتاج فقال: “أنا مضطر لأن أعتقد بوجود ما يمكن تسميته بالأصل الخارق للعقل الواعي المتفرد أو الذاتي الفرادة، أو الروحي”[15].

ومن المنطقي ونحن في القرن 21 أن نصدق ما قاله جون كالفين من القرن 16 “إن المنح والمواهب الطبيعية التي نمتلكها لا يمكن أن نكون نحن مصدرها، ولكن لا بد وأن يكون مصدرها إلهي”[16]. هل إصرار الكتاب المقدس على أن الناس يتكونون من جسد وروح – مبدأ الثنائية – هو أمر مؤكد يمكن الدفاع عنه؟ أم أن المخ البشري هو ببساطة كما قال عنه مارفن مينساكي “كمبيوتر صنع من لحم” بفكر واعي كنتيجة لميكنة كلية؟[17]

وأعلن سيريل أن الوعي هو “الحقيقة الهامة الوحيدة التي تدل على وجودنا، فيما عدا الحياة ذاتها”[18]. وقد كان واضحاً بالنسبة لي بأن الإجابة على سر وغموض عقولنا هو إما أنه تأكيد قوي على مبدأ الطبيعة الدارونية أو تأكيد مقنع على وجود عقل أعظم قد خلقنا على شبهه.

تخـطـي حـدود الـدمـاغ

إنها أخبار مأخوذة من السطور الأمامية من التحقيقات العلمية على الوعي البشري. ونشرت ذلك صحيفة “البعث” وقد قُدمت للعلماء في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا عام 2001، وطوال العام قدمت الدراسة البريطانية الأدلة على أن الوعي يستمر حتى بعدما يتوقف دماغ الإنسان عن العمل ويعلن أنه قد مات اكلينيكياً (طبياً). إنه دليل قوي جديد على أن الدماغ والعقل ليسا نفس الشيء. ولكنهما كيانان متمايزان[19].

وقالت الصحفية سالة تيبيت بجريدة رويتر: “إن البحث يعيد إثارة الجدل حول ما إذا كانت هناك حياة بعد الموت، وما إذا كان هناك ما يسمى بالروح الإنسانية”[20].

وفي مقالتهما بإحدى الصحف قال طبيبا الأمراض العصابية سام بارنيا وبيتر فينويك، بمعهد طب الأمراض العقلية بلندن، وصفت دراستهما لضحايا الذبحة الصدرية لعدد 36 حالة والذين أعلن أنهم ماتوا طبياُ أنهم فيما بعد عاشوا وأجريت معهم لقاءات. وقرر 10٪ منهم أنهم تمتعوا بعمليات تفكير شفافة ومشرقة وذاكرة قوية في الفترة التي توقف فيها عمل الدماغ. وقد استبعدت آثار الحاجة إلى الأوكسجين او المخدر كعوامل لذلك. وفيما بعد وجد الباحثون حالات عديدة مشابهة[21].

وإن كنا بحاجة إلى مزيد من الدراسات على نطاق واسع، فإن بارميا الذي كان قد شكك في هذا مرة قال إن الدراسة العلمية حتى الآن تدعم وجهة النظر القائلة بأن العقل “الوعي” أو “الروح” هما كيانان منفصلان عن الدماغ”[22].

وقال إن الدماغ قد يعمل كآلية لإظهار العقل، وهذا يشبه جهاز التلفزيون الذي يظهر الصور والأصوات من الموجات في الهواء. وإذا حدث أن إصابة بالمخ تتسبب في أن شخصاً ما يفقد بعضاَ من سمات عقله أو شخصيته، فهذا لا يثبت بالضرورة أن المخ هو مصدر العقل. “فكل ما يبينه هو أن الجهاز قد دُمر”[23].

والأبحاث مستمرة بنشاط في هذا المجال وفي عناصر مجالات أخرى عن الوعي الإنساني[24]. وفي هذه الأثناء فالعلماء الملتزمون بإيجاد إجابة جسدية بحتة – ومن المناسب ان نسميهم الباحثين في العلوم الطبيعية – كانوا صرحاء عندما قالوا إنه ليس لديهم تفسير عن كيف يحدث الوعي من خلال المخ.

وقال سيريل: “ليست لدينا نظرية كافية عن كيف ان المخ يُحدث حالة الوعي، وليست لدينا نظرية كافية عن كيف أن الوعي يتسرب إلى الكون”[25].

وما زال سيريل وكثيرون غيره يجدون ملاذاً في إيمانهم الثابت بأن العلم سوف يكتشف أخيراً تفسيراً طبيعياً تماماً.

كما تنبأ أستاذ علم الأعصاب أنطونيو آر. داماسيو: “إنني واثق من أن تفسيراً مادياً عن انبثاق العقل من المخ سوف يظهر وربما قريباً جداً. ومع ذلك فإن هذا الشعور الطائش تواجهه بعض الصعوبات”[26].

ويدعو إكليس هذا النوع من السلوك: “يتضمن وعداً مادياً…. ومسرفاً ولا يمكن الوفاء به”[27]. وقام كثير من الباحثين مثل…… بتتبع أدلة العلم ومنطق الفلسفة إلى أي مكان تقودهم، حتى وإن أشارت إلى الثنائية. وقال عالم الإنسانيات مارلين شليز:

سوف أتخذ موقع تجريبي جذري، بأن تقودني المعلومات، وليس النظرية. والمعلومات التي أراها تقول لي أنه يوجد طرق فيها تفند خبرة الناس مكانة عالم الطبيعة الذي يقول بأن العقل هو المخ وليس أي شيء آخر. وهناك معلومات جامدة وصلبة تقول بأن وعينا وعقلنا قد يتوفق حدود المخ[28].

أما بالنسبة للكتاب المقدس، بعهديه القديم والجديد، يعلمنا بأن الإنسان مخلوق به روح وجسد وهذا ما قاله عالم الإنسانيات آرثر سي. كوستانس. وأضاف: “وإلى هذا الحد ليس هناك خلاف بين علم اللاهوت وما أثبتته الأبحاث الأخيرة”[29]. ويسترسل كوستانس قائلاً:

وضح [الكتاب المقدس] بجلاء أن الروح عندما تترك الجسد، يموت الجسد، أما إذا عادت الروح للجسد فالشخص كله يعود للحياة. وهذه الثنائية تكررت مئات المرات في أماكن كثيرة في الكتاب المقدس[30]…. وفي الحقيقة فإن خلق آدم كالإنسان الأول[31] كان نتيجة لإحياء الجسد بالروح جاعلاً إياه روحاً حية.

هل حقيقة أن المسيحية والأبحاث المعاصرة تؤيدان بعضهما البعض، بينما في نفس الوقت تتناقض مع الادعاء الداروني بأن المخ هو وحده المسؤول عن الوعي؟ وأنا أبحث عن إجابات هذه الأسئلة لم أكن مضطراً للسفر بعيداً عن منزلي في جنوب كاليفورنيا. إنها كانت مسافة بسيطة إلى منزل الأستاذ المشهور المدرب في العلم والفلسفة واللاهوت والذي كتب عن هذه الموضوعات لعدة سنوات[32].

المقابلة الثامنة: جي. بي. مورلاند، دكتوراه

عندما توجهت إلى منزل جي. بي. مورلاند في صباح بارد وجو مغطى بالضباب، كان يجلس خارج المنزل ممسكاً فنجاناً من القهوة بيده، بعد عودته من دردشة مع بعض جيرانه. كان لون شعره رمادياً، وشذبه منسق بطريقة جيدة، وكان يرتدي قميصاً أزرق اللون ورباط عنق أحمر.

قال لي: “مسرور أن أراك ثانية… هيا بنا ندخل”.

جلست على أريكة بجواره في غرفة المعيشة. وكانت الجلسة عادية بالنسبة لي منذ أن جليت معه في لقاءات سابقة للحديث عن موضوعات مثل: “القضية …. المسيح”[33]؛ “القضية …. الإيمان”*. وفي المرتين السابقتين وجدت أن لديه القدرة الممتازة لمناقشة القضايا المجردة والعويصة والأمور الفنية بلغة دقيقة. وهذا أمر غير عادي بالنسبة للعالم وغير شائعة للاهوتي، ونادرة بالنسبة لفيلسوف!

تلقى مورلاند تدريبه العلمي في جامعة ميسوري، حيث حصل على درجة علمية في الكيمياء. وكُرم بالدكتوراه الفخرية في الكيمياء النووية في جامعة كولورادو. ثم حصل على درجة الماجستير في اللاهوت في كلية اللاهوت بدالاس وحصل على دكتوراه في الفلسفة في جامعة جنوب كاليفورنيا.

وقد أظهر مورلاند اهتماماً بالموضوعات المرتبطة بالوعي الإنساني، وكتب عنه في كتبه بين الحين والآخر. وقد كتب وحرر وشارك في الكتابة في الكتب الآتية: “المسيحية وطبيعية العلم”، “الجسم والروح”، “مناقشة بين الحياة والموت”، “ما بعد الموت”، “هل يوجد إله؟”، “المنظور المسيحي للإنسان”، “فرضية الخلق”، “تحب الرب إلهك بكل فكرك” وكتب أخرى.

وعندما بدأنا لقائنا، اعتقدت انها ستكون فكرة طيبة أن نتطرق مباشرة إلى بعض التعريفات الهامة – وليس من السهل دائماً أن نناقش موضوع الوعي.

اسـتعادة الـوعـي

قال قاضي المحكمة الدستورية العليا بالولايات المتحدة بوتر ستيروارت: “قد يكون من الصعب تعريف الخلاعة ولكن أعرفها عندما أراها”[34]. وبنفس الطريقة، قد يصعب علينا وصف الوعي بالرغم من أن أفكارنا الواعية الملموسة لنا. وكما عبر عن ذلك جي. آر. سميذييس من جامعة أدنبرة “قد يكون وعي الآخرين شيئاً مجرداً بالنسبة لي، أما وعي أنا فهو حقيقة”[35].

قال مورلاند، مردداً صدى السؤال الافتتاحي الذي توقفت عنده للتو: “ما الوعي؟ التعريف البسيط يقول إنه ما تنتبه إليه عندما تفحص أفكارك ومشاعرك. عندما تنتبه لما يدور بداخلك هذا هو الوعي. افترض أنك أجريت عملية جراحية في فخذك، وفجأة تنبهت لما يقوله الناس عنك. وقد يقول أحدهم: أعتقد أنه بدأ يتماثل للشفاء”، وتبدأ تشعر بألم في ركبتك.

فتقول لنفسك: “أين أنا؟ ما الذي يحدث؟ وتبدأ في التذكر بأنه قد أجريت لك عملية. فالذي تفعله هو أنك تستعيد وعيك. وباختصار، يتكون الوعي من الأحاسيس والأفكار والعواطف والرغبات والمعتقدات والاختيار الحر الذي يجعلنا أحياء ومتنبهين”.

سألته: “ماذا يحدث لو أن الوعي غير موجود في العالم؟”

أجاب: ” سأعطيك مثلاً: يظل التفاح أحمر اللون ولكننا لا ننتبه لذلك أو نشعر به”.

سألته: “ماذا عن الروح؟ كيف تعرفه؟”

قال: “الروح هي الأنا أو النفس وهي تحتوي وعينا. وهي التي تُحي جسدنا. ولهذا يموت الجسد عندما تفارقه الروح. الروح غير مادية وهي مميزة عن الجسد”.

قلت له: “هذا ما يعلمه الكتاب المقدس”.

قال: “نعم، فقد فهم المسيحيون ذلك لمدة عشرين قرناً. فمثلاً، عندما كان المسيح على الصليب، قال للص المصلوب بجواره سوف يكون معه في الفردوس بعد موته وقبل القيامة الأخيرة بالجسد[36]. ووصف المسيح الجسد والروح على أنهما كينونتان منفصلتان عندما قال: “لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولا يستطيعوا قتل الروح”[37]. ويقول الرسول بولس عندما نغيب عن الجسد نكون حاضرين مع الرب”[38].

سألته: “وماذا يقول غير المسيحين عن ذلك؟ هل هذه الفكرة موجودة في ثقافات أخرى؟”

قال: “نحن نعرف أن مبدأ الثنائية قد دُرس باللغة اليونانية القديمة، مع أنهم – على خلاف المسيحيين – اعتقدوا أن الجسد والروح غرباء عن بعضهما البعض. وبكلمات معاصرة، أوافق مع ما قاله عالم الطبيعية جايجون كيم: “اعتقد أن في الإنسان شيء ثنائي (الروح والجسد) وهذا أمر موجود في معظم الثقافات والتقاليد الدينية”[39].

وما زال البعض ينكرون الثنائية وبدلاً من ذلك يعتقدون أننا كائنات جسدية فقط، مثلما قال عالم الجينات فرانسيز: “نحن لسنا أكثر من سلوكيات مجموعة من الخلايا العصبية وجزيئاتها المرتبطة بها”[40]. ولكي نكتشف هذا الموضوع، قررت أن أتبع أسلوباً غير عادي في لقائي مع مورلاند لسؤاله أن يتخيل – لمدة دقائق قليلة – أن علماء الطبيعة هؤلاء هم على صواب.

ماذا لـو أن مبـدأ الجسـدانية حقيقي؟

قلت له: “دعنا نواجه ذلك، فبعض الناس ينكرون أن لنا روحاً خالدة. وقال جون سيريل “في نظرتي العالمية أرى أن الوعي هو نتيجة عمليات بالمخ”[41]. وبمعنى آخر هم يعتقدون أن الوعي هو نتاج حيوي بحت. وقال عالم الدماغ باري بيرستين “مثلما تنتج الكليتين البول فكذلك العقل ينتج الوعي”[42].

وكان مورلاند يصغي باهتمام وأنا أتحدث إليه. وواصلت حديثي قائلاً: “أرجو أن تقدم لي خدمة – إن J. P. يدعي ولو للحظة بأن الذين يؤمنون بمبدأ الجسدانية هو على صواب. ما هو المعنى المنطقي المتضمن في هذا لو أن هذا المبدأ صحيح؟”

اتسعت عيناه وأجاب: “سوف تكون هناك العديد من المعاني”.

قلت له: “أعطني ثلاثة”.

قال: “أولاً، إذا كان مبدأ الجسدانية صحيح، فلن يكون الوعي موجوداً لأنه لن توجد حالات يجب وصفها من وجهة نظر الشخص الأول”.

“ولو كان كل شيء عبارة عن مادة، عندئذ يمكنك أن ترسم الكون كله في رسم بياني يمكنك تحديد كل نجم، والقمر، وكل جبل، ودماغ لي ستروبل وكليته…. إلخ. وإذا كان كل شيء جسدياً عندئذ يمكن وصفه تماماً من وجهة نظر الشخص الثالث. ونحن نعلم أن لدينا الشخص الأول (أنا) وجهة نظر ذاتية وشخصية، ولهذا لا يمكن لمبدأ الجسدانية أن يكون صحيحاً”.

“المعنى الثاني هو عدم وجود إرادة حرة، وذلك لأن المادة محكومة تماماً بقوانين الطبيعة. ولنأخذ أي أمر عادي، فمثلاً، السحابة هي شيء مادي ويحكم تحركها قوانين ضغط الهواء والرياح وما شابه ذلك. ولهذا فإن كنت أنا شيئاً مادياً، فكل ما أفعله سيتم بواسطة البيئة المحيطة والجينات وهكذا”.

“وهذا يعني انني لست حراً لأختار ما أشاء. وما سيحدث ستحركه البنية الجسدية والبيئة. إذاً فكيف تعترني مسؤولاً عن تصرفاتي وأنا لست حراً في اختيار ما أفعل؟ وهذه هي إحدى الأسباب التي جعلتنا نخسر حرب فيتنام”.

كنت أتابعه إلى أن وصل إلى الجملة الأخيرة التي بدت غريبة بالنسبة لي فسألته: “وما علاقة كل ذلك بحرب فيتنام؟”

قال مورلاند: “سمعت مستشاراً سابقاً للرئيس يقول إن سلوكيات سكيننير أثر على استراتيجية البتاجون. كان سكيننير يعتقد أننا مجرد أشياء جسدية ولهذا يمكنك التحكم في الناس، تماماً مثلما تتحكم في حيوان في المعمل ببعض الصدمات الكهربائية. استمر في عمل أشياء معينة مرة ومرات وعندئذ يتغير السلوك. ولهذا ففي فيتنام، ألقينا القنابل ورجعنا ثم ألقينا القنابل ورجعنا، وهكذا. وافترضنا أنه بعدما أعطينا أهالي فيتنام الشمالية صدمة بعد الأخرى أمكننا بسرعة التحكم واستغلال سلوكياتهم. واعتبرناهم مجرد أشياء جسدية تستجيب للدافع. وفي النهاية سيستلمون.

قلت له: “ولكنهم لم يفعلوا ذلك”.

قال: “هذا صحيح. لم تنجح هذه السياسة”.

قلت: “لماذا؟”

قال: “لأنه كان لديهم ما هو أكثر من مجرد المخ الجسدي ليستجيب للدافع. كانت لديهم أرواح ورغبات ومشاعر ومعتقدات واختيار حر لتحمل المعاناة والصمود من أجل ما اقتنعوا به بالرغم من محاولتنا للسيطرة عليهم بالقنابل”.

“ولهذا فلو كان الماديون على صواب، قل على الإرادة الحرة السلام. ففي وجهة نظرهم نحن مجرد كمبيوترات معقدة تتصرف طبقاً لقوانين الطبيعة والبرامج التي نتلقاها. ولكنهم مخطئون، فلدينا إرادة حرة. ونشعر ونعلم ذلك في أعماقنا. إننا أكثر من مجرد مخ جسدي”.

“ثالثاً، إذا كان مبدأ الجسدانية صحيحاً، فلن يكون هناك حالة متوسطة من تحرير الروح من الجسد. فطبقاً للإيمان المسيحي، إننا عندما نموت تترك أرواحنا أجسادنا وتنتظر قيامة الأجساد من الموت. إننا لا نتوقف عن الوجود عندما نموت. فأرواحنا تستمر في الحياة”.

“وقد حدث هذا في خبرات من كانوا على وشك الموت. بعض الناس ماتوا سريرياً، ولكن في بعض الأحيان كان لديهم غيرة وأفضلية النظر من فوق، فتطلعوا إلى أسفل إلى طاولة العمليات التي كان عليها جسدهم. وفي بعض الأحيان حصلوا على معلومات لم يستطيعوا معرفتها لو كان هذا مجرد خداع لمخهم الجسدي. إحدى السيدات ماتت وشاهدت حذاء تنس على سطح المستشفى. كيف عرفت ذلك؟”

“لو كنت أن مجرد مخ، عندئذ سيكون وجودي خارج الجسد مستحيلاً. وعندما يسمع الناس عن اختبارات الموت هذه، فلا يعتقدون أنهم إذا تطلعوا إلى سقف المستشفى سوف يروا مخاً ينبض وبه عينان تنظران إلى أسفل. هل هذا صحيح؟ وعندما يسمع الناس اختبارات الموت هذه فإنهم ينسبون بالوحي لهذا الشخص روحاً تستطيع أن تترك الجسد. وهذه القصص تعطي نوعاً من المعنى حتى وإن لم تتأكد من صدقها. إننا أكثر من مجرد جسد وإلا ستثير هذه القصص سخريتنا وضحكنا”.

سألته: “ماذا عنك أنت شخصياً؟ هل تصدق اختبارات على وشك الموت؟”

قال: “علينا أن نكون حذرين مع هذه المعلومات ولا نحملها أكثر مما تحتمل، ولكني أعتقد فعلاً أنها تعطينا على الأقل الحد الأدنى من المعلومات عن الوعي الذي يتخطى الموت. ورجوعاً لعام 1965 كتب الطبيب النفسي جون بيلوف في مجلة الإنسانيين إن الدليل على اختبارات القرب من الموت يوضح “وجود عالم ثنائي حيث يوجد وجود منفصل لكل من الروح والجسد منفصل عن هذا العالم المادي”. وهذا يمثل نوعاً من التحدي للفلسفة الإنسانية (تحقيق الذات عن طريق العقل) ومدى عمقها في حد ذاتها كتلك التي نادى بها تطور داروين ضد المسيحية منذ قرن مضى”[43].

“وبالرغم من كل ما يعتقد فيه البعض عن اختبارات قرب الموت، فلدينا تأكيد بأن يسوع مات وفيما بعد شوهد حياً من شهود عيان موثوق فيهم[44]. وهذا الأمر لا يعطينا فقط تأييداً وبرهاناً تاريخياً للحياة بعد الموت، ولكن أيضاً يعطي الرب يسوع مصداقية عظيمة لما علمه بأن لنا جسداً وروحاً خالدة”.

العـقـل الخـاص الـداخـلـي

عند هذه النقطة، بعدما فكرت فيما قاله مورلاند عن مبدأ الجسدانية، أردت أن أسمع منه عن حالة مؤكدة بأن كل من الوعي والروح هما كينونتان ماديتان[45].

فسألته: “ما هو الدليل الإيجابي على أن الوعي والنفس ليسا مجرد عملية جسدية للمخ؟”

قال: “لدينا معلومات مختبرة لشيء واحد. فمثلاً، جراح الأعصاب ويلدير بينفيلد حفز كهربائياً مخ مرضى الصرع واستطاع أن يجعلهم يحركون أذرعتهم أو أرجلهم، ويديرون رؤوسهم وأعينهم وأن يتحدثوا أو يبتلعوا شيئاً. وثبت أن المريض يستجيب بالقول: “أنا لم أفعل ذلك. أنت الذي قمت بهذا” وطبقاً لبينفيلد “يعتقد المريض بأن له وجود منفصل عن جسده”[46].

“ليس مهماً إلى أي مدى توغل بينفيلد داخل قشرة المخ، هكذا قال: “لا يوجد مكان…. حيث المحفز الكهربائي يدفع المريض لكي يفكر أو يقرر”[47] وذلك لأن تلك الوظائف تنشأ في النفس الواعية، وليس الدماغ”.

“والكثير من الأبحاث اللاحقة أيدت هذا الرأي. عندما درس روجر سبيري وفريقه الاختلافات بين فصي الدماغ الأيمن والأيسر، اكتشفوا أن للعقل قوة خاصة به منفصلة عن أنشطة المخ. وهذا الرأي دعا سبري بأن يقول بأن مبدأ المادية باطلة”[48].

“وقد أظهرت دراسة أخرى نوع من التأخير بين الزمن الذي تُسلط فيه الصدمة الكهربية على الجلد ووصولها لقشرة المخ والاستجابة الذاتية الواعية من قبل الشخص[49]. وهذا يبين أن النفس ليست مجرد آلة تتفاعل مع الدافع عندما يصل إليها. وفي الحقيقة، إن المعلومات المأخوذة من الأبحاث المختلفة هي متميزة جداً حتى أن لورنس سي. وود قال: “كثير من العلماء المختصون بدراسة المخ اضطروا بأن يسلموا بوجود عقل غير مادي بالرغم من أنهم لا يعتقدون في الحياة بعد الموت”[50].

سألته: “وما هو أبعد من المعمل؟”

قال: “توجد أيضاً مجادلات فلسفية. إنني أعرف أن الوعي ليس ظاهرة جسدية لأنه توجد أشياء حقيقية عن وعي وشعوري وهي ليست كذلك عن أي شيء جسدي”.

قلت له: “أعطني مثلاً”.

قال: “بعض أفكاري يمكن وصفها على أنها حقيقية والبعض الآخر زائف. ومع ذلك ولا واحدة من حالات مخي حقيقية أو زائفة. لا يستطيع أي عالم ان ينظر على حالة مخي ويقول: “إن هذه الحالة حقيقية وهذه الحالة زائفة”. ولهذا فيوجد شيء حقيقي عن حالات وعي وشعوري وليست كذلك بالنسبة لحالات مخي، ونتيجة لذلك لا يمكن أن تكون نفس الشيء”.

“لا شيء في مخي عن أي شيء. ولا يمكنك أن تفتح رأسي وتقول: “ها انت ترى ذلك النموذج الكهربائي في النصف الأيسر من مخ “جي. بي. مورلاند”. فحالات مخك ليست عن أي شيء ولكن بعض حالات عقلي تفكر في أشياء معينة. ولهذا فهناك اختلاف بينهما”.

“وأكثر من هذا، فإن وعي وشعوري هو أمر داخلي وخاص بي. وعن طريق المعرفة وفحص الأفكار لدي طريقة لمعرفة ما يحدث بداخل عقلي وليس متاح معرفته لك أو لطبيبي أو لطبيب الأعصاب. والعالم يستطيع أن يعرف أكثر عما يحدث في مخي (وليس عقلي) أكثر مما أعرف أنا. وعليه أن يسألني”.

وعندما سألت مورلاند عن مزيد من التوضيح سألني: “هل سمعت عن حركة العين السريعة؟” قلت: “بالتأكيد”.

قال: “ماذا تبين أو توضح أو تظهر؟”

قلت: “الأحلام”

قال: “تماماً. كيف يعرف العلماء عندما يرون حركة معينة للعين بأن الناس يحلمون؟ عليهم أن يوقظوا الناس ويسألوهم. ويستطيع العلماء مراقبة العين وهي تتحرك ويقرأوا أثر ما يحدث جسدياً داخل المخ ولهذا فبإمكانهم التمييز بين حالات العقل وحركات العين. ولكنهم لا يعرفون ما يدور في الذهن. لماذا؟ لأن هذا أمر داخلي وخاص”.

“ولهذا فالعالم يستطيع أن يعرف عن المخ بدراسته، ولكنه لا يستطيع أن يعرف عن العقل بدون أن يسأل الشخص لكي يكشف له ذلك، لأن حالات الوعي لها ملامح الأمر الداخلي والخصوصية، وليس هكذا المخ”.

[1] Michael Ruse, Can a Darwinian BE a Christian? Cambridge: Oxford University Press, 2001), 73.

[2] Ray Kurzweil, “The Evolution of Mind in the Twenty- First Century,” in Jay W. Richards, editor, Are We Spiritual Machines? (Seattle: Discovery Institute, 2002), 12, 29, 44-45, (emphasis added).

[3] Thomas Huxley, “Mr. Darwin’s Critics,” Contempotary Rewiew (Noverber 1871).

[4] Edward O. Witson, Consilience (New York: Vintage, 1998), 132.

[5] “Do Brains Make Minds?” On the television program Closer to Truth, first aired October 2000.

[6] John Searte, “I Married a Computer,” in Jay W. Richards, editor, Are We Spiritual Machines? 76.

[7] “Do Brains Make Minds?” On Closer to Truth.

[8] Quoted in World Magazine (July/August 2002).

[9] Wilder Penfield, The Mystery of the Mind (Princeton: Priceton Univ. Press, 1975). Xiii.

[10]Lee Edward Travis, “Response,” in Arthur C. Custance, The Mysterious Matter of Mind (Grand Rapids, Mich.: Zondervan; and Richardson, Texas: Probe Ministries, 1980), 95-96.

[11] Wilder Penfield, The Mystery of the Mind, 79.

[12] Ibid., 85.

[13] The British Medical Journal (March 15, 1952), quoted in Arthur C. Custance, The Mysterious Matter of Mind, 51.

[14] Karl R. Popper and John C. Eccles, The Self and Its Brain (New York: Springer-Verlag, 1977), 558.

[15] Ibid., 559-60.

[16] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, 1536, quoted in J. P. Moreland, Scaling the Secular City (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1987), 77.

[17] There are two major species of dualism: substance dualism and property/event dualism. For a brief description of the distinctions between the two. see Gary R. Habermas and J. P. Moreland, Beyond Death (Wheaton: Crossway, 1998), 37-66. For purposes of this chapter, the term “dualism” refers to substance dualism.

[18] “What Is Consciousness?” on the television program Closer to Truth, first aired June 2000.

[19] See: S. Parnia, D. G. Waller, R. Yeates, and P. Fenwick, “A Qualitative and Quantitative Study of the Incidence, Features and Aetiiology of Near-Death Experience in Cardiac Arrest Survivors,” Resuscitation (February 2001).

[20] Sarah Tippit, “Scientist Says Mind Continues After Brain Dies,” Reuters (June 29, 2001).

[21] Sam Parnia, “Near Death Experiences in Cardiac Arrest and the Mystery of Consciousness,” available at www.datadiwan.de/SciMedNet/library/artictesN75+N76Parnia_nde.htm (accessed June 13, 2003).

[22] Ibid.

[23]Sarah Tippit, “Scintist Says Mind Continues After Brain Dies”.

[24] For a discussion, see Gary R. Habermas and J. P. Moreland, Beyoud Death, 155-218, and Patrick Glunn, God: The Evidence (Rocklin, Calif.: Forum, 1997), 99-137.

[25] “What Is Consciousness?” on Closer to Truth.

[26] Antonio R. Damasio, “How the Brain Creates the Mind,” Scientific American (December 1999).

[27] John C. Eccles, The Human Mystery (New York: Springer-Verlag, 1979), cii, quoted in: Robert M. Augros and Gororge N. Stanciu, The New Story of Science, 171.

[28]”Do Brains Make Minds?” on Closer to Truth.

[29] Arthur C. Custance, The Mysterious Matter of Mind, 90.

[30] See: James 2: 26 and Luke 8:55.

[31] For Example see: Matthew 26:41; Tomans 8:10; I Corinthians 5:5, 6:20, 7: 34; 2 Corinthians 7:1; and Galatians 5:17.

[32] See: Genesis 2; 27. Quotation from: Arthur c. Custance, The Mysterious Matter of Mind, 93 (italics removed).

[33] See: “The Circumstantial Evidence” in: Lee strobel. The Case for Christ, 244-57, and “Objection #6: a Loving God Would Never Torture People in Hell,” in: Lee Strobel, The Case for Faith, 169-94.

* صدرت الترجمة العربية للكتابين من مكتبة دار الكلمة، القاهرة 2007.

[34] Justice Potter Stewart (concurring), Jacobellis v. Ohio, 378 U. S. 198 (1964).

[35]J. R. Smythies, “Some Aspects of Consciousness,” in Arthur Koestler and J. R. Smythies, editors, Beyond Reductionism (London: Hutchinson, 1969), 235, quoted in Arthur C. Custance, The Musterious Matter of Mind, 35.

[36] Luke 23: 43: “Today you will be with me in paradise.”

[37] Matthew 10: 28.

[38] 2 corinthians 5: 8.

[39] Jaegwon Kim, “Lonely Souls: Causality and Substance Dualism,” in Kevin Corcoran, editor, Soul, Body, and Survival (Ithica, Ny: Cornell Univ. Press, 2001), 30.

[40] Francis Crick, The Astonishing Hypothesis (New York: Scribner’s, 1994), 3.

[41] “What Is Consxiousness?” on Closer to Truth.

[42]”Do Brains Make Minds?” on Closer to Truth.

[43] Cited in David Winter, Hereafter: What Happens after Death? (Wheaton, III.: Harold Shaw, 1972), 33-34.

[44] For a short description of the evidence for the Resurrection, see Gary R. Habermas and J. P. Moreland, Beyoud Death, 111-54.

[45] See: Wilder Penfield, The Mystery of the Mind, 76-77.

[46] Wilder Penfield, “Control of the Mind” Symposium at the University of California Medical Center, San Francisci, 1961, quoted in Arthur Kpestler, Ghost in the Machine (London Hutchinson, 1967), 203.  

[47]Wilder Penfield, The Mystery of the Mind, 77-78.

[48] See: Roger W. Sperry, “Changed Concepts of Braind and Consciousness: Some Value Implications,” Zygon (March 1985).

[49]Laurence W. Wood, “Recent Brain Research and the Mind-Body Dilemma,” The Asbury Theological Journal, vol. 41, no. 1 (1986).

[50] Ibid.

برهان الوعي : لغز العقل 1 – لي ستروبل

برهان الوعي : لغز العقل 2 – لي ستروبل

برهان الوعي : لغز العقل 2 – لي ستروبل 

برهان الوعي : لغز العقل 2 – لي ستروبل

برهان الوعي : لغز العقل 2 – لي ستروبل 

حقيقة الروح

لقرون طويلة فتنت الروح الإنسانية الشعراء، وتحدث الفلاسفة، وصعقت العلماء. والمتصوفون مثل تيريزا الأفيلية في القرن 16 وصفوها ببلاغة قائلين: “بدأت أفكر في الروح كما لو كانت قلعة مصنوعة من جوهرة واحدة أو من بلور نقي، بها الكثير من الحجرات، تماماً مثل السماء التي بها منازل كثيرة”[1].

وكان مورلاند محدداً في تحليله للروح وأقل شاعرية في أسلوبه. وقال بكل وضوح “إن الروح تحتوي على وعينا وشعورنا. ولم يقدم أي سبب يدعونا لأن نثق بأن الروح لها كينونة ووجود فعلي.

فسألته: “ما الذي يجعلك تعتقد أن الروح حقيقية؟”

قال: “أولاً، نحن ندرك أننا مختلفون عن وعينا وأجسادنا. ونعلم أننا كائنات لها وعي وجسد، ولكننا لسنا مجرد نفس الشيء مثل حياتنا الواعية أو حياتنا الجسدية”.

“دعني أوضح لك الأمر عن كيف أننا لسنا نفس الشيء كصفاتنا الشخصية وذكرياتنا ووعينا. كان لدي تلميذ منذ بضعة سنوات حدث حادث خطير لأخته وهي في شهر العسل. سقطت فاقدة الوعي والذكريات وجزءً من شخصيتها. لم تصدق أنها تزوجت. وعندما بدأت في استرداد صحتها، عرضوا عليها شريط فيديو حقل زفافها لإقناعها بأنها تزوجت فعلاً. وأخيراً استوعبت الأمر وصدقت أنها تزوجت”.

“والآن، نعرف كلنا أنها نفس الشخص وهي اخت جيمي. ولم تكن شخصية مختلفة مع أنها كانت تتصرف بطريقة مختلفة. ولكن كانت لديها ذكريات مختلفة تماماً. لقد فقدت ذكرياتها القديمة ولم تكل لديها نفس الشخصية. وهذا يبرهن على أنه باستطاعتك ان تكون نفس الشخص حتى وأن فقد ذكرياتك القديمة وربحت ذكريات جديدة، أو تفقد بعضاً من صفات شخصيتك القديمة وتكتسب صفات شخصية جديدة”.

“والآن، فإذا كنت أنا مجرد وعي فقط، وعندما يكون وعي مختلفاً، فسوف أكون شخصاً مختلفاً. ولكنني أعرف أنني أستطيع أن أكون نفس الشخص حتى وإن تغير وعي، ولهذا لا أستطيع أن أكون نفس الشيء مثل وعي وشعوري عليّ أن أكون “النفس” أو “الروح” التي تحتوي وعي وشعوري”.

“نفس الشيء مع جسدي. لا يمكنني أن أكون نفس الشيء مثل جسدي أو مخي. كانت هناك قصة في التلفزيون عن مريضة بالصرع اجتازت عملية جراحية أزال فيها الجراحين 53٪ من مخها. وعندما استيقظت لم يقل أحد ان لدينا 47٪ من شخص هنا. فالإنسان او الشخص لا يمكن تقسيمه إلى قطع أو أجزاء. أما أن تكون شخصاً أو لا. ولكن مخك وجسمك يمكنك تقسيمهما. وهذا يعني أنه لا يمكن أن أكون نفس الشيء مثل جسدي.

رغم أن هذه التفسيرات ساعدتني بعض الشيء قلت له: “إن حقيقة أن الروح والوعي لا يمكن رؤيتهما فهذا يصعب الأمر في تكوين فكرة عنهما”.

قال: “بالتأكيد، هذا صحيح. إن روحي ووعي لا يمكن رؤيتهما ولكن الجسد يمكن رؤيته. وهذا اختلاف آخر. إنني أتذكر الوقت الذي كانت فيه ابنتي في الصف الخامس وصلينا من أجلها كعائلة. وقالت: “يا أبي لو استطعت أن أرى الله فذلك سيساعدني للإيمان به”. قلت لها: “حسناً يا حبيبتي، المشكلة أنك لن تر الله. والمشكلة أنك لن تر والدتك. وكانت أمها تجلس بجوارها تماماً!”

قالت ابنتي: “ماذا تقصد يا أبي؟” قلت لها: “افترضي – بدون أن نجرح مشاعر ماما – أننا استطعنا أن نحلل ماما إلى خلايا ونتطلع داخل كل خلية. لن نستطيع أن نصل إلى الحالة التي فيها نستطيع أن نقول: “انظر – هنا ماما تفكر ماذا ستفعل بقية اليوم. أو تقول: “هذه الخلية تشتمل على مشاعر ماما”. أو تقول “هذه هي فكرة ماما عن كرة القدم” لن نتمكن من إيجاد أفكار ماما ومعتقداتها ورغباتها أو مشاعرها”.

“خمني، ماذا أيضاً لا نستطيع أن نجده؟ لن نجد نفس ماما أو “الأنا”. ولن نقول: “وأخيراً، في هذه الخلية الخاصة يمكننا أن نجد ماما. هنا توجد “الأنا” الخاصة بها أو “نفسها”: ذلك لأن ماما هي شخص والأشخاص لا يمكن رؤيتهم. وكذلك فإن الأنا الخاصة بماما وحياتها الواعية لا يمكن رؤيتها. والآن، فهي صغيرة للغاية حتى يكون لها جسد، في حين ان الله كبير للغاية حتى أنه لا يمكن أن نمده بجسد ولهذا دعينا نصلي!”

“والنقطة التي أريد أن أوضحها يا لي هي: إنني روح ولي جسد. ونحن لا نتعلم ونعرف شيئاً عن الناس بدراسة أجسادهم بل بمحاولة معرفة كيف يشعرون وبماذا يفكرون وتجاه أي شيء يتعاطفون وما هي نظرتهم للعالم… إلخ. وإذا بدأنا بأجسادهم فقد يعرفنا ذلك ما إذا كانوا يحبون التمرينات الرياضية أم لا، ولكن هذا الأمر لا يساعدنا كثيراً. ولهذا فنحن نريد أن “ندخل” داخل الناس لنعرف شيئاً عنهم”.

“ولهذا فإن استنتاجي الأخير هو أنه لدي الكثير أكثر من مجرد حياتي الواعية وجسدي. وفي الحقيقة أنا “نفس” أو “أنا” التي لا يمكن رؤيتها أو لمسها ما لم أعبر عن نفسي من خلال سلوكي وحديثي. إن لدي إرادة حرة لأنني “نفس” أو “روح” ولست مجرد “دماغ””.

حـديـث عن الكمبيـوتـر والخفـافيـش

إن إنكار مورلاند بأن المخ يستطيع أن ينتج الوعي والشعور جعلني أفكر في مناظرة عما إذا كانت أجهزة الكمبيوتر في المستقل بإمكانها أن تصبح عاطفية. وصممت أن أسأله ليقيّم هذه القضية بالرغم من أن النتيجة التي سيتوصل إليها غير مشكوك فيها.

قال مورلاند: “إذا تمكنت ماكينة أن تحقق قوة مساوية أو أكبر من تلك التي للمخ الموجود في الكائنات البشرية، عندئذ سيقول أولئك الذين يؤمنون بمبدأ الجسدانية أن الكمبيوتر سوف يكون واعياً. وأعتقد أنك لا توافق على هذا؟”

ضحك موريلاند وهو يقول: “قال أحد الملحدين بأنه عندما تصل أجهزة الكمبيوتر إلى نقطة تقليد سلوك الإنسان، فإن الذين يؤمنون بالتمييز العنصري فقط سيرفضون منحها (منح أجهزة الكمبيوتر) الحقوق الكاملة التي للإنسان. ولكن هذا أمر مثير للسخرية والضحك. وقال جون إكليس الحائز على جائزة نوبل إنه قد روع من سذاجة أولئك الذين يتنبؤون بمشاعر وعاطفة الكمبيوتر”. وقال “إنه ليس هناك دليل على الإطلاق بأنه يمكن أن تكون لأجهزة الكمبيوتر نوعاً من الوعي أو الشعور الذاتي”[2].

“وعلينا أن نتذكر أن أجهزة الكمبيوتر لها ذكاء صناعي وليس طبيعي. وهناك فرق كبير بينهما. ولا يمكننا أن نشبه الكمبيوتر بشيء حي. فالكمبيوتر ليس له مشاعر داخلية أو وعي أو وجهة نظر شخصية ولا بصيرة لحل المشكلات. إنه لا يفكر. إنه يستطيع أن يشترك في التصرفات إذا أعطيناه التعليمات الصحيحة، ولكن عليك أن تتذكر أو الوعي أو الشعور ليس هو نفس الشيء مثل السلوك. فالوعي شيء حي، وهو الذي يدفع للسلوك في الكائنات الحية الواعية. ولكن الذي يحرك الكمبيوتر هو الدائرة الكهربائية”.

“دعني أوضح لك ذلك. افترض أن لدينا خفاش مزود بعقل اليكتروني والذي نعرف عنه كل شيء من الناحية الجسدية. سوف تكون لدينا معرفة كاملة بمجموعة الدورات الكهربائية، ولذا يمكننا التنبؤ بكل شيء سيفعله هذا الخفاش عندما ينطلق إلى البيئة الخارجية”.

“قارن ذلك بخفاش حقيقي. افترض أننا نعرف كل شيء عن الأعضاء الداخلية للخفاش – نظام دورته الدموية، جهازه العصبي، مخه، قلبه، رئتيه. وافترض أيضاً أننا نستطيع أن نتنبأ بكل شيء سيفعله هذا الخفاش إذا انطلق للبيئة الخارجية. فسيظل هناك شيء واحد ليست لدينا أيه فكرة عنه: كيف يعيش الخفاش. كيف يسمع ويشعر ويميز الأصوات والألوان. وكل هذه الأمور هي “داخل” الخفاش ذاته، ووجهة نظره. وهذا هو الفرق بين الخفاش الواعي الذي يتمتع بالشعور وبين الخفاش المزود بعقل اليكتروني”.

“إن أجهزة الكمبيوتر يمكنها أن تقلد الذكاء ولكن لا يمكن أن يكون لديها أي نوع من الوعي. ولا يمكننا أن نخلط بين السلوك مع ما يشبه أن تكون حياً، ويقظاً وذات مشاعر وعواطف. ربما في المستقل يتمكنوا من اختراع كمبيوتر متطور للغاية ويبرمج ليقول إنه واع أو حتى يمكنه التصرف بوعي، ولكن لا يمكنه أن يكون كذلك لأن الوعي هو كينونة غير مادية وبعيدة عن المخ”.

كان اختيار مورلاند للخفاش كمثل ليوضح به ما يريد أن يقوله نوع من الغموض والتشويش والانحراف في الكلام بالنسبة للفيلسوف توماس نايجل في جامعة نيويورك وكتب مقالة في عام 1974 بعنوان: “ماذا سيحدث لو أصبحت خفاشاً؟”[3]. إن التفكير في الحياة من منظور خفاش حفزتني لكي أتساءل عن أمر آخر في موضوع ملموس: “ماذا عن الحيوانات هل لديها أرواح ووعي؟” كان هذا سؤالي له.

فأجاب بسرعة: “بكل تأكيد. وفي أماكن عديدة من الكتاب المقدس استخدم الله كلمة “نفس” أو “روح” عندما كان الكلام عن حيوانات[4]. فالحيوانات ليس مجرد آلات. إن لديها وعياً ووجهات نظر. ولكن روح الحيوان هي أبسط من روح الإنسان. فمثلاً، روح الإنسان قادرة على التصرف الأخلاقي الحر، ولكنني أعتقد ان روح الحيوان مصممة. وقال أوغسطينوس إن للحيوانات أفكاراً ولكنها لا تفكر في تفكيرها. وبينما للإنسان معتقدات فليست هكذا الحيوانات”.

“وها أنت ترى أن روح الإنسان أكثر تعقيداً لأنها صنعت على صورة الله. ولهذا فلدينا تفكيرنا الذاتي. وبينما تحيا الروح بعد موت الجسد، فلا أعتقد أن روح الحيوان تعيش بعد موته. قد أكون مخطئاً، ولكنني أعتقد أن روح الحيوان لا تعيش بعد موته”. أخبار سيئة بالنسبة للخفاش.

الـوعـي والتـطـور

لقد حاك مورلاند قضية مقنعة للوعي والروح لكونهما مستقلان عن المخ والجسد. فسألته: “كيف يمثل هذا مشكلة لأتباع داروين؟”

نظر مورلاند إلى بعض المذكرات التي أحضرها معه “وكما قال الفيلسوف جيفري ميديل” إن ظهور الوعي هو سر غامض وقد فشلت المادية أن تجد إجابة لذلك: ووافع الملحد كولن مكجنن على هذا القول. ثم سأل: “كيف يمكن لمجرد مادة أن تنتج وعياً؟ كيف حول التطور ماء الأنسجة الحيوية إلى نبيذ الوعي؟ إن الوعي يبدو وكأنه شيء جديد تماماً في الكون وليس كأثر ظهر بعد الانفجار الهائل الأولي. كيف وجد الوسيلة لكي يظهر مما سبقه؟”

نظر مورلاند مباشرة لي وقال: “هنا بيت القصيد: لا يمكنك أن تحصل على شيء من لا شيء. فلو لم يوجد إله، عندئذ سيكون تاريخ الكون كله، حتى ظهور المخلوقات الحية، تاريخ مادة ميتة لا وعي لها. ولن تكون لدينا أية أفكار، معتقدات، مشاعر، احساسات، تصرفات حرة، اختيارات أو أهداف. وببساطة سوف يكون هناك حدث طبيعي يتلوه حدث آخر. ويحدث طبقاً لقوانين الفيزياء والكيمياء”.

وتوقف مورلاند لحظة لتأكد أن الصورة اتضحت في ذهني. ثم سأل: “كيف تحصل إذاً على أشياء تختلف تماماً – وعي، حياة، تفكير، شعور، مخلوقات تؤمن – من مواد ليست بها مثل هذه الأمور؟ كما لو أنك تريد أن تحصل على شيء من لا شيء! وهذه هي المشكلة الرئيسية.

“إذا طبقت عملية في علم الطبيعة على مادة طبيعة، فسوف تحصل على مواد طبيعية مختلفة. فمثلاً، إذا سلطت الحرارة على وعاء به ماء فسوف تحصل على منتج جيد هو البخار وهو أكثر تعقيداً من الماء، ولكنه ما زال مادة طبيعية. وإذا كان تاريخ الكون مجرد قصة لعمليات طبيعية طبقت على مواد طبيعة، فسوف ينتهي بك الأمر إلى ترتيبات معقدة متزايدة من مواد طبيعية، ولكنك لن تحصل على شيء غير طبيعي”.

“وفي نهاية اليوم – كما قال فيليب جونس – إما أن يكون لك ” في البداية كان الجزيئات” أو “في البداية كانت الكلمة” والتي تعني “العقل الإلهي”. وإذا بدأت بالجزيئات، وتاريخ الكون هو مجرد قصة عن إعادة ترتيب الجزيئات، فقد تنتهي إلى ترتيب أكثر تعقيداً من الجزيئات، ولكن ستظل تحصل على جزيئات ولن تحصل على عقول أو وعي”.

“ومع ذلك – وهذا أمر هام – إذا بدأت بعقل غير محدود، عندئذ يمكنك أن توضح كيف ظهرت ووجدت العقول المحدودة. وهذا كلام معقول وله معنى. أما ما ليس له معنى – وهو ما يسلم به كثير من الملحدين الذين يؤمنون بنظرية التطور – فهو فكرة الحصول على عقل وقد ظهر للوجود بأنه بدأ بمادة او شيء ميت لا عقل له. ولهذا يحاول البعض فهم أن يتخلصوا من موضوع الوعي بقولهم إنه ليس حقيقياً وأننا مجرد أجهزة كمبيوتر”.

وابتسم مورلاند بعد هذه العبارة الأخيرة وقال: “ومع ذلك، فإنه لأمر صعب أن تحتفظ به وأنت في وعيك!”

انبثـاق العـقـل

قلت معترضاً: “بعض العلماء ما زالوا يصرون على أن الوعي هو مجرد شيء يحدث كنتاج عرضي طبيعي لتعقيدات المخ. وهم يعتقدون أنه إذا استطاع التطور أن يعطينا طاقة كافية في المخ فسوف يظهر الوعي كعملية حيوية”.

قال مورلاند: “دعني أذكر أربعة مشاكل في هذا الأمر. أولاً، لم يعودوا يعاملون المادة كما يتعامل معها الملحدون وأصحاب المذهب الطبيعي، كمادة صماء والتي يمكن وصفها بقوانين الكيمياء والطبيعة. والآن هم ينسبون إليها (لهذه المادة) قوة كامنة عصبية روحية عقلية”.

سألته: “ماذا تقصد بالقوة الكامنة؟”

قال: “إنهم يقولون إنه قبل هذا المستوى من التعقيد، اشتملت المادة على القوة الكامنة للعقل ليك يبزغ ويظهر، وفي اللحظة المناسبة، لتخمن ماذا حدث؟ هذه القوى الكامنة نشطت وظهر الوعي للوجود”.

سألته: “وما هو الخطأ في هذه النظرية؟”

قال: “إنها لم تعد بحسب المبدأ الطبيعي. إنها panpsychism”.

لقد كان هذا المصطلح جديداً عليّ فقلت له: “ماذا تعني؟”

قال: “إنه وجهة النظر التي تقول بأن المادة ليس فقط مادة طبيعية خاملة، ولكنها تشمل أيضاً على حالات عقلية بدائية بداخلها. وفجأة، تخلوا عن رأي علمي صارم عن المادة وتبنوا رأياً قريباً من الإيمان بإله واحد منه إلى الإلحاد. والآن هم يقولون بأن العالم بدأ ليس فقط بالمادة ولكن بمادة تحمل صفات عقلية وجسدية في نفس الوقت. ومع ذلك فهم لا يستطيعوا تفسير من أين جاءت هذه الخواص العقلية في المقام الأول. وهذا يصعب الموقف عليهم لكي يجادلوا ضد وجود الله”.

سألته: “ماذا تقصد بكلمة بزوغ او ظهور الله؟”

قال: “إذا كان ممكناً لعقل غير محدود أن يبزغ عندما تصل المادة إلى مستوى معين من التعقيد، لماذا لا يستطيع عقل أعظم بكثير – الله – أن يبزغ عندما تصل ملايين من حالات المخ إلى مستوى عظيم من الوعي؟ إنهم يريدون إيقاف العملية حيث يريدونها أن تقف ولكنك منطقياً لا تستطيع أن ترسم هذا الخط. كيف يمكنهم أن يعرفوا أن إلهاً عظيماً قد نشأ من المادة، لأنه، بعد كل هذا، ألم يتمتع كثيرون من الناس باختبارات دينية مع الله؟”

قلت له: “إن هذا ليس هو الله الذي في المسيحية؟”

قال: “نعم أوافق على هذا. ولكنها ما زالت مشكلة بالنسبة للملحدين. كما توجد مشكلة أخرى: إنهم ما زالوا متمسكين بمبدأ الحتمية والجبرية، لأنه إذا كان الوعي هو مجرد وظيفة للمخ، عندئذ أنا أكون كما يريد مخي، ومخي يعمل طبقاً لقوانين الكيمياء والطبيعية. وبالنسبة لهم، فإن علاقة العقل بالمخ مثل علاقة الدخان بالنار. النار هي التي تسبب الدخان، ولكن الدخان لا يتسبب في عمل أي شيء. إنه مجرد منتج جانبي او حصيلة ثانوية. ولهذا، فإنهم متمسكون بمبدأ الحتمية.

“ثالثاً، إذا نشأ العقل من المادة بدون توجيه من ذكاء علوي، لماذا يجب علينا أن نثق في أي شيء من العقل على أنه صادق وحقيقي، خاصة في مجال التفكير النظري؟”

“دعني أعطيك تشبيهاً مماثلاً. افترض أن لديك كمبيوتر مبرمج بقوى عشوائية أو بقوانين غير منطقية وبدون عقل يوجهها. هل تثق بأية نتيجة يعطيها لك هذا الكمبيوتر؟ كلا، بالتأكيد. نفس الشيء بالنسبة للعقل – وهذه مشكلة بالنسبة للدارونيين. وبالمناسبة، لا يمكنك استخدام نظرية التطور كتفسير للسؤال لماذا يجب أن نثق في العقل؟ لأن التفكير النظري لا يساهم في قيمة البقاء”.

ذكرتني تعليقات مورلاند باقتباس مشهور مما كتبه التطوري البريطاني جي. بي. إس. هالدان: “إذا كانت عملياتي الذهنية تُقررها حركة الذرات في عقلي، إذاً فليس لدي سبب يجعلني أفترض أن معتقداتي حقيقية… ولهذا فليس لدي سبب لأفترض بأن مخي يتكون من ذرات”[5].

وواصل مورلاند حديثه: “المشكلة الرابعة هي: إذا كان عقلي هو مجرد وظيفة للمخ فلن تكون هناك نفس موحدة. تذكر أن وظيفة المخ منتشرة عبر المخ كله، ولهذا فإذا قطعت المخ إلى نصفين عندئذ سوف تُفقد بعض الوظائف. فأنت الآن لديك 47٪ من الشخص. لا يمكن لأحد أن يصدق هذا. فكلنا يعلم أنها نفس متحدة لأن وعيها وروحها كينونتان منفصلتان عن مخها”.

“وهناك سمة أخرى في هذا الأمر يسمى “مشكلة التماسك والرباط”. عندما تنظر إلى هذه الغرفة سترى أشياء كثيرة في نفس الوقت: طاولة، حائط، صورة داخل برواز. ولكل شيء على حدة موجات ضوئية تنطلق منه إلى العين محدثة إشعاعاً لنشاط كهربي في مناطق مختلفة من المخ. وهذا يعني أنه لا يوجد جزء واحد من المخ ينشط بكل هذه الخبرات. ولذلك، فإذا كنت أنا كما يريدني مخي الجسدي، فسوف أكون مجموعة من الأجزاء المختلفة لكي منها يقظته وانتباهه بعيداً عن الأجزاء الأخرى في مجال الرؤية”.

“ولكن ليس هذا ما يحدث، إنني “وحدة واحدة” لها كل هذه الرؤية معاً وليست مجزئة. وهناك شيء يربط كل هذه الأجزاء معاً ويوحدهم معاً لي أنا (نفس واحدة)، وبالرغم من عدم وجود منطقة في المخ بها كل هذه المواقع النشطة. وذلك لأن وعي ونفسي هما كينونتان منفصلتان عن المخ”.

سألته: “ماذا عن الدراسات الحديثة للمخ التي أظهرت نشاطاً في مناطق معنية للمخ أثناء التأمل والصلاة؟ ألا يوضح هذا أنه توجد أسس جسدية لهذه الاختبارات الروحية في مقابل أسس غير مادية في الروح؟”

قال: “كلا. فكل ما بينته هذه الدراسات هو وجود ارتباط مع الاختبارات الروحية”.

قلت له: “أرجو أن توضح لي هذا؟”

قال: “حسناً، ليس هناك شك في أنني عندما أصلي، أو أشم زهرة، أو أفكر في شيء ما، فإن مخي ما زال موجوداً. إنه لا يُلغى من الوجود عندما تكون لدي حياة واعية، بما في ذلك الصلاة. وسأكون سعيداً للغاية إذا تمكن العلماء من قياس ما يحدث بداخل مخي وأنا أصلي، وأنا أشعر بالغفران، أو حتى أفكر في وجبة الغذاء. ولكن تذكر: إن وجود علاقة بين شيئين، هذا لا يعني أنهما نفس الشيء فوجود علاقة بين النار والدخان، لا يعني بأن الدخان هو نفس الشيء مثل النار”.

“وفي بعض الأحيان يمكن لحالات مخك أن تتسبب في حالات وعيك. فمثلاً، إذا فقدت وظائف المخ بسبب مرض الزهايمر، أو بسبب ضربة على الرأس، فأنت تفقد العقل الواعي. ولكن هناك دليل بأن هذا الأمر قد يسلك طريقاً آخر. فتوجد معلومات تبين أن حياتك الواعية قد تعيد تشكيل مخك”.

“فمثلاً، قام العلماء بعمل دراسات على مخ أناس ينزعجون كثيراً، ووجودا أن الحالة الذهنية للانزعاج غير كيمياء المخ. كما قام العلماء بعمل دراسات على مخ أطفال صغار لم يتمتعوا بالحب والرعاية وقد اختلفت هذه النماذج عن أطفال تمتعوا بالحب والدفء والرعاية. وهذا يبين أنه ليس المخ وحده هو الذي يتسبب في حدوث الأشياء في حياتنا الواعية، فحالات الوعي أيضاً يمكنها أن تحدث أشياء في المخ”.

“ونتيجة لذلك، لا أريد أن أقول إنه توجد أسس جسدية للاختبارات الروحية، مع أنها قد تكون مرتبطة بذلك. وأحياناً قد تتسبب وتؤثر ما بين المخ والعقل أو العكس. كيف يعرف العلماء أنه ليس حياة الصلاة هي التي تسبب حدوث شيء ما في مخي وليس العكس؟”[6]

عـودة شـفرة أوكهـام

أثناء حديثنا عن العقل البشري، عدت بتفكيري إلى لقائي مع وليم لي كريج، والذي تحدث فيه عن مبدأ علمي يسمى شفرة أوكهام. وعندما كنت أستمع إلى مورلاند هو يدافع عن مفهوم الثنائية، تبادر إلى ذهني أن شفرة أوكهام سوف تجادل في الاتجاه المعاكس – نحو الرأي الذي يقول بوجود المخ فقط – لأنه يقول إن العلم يفضل التفسيرات البسيطة ما أمكن ذلك. إنه نوع من التحدي أضعه أمام مورلاند.

قلت له: “أنت ملم بالمبدأ العلمي الذي يسمى شفرة أوكهام”.

فما أن خرج السؤال من فمي، عرف مورلاند ما أرمي إليه فقال: “نعم، إنه يقول بأننا لا يجب أن نُكثر الكيانات أكثر مما نحتاجه ونحن نفسر شيء ما. وأعتقد أن اعتراضك بأن شفرة أوكهام تفضل بديلاً بسيطاً، مثل القول بأن المخ وهو سبب في كل شيء أكثر من القول بتفسير أكثر تعقيداً مثل الكينونتان في مبدأ الثنائية”.

قلت له: “هذا صحيح. وهذا يقطع الطريق على مبدأ الثنائية”.

وكانت إجابته جاهزة: “كلا، إنه لا يفعل ذلك. إن شفرة أوكهام ثنائية، وسأقول لك السبب. ما هو هدف وفحوى شفرة أوكهام؟ إن جوهر هذه المبدأ يقول إنك عندما تحاول أن توضح ظاهرة طبيعية، يجب أن يشمل تفسيرك لها على العناصر الضرورية لشرحها. وعندما شرحت ذلك من خلال الأدلة العلمية والمنطق الفلسفي، والثنائية ضرورية لتفسير ظاهرة الوعي. إن مبدأ الثنائية فقط هو الذي يمكنه أن يفسر كل الأدلة، ولذلك فهو لا ينتهك شفرة أوكهام”.

قلت له: “ولكن ربما لا نمتلك كل الأدلة حتى الآن. وربما تكون النتائج التي توصلت إليها لم تتأكد بعد. وأصحاب المبدأ الجسدي لديهم الثقة في مجيء اليوم الذي يستطيعون فيه أن يفسروا موضوع الوعي بكلمات مادية جسدية فقط”.

وكان رد مورلاند واثقاً: “لن يكون هناك تفسير علمي للوعي والعقل”.

فسألته: “لم لا؟”

قال: “فكر في أسلوب العلماء في تفسير الأشياء: إنهم يوضحون أن شيئاً ما يجب أن يحدث بسبب شروط سابقة. فمثلاً، عندما يوضح العلماء الذي يحدث للغازات يقولون إنه إذا زادت درجة الحرارة يزداد الضغط على الغاز. أي أنك عندما ترفع حرارة جهاز الطبخ يرتفع الضغط”.

“وعندما يوضح العلماء هذا الأمر، فهم لا يربطون بين درجة الحرارة والضغط فقط. إنهم لا يقولون فقط إن درجة الحرارة والضغط يسيران معاً. ولكنهم يحاولون أن يوضحوا لنا لماذا يزداد الضغط، لماذا لا يمكنه أن يفعل أي شيء آخر أمام زيادة الحرارة. وهم يريدون أن يوضحوا لماذا يجب أ، يحدث شيء ما بسبب شيء آخر محدد، إنهم غير مقتنعين لربط أشياء معاً ويتركونها على هذا الوضع”.

“وهذا لا يصلح في تفسير موضوع الوعي لأن العلاقة بين العقل والمخ علاقة عارضة أو تتوقف على شيء آخر. وبمعنى آخر، فالعقل ليس شيئاً يجب أن يحدث. وقد سأل مرة أحد الملحدين: “كيف يمكن لسلسلة من الأحداث الجسدية، وبعض الجزيئات التي تصطدم ببعضها البعض، وتيارات كهربائية تندفع هنا وهناك، ينتج عنها خبرة واعية؟ لماذا لا نستطيع أن نوقف الألم والحكة الجلدية؟ لماذا تبزغ أية خبرة عندما تشعل الخلايا العصبية بالمخ؟ إنه يشير إلى أنه ليست هناك صلة ضرورية بين حالات الوعي والمخ”.

“ولهذا سوف يستطيع العلماء في المستقبل أن يطوروا علاقات أكثر بين حالات الوعي بالمخ، وهذا أمر مدهش. والنقطة التي أريد أن أوضحها هي: إن الربط ليس هو التفسير لهذا الموقف. فلكي تفسر قضية ما بطريقة علمية عليك أن توضح لماذا تحدث تلك الظاهرة وتوضح الأسباب. ولم يتمكن العلماء من تفسير السؤال “لماذا” الخاص بقضية الوعي، لأنه لا توجد صلة ضرورية بين المخ والوعي. ولا يحدث الأمر بهذه الطريقة”.

اسـتدلالات عن الله

ليس غريباً أن ألفين بلانتينجا من جامعة نوتردام، الذي يؤمن بمبدأ الثنائية والذي يطلقون عليه أعظم فيلسوف أمريكي معاصر قيم مناظرة الجسم والعقل وقال عنها: “إن الأمور ليس جيدة ولا تسير سيراً حسناً بالنسبة لأنصار الطبيعة الدارونيين”[7].

عندما واجهوا المعلومات والمنطق الذي يؤيد مبدأ الثنائية، ولم يتمكنوا من تقديم نظرية معقولة ومقبولة عن كيف أن الوعي انبثق من مادة بلا عقل، حاول الملحدون أن يعلقوا آمالهم على بعض الاكتشافات العلمية الضعيفة لكي يبرروا إيمانهم بالمبدأ المادي الجسداني. وحتى بعضهم غير متأكد من هذا، وقال الفيزيائي الملحد ستيفن وينبيرج أنه على العلماء أن “يتجاوزوا مشكلة الوعي الإنساني” بشكل عام، لأن “هذا وحده قد يكون صعباً للغاية بالنسبة لنا”[8]. وبكلمات أخرى، إنهم يخفقون في إعطائهم الإجابات التي يريدونها.

أما بالنسبة لمورلاند، فهو يوافق على تقييم بلانتينجا غير المريح للملحدين “إن التطور الداروني لن يكون قادراً على توضيح أصل الوعي. وقد يتمكن الداروينيون من تفسير كيف تشكل الوعي بطريقة معينة عبر الزمن، لأن السلوك الناتج عن الوعي له قيم حية. ولكن لا يمكنه أن يوضح أصل الوعي لأنه ليس بإمكانه أن يفسر كيف يمكنك أن تحصل على شيء من لا شيء.

“قال داروين في مذكراته، إذا كان هناك أي شيء لم تتمكن نظريته من تفسيره، عندئذ لا بد أن يكون هناك تفسير آخر – تفسير خلاق. حسناً، إنه لم يتمكن من تفسير أصل العقل. وحاول أن يضع العقل في مرتبة أقل من المخ لأنه استطاع ان يحكي قصة عن كيف نشأ العقل. ولكن كما ناقشنا معاً، إنه لا يمكن وضع الوعي في مرتبة أقل من المخ الجسدية. وهذا يعني أن قصة الخلق لدى الملحدين هي غير كافية وزائفة. ومع ذلك، فهناك تفسير بديل يعطي معنى لكل الأدلة: إن وعينا جاء من وعي أعظم”.

“إن النظرة العالمية للمسيحية تبدأ بالفكر والشعور والإيمان والرغبة والاختيار. أي أن الله هو الواعي الأعظم. الله لديه أفكار ولديه معتقدات ورغبات ويقظة وهو حي ويعمل طبقاً لهدف. لقد بدأنا هناك. ولأننا بدأنا بعقل الله، ليست لدينا مشكلة في تفسير أصل عقولنا”.

سألته: “ماذا يمكننا أن نستنتج عن الله من كل هذا؟”

قال: “إنه عاقل وحكيم وذكي ومبدع وواع ومحسن. وهو غير مرئي لأن هذه هي الطريقة التي عليها الكائنات الواعية. وليس لدي أدنى شك في أن هذه الغرفة مملوءة من حضور الله. وكما شرحت سابقاً، إنني لا أستطيع حتى أن أرى زوجتي! ولا أستطيع أن ألمس أو أرى أو أشم أو أسمع ماهيتها الحقيقية”.

“شيء آخر. إن وجود روحي يعطيني طريقة جديدة لكي أفهم كيف أن الله يمكن أن يكون موجوداً في كل مكان. ذلك لأن روحي تشغل جسدي بدون أن توجد في جزء محدد ومعين فيه. فلا يوجد مكان في جسدي حيث يمكنك أن تقول: “أنا هنا”. إن روحي ليست في النصف الأيسر من مخي وليست في أنفي وليست في رئتي. إنها موجودة في كل مكان في جسدي. ولهذا فإذا فقدت جزءاً من جسمي فأنا لا أفقد جزءً من روحي”.

“وعلى نحو مشابه، الله موجود بالكامل في كل مكان. فهو ليس موجوداً خارج كوكب المريخ. إن الله يشغل الفراغ بنفس الطريقة التي بها تشغل الروح الجسد. وإذا حدث واقتطع الفضاء إلى نصفين فالله لن يفقد نصف وجوده. ولهذا فأنا الآن لدي نموذج جديد مبني على نفس أنا، الله موجود في كل مكان وفي جميع الأوقات. ألا يجب علينا أن نتوقع هذا؟ فإذا كنا قد خلقنا على صورة الله، ألا نتوقع أن نتمتع ببعض التشابه بيننا وبين الله؟”

سألت مورلاند: “هل تتوقع بأن العلماء أكثر سوف يتوصلون للنتيجة بأن الروح – مع أنها غير مادية – هي حقيقية؟”

قال: “نعم، إذا كانت لديهم الرغبة لأن ينفتحوا على المعلومات غير العلمية. إنني أثق في العلم، إنه مدهش ويعطينا معلومات هامة للغاية. ولكن هناك طرق أخرى لمعرفة الأشياء، لأن معظم الأدلة على حقيقة الوعي والروح هي من يقظتنا نحن ولا دخل لها بدراسة المخ. فدراسة المخ تسمح لنا أن نربط بين المخ وحالات الوعي، ولكن لا تخبرنا بشيء عن ماهية الوعي ذاته”.

قلت له: “ولكنك، ألا تطلب بذلك من العلماء أن يتجاهلوا المعرفة العلمية؟”

قال بإصرار: “كلا على الإطلاق. إنني أطلب منهم فقط أن تكون لديهم الرغبة للإصغاء لكل الأدلة ويروا إلى أين تقودهم – وهذا ما يجب أن يكون عليه البحث عن الحقيقة”.

قلت له: “وماذا يحدث لو فعلوا ذلك؟”

قال: “سوف يؤمنون بحقيقة الروح والطبيعة غير العادية للوعي. وهذا قد يقودهم إلى أمر أكثر أهمية… إلى عقل أعظم ووعي أكبر والذي كان في البداية هو الكلمة والذي خلقنا على صورته”.

أنا أفكـر إذاً أنا مـوجـود

أنهى رنين التليفون محادثتنا، بالرغم من أنني كنت على وشك إنهاء المقابلة على أية حال. فقد كان زميل لمورلاند يذكره باجتماع في الكلية. فشكرته على وقته وبصيرته، وجمعت حاجاتي، وخرجت إلى سيارتي. كنت على وشك تشغيل محرك السيارة، ولكن بدلاً من ذلك استندت إلى المقعد لبضعة دقائق متأملاً متفكراً فيما قاله مورلااند.

ولحسن الحظ قد أكد لي هذا التفكير ما رسخته فيّ حقائق مورلاند ومنطقه، القدرة على التفكير، والتأمل والتخيل والشعور العاطفي بوطأة اللقاء، وكل هذا وضح لي أن عقلي لا يمكن أن يكون نتاج ثانوي لمادة صماء بلا عقل.

وقال الفيلسوف ستيوارت سي. هاكيت: “إن الذاتية…. لا يمكن تفسيرها بكلمات مادية أو جسدية… والذاتية الروحية الأساسية للإنسان لها أساسها في الوجود الروحي الفائق لذات الله كالعقل الكامل المطلق”[9].

ويقول آخر، فأنا أكثر من مجرد مجموع لمخ جسدي وبعض الأجزاء الجسدية الأخرى. بل بالحري، أنا روح، ولدي جسد. أنا أفكر إذاً أنا موجود. أو كما قال هاكيت “مع الاعتذار المتواضع لديكارت: أنا أفكر إذاً الله موجود”[10].

ووجدت نفس أتفق تماماً مع روبرت أوجروز بثقة تامة والفيزيائي جورج ستانسيو، الذي استكشف أعماق العقل/ الجسد وتوصل إلى: “إن الفيزياء، وعلم الأعصاب وعلم النفس الإنساني كلها تصب في نفس المبدأ: هو أن العقل ليس أقل قدراً من المادة. والتوقع الباطل في أن المادة قد تتمكن في يوم ما أن تفسر العقل… إنه يشبه الكيميائي الذي يحلم بإنتاج الذهب من الرصاص”[11].

استندت على الكرسي وأدرت السيارة. وبعد شهور من التحقق عن الأدلة العلمية عن الله – وقد سافرت حوالي 26,884 ميل وهي تساوي جولة حول الكرة الأرضية عند خط الاستواء – توصلت أخيراً إلى قدر كبير وهام من المعلومات، وإلى نتائج سوف تكون لها تغيرات كبيرة في الحياة.

[1]Mark Water, compiler, The New encyclopedia of Christion Quotations (Grand Rapids, Mich.: Baker, 2000), 972. Teresa’s reference to mansions is an allusion to John 14: 2.

[2] Quoted in Robert W.Augros and George N. Stanciu, The New Story of Science, 170.

[3] See: Thomas Nagel, “What Is It Lide to Be a Bat?” Philosophical Review 83 (October, 1974).

[4] For example, see Genesis 1: 30; Leviticus 24: 18; Ecclesiastes 3: 19; and Revelation 8:9.

[5] J. B. S. Haldane, “When I an Dead,” in Possible Worlds and Other Essays (London : Chatto and Winduw,1927), 209, quoted in C. S. Lewis, Miracles (London: Fontana, 1947), 19.

[6] For a further critique of ” neurotheology,” the idea that the brain is wired for religious experences, see: Kenneth L. Woodward, “Faith Is More Than a Feeling,” Newsweek (May 7, 2001).

[7] Quoted in Larry Witham, By Design, 211.  

[8] Ibid., 192.

[9] Stuart C. Hackett, The Reconstruction of the Christian Revelation Claim (Grand Rapids, Mich.: Baker, 1984),111.

[10] Ibid.

[11] Robert W. Augros and George N. Stanciu, The New Story of Science, 168, 171.

برهان الوعي : لغز العقل 2 – لي ستروبل 

Exit mobile version