الوحدانية والأجزاء والانفصال – هل يفهم محمود داود شيئًا عن الثالوث؟ (9)
https://youtu.be/VAAC5qulobQ
الرد:
يحاول ميمو في هذا الفيديو أن ينافس ويتفوق على جهل معاذ فأظهر لنا بحق أنه أجهل منه، كيف؟
أولا: كرر لنا تشبيه طبيعة الله بأصابع اليد، وبهذا ساوى جهله بجهل معاذ، وحقق المطلوب الأول. راجع الرد السابق على معاذ هنا، حيث أن معاذ شابه الله بالقلم ورددنا على جهالاته. ثانيا: قال أن عدم الانفصال لا يعني الوحدانية إلا في حالة أن الأقانيم أجزاء، وبما أن الأقانيم ليسوا أجزاء فهذا لا يعني الوحدانية.
ما الخطأ في كلامه هذا؟
على مستوى المثال الذي ضربه، فميمو يفترض أن كلمة “جزء” تعني دوما وحتما “قطعة مفصولة”، بمعنى أنه لكي يطلق على شيء ما أنه “جزء” فهذا الشيء لابد وأن يكون “مفصولا” عن الأشياء الأخرى، وهو ضرب المثال بعقلة الأصبع، وقال أن هذه العقلة ليست جزء لأنها ليست مفصولة، وحرفيا قال “بعيد عن بعض” كما في الفيديو، والخطأ هنا أن كلمة “جزء” لا تشترط أصلا الانفصال. فنحن نقول “قطعة أرض” على الرغم من أن قطعة الأرض ليست منفصلة عن القطعة الموجودة بجانبها. وأيضا نقول “في جزء من عمري كنت أعمل كذا” والعمر لا ينفصل بعضه عن بعضه الآخر، ونقول “جزء من خبراتي هي كذا وكذا” دون ان يتم فصل الخبرات عن بعضها البعض، والأمثلة كثيرة جدا.
على مستوى المثال: من قال أن عدم الانفصال لا يعني الوحدانية؟ فكل “غير منقسم” هو متصل أو متحد بشكل أو بآخر مع الآخرين. فالجسم الواحد به أعضاء متصلة ببعضها بشكل أو بآخر؛ والروح والجسد متحدان في إنسان واحد، والغرف الكثيرة منزل واحد (وبالطبع هذه ليست أمثلة لوحدانية الثالوث الذي لا يعبر عنه). فعندما يقول لك المسيحي أن الثالوث لا ينفصل فهذا يعني أنه الثالوث جوهر واحد وطبيعة واحدة.
أما العقيدة الصحيحة فهي:
الله غير مدرك ولا متصور بعقلنا، ولذلك فكل الأمثلة، مهما كانت دقيقة، فهي أبعد ما تكون عن طبيعة الإله. الإله واحد في جوهره، أي لا يوجد جوهر آخر له صفة الألوهية، وعندما نتعمق داخل الجوهر الواحد هذا نجده ثلاثة أقانيم، متحدة لأنها طبيعة واحدة، وكل أقنوم له طبيعة الإله الواحد، وليس جزء من الإله أو صورة منه. فالآب هو الله نفسه، والابن هو الله نفسه والروح القدس هو الله نفسه.
ولا يمكن فهم طبيعة الله أو الاعتراض عليها، سواء الطبيعة الواحدةَ الجوهر أو الثالوثية الأقانيم بالمنطق البشري، لأن المنطق البشري محصور بالمخلوقات واستقراء لما يحدث في الخبرة البشرية للإنسان.
الوحدانية والأجزاء والانفصال – هل يفهم محمود داود شيئًا عن الثالوث؟ (9)
الوحدانية والأجزاء والانفصال – هل يفهم محمود داود شيئًا عن الثالوث؟ (9)
ألوهية الروح القدس ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – د. سعيد حكيم يعقوب
ألوهية الروح القدس ج2 – القديس كيرلس الاسكندري – د. سعيد حكيم يعقوب
الروح القدس واحد في الجوهر مع الآب والابن:
إن الذين يتجرأون على أن يقولوا أو يؤمنوا، بأن الروح القدس مخلوق، يكفرون كثيرًا. لأنه كما أن الإنسان، ليست روحه غريبة عن ماهيته. هكذا فإن الروح ليس غريبًا عن الله بالطبيعة وبالحقيقة، وإن كان يُدرك كموجود بذاته، أي مثل الآب ذاته، وبالطبع مثل الابن، فمن المؤكد انه عندما يكون الروح داخلنا، يكون الابن داخلنا أيضًا، بسبب وحدة الجوهر بينهما ولأن الروح هو روحه بالطبيعة، وهذا ما يؤكده لنا المطوب بولس قائلاً: ” الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله. وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح إن كان روح الله ساكنًا فيكم. ولكن إن كان احد ليس له روح المسيح فذلك ليس له. وإن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية. وأما الروح فحياة بسبب البر “[1]. إذًا فهو يؤكد أن الروح يُدعى روح الله، ويُشير أيضًا إلى المسيح، بسبب وحدة الجوهر بينهما. إذًا عندما يوجد المسيح داخلنا، فكيف يمكن أن يكون روحه مخلوقًا، طالما أن الابن من حيث طبيعته هو إله، وواحد في الجوهر مع الآب؟ المطوب بولس، تكلّّّّّّّم عن أولئك الذين يتنبأون في الكنيسة متّبعين النظام الخاص بذلك، أى كل واحد بمفرده، يقول إن مَن ينظر إليهم، يقول إن الله داخلهم بالحقيقة. لكن من جهة هؤلاء الذين يتكلمون بألسنة غير مفهومة، يقول عنهم إنهم لا يُكلمون الناس، بل الله[2].
ها هو إذًا يقول بكل وضوح، إن هؤلاء يتنبأون ملهمين بالروح، والله يوجد داخلهم، وان هؤلاء الذين يتكلمون بلسان غير مفهوم، يتحدثون مع الله[3]. إذًا فالروح القدس هو إله.
كل شيء مخلوق، هو على كل الأحوال اقل من سمو الله، ويأتي في مرتبة أقل بكثير من المجد الأسمى. لأنه لا يمكن أبدًا لمَن هو عبد، أن يكون له نفس استحقاقات السيد، ولا المخلوق له نفس استحقاق الخالق أو نفس القيمة مع الخالق. وبناء على ذلك فإن إله الجميع يُبرر أولئك الذين يخطئون، مادام له السلطان على غفران الخطايا. بل والروح القدس أيضًا يُبرر بنفس الدرجة. لأن القديس بولس يقول:” لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا “[4]. إذًا طالما أن الروح يُبرر بنفس القدر مع الله، فكيف لا يكون واحدًا معه في الجوهر؟ لأن المخلوق لا يمكن أن يبررنا.
ذلك الذي له نفس القدرة مع الله الآب، هو على كل الأحوال واحد في الجوهر معه. إذًا مادام الله الآب مُحيي، فإن الروح القدس وبنفس القدر هو روح مُحيي.
أو من الأفضل أن نقول إن الآب يُحييّ بواسطة الروح القدس. هذا ما يؤكده القديس بولس وهو يكتب لتلميذه تيموثاوس: ” أوصيك أمام الله الذي يُحيّ الكل والمسيح يسوع… أن تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم “[5]. لكن في موضع أخر يقول: ” وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائته أيضًا بروحه الساكن فيكم “[6]. إذًا من المؤكد أن الله الآب يُعطي حياة للأموات، كما قلت، لكنه يعطيهم هذه الحياة بواسطة الروح القدس. إذًا كيف يكون مخلوقًا؟ فالآب لا يُعطي حياة عن طريق مخلوق، بل بالروح القدس الذي هو واحد معه في الجوهر.
قال الله ذات مرة لموسى: ” من صنع للإنسان فمًا؟ أو من يصنع اخرسًا أو أصمًا أو بصيرًا أو أعمى؟ أما هو الرب؟ فالآن اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به “[7]. بل أيضًا ربنا يسوع المسيح وعد رسله القديسين، عندما كانوا يذهبون إلى ولاة، أنه سيعطيهم فمًا وحكمة[8].أيضًا كُتب في سفر أعمال الرسل: ” وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا “[9]. إذًا ها هو مرة أخرى يُعطي فمًا للإنسان، وبنفس الطريقة يُعطيه الروح القدس أيضًا. إذًا فذاك الذي له نفس الطاقة والقوة، والسلطة مع الله بالطبيعة، كيف لا يكون واحدًا معه في الجوهر وليس مخلوقًا؟
فإن كان يُسجد لطبيعة واحدة للثالوث القدوس الواحد في الجوهر، كيف يكون الروح القدس مخلوقًا؟ لأنه لا يكون ثالوثًا بعد، وكمال الثالوث سيكون ناقصًا، إن كان الروح القدس يُحصى مع المخلوقات، وإن كان المطوب بولس يعد الروح القدس مع الآب والابن بالضرورة. لأنه يكتب لأهل كورنثوس قائلاً: ” نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم “[10]. لأنه لا يُصلي لأجل الذين امنوا، لكي يصيروا شركاء لمخلوق، بل لكي يتقدسوا مشتركين في الطبيعة الإلهية.
يقول النبي المطوب إشعياء: ” رأيت السيد جالسًا على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل. السيرافيم واقفون … وهذا نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس “[11]. ثم يُضيف ” ثم سمعتُ صوت السيد قائلاً من أُرسل؟ ومن يذهب من اجلنا؟ فقلت هاأنذا أرسلني فقال اذهب وقل لهذا الشعب اسمعوا سمعًا ولا تفهموا وأبصروا إبصارًا ولا تعرفوا “[12]. لكن المطوب بولس يقول أن هذا الكلام يأتي من الروح القدس. وقد كُتب في سفر الأعمال ما يلي عن الروح القدس، في إشارة لليهود ” فانصرفوا وهم غير متفقين بعضهم مع بعض لما قال بولس كلمة واحدة انه حسنًا كلّم الروح القدس آبائنا بإشعياء النبي. قائلاً اذهب إلى هذا الشعب وقل ستسمعون سمعًا ولا تفهمون وستنظرون نظرًا ولا تبصرون “[13]. إذًا حين تكلم رب الصباؤوت، كان الروح القدس هو المتكلم، فكيف يكون مخلوقًا؟ هذا الرأى (بأن الروح مخلوق) ليس له أية علاقة بالحقيقة. بل هو روح رب الصباؤوت وهو واحد معه بالطبيعة، وتكلّم بما لله.
وعندما يقول الله الآب: ” أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب “[14]، بل والمطوب بولس يكتب عن الابن قائلاً: ” الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات “[15]، وهذا الذي يملأ المسكونة هو الروح، لأنه مكتوب: ” روح الرب ملأ المسكونة “[16]، إذًا فالروح القدس ليس غريبًا عن طبيعة الله الآب، ومن المؤكد أنه ليس غريبًا عن طبيعة الابن، بل إن حفظ الخليقة يتم من الآب بالابن في الروح القدس، الذي هو فوق الخليقة. لأن الخليقة لا تشترك في ذاتها، بل هي تشترك في ذاك الذي هو بحسب الطبيعة فوق الخليقة، أي الله بواسطة الروح.
الروح يُدعى ربًا وإلهًا:
المطوب إشعياء قال ذات مرة للإسرائليين: ” كبهائم تنزل إلى وطاء روح الرب أراحهم. هكذا قدت شعبك لتصنع لنفسك اسم مجد“[17]، وموسى أيضًا يقول في سفر التثنية: ” هكذا الرب وحده اقتاده وليس معه إله أجنبي “[18]. إذًا ها هو الروح القدس، يُدعى الرب وبوضوح، ويدعى إلهًا وليس غريبًا. أما لو كان مخلوقًا وغريبًا عن طبيعة الله، فلن يكون له المجد الحقيقي، وسيكون إلهًا غريبًا. إلاّ أنه من غير اللائق أن تؤمن بهذا وان تقوله. لأنه دُعي ربًا وإلهًا، وليس غريبًا. إذًا فهو إله وهو من الله بحسب الطبيعة.
وأما أن الروح هو رب وإله، فهذا ما سنعرفه أفضل من خلال كلمات نشيد موسى، لأنه قال: ” اذكر لا تنسى كيف أسخطت الرب إلهك في البرية “[19]. والمطوب إشعياء يقول: ” في كل ضيقهم تضايق. وملاك حضرته خلّصهم. بمحبته ورأفته هو فكهم ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة. ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه. فتحول لهم عدوًا وهو حاربهم “[20]. إذًا ها مرة أخرى، بينما يقول الكامل في الحكمة موسى “أسخطت الرب إلهك”، يقول إشعياء النبي إن الروح حزن. لأنه ليس غريبًا عن الرب، وروحه هو بحسب طبيعة الله، أي قدوس.
وهؤلاء الذين لهم إيمان مستقيم، يقولون إن الروح القدس إله. لأنه مكتوب، أن روح الله جبلني. أما الذين لهم رؤية ملتوية، ويقولوا إن الروح مخلوق، فقد اظهروا بدعًا كثيرة بطرق مختلفة، وقالوا، نعم الروح يُدعى (لاهوت)، ليس لأنه هو بالحقيقة من الله، أو لأنه إله، بل أنه هكذا مثلما يمكن أن يُقال عن الإنسان أنه إلهي. وفي هذا الشأن نقول الأتي: إن المطوب بولس دعا إله الجميع، لاهوت، فقد كتب إلى أهل أثينا، قائلاً: ” فإذ نحن ذرية الله لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعه أو اختراع إنسان”[21]. قائلاً “اللاهوت” بدلاً من “الله”. بل في رسالته إلى أهل رومية، يكتب عن الله: ” لأن أمور غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركه بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر “[22]. إذًا فإن ما يقوله المعارضون، إن الروح القدس يُدعى (لاهوت)، مثلما يمكن لأحدنا أن يُدعى إنسانًا إلهيًا أو من طبيعة إلهية، يعتبر كلامًا باطلاً.
يقول ربنا يسوع المسيح: ” إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي “[23]. ثم بعد ذلك يُضيف المطوب يوحنا البشير: ” قال هذا عن الروح القدس الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه “[24]. إذًا فالروح حيّ، وفقًا لكلام المخلص. لكننا نرى أن إله الجميع يقول بفم إرميا أيضًا: ” أبهتي أيتها السموات من هذا واقشعري وتحيري جدًا يقول الرب. لأن شعبي عمل شَرّين. تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لأنفسهم أبارًا مشققة لا تضبط ماء “[25]. إذًا عندما يُسمي إله الجميع نفسه “ينبوع المياه الحية”، ويُسمي الروح القدس “ماء حيّ”، كيف لا يكون إلهًا بالطبيعة، ذاك الذي له مع الله نفس الطاقة المحييّة؟
يكتب المطوب بولس: ” تطلبون برهان المسيح المتكلم فيّ “[26]. وربنا يسوع المسيح نفسه، يتوجه إلى رسله القديسين قائلاً: ” لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم “[27]. إذًا طالما أنه عندما يتكلم المسيح، يتكلم الروح، فكيف يمكن أن يكون روح الكلمة الذي خلق المسكونة، مخلوقًا؟ لأن: ” كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان “[28]. لكن ذاك الذي خلق كل المسكونة، هو على كل الأحوال مُختلف بحسب طبيعته عن كل الأشياء، ويتميز عن الخليقة لأنه إله.
وأما أن الروح القدس إله، وينبثق من الله بالطبيعة، فهذا ما يُعلمنا إياه المطوب بطرس قائلاً: ” لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس وتختلس من ثمن الحقل… أنت لم تكذب على الناس بل على الله “[29]. إذًا طالما أن الذي يكذب على الروح القدس يكذب على الله، فكيف لا يكون الروح إلهًا بطبيعته؟
المطوب بولس دعا نفسه عبدًا ليسوع المسيح، والمدعو رسولاً، وقال أنه تعيّن لخدمة إنجيل الله[30]. وأيضًا يُعلن نفس الأمر بطريقة أخرى، عندما كتب عن الله ” الذي جعلنا لأن نكون خدام عهد جديد لا الحرف بل الروح “[31]. إذًا طالما أنه يُسمي إنجيل الله، عهد الروح، الذي تعيّن لخدمته، فكيف لا يكون الروح القدس إلهًا؟
يقول أيضًا: ” لأنه من عرف فكر الرب فيُعلمه. وأما نحن فلنا فكر المسيح “[32]. إذًا عندما يُدعى (أي الروح)، فكر المسيح، فكيف يكون واحدًا من المخلوقات، طالما أن الطبيعة الإلهية غير المائتة، لا تقبل أن يكون فيها شيئًا من تلك الأمور التي هي خارج جوهرها؟
يكتب الرسول بولس إلى أهل غلاطية، قائلاً: ” يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضًا حتى يتصور المسيح فيكم “[33]. إذًا طالما أن المسيح يتصور داخلنا، ويُعيد صياغتنا على شبهه بعمل الروح، ويجعلنا روحيين بواسطة كل فضيلة، إذًا فروح المسيح هو إله. وقد ورد في الأناجيل، أن شخصًا أتى إلى ربنا يسوع المسيح وقال له: ” أيها المعلم الصالح “. أجابه المسيح وقال له: ” لماذا تدعوني صالحًا. ليس احد صالحًا إلا واحد وهو الله “[34]. إذًا بينما يقول المسيح، إن الصالح بالحقيقة وبحسب الجوهر هو واحد، يقول المرنم ” روحك الصالح يهدي في ارض مستوية “[35]. إذًا فبما أن الصالح هو واحد، والروح هو صالح، فمن الواضح جدًا أن الروح من طبيعة الله، المتحقق فيها الصلاح.
المطوب بولس حدد النواميس من جهة المرأة، قائلاً: ” المرأة مرتبطة بالناموس مادام رجلها حيًا. ولكن إن مات رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تُريد في الرب فقط. ولكنها أكثر غبطة إن لبثت هكذا بحسب رأيي وأظن إني أنا أيضًا عندي روح الله “[36]. إذًا ما هي النتيجة التي نخرج بها من هذا؟ النتيجة هي إن كان يليق بالله وحده أن يُشرّع، لكن بولس أيضًا يُشرّع، لأن عنده روح الله، إذًا فالروح الذي في داخله هو إله، والذي يُقنعه أن يُحدد النواميس أيضًا.
الروح هو الحق:
في الأناجيل يقول المخلص عن نفسه في موضع ما: ” أنا هو الحق “[37]. بل والمطوب يوحنا يساوي بين الروح وبين الآب والابن من جهة الجوهر، ويقول: “روح الحق الذي من عند الآب ينبثق “[38]. بينما في رسالته الأولى يقول: ” الروح هو الحق “[39]. إذًا فذاك الذي ينبثق من الآب، وهو روح الحق، وله كل هذا القدر من التساوي مع الابن، بسبب وحدة الجوهر، حتى أنه يُدعى أيضًا “الحق”، كيف يكون مخلوقًا؟ هذا كلام غير لائق. إذًا الروح هو إله، طالما أنه “الحق” وينبثق من الآب.
ناموس موسى يفرض عقابًا لا مفر منه على أولئك الذين يجدفون على الله. هكذا أعطى الله أمرًا أن يُرجم ابن الإسرائيلية في البرية، من كل الجماعة. لأنه أورد اسمه، كما هو مكتوب، وتجرأ أن يقول عليه شيئًا ممنوعًا[40]. بل إن ربنا يسوع المسيح ذاته، يصون كرامة الطبيعة الإلهية، قائلاً: ” من قال كلمة على ابن الإنسان يُغفر له. وأما من قال على الروح القدس فلن يُغفر له لا في هذا الدهر ولا في الآتي “[41]. فإن كان الروح مخلوقًا، وليس واحد مع الله في الجوهر، ولم يكن إلهًا مع الآب والابن، فكيف يكون التجديف عليه، يحمل هذا القدر الكبير من العقاب، الذي يُعاقب به الذين يجدفون على الله؟ إذًا من الواضح أنه إله، وينبثق من الله، وهو مع الله ويُكرّم في الكتب المقدسة كإله، وهو هكذا بحسب الطبيعة.
فإن كان كما يقول المخلص: ” المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح “[42]. إذًا فالروح بحسب الطبيعة إله، الذي يلد القديسين مرة ثانية، باتحادهم مع الله، بأن يسكن فيهم، ويجعلهم شركاء في طبيعته. وهذا الذي هو قديس بسبب الشركة (مع الروح)، يُشبه إناءً للقداسة قد أصبح يمتلكه (الروح)، بينما هو قائم بطبيعته كإنسان.
إذًا فليقولوا لنا هؤلاء الذين يتجرأون على القول، إن الروح قدوس بسبب شركته مع الله الآب، وليس بحسب طبيعته، مَن هو الروح في ذاته، بعيدًا عن الآب والابن. لكننا لم نسمع شيئًا أخر من الكتب المقدسة. إذًا فهو قدوس ليس عن طريق الشركة، بل لأنه قدوس بحسب طبيعته وجوهره، ولكي أتكلم عنه أقول إنه فعل الألوهة الذي لله الآب، مثل الحلاوة لعسل النحل، ومثل الرائحة الذكية للأزهار.
كتب القديس بولس إلى أهل رومية عن المسيح مخلصنا يقول: ” وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات. يسوع المسيح ربنا “[43].
قوة الله تستعلن بالروح:
إذًا إن كان قد قام من الأموات، وبقوة الروح القدس المحييّة قد فك قيود الموت، وتعيّن المسيح حقًا ابن الله، وهو كذلك، فلا يمكن أن يكون مخلوقًا ذاك الذي بواسطته صار إعلان القوة الإلهية، أي الروح، لكي لا يظهر أن المسيح قد تعين بطريقة ما، بواسطة مخلوق، بل بالأحرى استخدم قوته، تلك التي للروح الواحد في الجوهر. ويقول: ” إذ أُخضعت كل الخليقة للبطل. ليس طوعًا بل من اجل الذي أخضعها على الرجاء “[44]. إذًا لو أن الروح القدس مخلوق، فيلزم أن نعترف بالضرورة أن الروح أيضًا خضع للبطل، ويئن مع الخليقة ويتمخض، والآن هو يوجد كما لو كان في حالة عبودية، وسيتحرر لكي يصل إلى حرية مجد أولاد الله[45]. ويقول أيضًا القديس بولس في حالة أخرى: ” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب “[46]. فلو كان الروح القدس عبدًا، كمخلوق، فكيف نصرخ به “يا أبا الآب”؟ لكنه حرر الذين حل فيهم من العبودية، وبالأحرى جعلهم أبناءً أحرارًا، مُظهرًا إياهم شركاءً في طبيعته. فذاك الذي ليس بمخلوق، والذي لا ينتمي لنظام أو طبقة العبيد، هو خاص بالجوهر الإلهي في كل الأحوال.
وعن الإنجازات أو العطايا التي صارت من مخلصنا لمنفعة الأمم، بواسطة الروح، يفتخر الرسول بولس قائلاً: ” فلي افتخار في المسيح يسوع من جهة ما لله. لأني لا أجسر أن أتكلم عن شيء مما لم يفعله المسيح بواسطتي لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل. بقوة وآيات وعجائب بقوة روح الله “[47]. إذًا طالما أن المسيح يصنع الآيات والعجائب بواسطة بولس، بقوة الروح القدس، كطاقة طبيعية وحية، وكفعل لألوهية الابن، فكيف يكون ذاك الذي هو في الله، وينبثق من الله بطريقة طبيعية، مخلوقًا؟ وكيف يكون مخلوقًا ذاك الذي بقوته يعمل الابن (في القديسين)، الأمر الذي يعد كفرًا بمجرد النطق به؟ يُعلّم القديس بولس عن الكرازة المخلّصة، أنها لا تحتاج إلى الكلمة القاسية أو المفزعة، إذ يكتب في رسالته إلى أهل كورنثوس: ” وأنا كنت عندكم في ضعف وخوف ورعدة كثيرة. وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح والقوة. لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله “[48].
ها هو يسمى برهان الروح، أي عمل الروح، قوة الله. لأنه من الله ومع الله، الروح يصنع كل شيء بطريقة طبيعية، كيف إذًا يكون مخلوقًا، ذاك الذي هو واحد في الجوهر مع الله، والذي يُعرف أو يُستعلن لنا على قدر استيعابنا، كما لو كنا ننظر في مرآه في لغز[49].
” أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله “[50]. إذًا عندما نصير مسكن وهيكل لله، بسكنى الروح القدس فينا، فكيف لا يكون للروح طبيعة إلهية، وكيف سيُحصى بين المخلوقات، في اللحظة التي يتضح فيها، أنه لا يوجد بين الأشياء المخلوقة، ما يُقال عنه أنه يسكن في هيكل كإله، بل إن هذه الصفة مع صفات أخرى، هي الخاصية التي تُُميز الطبيعة الإلهية وحدها؟
” فبكل سرور افتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل علىّ قوة المسيح “[51]. فإن كان الروح هو الذي يحل ويسكن فينا، ومن خلاله يسكن المسيح فينا، إذًا فالروح القدس هو قوة المسيح. وإن كان الأمر هكذا، فكيف يكون مخلوقًا مَن هو بالطبيعة كائن في الابن؟ ويمكنهم أيضًا أن يقولوا إن الله الكلمة الذي ليس فيه ازدواجية أو ثنائية، هو مُركب من اثنين، أى من طبيعة مولودة ومن طبيعته الذاتية (الإلهية). لكن إن كان كل هذا هو أمر غير لائق، فإن الروح ليس مخلوقًا، لكنه من الجوهر الإلهي غير المُدرك، كقوة له، وبمعنى ما كطاقة طبيعية. والرسول بولس يتكلم عن المسيح مخلّصنا، فيقول: ” الذي فيه أيضًا انتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم الذي فيه أيضًا إذ أمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتني لمدح مجده “[52].
يوزع المواهب الإلهية:
فإن كنا قد خُتمنا بالروح القدس، وأُعيد تشكيلنا لله، فكيف يمكن اعتبار الذي بواسطته حُفرت في داخلنا أيقونة الجوهر الإلهي، وبقيت فينا علامات الطبيعة غير المخلوقة، مخلوق؟ لأن الروح بالطبع عندما يكون محددًا للصورة فقط فهو لا يرسم فينا جوهر الله، لو أنه كان مختلفًا عن جوهر الله، ولا بهذه الطريقة يقودنا لنصير على شبه الله. ولكن هذا ما يحدث، فهو لأنه إله وينبثق من الله، لذلك ينطبع في قلوب أولئك الذين قبلوه كختم كما على شمع، وبالشركة معه، والتشبه به، تُستعلن الصورة مرة أخرى، في الطبيعة بحسب جمالها الأول. إذًا كيف يكون مخلوقًا، ذاك الذي بواسطته تتجلى الطبيعة، بأن تصير لها شركة مع لله؟ ” تعقلوا واصحوا للصلوات. ولكن قبل كل شيء لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا. كونوا مُضيفين بعضكم لبعض بلا دمدمة. ليكن كل واحد بحسب ما أخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعض كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة “[53]. لاحظ من فضلك أنه بينما يوزع الروح القدس المواهب الإلهية، ويقسّمها لكل قديس، بسلطان وكما يُريد، فإن القديس بطرس يؤكد بكل ثقة أن أنواع هذه النعمة، والهبات تصير من الله، وأن الروح ليس غريبًا عن الطبيعة الإلهية. إذًا طالما أن القديس بطرس يدعو الروح، إلهًا، فكيف لا يكون كافرًا ومختل العقل من يجعله في عداد المخلوقات، ويتجرأ ويخاطر بأن يناقض بشارة الرسل القديسين؟
” من هو الذي يغلب العالم إلاّ الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله هذا هو الذي أتى بماء ودم يسوع المسيح. لا بالماء فقط بل بالماء والدم. والروح هو الذي يشهد لأن الروح هو الحق. فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد. والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم واحد. إن كنا نقبل شهادة الناس فشهادة الله أعظم لأن هذه هي شهادة الله التي شهد بها عن ابنه “[54]. لاحظ إذًا مرة أخرى، أن الكارز بالحقيقة، يُسمي الروح، إلهًا، ومنبثقًا من الله بالطبيعة. لأنه قال، إن الروح هو الذي يشهد، ويتقدم قليلاً، قائلاً: ” شهادة الله أعظم “. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، وهو منبثق من الله بالطبيعة، ومُتمم للثالوث القدوس؟
يعيد ولادتنا للخلاص:
” أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس “[55]. من حيث إنه يستطيع أن يخلق، فهذا أمر يتعلق بالطبيعة الإلهية وحدها، وهذا الأمر بالإضافة إلى جوانب أخرى، يؤكد على ما للروح القدس من رتب إلهية موقرة، ومتميزة تمامًا، وأن الروح الإلهي يخلق داخل هيكل العذراء، وفقًا للكتب، إذًا من يقول أن الروح مخلوق، ألا يُعد هذا كفرًا وهوسًا؟ لأنه يوجه إتهامًا للجوهر الاسمي من كل شيء، ويتدني به، ويحسبه في عِداد المخلوقات، والتي هى حديثة العهد في وجودها، وليس منذ البدء. لكن الله بالنسبة لنا، ليس حديث العهد، بحسب ما كُتب في المزامير[56]. إذًا لم تخلق الطبيعة الإلهية النقية، لكن بالأحرى هي موجودة منذ البدء. فإن كان الأمر هكذا، فكيف يمكن أن يقال إن الروح القدس، الروح الإلهي، قد خُلق، بينما هو موجود في الله الآب؟
” وأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله “[57]. فإن كان الروح هو الذي يُعيد ولادتنا للخلاص بالإيمان بالمسيح، حتى أنه بواسطته نصير مولودين من الله، فكيف يكون ممكنًا ألا يكون الروح إلهًا؟ بل إننا نحن الذين آمنا، قد صرنا مولودين من الروح. وهذا ما أكده المخلص لنيقوديموس قائلاً: ” الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب. هكذا كل من ولد من الروح “[58]. ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أن إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي “[59]. فإن كان الروح القدس ينبثق من الله الآب، وواحد معه في الجوهر، وإن كان الآب غير مولود ولا مخلوق، فكيف يمكن أن يكون الروح الذي ينبثق من الآب، مولودًا؟ وكيف صرنا نحن هيكل الله، بسكنى الروح القدس، إن لم يكن إلهًا؟
ألوهية الروح القدس ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – د. سعيد حكيم يعقوب
ألوهية الروح القدس ج1 – القديس كيرلس الاسكندري – د. سعيد حكيم يعقوب
مقدمة
في رده على الهراطقة الذين نادوا بأن الروح القدس مخلوق، أكد ق. كيرلس بأدلة قاطعة وبوضوح تام على إلوهية الروح القدس، إذ يقول، إن كان الروح القدس يستطيع أن يخلق ويجدد، كما يقول داود النبي ” تُرسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض ” (مز30:104). فكيف يمكن أن يكون الروح مخلوق. وإن كان الروح يُحيي كما يقول رب المجد: ” الروح هو الذي يُحيي ” (يو63:6)، كيف يّدعي هؤلاء بأن الروح مخلوق. ثم يستطرد قائلاً، إن كان المُطوّب أيوب يقول: ” روح الله صنعني” (أيو4:33)، فكيف يمكن للمخلوق أن يخلق. وإن كانت المخلوقات تدرك في مكان محدد، ومن خلال بعض الصفات، وإن الروح القدس لا يدرك هكذا، لأنه مكتوب: ” روح الله ملأ المسكونة” (حكمة سليمان 7:1)، وإن كان المُطوب داود، يُرنم قائلاً: ” أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب” (مز7:139)، فكيف يكون لذاك الذي يملأ المسكونة، أن يكون مخلوقًا.
أيضًا يستشهد بقول ق. بولس ” أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم ” (1كو16:3)، ويقول: إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، طالما أننا قد صرنا بواسطته شركاء مع الآب والابن، لأنه من غير الممكن أن نصير شركاء الطبيعة الإلهية بواسطة مخلوق أو واحد من الملائكة القديسين.
وأفكار أخرى كثيرة يطرحها ق. كيرلس بحيث لا يترك مجالاً للتشكك في إلوهية الروح القدس، ويستطيع القارئ أن يطلّع عليها عند متابعته قراءة هذا الكتاب.
تمت الترجمة عن النص اليوناني المنشور في مجموعة آباء الكنيسة الذين كتبوا باليونانية (EPE) الصادرة في تسالونيكي 1973 المجلد رقم 9 والذي يحمل عنوان ” عن الثالوث القدوس المساوي، وتأنس الابن الوحيد” صـ431ـ469. قام بالترجمة د. سعيد حكيم، وراجعها د. نصحي عبد الشهيد.
ليبارك المسيح إلهنا هذا العمل من أجل بُنيان الكنيسة، بشفاعة والدة الإله العذراء القديسة مريم وصلوات ق. كيرلس الاسكندري وقداسة البابا شنودة الثالث والآباء المطارنة والأساقفة، والمجد للثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد أمين.
المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة
ألوهية الروح القدس
للقديس كيرلس الاسكندري
الروح القدس يخلق ويُجدّد:
إن كان الروح يستطيع أن يُؤله وأن يهب المخلوقات رتبة أسمى من الخليقة فهو أسمى من حيث الطبيعة، والكرامة، فإذا كان يستطيع أن يؤله النفس، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا وليس إلهًا، طالما أنه يؤله؟
إن كنا نؤمن بأن الله قد أتى إلينا، بواسطة سكنى الروح القدس داخلنا، فكيف يمكن أن يكون (الروح) مخلوقًا؟ لأنه من غير الممكن أن يُقيم الله داخلنا بواسطة مخلوق، إذ أن الله يسمو على الكون (المخلوق). لأنه كما انه بسكنى الله داخلنا، نصبح شركاء الطبيعة الإلهية، وليس شركاء الطبيعة المخلوقة، هكذا فإذا سكن داخلنا مخلوق، فلن نكون بعد شركاء الطبيعة الإلهية، بل شركاء الطبيعة المخلوقة. إذًا فالروح هو إله، طالما أن الله يسكن فينا بالحقيقة من خلاله.
فكل شيء يأتي من العدم إلى الوجود، يعتبر عبد للذي خلقه، ويكون في مكانة الخادم، بينما نحن إذ قد صرنا شركاء الروح القدس وصرنا أحرارًا، وهذا معناه على كل حال أن الروح القدس بحسب طبيعته حر، وليس بمخلوق، ولا عبدًا، كما في حالة الخليقة، بل هو الطبيعة التي هي فوق كل نير وكل حرية.
إن كان الروح يعمل فينا المواهب الإلهية كما يشاء، لأن هذا ما يقوله المطوب بولس: ” الله واحد الذي يعمل الكل في الكل “[1]، إذًا فالروح إله، إذ أنه ينبثق من الله بالطبيعة.
والمطوب داود يُرنم لله مخلص الجميع، من اجل كل ما هو موجود على الأرض قائلاً: ” تُرسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض “[2]، لكن هذا الذي تجّدد، قد تجّدد هكذا كما كان في البداية، وهذا هو فعل القوة ذاتها، التي أتت به إلى الوجود منذ البدء، وعندما فسد هذا المخلوق، أعادته تلك القوة مرة أخرى إلى حالته الأولى. الروح يُجدد الخليقة، لأن الخليقة لم تُخلق من قِبل مخلوق، وعندما فسدت لم تتجدد بمخلوق، بل من الله. إذًا فالروح القدس إله، ويأتي من الله بحسب الطبيعة.
إن كانت المخلوقات في مجموعها قد خُلقت بنسمة فم الله، كما يُصلي داود[3]، وان كان الروح مخلوق (كما يدّعي البعض)، فليقل لنا هؤلاء الذين يُؤمنون بذلك، إلى أي شيء يستند هذا الإيمان. وإن كان الروح حقًا طبيعة مخلوقة، وهو الذي يُثبت الخليقة، فهذا معناه أن الخليقة تُثبّت نفسها، وليس لها احتياج لله على الإطلاق. لكن حين تؤمن بهذا الكلام، وتتحدث به، فهذا أمر يدعو للدهشة والغرابة، لأننا نتحد بالله عن طريق الروح القدس، وكلام المزمور كلام حقيقي: ” بكلمة الرب صُنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها “[4]. إذًا فالروح من طبيعة الله، ويأتي من الله، وعلى أية حال فهو ذو طبيعة مختلفة عن الخليقة، التي تعتمد في وجودها عليه. فذاك الذي هو أسمى من الخليقة، ومن طبيعة مختلفة عن المخلوقات، هو بالتأكيد إله، وليس شيئًا آخر.
روح الحكمة والقوة:
لقد جعلنا الله حكماءً، بل وأقوياءً، عن طريق الابن، بالروح القدس. لأنه يُدعى روح الحكمة، وروح القوة. إذًا كيف يمكن أن يكون روحًا مخلوقًا؟ لأنه لو كان ذلك أمرًا صحيحًا، فمن الواضح أنه لا يوجد شيء يمكن أن يُعوقنا عن أن نفكر على هذا النحو: أن الله حكيم وقوي من خلال المخلوقات، وحكمته حكمه مخلوقة. وفي هذه الحالة يكون الكون هو الذي يضفي جمالاً على الله وليس العكس. لكن أن تؤمن بهذا، أو تقوله فهذا كفر. وبناءً على ذلك فإن الروح إله، وينبثق من الله بحسب الطبيعة، وبواسطته يعطي الله الحكمة للخليقة ويشدّدها. وعن الابن قال المطوب بولس: ” وأما الرب فهو الروح “[5]. أيضًا الابن نفسه قال: ” الله روح “[6]. إذًا عندما يُدعى الروح القدس بالآب مرةً، وأيضًا بالابن مرة أخرى، فكيف لا يكون واحد في الجوهر معهما؟ كما أن الخليقة في طبيعتها غير مؤلهة. إذًا فإن كان من غير الممكن أن نشترك في طبيعة الله أو نصير شركاء الطبيعة الإلهية، إلاّ فقط من خلال الروح القدس، فكيف يُعتبر الروح خارج الألوهه، ذاك الذي بذاته يجعل أولئك الذين يأتي إليهم، شركاء الطبيعة الإلهية؟
أن نقول بأن الخليقة، أو أي مخلوق من المخلوقات، هو مساو في العمل والقوة مع الله، فهذا يُمثل دليلاً واضحًا على الكفر. لكن لأن الروح القدس له نفس الطاقة أو العمل مع الآب والابن، فمن الواضح أنه إله من إله من حيث طبيعته، حتى أنه يستطيع أن يعمل ما يعمله الله. والدليل على كل ما يُقال، هو هذا الذي طرحه القديس بولس بكل وضوح، قائلاً: ” فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد. وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل “[7]. ولأن الآب يُعطي حياة، والابن أيضًا بنفس القدر يُعطي حياة، الروح القدس هو أيضًا يُحيي. يكتب إذًا المطوب بولس: ” أوصيك أمام الله الذي يُحيي الكل “[8]. بل إن الابن نفسه قال: ” خرافي تسمع صوتي وأنا اعرفها فتتبعني وأنا أعطيها حياة أبدية “[9].
وأما أن الروح يُحيي، سيُبرهن على ذلك المخلص نفسه بقوله: ” الروح هو الذي يُحيي. أما الجسد فلا يفيد شيئًا. الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة “[10]. بل والمطوب بولس يكتب ” وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم “[11]. إذًا فذاك الذي يمكنه أن يعمل أعمال مساوية في الكرامة للأعمال التي يعملها الله، هو بالحقيقة إله، ويأتي من الله بحسب الطبيعة.
لقد وبّخ ربنا يسوع المسيح جموع اليهود قائلاً: ” أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أي عمل منها ترجمونني “[12]. وأيضًا ” الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال “[13]. بل إنه أقر، بأنه بروح الله يُخرج الشياطين. إذًا طالما أن أعمال الروح هي أعمال الآب، ومن الواضح أنها أعماله هو أيضًا، فكيف يكون من الممكن أن يكون الروح مخلوقًا؟ لأنه لو كان هذا الأمر حقيقي (أى أن الروح مخلوق)، فعندئذ يتمجد الآب من خلال المخلوق، بل والابن يتمجد بالمخلوق، طالما أن المعجزات يصنعها بواسطة الروح، إلاّ أن هذا أمرًا غير معقول. إذًا فالروح إله، وهو من طبيعة الله، طالما أنه يعمل أعمال الآب والابن.
الروح القدس يملأ كل المسكونة:
حين يعرض المطوب بولس للعهد الجديد الذي للمسيح، يعرضه بصورة أكثر مجدًا من العبادة الناموسية، قائلاً: ” إن كانت خدمة الدينونه مجدًا فبالأولى كثيرًا تزيد خدمة البر في مجد “[14]. إذًا الناموس كان لخدمة الدينونة، بينما البشارة الإنجيلية كانت لخدمة البر. لكن خدام العهد القديم، الذين أدانهم، كانوا يتحدثون بعبارات مثل ” يقول الرب “، وخدام العهد الجديد، الذين بررهم، قالوا: ” الروح القدس يقول “. إذًا هل خدام العهد الذين أدانهم أسمى من خدام العهد الثاني (أي الجديد)؟ لأن خدام العهد القديم خدموا بكلام الله، فلو أن الروح القدس هو مخلوق فهذا معناه أن خدام العهد الجديد خدموا بكلام المخلوق. وكيف تكون بعد، خدمة البر في مجد؟ لأنه ما هو الأكثر مجدًا، أن يخدموا بكلام الله أم بكلام المخلوق؟ لكن خدام العهد الأول (القديم) ليسوا أسمى ولا هم أكثر بهاءً من خدام العهد الجديد. وبناء على ذلك فعندما قالوا إن: ” الروح القدس يقول “، فهم أيضًا يُخدَمون بكلام الله، لأن روح الله، هو إله، ويأتي من الله بحسب طبيعته. أما أن خدمة خدام العهد الثاني (الجديد) هي أكثر بهاءً من خدمة خدام العهد الأول (القديم). فهذا ما أكده المخلص، قائلاً للرسل القديسين: ” الحق أقول لكم إن أنبياء وأبرارًا كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا ” لكن أنتم ” طوبى لعيونكم لأنها تُبصر ولأذانكم لأنها تسمع “[15]. وقال لتلاميذه القديسين: ” وتساقون أمام ولاة وملوك من اجلي… فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون لأنكم تُعطَون في تلك الساعة ما تتكلمون به. لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم “[16].
أيضًا يقول المطوب بولس: ” إذًا أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم فيّ “[17]. إذًا عندما يتكلم المسيح في القديسين، فالروح هو الذي يتكلم، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا ذاك الذي يوجد داخلنا ويتكلم المسيح من خلاله، والذي من الله بحسب الطبيعة، وواحد في الجوهر مع الابن؟ والمطوب موسى قال في سفر التكوين: ” فخلق الله الإنسان على صورته “[18]. بل وخالق الجميع قال بفم إشعياء: “ أنا صنعت الأرض وخلقت الإنسان عليها “[19]. وطالما أن هذا صواب، فإن المطوب أيوب يقول: ” روح الله صنعني “[20]. فإن كان روح الله مخلوقًا، فهذا معناه أننا خُلقنا من مخلوق. وإذا كان كذلك فلماذا يقول الكتاب: ” وجبل الرب الإله ادم ترابًا من الأرض “[21]. وبناء على ذلك فمن الأمور الأكثر غرابة أن ننسب مجد الخالق للمخلوق، فالروح خالق، إذًا فهو إله وهو من الله بحسب طبيعته.
فلو أن الأصغر يُبَارك من الأكبر[22]، وفقًا لكلام القديس بولس، ولو أن الخليقة المدركة تتبارك، وتتقدس من الله بواسطة الروح، فإنها تتبارك وتتقدس من ذاك (أي الروح) الذي هو أسمى بحسب طبيعته من كل شيء. وإن كان هذا صحيحًا، إذًا فالروح القدس ليس مخلوقًا. لأن الأكبر لا يتبارك من الأصغر.
الروح يُحيي إذ هو الحياة:
فإن كانت المخلوقات تُدرك في مكان محدد، ومن خلال بعض الصفات، وإن كان الروح القدس لا يُدرك هكذا، لأنه مكتوب: ” روح الرب ملأ المسكونة “[23]، بل وداود يُرنم قائلاً: ” أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب “[24]، فكيف يمكن أن يكون ذاك الذي يملأ المسكونة، مخلوقًا، لأنه بالنسبة للابن، كتب ” الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات لكي يملأ الكل “[25]. والآب نفسه قال لليهود في موضع ما ” السموات كرسيّ والأرض موطئ قدميّ أين البيت الذي تبنون وأين مكان راحتي “[26]، وأيضًا: ” أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب “[27].
وفي موضع آخر قال الله لليهود الذين تحرروا من بابل ” واعلموا فإني معكم … وروحي قائم في وسطكم “[28]، أي انه في وسطكم قائم الله بحسب الطبيعة والحقيقة. كيف يمكن أن يُعد مخلوقًا، وليس إلهًا، إنه من الله بحسب الطبيعة، طالما أنه بذاته يحقق الحضور الإلهي؟
مكتوب: “ بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها“[29]. والمؤكد أن قوة الخلق تليق بالله، وليس بالمخلوق، فكيف يمكننا أن نتشكك في ذلك؟ لكن لو أن الروح حقًا مخلوق، وهو الذي يثبّت الخليقة، فحينئذٍ تكون الخليقة هى التي تحفظ ذاتها لكي تكون في حالة حسنة، دون أن تحصل أو تأخذ أي شيء من الله لأجل هذا الأمر، وإن كان يجب أن أقول شيئًا غير لائق، فإن الخليقة بهذه الرؤية لها طبيعة سامية، طالما إنها تعمل من تلقاء ذاتها، وبهذا تصير موضع إعجاب لدى المرء. لكن هذا أمر غريب، لأن الروح يُثبت السموات، ويُشدّد الخليقة. إذًا فهو طبيعة أسمى من الخليقة، إذ هو إله.
فإن كان الروح يُحيي، وهو الحياة، وفقًا لكلام المخلص[30]، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا؟ ولهذا فلو لم يكن موجودًا قبلاً، فليس هو حياة، أي لو أنه خُلق مع أشياء أخرى، أي تلك التي أتت للوجود من العدم. إن الكلام عن خلق الروح، بهذه الطريقة هو كلام غير لائق، لأن الروح هو بالحقيقة حياة، ويُحيي. إذًا فهو لم يُخلق، بل كان موجودًا قبل الدهور، لأنه من الله بالطبيعة، وهو إله.
الطبيعة الإلهية غير المائتة، طبيعة بسيطة وغير مركبة، وهى التي تأتي بكل المسكونة إلى الوجود، وتكملّها بالروح. فلو أن الروح القدس هو مخلوق، كما يدّعي المضادون، فستكتمل عندئذٍ أعمال الألوهة عن طريق مخلوق. ولأن الله من جهة طبيعته بسيط، فكيف يمكن لروحه أن يكون مُركبًا؟ لأنه ليس هناك بين المخلوقات ما هو بسيط من حيث طبيعته. نعم، كما قال هؤلاء الذين يشتكون على مجد الروح القدس، الروح القدس هو من الله، ويُقدس الخليقة من الله. لأن المخلص قال عنه: ” يأخذ مما لي “[31].
إن ما يُمنح ويأتي من خارج، من آخر، يمكن على أية حال أن يُنزع، وما ليس لنا بالطبيعة، يمكن أن يُفقد. إذًا هل سيفقد الروح القدس ذات مرة قوة التقديس؟ برغم أنه من المؤكد أن له صفة تدل على جوهره، والذي يؤكد على أنه كائن، وليس مجرد رتبه ما، أو امتياز، كما هو الحال بالنسبة للسلطة والعرش، والسيادة. لأن هذه الألقاب لا تعبر عن جوهر هؤلاء الذين يحملونها، بل تُعلن درجة كرامة كل رتبة على حدة. ولكن في الثالوث القدوس اسم الآب والابن والروح القدس، لا يُظهر امتيازًا ما، بل يُوضح ماهية كل واحد من هذه الأسماء.
قدوس بطبيعته:
فإن كان اسم الروح القدس يُعلن عن جوهره، أي يُعلن عن ماهيته من جهة طبيعته (لأنه دُعي قدوس)، فالله قدوس أيضًا[32]، (إذ هكذا تُسبّحه القوات السمائية لا كأنه اكتسب القداسة، بل لأنه قدوس بطبيعته، وبحسب الجوهر)، ولن يكون الروح غريبًا عنه من حيث جوهره. لأنه هو بطبيعته قدوس، طالما أنه يأتي من قدوس، ومتحد بالله القدوس بحسب طبيعته.
هؤلاء الذين يقولون إن الروح القدس مخلوق لا يدركون، إذ هم عميان، أن كل خدمه تتصف بالعبودية، هي اقل أو أدنى من الخدمة الذاتية أو الشخصية. مثلما حدث على سبيل المثال عندما أُعطى الناموس للقدماء، والذي أُخبر به بترتيب ملائكة، وبواسطة موسى، الكامل في الحكمة.
لكن الذي أعلن الناموس قديمًا، هو نفسه أرسل لنا النعمة بواسطة الإيمان. ولهذا فإن خدمة المسيح نفسه هي أكثر مجدًا، من خدمة موسى. إذًا لو أن الروح يُقدسنا كخادم، فمن الذي تقدّس أكثر من قِبل الآب؟ إنه ذاك الذي لا يتقدس، إلاّ عن طريق الروح القدس فقط. إن أعلى وأسمى درجات البركة الإلهية هو التقديس بواسطة الروح. وبناء على ذلك فالروح لا يُقدس الخليقة كعبد، ولا كواهب غريب (عن طبيعة الله)، بل إن الله ذاته بروحه هو الذي يصنع هذا بطريقة ما.
يهبنا شركة الطبيعة الإلهية:
المسيح له المجد يقول في موضع ما: ” إن أحبني احد يحفظ كلامي ويحبه أبي واليه نأتي وعنده نصنع منزلاً “[33]. وبأي طريقة يتحقق فينا هذا الوعد، الكلمة الإلهية تعلّمنا ذلك بوضوح. بالحقيقة يقول المطوب يوحنا البشير: ” وبهذا نعرف أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا “[34]. والكامل في الحكمة بولس يقول: ” أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم “[35]. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا طالما صرنا بواسطته شركاء مع الآب والابن؟ لأنه لم يكن ممكنًا بواسطة مخلوق، أو واحد من الملائكة القديسين، أن نصير شركاء الطبيعة الإلهية. وهكذا فإن الله يوجد داخلنا عن طريق الروح الذي هو إله.
الكتاب يقول، إن الروح القدس كان حاضرًا في شمشون، طالما كان غير حليق الشعر، ثم يقول الكتاب ” الرب قد فارقه “[36]، وذلك عندما حلق شعره بطريقة سيئة. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، طالما أنه بطبيعته هو الرب؟ لأن ذاك الذي هو حر، وسيد حقًا، لا ينتسب أو ينتمي للمخلوقات.
عندما قرر ربنا يسوع المسيح أن يصعد إلى السماء، عزى رسله القديسين قائلاً: ” لا أترككم يتامى. إني أتي إليكم “[37]. وتمم وعده، وأرسل لنا المعزي من السماء، أو من الأفضل أن تقول، إنه أتى إلينا بواسطة الروح. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، وهو الذي بواسطته تُقيم بيننا الطبيعة غير المخلوقة، “الكلمة” الذي خلق المسكونة؟
أما القديس إبيفانيوس، ففي كتابه “المثبَّت بالمرساة” (Anchoratus) الذي صدر قبل صدور كتاب القديس باسيليوس “عن الروح القدس” (De Spiritu Sancto)، وكذلك في كتابه “خزانة الدواء” (Panarium haeresium) الذي صدر بعد ذلك بأربع سنوات، قدَّم نفس المفهوم عن طبيعة الروح القدس الأقنومية الكاملة وعمله الأقنومي. غير أن القديس إبيفانيوس كان له توجه عبري في كونه أرجع “أنا هو” الخاصة بالله الواحد إلى جوهره (οσία) (الواحد)، بينما أشار إلى كل أقنوم بمصطلحات “شخص” و”اسم” و”أقنوم”[1].
وكان هذا الفكر يعد امتدادًا مباشرًا لتعليم القديس أثناسيوس الذي جاء في خطابه إلى كنيسة أنطاكية (Tomus ad Antiochenos). ولكن من الواضح أيضًا في نفس الوقت أن أفكار القديس إبيفانيوس وق. باسيليوس كانت مألوفة لدى بعضهما البعض[2].
وقد أكَّد القديس إبيفانيوس كذلك أن مصطلح “هوموأووسيوس” (μοούσιος) النيقي ينطوي ضمنيًّا على وجود أقانيم متمايزة في الله، لأن أقنومًا واحدًا لا يمكن أن يكون له ذات الجوهر الواحد “هوموأووسيوس” مع نفسه، وأصرَّ على أن كلاًّ من الأقانيم الثلاثة له وجود ثابت وجوهري وحقيقي وكامل داخل جوهر الله الواحد، وبالحقيقة فإن كيان الروح الكامل هو مثله مثل كيان الابن الكامل وكيان الآب الكامل، فكل أقنوم هو الله بالتمام والكمال[3]، ولذلك تَعبد الكنيسة وتمجِّد الروح القدس مع الله الآب والله الابن.
وفي ضوء هذا، يتضح أن صيغة “جوهر واحد، ثلاثة أقانيم” كانت مقبولة تمامًا لدى القديس إبيفانيوس، على الرغم من أنه كان ينظر إلى “الأوسيا” (οσία) بنفس طريقة مجمع نيقية* حيث إنه (أي مصطلح الأوسيا) كان يُفهم لديه بكونه يعبِّر عن الجوهر في علاقاته الداخلية (أي المتضمِّن العلاقات الداخلية للثالوث) وبكونه يشتمل على مدلول أو معنى أقنومي (أي شخصي)[4]. ولذا استطاع القديس إبيفانيوس أن يتعاملمثلما فعل القديس أثناسيوسمع
المصطلحين “أوسيا” (οσία) و”هيبوستاسيس” (πόστασις) بمرونة كبيرة* في ضوء المعنى المقصود في كل موقف[5]. وقد ساهم القديس إبيفانيوس بالفعل في الوصول بعقيدة نيقية عن الروح القدس إلى صورتها الكاملة التي تؤكد تمامًا وبلا تردد على ألوهية الروح القدس، ولذا نراه يقول: “نحن ندعو الآب الله، والابن الله، والروح القدس الله … وعندما تنطق بال “هوموأووسيوس” فإنك تعلن أن الابن هو إله من إله، وأن الروح القدس هو إله من نفس اللاهوت[6]“.
فالروح القدس في أقنومه الذاتي المتمايز، هو إله تام وكامل، إله من إله، له ذات الجوهر الواحد مع الآب والابن. وفي فعله الخاص الفريد بكونه الروح القدس، فإنه يجعل الاشتراك في الثالوثغير المنقسمممكنًا.
وكان لتعليم القديس إبيفانيوس عن الروح القدس بعض الملامح الخاصة المميَّزة:
على خلاف الآباء الكبادوكيين، لم يتحدث القديس إبيفانيوس عن أقانيم الثالوث الآب والابن والروح القدس بكونها “أنماط للوجود” (τρόπος πάρξεως) في جوهر الله الواحد، ولكنه فضَّل أن يتحدث عنهم ككيان “أقنومي” (شخصي) أساسي (νυπόστατος) في داخل جوهر الله*، أي إن لهم كيانًا حقيقيًّا وشخصيًّا في الله وأنهم في تلازم وتواجد (احتواء) متبادل فيما بينهم. وكان هذا الأسلوب أكثر تحديدًا وواقعية في الحديث عن حقيقة الأقانيم الإلهية المتمايزة في داخل جوهر الله الواحد[7]، ومن الملاحظ أن القديس كيرلس السكندري قد التقط نفس هذا الأسلوبالذي يعود إلى القديس أثناسيوسفي تعليمه اللاهوتي.
2. كان فهم القديس إبيفانيوس لل “هوموأووسيوس” بأنه لا ينطبق على كل أقنوم فحسب، بل أيضًا على علاقات الثالوث الداخلية ككل*، مما كان له أكبر الأثر في تعميق إدراكه للتلازم والتواجد (الاحتواء) المتبادل الذي بين الآب والابن والروح القدس في علاقاتهم الأقنومية داخل الجوهر الواحد، حتى إنه استطاع أن يقول عن الروح القدس إنه في “وسط (ν μέσ) الآب والابن” أو إنه هو “رباط الثالوث (σύνδεσμος τς Τριάδος)[8]“. إلاّ أن هذا التعليم لم يكن يتضمَّن أية إشارة إلى تبعية أو خضوع أي من الأقانيم للآخر، لأن كل ما للآب هو للابن وهو للروح القدس. وصدور الابن والروح القدس من الآب، ووجودهما مع الآب، هو بلا أي بداية وبلا أي زمن (νρχως καί χρνως)؛ إذ لا يوجد “قبل” أو “بعد” فيما يتعلق بالله[9]. وكما قال القديس إبيفانيوس عن الروح القدس: “لم يوجد هناك (وقت)، لم يكن فيه الروح (القدس) كائنًا (οδέ ν ποτέ τε οκ ν Πνεμα)[10]“#.
الروح القدس كائن في، ويتدفق من، جوهر الثالوث القدوس الداخلي ومن حياته ونوره، حيث يشترك بصورة مطلقة وكاملة في المعرفة المتبادلة التي بين الآب والابن. ومن هذا المنطلق يحل الروح القدس في وسطنا (ν μέσ)، منبثقًا من الآب وآخذًا من الابن، ومعلنًا الله لنا، ويجعلنا فيه نشارك في معرفة الله لذاته[11].
4. ومثله مثل القديس أثناسيوس، رفض القديس إبيفانيوس بشدة أي اتجاه أو تفكير فيه تجزيء لله، سواء فيما هو نحونا (أي فيما يخص عمل الله معنا) أو فيما هو في ذاته (أي فيما يخص عمل الأقانيم الواحد). ولذا اعتبر القديس إبيفانيوس أن إعطاء الله ذاته لنا في الروح القدس هو أمر موحد لا يمكن تجزئته؛ إذ إن المُعطي والعطية هما واحد. كما رأى أنه توجد أعمال متنوعة للروح القدس، ولكن في جميعها، يكون الثالوث هو الذي يعمل بشكل مباشر وخلاَّق، فهناك نعمة واحدة (ν χάρισμα) فقط، وروح واحد (ν Πνεμα)، لأن الله ذاته في ملء كيانه الثالوثي يكون حاضرًا في جميع أعماله من خلق واستعلان وشفاء واستنارة وتقديس[12].
من كل هذا نرى أن القديس إبيفانيوس قدَّم تعليمه عن الروح القدس من منطلق فهمٍ شاملٍ للثالوث القدوس غير المنقسم ككل، وليس فقط من منطلق أن الرئاسة (في الثالوث) هي في الآب وحده (Μοναρχία).
وأكَّد إبيفانيوس تأكيداً مشدداً على أن الله واحد مثلث الأقانيم بدون أن يكون في ذلك أي انتقاص من حقيقة وكمال الطبيعة الأقنومية المتمايزة لكل من الأقانيم الإلهية في علاقتهم ببعضهم البعض، ونراه يقول: “وفي إقرارنا بوحدة المبدأ (أو وحدة الرأس) (Μοναρχία) فإننا لا نضلّ، بل نعترف بالثالوث، وحدة في ثالوث وثالوث في وحدة، لاهوت واحد للآب والابن والروح القدس[13]“، ويضيف أيضًا: “يوجد إله حقيقي واحد، ثالوث في وحدة، إله واحد الآب والابن والروح القدس[14]“.
ومن الجدير بالذكر أن صياغة القديس إبيفانيوس لعقيدة الروح القدسانطلاقًا من هذا التعليمكانت هي التي امتدت مباشرةً إلى مجمع القسطنطينية عام 381م وهي: “نؤمن بروح قدس واحد، الرب المحيي، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء[15]“.
*انظر الفرق بين مفهوم الأوسيا عند القديس أثناسيوس (وآباء نيقية) وعند الآباء الكبادوكيين: الحاشية صفحة 294. (المترجم)
144Epiphanius, Anc., 81; Haer., 73.34.
* كان الفكر اللاهوتي السكندري هو أول من بدأ في التمييز في المعنى بين ’الأوسيا‘ و’الهيبوستاسيس‘ بكون الأول يعبِّر عن الجوهر والثاني يعبِّر عن الأقنوم وذلك ابتداءً من أوريجانوس (origin, in John ii 6,10-75)، كما نراه كذلك عند ديونيسيوس السكندري (في رسائله إلى ديونيسيوس الروماني quoted by St. Basil, De Sp. St., 72) وأيضًا عند ديديموس الضرير (De Trin., 1.18 etc., cited by Newman, 436).
ولكن هذا النضج في التفريق بين مدلولي المصطلحين لم يكن كذلك خارج الإسكندرية، إذ بقي مفهوم ’الهيبوستاسيس‘ لا يخرج عن مفهوم ’الأوسيا‘ في أبسط معانيه، وهذا الاتجاه نجده واضحًا في مقررات مجمع نيقية نفسه؛ إذ يضع المجمع المصطلحين كمترادفين دون أي تفريق بينهما، وقد اضطر السكندريون لقبول ذلك على مضض (Hahn: the Creed p. 209 cited by Beth Bak. P. 237).
ولكن الأمر المدهش الذي حيّر اللاهوتيين، هو أن آباء الإسكندرية عندما أدركوا أن الأريوسيين يحاولون الاستفادة من اصطلاح الثلاثة أقانيم ليصلوا إلى التفريق في اللاهوت (أي التفريق بين الآب والابن والروح القدس في الجوهر، بمعنى أن هناك جوهرًا أوليًّا غير مخلوق وجوهرًا ثانيًا مخلوقًا)هذا من جهةومن جهة أخرى، عندما أدركوا كذلك عدم فهم اللاهوتيين وخاصة في الغرب للفرق بين معنى ’الأوسيا‘ و’الهيبوستاسيس‘، بدأوا في كتاباتهم الموجهة إليهم يخاطبوهم على حسب إدراكهم.
وهذه الحقيقة نراها في غاية الوضوح في كتابات القديس أثناسيوس: إذ بينما في كتاباته الخاصة يفرِّق في الاستخدام بين المصطلحين (Ibid. De Virginitate (1) De incarn.)، نجده يعود في كتاباته العامة الموجهة ضد الأريوسيين والموجهة للغرب ليقول بالهيبوستاسيس الواحد كمرادف للأوسيا دون تفريق. إلى أن جاء مجمع الإسكندرية 362م وأعلن القديس أثناسيوس للعالم أنه يصح الأخذ بمصطلح الهيبوستاسيس بمعنى الأقنوم.
ومع مرور الوقت اتفق العالم شرقًا وغربًا على الأخذ بتعليم الإسكندرية الرصين، وقد ساعد الآباء الكبادوكيون وبخاصة القديس باسيليوس على انتشار هذا الفكر. (ارجع إلى كتاب القديس أثناسيوس الرسولي للأب متى المسكين الطبعة الثانية صفحة 422). (المترجم)
145E.g. Epiphanius, Haer., 69.72.
146Epiphanius, Anc., 2.
*مصطلح (νυπόστατος) يعني كيان شخصي (أقنومي) أساسي في داخل الجوهر، وهذا يختلف عن التعبير عن الأقانيم بأنها أنماط (أشكال) للوجود. (المترجم)
* كان القديس إبيفانيوس يقصد أن ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ (μοούσιος) لا تنطبق فقط على كل أقنوم على حدة وبالتالي كل منهم هو ’هوموأووسيوس‘ مع الأقنومين الآخريّن، ولكنها تنطبق أيضًا على علاقة الأقانيم ككل ببعضهم البعض أي إن الثلاثة يشتركون معاً في ذات الجوهر الواحد وذلك بسبب التواجد (الاحتواء) المتبادل بينهم (داخل الجوهر). (المترجم)
تعبير الله “روح”، يشير إلى ماهية الله في جوهره الأزلي
كانت العبارات المتضمَّنة في قانون الإيمان عن الروح القدس تخبرنا عن أمرين رئيسيين في وقت واحد: أولاً أن الله في صميم طبيعته هو روح، وثانيًا أن الروح القدس مع الآب والابن لهم نفس الجوهر الأزلي الواحد للاهوت[1].
وفي الكتب المقدسة وكتابات آباء الكنيسة كانت كلمة “روح” تُستخدم في كثير من الأحيان للتعبير بصورة مطلقة عن الله، خاصة من جهة طبيعته غير المحدودة، والفائقة الإدراك، وغير المنظورة، وغير المادية وغير المتغيرة، وذلك بالمقارنة بطبيعة المخلوقات الإعتمادية والزائلة والمحدودة[2].
فكلمة “روح” تُعبِّر عن ماهية الله في ذاته في الكمال اللانهائي الذي لجوهره القدوس، كما أنها تُخبر أيضًا عن ماهية الله في حريته غير المحدودة تجاه كل شيء آخر عداه: سواء في أن يخلق هذا الشيء من العدم، أو في أن يحفظه في علاقة معه[3].
وحين يذكر الإنجيل بحسب القديس يوحنا أن “الله روح”[4]، فإن المعنى المطلق لكلمة “روح” يشير ببساطة إلى اللاهوت بدون تمييز للأقانيم وهو ينطبق هنا بالتساوي على الآب والابن والروح القدس[5]. وكما يقول القديس إبيفانيوس: “الله روح، روح يفوق كل روح، ونور يفوق كل نور[6]“.
إذن، فعندما يقال أحيانًا عن المسيح ابن الله إنه “روح” فالمقصود هنا ليس مقارنته بالروح القدس، بل مجرد التأكيد على طبيعته الإلهية[7]. وهذا هو ما جعل القديس غريغوريوس النزينزي يستطيع أن يتحدث عن مسح الابن المتجسد بالروح، على أن هذه المسحة هي “بواسطة لاهوته[8]“.
كيف يميِّز الكتاب المقدس بين كون الله “روح” وبين “الروح القدس”
إن استخدام كلمة “روح” بمعناها المطلق مع الآب والابن والروح القدس، لا يجب أن تُفهم على أنها تلغي التمايز بين أقانيم (ποστάσεις) الآب والابن والروح القدس، لأن كلمة “روح” إنما المقصود بها التأكيد على طبيعة الجوهر (οσία) الواحد الذي للاهوت، والذي للأقانيم الثلاثة على السواء[9].
وقد أوضح القديس أثناسيوس للأسقف سرابيون أنه عندما يشير الكتاب المقدس إلى الروح القدس مميزًا إياه عن الآب والابن، نجد أن كلمة “روح” تأتي دائمًا معرَّفة أو مضافة إلى إضافات محددة مثل “روح الله” أو “روح الآب” أو “روح الابن” أو “الروح” أو “الروح القدس”[10]، وذلك بطريقة لا تشير إلى وجود أي انفصال قط بين أقانيم الآب والابن والروح القدس لا في الجوهر ولا في الفعل، لأن الثالوث القدوس المبارك هو أساسًا واحد بغير انقسام[11].
“الله روح” ولذلك يجب علينا أن نعرفه بطريقة روحية
وتوضح الكنيسة في اعترافها بالإيمان، مكانة الروح القدس بكونه في تلازم وتواجد (احتواء) متبادل مع الآب والابن في اللاهوت الواحد غير المنقسم[12]. وقد أكدت على إيمانها بأن الله في طبيعته الأزلية هو روح[13]، ولذلك يجب علينا أن نعرفه ونفكر فيه بطريقة روحية تقوية وبدون استخدام للصور (التشبيهات) المادية التي لا تليق بالله[14].
وإذ تختلف طبيعة الله بصورة فائقة تمامًا عن طبيعة المخلوقات، وحيث إن الله لا يمكن مقارنته أبدًا بأي شيء نعرفه، فلذلك لا يليق بنا أن نسأل أسئلة بشرية عن اللاهوت، فالله يمكن أن نعرفه، ولكن ليس من (خلال أمور) خارجًا عنه، بل فقط من “ما هو” الله في داخل ذاته[15].
وهكذا، وللمرة الثانية، أثارت عقيدة الروح القدس قضية معرفية كان قد أثارها الأريوسيون في بداية القرن الرابع عندما نادوا بمبدأ: أن ما لا نستطيع أن ندركه كبشر لا يمكن أن يكون موجودًا[16]. أي إنهم تصوَّروا أن حدود إدراكهم هي نفس حدود الحقيقة، ومن ثم وضعوا شروطًا لفهمهم لله ولإدراكهم للإعلان الإلهي[17].
ولكن كان واضحًا تمامًا لدى لاهوتيّ نيقية، أن أنماط التفكير هذه تتحطم من نفسها أمام ربوبية الروح القدس الفائقة الإدراك، مما يعني أن الله يمكن فقط معرفته بواسطة ذاته[18]، فسيادة الله في إعلانه عن ذاته هي بلا أي قيدٍ أو شرط[19].
المعرفة الصحيحة للروح القدس لا تكون من خلال أعماله (في الخليقة)، ولكن من واقع علاقاته الأزلية في داخل جوهر الثالوث
لقد صار واضحًا أنه بدون الروح القدس لا تستقيم عقيدتنا في الله كإيمان صحيح ومتكامل[20]، كما أن تضمين عقيدة الروح القدس في داخل عقيدة الله المثلث الأقانيم، أصبح يعني أنه لا ينبغي علينا أن نعرفه (أي الروح القدس) من خلال بعض العلاقات الخارجية، وإنما من خلال علاقته الداخلية الفريدة مع الآب (والابن)[21].
ونُذكِّر القارئ هنا أنه بالنسبة للقديس أثناسيوس، لم تكن الطريقة الصحيحة والخاشعة لكي نعرف الله (الآب) هي من خلال أعمال الخلق التي هي أمور “خارجة عن الله” بل من خلال ابنه الأزلي، لأننا عندئذ نعرفه وفقًا “لما هو” بالحقيقة في ذاته ووفقًا لطبيعته الإلهية بكونه آبًا[22].
وعلى نفس النمط، فإن المعرفة الصحيحة والخاشعة للروح القدس لا تبدأ من مظاهر وأعمال الروح في الخليقة والتي هي أمور “خارجة عن الله”، بل من واقع كون الروح القدس في جوهر اللاهوت الأزلي كروح الآب وروح الابن، أي من واقع علاقاته الداخلية في اللاهوت[23].
وقد ذهب القديس إبيفانيوس بمدخل معرفة الله هذا، إلى أبعد من ذلك إذ قال: وكما أننا نعرف الآب والابن، فقط من داخل العلاقة المتبادلة بينهما في الوجود وفي المعرفة، وكما أن هذه المعرفة يعلنها لنا الله بذاته من خلال الروح القدس، فكذلك نحن يمكننا أن نعرف روح الآب وروح الابن، فقط عندما يسكن فينا ويدخلنا في الشركة مع الثالوث القدوس.
أي إن مدخلنا لعقيدة الروح القدس يجب أن تكون من خلال علاقاته الداخلية “الأقنومية” في جوهر الله المثلث الأقانيم[24]. وهنا نجد أن التركيز كان بلا شك على حقيقة الروح القدس الموضوعية*، لأنه حتى عندما نشترك في روح الله من خلال سكناه فينا، فإن هذا الأمر في عمقه متأصل في السكنى المتبادلة (التواجد والاحتواء المتبادل) التي للآب والابن والروح القدس في الثالوث.
ويعبِّر عن ذلك القديس أثناسيوس بقوله: “إن وجودنا في الآب ليس منا، بل من الروح القدس الذي في داخلنا والذي يسكن فينا … إذن فالروح هو الذي في الله وليس نحن بذواتنا[25]“. فبالنسبة لنا، أن نكون في الروح أو أن الروح ساكن فينا فهذا معناه أننا جُعلنا شركاء مع الله ذاته[26]. ولم يغب عن آباء نيقية أبدًا، أن الروح يسكن فينا بكونه يفوق تمامًا كل الوجود المخلوق؛ ولذا رأوا أن الروح يسكن فيهم بمعنى سكناهم هم في الله. “الروح القدس يُشتَرَك فيه، ولكنه لا يَشتَرِك هو (في أحد)[27] “.
حضور الروح القدس، هو الحضور الفعلي المباشر لله ذاته
وإذا نظرنا إلى الروح القدس من هذا المدخل، أي من خلال علاقته الداخلية في الثالوث، سوف نتيقن أن حضوره هو حضور الله معنا في كامل حقيقة جوهره وحياته الإلهية أي إن حضور الروح القدس معنا يكون هو الحضور الفعلي المباشر لله الكلي القداسة ضابط الكل، في مجده وقوته وجلاله الفائق، وفي ألوهيته وقداسته المطلقة.
وفي رسالته إلى سرابيون، يتحدث القديس أثناسيوس عن التقوى (εσέβεια) والخشوع (ελάβεια) الذي يهبهما لنا الروح القدس، حيث نجده يتعجب أمام حقيقة أن الله بإرساله روحه القدوس لنا، لم يعطنا مجرد شيء من ذاته بل ذاته بالفعل، ففي الرب المُحيي (الروح القدس المُعطى لنا)، الله ذاته يكون هو محتوى عطيته.
ويقول القديس أثناسيوس: “عندما نُعطى الروح القدس (إذ يقول المخلِّص”اقبلوا الروح القدس”[28]) فإن الله يصبح فينا، ولهذا كتب يوحنا “إن أحب بعضنا بعضًا، فالله يسكن فينا.. بهذا نعرف أننا نسكن فيه وهو فينا، لأنه قد أعطانا من روحه”[29]، ولكن عندما يكون الله فينا، فالابن أيضًا يكون فينا، لأن الابن نفسه قال: “أنا والآب نأتي ونصنع عنده منزلاً”[30]، وأيضًا بما أن الابن هو الحياة لأنه يقول”أنا هو الحياة”[31] فإننا نُحيَّ بالروح[32]“. وهكذا فإن الحاضر فينا ليس هو مجرد قوته أو عمله الإلهي، بل هو الله ذاته الخالق ضابط الكل في حقيقته الفائقة الإدراك.
ولذلك كان ديديموس واضحاً في اعتراضه على التفريق بين أعمال الله (أو طاقاته) وبين الفعل المباشر لجوهره*، والذي أشار إليه القديس باسيليوس[33]، لأن مثل هذا التفريق من شأنه أن يهدم فهمنا الصحيح لحضور الله الحقيقي فينا بروحه القدوس[34].
ولم ينس لاهوتيّو نيقية كلمة الرب يسوع التي ظل صداها يدوي في الكنيسة الأولى، بأن كل مَن تكلَّم (بسوء) على ابن الإنسان يُغفر له، أما من جدَّف على الروح القدس فلا يُغفر له[35]. وكان لهذا النص أثره في تأييد الكنيسة في توقيرها وعبادتها وسجودها للروح القدس، بكونه بالحقيقة الله في (كامل) ألوهيته وجلاله غير المحدود وفي قداسته المطلقة وربوبيته ومجده الأسنى.
وحيث إن الروح القدس له ذات الجوهر الواحد مع الآب والابن، فيحق له السجود والتمجيد مع الآب والابن والاعتراف بأنه الله[36]. وهنا نجد أن الكنيسة وهي تسبح تسبحة الثلاثة تقديسات التي في الليتورجيا، والمقدَّمة للآب والابن والروح القدس، وتترنم بها على الأرض إنما هي تردد ما يسبح به الملائكة والسيرافيم بغير انقطاع حول العرش في السماء[37].
وهنا نطرح ملاحظتين هامتين ينبغي الانتباه لهما بالنسبة لهذا المدخل في عقيدة الروح القدس:
في الروح القدس يظل سر الله محفوظًا، لأنه حاضر بيننا بنمط أقنومه الشفاف والخفي*
الملاحظة الأولى، هي أنه في الروح القدس، يظل سر الله الذي لا يُنطق به محفوظًا، لأنه في حين نحن في الروح القدس نتقابل مع الله ونوجد في حضوره، إلاّ أن الروح القدس يبقى غير مدرَك بالعقل ولا يمكن معرفته في ذاته[38].
والروح القدس هو “روح” ليس فقط في جوهره (οσία) والذي هو أمر مشترك بينه وبين الآب والابن ولكن أيضًا في أقنومه (πόστασις) المتمايز أو نمط كيانه الشخصي (personal mode of being) بكونه “الروح”، لأنه إذ يُدعى “الروح القدس” فهو يتمايز عن نمط الكيان الأقنومي (الشخصي) الذي لكل من الآب والابن، في حين أنه واحد معهما تمامًا في ذات الجوهر (μοούσιος)[39].
والروح القدس هو “روح من روح، لأن الله (الآب) ذاته هو روح (Πνεμα κ Πνεματος, Πνεμα γρ Θεός)[40] “.
وفي حين أن الآب والابن يُعلنان لنا، كل في أقنومه (πόστασις) المتمايز لأننا في الروح القدس نُعطَى أن نشترك في معرفة الآب للابن وفي معرفة الابن للآب إلاّ أن الروح القدس لا يُعرف مباشرةً في أقنومه الخاص لأنه يبقى محتجبًا وراء ما يقدِّمه من إعلان فعليّ عن الآب والابن[41]. وهو روح الحق غير المنظور المُرسل من الآب باسم الابن، وليس باسمه الشخصي بكونه الروح القدس، ولذلك فهو لا يتكلَّم من نفسه بل كل ما يسمع يُخبر به[42].
والروح القدس لا يُظهِر لنا ذاته، ولذلك لا يستطيع العالم أن يقبله أو يعرفه[43]. وهو يُظهِر لنا وجه الآب في الابن، ووجه الابن في الآب، ومن هنا يمكن القول عن الروح القدس أنه هو “وجه الآب” من جهة أنه يجعل وجه الآب يُرى في الابن[44]. وبينما في الله هناك ثلاثة أقانيم، إلاّ أنه توجد هيئة (εδος) واحدة (للاهوت) تنبع من الآب وتتألق وتشع في الابن وتصير ظاهرة ومدرَكة من خلال الروح القدس[45].
والروح القدس بنمط وجوده الأقنومي كروح من روح، فإنه يُخفي نفسه عنا، وراء الآب في الابن، ووراء الابن في الآب، ولذا فنحن لا نعرفه وجهًا لوجه في أقنومه (πόστασις) الذاتي[46]. وبالروح القدس، الكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا ولكنه لم يكن هو الكلمة، وبالروح القدس تجسد ابن الله ولكن الروح لم يجسِّد نفسه بيننا. إنه هو الروح الواحد الذي فيه يوصِّل الآب ذاته لنا من خلال ابنه، وفيه أيضًا نصل إلى الآب بواسطة الابن.
والروح القدس هو النور غير المنظور الذي في بهائه نرى نور الله (الآب) ظاهرًا في يسوع المسيح، وهو نفسه يُعرف فقط في كونه هو الذي يضيء (لنا) وجه الله الآب في وجه يسوع المسيح[47]. والروح القدس حاضر بالحقيقة بأقنومه بيننا، ولكن بنمط كيانه الشفاف والخفي[48]، وبما إنه واحد في ذات الجوهر مع الآب والابن فإنه (وهو فينا) يلقي بنوره الأزلي على (وجه) الآب في الابن وعلى (وجه) الابن في الآب، ولذا يقول القديس باسيليوس: “إن ذهننا الذي استنار بالروح، ينظر إلى الابن وفيه (أي في الابن)، كما في صورة يرى الآب[49]“.
وبهذه الطريقة، فإن الله “الآب والابن والروح القدس” الثالوث غير المنقسم، يضيء علينا من خلال الروح القدس بنوره المثلث، ويقول القديس أثناسيوس: “وعندما يكون الروح القدس فينا، فالكلمة الذي يعطي الروح يكون فينا أيضًا، وفي الكلمة يكون الآب. وهذا يتفق مع ما قيل “وإليه نأتي (أنا والآب) وعنده نصنع منزلاً”. لأنه حيثما يكون النور فهناك يكون الشعاع أيضًا، وحيثما يكون الشعاع فهناك أيضًا يكون فعله ونعمته الخافقة[50]“.
ونجد نفس المعنى عند القديس غريغوريوس النزينزي؛ إذ يقول: “بمجرد أن أفكر في الواحد، أجدني مستنيرًا ببهاء الثلاثة، وبمجرد أن أميِّز بينهم، أجدني عائدًا إلى الواحد. عندما أفكر في أحد الثلاثة (أقانيم) أفكر فيه بكونه الكل، وتمتلئ رؤيتي، وأجد أن ما فكرت فيه أكثره قد هرب مني، ولا أستطيع أن أدرك مقدار عظمة ذلك الواحد حتى ما أنسب عظمة أخرى للأقنومين الآخرين.
وعندما أتأمل في الثلاثة أقانيم معًا، لا أرى إلاّ منيرًا واحدًا لا يمكن تقسيمه أو قياس نوره غير المنقسم[51]“. إذن، فأقانيم الثالوث القدوس الثلاثة ينبغي علينا أن نعرفهم ونسمع لهم ونسجد لهم ونمجدهم بكونهم واحد تماماً[52].
وهكذا من خلال نمط وجوده الأقنومي الذي لا يُعبَّر عنه، يجعلنا الروح القدس نتقابل مع عظمة الله المطلقة التي لا توصف، لأننا فيه (أي في الروح) نتلامس مباشرةً مع الكليّ القداسة ضابط الكل الذي تتوقف أمامه في خشوع وسجود كل أشكال الفكر والكلام. ونستشهد هنا أيضًا بقول القديس أثناسيوس في رسائله لسرابيون: “إلى هذا الحد تبلغ المعرفة البشرية. وعندئذ يبسط الشاروبيم أجنحتهم للتغطية[53]“.
في الروح القدس، الله يجعل نفسه مُتاحًا لأن نعرفه
الملاحظة الثانية بالنسبة لهذا المدخل في عقيدة الروح القدس، هي أنه على الرغم من أن جوهر الله الأزلي يفوق بصورة لا نهائية حدود إدراكنا إلاّ أن الله ليس مغلقًا أمامنا تمامًا، لأن الروح القدس يعني تحرك الله “نحو الخارج”، والذي فيه (أي في الروح) يجعل الله نفسه متاحًا لأن نعرفه.
وكون الله لا يُنطق به ولا يُعبَّر عنه، لا يعني أنه غير قابل للإدراك أو المعرفة[54]، لأن الله في داخله مُدرَك وقابل للمعرفة، وهذا هو أساس ومصدر معرفتنا له بواسطة يسوع المسيح الكلمة الذي صار جسدًا وفي الروح القدس. ولذا نجد أن القديس باسيليوس يتحدث عن الروح القدس بكونه “روح المعرفة”، لأنه “في ذاته، يُظهِر مجد الابن الوحيد المولود، وفي ذاته يمنح معرفة الله للعابدين المخلصين. إذن، فالطريق إلى معرفة الله يتحرك من الروح القدس الواحد بواسطة الابن الواحد إلى الآب الواحد[55]“.
وحقيقة أن الروح القدس في نمط وجوده الأقنومي وفي فعله، له ذات الجوهر الواحد (μοούσιος) مع الآب والابن إنما تؤكد لنا أن حضور الروح القدس ينقل إلينا حقيقة إعلان الله عن ذاته بالكلمة المتجسد، لأن كلمة الله وروح الله هما في تلازم وتواجد (احتواء) متبادل بغير انفصال[56]. ويقول القديس أثناسيوس: “(كل) ما يُقال من الله، يُقال بالمسيح (الابن المتجسد)، وفي الروح القدس[57]“.
وبما أن الله له فعل واحد وتحرك واحد (نحونا) للإعلان عن ذاته: من الآب بالابن في الروح القدس[58]، فإن هذا يخبرنا بأن عظمة الله التي لا يُنطق بها هي إيجابية وليست سلبية، لأن الله بجعل نفسه معروفًا بالحقيقة لنا بواسطة الابن وفي الروح القدس، قد أظهر عظمته بشكل يفوق كل ما يمكن أن نتصوره. والوحيد الذي يستطيع أن يعلن الله لنا، هو روح الله الذي يعرف ما في داخل الله “لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله[59]“.
وبما أن الروح القدس قد أُرسل لنا من الآب باسم المسيح لكي يشهد له ولكي يرشدنا إلى كل الحق لأنه هو روح الحق، فإنه (أي الروح القدس) يعطينا وبصورة مذهلة وصولاً إلى معرفة الله وإدراكه، ولكن مع الحفاظ على السر المطلق الذي لا يُعبَّر عنه الذي لجوهره الإلهي. ويقول القديس إبيفانيوس: “وبكونه آتيًا إلينا (أي مُرسلاً) من الآب والابن*، فإنه هو وحده الذي يرشدنا إلى الحق … (وهو) معلِّم الرسل، والمصدر المنير للعقائد الإنجيلية، ومنظم الأمور المقدسة، وهو نور حقيقي من نور حقيقي[60]“.
وهكذا من خلال شركتنا مع الروح القدس، أُعطينا أن نرتفع إلى معرفة الله وفقاً لما هو في ذاته، ولكن في نفس الوقت حُفظنا من تعدي حدودنا ونحن أمام قداسة الله وجلاله ونوره الذي لا يدنى منه.
58 Athanasius, Con. Ar., 3.15, 24; Ad Ser., 1.11-14, 17, 22, 24-28; 3.1-5; 4.3, 6f; Ad Jov., 1.4; Ad Afr., 11.
76 Thus Karl Barth in his account of the Nicene doctrine of the Spirit – C.D., 1.1, pp. 468f.
[20] يقول القديس هيلاري في كتابه عن الثالوث (29:2): “إن الروح القدس مرتبط مع الآب والابن في اعترافنا بالإيمان، ولا يمكن استبعاده من أي اعتراف سليم بالآب والابن”. انظر أيضاً:
H.B. Swete with reference to Athanasius, op. cit., p. 220.
[34] ولذلك نجد ديديموس الضرير يتحدث عن حضور الروح القدس الساكن فينا بكونه هو حضور الله بذاته (secundum substantiam) وليس مجرد بأفعاله (secundum substantiam): (De Sp. St., 23ff, 60f; De Trin., 2.6.7). قارن هذا مع:
Basil, Ep., 234.1-3; 235.2f; Con Eun., 1.14, 23; 2.32; De obs. se, 7, Athens ed., 54, p. 36; cf. Gregory Naz., Or., 38.7.
ارجع أيضاً إلى مفهوم القديس أثناسيوس في (De decr., 11). وانظر كذلك:
Theol. in Reconst., pp. 210, 213f; Theol. in Reconcil., pp. 235f; and E. L. Mascall, Existence and Analogy, 1949, pp. 148ff.
Athanasius, Con. Ar., 1.50; Ad Jov., 1; Ad Afr., 11; Ad Ser., 1.1f; 3.7; 3.8ff, 16ff, Athens ed., 33, p. 139f, 143ff; Basil, De Sp. St., 46, 70, 75; Hom., 111.5ff; Con. Eun., 2.33; Or., 35; Ep., 152.3; 188. 1; 251.4; Gregory Nyss., De Sp. St., Jaeger, 3.1, p. 106f; Gregory Naz., Or., 31.30; Didymus, De Trin., 2.26; 3.2.54; 3.40; De Sp. St., 1, 63; Con. Eun., Athens ed., 44, p. 259; Amphilochius, Con. Haer., 17; Ep. Syn., 4; Epiphanius, Anc., 69, 116; Haer., 54.2; 74.6, 14; Cyril of Jer., Cat., 4.16; 5.5; 16.1, 6, etc.
93 Athanasius, Ad Jov., 4; Ad Ser., 1.31; Basil, De Sp. St., 3, 26, 64, 73; Ep., 90.2; 159.2; 258.2; Gregory Naz., Or., 31.12, 28; Gregory Nyss., De Sp. St., Jaeger, 3.1., pp. 92ff, 108ff; Ep., 24; Amphilochius, MPG, 39.97B; Didymus, De Trin., 2.21f; Con. Eun., Athens ed., 44, pp. 245, 247; Epiphanius, Anc., 70, 117, 119; Haer., 70.6f; Cyril of Jer., Cat., 4.16; 16.1ff.
94 Apost. Const., 8.12; Serapion, Euch., 13, Athens ed., 43, p. 76; Basil, Lit., Athens ed., 56, p. 28f (cf. Brightman, op. cit., p. 402); De Sp. St., 38; Gregory Nyss., Con. Eun., 1.23; Athanasius, In ill. om., 6; Epiphanius, Haer., 76. Ref. Aet., 10; Anc., 9, 26, 69; Didymus, De Trin., 2.7, 19; Cyril of Jer., Cat., 23.6; Gregory Naz., Or., 34.13; 38.8 & 45.4 (Cited by John of Damascus, De fide, 3.10). Cf. also the discussion of Isaiah’s vision, 6.1ff, in Ps. Athanasius, De Trin. et Sp. St., 16 and De Inc. et Con. Ar., 10.
* بما أن الروح القدس يدعى ’الروح‘، فإنه هو ’روح‘ ليس فقط في جوهره (مثل الآب والابن) ولكن أيضًا في نمط أقنومه. ولذلك فإنه يظل مختفيًا وشفافًا ولا يُدرك في ذاته ولا نعرفه وجهًا لوجه في أقنومه الخاص، ولكننا نعرفه فقط في كونه يعطينا معرفة الآب والابن. (المترجم)
[38] يقول القديس باسيليوس عن الروح القدس (De Sp. St., 44, 53. Cf. 22): “إن اسمه الخاص والشخصي هو ’الروح القدس‘، وهو اسم ينطبق تماماً على كل شيء غير جسدي وغير مادي وغير منقسم”.
Athanasius, Ad Ser., 1.20; 3.1; Con. Ar., 1.15; 3.44; Hilary, De Trin., 7.20; 8.20; Didymus, De Sp. St., 30-38; Cyril of Jer., Cat., 16.14; Epiphanius, Haer., 48.12; 62.4, 7; 69.18, 34;74.1,4,6,9ff; 76.4,7; Anc., 6ff, 11,73,120; Gregory Nyss., De Sp. St., Jager, 3.1, p. 108, etc.
[43] يو17:14. انظر (Cf. A.I.C. Heron, op. cit., p.56): “الروح القدس هو (مرآة) يعكس صورة المسيح بنفسه، ولكن المرآة لا تنقل أية صورة إلى ’العالم‘”.
101 Thus Cyril of Alex., Thes., 34.
102 Ps. Athanasius/Basil, Con. Sab., 12. Cf. Gregory Nyss., De Trin., Jaeger, 3.1, p. 13.
103 See Gregory/Basil, Ep., 38.4.
[47] يقول القديس باسيليوس في كتابه عن الروح القدس (47): “الروح القدس هو الذي يعلن في ذاته مجد الابن الوحيد،… إذن طريق معرفتنا بالله يبدأ بالروح الواحد من خلال الابن الواحد إلى الآب الواحد”.
105 Cf. Basil, De Sp. St., 22f; 46f.
106 Basil, Ep., 236.
انظر أيضاً ما قاله القديس باسيليوس في كتابه عن الروح القدس (64): “إنك لا تقدر أن ترى صورة الله غير المنظور إلاّ في استنارة الروح. وفي نظرنا إلى الصورة لا يمكن أن نفصل النور عن الصورة، لأنه لا بد لهذا النور الذي يسبب رؤيتنا أن يُرى هو نفسه مع الصورة التي نراها”.
107 Athanasius, Ad Ser., 1.30 & 1.19.
108 Gregory Naz., Or., 40.1 See also Or., 39.11; Ps. Gregory Naz., Ep., 243; Gregory Nyss., De Sp. St., Jaeger, 3.1, p. 108f; Epiphanius, Haer., 69.33; 70.5; 74.7f, 10; Anc., 61; Didumus, Con. Eun., Athens ed., 44, p.255f.
109 Didumus, De Trin., 2.36; and Cyril of Alex., In Jn., 15.1.
110 Athanasius, Ad Ser., 1.17.
ومن هنا كانت الصعوبة الحقيقية في صياغة عقيدة الروح القدس، لأن الروح القدس هو إله من إله ويأتينا في نمطه الأقنومي بكونه ’الروح‘ أي بالتحديد بكونه ’غير القابل للمعرفة‘ (في ذاته)! انظر أيضًا:
‘The Epistemological Relevance of the Spirit’, God and Rationality, pp. 165-192.
[54] يقول القديس باسيليوس في رسالته (2:235): “نحن نقر أننا نعرف عن الله ما هو قابل للمعرفة، ومع ذلك فما نعرفه يفوق بكثير قدرتنا على التعبير”.
112 Basil, De Sp. St., 47.
113 Athanasius, Ad Ser., 1.14, 19, 21, 30f; 4.4.
114 Athanasius, Ad Ser., 1.14.
115 Athanasius, Ad Ser., 1.19ff, 27f, 30f; 3.5; Didymus, De Sp. St., 34-39; De Trin., 2.1; Basil, Con. Eun., 3.4; Gregory/Basil, Ep., 189.6f; Gregory Nys., non tres dei, Jaeger, vol.3.1, pp. 47f, 55f; cf. Ex comm.. not., Jaeger, 3.1, pp. 3f; De Sp. St., Jaeger, 3.1, pp. 97-100, 105ff, 109; Gregory Naz., Or., 31.6, 16.
[59] 1كو 10:2. وكانت هذه الفقرة ذات تأثير قوي على الفكر اللاهوتي النيقي انظر:
Athanasius, In ill. om., 1; Exp. fidei, 2; Ad Ser., 1.6, 15, 22, 26; 3.1; 4.1; Basil, De Sp. St., 10, 38, 40, 50; Con. Eun., 1.14; Gregory Nyss., Con. Eun., 2, Jaeger, 1, pp. 289, 340; 3, 1, II, p. 160; Gregory Naz., Or., 28.6; 30.15; 40.9; 43.65; Amphilochius, Fr., 5; Cyril of Jer., Cat., 4.16; 6.6; 11.13; 16.23; Didymus, Con. Man., 40; De Trin., 1.9, 15; 2.2f, 5, 6.14f, 7.8; 3.37; De Sp. St., 15, 31, 40, 54f; Con. Eun., Athens ed., pp. 232, 251f, 255, 260; Epiphanius, Anc., 7, 12, 15f, 68, 117; Haer., 74.1,5, 11, 13; 76.29.
* هنا المقصود هو إرسالية الروح القدس من الاب باسم الابن وليس انبثاقه الأزلي من الآب. (المترجم)
عمل الروح القدس عند الآباء القس أثناسيوس اسحق حنين [1]
عمل الروح القدس عند الآباء القس أثناسيوس اسحق حنين
عمل الروح القدس عند الآباء القس أثناسيوس اسحق حنين
مقدمة:
الروح القدس هو الرب المحيي المنبثق من الآب المسجود له وممجد، والواحد مع الآب في الجوهر، والناطق في الأنبياء، ومتمم التدبير الإلهي، ومُرسِل الخدام، وهو الماء الحيّ الذي يروي عطش الإنسان لله، ويقول تعال إلى الآب[2]. والروح القدس يهيئ القلب لاستقبال المسيح في الكنيسة، التي هى جسده ومجتمع الوحدة بين السمائيين والأرضيين. ذلك الجسد الممتلئ بالأسرار الإلهية، الأسرار التي تجعل الكنيسة أم ولود بالروح القدس، والذي يملأ الكل في الكل (أف23:1). والروح هو الذي يشفع في المؤمنين بأنات لا ينطق بها، ويُعلّمهم أوليات حياة الصلاة (رو26:8). وهو روح الوحدة وروح الافتداء بيسوع المسيح، والروح هو الذي يفحص كل شئ حتى أعماق الله (1كو10:2)، وهو روح السجود (يو4) وهو النار الإلهية التي تنالها النفوس المؤمنة في إنسانها الداخلي، وهم يعيشون في هذا العالم. وهذه النار، أى نار وحرارة وشهادة الروح القدس لن تظل حبيسة النفوس بل سوف تنطلق إلى الخارج لتصير ظاهرة[3].
أولاً: عمل الروح القدس ومعرفة الثالوث:
لقد شدّد علماء تاريخ العقيدة على أن مفهوم الخلاص عند الآباء لا ينفصل عن عمل الثالوث الآب والابن والروح القدس[4]. فإن عمل الخلاص الذي تممه ابن الله الوحيد يظهر جليًا في إيمان الكنيسة الأولى كإعلان الثالوث الأزلي، والإعلان الإلهي Apokάluyij يستمد أصوله من الثالوث وفيه يجد كماله. وهذا البُعد الثالوثي للخلاص والإيمان يظهر بوضوح في الاختبار الأول والأساسي في الخلاص، وهو المعمودية بالدفن والقيامة مع المسيح. وهذه المعمودية ترتبط منذ البدايات الأولى بالإيمان بالآب والابن والروح القدس، والعهد الجديد يشهد لهذه العلاقة ” إن كان روح الذي أقام يسوع من بين الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم” (رو11:8). فالرسول بولس يُلخص فحوى الحياة الجديدة، التي سيحصل عليها الذين يضعون كل ثقتهم في الله الواحد. والتي هى معرفة الله في بُعدها الاختباري. هذه المعرفة الاختبارية لخصها القديس يوحنا عندما سجل لنا صلاة يسوع الختامية: ” لكي يعرفوك أنت الإله الحقيقي ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو3:17). أن أكثر ما يُفرح قلب الآب هو أن نتمعن في وجه النور، أى وجه ابنه الحبيب الذي به سُرّ. وأكثر ما يبهج الروح القدس هو أن يشهد في قلوبنا، وفي الكنيسة، وفي العالم والتاريخ للمسيح. وهذا هو فحوى التعاليم اللاهوتية للآباء الرسل والآباء الرسوليين. والدارس لتاريخ العقيدة الثالوثية وعلاقتها بالتجسد والفداء الذي لابن الله لا يملك إلاّ أن يتساءل عن تلك اليقظة الروحية، والحس اللاهوتي المرهف الذي أوصل الكنيسة في القرون الأولى إلى الاعتراف بالإيمان بيسوع المسيح ربنا ومخلّصنا من ناحية، ومن ناحية أخرى وبنفس القوة والروح تعلن إيمانها بالله مثلث الأقانيم. ولنطرح السؤال بشكل محدد أكثر، كيف وصل المسيحيون الأوائل إلى تجسيد هذا الإيمان في المعمودية. وذلك أن كل مؤمن بالثالوث وبالتجسد والفداء يجب أن يؤمن ويعتمد ليس فقط لموت المسيح حسب شهادة بولس ” أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة” (رو1:6ـ4). ولكن وبنفس الدرجة أن يؤمن ويعتمد باسم الآب والابن والروح القدس حسب وصية الرب ” فاذهبوا إلى جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت19:28)[5]. وهنا يرى الباحثون أن لدى الآباء بُعدان لسر الثالوث القدوس في عمله في تاريخ الخلاص البعد الأزلي والدائم والكامن Immanente وهذا يكشف ما كان عليه الثالوث منذ الأزل، والبعد التدبيرى economique وهذا يكشف عن عمل الثالوث في ملء الزمن. واصطلاح “التدبير” معروف في تعاليمنا اللاهوتية فى صلوات الكنيسة القبطية [أكملت التدبير بالجسد، ودبر حياتنا كما يليق][6]. ولدينا اعترافات بالإيمان من النوعين الثالوثي والخرستولوجي[7]؛ أى بعقيدة الله الثالوث، وعقيدة الخلاص الممنوح لنا في شخص ابن الله، الذي صار إنسانًا يحتل مركز الصدارة في الحياة المسيحية. وهنا يأتي دور وعمل الروح القدس، فالفداء هو الشركة في الحياة الأبدية حياة الثالوث والممنوحة لنا في يسوع المسيح بالروح القدس. فالله في تواضعه ورغبته أن يقترب من البشر لكي يخلّصهم، أعلن الله عن نفسه: الآب والابن الروح القدس. وهذا السر العظيم الذي للتقوى، أى سر استعلان الثالوث حسب تعبير بولس (1تي16:3) هو مركز الحياة المسيحية، وأساس كل الإبداعات، والمخاض الروحي الصادق. وللأسف فإن هذا السر العظيم الذي للتقوى يبدوا أنه لا يأخذ حقه من الاهتمام عند البعض وسط بعض الاتجاهات التقوية التي لا تقوم ولا تتأسس على محبة الله الآب ونعمة الابن الوحيد وشركة الروح القدس، بل على واجبات دينية ثقيلة ومثاليات أخلاقية تعجيزية يقف أمامها الإنسان يأسًا محبطًا له صورة التقوى ولا يذوق قوتها. ويأسف الراصد للحركة الروحية التي فيها يسعى الناس بجهد ذاتي لا يخلو من صدق من أجل التمتع بالحياة في الله، ولكنهم لا يتعاملون مع روح الرب تارة بسبب التواضع والإحساس بعدم الاستحقاق، وتارة أخرى بسبب عدم المعرفة وكذلك بسبب تشتت الجهد الإنساني في متاهات دينية تترك الإنسان أسير الذات أو الأشخاص أو الأحوال أو الألوان أو الأنقاض.
ثانيًا: ثمار الروح القدس عند القديسين أثناسيوس الرسولي وكيرلس الكبير:
والروح القدس هو حامل الخليقة، مُلهِم الأنبياء. هو الذي حوَّل الصيادين إلى كارزين والذي جعل الزناة بتوليين. لقد القديس أثناسيوس شدّد على أهمية عمل الروح القدس فى الحياة المسيحية. أيضًا يرى القديس كيرلس أن الصعود لا يشكل نهاية عمل الرب الخلاصي نحو العالم[8]، بل اعلان اللوغوس المتجسد يستمر في عمل الروح القدس الخلاصي. فإن صعود المخلّص إلى السموات هو زمان نزول الروح القدس (أن قول الرب بأنه خير لكم أن أنطلق إلى السموات) هو قول حق لأن قد حان زمان نزول الروح القدس[9]. ويلاحظ القديس كيرلس أن الاستنارة التي يهبها الروح القدس ليست هى اعلانًا جديدًا ولكنها نور اللوغوس فهى اعلان الابن الوحيد وهذه الاستنارة ممتدة ومستمرة بغير انقطاع إلى أبد الدهور ويتابع القديس كيرلس عمل الروح القدس وثماره في تاريخ البشرية فيرى أن تاريخ البشرية والعالم قد بدء بنفخة الروح القدس، فبداية الوجود الإنساني تزامنت مع عطية الروح القدس، فبهذه النفخة خُلق الإنسان على صورة الله، فالروح القدس هو عطية الله الأولى للإنسان.
وهنا نجد القديس كيرلس في اتفاق مع القديس أثناسيوس الذي يرى أن الآب يخلق كل شئ بالكلمة في الروح القدس[10]. ويذكر القديس كيرلس السبب وراء إعطاء الله الروح القدس للإنسان عند خلقه، ويكمن فى أنه بدون الروح القدس فإن الكائن الذي خلقه من العدم سوف ينتهي إلى العدم. وهذا معناه أن الروح القدس حاضر بعمله وثماره منذ بداية التاريخ البشري، ومن أول ثماره وعمله هو إعلان الله في التاريخ. ومن هنا يرى أنه بالسقوط خسر العالم الروح القدس، فلقد تعرت الطبيعة البشرية من النعمة الأولى، وحُرِم الإنسان من الروح القدس وتحول من إنسان عاقل حكيم إلى إنسان غير متعقل. ويرى القديس كيرلس أن النفخة الواردة في (يو22:20) تتوازى مع نفخة التكوين (7:2)، أى الخلاص بإعادة الخلقة. وهذا لا يعني عند القديس كيرلس أن العهد القديم كان يخلو من عمل وثمار الروح القدس. والدليل على ذلك شهادة الأنبياء لله. ويرى القديس كيرلس أن تمزق حجاب الهيكل وقت الصلب تعني قدرة الإنسان بالروح أن يعرف أسرار الاعلان الإلهي أكثر من قدرة إنسان العهد القديم. فمن ثمار الروح القدس ازدياد المعرفة فالتلاميذ بعد أن حصلوا على الروح القدس بعد القيامة صاروا أكثر معرفة مما سبق.
الروح القدس يقود المؤمنين إلى مجتمع جديد، مجتمع الناس الجدد وتأسيس المجتمع الجديد هو القصد الأخروي من التاريخ البشري (رؤ1:21). والإنسان الجديد الذي يعيش بالروح يمتلك صفات جديدة، وهى مواهب وعطايا الروح القدس. ومن بين هذه الصفات الجديدة التي هى ثمار الروح القدس في الإنسان الجديد يذكر القديس كيرلس الشجاعة وعدم الاضطراب، والانتصار على الجبن الساكن في الطبيعة الساقطة، والجرأة والإقدام على المبادرات الجديدة. وهذه كلها تشكل ثمار تفوق الطبيعة القديمة، لأنها ثمار حضور الروح القدس. والروح القدس يشهد بكلمات حكمة ويخبر كل ذهن مفتوح أن الكلمة المتجسد هو هو الله بالحق (1كو3:12) مولود من الله الآب. وبفعل الروح القدس تُستعلن وتتمجد ألوهية الكلمة المتجسد، والروح القدس يعطى للخلاص بصماته في الحياة الحاضرة، ويحقق الوحدة بين الزمان الماضي والزمان الحاضر أى بين الاعلان الإلهي وحاضر الكنيسة، وبلغة الليتورجيا القبطية بين “كما كان” وبين “هكذا يكون”، ” من جيل وإلى جيل وإلى دهر الدهور”. وهكذا بالروح القدس يصير فعل الفداء بكل بركاته اللاهوتية والكنسية والروحية والإنسانية والتاريخية أفعالاً حاضرة (الآن وهنا). ويطرح هذا الأمر أحد اللاهوتيين المعاصرين بطريقة لغوية معبرة بقوله (إن الفعل الماضي الذي يعبر عن تجسد الكلمة في الماضي يصير بالروح القدس فعل مضارع تام في حياة المؤمنين والكنيسة)[11].
وهنا لابد من سؤال يطرح نفسه كيف تتحقق بركات الفداء في حياة المؤمنين؟ وكيف يختبر المؤمن؟ وهنا يتكلّم العلماء عن الكنيسة أو “الكائن الكنسي” على حد تعبير الأسقف يوحنا زيزيولاس[12] والذي يرى أن الوحدة بين البشر هى سعي كياني واشتياق وجودي. وأن الكنيسة هى مكان تحقيق هذه الوحدة الإنسانية. والإفخارستيا هى فعل هذه الوحدة بالروح القدس واستدعاء الروح القدس الذي يعلن حضور المسيح في الإفخارستيا، وهذا يُخلّص الكنيسة من الفردية التقوية والنفسانية التي لا تتفاعل عمليًا مع الروح لتحقيق معنى وحدة الأعضاء فى الجسد الواحد، أى وحدة الكنيسة جسد المسيح، وتجعل الأشخاص في الكنيسة يتجاوزون أوجاعهم البيولوجية وفرديتهم ليعيشوا سر الشركة بالروح.
ثالثًا: عمل الروح القدس فى حياة آباء البرية وكتاباتهم:
فى كتاب “حياة أنطونيوس” يركز القديس أثناسيوس ـ فى إطار وصفه لحياة القديس أنطونيوس ـ على شخص المسيح والتشبه به. وفى رسائل القديس أنطونيوس نجد أن هذه الرسائل تتكلم كثيرًا عن حضور الروح القدس في جهادات الراهب اليومية. لقد قام العلماء الغربيون بدراسة الرسائل ولاحظوا اختلافًا بينها وبين بقية كتابات أنطونيوس ولاحظوا ارتفاع مستواها اللاهوتي، ويعود ذلك إلى غزارة حضور الروح[13]. ونلاحظ أن الحديث عن الروح القدس في التراث القبطي لا يستعمل كثيرًا التعبيرات الفلسفية، ولا يدخل في جدل نظري عن طبيعة الروح بل يتكلّم مباشرة عن فعله وأثره وثماره العملية ويلجأ إلى الكتاب المقدس ويتكلّم عن شخصيات الكتاب وعمل الروح القدس فيهم كحقيقة واقعة أمامه، متخطيًا الحواجز التاريخية. فنجده وهو يتكلّم عن تبعية المسيح والخروج ورائه يتحدث عن ابراهيم ودعوة ابراهيم ليخرج ويتبع الرب. وينتقل من ابراهيم إلى الذين يتبعون الرب ليوم (فإن الروح القدس يدعوهم ويهون عليهم كل الأمور حتى يُحلى لهم الدخول والتوبة ويكشف لهم طرقها بالحقيقة ليتوبوا بأرواحهم وأجسادهم)[14]. وحينما يتناول قضية العلاقة بين الروح والجسد فإن الروح يضع (قوانين الطهارة) والروح يعطى للقدمين أيضًا طهارتهما. فقد كانتا قبلاً لا تسعيان مستقيمًا بحسب إرادة الله، أما الآن فالعقل إذ قد اتحد بالروح، خاضعًا لسلطانه، يحقق طهارتهما، لكي يتحركا وفقًا لإرادته ليذهبا ويخدما في الأعمال الصالحة إلى أن يتغير الجسد كله ويصير تحت سلطان الروح. ويذهب القديس أنطونيوس إلى أبعد من ذلك إذ يرى في الانتصارات التي يحققها إتحاد الجسد بالروح في الجهاد الروحي الآن عربونًا للجسد الروحي المزمع أن يقوم في قيامة الصديقين. ويتحدث القديس أنطونيوس عن روح البنوة والسجود بالروح ويقدم لنا أنطونيوس تاريخ عمل الروح القدس من بداية الخليقة بالناموس (لأن الناموس روحي) إلى حضور الرب في النفس بالروح القدس ” حقًا أيها الأحباء بالرب إنه ليس في وقت واحد فقط يفتقد الرب خليقته بل منذ بداية العالم. فإن كل من يأتي إلى خالق الكل بناموس عهده المغروس فيهم يكون الله حاضرًا مع كل واحد منهم بصلاحه ونعمته بالروح القدس” ويربط بين البنوة بالروح والتعلّم من الروح والسجود بالروح “الذين استحقوا هذه النعمة وسعوا بكل قوتهم ونيتهم قبلوا روح البنوة وتعلّموا من الروح القدس استطاعوا أن يسجدوا للخالق كما يجب”[15].
ويقدم لنا القديس أنطونيوس فى رسائله صورة رائعة لتاريخ الخلاص في إطار تدبير الروح القدس “ويشبه الكنيسة بالبيت الذي وضع أساسه الله وبسبب محبته أقام موسى على البيت ووضع لنا أساس البيت التي هى الكنيسة الناطقة الواحدة ومشيئته أن يرد الخليقة إلى الخلقة الأولى فبنى موسى البيت ولم يكمله وأقام الله بعده جماعة الأنبياء بهذا الروح الواحد فبنوا هم أيضًا الأساس الذي وضعه موسى ولما رأى هؤلاء الآباء المتسربلين بالروح أن لا يقدر أحد أن يشفي الخليقة سوى الابن الوحيد”[16].
رابعًا: ثمار الروح القدس عند القديس مقاريوس:
1 ـ سمات اللاهوت واحدة وناصعة وأرض المواهب خصبة ومتعددة الثمار:
من ثمار الروح القدس الواضحة في حياة الكنيسة الأولى كنيسة الرسل، وعند الآباء سواء اللاهوتيين أو النساك نجد المصدر الإلهى الذى يغترفون منه هو واحد ومع ذلك فالمواهب متعددة. فالنعمة تظلّل الجميع والمواهب تزين الكنيسة والكل يخدم والكل يثمر ” فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل ولكنه يعطي أظهار الروح للمنفعة” (1كو1:12ـ3). ويعبّر القديس مقاريوس عن هذه الوحدة قائلاً [ فكما تحدثنا عن أنواع من البذور، وأن كثير منها يُزرع في نفس الأرض وينتج أنواعًا مختلفة من الثمار. وهكذا نفس الأمر بالنسبة للأشجار فالبعض منها كبير والبعض صغير ولكن أرض واحدة تجمع جذورها جميعًا. هكذا أيضًا الكنيسة السماوية فهى واحدة ولكن بها أعداد لا تحصى، وكل فرد فيها يتزين بمجد الروح بطريقة فريدة خاصة به… هكذا أيضًا القديسون فإنهم متأصلون في سماء واحدة هى سماء اللاهوت ولكن بطرق متنوعة، وهم متأصلون أيضًا في الأرض غير المنظورة هكذا الأفكار التي تأتي إلى البشر فهى مختلفة ولكن الروح إذ يأتي إلى القلب فإنه يصنع فكرًا واحدًا، فإن الذين هم من فوق والذين هم أسفل هم تحت تدبير وقيادة روح واحد ][17].
2 ـ الشركة الأخوية:
الترجمة العملية للمصدر الإلهى الواحد والتعدد في المواهب هو الشركة الأخوية، أو العيش المشترك والمدينة السماوية (عظة12) والعائلة السماوية (عظة23). وأن هذه الشركة تستوعب كل الطاقات من المصلين البسطاء إلى القراء والعلماء حسب تعبير خادم الروح القدس مقاريوس الكبير [ ينبغي أن يسكن الاخوة معًا في محبة كثيرة، وسواء كانوا يصلون أو يطالعون الكتب المقدسة، أو يمارسون أى نوع من العمل يتأسسون على أساس المحبة المقدسة المتبادلة. وبهذه الطريقة فإن الميول المتنوعة تكون مقبولة فالذين يصلون والذين يقرأون والذين يعملون يستطيعون أن يعيشوا معًا جميعًا في اخلاص وبساطة بعضهم مع بعض لأجل منفعتهم][18] الأمر اللازم لتحقيق هذا التعدد، وهذه الشركة الأخوية في خدمة المواهب هى ” أن يحصل الإنسان في داخل نفسه على كنز وعلى الحياة في عقله، هذه الحياة التي هى الرب نفسه، حتى أنه سواء كان يشتغل أو يصلي أو يقرأ فلا يزال حاصلاً على ذلك النصيب الذي لا يزول الذي هو الروح القدس[19]، والذي يحصل على الكنز في داخله سيقتني روح التمييز ليعرف قيمة الأخ وجهاد الأخ “.
3 ـ الروح القدس بين تاريخ الكنيسة وتاريخ العالم:
الآباء يرون عمل الروح القدس في بعديه الشخصي والكوني، أى في عمله في تاريخ النفس البشرية وعمله في الكون. والقديس مقاريوس يرى تشابهًا بين خروج النفس من ظلمة الخطية وبين خروج شعب الله من ظلم فرعون ويصنع لنا ما يسميه العلماء المعاصرين (تاريخ الخلاص) فيقول [وفي ظلال الناموس سمى موسى مخلّصًا لإسرائيل لأنه أخرجهم من مصر وكذلك الآن فإن المسيح المخلّص والمحرر الحقيقي يدخل إلى مكامن النفس الخفية ويخرجها من ظلمة مصر ومن النير الثقيل والعبودية القاسية المرة][20] وبعد هذه الرؤية الكونية والتاريخية لتاريخ الخلاص يتحوّل مقاريوس إلى تطبيق هذه الرؤية على الإنسان ويدعوه إلى اليقظة والسهر والاستعداد الدائم لترك أرض العبودية والذكريات الأليمة. وكما أرسل الله موسى ليخلّص الشعب من العبودية، فإن الرب سوف ينظر إلى صبرنا ويفتح القلوب المغلقة، ويسكب علينا موهبة الروح القدس. وهكذا نرى أن الفكر الآبائي لا يتأمل في علاقة الإنسان بالروح القدس من فراغ تاريخي وكوني بل يجعل من مواهب الروح علامات في الزمان الحاضر والآتي. إن تاريخ العالم بالروح يصير تاريخ الروح في العالم ونذكر هنا القول الآبائي [إن لم تكن روحيًا في جسدياتك فستصير جسديًا في روحياتك]. أى أن الروح يعمل في الجسد وعلاقاته أى في الواقع وامتداداته ولا يكون هناك فجوة بين هموم العالم ومسيرة الكنيسة وبين أنين النفس الساجدة وآمال الإنسان المعاصر. ” فالإنسان الروحي يُحكَّم في كل شئ، ولا يُحكَّم فيه من أحد” (انظر 1كو15:2)، أى يستطيع أن يصدر حكمًا أو يبدي رأيًا فى كل شئ. فالإنسان الروحي يملك من البصيرة والوعي والثقافة الروحية والكنسية والكونية ما يجعله مستعدًا في كل وقت ليس لمجاوبة كل من يسأله عن سبب الرجاء الذي فيه فقط (1بط15:3)، بل ليصدر حُكمًا ويقول رأيًا يجعله يسيطر على الأحداث ويوجه الأمور وذلك حسب موقعه ومواهبه، ويصير بركة (تك2:12) ولا تستطيع الأحداث مهما كانت تاريخية أو شخصية أن تبدي فيه رأيًا نهائيًا (لأنه قد يتأثر مؤقتًا بسبب جوع ما في الأرض) (تك10:12) أو تهدد مصيره الزمني أو الأبدي (رو35:8)، أو تتحكم في مسيرته مادامت تلك المسيرة في الرب بالروح القدس ولبنيان جسد المسيح الذي هو الكنيسة ملء الذي يملأ الكل (أف17:1ـ23).
4 ـ النمو في الروح هو شركة بين الإنسان والروح:
النمو الروحي هو من صميم العمل المشترك بين الروح والإنسان، وهو القبول الإنسانى الطوعي والمتواضع والصابر على التدريب الروحي في شركة الروح القدس، وهذه الشركة مع الروح يحققها الرهبان فى البرية، أما المسيحيون فى العالم فيحققونها فى التزامهم بخدمة الناس والمجتمع. أى ما اعتدنا أن نسميه الجهاد الروحي، والجهاد الروحي عند الآباء هو الإيجابية في السعي الروحي. وهذه الإيجابية يقدمها لنا القديس مقاريوس في صورة كتابية رائعة تجمع بين جهاد الإنسان، وعمل النعمة بشكل عملي بعيد عن المناظرات الكثيرة اللاحقة وفي هذا النص يشرح كيفية نمو النفس في الروح من خلال أحداث يومية محددة، وتعاملات إلهية واضحة ” لقد أمر الله موسى ـ في الشريعة ـ أن يصنع حية من نحاس، ويرفعها ويثبتها على رأس ساري، فكان كل من لدغته الحيات ينال الشفاء بمجرد تثبيت نظره على الحية النحاسية ولقد صنع موسى هذا بتدبير وقصد إلهي حتى أن أولئك المعوقين بالاهتمامات الأرضية، وعبادة الأصنام، ولذات الشيطان وكل أنواع الشر وهذه الأشياء هى سم الحيات ـ فإنهم بهذه الوسائل يتطلعون إلى أعلى إلى ما هو فوق إلى الأمور السمائية .. ويتقدمون رويدًا رويدًا .. ويتعلموا .. وهكذا ننمو في الروح”[21]. إذًا النمو الروحي عند الآباء هو التأمل في أحداث الحياة من خلال عمل الروح، أى أن الحياة وأحداثها تصير (وسائل إيضاح مسموعة ومرئية) تقود النفس إلى رؤية السماويات، والنمو في الروح وسط المعطيات الواقعية أى الأرضيات. فالتجسد وعمل الروح القدس جعل من الأرضيات طريقًا إلى السماويات، والعلاقة بالروح القدس هنا على الأرض، والآن في الزمان الحاضر تُحدد مسيرة الإنسان في أبعادها الأخروية، ” لذلك فأى إنسان لا يطلب الحياة بينما هو على الأرض ولا ينال حياة لنفسه التي هى نور الروح الإلهي فإنه حينما يخرج من الجسد يُنقل بعيدًا إلى مناطق الظلمة التي على اليسار ولا يدخل إلى ملكوت السماوات إذ تكون نهايته في الجحيم مع ابليس وملائكته” (مت41:25)[22].
[1] كاهن كنيسة مار مرقس بأثينا باليونان.
[2] أغناطيوس الأنطاكي، رو2:7.
[3] عظات ق. مقاريوس، مركز دراسات الآباء ص 102.
[4] انظر المرجع الهام عن القديس كيرلس الكبير للبروفيسور ستليانوس بابادوبلوس أستاذ الآبائيات السابق بجامعة أثينا. والصادر باليونانية في أثينا مطبوعات الأبوستوليكي دياكونيا 2004 ص 88.
[5] انظر باسيل شتودير: الله مخلّصنا: الفداء في إيمان الكنيسة الأولى ترجمة فرنسية من الألمانية إصدارات سيرف 1989 ص9. Basil Studer, Dieu Sauveur La Redemption dans La Foi de L,Eglise Ancienne
[6] الخولاجي المقدس دير العذراء برموس ص 96، 317.
[7] Kwnatantinou B. Skouterh وأيضًا J.N.D.KELLY, Early Christian Creeds, London 1972, Istoria Dogmatwn, Aqhna 2004.
[8] PG 74, 456A, 453D.
[9] PG 74, 436A.
[10] انظر المعجم الآبائي لامبي ص 1101.
[11] انظر K.E.Papapetrou, H Apokaluyij tou Qeou kai h Gnwsij Autou, Aqhnai 1969 sel. 79.
[12] الوجود شركة، إصدار مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989م.
[13] انظر حياة القديس أنطونيوس للقديس أثناسيوس الرسولي سلسلة المصادر المسيحية رقم 400 باريس 1994 ص 71.
[14] رسائل انطونيوس ص 12.
[15] الرسالة الثانية.
[16] المرجع السابق، ص30.
[17]عن عظات القديس مقاريوس انظر: عظات القديس مقاريوس الكبير، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية 1991، عظة 32، ص283.
[18] عظة 1:3.
[19] المرجع السابق، عظة3:3.
[20] عظة 6:11.
[21] العظة 11 ص 105.
[22] العظة الثلاثون، ص272.
عمل الروح القدس عند الآباء القس أثناسيوس اسحق حنين [1]
يا أحبائى كم هى عظيمة مواهب الروح التى أغدقها علينا الله محب البشر، تلك المواهب التى تفوق العقل الإنسانى. لذلك، لنفرح جميعًا معًا ونبتهج مسبحين الرب. لأنه بالنسبة لنا، فإن هذا اليوم هو يوم عيد واحتفال عظيم. وكما تتتابع الفصول الواحد بعد الآخر، هكذا تأتى الاحتفالات فى الكنيسة الواحد تلو الآخر، فنذهب من الواحد إلى الآخر.
منذ أيام قليلة احتفلنا بآلام المسيح وصليبه وقيامته، ثم بعد ذلك احتفلنا بصعود ربنا يسوع المسيح إلى السموات. اليوم وصلنا إلى قمة الخيرات، إلى تاج الأعياد، اليوم نتمتع بوعد الرب فى الإنجيل: ” لكنى أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ولكن إن ذهبت أرسله إليكم” (يو7:16).
أرأيتم كم هو عظيم هذا الاعتناء الأبوى؟
أرأيتم كم هى محبته التى لا توصف؟
قبل أيام قليلة صعد المسيح إلى السموات وجلس على العرش الملوكى، عن يمين الآب، واليوم يرسل لنا مواهب الروح القدس. وبهذه الطريقة يهبنا الخيرات السماوية التى لا تُحصى. اخبرنى، هل يوجد أى خير من الخيرات التى تساهم فى خلاصنا لم تُعطَ لنا بواسطة الروح القدس؟ إننا بنعمته نتخلص من عبودية الشيطان وندخل إلى حرية المسيح، وننقاد إلى نعمة التبنى الإلهى، ونُولد ولادة ثانية، ونلقى عن كاهلنا ثقل خطايانا ونيرها الذى لا يُطاق.
بنعمة الروح القدس صار كثيرون كهنة وآخرون معلمون فى الكنيسة. كل التعاليم الغنية ومواهب الشفاء تنبع من هذا المصدر. نعم، كل النِعم الأخرى التى تزين كنيسة الله، تأتى من الروح القدس. لذا ينادى الرسول بولس قائلاً: ” ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء” (1كو11:12).
يقول “كما يشاء”، أى لا يأخذ أمرًا من غيره بأن “يقسم” أو “لا يقسم”، الروح له سلطان ولا يتسلط عليه أحد. لأن بولس الرسول يقول كيف إن الروح القدس له نفس السلطان الذى للآب: ” ولكن الله واحد الذى يعمل الكل فى الكل“، هكذا أيضًا يقول عن الروح القدس: ” ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء“،
أرأيت السلطة الكاملة التى للروح القدس؟ إذ أن الأقانيم الثلاثة التى لها نفس الطبيعة والجوهر هى أيضًا لها نفس السلطة والمكانة والقدرة الواحدة.
إن قوة الروح القدس تخلصنا من الخطايا، بهذه القوة تغتسل نفوسنا من أى دنس. وبينما نحن بشر، صرنا بعطية الروح القدس ملائكة دون أن تتغير طبيعتنا. وهذا ما يستحق كل إعجاب، إن نعمة الروح القدس تعطينا أن نسلك سلوك الملائكة. بينما طبيعتنا البشرية لا يعتريها أى تغيير. كم هى عظيمة قوة الروح القدس!.
وكما أن الفخّار الليّن عندما يتعرض للنار يصير قرميدًا صلبًا، هكذا بالضبط نار الروح القدس عندما تحل على النفس العاقلة تجعلها أقوى من الحديد حتى ولو كانت لينة وضعيفة، وأيضًا تصير أكثر نقاوة من الشمس. وقد أراد بولس الرسول أن يعلمنا هذه الحقيقة قائلاً: ” لا تضلوا. لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعوا ذكور ولا سارقون ولا طامعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” (1كو9:6ـ10).
وحيث إنه أحصى كل أنواع الشرور وعلّمنا أن كل الذين يفعلونها يبتعدون تمامًا عن ملكوت السموات، أضاف مباشرةً قائلاً: ” وهكذا كان أُناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو11:6).
هل رأيت، يا عزيزى، قوة الروح القدس؟.
هل رأيت أن الروح القدس يُزيل كل هذه الشرور، وأن أولئك الذين كانوا سابقًا مستعبدين لخطاياهم رفعهم إلى مكانة وكرامة سامية جدًا؟
ضد محاربى الروح:
مَنْ يستطيع أن يبكى ويحزن حزنًا يتناسب مع هول الكارثة، على هؤلاء الذين شرعوا فى إهانة الروح القدس، هؤلاء الذين سقط عليهم هوس رهيب وأُصيبوا بعدم التبصر فبدلاً من تَذَكُّر إحسانات وخيرات الروح القدس تجرأوا على فعل كل ما يدمر هذه الخيرات محاولين بقدر استطاعتهم رفض الروح القدس، منكرين مكانته وسلطته منزلين إياه إلى مستوى مخلوقات الله؟
وأنا أريد أن أسألهم: لأى سبب أنتم تحاربون الروح القدس بهذا الهوس؟ أو بالأحرى: لماذا تحاربون خلاصكم ولا تريدون فهم أقوال الرب التى قالها للتلاميذ ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت19:28).
ربما رأيت اختلافًا ما أو شيئًا غائبًا فيما بينهم ؟!! لماذا تتجرأ على تزييف أقوال الرب ؟
هل تجهل أنه فى المسائل البشرية إذا شَرِع شخص وتجرأ على إضافة شيئًا أو حذف شيئًا من أوامر ملك ما ـ الذى هو أيضًا مثلنا ـ يعاقبونه بأسوا عقاب ولا أحد يستطيع أن يخلصه من هذا العقاب؟ إذن طالما هناك أخطار كثيرة بالنسبة للمسائل البشرية، كيف يكون من الممكن أن يُغفر لأولئك الذين يظهرون البلادة محاولين أن يُحرِّفوا أقوال مخلصنا ولا يريدون أن يسمعوا حتى لبولس الذى كان يتحدث إليه المسيح بصوت واضح نقى فى داخله: ” ما لم تره عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه” (1كو8:2ـ9).
إن كانت العين البشرية لا تستطيع أن ترى، ولا الأذن أن تسمع ولا الخاطر البشرى أن يتخيل كل الذى يعده الله لأولئك الذين يحبونه، كيف يكون فى استطاعتنا (يا بولس الطوباوى) أن نعرفها؟ لكن أقول: انتظر قليلاً وسوف تسمع الرسول بولس يعلن لك قائلاً: ” أعلنه الله لنا نحن بروحه” (1كو10:2) ولم يتوقف عند ذلك بل أظهر قوة الروح القدس وأنه مساوٍ للآب فى الجوهر قائلاً: ” لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله” (1كو10:2).
ثم أراد الرسول بولس أن يجعلنا نفهم فهمًا صحيحًا فاستخدم أمثلة من الحياة البشرية وقال: ” لأن مَنْ مِن الناس يعرف أمور الإنسان إلاّ روح الإنسان الذى فيه، هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلاّ روح الله” (1كو11:2).
ألا ترى أن ما قاله بولس هو تعليم كامل؟
حقًا هذا هو البرهان الأعظم والأكثر قوة عن الروح القدس لأنه قدم لنا مثالاً يوضح لنا تمامًا أنه من المستحيل أن لا يعرف الإنسان ما يجول فى فكره. إذن طالما أن هذا لا يمكن أن يكون إلاّ هكذا، كذلك أيضًا فإن الروح القدس يعرف أعماق الله. لكننى لا أعرف لماذا لم يضع كلمات الرسول بولس هذه أولئك الذين بإرادتهم يؤذون أنفسهم صانعين حربًا ضد خلاصهم وضد الروح القدس، إذ يبعدونه بقدر ما يستطيعون من مكانته وسلطانه وينزلونه إلى مكانة أدنى مع مخلوقات الله.
لكن رغم أن هؤلاء يتصرفون بعداوة ويقاومون أقوال الكتاب المقدس، إلاّ أننا نحن الذين قَبِلنا الإيمان المُعلن إلينا من السماء نقدم إلى الرب المجد اللائق به ونبرهن على دقة التعليم الإلهى بالإيمان والحق المستقيم، وبالرغم من أن كل ما قلناه هو كافى للرد على أولئك الذين تجرأوا على المناداة بتعاليم مضادة لتلك التى قالها الروح القدس. إلاّ أننى أرى من الضرورى أن أقدم لكم أيها الأحباء، الإجابة على سؤالٍ: لماذا لم يرسل الرب الروح القدس بعد صعوده إلى السموات مباشرة؟
هذا الأمر لم يحدث عبثًا وبدون سببٍ. إذ أن الرب يعرف أن الجنس البشرى لا يُقدِّر ـ كما ينبغى ـ الخيرات التى يملكها، ويعلّمنا دائمًا الأمور المفرحة اللائقة بوجود المتضادات وأستطيع أن أشرح هذه الحقيقة بطريقة أفضل.
فذاك الذى هو مُعافى وقوى جسديًا لا يشعر بهذه العافية والقوة إن لم يختبر المرض والضعف الجسدى. وذاك الذى يرى النهار لا يُقدِّر النور كما يليق إن لم يعقب هذا النور ظلام الليل. حقًا، إن خبرة الأمور المتضادة هى دائمًا خبرة تربوية تعليمية نكتسبها بفرح. هكذا على نفس القياس استمتع التلاميذ بخيرات كثيرة عندما كان المسيح معهم وكانوا فرحين بالحياة معه. أيضًا شهد لهم سُكان فلسطين بأنهم أقاموا موتى وطهروا بُرص وطردوا شياطين وشفوا مرضى وتمموا معجزات كثيرة أخرى.
لذلك كان من الضرورى أن يتركهم فترة زمنية صغيرة بدون القوة التى كانت تعينهم حتى يدركوا بأنفسهم مدى أهمية عطية حضور الرب عندما كان بينهم، حينئذٍ يفهمون قيمة الخيرات السابقة ويقبلون بكل شوق واستعداد عطية المعزى.
إذن عزّاهم الله فى ضيقتهم وأنارهم بنوره بينما كانوا عابسين ومكتئبين لانفصالهم عن معلمهم وبينما هم شبه موتى أقامهم وأزال سحابة الحزن، حينما سمعوا قول الرب: ” فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (مت19:28). وكانوا من قبل فى حيرة ولم يعرفوا أين ينبغى أن يذهب كل واحد منهم، وفى أى منطقة من الأرض يجب أن يكرز بكلمة الله، حتى جاء الروح القدس على شكل ألسنة نار وقسم لكل واحد المنطقة التى كان يجب أن يعلّم فيها وصار معروفًا باللغة التى أعطاها لكل واحد، لذلك حلّ الروح على شكل ألسنة نار، وبهذا أيضًا يذكرنا بقصة قديمة.
فعندما انحرف الناس ذهنيًا فى القديم وأرادوا أن يبنوا برجًا يصل إلى السماء، أحدث الله بلبلة فى ألسنتهم وهكذا أبطل تخطيطاتهم الغبية. لأجل هذا السبب يحلّق فوق رؤوسهم الروح القدس على شكل ألسنة نارية، لكى يوّحد ـ بهذه الطريقة ـ المسكونة التى كانت منقسمة. وهكذا حدث شئ غريب وغير معتاد، لأنه قديمًا كانت الألسنة تُفرِّق المسكونة، وأما الآن فالألسنة النارية توّحدها وتقود إلى الوفاق بين الأمور التى كانت متضادة ومنفصلة فيما بينها.
إذن، فقد حلّ الروح القدس على شكل الألسنة وحسنًا أخذ شكل ألسنة نارية وذلك لكى تُحرق أشواك الخطية التى نبتت داخل نفوسنا. لأنه كما أن الأرض التى هى غنية وخصبة ولا تُفلّح تمتلئ من الأشواك الكثيرة، هكذا يكون لنا نحن البشر نفس الأمر.
نحن الذين خلقنا الله صالحين وقادرين على أعمال الفضيلة ولكن بسبب أننا لم نقبل فلاحة التقوى ولا بذرة الإيمان بالله امتلأت نفوسنا من أشواك عدم الإيمان ونباتات أخرى غير مفيدة، وكما أنه فى مرات كثيرة يتغطى سطح الأرض ويختفى من جراء الأشواك الكثيفة والنباتات البرية، هكذا لا يظهر نقاء نفوسنا وتأدبها إذ قد غطتها أشواك الخطية، حتى أتى الكلمة خالق الجنس البشرى الذى وضع نار الروح القدس ليطهرنا من الأشواك ويجعلنا مناسبين لقبول بذرة السماء.
المحبة هى الثمرة الأولى للروح القدس:
لقد اكتسبنا فى هذا العيد خيرات كثيرة، لذلك أرجوكم أن نحتفل كما يليق بهذه الخيرات الصالحة التى حصلنا عليها ليس بتزيين المدينة بالأكاليل، لكن بتجميل نفوسنا بالفضيلة. أقول ليس بتزيين الأسواق بستائر ملونة لكن بأن نجعل نفوسنا تتلون وتلمع بالفضيلة حتى نستطيع هكذا قبول نعمة الروح القدس ونجنى ثماره التى سوف يقدمها لنا.
لكن ما هى ثمار الروح القدس؟
ليتنا ننصت إلى ما قاله بولس: ” أما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام…” (غل22:5).
لاحظ بدقة إنه يقدم لنا هذا التعليم ويضع فى البداية المحبة وبعد ذلك يذكر فضائل أخرى. فهو زرع الشجرة وبعد ذلك أظهر لنا الثمرة. وضع الأساسات ثم بنى المبنى. بدأ من المنبع ثم جاء إلى الأنهار. لأنه ليس من الممكن أن يشعر المرء بالفرح إن لم يعتبر أولاً أن فرحه هو سعادة الآخرين، وإن لم يرى أن الصالحات والخيرات الخاصة قريبه كأنها خاصة به. فلكى نستمتع بكل الثمار يجب أن تتملك المحبة على نفوسنا.
المحبة هى جذر ومنبع وأم الصالحات،
لأنها كجذر تُنبت آلاف الفروع من الفضائل،
وكمنبع يتدفق منها ماء كثير ونقى،
وكأم تحتضن كل أولئك الذين يلجأون إليها.
هذا بالتأكيد يعرفه جيدًا بولس الطوباوى، لذلك دعا المحبة ثمرة الروح القدس. واعتبرها أسمى جدًا، حتى دعاها تكميل الناموس ” المحبة هى تكميل الناموس” (رو10:13). لذلك اعتبر رب الجميع أن المحبة هى الملمح الصادق الذى يتصف به تلاميذه: ” بهذا يعرف الناس أنكم تلاميذى إن كان لكم حب بعضكم نحو بعض” (يو35:13).
لذلك من فضلكم، دعونا جميعًا نسرع إلى المحبة ونحتضنها ونمسك بها بشدة ونُعيّد هذا العيد. لأنه حيث توجد المحبة تموت شهوات النفس. حيث توجد المحبة تتوقف حركات الشهوات الجامحة للنفس. فالمحبة كما يقول بولس الرسول: ” تتأنى وترفق. المحبة لا تحسد. المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتد ولا تظن السوء” (1كو4:13ـ5).
المحبة لا تفعل شيئًا شرًا للآخر.
حيث توجد المحبة لا يوجد أى قايين آخر يقتل أخاه.
اخرج الحسد من قلبك فتكون قد أخرجت نهر الشرور.
اقطع جذر شجرة الخطية وسوف تختفى ثمارها مباشرة.
وأقول ذلك، بسبب أننى حزين جدًا على أولئك الذين يحسدون إذ يؤذون ذواتهم ويدمروها بينما من يقع عليهم فعل الحسد ينالون مكافأة من الله. لذا نمدح هابيل ونذكر دائمًا أنه بسبب الحسد اكتسب مجدًا. إذ أن قايين قتله وظلّ عائشًا هائمًا مرتعبًا من الفزع. لكن هابيل الذى قُتِلَ تحدث بأكثر شجاعة بعد موته ” وإن مات يتكلم بعد” (عب4:11). وكما جعلت الخطية قايين يحيا وهو أكثر عارًا من الأموات، هكذا جعلت الفضيلة هابيل ممجدًا بعد موته.
تحذيرات وتوصيات:
إذن، لكى نكتسب ثقة أعظم فى هذه الحياة وفى الحياة الأخرى، ولكى نستمتع جدًا بالفرح الذى يقدمه لنا هذا العيد ليتنا نخلع عنا ملابس نفوسنا القذرة خاصة لباس الحسد. لأنه إن كنا نفعل أعمالاً صالحةً لا تحصى سوف نفقد كل شئ إن كان يوجد فى داخلنا هذا الخطأ المر والممقوت (الحسد)، والذى علينا أن نتجنبه كلنا، خاصة أولئك الذين خلعوا بالمعمودية اليوم لُباس الخطايا العتيق ويلمعون الآن باللباس الجديد مثل أشعة الشمس.
إذن من فضلكم، يا من صرتم اليوم أبناء الله، أنتم الذين لبستم هذا الثوب البهى، احفظوا الفرح الذى نلتموه الآن، طالما أعقتم الشيطان وعلّيتم الجدار حتى لا يأتى إلى نفوسكم من الباب. وطالما أنتم تستمعون بغنى الروح القدس فإنكم ترون الثمار الروحية ثلاثون وستون ومائة، وبذلك تستحقون الحضور بدالة أمام الملك السماوى عندما يأتى ويُقسم الخيرات التى لا تُحصى على أولئك الذين عاشوا بتقوى وفضيلة هنا على الأرض بحسب وصايا ربنا يسوع المسيح الذى له المجد والقوة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.
1 ـ مرة أخرى نعيّد، مرة أخرى نحتفل، والكنيسة، تلك الأم المحبة جدًا ـ كثيرة الأولاد ـ تفتخر بكل هذا العدد من أولادها. ولكن ما فائدة تلك المحبة، إذا كانت لا ترى الأوجه المحببة لأولادها باستمرار، بل تراها فى الأعياد فقط، مثل من يملك ثوبًا رائعًا ولكن لا يسمحون له بارتدائه باستمرار؟ لأن ثوب الكنيسة هو هذا الجمع الذى يأتى إلى الكنيسة، كما يقول النبى بالوحى الإلهى: ” إنك تلبسين كلهم كحلى وتتنطقين بهم كعروس” (إش18:49).
وبالضبط كما أن المرأة العاقلة والحرة داخليًا تظهر أكثر احترامًا وأكثر احتشامًا عندما ترتدى الملابس الطويلة حتى قدميها، هكذا فالكنيسة تبدو اليوم أكثر بهجة لأنها محاطة بالعدد الغفير من أجسامنا ورداؤها طويل، ولا يمكن أن ترى اليوم جزءً منها عاريًا (خاليًا منا)[1] كما فى الأيام السابقة، حيث كان الذين حضروا اليوم فقط سببًا فى عرى الكنيسة بالأمس، هؤلاء الذين لا يهتموا بالأمر. ولكى نعرف أنه ليس بالخطر البسيط أن تُترك الأم عارية، علينا أن نتذكر قصة قديمة. لنتذكر ذلك الذى نظر والده عاريًا وعُوقب من أجل هذا فقط (تك20:9ـ27) ومع أنه لم يكن هو الذى عرى أبيه بل فقط نظره وهو عارٍ فإنه مع ذلك لم يُعف من العقاب. لكن الذين أتوا اليوم فقط ولم يأتوا فى الأيام السابقة لم ينظروا الأم عارية، لكنهم هم الذين عروها. فإن كان ذاك الذى نظر العرى فقط لم يفلت من العقاب، فكيف يُصفح عن هؤلاء الذين كانوا سببًا فى العرى.
وما أقوله هنا لا أريد به أن أوبخكم بل أريد أن أجنبكم العقوبة، لكى تتجنبوا لعنة “حام”، ولنتمثل بمحبة “سام” و”يافث” ونوقر نحن أيضًا أمنا دائمًا.
إن التقاليد اليهودية كانت تحتم علي الشعب اليهودى أن يظهروا أمام الله ثلاث مرات فى السنة. فقد قال لهم الرب ” ثلاث مرات فى السنة يظهر جميع ذكورك أمام السيد الرب” (خر7:23).
أما نحن فالرب يريدنا أن نظهر أمامه دائمًا. فهؤلاء كانوا يجتمعون ثلاث مرات فقط بسبب بُعد المسافات إذ أن عبادة الله حينذاك كانت محدودة فى موضع معين، ولهذا كان ظهورهم أمام الله قليلاً، لأنه كان من الضرورى أن يحجوا لأورشليم وليس لموضع آخر. ولهذا فقد أعطاهم وصية أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات فى السنة، وكان بُعد المسافات عذرًا معقولاً بالنسبة لهم. الأمر الذى لا نعانى نحن منه. فقد كانوا مشتتين فى كل أرجاء الأرض إذ يقول ” وكان يهود رجال أتقياء من كل أمة تحت السماء ساكنين أورشليم” (أع5:2).
أما نحن، وإن كنا لا نقطن كلنا فى مدينة واحدة، إلاّ أنه تجمعنا أسوار واحدة وفى كثير من الأحيان لا يفصلنا عن الكنيسة ولا حتى شارع ضيق، ومع ذلك فنحن نأتى إلى هذا الاجتماع المقدس مرات قليلة مثل هؤلاء الذين كانت تفصلهم بحار.
لهؤلاء أعطى الرب وصية أن يظهروا أمامه ثلاث مرات فى السنة، أما لنا نحن فقد أوصانا أن نعيّد دائمًا، لأن لدينا عيدًا دائمًا ولكى تعلموا أن لدينا عيدًا دائمًا سأقول لكم عن موضوع كل عيد وستعرفون أن كل يوم هو عيد عندنا.
عيدنا الأول هو عيد الأبيفانيا: فما هو موضوع هذا العيد؟ يقول باروخ النبى: ” وبعد ذلك تراءى على الأرض ومشى بين الناس” (باروخ38:3)، لأن ابن الله الوحيد هو معنا وإلى الأبد لأنه يقول ” انظروا هاأنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت20:28)، ولهذا فمن الممكن أن نعيّد الثيوفانيا (عيد الظهور الإلهى) كل الأيام.
ولأى سبب نحتفل بالبصخة؟ (عيد القيامة) وما الداعى لهذا العيد؟،
فى ذلك العيد نبشر الكل بموت الرب، وهذا هو معنى البصخة، إلاّ أنه ولا حتى هذا نفعله فى وقت معين.
والرسول بولس يريد أن يعفينا من التقيد بالتحديدات الزمنية، ولكى يبرهن لنا على أنه يمكننا أن نحتفل دائمًا بالبصخة فإنه يكتب قائلاً ” لأنه فى كل مرة تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس تبشرون بموت الرب” (1كو26:11).
فطالما نستطيع دائمًا أن نبشر علنًا بموت الرب، فإننا نستطيع دائمًا أن نحتفل بالبصخة (بعيد القيامة).
أتريدون أن تعلموا أنه يمكن الاحتفال كل يوم بالعيد الذى نعيّد له فى هذا اليوم؟ لنرى سبب هذا العيد ودواعى احتفالنا به: نحتفل بهذا العيد لأن الروح القدس قد أتى إلينا، لأنه كما أن ابن الله الوحيد هو مع المؤمنين، هكذا فإن الروح القدس هو أيضًا بالتمام معكم. ومن أين نعرف هذا؟ يقول السيد المسيح إن “من يحبنى“، ويكمل قائلاً “سيحفظ وصاياى وأنا سأطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد” (يو15:14ـ 17). كما قال السيد المسيح عن نفسه ” إنى سأمكث معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” ولهذا نستطيع أن نعيّد لعيد الظهور الإلهى[2]، هكذا قال عن الروح القدس إنه معكم إلى انقضاء الدهر ولهذا نستطيع أن نعيّد دائمًا عيد الخمسين.
2 ـ أرأيت أنه لم يقيدك بوقت معين، لكنه يشجعك على أن يكون لك خمير نقى؟
وأريد أن أخصص كل عظتى لهذا الأمر لأن أولئك الذين يقبضون على آخرين بعد جهد كبير لا يخلون سبيلهم بسهولة. ولأنى أمسكتكم فى شباكى بعد زمن طويل، أنتم الذين جئتم إلى هنا بعد غياب، فإنى لا أريد أن أترككم اليوم. ولكى لا تمضوا بدون أن تسمعوا شيئًا عن هذا العيد، فإنى سأخصص حديثى الآن عن سبب هذا العيد.
لقد أُعطى الجنس البشرى كله خيرات كثيرة من السماء ولمرات عديدة، أما مثل خيرات هذا العيد فلم يُعطَ أبدًا قبل هذا اليوم.
اعلموا إذن ما هى الخيرات السابقة وما هى خيرات اليوم لتعرفوا الفرق بينهما. يقول المزمور ” وأمطر عليكم منًا للأكل، وبَرُّ السماء أعطاهم” (مز24:78).
إذن فقد أكل الإنسان خبز الملائكة. إن هذا الأمر عظيم وجدير بمحبة الله للبشر. ثم بعد هذا أرسل نارًا وأعاد شعب إسرائيل إلى طريق الرب بعد أن كانوا قد ابتعدوا عنه ، ثم أصعد ذبيحتهم من على المذبح. ثم سقط المطر مرة أخرى عندما كادوا يهلكون من الجوع وجعل حصاد ذلك العام وفيرًا.
عظيمة هى هذه المعجزات، لكن أعظم منها هى معجزات اليوم. لأن اليوم لم يسقط مَنّ ولا نار ولا مطر من السماء، لكن هطلت بركات روحية غزيرة. سقط من السماء مطر لا لكى يجعل الأرض تفيض بالأثمار، بل لكى يقنع الجنس البشرى فيقدم ثمار الفضيلة لفلاّح البشرية (المسيح). وهؤلاء الذين تقبلوا قطرة من هذا المطر السماوى، أنكروا ذواتهم على الفور، وفجأة امتلأت الأرض كلها بملائكة، ملائكة ليست سماوية لكن مظهرين بأعمال أجسادهم البشرية فضائل القوات غير المتجسدة.
لأن الملائكة لم تهبط من السماء، لكن الأمر الأكثر عجبًا هو أن البشر قد صعدوا إلى مرتبة فضائل الملائكة. وأعنى أنهم لم يتجولوا كنفوس مجردة عارية، بسبب إهمالهم الاهتمام بأجسادهم، لكنهم وهم فى الجسد صاروا ملائكة فى الفضيلة.
ولكى تعلم أن العقاب الأول (لآدم) لم يكن عقابًا، أى عندما قال الله ” أنت تراب وإلى التراب تعود” (تك19:3) فقد تركك لتبقى على الأرض، لكى تظهر بالأكثر قوة الروح القدس، وذلك حينما يصل هذا الجسد الترابى إلى مثل تلك الإنجازات (الروحية). (إذًا بواسطة عمل الروح القدس فى الإنسان) أمكن للمرء أن يرى لغة تخرج (من فم) ترابى وتقدر أن تشفى المرض، وأكثر من هذا، فإنه لم تُرَ اليد فقط، لكن أشياء أكثر أعجازًا، فظلال الأجساد التى هى من طين أمكنها أن تنتصر على الموت وعلى قوات الشر غير المتجسدة، وأعنى الشياطين.
لأنه كما ينقشع الظلام بشروق الشمس وكما تختبئ الوحوش الكاسرة داخل جحورها وكما يهرب القتلة واللصوص ونباّش القبور إلى قمم الجبال، هكذا عندما بدأ بطرس الرسول كلامه، انقشع ظلام الضلالة وهرب الشيطان، وفرت قوات الشر واختفت الأمراض الجسدانية، وشُفيت النفوس المريضة، وتلاشت كل الشرور وعادت الفضيلة إلى الأرض.
وكما أنه إن استطاع أحد العاملين بالخزائن الملّكية التى تحوى الذهب والأحجار الكريمة أن يحصل بموافقة المختصين على إحدى هذه الجواهر أو الأحجار حتى ولو كانت صغيرة، فإنه يصير غنيًا جدًا. هكذا صار أيضًا للكلمات التى خرجت من أفواه الرسل، إذ أن أفواههم كانت خزائن ملكية حُفظ فى داخلها كنز شفى أمراضًا كثيرة. وكل كلمة خرجت كانت سببًا فى ثراء روحى كبير.
فقد كان ممكنًا حينذاك أن يرى المرء بالفعل أن كلمات الرب كانت تمثل مشتهى كثيرين أكثر من الذهب والأحجار الكريمة. إذ أن الأمر الذى استعصى تنفيذه بواسطة الذهب والأحجار الكريمة تحقق بكلام بطرس الرسول. فبالفعل كم هى عدد الدراهم التى كان يمكن أن تشفى ذلك الذى كان مقعدًا منذ ولادته؟ لكن استطاعت كلمات بطرس أن تقيمه من عجزه الطبيعى هذا. فقد قال له “ باسم يسوع المسيح قم وامش” (أع6:3) وقوله تحقق فى الحال.
أرأيت كيف أن كلمة الرب هى مشتهاة أكثر من الذهب والأحجار الكريمة؟ أرأيت كيف أن أفواه الرسل كانت خزائن ملكية؟
بالفعل كان الرسل أطباء، وزرّاع، وربانية سفن؛
كانوا أطباء، لأنهم شفوا مرضى،
وزرّاع، لأنهم بذروا كلمة التقوى،
وربانية، لأنهم أسكتوا نوات الضلال.
ولهذا فقد قال لهم الرب مرة ” اذهبوا واشفوا المرضى” (مت8:15). كما لو أنه يتحدث إلى أطباء،
ومرة أخرى قال لهم ” أرسلكم الآن لتحصدوا ما لم تتعبوا فى غرسه” (يو38:4)، كما لو كان يتكلم مع زرّاع ،
وفى موضع آخر قال لهم “سأجعلكم صيادى الناس” (مت19:4)، وقال لبطرس ” لا تخف، من الآن تكون تصطاد الناس” (لو10:5) وكأنه يتحدث إلى ربانية سفن وصيادين. وهكذا فقد كان من الممكن أن يرى المرء معجزة تلى معجزة.
لقد صعدت الطبيعة البشرية قبل عشرة أيام إلى عرش الله الملوكى واليوم حلّ الروح القدس عليها. لقد أصعد الرب باكورتنا وأرسل لنا الروح القدس. والروح أيضًا هو رب، وهو واهب هذه العطايا. فهو والآب والابن يدبرون كل احتياجاتنا.
فقبل عشرة أيام صعد المسيح إلى السماء، وأرسل لنا مواهب روحية، وعطايا هذه المصالحة. ولكى لا يشك أحد إذن، أو يتساءل: ” ماذا فعل المسيح عندما صعد إلى السماء، هل صالحنا مع الآب؟ هل جعل الآب يسامحنا ؟ ولكى يُظهر لنا أنه قد صالح الجنس البشرى بالآب، فقد أرسل لنا مباشرة عطايا هذه المصالحة، لأنه عندما يتصالح الأعداء، فإنهم حالاً ما يتبادلون كلمات الأمنيات الطيبة والولائم والهدايا.
3 ـ ولكى تعلموا أننا أخذنا الروح القدس كعطية تصالح الله معنا. سأحاول أن أقنعكم من الكتاب المقدس. وسأبدأ أولاً بمحاولة إثبات العكس وإثبات أن الله لا يرسل نعمة الروح القدس إذا كان غاضبًا منا، لكيما إذا اقتنعت بأن غياب الروح القدس هو دليل غضب الله، تتأكد أن إرساله مرة أخرى هو دليل المصالحة ، لأنه لو لم تكن المصالحة قد تمت لَما أرسل الروح القدس . من أين لنا أن نعرف ذلك ؟
كان عالى (الكاهن) إنسانًا متقدمًا فى السن وكان صالحًا وتقيًا فى كل شئ، غير أنه لم يكن يعرف كيف يُصلح أخطاء أولاده، إذ كان يحبهم بطريقة مبالغ فيها، واسمعوا أنتم يا من لديكم أبناء، وليكن لديكم المعايير المناسبة فى محبتكم لأولادكم (حتى لا تفسدوهم) وليكون الاحترام قائم بينكم.
لقد أثار عالى، بفعله هذا، غضب الله جدًا إلى الحد الذى جعل الله يصرف وجهه عن كل جنس عالى الكاهن. ولكى يُظهر كاتب السفر موقف الله الغاضب قال “ وكانت كلمة الرب عزيزة فى تلك الأيام لم تكن رؤيا كثيرًا” (1صم1:3)، ومعنى أن الكلام عزيز هو ندرته، إذ بقوله هذا أوضح أن النبوات كانت نادرة.
وشخص آخر كان يبكى وينتحب لأجل غضب الله ” ليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك” (دا38:3)، والإنجيلى يقول أيضًا “ لأن الروح لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد” (يو39:7). بمعنى أنه لم يكن “قد صُلب” بعد، فإن الروح لم يكن قد أُعطى بعد للبشر وذلك لأن “قد صُلب” معناها ” قد مُجد” ورغم أن عملية الصلب بطبيعتها عملية مهينة، لكن لأنها تمت لأجل من أحبهم، فلهذا يدعوها المسيح “مجد”.
لكن ما هو السبب فى أن الروح القدس لم يُعط قبل الصلب؟ لأن البشرية كانت تعيش فى الخطية وفى العثرات، وفى البغضة والضلال، إذ أن الحمل الذى حمل خطايا العالم، لم يكن قد قُدم ذبيحة بعد. المسيح لم يكن قد صُلب، لذلك لم تكن هناك مصالحة، وبما أنه لم تكن هناك مصالحة، كان من المناسب عدم إرسال الروح القدس. وبالتالى، بما أنه أرسل الروح القدس فهذا يعنى أن المصالحة قد تمت. ولهذا قال السيد المسيح ” إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى” (يو7:16). إن لم أنطلق ـ يقول ـ لا تتم المصالحة مع الآب، ولذلك لن أرسل لكم المعزى.
أرأيتم بكم من البراهين أشرنا إلى أن غياب الروح القدس من بين البشر كان علامة على غضب الله ؟ ” كانت كلمة الرب عزيزة، ولم تكن رؤيا كثيرًا“، ” ليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك“، لماذا “لأن الروح لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد“. ” خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى“. وعندما ترى أن الروح القدس يأتى بغنى فلا تشك إطلاقًا فى أن هذه المصالحة قد تمت.
ويمكن أن يسأل أحد: أين هو الروح القدس الآن؟. لأنه عندما كانت تحدث المعجزات، ويقوم الأموات، ويتطهر البرّص، كان يمكن التحدث عن عمل الروح القدس، أما الآن كيف نثبت أن الروح القدس معنا؟ لا تخافوا لأنى سأبين لكم كيف أن الروح القدس معنا الآن. كيف وبأى طريقة؟ إن لم يكن الروح القدس معنا الآن بالفعل، كيف يتطهر الذين تعمدوا من خطاياهم فى تلك الليلة المقدسة لأنه لا يقدر أحد أن يتخلص من خطاياه بدون فعل الروح القدس.
واسمعوا الرسول بولس الذى يقول ” لأننا نحن أيضًا كنا أغبياء وغير طائعين ضالين مستعبدين لشهوات ولذّات مختلفة عائشين فى الخبث والحسد ممقوتين مبغضين بعضنا بعضًا، ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه لا بأعمال في بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس” (تيطس3:3ـ5). وفى موضع آخر يقول ” لا تضلوا لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مابونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” (1كو9:6ـ10)، أرأيت كل هذه الشرور “وهكذا كان أناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو11:6).
كيف تم هذا ؟ هذا ما نريد أن نعرفه. هل غُفرت الخطايا بعمل الروح القدس ؟ فلنسمع ” لكن اغتسلتم بل وتقدستم لأنكم اعتمدتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا“. أرأيت إذن أن الروح القدس يمحو كل هذه الخطايا؟
4 ـ أين هم الآن الذين يجدفون على الروح القدس؟ لأنه إن كان لا يمحو الخطية، فستكون المعمودية بلا هدف، وإن كان يمحو الخطايا، فباطل إذن تجديف الهراطقة.
وإن لم يكن هناك الروح القدس، فلم نكن لنستطع الاعتراف بأن يسوع هو رب “ ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12). ولو لم يكن الروح القدس موجودًا لما استطاع المؤمنون أن يتضرعوا قائلين ” أبانا الذى الذى فى السموات” (مت9:6). ومثلما لم نكن نقدر (بدون الروح القدس) أن نشهد أن المسيح رب، هكذا أيضًا لم نكن نقدر بدونه (بدون الروح) أن ندعو الله أبانا. وبماذا نثبت قولنا هذا ؟ من قول الرسول نفسه ” وبما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب” (غلا6:4)، حتى أنك عندما تدعو الله قائلاً: ” أبانا” فتتذكر أنك استحققت أن تدعو الله أباك بسبب أن الروح قد دفعك إلى هذا.
وإن لم يكن الروح القدس موجودًا لما كان فى الكنيسة روح الحكمة والمعرفة “ لأنه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد ” (1كو8:12). ولو لم يكن الروح موجودًا فى الكنيسة لما كان فيها رعاة ومعلمين. إذ أن هؤلاء يقيمهم الروح القدس كما يقول بولس الرسول ” … ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه” (أع28:20). وأنظر أيضًا فإنه حتى ما يحدث هنا هو من عمل الروح القدس.
فإن لم يكن الروح القدس فى أبينا ومعلمنا هذا[3] والذى صعد منذ قليل على المنبر وبارككم جميعًا قائلاً “السلام لجميعكم” لِما قلتم له جميعًا ” ولروحك أيضًا”. وأنتم لا تجاوبونه هكذا فقط عندما يصعد إلى المنبر، أو عندما يعظكم أو يصلى لكم، ولكن أيضًا عندما يقف بجانب هذه المائدة المقدسة وهو مزمع أن يقدم عليها هذه الذبيحة المهوبة، والمرتلين يعرفون ما أقوله.
فهو لا يمس القرابين الموضوعة أمامه قبل أن يدعو لكم بنعمة الرب، وأنتم تجاوبونه قائلين “ومع روحك أيضًا”. وبهذه الإجابة تذكرون أنفسكم بأن هذه الجواهر ليست من صنعه أو من صنع إنسان، بل هى هكذا بواسطة نعمة الروح القدس، الحاضر والذى يرفرف فوق الجميع، ليعد تلك الذبيحة السرية.
لأنه حتى وإن كان الذى يقف هناك هو إنسان، غير أن الله هو العامل فيه. فلا تنشغل إذن بالإنسان الذى تراه، بل اهتم بأن تعى عمل نعمة الله غير المنظورة. فلا شئ مما يحدث فى هذا الهيكل المقدس هو بشرى، فلو لم يكن الروح القدس حاضرًا لما تأسست الكنيسة، وطالما أنه توجد الكنيسة فهذا بفضل حضور الروح القدس.
وربما يتساءل أحد، لماذا لا تحدث معجزات اليوم ؟ هنا أرجوكم أن تنتبهوا بشدة، لأنى أسمع عن هذا الأمر من كثيرين وفى كل مكان وباستمرار يطلبون تفسيرًا له. لماذا كان الذين تعمدوا حينذاك يتكلمون بألسنة عديدة والآن لا يحدث نفس هذا الأمر؟ فلنعرف أولاً ماذا يعنى أنهم كانوا يتكلمون بألسنة وبعد ذلك سنتحدث عن سبب ذلك. ماذا يعنى إذن أنهم كانوا يتكلمون بألسنة غريبة؟.
فالذى تعمد حينذاك كان يتكلم مباشرة بلغات الهنود والمصريين والفرس والعرب وكان الشخص الواحد منهم يتكلم عدة لغات. ولو كان الذين قد تعمدوا اليوم، قد تعمدوا حينذاك لسمعناهم يتكلمون مباشرة لغات مختلفة. لأن بولس يقول إنه تقابل مع جماعة كانوا قد تعمدوا بمعمودية يوحنا فقال لهم ” هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم ؟ فأجابوا: ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس” (أع2:19). فأشار عليهم مباشرة أن يتعمدوا “ ولما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس فطفقوا يتكلمون بألسنة” (أع6:19).
فلماذا إذن رُفعت هذه الموهبة وغابت من بين البشر؟ ليس بسبب أن الله لا يُكرّمنا ، بل على العكس لأنه يُكرّمنا جدًا، كيف؟ سأقول لكم.
لقد كانت تصرفات البشر حينذاك أكثر مجونًا إذ لم يكن قد مضى وقت طويل على تركهم لعبادة الأوثان، وكانت أذهانهم أكثر بُعدًا عن فهم الأمور الروحية بل وغير حساسة لما يحدث أمامهم فصاروا مندهشين لما يدور حوله. ولم يكن لديهم أى معرفة عن المواهب الروحية أو حتى عن ماهية النعمة الروحية التى يستطيع المرء بالإيمان فقط أن يدركها، ولهذا حدثت المعجزات. لأنه من بين العطايا، يوجد ما هو غير مرئى ويمكن إدراكه بالإيمان فقط، والبعض الآخر مصحوب بعلامات لكى يراها المؤمنين.
وكمثال لما أقصده هو الآتى: غفران الخطايا، هو أمر روحى، هو عطية غير مرئية، إذ أننا لا نرى بعيون الجسد كيف نتطهر من خطايانا. لكن لماذا؟ لأن النفس هى التى تتطهر والنفس لا ترى بعيون الجسد.
التطهير من الخطايا إذن، هى إحدى العطايا الروحية ولا يمكن رؤيتها بعين الجسد، وأن يتكلم شخص بألسنة غريبة هو بالطبع أيضًا عطية روحية من فعل الروح القدس، ولكنه يُعطى بعلامة حسية يدركها المؤمنين بسهولة. فاللغة لأننا نسمعها ، فهى إظهار ودليل على الطاقة غير المرئية التى تحدث داخل نفوسنا “ لكنه لكل واحد يعطى إظهار الروح للمنفعة” (1كو7:12).
فأنا إذن لست بحاجة إلى دليل أو علامة، ولماذا؟ لأنى تعلمت أن أؤمن بالرب بدون أن يُعطينى أية آية، لأن ذلك الذى لا يؤمن يحتاج إلى ضمان، أما أنا فلا أحتاج إلى ضمان لأنى أؤمن، ولا حتى إلى علامة، ولكن حتى وإن كنت لا أتكلم بلسان غريب، فأنى أعرف أنى قد تطهرت من الخطية.
فهؤلاء الذين تعمدوا حينذاك، لم يكونوا ليؤمنوا إن لم يكونوا قد حصلوا على علامة. لهذا فقد أعطاهم آية كضمان للإيمان الذى آمنوا به. وبالتالى فقد أعطاهم آية ليس لأنهم كانوا مؤمنين بل لأنهم كانوا غير مؤمنين ولكى يصيروا مؤمنين، هكذا يقول بولس الرسول ” إذًا الألسنة آية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين” (1كو22:14).
أرأيتم أن توقف الله عن عمل المعجزات هو دليل ليس على عدم تكريم الله لنا بل على تكريمه لنا؟. ولماذا فعل هذا معنا؟ لأنه يريد أن يُظهر إيماننا، إننا نؤمن به بدون ضمانات أو معجزات. إن أولئك الذين تعمدوا حينذاك، لو لم يكونوا قد حصلوا على بعض الضمانات والإثباتات أولاً، لَما كان فى استطاعتهم أن يؤمنوا بالله بواسطة أمور لا تُرى. أما أنا فبدون هذه الأمور (المرئية) فإنى أؤمن بكل قلبى. وهذا هو السبب إذن فى عدم حدوث معجزات الآن.
5 ـ أود أن أتكلم أيضًا عن سبب هذا العيد وأن أبيّن بالضبط ما هو عيد الخمسين ولماذا أُعطيت مواهب الروح القدس على هيئة ألسنة نار فى ذلك اليوم، ولماذا كان ذلك بعد صعود المسيح بعشرة أيام .غير أنى أرى إنى أطلت الحديث، ولهذا سأتوقف بعد أن أضيف شيئًا صغيرًا ” ولِمّا حضر يوم الخمسين كان الجميع معًا بنفس واحدة، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم” (أع1:2ـ3).
ليست ألسنة من نار، لكن كأنها من نار، لئلا تعتقد أن الروح القدس هو شئ محسوس، مثلما فى نهر الأردن حيث حل، ليس كحمامة، لكن فى شبه حمامة. وهكذا هنا ظهر لا نار (فعلاً) بل فى شبه نار. وأيضًا يذكر سفر الأعمال أنه ” صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة” (أع2:2)، لا يقول إنه هبوب ريح، بل يقول “ كما من هبوب ريح عاصفة “.
وما هو السبب فى أن حزقيال لم يأخذ موهبة النبوة بشكل مماثل وعلى هيئة نار لكن أخذه فى درج (حز9:2)، بينما أخذ الرسل المواهب بواسطة ألسنة كأنها من نار؟
بالنسبة لحزقيال، يقول الكتاب إن الله أعطى له درج مكتوب فيه مراثى ونحيب وعويل، وكان مكتوبًا من الداخل ومن قفاه (حز10:2). فأكل حزقيال الدرج فصار فى فمه كالعسل حلاوة (حز3:3). أما عن الرسل فلا يقول هكذا بل يقول “ وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار” . فلأى سبب إذن ظهر هناك درج وهنا ألسنة كأنها من نار ؟ لأن حزقيال كان سيذهب ليرثى خطايا اليهود وينتحب على خرابهم ، أما الرسل فإنهم كانوا سيذهبون فى شتات الأرض ليغفروا خطايا جميع الناس. ولهذا فإن حزقيال قد أخذ درجًا كتب فيه الخراب الذى كان مزمعًا أن يحدث لليهود، أما الرسل فقد أخذوا نارًا ليحرقوا خطايا البشر ويغفروها . لأنه كما أن النار تقع على الأشواك فتمحوها ، هكذا تمحو نعمة الروح القدس خطايا البشر.
لكن اليهود ، عديمى الإحساس، عندما حدث هذا ، بينما كان عليهم أن يتعجبوا وفى رهبة يسجدون لذلك الذى منح هذه المواهب ، نراهم قد أظهروا مرة أخرى عدم فهمهم متهمين الرسل الذين نالوا بغنى مواهب الروح القدس ، بأنهم سكارى إذ قالوا “ وكانوا آخرون يستهزئون قائلين إنهم قد امتلأوا سلافة ” (أع13:2). لاحظ هنا كيف ينكر البشر المعروف وكيف يقدره الملائكة ، إذ أن الملائكة عندما نظروا باكورتنا[4] وهو صاعد إلى السماء ، فرحوا وقال “ ارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد ” (مز8:24).
أما البشر فعندما رأوا نعمة الروح القدس وهى تحل علينا قالوا إن هؤلاء الذين تقبلوا هذه النعمة سكارى . بل أن هؤلاء اليهود لم يعرفوا حتى مواسم السنة الزراعية، لأنه من غير الممكن أن يتواجد فى فصل الربيع (وقت الاحتفال بعيد الخمسين حينذاك) هذا النوع من العنب حلو المذاق الذى يصلح لعمل هذا النوع من الخمر .
لكن لنترك هؤلاء ، ولنفحص نحن عطية الله محب البشر لنا . لقد أخذ المسيح طبيعتنا وأعطانا فى المقابل نعمة الروح القدس. وكما يحدث فى الحرب التى يطول مداها أنه عندما تتوقف المعارك ويحل السلام، فإن الأعداء يتبادلون الضمانات والأسرى، هكذا صار بين الله والبشر، فلقد أصعد المسيح باكورة طبيعتنا إلى السماء، إلى الله كعربون وضمان، وأرسل لنا الله الروح القدس كضامن.
وما يبين أن ما لدينا هو عهد وضمان ما يأتى. المتعهد والضامن لابد أن يكونا من جنس ملوكى . ولهذا أرسل الروح القدس إذ هو من جوهر ملوكى فائق ، وأيضًا ما قُدم من جهتنا كان من جنس ملوكى ، إذ كان من نسل داود ولهذا فنحن لا نخاف بعد ، طالما أن باكورتنا هى فى السماء . وحتى إن هددنى شخص بالعذاب الأبدى وبالنار التى لا تُطفأ أو بأى عقاب آخر ، فلن أخاف إذن . أو بالحرى سأخاف غير أنى لن أكون يائسًا من خلاصى . لأنه لو كان الله لم يَرِد خيرات عظيمة للإنسان ، لما كان قد قَبِلَ باكورتنا فى السماء .
فقبل ذلك ـ عندما كنا نتطلع إلى السماء ونفكر فى القوات السمائية غير المتجسدة، كنا نتأكد بالأكثرـ بالمقارنة مع هذه القوات ـ من ضعفنا. أما الآن، فعندما نريد أن نرى ما صار لنا من كرامة فإننا نتطلع عاليًا نحو السماء إلى عرش الله نفسه لأن هناك تجلس باكورتنا. وهكذا سيأتى ابن الله من السماء ليديننا. فلنستعد إذن لكى لا نخسر ذلك المجد لأن سيدنا قادم بالتأكيد ولن يتأخر . سيأتى ومعه قوات وطغمات الملائكة وأرباب ورؤساء ملائكة ، وأجيال الشهداء وجماعات الأتقياء ، وكثير من الأنبياء والرسل ووسط هذه الكوكبة سيظهر الملك بمجد لا يُوصف ولا يُعبر عنه .
6 ـ لنفعل إذن كل ما فى جهدنا لكى لا نخسر ذلك المجد. أتريدون أن أقول لكم عن الأشياء المخيفة أيضًا ؟ لا لكى أحزنكم بل لكى أًصلِحَكم. حينذاك سوف يجرى نهر من نار قدامه (دانيال 10:7) وسوف تُفتح الأسفار. وستكون محاكمة رهيبة . فكما فى المحكمة تُقرأ عرائض تخص أعمالنا، وهكذا يتكلم الأنبياء عن هذه الأسفار . فيقول موسى ” والآن إن غفرت خطيتهم . وإلاّ فامحنى من كتابك الذى كتبت” (خر32:32). كما أن السيد المسيح قال لتلاميذه ” لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم بل افرحوا بالحرى أن أسماءكم كُتبت فى السموات ” (لو20:10) وداود أيضًا كتب قائلاً ” رأت عيناك أعضائى وفى سفرك كلها كتبت ” (مز16:138). وأيضًا قال “ليُمحو من سفر الأحياء ومع الصديقين لا يُكتبوا” (مز29:69).
أترى أن البعض تُكتب أسمائهم والبعض تمحى أسمائهم ؟ أتريد أن تعلم أنه ليس فقط أسماء الأبرار هى التى تُكتب فى هذه الأسفار بل وأيضًا خطايانا؟
اليوم عيد واليوم نتعلم أمورًا تقدر أن تنجينا من الهلاك . الكلمات مرعبة لكنها مفيدة ونافعة ، إذ هى قادرة أن تنقذنا من التهاون فى حياتنا الروحية. ولنعلم إذن أن خطايانا تُسجل ، وأيضًا ما نقوله هنا فى الحال يُكتب هناك . لكن من أين عرفنا هذا ؟ لأنه ليس من اللائق أن نتكلم باستخفاف فى أمور هكذا . يقول ملاخى لليهود ” لقد أتعبتم الرب بكلامكم” وبأى طريقة ؟ يقول “بقولكم كل من يفعل الشر فهو صالح فى عينى الرب” (ملاخى17:2).
هذه الكلمات هى أقوال عبيد ينكرون المعروف ومع هذا فقد قبلهم الله إذ يقول الكتاب إنه قَبِل هؤلاء الذين لم يخدموه بل قالوا عنه ” عبادة الله باطلة وما المنفعة من أننا حفظنا شعائره وأننا سلكنا بالحزن قدام رب الجنود والآن نحن مطوبون المستكبرين ” (ملاخى14:3ـ15)، أى يقولون إنهم طوال النهار يعملون وآخرين يتمتعون بالخيرات . مثل هذه الأقوال يرددها العبيد دائمًا أمام سادتهم .
وأن يقولها إنسان لإنسان آخر مثله ، فهذا أمر ليس بهذه الخطورة ، أما أن يقول شخص مثل هذه الكلمات لرب الكون كله ـ الذى هو رحيم ومحب البشر ـ فهذا أمر خطير فعلاً ويفوق كل حكم ويستحق أشد العقاب. لكن لنعلم أن هذه الأقوال تُدون ، أسمع ما يقوله النبى “والرب أصغى وسمع وكتب أمامه سفر تذكرة للذين اتقوا الرب وللمفكرين في اسمه” (ملاخى16:3). وهذه الأقوال تُدون، لا لأن الله سيذكّرنا باليوم الذى قلناها فيه لكن لكى يحضر لنا السفر كشهادة علينا لإدانتنا .
ربما أكون قد أثرت مشاعر الخوف فى نفوسكم ، وليس فقط نفوسكم بل بالحرى فى نفسى أنا أولاً أيضًا. وهيا لأختم عظتى، بل بالحرى لأوقف الخوف، والأفضل من ذلك، أنى لا أوقف الخوف فقط، بل أتكلم بكلمات معزية لنفوسكم. لأنه حتى إن بقى الخوف، فليبق ليطهر ولينقى نفوسنا، ولنجعله أكثر احتمالاً.
فكيف سنستطيع إذن أن نحدّ من هذا الخوف؟ إن نحن بيّنا أن الخطايا لا تُدون فقط لكنها أيضًا تُمحى. ففى المحاكم هنا تدون الأقوال التى يُدان بها المتهم، فى صحائف فورًا، ولا يمكن أن تُمحى هذه الأقوال بعد ذلك. أما فى ذلك السفر حتى وإن فعلت بعض الشرور وأردت أن تمحى فإنها تُمحى .
ومن أين نعرف هذا ؟ من الكتاب المقدس إذ يقول ” استر وجهك عن خطاياى وامح كل آثامى ” (مز9:51). ولن يستطيع شخص أن يمحو شيئًا لم يُكتب وبالتالى إذا كانت هذه الآثام قد دونت، فالآن هو يصلى أن تُمحى.
وشخص آخر يعلّم كيف تُمحى هذه الآثام فيقول ” بالرحمة والحق يستر الإثم ” (أم6:16). فهى لا تُشطب فقط بل تُمحى تمامًا حتى أنه لا يتبقى لها أثر. وليست الخطايا التى عملناها بعد المعمودية فقط هى التى تُمحى ؛ بل والتى عُملت قبلها أيضًا. فكل الخطايا قد مُحيت بمياه المعمودية وبصليب المسيح. تمامًا كما يقول الرسول بولس ” إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدًا لنا وقد رفعه من الوسط مسمرًا إياه بالصليب” (كو14:2). أرأيت كيف أن ذلك الصك قد مُحى ولم يُمح فقط بل قد تمزق إذ مزقته مسامير الصليب، فأصبح بلا قيمة .
فتلك الخطايا قد انمحت كلها بنعمة وقوة المسيح الذى صُلب عنا لأجل محبته لنا، أما خطايانا نحن بعد المعمودية فإنها تحتاج إلى جهاد عظيم لكى نتطهر منها، وإذ لا توجد معمودية ثانية، بل يتم ذلك بدموعنا، بتوبتنا، بأعمال الرحمة، بالصلاة وبكل سبل التقوى. وهكذا فبعد المعمودية تتنقى الخطايا بكثير من الجهد وبكثير من التعب. فلنحاول إذن بكل طريقة أن نتطهر منها فى هذه الحياة (هنا) حتى نفلت من الخجل والعقاب فى الدهر الآتى (هناك).
لأنه وحتى إن كنا قد فعلنا خطايا لا تحصى، فإننا إن أردنا، نستطيع أن نلقى عنا كل حمل هذه الخطايا. فلتكن لنا هذه الإرادة إذن، لأنه من الأفضل جدًا أن نتعب قليلاً هنا وأن نعتق من العقاب الشديد بدلاً من أن نهمل أثناء فترة حياتنا القصيرة ونعبر إلى ذلك العقاب الأبدى.
7 ـ والآن قد حان الوقت لنلخص ما قلناه: نلوم هؤلاء الذين يأتون إلى هنا مرة واحدة فى السنة (فى العيد) لأنهم يقبلون أن يعّروا أمهم (الكنيسة). وذكّرناهم بحدث قديم، ببركة ولعنة. تحدثنا عن أعياد اليهود ولماذا أعطاهم الرب وصية أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات فقط فى العام. وقلنا أن أعياد الخمسين والقيامة والظهور الإلهى هى أعياد دائمة. وشرحنا كيف أن العيد يُحتفل به بقلب نقى وليس بتحديدات زمنية.
وبعد ذلك كان حديثنا عن العطايا التى أتت إلينا من السماء وبيّنا أنها دليل على المصالحة بين الله والإنسان. وأثبتنا أن الروح القدس هو العامل فى غفران الخطايا، فى جوابنا على قول الكاهن فى الصلاة ” السلام لجميعكم”، وفى كلام الحكمة (الإلهية)، فى معرفتنا (لله)، فى السيامات، وفى الذبيحة السرائرية. وقلنا إن المسيح كباكورة لنا هو عربون، والروح القدس هو ضمان. ثم ذكرنا الأسباب التى من أجلها لا تحدث معجزات الآن. وبعد ذلك ذكّرناكم بالدينونة وبالأسفار التى ستُفتح وأن كل خطايانا تُدون، كما بيّنا أنه لو أردنا فإن هذه الخطايا يمكن أن تُمحى أيضًا.
فلتتذكروا كل هذا إذن، وإن كان من الصعب تذكرها جميعًا، فعلى الأقل فلتتذكروا الكلام عن تلك الأسفار (التى تُدون فيها الخطايا). وبكل ما سوف تجيبون به وكأنكم أما شخص يدون ما تقولونه، لذلك فليكن كلامكم بحذر ولتذكروا دائمًا ما قد قيل. حتى أن من كانت أسمائهم مسجلة فى سفر الأبرار يجاهدون بالأكثر، ومن كانت لديهم خطايا مدونة عليهم، يتطهرون منها هنا على الأرض بدون أن يعرف أحد، حتى يتجنبوا التشهير بهم فى يوم الدينونة. لأنه، وحسبما بيّنا أنه من الممكن حقيقة أن نمحو بالصلاة والتقوى والجهاد كل الخطايا المدونة علينا.
ولنهتم كل لحظة لكى نستطيع الحصول على الغفران الآن حتى أننا عندما نذهب إلى الحياة الأخرى، نتجنب كلنا العقاب الشديد، ولنأمل أن نكون مستحقين لملكوت السموات بنعمة ربنا يسوع المسيح ومحبته للبشر الذى له المجد والقوة مع الآب والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.
1 بسبب كثرة عدد المؤمنين المتواجدين بالكنيسة.
2 يقصد به عيد الميلاد .
3 ويقصد به الأسقف فلافيانوس، أسقف مدينة إنطاكية.
4 ويقصد الطبيعة البشرية فى شخص المسيح. أنظر القداس الغريغورى “أصعدت باكورتى إلى السماء ” .