الروح القدس بين العهدين القديم والجديد د. جورج عوض إبراهيم

الروح القدس بين العهدين القديم والجديد د. جورج عوض إبراهيم

الروح القدس بين العهدين القديم والجديد د. جورج عوض إبراهيم

مقدمة: شخص الروح القدس

الروح القدس ليس مجرد قوة بل هو الأقنوم الثالث من الثالوث القدوس، وهو واحد مع الآب والابن في الجوهر. وبما أنه أحد الأقانيم الثلاثة فهو يتمايز عن الآب والابن. فالروح القدس ليس هو الآب كما أنه ليس هو الابن، ومع هذا فهما إله واحد وهذا ما نردده في البسملة “باسم الآب والابن والروح القدس إله واحد آمين”. وأفعال الروح القدس كما أعلنها الوحي الكتابي هي كثيرة، نذكر منها الآتي:

  • الروح القدس يفحص كل شيء: ” لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله” (1كو10:2).
  • الروح القدس يعرف: ” لأن مَنْ من الناس يعرف أمور الإنسان إلاّ روح الإنسان الذي فيه. هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلاّ روح الله” (1كو11:2).
  • الروح القدس يشاء ويعمل: “ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء” (1كو11:11).
  • الروح القدس يحزن: “ولا تُحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء” (أف30:4).
  • الروح القدس يعلم ويذكر: “وأما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب بأسمى فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم” (يو26:14، أيضًا لو12:12، مت10:23).
  • الروح القدس يوّجه: “وبعدما اجتازوا في فريجية وكورة غلاطية منعهم الروح القدس أن يتكلموا في آسيا…” (أع6:16ـ7).
  • الروح القدس يقود: ” لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله” (رو14:8).
  • الروح القدس يُعين ويشفع: “ولذلك الروح أيضًا يعين ضعفاتنا. لأننا لسنا نعلم ما نصلى لأجله كما ينبغي ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها” (رو26:14).
  • الروح القدس يُحب: ” فأطلب إليكم أيها الأخوة بربنا يسوع المسيح وبمحبة الروح أن تجاهدوا معي في الصلوات من أجلى إلى الله” (رو30:15).
  • الروح القدس يتكلم من خلال الأنبياء: ” لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2بط21:1. راجع مت43:22ـ46، أع16:1، 25:4، 25:25ـ26، عب15:10، 2صم1:23ـ3، حز2:2، 1:11، ميخا8:3).
  • الروح القدس المعزى:” أما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب بأسمى…” (يو26:14).
  • الروح القدس عندما يتحدث يستخدم ضمير “أنا”: “وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه”(أع2:13، انظر يو26:15، أع27:15ـ18).
  • يُدعى الروح القدس “الرب”: ” وأما الرب فهو الروح وحيث روح الرب هناك حرية” (2كو17:3).
  • الروح القدس يُحيي ويُعطى حياة: “وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم” (رو11:8).
  • الروح القدس يشهد للمسيح: “ومتى جاء المعزى الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى” (يو26:15).
  • الروح القدس يقود إلى الحق: “وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية” (يو13:16).
  • الروح القدس يعلن “كل الحق” أى محتوى الإيمان: ” فأعلنه الله لنا نحن بروحه” (1كو10:2).

 

عمل الروح القدس في مؤمني العهد القديم:

إن عمل الروح القدس في مؤمني العهد القديم هو مختلف عن عمله في مؤمني العهد الجديد. فالروح القدس في العهد القديم كان مع المؤمنين. أما في العهد الجديد هو داخل المؤمنين كما يخبرنا يوحنا الإنجيلي: (يو17:1).

أيضًا في العهد القديم أُعطى الروح القدس إلى أناس محددين لفترة زمنية محددة ولخدمة معينة. والآن نسرد بعض الأشخاص الذين أُعطى لهم الروح القدس:

  • لقد أُعطى الروح القدس إلى يوسف لكي يعرف تفسير أحلام فرعون: تك 40:38.
  • الروح القدس أُعطى إلى بصلئيل لكي يصنع خيمة الشهادة: خر1:31ـ3.
  • الروح القدس أُعطى للسبعين شيخًا لكي يحكموا مع موسى شعب إسرائيل: عد24:11ـ29.
  • الروح القدس أُعطى لبلعام لكي يتنبأ: عد5:23ـ6.
  • الروح القدس أُعطى ليشوع بن نون بوضع أيدي موسى لكي يقود إسرائيل: تث9:34.
  • الروح القدس أُعطى لـ عثنئيل لكي يقود إسرائيل: قض9:3ـ10.
  • الروح القدس أُعطى لجدعون لكي يحرر الشعب من المديانيين: قض34:6.
  • الروح القدس أُعطى ليافث لكي ينتصر على العمونيين: قض29:11.
  • الروح القدس أُعطى لشمشون لكي يقتل أسد: قض5:14ـ6.
  • الروح القدس أُعطى لصموئيل ومسحه ملكًا: 1صم10:10.
  • الروح القدس أُعطى لداود ومسحه ملكًا: 1صم13:16.
  • الروح القدس أُعطى لداود وألهمه ليكتب المزامير: 2صم2:23.
  • الروح القدس أعطى لزكريا القوة والشجاعة ليقول لأناس عصره إنهم مخالفون لوصايا الله: 2أخ20:24.
  • الروح القدس أتى إلى حزقيال لكي يتنبأ إلى بنى إسرائيل: حز1:2ـ2.
  • الروح القدس أتى إلى دانيال وفسر الأحلام: دا5:4.
  • عامةً الروح ينير أنبياء العهد القديم: 2بط21:1، زك12:7، أع26:28، إش9:6ـ10، أع16:1.
  • يوحنا المعمدان ارتكض بالروح القدس بينما كان مازال في بطن أمه: لو15:1ـ16.
  • أليصابات امتلأت بالروح القدس وتنبأت بأن مريم هي أم الرب: لو41:1ـ44.
  • زكريا الكاهن قد امتلئ بالروح القدس وتنبأ عن ابنه يوحنا: لو67:1.
  • سمعان الشيخ بوحي الروح القدس عرف الطفل يسوع في الهيكل: لو26:2ـ28.

 

 

الروح القدس والمسيح:

العهد الجديد مملوء بشواهد عن حضور الروح القدس من البداية إلى النهاية. المسيح أُعلن في الأناجيل أمام عيوننا بالمعمودية، عندما أخذ الروح القدس. هذا الروح قاده إلى الصحراء حيث صارع مع الشيطان وانتصر عليه لأجل خلاصنا. ودخل المسيح إلى المجمع، وهناك علَّم وهو مملوء بروح الله. كل تاريخ المسيح المدون في الأناجيل ليس شيئًا آخرًا إلاّ البرهنة على أن يسوع حامل للروح القدس ومنتصر على الشيطان والفساد والموت، والجهل والخطية والجوع والبؤس والشقاء.

أيضًا سفر أعمال الرسل الذي يحكي عن استمرارية المسيح في العالم ليس شيئًا آخرًا إلاّ حقيقة الروح القدس داخل الكنيسة. في عظات الرسل نجد هذه العبارات: ” حينئذٍ امتلأ بطرس من الروح القدس وقال..” (أع8:4)، أو عندما يصنعون معجزات أيضًا ” بقوة الروح القدس” (رو13:15)، وكذلك ” باسم يسوع المسيح الناصري قم وامش” (أع6:3). فالروح القدس كان يقود الرسل في كل خطوة.

كان المسيحيون لا يستطيعون أن يدخلوا بلدة ويتجهون ناحية الشمال، أو ناحية الشرق أو ناحية الجنوب إلاّ بقيادة الروح القدس. أتى الابن باسم الآب إلى العالم لكي يعلن الآب ويتمم مشيئته. والروح القدس أرسله الابن لكي يشهد له، لكي يُظهره ولكي يُكمل بمواهبه عمل المسيح في المؤمنين. فالمهمة الأساسية للروح القدس هي أن يعلن شخص المسيح ويجعله حاضرًا، ويعطي شهادة عنه ولكي يجعلنا متحدين به.

لكن بينما المسيح يجمع ويكمل الطبيعة البشرية عن طريق اتحاد المؤمنين في جسده، فالروح القدس يخص الأشخاص كلٍ على حدة ويملأهم بعطاياه بطريقة فريدة وشخصية لكل واحدٍ. هذا ما حدث يوم الخمسين حيث حلَّ الروح القدس في كل واحد من الحاضرين، في شكل ألسنة نار (أع3:2).

وفق إرسالية المسيح إلى العالم فإن علاقة البشر بالروح القدس قد تحققت بواسطة المسيح فقط و”في المسيح”. بينما بعد يوم الخمسين فإن العلاقة بالمسيح تتحقق فقط بواسطة الروح القدس. الروح القدس كان يعمل بطريقة مختلفة في العهد القديم عنه في العهد الجديد. عندما كان يعمل في العهد القديم لم يكن يمثل مصدرًا لقداسة النفس، “للإنسان الداخلي” بل شفاءً للجسد. بهذا المفهوم يُسمى ذهبي الفم بركة بيت حسدا نعمة، ففي العهد الجديد نعمة الروح هي قوة الولادة الجديدة التي تشفي مرض النفس وتعين المؤمنين على خلاصهم في المسيح.

 

دعنا نرى الآن دور الروح القدس في حياة يسوع المسيح.

الروح القدس طهَّر وقدَّس والدة الإله من لحظة الحمل المقدس. لذلك يتحدث آباء كثيرون على سبيل المثال يوحنا الدمشقي [عيّنها الله الآب، والأنبياء المستنيرين بالروح قد سبقوا وأعلنوها، فبقوته المقدسة حلّ الروح القدس عليها، وطهّرها وقدَّسها]. هكذا فإن تجسد الكلمة صار بواسطة الروح القدس والعذراء مريم:

القديس غريغوريوس اللاهوتي يقول عن هذا الحدث العظيم: [وُلِدَ (الكلمة) من العذراء التي تقدست نفسها وأيضًا جسدها بواسطة الروح ـ لأنه كان يجب أن تُكرم الولادة وأيضًا تكرم العذراء مسبقًا ـ لكن ظل هو إلهًا بعدما أخذ الطبيعة البشرية].

 

وأيضًا القديس باسيليوس الكبير: [غير الجسدي أتى إلى عالمنا المنظور، وأخذ جسدًا لذاته ليس غريب عن الذي لنا، لكن من العذراء الطاهرة، كوّنه بواسطة الروح القدس، وصار لباس خيمة للكلمة، لكي يبطل بواسطته ناموس فساد البشر، والكلمة الذي خلق من البداية الإنسان بحسب شبهه الخاص، أعاده مرة ثانية إلى شبهه، بأن تشبّه هو نفسه بخليقته].

في عماد المسيح ظهر الروح القدس على شكل “حمامة” (مز10:1، لو21:3، يو32:1، مت16:3) وفق القديس إيرينيوس فإن الآب هو ذاك الذي يمسح، المسيح هو ذاك الذي يُمسح والروح القدس هو المسحة.

عن ظهور الروح القدس مثل حمامة يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: [ظهر مثل حمامة… والسبب هو أنه منذ القديم أحضرت الحمامة أخبار مفرحة عن انتهاء الطوفان].

بعد العماد انقاد المسيح بواسطة الروح إلى البرية لكي يُجرب (مت1:4، مر12:1، لو1:4ـ2):

الروح القدس قاده إلى البرية لكي يجاهد ضد الشيطان

 

بدأ المسيح نشاطه الجهارى وهو ممسوح من الروح القدس:

انظر (لو16:4ـ21، مت18:12، لو14:4، أع38:10، رو4:1). وعن نزول الروح القدس فوق الابن يتحدث النبي إشعياء11:11. ذُكر في الكتاب المقدس أن المسيح مُسح بالروح. هذه المسحة تخص طبيعته البشرية ولا تخص كلمة الله الأزلي الذي هو مساوٍ للآب في الجوهر. ولقد قبل المسيح المسحة برهانًا لإخلائه الفائق وغير الموصوف. المسيح مُسح كإنسان بينما كإله هو نفسه له الروح القدس (روح الابن) وهو مانح الروح للخليقة.

 

المسيح أخرج الشياطين بواسطة الروح القدس: مت28:12

ويفسر القديس باسيليوس هذا المقطع قائلاً: [الروح القدس، كما تعرفون، صار مسحة وهكذا كان دائمًا متحدًا بجسد الرب. ومنذ ذلك الوقت كان حاضرًا فيه بدون انفصال كما هو مكتوب. وإذا تحدثنا عن التدابير الخاصة بالإنسان التي تمت بواسطة إلهنا العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح (تي13:2)، فمَن يمكنه أن ينكر أنها تمت بنعمة الروح القدس؟!

فهل تريد أن تفحص الموضوعات الأولية مثل: بركات البطاركة والمعونة التي حصلت بنزول الشريعة، الرموز، النبوات، قوة الأبطال في الحروب، معجزات الأبرار… أو ما حصل في تدبير مجيء ربنا في الجسد. الكل تمَّ بالروح في المقام الأول صار الروح المسحة وصار حاضرًا بلا افتراق في جسد الرب، كما هو مكتوب ” الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه فهذا هو ابني الحبيب” (يو33:1، مت17:3) و” يسوع الناصري الذي مسحه الله بالروح القدس” (أع38:10).

ومن ثم كان الرب يتمم كل أعماله بالروح. وكان معه حتى عندما جربه الشيطان، فقد كتب ” أُصعد يسوع بالروح إلى البرية ليُجرب” (مت1:4) وكان معه بلا افتراق عندما صنع الأعمال العجيبة (مت22:7)، لأنه مكتوب: ” إذا كنت أنا بروح الله أُخرج شياطين” (مت28:12)، ولم يفترق عنه عندما قام من بين الأموات. لأنه لما أراد أن يجدد الإنسان ويرد إليه النعمة التي كان قد حصل عليها من نفخة الله والتي فقدها الإنسان الأول قال: ” اقبلوا الروح القدس، من غفرتم…” (يو22:20)].

هكذا كل أفعال المسيح صارت دائمًا بتعضيد الروح. لقد كان الروح معه وعندما جُرب يسوع من الشيطان ـ كما يقول الكتاب ـ انقاد بواسطة الروح إلى البرية لكي يُجرب (مت1:4). وعندما فعل معجزات، كان غير منفصل عنه، طالما هو نفسه يقول: ” إن كنت بروح الله أخرج الشياطين” (مت28:12).

الرب وَعَدَّ تلاميذه بأنه بعد رحيله سوف يرسل لهم الروح لكي يعطيهم قوة ويقودهم ويُعلمهم ويجعلهم شهودًا له، ويدين العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة (يو37:7-39). وعن سؤال لماذا لم يُعطَ الروح قبل صلب المسيح؟ يرد القديس يوحنا ذهبي الفم قائلاً: [لأن البشرية كانت تعيش في الخطية وفي العثرات، وفي البغضة والضلال، إذ أن الحمل الذي حمل خطايا العالم، لم يكن قد قُدم ذبيحة بعد. المسيح لم يكن قد صُلب، لذلك لم تكن هناك مصالحة، وبما أنه لم تكن هناك مصالحة، كان من المناسب عدم إرسال الروح القدس.

وبالتالي، بما أنه أرسل الروح القدس فهذا يعني أن المصالحة قد تمت. ولهذا قال السيد المسيح ” إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي” (يو17:16). يقول إن لم أنطلق ـ لا تتم المصالحة مع الآب، ولذلك لن أرسل لكم المعزي].

 

المسيح بعد القيامة أعطى الروح القدس إلى تلاميذه (يو21:20ـ22):

يشرح لنا القديس كيرلس هذه الحقيقة قائلاً: [لقد أعلن المسيح أنه سيرسل لنا من السماء المُعزي عندما يصعد إلى الله الآب وبكل يقين فعل هذا، لأنه بعد صعوده سكب الروح بغزارة على كل الذين كانوا يرغبون قبوله. لأن كل إنسان يستطيع قبول الروح القدس بالإيمان والمعمودية المقدسة كما قال النبي ” سأسكب من روحي على كل جسد” (يوئيل28:2)].

 

ويستمر القديس كيرلس في حديثه موضحًا سر نفخة المسيح لتلاميذه قائلاً: ” كان من الضروري بالنسبة لنا أن نرى الابن يمنح لنا مع الآب الروح القدس… لأن الله الآب في البدء بكلمته أخذ من تراب الأرض ـ كما هو مكتوب ـ وخلق الإنسان كائنًا حيًا له نفس عاقلة حسب إرادته وأناره بنصيب من روحه [“ونفخ في أنفه نسمة الحياة” (تك7:2). ولكن عندما سقط الإنسان بعصيانه واستُعبد لقوة الموت وفقد كرامته القديمة أعاده الله الآب وجدده إلى الحياة الجديدة بالابن كما كان في البدء].

 

ويتساءل القديس كيرلس قائلاً: كيف جدده الابن؟ فيجيب هو نفسه: [بالجسد ذبح الموت وأعاد الجنس البشري إلى عدم الفساد عندما قام من الموت لأجلنا]. ويأتي القديس كيرلس إلى كشف سر النفخة شارحًا بكلام واضح وصريح، إذ يقول: [ولكي نعلم أنه هو الذي في البدء خلقنا وختمنا بالروح القدس لذلك يمنح مخلّصنا الروح القدس من خلال العلامة المنظورة أي “نفخته” للرسل القديسين لأنهم باكورة الطبيعة البشرية المجددة.

وكما كتب موسى عن الخلق الأول أن الله نفخ في أنف الإنسان نسمة الحياة، يحدث نفس الشئ الذي حدث في البدء عندما جدَّد الله الإنسان وهو ما يسجله يوحنا هنا. وكما خلق الإنسان في البدء على صورة خالقه. كذلك الآن بالاشتراك في الروح القدس يتغير إلى صورة خالقه ويصبح على مثاله. ولا يوجد لدينا أدنى شك في أن الروح القدس هو الذي يختم صورة المخلّص على قلوب الذين يقبلون المخلص.

 

خاتمة: حضور الروح القدس

إننا نرى عمل الروح القدس فينا بطرق مختلفة، منها:

  • سُكنى الروح القدس في أعضاء الكنيسة يجعل هذه الأعضاء قادرة على أن تعترف معًا في كل الأرض وفي كل الأزمنة بألوهية المسيح. هذا الاعتراف المشترك يدل على حضور الروح القدس الذي يبنى وحدة الكنيسة الجامعة والشاملة.
  • الصلاة لأجل بعضنا البعض ولكل العالم يمثل الظهور الدائم لحضور الروح القدس في الكنيسة.
  • شركة القديسين عبر الأزمنة هو بمثابة اعتراف للخبرة الحياتية لحضور الروح القدس الفعّال داخل البشرية المتحدة في المسيح.
  • قوة الروح القدس تُعاش بالمحبة الشديدة تجاه الله والقريب.

الروح القدس بين العهدين القديم والجديد د. جورج عوض إبراهيم

بابل العهد الجديد – القديس يعقوب السروجي

بابل العهد الجديد – القديس يعقوب السروجي

 
بابل العهد الجديد – القديس يعقوب السروجي
 
 
 
 
 
افتح لي يارب أبواب خزائنك المملوءة حكمة ومعرفة لاستطيع أن أزيد معرفتي بسمو محبتك. أطلق لساني لأصف به عظمتك وحنانك ولأجعل من صوتي مذياعاً يمجِّدك، فأنا أضعف من أن أتولى ذلك بدون معونتك، لأنك أعظم من أن يدرك أسرارك عقل بشري. بإلهامك أتمكن من الكتابة وبه أستطيع أن أحدِّث الناس، فانفخ فيَّ روحك لأصبح قادراً على تفسير آياتك وما أغلق على البشر فهمه من غزير آلائك.
 
يا من بلبل الألسنة في أرض بابل، هبني لساناً ينطق بالحق ويتحَّدى الباطل. أيها الحاكم العادل الذي يكون حكمه دائماً لخير خليقته. يا من بلبل ألسنة الشعوب في بابل، أعطني لساناً ذلقاً أتمكن بواسطته إظهار الحق ومحاربة الأباطيل. تمرَّد البابليون فنوَّعت لغاتهم وكان ذلك خيراً ورحمة. كان قضاؤك وعقابك لا شراً وإنما نعمة على العالم. فقد أصبح لكل أمة لغتها يتفاهم أفرادها بواسطتها. قبائل وشعوب ولغات مختلفة، فالتأديب أضحى موهبة، لأن عطفك وحنانك جعلاه كذلك.
 
فيا أيها السامعون سبحوا الرب ومجدوه، عقابه رحمة وغضبه عطف. تمرَّد البابليون فجعلهم قبائل لكل منها لغة. عمَّ الخير الجميع. ازدادت اللغات واختلفت لهجاتها فأغنى البشرية بالعلوم. لو كان الخالق يريد بالبابلين شراً وضرراً لفرّق الرجال عن زوجاتهم والأبناء عن آبائهم، ولكنه أراد الخير لهم.
 
أراداهم أن ينتشروا في أرجاء المعمورة ويكونوا أمماً وشعوباً، وكل أمة وشعب موطناً ولغة. هكذا شاءت حكمته. بهذه البلبلة قسمَّ سكان الأرض ولولا ذلك لبقى الجميع في المنطقة التي أحبوها. فتنوّع اللغات كان وسيلة، بل نعمة لو يدركون، فبهذا التنوع تكوَّنت الأمم، وبه انتشرت تلك الأمم وعمَّ الرخاء. 
 
الله وزع اللغات بين البشر، وهذه اللغات هي نفسها التي وهبها للرسل تلاميذه، بدون تعليم ولا ممارسة. بالروح نطق التلاميذ بكل اللغات. في عليَّة صهيون حدثت المعجزات. في العليَّة التي سماها بطرس الرسول بابل. من هذه العلية خرج التلاميذ وهم يتكلمون جميع لغات الأرض. لم تُخرِّجهم المدارس، ولكنهم أصبحوا يتقنون مختلف الألسنة. 
 
صعد المعلم إلى الأعالي وبقي التلاميذ. ارتفع النسر الإلهي إلى العلى وبقيت فراخه. اجتمع التلاميذ في عليّة صهيون وهم خائفون. ذئاب اليهود كانت تحاول افتراس الخراف. كانوا بدون الراعي من الهلع يرتجفون. تجمعوا في العليّة ينتظرون العون. ينتظرون الروح التي بها وُعدوا. أمرهم الرب أن لا يغادروا أورشليم، أن لا يتفرقوا. كانوا خائفين من الجلاَّدين من القتلة والضالين. صعد الرب إلى السماء تاركاً تلاميذه كالأيتام الضعفاء. هكذا كانوا يشعرون، مع أنهم كانوا بقدرته واثقين ومن سلطانه متأكدين. 
 
ألم يقهر الموت؟ ألم يصعد إلى السماء أمامهم؟ كانوا مؤمنين به إيماناً راسخاً لا يداخله شك. ولكنه الآن ليس بينهم، وخارج العليّة من يريد بهم شراً. من يتعقَّبهم. المعلم في صعوده واكبته أجناد السماء، وهم هنا في العليّة كالسجناء. لقد نفخ فيهم قبل صعوده ليقبلوا الروح منه. ووعدهم بأن يرسل لهم الروح القدس ليعلّمهم الحقائق. ألبسهم قوة الروح قبل أن يصعد، ووعدهم بالسلاح الذي به يجابهون العالم ، وها هم ينتظرون. 
 
هبت رياح عاتية زعزعت أركان العليّة. رعدُّ وبرقُّ ونار. ألسنة من اللهيب اندلعت فوق رؤوسهم، وفي الحال شعروا انهم اصبحوا أقوياء. أقوياء جسداً وروحاً وحكمةً. نطقوا بلغات لم يكونوا يعرفونها. استنارت عقولهم ووضحت لهم حقائق الأمور. علموا أن الروح القدس حلَّ فيهم وأصبح لهم المعلم والمرشد. الضعفاء البسطاء أصبحوا أقوياء وحكماء. الصيادون غدوا معلمين وعلماء. 
 
يا للأمر العجيب .. 
 
عليَّة صهيون أصبحت بابل ثانية. أصبح التلاميذ يتكلمون مختلف اللغات. أصوات متعددة الألسنة كانت تسمع من العليَّة. يا للعليَّة المباركة الجامعة، منكِ خرجت أول دفعة من المبشرين الأبرار، وفيكِ حلَّ الروح القدس كألسنة من نار، وبك شعَّت أنوار الحق لتهزم ظلمات الباطل. أنتِ كاشفة الأسرار المليئة بالأنوار.
 
وبهذه الأنوار أضيئت  أرجاء العالم الفسيح، ومنك انتشرت تعاليم المسيح، ومنك انتقل التمجيد والتسبيح إلى كنائس الأرض وأماكن العبادة، ليرتل بمختلف اللغات واللهجات، في كل يوم وكل ساعة. نهر الأردن لا يضاهيك فيوحنا عمَّد بمائه ورسلك عمدوا بالروح القدس الذي ظهر فيكِ. مباركة أنتِ، فقد أعترفت بفضلك الشعوب، فأنت بابل العهد الجديد، ومكان حلول الروح القدس الموعود.
 
إن اليهود الحاقدين قد أنكروا هذا الحدث العجيب الذي جرى في الصليب، وقالوا أن التلاميذ قد جنّوا بعد أن سكروا من الخمرة، وأخذوا يتكلمون بما لا يفقهون. أيها الظالمون الضالون أن الخمرة لا تُعلّم شاربيها اللغات. أن الخمرة تجعل من الفصيح عيّاً. الخمرة تشلّ اللسان وتفقد وعي الإنسان. ومتى كانت الخمرة توهب شاربيها معرفة اللسان؟ أيها الموتورون أن الخمرة تذهب بالعقل، وشارب الخمرة يتلعثم وينسى لغة الأهل. تأملوا كيف تصرَّف التلاميذ فتدركون الحقيقة:
 
خرجوا من العليَّة أقوياء.
 
كانوا بسطاء فأصبحوا علماء.
 
كانوا خائفين فأصبحوا بالروح لا يهابون.
 
إن الخمرة التي نزفت من جروح المصلوب على الجلجلة هي التي كانوا يشربون.
 
هذه الخمرة الجديدة هي التي غيَّرتهم، وهي التي علَّمتهم، وهي التي نَفخت فيهم روح الإيمان وشجعتهم. 
 
إن خمرتكم أيها اليهود الضالون هي التي تسكرن أما خمرة ابن الله فهي السموّ والمعرفة والحياة. أيها اليهودي الضال المبغض للحق الذي أعماه التعصب والحسد والغيرة وأسكرته خمرة الانتقام. أنت محب للظلام. بهرت عينيك شمس الحقيقة فانتحيت ناحية الأعتام. أنكرت النبؤات وسلكت طريق الغواية والمتاهات. ألم يكفك ما شاهدت من عجائب ومعجزات؟ ألم تردعك عن غيّك ما سمعت من آيات؟ أتنكر وجود الشمس في رابعة النهار؟ ألم تؤمن بما جرى للبابليين وكيف أصبحوا يتكلمون مختلف اللغات؟ فلماذا إذن لا تصدِّق ما جرى في عليَّة صهيون؟
 
إن الابن هو مثل أبيه. علّم تلاميذه في العليّة ما تعلّمه البابليون في بابل، فالمعلم واحد، وما حدث في بابل حدث في العليّة، فلِمَ الأنكار ولِمَ الاصرار؟ إن ما حدث في العليَّة هو أكبر دليل على أن من بلبل ألسنة القوم في بابل هو نفسه الذي جعل التلاميذ يتكلمون بلغات عديدة جديدة. علّمهم اللغات ليبشروا أمم الأرض بنعمة السماء بالفداء. بالخلاص والانتماء بالرحمة والغفران والاخاء. ولتكون لهم آية لدى الشعوب وشهادة من الفادي المصلوب، الذي سوف يدين المخلوقات بنفس هذه اللغات. 
 
عليّة صهيون هي مركز الاشعاع للإنسان.
منها نبتت كنائس الرب كالسوسن يسقيها الإيمان
من ينبوع الرجاء الذي لا ينضب. 
 
العليّة أصبحت منابع المعرفة
ومنها تفرَّعت جداول وأنهار التقوى والفضيلة والنور
منها ينهل المؤمنون ماء الحياة وخمر المعرفة
صارت العليّة مملَّحة للعالم
 
بها يتذوق المؤمنون طعم الوجود
طعم الايمان بالإله المعبود، بالإله المتجسد بالابن الكلمة
من نرفع له ولأبيه وللروح المحيي
تسابيح الشكر والتمجيد إلى أبد الآبدين آمين.
 
 
 
 
المرجع: مختارات من قصائد مار يعقوب أسقف سروج الملفان، ترجمها من السريانية إلى العربية مار ملاطيوس برنابا متروبوليت حمص وحماة وتوابعها للسريان الأرثوذكس، نشر درا الرها حلب. 

بابل العهد الجديد – القديس يعقوب السروجي

Exit mobile version