وحدة العهدين في إنجيل متى

وحدة العهدين في إنجيل متى

وحدة العهدين في إنجيل متى

يستطيع من يطالع إنجيل متَّى أن يلاحظَ جملةً من أمورٍ تُعتَبَر ركيزيةً جداً في بشارة مَتَّى:

  • تشير افتتاحية الإنجيل إلى الاندماج العميق بين العهدين القديم والجديد.
  • نهاية الإنجيل مذهلة، حيث أن مَتَّى يقفل بشارتَه بكونية البشري وشمولية فداء المسيح: “اذهبوا وتلمذوا كل الأمم معمدين إياهم على اسم الآب والابن والروح القدس …” (متَّى 18: 19)

تطل افتتاحية إنجيل متَّى، لمن يطالع الكتاب المقدس بدقة، على نحوٍ يكاد أن يكون صاعقاً لليهودي، ومثيراً للجدل عن سواه. ترى من هو هذا الذي يتحرك كل التاريخ ليصلَ إليه ويلتصقَ به؟ من هو الذي كان حلم الأقدمين الذين كانوا ينتظرونه عبر المئات، بل الآلاف من السنين؟ “قالت له المرأة: أنا أعلم أن مسيا الذي يُقالُ له المسيح يأتي. فمتى جاء ذاك، يخبرنا بكل شيء.

قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو.” (يوحنا 4: 25-26). إذاً كان الناسُ يحيون في انتظار المَسِيَّا. كان الزمانُ يتحرك نحو الملء للقاء مسيا: “لما حانَ ملء الزمان أرسلَ الله ابنَهُ مولوداً …” (غلاطية 4: 4-5). بيد أن هذا المُنْتَظَر والمشوق إليه كان قبل الزمان أيضاً (يوحنا 1:1).

يبدو التاريخ عند مَتَّى محتضناً سرَّ المسيح، فالبشارة تُلَخَّصُ بكتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داوود، ابن إبراهيم … (مَتَّى 1: 1-17). وهذا ليسَ غريباً البتة، لأن يسوع هو الخالق، وبه كان كل شيء (عب 2: 10)، لا بل إن كل شيء هو من أجلِهِ ولَهُ (2: 10)، رومية 11: 34-36).

عندما ندرس الإنجيل، أو العهد الجديد، بتدقيق، نجد أن الذين دَوَّنوا، لا سيَّما متَّى ولوقا، أكدا أن يسوع هو ابن داوود، أي أن المخلص هو ابن داوود. وصلة يسوع بداوود هي أمرٌ مهم، ليس بالنسبة للعهد القديم فقط، بل بالنسبة للعهد الجديد أيضاً. ففي يسوع تتحقق الوعود الروحية التي كان شعب الله ينتظرها من القديم. والكتاب يؤكد هذا، فيقول: “فبُهِتَ كل الجموع وقالوا ألعَلَّ هذا هو ابن داوود” (متَّى 21: 9)، (مرقس 12: 35)، (يوحنا 7: 42)، (رومية 1: 3)، (2 تيمو 2: 8).

إلّا أن في العهد الجديد سلسلتين (متَّى 1: 2-16)، (لوقا 3: 23-38) للنَسَب، وهاتان السلسلتان تؤكدان نسَبَ يوسف وليس نَسَبَ مريم. ولكي يُبين متَّى أن المسيح هو من نسل داوود، يقدم لنا سلسلةً ضخمةً من الأسماء، وأغلبها غريب على مسمع الإنسان المعاصر، لينتهي بالقول: “ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي منها وُلِدَ المسيح.” (متَّى 1: 6). أمَّا لوقا، فلكي يصل إلى القول أن يسوع هو ابن داوود يقول: “ولما ابتدأ يسوع، كان له نحو ثلاثين سنة وهو على ما كان يُظَنُّ ابن يوسف ابن هالي … ابن داوود … ابن آدم، ابن الله” (لو 3: 23-38).

وعليه، فإن لم يكُنْ يوسف الأب الشرعي ليسوع، يستحيل أن يكون يسوع ابن داوود، لا سِيَّما وأن سلسلتي النسب عند مَتَّى ولوقا غايتهما أن يُثْبِتا بنوة يسوع لداوود. وهكذا فإن الكلام عن عجائبية ميلاد يسوع، أن التأكيد على غياب أية علاقة جسدية بين يوسف ومريم، من شأنِهِ أن يُفْقِدَ يسوعَ نسبَتَهُ إلى داوود، دون أن يتكلم عن نسبة مريم لداوود. وهنا يُطْرَحُ علينا سؤالٌ يتعلق بعجائبية الميلاد بالنسبة إلى علاقة يسوع بداوود.

ما مِن شكٍّ أن نسبة يوسف لداوود لا وجودَ لها في العهد الجديد خارج إنجيلَيْ مَتَّى ولوقا. ولكن هذا لا يُقَلِّلُ في أي من الأحوال من قيمة الولادة من أُمٍّ بتول، كما ولا يشير إلى غياب اتصال بين يسوع وداوود.

ونتساءل تِباعاً: هل من الضرورة بمكان أن كل حادثة مهما كانت أهميتها في حياة يسوع يتوجب تكرارُها وتردادُها لدى جميع الرسل والمبشرين في العهد الجديد؟ بكلامٍ آخر، إذا أغفَلَ إنجيل يوحنا حادثة ولادة يسوع، هل يعني هذا أنه يُقَلِّلُ من قيمة هذه الولادة؟ قطعاً لا. العهد الجديد لم ينفِ ما ورد عند متَّى ولوقا. ولكن، مع ذلك، تَبقَى هناك مشكلةٌ تقوم على أمرٍ مفادُهُ باختصارٍ أن الميلاد العجائبي يأتي ليؤكدَ عدم نِسبَة يسوع ليوسف. من هنا، فإن الاعتراضاتِ على نسبة يسوع ليوسف تبقى قائمةً وتحتاجُ إلى جوابٍ.

إذا لم يكُنْ يسوع ابنَ يوسف، عندها فإن قائمة الأسماء عند متَّى ولوقا لا يعود لها من معنىً ولا تأتي إلى غايتِها. ولكن أيُعْقَلُ أن يرتكب مَتَّى ولوقا مثل هذا الخطأ؟

إذا كان مَتَّى لا يعطي قائمة بأسماء أجدادِ مريم، فذلك لأنه كان يُعالج أمراً معروفاً وبديهياً في زمانه، أعني أن يوسف هو من نسلِ داوود، ومريم أيضاً هي من نسلِ داوود. أما لوقا فكان بصدد الكلام عن كونية الخلاص الذي تم بيسوع، من هنا إرجاعُهُ شجرة النسب إلى آدم الجد الأول لكل البشرية. وإذا قلنا أن مريم ويوسف هما من نفس العائلة، عندها تُحَلُّ المشكلة، لأن يسوع سوف يكون من أبناء داوود من جهة أمِّهِ أيضاً، وبذلك تتحقق فيه المواعيد (مَتَّى 12: 23)، (مَتَّى 21: 9)، (مرقس 10: 47)، (يوحنا 7: 42)، (رومية 1: 2-3)، و(تيمو 2: 8).

ولكن هل كانت مريم فعلاً من عائلة يوسف؟ كيف السبيل إلى إثباتِ ذلك؟ وإذا كانت مريم من نفس عائلة يوسف، لماذا لم يذكر الإنجيليان ذلك؟

لقد كُتِبَ إنجيل متَّى ولوقا بين (70 و85 م.) وبالتالي فإنهما يكتبان لأناسٍ يعرفون الأمورَ على حقيقتِها. أي أن كثيرين من الذين عاصروا الأحداث كانوا على قيد الحياة في ذلك الحين. وإذا كانت الحقيقة مخالفة لهذه المعطيات، عندها نسأل: كيف يُشَدِّدُ متَّى ولوقا على عجائبية ميلاد الرب، الأمر الذي يدعونا حتماً إلى القول أن النسابة ([1]) عند مَتَّى ولوقا لا تُشكك أساساً في نسبة يسوع إلى داوود، إنما تأتي لتؤكدها؟

وبنتيجة هذه الخُلاصة يكون يوسف أباً ليسوع بالتَبَنِّي. وهكذا فالتساؤلات التي نطرحها نحنُ، أو المشكلات التي نثيرها، لم تكُنْ قائمة في عقل كُتَّابِ العهد الجديد. نحن نستطيع أن نستشف مسألة تبني يوسف ليسوع من قول الملاك: “قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى أرض مصر” (متى 2: 13). أي أن الملاك يأمر يوسف بأن يأخذ رعاية يسوع ومريم على عاتِقِهِ.

متَّى ولوقا يسجلان لنا نسابة يوسف إلى داوود دون أن يتكلما عن نسابة مريم لداوود. كيف نفهم هذا الإغفال؟

كان الأمرُ طبيعياً إذ ذاك، فالعهد القديم لا يقدم النسابة إلا من خلال الذكور. أما النسوة اللواتي ذُكِرْنَ في متَّى ولوقا فقد وردن بسبب ما جرى معهنَّ من أحداث، لا بالنظر لأهميتهن في النسابة. هكذا فإن كون يوسف ومريم محسوبين على نسل داوود لا يُفقِدُ البتة من قيمة عجائبية ميلاد الرب، ولا ننسى، وكيف ننسى، أن الكنيسة التي كتبَ إلها متَّى ولوقا كانت متأثرةً إلى حدٍّ كبير بالفكر اليهودي.

نأتي الآن إلى أمرٍ آخر يبدو على شيءٍ من الغرابة: هذه السلسلة من الأسماء عند متى ولوقا تحمل باقةً من الأسماء الغريبة التي مجرد التلفظ بها يبعث على الضحك: “شألتئيل”، مثلاً. ولكن رغم الغرابة والاستهجان، وهذا شأننا نحنُ المعاصرين، فإن للأسماء عند متَّى دلالةً لاهوتيةً كبيرةً بالنظر إلى مكانتها في علم النسابة.

متَّى الإنجيلي لا يلعب في روايتِهِ دورَ مؤرخٍ حاذق، فهذا ليسَ شأنَهُ، رغمَ قدرتِه على الاضطلاع به، إنما نراهُ يحتكم إلى تُراثِ الأجداد ليؤكدَ حقيقةَ تاريخِ الخلاص المُعْلَنِ في يسوع. من هنا يبدو متى لاهوتياً فَذَّاً ينبري ببراعة لتأكيد أقوال الأنبياء التي تَمَّتْ في يسوع. ولكن طالما أننا نتكلم عن شجرة النسب عند متى ولوقا، فما هو علم النسابة هذا؟

النسابة فنٌ أدبيٌ قديم من شأنه أن يُعَرِّفَ بالشخصيات البارزة في العصور الغابرة. وقد استعان متَّى بهذا العلم للدفاع عن أطروحتِه اللاهوتية، أي بشارته بيسوع المخَلِّص في نطاق بيئةٍ يهودية. لقد عمدَ متَّى إلى النسابة (genealogy) للتعريف بالأجداد، لا سيَّما وأن المسيحيين كانوا يدركون تمام الإدراك أن المسيح يتحدَّرُ من أصل داوود (متَّى 9: 27)، (متَّى 15: 22)، (متَّى 21: 9).

البون الزمني الهائل بين إبراهيم ويوسف رجل مريم هو أمرٌ بالغ الأهمية بالنسبة لمَتَّى. لذا، ومن خلال الأزمان المتلاحقة وهذه الأجيال المتعاقبة، يرسم مَتَّى بيراعٍ أخَّاذ خطاً بيانياً طويلاً ومتعرجاً جداً، وذلك لكي يغرس في السامعين شوقاً مقروناً بتأكيد على أن أقوال الأنبياء قد تمَّتْ في يسوع الذي وُلِدَ في بيت لحم اليهودية. لكن ما هو لُبُّ النسابة عند مَتَّى؟

يسوع هو جوهر هذه الشجرة الضخمة التي ذكر مَتَّى أسماءها. وهذا بداهةٌ عند مَتَّى لأن يسوعَ هو وريثُ عرش داوود، وهو نفسهُ المعنى الأخير لذرية إبراهيم (تك 12: 2)، والمَسِيَّا المُنتَظَر (يوحنا 9: 37)، (تثنية 18: 18-22)، ورأس الذُرِّية المختارة.

من الواضح عند مَتَّى أن لاهوت المسيح مغروسٌ في أعماق العهد القديم، فالكلام عن “كتاب ميلاد يسوع ….” (متَّى 1: 1)، هو أشبه بــ : “هذه مبادئ السموات ….” (تك 2: 4). “وأما ميلاد يسوع ….” (متَّى 1: 18)، فتقابل: “هذا كتاب مواليد ….” (تك 5: 1). وهذا يقودُنا تالياً إلى التجانس الكبير بين بِنْيَةِ رواية متَّى وبِنْيَةِ رواية التكوين، الأمر الذي نجده أيضاً عندما نقابل بين التكوين وإنجيل يوحنا.

وهذا التقابل بين مَتَّى والتكوين يجعلنا نتبين متَّى لاهوتياً كبيراً. ففي التكوين كان خلقُ آدم، بينما عند مَتَّى كان يسوع آدم جديد أو موسى الجديد كما هي عبارة بولس الرسول وهكذا فالتقابل بين العهدين عند مَتَّى لا يعود مجرد تقابُل بين العهدين القديم والجديد، إنما يُصبح انصهاراً، وذلك عندما يقول الرَّبُّ: “لا تظنوا أنِّي جئتُ لأنقضَ الناموس …” (متَّى 5: 17).

في معرِضِ الكلام عنن النسابة عند مَتَّى، قد يستغرب القارئ وجودَ ذِكرٍ لأسماء نساء، الأمرُ المُسْتَهْجَنُ في العقلية اليهودية إلا نادراً. تُرَى لماذا أتى متَّى على ذِكرِ “تامار الزانية، وراحاب، وراعوث، وبتشبع”؟ أولئكَ النسوةُ كُنَّ خاطئات، وقد ارتبطَ تاريخهن وسيرتهن بالضعف والمآثم. فراحاب زانية، وراعوث موآبية، وبتشبع غريبة الجنس. عند بولس الإلهي نجدُ تفسيراً لهذه الباقاتِ من الأسماء المختلفة: لا يوناني ولا يهودي، لا عبد ولا حُرّ، لا ذكر ولا أنثى … الكل واحد في المسيح (غلا 3: 28). في الرب يسوع يستطيع كل إنسان أن يكون رعيل القديسين.

ومع ذلك ليس كل المذكورين والمذكورات في نسابة متَّى من رعيل القديسين. أي أن البشرية كلها أسهمت في التحضير لمجيء المسيح. هذه هي رسالة متَّى لكل الأجيال، بدءاً من اليهود. جميعنا أعوزنا الخلاص، وجميعنا شُفِينا بالرافع خطايا العالم.

ثم أن مّتَّى قَسَّمَ الأجيال إلى ثلاثة، جاعلاً كلاً منها في أربعة عشر جيلاً، بحيث أنه حَوَى أجيال اليهود في (42) جيلاً: من إبراهيم إلى داوود، ومن داوود إلى جلاء بابل، ومن جلاء بابل إلى المسيح.

وإذا أردنا أن نفهمَ نَسَب يسوع عند مَتَّى، لابدَّ من مطالعة الأنساب في العهد القديم. فمتى اقتبسَ من راعوث (4: 18-22). ومن سِفر الأخبار الأول (1: 34)، (2: 15). لماذا هناك نسابتان؟

إن اختلاف نظريَّتَي النسابة عند متَّى ولوقا لا يشير إلى تناقض في المعلومات، بل إلى اختلاف في الزاوية التي منها ينظرُ كلٌّ منهما إلى النِسَابة. لوقا لا يخالف متَّى الذي ينادي بيسوعَ ابناً لداوود. يسوع يتَحَدَّرُ من سلالة الأجداد. لوقا يُقِرُّ بالنسابة حسب مَتَّى، ومَتَّى بدورِهِ، إذا شئتم، لا يرفض النِسابة عند لوقا. إن ما يدعو إلى فهم نسابة الاثنين هو الشريحة البشرية التي نُقِلَتْ إليها البشارة.

فبينما تَوَجَّهَ متَّى ببشارتِهِ إلى مسيحيين من أصلٍ يهودي، نجد أن لوقا توجه إلى جماعةٍ ليتورجية متجَذِّرةٍ في العبادة، الأمرُ الذي نتَلَمَّسُهُ في افتتاح إنجيل لوقا بالهيكل ونهايته داخل الهيكل أيضاً. إن وجودَ نسابة ذات شكلين، أو قُلْ نسابتين، ليس مدعاةً للتناقض، لأننا نقف في العهد القديم على سلسلتين من النسابة للشخص ذاتِهِ، مثلاً: نسب يهوذا، ونسب بنيامين.

لقد أراد متَّى ولوقا من هذين النسبين أن يُظْهِرا أن يسوع المسيح هو الوريث الشرعي للوعود الإلهية، لا سِيَّما وأن الاثنين ينتهيان في سلسلتيهما من النسابة عند يوسف خطيب مريم. فيسوع كان لابد أن يكونَ ابناً شرعياً من جهة الشريعة اليهودية. وكما أسلَفْنا، فإن معرفة وجهة بشارة متَّى ولوقا من شأنِها أن تعيننا على فهمِ الاختلاف بين شجرة الأنساب الواردة عند متَّى ولوقا معاً.

وليست هذه السلسلة من الأسماء – سواء حسب ترتيب متَّى أو لوقا – غير مهمة لاهوتياً. ليست هي شجرة عائلة كباقي الشجرات المعروفة في المجتمعات البشرية. فهي، في محتواها، لا تقوم على زَهْوٍ ومفاخرة. إنما الغاية منها الإثبات أن يسوع المسيح هو ابن داوود وابن إبراهيم. ففي يسوع يتحقق وعد الله لإبراهيم: “فيكَ تتباركُ جميعُ قبائلِ الأرضِ …” (تك 15: 3)، (تك 22: 18).

مَتَّى الإنجيلي كان يعي ذلك جيداً، ولا يعودُ من قيمةٍ في أن يُرجَعَ يسوعُ بالسلالة إلى إبراهيم. كذلك فإن الوعد بيسوع الذي سيأتي من نسل داوود، قديمٌ هو (2 صمو 7: 12)، (مزمور 89: 3)، (مزمور 132: 11). وهكذا، فإذا وُفِّقَ متَّى إلى خلق الدليل من أن يسوع هو ابن داوود وابن إبراهيم، فإن هذا سيجعل اليهود يتلهفونَ أكثر لسماع وقبول بُشرى الخلاص بالمسيح، مَسِيَّا المُنْتَظَر (يو 4: 25-26).

إلا أن متَّى يدركُ جيداً أن هذه الشجرة وهذه النسابة التي أتى على تحديدِها وذِكْرِها لا تحوي أغصاناً يهودية وحَسْب، بل فيها أغصان غريبة وغير يهودية. إنها أغصان من الأمم أيضاً. فيها من الفقراء ومن الأغنياء، من الملوك ومن عامةِ الناس، فيها زُناةٌ وفيها أطهار. لماذا؟ لماذا هذا التنويع في افتتاحية الإنجيل؟ كيف سيفهمه اليهودي؟ هل هو صدمة لليهود الذين يستمعون للبشارةِ ظانين أن الشجرة العائلية لهم؟ كيف سيتقبلون هذا التنويع؟ كيف تنسجم هذه الحقيقة مع معطياتهم وحياتهم؟

لماذا هذا التنوع كما يفهمه مَتَّى؟

الغرض من ذِكرِ التنويع هو على غايةٍ من الأهمية، فهو يعني أن النعمة الإلهية لا تجري في دماء العظماء من الناسِ فَحَسْب، وأن الخلاصَ الذي من اليهود ليس حِكْراً عليهم. إنه لجميع الذين يتوبون إلى الله، لأنه لا يهودي ولا يوناني … بل “الكل واحد في المسيح” (غلا 3: 28). ماذا نعرفُ عن التنويع الوارد في افتتاحية متى؟

نلاحظ، إذا دَقَّقْنا، أن بين أجداد الرب أُناساً كان لهم أُخْوَة. ونلاحظ أن يسوع لم ينحدر إلا من الأخ الأصغر فقط كإبراهيم ويعقوب ويهوذا وداوود وناثان ويسَّى … ما معنى هذا؟ هذا يُعْني أن الربَّ لم يأتِ من بَرَكةِ الباكورية، بل من إرادة الله. فالله يعطي الناقصين كرامةً حسب قول الرسول (1 كور 12: 24).

ويتضح بما لا يقبل الشك أن إنجيل متَّى كُتِبَ إلى جماعة يهودية، فالافتتاحية الدقيقة يستحيلُ أن تكونَ لغير اليهود، وإلا فلماذا التدقيق في الأسماء؟ الجماعة التي يخاطبها متَّى تأثر نمطُها بالعُرْفِ اليهودي. إلا أن هذه الجماعة هي في جوهرِها مسيحية وأعضاؤها أحياء في الكنيسة التي بناها يسوع المسيح ابن الله الحي (متَّى 16: 16). هذه الجماعة تتلمذت على البشارة الخلاصية التي تَمَّتْ في يسوع (متَّى 11: 29)، (متَّى 23: 8). إنها جماعةٌ تدرك عمقَ اتصالِها بالوصايا والناموس، لكنها تعرف، في الوقتِ نفسِه، أن يسوع كَمَّلَ الناموس (متَّى 5: 17-18).

جماعة إنجيل متَّى هي جماعة صوفية وعلى درجة عالية من الفهم الروحي. وتستطيع عندما تسمع أن تُصغي إلى عمق رسالة التطويبات (متَّى 5: 1-12). جماعة متَّى هم يهودٌ حكماً، لكنهم استطاعوا بقوة الروح القدس أن يَخْرجوا من قمقم التقوقع إلى رحاب الحياة في المسيح. لكن مع ذلك، فهم ما يزالون في العبادة يراعون السبت (متَّى 12: 1-8). وهذا ليس بغريبٍ حتى الساعة. إذ ليس من السهل على الإنسان أن ينفطم عن ماضيه بكل دقائقِه وتفاصيلِه دفعةً واحدة.

الانفطام المرجو لا يتحقق إلا بقوة المسيح وتدريجياً، لأننا بشر. جماعة متَّى يهودٌ، لكنهم ليسوا متقوقعين، لأنهم فتحوا قلوبَهم لسماع كلام الحياة والكمال (متَّى 5: 48). إنهم أناسٌ انجذبوا لعذوبةِ غفران الخطايا (متَّى 18: 22). لقد نجحوا كشعبٍ في تَخَطِّي ذواتهم، الأمر الذي جعلهم بحق الباب إلى عالم الوثنيين (متَّى 28: 19)، ويمكن أن يُعَوَّلَ عليهم في نقل البشارة إلى كل مكان من العالم. لقد أدركَتْ هذه الجماعة فرادة المسيح، فشرعَ أفرادُها ومن يحذو حذوَهم في دعوة الوثنيين لدخول الكنيسة.

ثم أن الوثبة إلى خارج الإطار اليهودي، في متَّى، تتجلى بوضوحٍ في الكنعانية (متَّى 15: 21-28) التي سكَبَ الربُّ عليها نعمته، فمنحها الشفاء. وهكذا يتبين من “متَّى” أن المسيح ليس حِكراً على أحد، وأنه يعطي كلَّهُ لأحبائه التائبين، حتى ولو أنه، كما نرى، يرفض أن يُعْطِي خيراتِ أهل البيت للكلاب (متَّى 15: 21-28). إلا أن ما يدعو إلى التناقض في “متَّى” هو ما نطالعه في الخاتمة: “اذهبوا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل” (متَّى 10: 5-6). كيف نفهم التناقض، وكيف نرفعه؟

يسوع جاء إلى اليهود أولاً دون أن ينحصرَ فيهم. ليس من مشكلةٍ في أن يكون مجيئه لليهود أولاً، فهو سيكون لسواهم أيضاً، إذ لا يهودي ولا يوناني … بل الكل واحدٌ في المسيح. وهكذا فقوله: “اذهبوا إلى الخراف الضالة من آل إسرائيل” (متَّى 10: 5-6)، لابد أن تأتي في السياق، قبل “اذهبوا إلى كل الأمم …” (متَّى 28: 19-20). لماذا؟ لأن الربَّ “إلى خاصَّتِهِ جاء، لكن خاصَّتُهُ لم تقبله”. أما الذين قبلوه، وهم التائبون، فقد أعطاهم أن ينعموا بالحياةِ الأبدية التي عنده.

إلا أن هذه الوثبة من اليهودية إلى الأممية، من الجزء إلى الكل، تحتاج في الحقيقة إلى ما هو فوق قدرة الناس كي تتحقق. الانفتاح الحقيقي على الشعوب، والخروج إليهم بالحب، هو مِنْ عطايا الله. والبشرية، حتى إشعارٍ آخر، ما تزال رازحةً وراسخةً في الفئوية والتقوقع. وهكذا فالروح القدس هو الذي وحده يقدر أن يقنع اليونانيين (أعمال 6: 1-7)، (أعمال 10)، (أعمال 11). كذلك فإن المَدَّ البشاري من الإطار اليهودي إلى الإطار العالمي كان بحاجةٍ أيضاً إلى أطرٍ أرضيةٍ أخرى كديناميكية كنيسة أنطاكية مثلاً، وذلك لتبشير غير اليهود (أعمال 11)، (أعمال 19).

إلا أن شمولية الرسالة المسيحية لن تتضحَ إلا بعد مجمع أورشليم سنة 50 م. (أعمال 15).

بعد هذا، من البديهي أن يلاحظَ القارئ فرادةً إنجيل متَّى وغزارةَ اقتباساتِه من العهد القديم، وعمق الوحدة القائمة بين إنجيل متَّى والعهد القديم، الأمر الذي سنتبينُه تِباعاً.

من أشعيا (7: 14) نصل إلى (متَّى: 1: 22). (متَّى 2: 5) تُقابلُ (ميخا 5: 2). (متَّى 2: 11) تقابل (أشعيا 49: 23)، (أشعيا 60: 22). (متَّى 2: 12) تقابل (مزامير 72: 10-15). (متَّى 2: 15) تقابل (هوشع 11: 1) “من مِصرَ دعوتُ ابني”. (مَتَّى 2: 17) تقابل (أرميا 31: 15). (متَّى 2: 21) تقابل (خروج 4: 19).

(متَّى 3: 3) تقابل (أشعيا 40: 3). (متَّى 3: 4) تقابل (4 ملوك 1: 8). (متَّى 3: 12) تقابل (أشعيا 41: 16). (متَّى 3: 16) تقابل (أشعيا 42: 1). (متَّى 4: 1-2) تقابل (خروج 24: 18) و (خروج 34: 18). (متَّى 4: 14) تقابل (أشعيا 8: 23). (متَّى 5: 1-8) تقابل (مزمور 36: 11) و(تكوين 13: 15) و(أشعيا 61: 2-3) و(سيراخ 23: 21) و(أشعيا 51: 1). (متَّى 5: 31) تقابل (تثنية 24: 1). (متَّى 6: 29) تقابل (3 ملوك 10: 1-29).

(متَّى 6: 33) تقابل (أشعيا 51: 1). (متَّى 8: 17-18) تقابل (أشعيا 53: 3). (متَّى 10: 37-38) تقابل (تثنية 33: 9). (متَّى 11: 2-3) تقابل (تثنية 18: 15). (متَّى 10: 11) تقابل (ملاخي 3: 1). (متَّى 15: 8) تقابل (أشعيا 29: 13). (متَّى 13: 14) تقابل (أشعيا 6: 9-10). (متَّى 15: 8) تقابل (أشعيا 29: 13). (متَّى 16: 19) تقابل (أشعيا 22: 22). (متَّى 17: 5-7) تقابل (خروج 13: 22). (متَّى 18: 12-14) تقابل (حزقيال 34: 1).

(متَّى 21: 5) تقابل (أشعيا 62: 11) و(زكريا 9: 9) و(تكوين 49: 19) و(3 ملوك 1: 33) و(4 ملوك 9: 13). (متّى 21: 13) تقابل (أشعيا 56: 6) و(أرميا 7: 11). (متَّى 21: 33-46) تقابل (أشعيا 5: 1-7). (متَّى 22: 44) تقابل (مزمور 109: 1)، “قال الربُّ لرَبِّي …”. (متّى 24: 29-30) تقابل (أشعيا 13: 9-10).

(متَّى 24: 36) تقابل (أشعيا 15: 6). (متَّى 25: 33-34) تقابل (أشعيا 58: 6-8). (متَّى 26: 14-16) تقابل (زكريا 11: 12). (متّى 25: 32) تقابل (زكريا 13: 7). (متَّى 26: 67-68) تقابل (أشعيا 52: 14) و(أشعيا 50: 6). (متَّى 27: 14-15) تقابل (أشعيا 53: 7). (متَّى 27: 38) تقابل (أشعيا 53: 12).

أخيراً، أخي القارئ، إن الاقتباسات التي طالعتَها، وأرجو أن لا تكونَ قد ملَلْتَها، ليستْ إلا غيضاً من فيض، وليستْ إلا صورة صغيرة عن وحدة العهدين.

في الختام، نتبين من مطالعة إنجيل متّى أن يسوع وارث العالم القديم أيضاً، لهذا فقد جرينا في عبادتِنا على عادة التعييد للأجداد وللآباء. يسوع اجتذبَ الكلَّ إليه، فتَطَلَّعوا إليه، وهو نفسه يؤكد في يوحنا أن هناك كثيرين من خارج الحظيرة ينبغي أن يأتي بهم أيضاً. مع نهاية رواية متَّى، ندركُ أن الانطلاقةَ كونيةٌ لبُشْرَى الخلاص، لأن الفداء كان من مقاصد الله للجميع. وهكذا فالمسيح غير مُقَيَّدٍ بالخط الخلاصي الذي بدأ بإبراهيم، لأنه وهبَ نفسَه للأممِ أيضاً، وهذا ما ندركُه ونحن نطالع أعمال الرسل.

في إنجيل متَّى نرى علاماتٍ على كونية الحب الإلهي في صورةِ المجوس وفي صورةِ الكنعانية. يسوع ليس إله الإطار اليهودي، ولم يكُنْ يوماً إلهاً قَبَلِيَّاً أو زعيماً على شعبٍ دون سائر الشعوب.

في متَّى ندركُ كونيةَ الكنيسةِ أيضاً، والتي هي دعوة الجميع كي يكونوا شعب الله. في متَّى ندركُ أن ليس ذكرٌ ولا أُنْثى، لا يوناني ولا يهودي، الكلُّ واحدٌ في المسيح الذي بهِ ولهُ ومن أجلِهِ كان كل شيء (عب 2: 10).

([1]) genealogy

وحدة العهدين في إنجيل متى

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

 

وحدة العهدين من خلال الرسالة إلى العبرانيين

وحدة العهدين من خلال الرسالة إلى العبرانيين

وحدة العهدين من خلال الرسالة إلى العبرانيين

أدهشني بينما كنت أطالع الرسالة إلى العبرانيين، هذا التواصل العميق بين العهدين القديم والجديد، وهذه الطقسانية المتنامية والمتصاعدة نحو يسوع المسيح الكاهن الوحيد الذي لا نهاية لكهنوته. صحيح إن هذه الطقسانية كانت تكبر وتنمو جنباً إلى جنب مع الكهنوت اللاوي، إلا أنها كانت في حركة امتداد نحو الآتي في ملء الزمان. يستحيل ان تكون الطقسانية في العهد الجديد مكتفية بذاتها، لأنها لابد أن تكون عندئذ في حدود الممارسات التي لا معنى لها. الطقسانية لغة وتعبير. انها إطار للحضور الإلهي.

وتتفرّد الرسالة إلى العبرانيين بين كل اعمال العهد الجديد في تسمية يسوع الحبر الأعظم وباني البيت (عب 3: 1– 3)، (عب 4: 13– 14)، لا بل تسميه ” الكاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق” (عب 7: 1– 3). وكل هذا يأتي بعد تدرج في الطقوس وممارسة للعبادة تستمر حتى بلوغ الذروة في يسوع. الطقوس في العهد القديم تمهّد لمجئ المسيح. ولا معنى لها غير ذلك.

وتبدو هذه الرسالة متميزة على صعيد الكهنوت ايضاً، بحيث انها ترسم لنا في العمق وحدة العهدين القديم والجديد من خلال الكهنوت والطقوس بآن معاً. فالكهنوت ينتهي بالكاهن الأعظم يسوع؛ أما الطقوس فتصبح إطار الحضرة الإلهية، وفرصة لاستنزال الرضوان الإلهي، االأمر الذي نأتي إليه من خلال تعارفنا على التكريس. وكأن هناك في الطقوس اليهودية غسل طقسي للتطهر من كل ما هو غير مقدس، ومسحة تسم الإنسان بالقداسة، وثياب خاصة تعبر إذا عبّرت، عن إنتماء الإنسان إلى عالم القدسيات، مع ذبائح وقرابين، وغيرها….

ولا يمكن لمن يطالع الرسالة هذه الا ان يتوصّل إلى امر مفاده ان الكتب المقدسة كلها تمت في يسوع. فموت يسوع على الصليب يؤلف في حد ذاته غاية العمل النبوي. من جهة (موسى في التجلي كان يسأل الرب عن الآلام التي كان سيتكبدها في اورشليم). كذلك فإن ذبيحة الصليب عي من جهة ثانية تجاوز كامل للعبادة القديمة، وكأن في ذلك اشارة إلى قطيعة بين العهدين مرتقبة، وهي ليست في الحقيقة قطيعة بل تجاوز وسمو للجديد على القديم.

ويشعر المرء من خلال الرسالة إلى العبرانيين ان تدبير الله واحد ومتواصل في العهدين. كل هذا يأتي بنا إلى السؤال عن هوية الجماعة التي توجهت إليها الرسالة إلى العبرانيين. لمن كانت هذه الرسالة؟

قد لا نوفق في النهاية إلى تحديد هوية هذه الجماعة، إلا انها بكل تأكيد، ومن خلال هذه الرسالة نفسها، تبدو شديدة التعلق بالطقوس، لا بل على درجة كبيرة من العمق. لقد توصل هؤلاء إلى فهم سرّ المسيح من خلال الطقوس اليهودية. المؤسسات الدينية اليهودية قابلة للإنفتاح على المسيح ويمكنها أن تقود الناس إليه. يبدو من الرسالة هذه ان الطقوس اليهودية والشعائر الدينية العامة مهدت لمجيء المسيح واعدت الناس لإستقباله. في النهاية كان يسوع معنى هذه الطقوس وغايتها.

بعد هذا لا يبدو غريباً ان توجه الرسالة إلى جماعة سميت بالعبرانيين، لاسيّما انها تتجذر وتتعمق في الكلام عن الطقوس الدينية اليهودية. ولكن من الأكيد ان هذه الجماعة لم تنكمش على ذاتها ولم تنغلق كسائر الإسرائيليين الذين قال فيهم الرب: “إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله”. انما على العكس، فالجماعة المؤمنة في هذه الرسالة، وصلت إلى المسيح عبر الطقوس اليهودية، وعبر كهنوت لاوي، لا بل ايقنت من هو ملكيصادق الحقيقي.

وتبدو الرسالة إلى العبرانيين فريدة في الكلام عن يسوع الكاهن، فتسميه عظيم الكهنة (عب 3: 1)، وتقارب بينه وبين موسى، فتجعل موسى الأمين على البيت، بينما يسوع هو باني البيت وصاحبه (عب 3: 1– 6). ترى كيف تنظر الرسالة هذه إلى الكهنوت؟

انها تبدو مسيرة طويلة تجتاز فيها الطقوس اليهودية والذبائح درباً طويلة. ولو حاولنا ان نفكّر في سبب نشأة هذه المؤسسة الكهنوتية، لوجدنا انها ترمي إلى بنيان الأفراد في بودقة الجماعة. غاية الكهنوت هو جمع شمل الجماعة، وشد ازرهم من اجل ارتقائهم إلى الله. كل كهنوت يجب ان يضطلع بهذا الشأن، من هنا يجوز القول ان الكاهن وسيط بين الله والناس.

في الحقيقة، يؤمن شعب اسرائيل اسوة بسائر الشعوب القديمة، بوجوب الإلتصاق بالمطلق. لقد أدرك جميع الشعوب ان اللقاء بالعلي مستحيل بدون تحول جذري يطال اعماق الكيان. وهكذا جاءت الطقوس ترتيباً يندرج ويربىّ في خط السير نحو الله.

وفي إسرائيل أمر فريد، فقد فصل أحد الأسباط: سبط لاوي. هذا السبط فرز لخدمة الهيكل: خدمة الله. وفي هذا السبط فصلت عائلة وكرست تكريساً خاصاً لهذا الغرض. ومن هذه العائلة اخذ الكاهن. اي ان الكاهن كان في الممارسة اليهودية يفرز من الدنيا ليتكرس للحضرة الإلهية. ولكن لماذا كان يتوجب على الكاهن ان يقرب الذبائح؟ السبب بسيط: انه يعجز عن العبور إلى عالم الله.

لهذا فقد فرضت عليه الطقوس ان يقدم الذبائح. من هنا كانت العبادة القديمة بالواسطة. امامنا سؤال كبير حول علاقة العبادة القديمة بذبيحة المسيح؟ لاسيّما وان العهد الجديد لم يورد لنا ان يسوع كاهن، او انه ادعى الكهنوت. انما على العكس نلاحظ ان نشاط يسوع جاء مكملاً للخط النبوي الذي كان ينبئ باقتراب دخول الله في صميم تاريخ الإنسان.

لقد ظنّ القدماء ان المؤسسة الكهنوتية يمكنها ان تكون مكتفية بنفسها. اقتنع الكثيرون من القدماء ان الشعائر كانت تكفي في ذاتها. إلاان يسوع كما يبدو لنا في العهد الجديد، سار في منحى مغاير للمفاهيم الطقسية اليهودية حيث انه لم يكمّلها فقط، بل تصرف بخلافها (متى 9: 10)، فرفض ان يولي السبت كل الإهتمام جاعلاً الإنسان فوق السبت (متى 12: 1)، (يوحنا 5: 16). لقد قاوم يسوع خصومه مؤكداً كلام هوشع: “أنى اريد رحمة لا ذبيحة” (هوشع 6: 6).

من هنا لا يمكن ان يكون يسوع كاهناً وحسب، والا كان امتداداً طبيعياً للكهنوت القديم، وذلك لأن كهنوت يسوع مغاير تماماً لكهنوت لاوي، رغم كل ما للكهنوت من قيمة في شد الجماعة إلى المسيح وتحضيرهم لتقبله.

وهنا نسأل عن معنى ذبيحة المسيح: لم تكن هذه الذبيحة الطاهرة ذبيحة بمفهوم العهد القديم. فيسوع لم يذبح في الهيكل، بل في مكان بعيد عن الهيكل. لم يكن موته في إطار طقسي، بل عومل كمجرم. كان موت المسيح أقرب إلى العقاب منه إلى الذبيحة.

لقد ادخلت الرسالة إلى العبرانيين كهنوت المسيح لتحدث تغييراً ملحوظاً، وتمايزا واجباً، بين العهدين، رغم إيماننا ان الطقوسية اليهودية مهدت لمجيء المسيح. بهذا المعنى تبدو المسيحية، لغير المسيحي، وكأنها دين بدون كهنوت. ولكن كيف نقبل هذا الكلام، وكيف نفهم سرّ المسيح خالٍ من البعد الكهنوتي؟ بكلام آخر هل في المسيحية كهنوت؟

في الحقيقة نستطيع ان نتلمس من العهد القديم معالم الجواب. ارميا مثلاً ذهب بشجاعة إلى حد القول بخراب الهيكل (ارميا 7: 12- 14). لكنه تنبأ في الوقت نفسه ان اللاويين سيكون لهم من يخلفهم لتقريب الذبائح (ارميا 33: 82). ثم جاء ابن سيراخ واكد ان لكهنوت هرون امتداد عهد ابدي (45: 7 و15 و24- 25). وكان يتكلم عن تجدد الكهنوت مع مجيء المسيح (ملا 3: 3). هناك كتابات تؤكد ان الأوائل كانوا ينتظرون كاهناً من نوع انقضائي. ولنا في اكتشافات قمران دليل على ذلك من خلال “رجل البر”. ما معنى هذا الكلام؟

انه يعني ان القدماء بحسب الرسالة إلى العبرانيين، وبحسب إيمان الكنيسة رأوا في يسوع الآتي وجهاً كهنوتياً. ولكن هنا يبرز التناقض: إذا كان يسوع امتداداً للكهنوت اللاوي فما جدواه؟ و إذا لم يكن كاهناً فكيف جاء بكهنوت لاوي إلى الملء؟ كيف نفهم القفزة من كهنوت لاوي إلى كهنوت المسيح؟

لا يمكن القول ان الرسالة إلى العبرانيين بدأت من العدم، فهي بكل تأكيد رسالة اخذت بأجزاء مختلفة من العهد الجديد. يستحيل ان يكون كاتب العبرانيين غريباً عن العشاء السري (متى 26: 28). لا بل هناك ربط دقيق بين موت يسوع والذبيحة الطقسية التي قربها موسى (خروج 24: 6- 8). نحن مثلاً لا نفهم لماذا يربط بولس بين الافخارستيا المسيحية والاشتراك في ذبائح الأوثان (1 كور 10: 14-22). لكن بولس يسارع إلى تعليمنا قائلاً: لقد ذبح حمل فصحنا” (1 كور 5: 7).

اجل في المسيحية كاهن، وفيها كهنوت. إلا انه كهنوت فريد. فيسوع هو الذابح والمذبوح كما تقول الرسالة إلى العبرانيين. يسوع هو القربان الحي المذبوح لله (اف 5: 2). يسوع كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق كما يقول كاتب العبرانيين. وسفر التكوين يقول ان ملكيصادق كاهن دون أن يذكر له اب او ام أو نسب. وهذا غريب، فالنسب كان مهماً جداً في العهد القديم. كهنوت يسوع لم يعط له بالوراثة بل بفضل عملية التحويل المجيدة التي في القيامة. “ونعلم ان المسيح بعدما اقيم من بين الأموات، لن يموت ثانية” (روم 6: 9).

يسوع هو الكاهن، لأنه الكاهن الأوحد، فهو وحده فتح للبشر الطريق إلى الله. في يسوع فقط تحول وجودنا من هشاشة إلى نور.

يسوع يأتي في ملء الزمان (غلا 4:4)، (عب 1: 1)

يستحيل الفصل بين العهدين، القديم والجديد، دون الإساءة لكليهما. فالفصل هذا، من شأنه ان يزّيف مضمون الاثنين معاً وذلك من خلال تمزيق اللحمة التي بينهما. وهذا التمزيق او الفصل، من شأنه، في الوقت ذاته، ان يلغي رسالتهما، ويعطل معناها ودورها، لماذا؟ لأن الفصل المزعوم، يجعل كلا من العهدين غامضاً ومبهماً.

العهدان متكاملان، فتاريخ الإنسان مع الله، بدأ في العهد القديم لا في العهد الجديد. كذلك فإن خلاص الإنسان تحقق في يسوع الرب في العهد الجديد لا في العهد القديم.

ونسمع في العهد الجديد، في رسالة القديس بولس إلى اهل غلاطية، ما يلي: “لما حان ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس ليفتدي الذين هم تحت الناموس، لننال التبني…” (غلا 4: 4). هذا النصّ يتناغم في العمق مع مثل الكرامين القتلة (متى 21: 33- 42). الكرامون الصالحون يعملون لحساب الكرام، ويؤدون له الثمر في اوانه. ترى كيف تقوم المقابلة بين النصين (غلا 4: 4) و(متى 21: 33- 42)؟

الجواب نجده في قول الرب نفسه: “أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رذله البناؤون هو الذي صار رأس الزاوية” (متى 21: 44).

ملء الزمان يأتي مع يسوع. اي ان هناك زمناً متدّرجاً ومتصاعداً كان يتحرك إلى هذا الملء، وقبل مجيء الملء. وفي هذا الزمن المتصاعد كان الله يكلمنا بالأنبياء، إلى ان كلمنا في آخر الأيام (عب 1: 1) بابنه الحبيب نفسه. في آخر الأيام جاء الابن، فقتلوه، كما قتلوا الذين جاؤوا قبله واعدّوا له. إذاً التناغم بين (غلا 4:4)، و(متى 21: 33- 42) قائم وكبير. للمزيد راجع (اعمال 1: 7) (مرقس 1: 15)، (1كور 10: 11)، (افسس 1: 10)، (عب 1: 2، عب 9: 26)، (1بطرس 1: 20).

نتبيّن من هذه الإقتباسات الكتابية المذكورة ان هناك عملية ارتقاء وتدرّج طويلة وعميقة ومعقدة، الأمر الذي يشير إلى استحالة الفصل بين العهدين، او اكتفاء كل منهما بنفسه. يستحيل ان ينغلق العهد القديم على نفسه، او العهد الجديد على نفسه. تاريخ الخلاص لا بد أن يكون على إتصال بتاريخ السقوط، وإلا خطأنا الله، وأعلناه كاذباً، فهو نفسه سبق ان وعد آدم بالخلاص.

ان اقوال الأنبياء لجديرة بالتقدير، فهي تأتي لتتوَّج بمجيء الابن. لقد اعدّنا الله بالأنبياء، كي يكلمنا بالابن (عب 1: 1) وعليه، فالعهد القديم يحمل في اعماقه طابع الإمتداد. انه كتاب اتجاهي directional. واتجاهيته(1)[i] في حركة نحو الملء في يسوع المسيح الذي من اجله كل شيء، وبه كل شيء (عب 2: 10)، (عب 1: 3).

إنن عزل القديم عن الجديد، لا بل قل فصله والغاءه، يدفعنا بالضرورة إلى الكلام عن إلهين، لا عن إله واحد: وهذا ما يستعدعي وجود إله للعهد القديم وهو ما يعرف باسم ((ديميورغوس: الخالق))، واله آخر في العهد الجديد وقد عرفناه في يسوع المسيح. فإذا كان إله العهد القديم غير إله العهد الجديد، عندها من الواجب ان نسأل: ومن هو الذي تكلم عنه الإنبياء منذ القديم؟ ألا يعني الفصل انهم تكلموا عن إله لا وجود له؟

والفصل بين العهدين من شأنه أيضاً ان يجعل يسوع الله بالنسبة للمسيحيين، عديم الصلة بالعهد القديم. اي لا تعود ألوهيته على كل الزمان ماضيه وحاضره ومستقبله (وهذا ما ينتقص من قدرته كإله).

يسوع جاء في ملء الزمان. لماذا نقول الملء؟ ما معنى الملء (pleroma

الملء هو الذروة. انه غاية الصعود والإرتقاء. العبارة تشير إلى مجيء اوان الخلاص بعد ان انتظره الناس زماناً طويلاً (اعمال 1: 7)، (عب 1: 2)، (1 بطرس 1: 20).

(1) See «The face of Christ in the Old Testament», by G. Barrios, SVS, P: 35.

وحدة العهدين من خلال الرسالة إلى العبرانيين

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

سلسلة كيف أتوب -2- معنى التوبة في العهدين.

تابــــــع سلسلة كيف أتـــــوب – الجزء الثاني
التوبة ربيع الإنسان وتجديده المستمر
ثانياً: معنى التوبــــــــــــة في العهدين
للرجوع للجزء الأول أضغط هنا.
  • [2] معنى التوبة في الكتاب المقدس

التوبة لها عدة معاني من أهمها:

  • (1) تغيير العقل والفكر
  • (2) الشعور بالندم والتأسف على الزمن الضائع في حياة الفساد، لأن هنا أدرك الإنسان ضياع حياته
  • (3) التحول في الاتجاه والطريق، التحول عن الخطية بعيداً والعودة إلى الله ومن ثمَّ بداية التغيير الأخلاقي حسب وصية الله

والمعنى الأخير هو المشهور والهام في الكتاب المقدس، وهذا المعنى له شقين، سلبي وإيجابي:

  • الجانب السلبي = البُعد عن الخطية وعناد القلب ضد التوبة، وعدم الاستمرار في الخطية
  • الجانب الإيجابي = العودة والرجوع لله الحي، والبدء في حياة جديدة بنعمة الله تظهر ثمارها في التغيير الملحوظ في الأخلاق والتعلق بالله والحياة بالوصية، وهذا الجانب يظهر في حياة الابن الضال
  • أولاً – التوبة في العهد القديم:

نلاحظ أن التعبير الشائع في العهد القديم عن التوبة هو: 
1 – [ العودة أو الرجوع ]، ففي توبيخ إرميا النبي لحماقة شعب الله يقول: [ هل يسقطون ولا يقومون أو يرتد احد ولا يرجع ] (إرميا 8: 4)
2 – يوجد تعبير آخر أقل شيوعاً وهو: [ يندم ويتوب ] 
واستقر الفهم في المعنيان في (1، 2) على العودة إلى الله والتحوِّل إليه، بعد تغيير في الفكر الذي ترسخ فيه ضرورة العودة لله لأجل الخلاص والحياة وأن الشرّ لا ينفع لأنه يدمر النفس، وهذا يأتي عادة بعد خبرة حياة الشرّ والشعور بعدم منفعته لأنه الشر بطبيعته مُدمر لملكات النفس على كل وجه…
فإسرائيل مدين بطاعة الله لأنه هو حياته، لأنه شعبه الخاص الذي أحبهم ويحملهم ويقودهم حسب قصده كأحباء أخصاء له، لذلك يقع في الدينونة في حالة العصيان وتنكيث العهد، ويُمكنهم إرضاء الله بالندم والتأسف على ما فعلوا ومن ثمَّ الرجوع إليه بالتوبة والاعتراف بخطاياهم وذنوب آبائهم، وتوجد أيام للتوبة في إسرائيل لكافة جموع الشعب نجد ملامحها في نحميا 9: [ وفي اليوم الرابع والعشرين من هذا الشهر اجتمع بنو إسرائيل بالصوم وعليهم مسوح وتراب، وانفصل نسل إسرائيل من جميع بني الغرباء، ووقفوا واعترفوا بخطاياهم وذنوب آبائهم، وأقاموا في مكانهم وقرأوا في سفر شريعة الرب إلههم رُبع النهار وفي الرُبع الآخر كانوا يحمدون ويسجدون للرب الههم… وصرخوا بصوت عظيم إلى الرب إلههم ] (نحميا 9: 1 – 3)
ونجد هنا علامات التوبة واضحة من الناحية العملية على المستوى الواقع العملي المُعاش:

وهذه كلها لا يخرج عنها العهد القديم في كل حركات التوبة الحقيقية لشعب إسرائيل..
ولو كملنا في هذا السفر ورأينا الصلاة بعد ذلك، فسنجد أن هذه الصلاة مثال الصلوات التي تخص التوبة وفيها تذكُّر مراحم الرب لإسرائيل وعمله معهم، ثم التضرع للرب لأجل الرحمة والنجاة، ثم الميثاق وقطع العهد مع الله بتقديم توبة صادقة مع التعهد بالتزام بنودها وصدق الأمانة لله…
ونجد أيضاً هذا ظاهر في باقي الأسفار فيقول إشعياء النبي عن مراحم الله: 

ثم نجد عاموس يُعبِّر عن رفض الرب للعبادة الشكلية الكاذبة ليُطالب بالتوبة الصادقة، لأن التوبة الحقيقية تخرج الإنسان من شكل العبادة إلى جوهرها كروح وحياة لتدخل في حيز التطبيق العملي على مستوى الخبرة والشركة مع الله الحي والقديسين، فيقول: 

ونجد في العهد القديم أنه يركز على وعد التوبة من نوع جديد ثابت، لأن كل ما حدث لشعب إسرائيل قديماً انهم لم يثبتوا في عهد التوبة مهما كان صدقهم، وذلك لأنهم لم يتغيروا ويدخلوا في سرّ الحياة الجديدة، لذلك العهد القديم ركز على وعد التجديد، تجديد الحياة.

ولنلاحظ هنا عجز الشعب في تتميم هذا، لأن حزقيال يتكلم بروح النبوة، والله بهذا يكشف للشعب أنه لن يستطيع أن يعمل لنفسه قلب جديد ولا روح جديدة، وحدث فعلاً أن الشعب عاد لله كثيراً ولكنه سرعان ما يرتد مرة أخرى ويتعوج طريقة، وعادة نجد الرجوع لفترات قصيرة جداً ومحدودة، والبعد طويل للغاية لفترات قد تجتاز السنوات الطويلة والتي قد تعبر على أجيال، وهذا يوضح عجز الإنسانية الواقعة تحت سلطان الموت، لذلك نجد أن حتى داود النبي والملك الذي وجد الله قلبه صالح، يصرخ قائلاً: [ قلباً نقياً أخلق في يا الله، وروحاً مستقيماً جدد في داخلي ] (مزمور 51: 10)

+ ونجد أن الأسفار تُعلن أن التوبة الحقيقية الفاعلة في قلب الإنسان لن تأتي إلا نتيجة الفداء الإلهي حسب الوعد الأول الذي ظهر فور سقوط آدم (نسل المرأة يسحق راس الحية)، لذلك يقول إشعياء النبي بروح النبوة عن المواعيد لإسرائيل: [ قد محوت كغيم ذنوبك وكسحابة خطاياك. أرجع إليَّ لأني فديتك ] (إشعياء 44: 22)
ويقول إرميا النبي: [ بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب. أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً ] (إرميا 31: 33)
ويقول حزقيال: [ وأعطيهم قلباً جديداً وأجعل في داخلهم روحاً جديداً، وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم ] (حزقيال 21: 19)

نجد أن أول افتتاحية للعهد الجديد هو نداء التوبة، لا من ناحية الفكر بل من الناحية العملية على مستوى واقع الإنسانية المتعبة التي تصرخ بصمت وأنين قلبي خاص من الألم الموجع الذي لتسلط الخطية بالموت، لذلك نجد يوحنا المعمدان يستمر في إعلان متطلبات التوبة لتهيئة القلوب لتتميم الوعد وظهور الحياة الجديدة في حمل الله رافع خطية العالم، الذي وحده من اجتاز الموت ليكسر شوكة الخطية ويبيد سلطان الموت ويهدم قوة المُعاند أي إبليس ليفلت الكل من يده ولا يكون له سلطان على أحد إلا من يسلمه نفسه بإرادته الواعية ولا يُريد أن يدخل في سر عتق المسيح الرب…
لذلك نجد نداء القديس يوحنا المعمدان نداء من نوع خاص يُظهر فيه متطلبات التوبة في بداية العهد الجديد لذلك يقول: [ فاصنعوا ثماراً تليق بالتوبة، ولا تفتكروا (تتحججوا) أن تقولوا لنا إبراهيم أباً، لأني أقول لكم أن الله قادر أن يُقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم. والآن وُضِعت الفأس على أصل الشجرة، فكل شجرة لا تصنع ثماراً جيدة تُقطع وتُلقى في النار ] ( متى 3: 8 – 10)

ولو ركزنا في كلام القديس يوحنا المعمدان فأننا نُلاحظ أنه يُوجه الناس للتوبة الحقيقية على مستوى الواقع العملي لا النظري، وينفي كل حجة تُقال من جهة الافتخار بالانتساب لله عن طريق إبراهيم أب الآباء الذي حُسِب إيمانه براً، وهذا ما نفعله على المستوى الشخصي أحياناً بظني إني أحيا مع الله ولا حاجة لي للتوبة لأني ابناً لله كمسيحي والله قبلني ويقبلني في أي وقت وساعة، وذلك لأني آمنت به وأحيا معه، مع إنني أحتاج لأن أتوب وأتغير باستمرار ويظهر هذا كثمر في حياتي الشخصية عملياً وليس مجرد كلمات تُقال وألفاظ يُنطق بها معتمداً على لطف الله وطول أناته وأعمل ما شئت أنا:

  • [ أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته غير عالم أن لُطف الله إنما يقتادك إلى التوبة ] (رومية 2: 4)
  • [ فهوذا لطف الله وصرامته، أما الصرامة فعلى الذين سقطوا، وأما اللطف فلك أن ثبت في اللطف، وإلا فأنت أيضاً ستُقطع ] (رومية 11: 22)

والقديس بولس استلهم هذا الوضع وأظهر فضيحة قلب الإنسان الذي يتكل على أشياء في مضمونها رائع ولكن في جوهرها هروب من واقع الحياة حسب الحق الذي أعلنه الله الحي لنا لكي نواجه أنفسنا فنعود إليه تائبين بصدق، فنجده يقول في رسالة رومية:

  • [ هوذا أنت تُسمى يهودياً وتتكل على الناموس وتفتخر بالله. وتعرف مشيئته وتُميز الأمور المتخالفة مُتعلماً من الناموس. وتثق أنك قائد للعميان ونور للذين في الظلمة. ومهذب للأغبياء ومُعلم للأطفال ولك صورة العلم والحق في الناموس. فأنت إذاً الذي تُعلِّم غيرك ألست تُعلِّم نفسك، الذي تكرز أن لا يُسرق أتسرق. الذي تقول أن لا يُزنى أتزني، الذي تستكره الأوثان أتسرق الهياكل. الذي تفتخر بالناموس أبتعدي الناموس تُهين الله. لأن اسم الله يُجدف عليه بسببكم بين الأمم كما هو مكتوب. فأن الختان ينفع أن عملت بالناموس ولكن أن كنت متعدياً الناموس فقد صار ختانك غُرلة. إذاً أن كان الأغرل (الأممي البعيد عن الله ولا يعرف الناموس والمواعيد) يحفظ أحكام الناموس أفما تحسب غرلته ختاناً. وتكون الغرلة التي من الطبيعة وهي تُكمل الناموس تدينك أنت الذي في الكتاب والختان تتعدى الناموس. لأن اليهودي (والمسيحي) في الظاهر ليس هو يهودياً (أو مسيحياً) ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختاناً. بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان الذي مدحه ليس من الناس بل من الله ] (رومية 2: 17 – 29)

عموماً هذه هي قاعدة مواجهة النفس مع كلمة الله التي تكشف أعماق الضمير وخفايا القلب الغير ظاهره، ليعرف الإنسان نفسه ويكتشف عورة حياته لكي يرجع لله ليُشفى، وهذه هي التوبة بمعناها البسيط في العهد الجديد، لذلك نجد أنها تأخذ معناها القوي البسيط العميق بنطق ربنا يسوع المسيح، الله الذي أظهر قوتها بإعلانه الخاص وظهوره في الجسد قائلاً: [ قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل ] (مرقس 1: 15)

وقد شرح الرب بنفسه معنى التوبة لكي نفهم أصولها حسب قصده هو لا حسب معرفتنا وفلسفتنا الشخصية، لأنه وضح أن التوبة ليست مجرد أن يكف الإنسان عن الخطية ويُصبح إنسان ذو أخلاق في المجتمع وحياة التوبة بالنسبة له حياة خارجية أمام الناس، لكنه أظهر أن التوبة ضرورية للحياة فيه لذلك تتضمن الشخص بكامله، أي داخله وخارجه معاً، لأن التوبة تمس العقل أولاً لتغيير الفكر ليعي الإنسان ويُدرك أنه يحتاج أن يدخل في سرّ التوبة، ثم بعد ذلك تنزل لقلبه فيتغير داخلياً ثم تثمر فيه ثمراً جيداً يظهر أمام الجميع فيكون المدح لله الذي عمل فيه ووضع سره الخاص في داخله، لذلك يقول الرب يسوع: [ اجعلوا الشجرة جيدة وثمارها جيداً… لأن من الثمر تُعرف الشجرة ] (متى 12: 33)، لأن يا إخوتي أن كان الغرس جيد، والبذرة صحيحة جيدة، فأنها تُخرج شجرة أن تم رعايتها رعاية صالحة فأن ثمرها يعبر عن جودتها…

ولذلك نجد أن الرب يعود ويوضح ويؤكد على الداخل لذلك يقول: [ نقِ أولاً داخل الكأس والصفحة لكي يكون خارجها أيضاً نقياً ] (متى 23: 26)، لذلك علينا أن نحذر من أن نهتم بالخارج فقط وننسى الداخل، لأن الأصل في الداخل وليس بالخارج، لأن الخارج يُعبر عن الداخل، وأن غيرنا الخارج ليُصبح جميلاً أمام الناس وتركنا الداخل، فأننا نخدع أنفسنا ونغشها، لأنه ماذا ينتفع إنسان من أن يُطلي بيته من الخارج ويضع له كل زينة مع زروع وأزهار رائعة يسقيها ويعتني بها، حتى أن كل من يمر به يمدحه ويحسده على بيته، مع أنه أهمل داخل البيت حتى أنه امتلئ من كل قذارة ووسخ وسكنته الحشرات الضارة، وفاحت فيه كل رائحة نتنة حتى أن كل من يدخله يصاب بالاختناق والأعياء، وبكونه تعود وعاش في هذا الجو الموبوء فأنه لا يشعر بمدى الأمراض التي اصابته من جراء هذا العفن الذي ملأ بيته من الداخل… وهكذا كل من يهتم بشكله أمام الناس وينسى داخله يُصبح مريضاً بكل مرض ولا يشعر بمدى مرضة بل وقد يفتخر بعمله الظاهر الممدوح من الناس مع أنه مملوء من كل خراب وفي دمار نفسي وقلبي ومنطرح عن الله بعيداً جداً…
وهذا يحتاج إلى أن يُسرع ليستفيق طالباً العناية الإلهية الفائقة التي للطبيب الأعظم شخص ربنا يسوع حتى تُشفى نفسه ويأتيه مسرعاً ليطرد من بيته كل الوحوش الضارة أي الخطية التي فتكت بنفسه وشوهت داخله ويعيده مثل ولد في البراءة وبساطة القلب النقي: [ إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات ] (متى 18: 3)

  • + عموماً إن كان الأنبياء قد علَّموا بأن التوبة هي نوال الخاطئ قلباً جديداً وروحاً جديداً، نجد أن العنصر الجديد والهام في بشارة الرب يسوع في العهد الجديد، هي أن التوبة في عمق معناها اللاهوتي [ أي القلب الجديد والروح الجديد ] ليست في قدرة الإنسان ولا صناعته، بل هي الإيمان والثقة الشديدة في محبة الله الذي وحده قادر أن يُقيم الموتى من بُقعة العظام الجافة، وهذا ما نجده في حزقيال مكتوباً بروح النبوة عن عمل الله في العهد الجديد الذي فيه يُقيم الإنسان من موت الخطية الذي دمر كل ملكات نفسه حتى صار مثل العظام النخرة في قبور الموت الذي تحللت فيها الأجساد ولم يعد في مقدور أحد أن يقيمها قط. (رجاء قراءة حزقيال 37: 1 – 14 وذلك للضرورة)

ونرى أن الرب يسوع قد أعلن أن هذا الزمان الذي يقيم فيه الإنسان من تحت سلطان الموت والفساد، قد أتى الآن [ قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل ] (مرقس 1: 15)

والإيمان على هذا المستوى هو عبارة عن تحول من الفساد لعدم الفساد، من الموت للحياة، لأن التوبة في مفهومها الأصيل، هي عبارة عن تغيير في الفكر، بإحلال فكر محل فكر أي بالمعنى الرسولي: [ أما نحن فلنا فكر المسيح ]، وايضاً هي تحول في الاتجاه، من اليسار إلى اليمين أي من الموت للحياة، ومن الدينونة للبرّ، وبالمعنى الكتابي هو هتاف فرحة قلب انتقل من الموت للحياة بالإيمان الحي [ أين شكوتك يا موت أين غلبتك يا هاوية ]، وفي النهاية هذا كله يظهر في تغيير سلوك الإنسان كُلياً بناء على الإيمان الجديد الحي الذي اقتناه بالسرّ في قلبه كهبة نعمة ومنحة من الله، مبني على أساس استنارة الذهن، أدى إلى علاقة صحيحة مع الله الحي.

_________________________

وفي الجزء القادم سنتحدث عن
ثالثاً: دعوة التوبــــــــــة 


تابع دراسة في الذبائح (21) ملخص مفهوم الخطية في العهدين άμαρτία.

تابع / دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח – ط ب ح ؛ θυσίας σΦάζω
تابع / ثانياً : الخمسة أوجه من ذبيحة الصليب
[2] الوجه الثاني من أوجه الصليب
تابع / ذبيحة الخطية – άμαρτία – חַטָּאת

                                     تابع مفهوم الخطية : [رابعاً] ملخص مفهوم الخطية في العهدين
                                                للرجوع للجزء العشرون أضغط هنــا.

[رابعاً] ملخص مفهوم الخطية في العهد القديم :

باختصار نستطيع أن نفهم المعنى الشامل للخطية ونستوعب خطورتها وشناعتها، عموماً في العهد القديم تأتي الخطية بعدة معاني هامة كما رأينا سابقاً وهي: ضلال، يضل [ كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه ] (إشعياء 53: 6)، إخفاق، يخسر نفسه، يُذنب، يتعدى الحدود، يغلط (عن جهل أو عن قصد )، وعموماً توصف الخطية بوجه عام كتحول عن الله وانتهاك العهد، والنتيجة الطبيعية للخطية هو الهروب من محضر الله كما فعل آدم وحواء حينما أخفوا أنفسهم لكي لا يراهم الله [ تك3: 9 ]، ونفس ذات الهروب يحدث لكل خاطي اليوم في هروبة من الصلاة والإنجيل… 

وبسبب الخطية تغرب الإنسان عن الله الذي هو الحياة واختطف لنفسه قضية الموت، لأن أجرة الخطية هي موت، فالموت ملازم حتمي للخطية وأثاره تظهر في كآبة الإنسان وحزنه بعد ارتكاب الخطية التي تُسيطر عليه وتقيده وتفسد طبيعته: [ الشرير تأخذه آثامه وبحبال خطيتة يُمسك ] (أمثال 5: 22)، والخطية تجعل الإنسان يدخل في حالة تيه وتغرب عن الله وعن نفسه، مثلما تاه شعب إسرائيل في البرية بسبب التمرد وعدم طاعة وصية الله وتخطيها [ لماذا لا تطيعون وصية الرب ] (عدد14: 41)، وقد صارت الخطية خطيرة للغاية لأنها تفصل بين الخطاة وبين الله [ بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع ] (إشعياء 59: 2)، فالخطية باختصار هي عصيان وتمرد وكسر عهد، وإعلان خصومة…

عموماً نجد ونلاحظ في العهد القديم أنه بالرغم من أنه ركز بشدة على مشكلة الخطية وفظاعتها وإظهار عواقبها الوخيمة وعلى الأخص أنها تجلب الموت لفاعلها، ولكنه يضع روح الرجاء الحي بالتوبة وتقديم ذبيحة للتكفير عن الخطية والتي تظهر وعد الله بالخلاص عن طريق الذبيحة الكاملة التي بابنه الوحيد الجنس الواحد معه في الجوهر، لأن منذ أول يوم ارتكب فيه الإنسان المعصية ودخل في شرك الموت التي نصبه له إبليس بالخطية نجد أن الله يعطي الوعد [ نسل المرأة يسحق رأس الحية ]، كما سوف نرى كيف قدم المسيح الرب نفسه ذبيحة خطية عن حياة العالم …

[خامساً] الخطية في العهد الجديد :

يستخدم العهد الجديد (1الاستخدام السائد [ άμαρτάνω – hamartano ]، وتصريف أفعالها في الترجمة السبعينية للعهد القديم كتعبير شامل عن كل شيء يُعارض الله، ويجد المفهوم الإنجيلي عن الخطية أشمل تعبيراته عند القديس بولس والقديس يوحنا، فقد وردت كلمة [ άμαρτία – hamartia ] حوالي 173 مرة، وكلمة [ άμαρτάνω – hamartano ] حوالي 42 مرة، وترد كلمة [ άμαρτημα – hamartema ] أربعة مرات فقط ويُشير إلى ارتكاب الفرد للخطية: [ اهربوا من الزنا كل خطيةάμαρτημα يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد لكن الذي يزني يخطئ إلى جسده ] (1كورنثوس6: 18)، ويستخدم اللفظة أيضاً في سياق الغفران: [ الحق أقول لكم أن جميع الخطايا άμαρτηματα تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها ] (مرقس 3: 28)، [ الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجلالصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله ] (رومية3: 25)، أو تظهر كصفة توضح أنه لا يوجد من ليس له خطية [ وقال لهم من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر ] (يوحنا8: 7)، عموماً نجد في العهد الجديد أن لفظة [ άμαρτωλός، – hamartolos ] خاطئ، هي الصفة المعتاد استخدامها …

ومن الملاحظ أن هناك مزج ما بين لفظتين في العهد الجديد [ الجيل الفاسق والخاطئ ]، [ لأن من استحى بي و بكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فان ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين ] (مرقس8: 38)، وهذا يوضح أن الخطية هي رفض المسيح الرب ووصاياه وعدم الحياة بها والشهادة الحسنة بالتقوى لله الحي، لذلك فالخطية تفصل الإنسان فصلاً تاماً عن الله ويتم رفضه في اليوم الأخير، لذلك فأن التوبة أمر حتمي وضروري لينال الإنسان الغفران ويأخذ قوة الله وينال النعمة 


ونجد أن الرب يسوع تخطى المفهوم اليهودي للخطية ويوضح أبعادها ومشكلتها الحقيقية، لأنه أوضح أن الممارسات الشكلية ليس لها اعتباراً عند الله، بل الاعتبار عنده هو أن يحيا الإنسان بالوصية ما عدا ذلك فهو خطية واضحة [ ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة. فحينئذ أصرح لهم إني لم أعرفكم قط اذهبوا عني يا فاعلي الإثم ] (مت7: 21 – 23)، فواضح هنا أن التركيز على أن الخطية هي عدم عمل إرادة الله وهي الحياة بحسب وصاياه المُحيية وهي تُسمى حسب الكتاب المقدس : الطاعة 
وسوف نوضح المفهوم الشامل في العهد الجديد بعد أن نشرح ذبيحة الخطية والتي يقصد بها إعادة الصلة بالله بعد أن عُرضت للخطر بسبب الخطايا الغير متعمدة أو بسبب حالة نجاسة كما سوف نرى بالتفصيل …

[سادساً] خلاصة مفهوم الخطية من العهدين :

عموماً وباختصار شديد: الخطية هي أي موقف من مواقف عدم المبالاة (اللا مبالاة) أو عدم الإيمان والثقة في محبة الله، أو العصيان لإرادة الله المعلنة في الضمير أو الناموس أو في الإنجيل، سواء ظهر هذا الموقف في الفكر أو في القول أو في الفعل أو في الاتجاه، أو السلوك أو النية …
والخطية هي في الأساس قطع الصلة بالله ورفض مقاصد محبته من نحو خليقته، كما هي أيضاً علاقة خاطئة مع الآخرين أي ضد المحبة، وهي مقاومة الناموس الإلهي الذي أعطاه الله لخليقته، وانحراف لقوى الإنسان الشخصية مما يؤدي إلى الموت الروحي والأدبي … 
وتعتبر الخطية قناعة طائشة بمستوى أخلاقي هابط من الانغماس في اللذات المنطوي في أعماقه على تأليه الذات دون اعتبار لله أو لأخيه الإنسان …

_____يتبــــــــــــــع_____
وفي الجزء القادم سنتكلم عن

ثانياً : ذبيحة الخطية חַטָּאת وشروط تقديمها 

 

الروح القدس بين العهدين القديم والجديد د. جورج عوض إبراهيم

الروح القدس بين العهدين القديم والجديد د. جورج عوض إبراهيم

الروح القدس بين العهدين القديم والجديد د. جورج عوض إبراهيم

مقدمة: شخص الروح القدس

الروح القدس ليس مجرد قوة بل هو الأقنوم الثالث من الثالوث القدوس، وهو واحد مع الآب والابن في الجوهر. وبما أنه أحد الأقانيم الثلاثة فهو يتمايز عن الآب والابن. فالروح القدس ليس هو الآب كما أنه ليس هو الابن، ومع هذا فهما إله واحد وهذا ما نردده في البسملة “باسم الآب والابن والروح القدس إله واحد آمين”. وأفعال الروح القدس كما أعلنها الوحي الكتابي هي كثيرة، نذكر منها الآتي:

  • الروح القدس يفحص كل شيء: ” لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله” (1كو10:2).
  • الروح القدس يعرف: ” لأن مَنْ من الناس يعرف أمور الإنسان إلاّ روح الإنسان الذي فيه. هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلاّ روح الله” (1كو11:2).
  • الروح القدس يشاء ويعمل: “ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء” (1كو11:11).
  • الروح القدس يحزن: “ولا تُحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء” (أف30:4).
  • الروح القدس يعلم ويذكر: “وأما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب بأسمى فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم” (يو26:14، أيضًا لو12:12، مت10:23).
  • الروح القدس يوّجه: “وبعدما اجتازوا في فريجية وكورة غلاطية منعهم الروح القدس أن يتكلموا في آسيا…” (أع6:16ـ7).
  • الروح القدس يقود: ” لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله” (رو14:8).
  • الروح القدس يُعين ويشفع: “ولذلك الروح أيضًا يعين ضعفاتنا. لأننا لسنا نعلم ما نصلى لأجله كما ينبغي ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها” (رو26:14).
  • الروح القدس يُحب: ” فأطلب إليكم أيها الأخوة بربنا يسوع المسيح وبمحبة الروح أن تجاهدوا معي في الصلوات من أجلى إلى الله” (رو30:15).
  • الروح القدس يتكلم من خلال الأنبياء: ” لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2بط21:1. راجع مت43:22ـ46، أع16:1، 25:4، 25:25ـ26، عب15:10، 2صم1:23ـ3، حز2:2، 1:11، ميخا8:3).
  • الروح القدس المعزى:” أما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب بأسمى…” (يو26:14).
  • الروح القدس عندما يتحدث يستخدم ضمير “أنا”: “وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه”(أع2:13، انظر يو26:15، أع27:15ـ18).
  • يُدعى الروح القدس “الرب”: ” وأما الرب فهو الروح وحيث روح الرب هناك حرية” (2كو17:3).
  • الروح القدس يُحيي ويُعطى حياة: “وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم” (رو11:8).
  • الروح القدس يشهد للمسيح: “ومتى جاء المعزى الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى” (يو26:15).
  • الروح القدس يقود إلى الحق: “وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية” (يو13:16).
  • الروح القدس يعلن “كل الحق” أى محتوى الإيمان: ” فأعلنه الله لنا نحن بروحه” (1كو10:2).

 

عمل الروح القدس في مؤمني العهد القديم:

إن عمل الروح القدس في مؤمني العهد القديم هو مختلف عن عمله في مؤمني العهد الجديد. فالروح القدس في العهد القديم كان مع المؤمنين. أما في العهد الجديد هو داخل المؤمنين كما يخبرنا يوحنا الإنجيلي: (يو17:1).

أيضًا في العهد القديم أُعطى الروح القدس إلى أناس محددين لفترة زمنية محددة ولخدمة معينة. والآن نسرد بعض الأشخاص الذين أُعطى لهم الروح القدس:

  • لقد أُعطى الروح القدس إلى يوسف لكي يعرف تفسير أحلام فرعون: تك 40:38.
  • الروح القدس أُعطى إلى بصلئيل لكي يصنع خيمة الشهادة: خر1:31ـ3.
  • الروح القدس أُعطى للسبعين شيخًا لكي يحكموا مع موسى شعب إسرائيل: عد24:11ـ29.
  • الروح القدس أُعطى لبلعام لكي يتنبأ: عد5:23ـ6.
  • الروح القدس أُعطى ليشوع بن نون بوضع أيدي موسى لكي يقود إسرائيل: تث9:34.
  • الروح القدس أُعطى لـ عثنئيل لكي يقود إسرائيل: قض9:3ـ10.
  • الروح القدس أُعطى لجدعون لكي يحرر الشعب من المديانيين: قض34:6.
  • الروح القدس أُعطى ليافث لكي ينتصر على العمونيين: قض29:11.
  • الروح القدس أُعطى لشمشون لكي يقتل أسد: قض5:14ـ6.
  • الروح القدس أُعطى لصموئيل ومسحه ملكًا: 1صم10:10.
  • الروح القدس أُعطى لداود ومسحه ملكًا: 1صم13:16.
  • الروح القدس أُعطى لداود وألهمه ليكتب المزامير: 2صم2:23.
  • الروح القدس أعطى لزكريا القوة والشجاعة ليقول لأناس عصره إنهم مخالفون لوصايا الله: 2أخ20:24.
  • الروح القدس أتى إلى حزقيال لكي يتنبأ إلى بنى إسرائيل: حز1:2ـ2.
  • الروح القدس أتى إلى دانيال وفسر الأحلام: دا5:4.
  • عامةً الروح ينير أنبياء العهد القديم: 2بط21:1، زك12:7، أع26:28، إش9:6ـ10، أع16:1.
  • يوحنا المعمدان ارتكض بالروح القدس بينما كان مازال في بطن أمه: لو15:1ـ16.
  • أليصابات امتلأت بالروح القدس وتنبأت بأن مريم هي أم الرب: لو41:1ـ44.
  • زكريا الكاهن قد امتلئ بالروح القدس وتنبأ عن ابنه يوحنا: لو67:1.
  • سمعان الشيخ بوحي الروح القدس عرف الطفل يسوع في الهيكل: لو26:2ـ28.

 

 

الروح القدس والمسيح:

العهد الجديد مملوء بشواهد عن حضور الروح القدس من البداية إلى النهاية. المسيح أُعلن في الأناجيل أمام عيوننا بالمعمودية، عندما أخذ الروح القدس. هذا الروح قاده إلى الصحراء حيث صارع مع الشيطان وانتصر عليه لأجل خلاصنا. ودخل المسيح إلى المجمع، وهناك علَّم وهو مملوء بروح الله. كل تاريخ المسيح المدون في الأناجيل ليس شيئًا آخرًا إلاّ البرهنة على أن يسوع حامل للروح القدس ومنتصر على الشيطان والفساد والموت، والجهل والخطية والجوع والبؤس والشقاء.

أيضًا سفر أعمال الرسل الذي يحكي عن استمرارية المسيح في العالم ليس شيئًا آخرًا إلاّ حقيقة الروح القدس داخل الكنيسة. في عظات الرسل نجد هذه العبارات: ” حينئذٍ امتلأ بطرس من الروح القدس وقال..” (أع8:4)، أو عندما يصنعون معجزات أيضًا ” بقوة الروح القدس” (رو13:15)، وكذلك ” باسم يسوع المسيح الناصري قم وامش” (أع6:3). فالروح القدس كان يقود الرسل في كل خطوة.

كان المسيحيون لا يستطيعون أن يدخلوا بلدة ويتجهون ناحية الشمال، أو ناحية الشرق أو ناحية الجنوب إلاّ بقيادة الروح القدس. أتى الابن باسم الآب إلى العالم لكي يعلن الآب ويتمم مشيئته. والروح القدس أرسله الابن لكي يشهد له، لكي يُظهره ولكي يُكمل بمواهبه عمل المسيح في المؤمنين. فالمهمة الأساسية للروح القدس هي أن يعلن شخص المسيح ويجعله حاضرًا، ويعطي شهادة عنه ولكي يجعلنا متحدين به.

لكن بينما المسيح يجمع ويكمل الطبيعة البشرية عن طريق اتحاد المؤمنين في جسده، فالروح القدس يخص الأشخاص كلٍ على حدة ويملأهم بعطاياه بطريقة فريدة وشخصية لكل واحدٍ. هذا ما حدث يوم الخمسين حيث حلَّ الروح القدس في كل واحد من الحاضرين، في شكل ألسنة نار (أع3:2).

وفق إرسالية المسيح إلى العالم فإن علاقة البشر بالروح القدس قد تحققت بواسطة المسيح فقط و”في المسيح”. بينما بعد يوم الخمسين فإن العلاقة بالمسيح تتحقق فقط بواسطة الروح القدس. الروح القدس كان يعمل بطريقة مختلفة في العهد القديم عنه في العهد الجديد. عندما كان يعمل في العهد القديم لم يكن يمثل مصدرًا لقداسة النفس، “للإنسان الداخلي” بل شفاءً للجسد. بهذا المفهوم يُسمى ذهبي الفم بركة بيت حسدا نعمة، ففي العهد الجديد نعمة الروح هي قوة الولادة الجديدة التي تشفي مرض النفس وتعين المؤمنين على خلاصهم في المسيح.

 

دعنا نرى الآن دور الروح القدس في حياة يسوع المسيح.

الروح القدس طهَّر وقدَّس والدة الإله من لحظة الحمل المقدس. لذلك يتحدث آباء كثيرون على سبيل المثال يوحنا الدمشقي [عيّنها الله الآب، والأنبياء المستنيرين بالروح قد سبقوا وأعلنوها، فبقوته المقدسة حلّ الروح القدس عليها، وطهّرها وقدَّسها]. هكذا فإن تجسد الكلمة صار بواسطة الروح القدس والعذراء مريم:

القديس غريغوريوس اللاهوتي يقول عن هذا الحدث العظيم: [وُلِدَ (الكلمة) من العذراء التي تقدست نفسها وأيضًا جسدها بواسطة الروح ـ لأنه كان يجب أن تُكرم الولادة وأيضًا تكرم العذراء مسبقًا ـ لكن ظل هو إلهًا بعدما أخذ الطبيعة البشرية].

 

وأيضًا القديس باسيليوس الكبير: [غير الجسدي أتى إلى عالمنا المنظور، وأخذ جسدًا لذاته ليس غريب عن الذي لنا، لكن من العذراء الطاهرة، كوّنه بواسطة الروح القدس، وصار لباس خيمة للكلمة، لكي يبطل بواسطته ناموس فساد البشر، والكلمة الذي خلق من البداية الإنسان بحسب شبهه الخاص، أعاده مرة ثانية إلى شبهه، بأن تشبّه هو نفسه بخليقته].

في عماد المسيح ظهر الروح القدس على شكل “حمامة” (مز10:1، لو21:3، يو32:1، مت16:3) وفق القديس إيرينيوس فإن الآب هو ذاك الذي يمسح، المسيح هو ذاك الذي يُمسح والروح القدس هو المسحة.

عن ظهور الروح القدس مثل حمامة يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: [ظهر مثل حمامة… والسبب هو أنه منذ القديم أحضرت الحمامة أخبار مفرحة عن انتهاء الطوفان].

بعد العماد انقاد المسيح بواسطة الروح إلى البرية لكي يُجرب (مت1:4، مر12:1، لو1:4ـ2):

الروح القدس قاده إلى البرية لكي يجاهد ضد الشيطان

 

بدأ المسيح نشاطه الجهارى وهو ممسوح من الروح القدس:

انظر (لو16:4ـ21، مت18:12، لو14:4، أع38:10، رو4:1). وعن نزول الروح القدس فوق الابن يتحدث النبي إشعياء11:11. ذُكر في الكتاب المقدس أن المسيح مُسح بالروح. هذه المسحة تخص طبيعته البشرية ولا تخص كلمة الله الأزلي الذي هو مساوٍ للآب في الجوهر. ولقد قبل المسيح المسحة برهانًا لإخلائه الفائق وغير الموصوف. المسيح مُسح كإنسان بينما كإله هو نفسه له الروح القدس (روح الابن) وهو مانح الروح للخليقة.

 

المسيح أخرج الشياطين بواسطة الروح القدس: مت28:12

ويفسر القديس باسيليوس هذا المقطع قائلاً: [الروح القدس، كما تعرفون، صار مسحة وهكذا كان دائمًا متحدًا بجسد الرب. ومنذ ذلك الوقت كان حاضرًا فيه بدون انفصال كما هو مكتوب. وإذا تحدثنا عن التدابير الخاصة بالإنسان التي تمت بواسطة إلهنا العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح (تي13:2)، فمَن يمكنه أن ينكر أنها تمت بنعمة الروح القدس؟!

فهل تريد أن تفحص الموضوعات الأولية مثل: بركات البطاركة والمعونة التي حصلت بنزول الشريعة، الرموز، النبوات، قوة الأبطال في الحروب، معجزات الأبرار… أو ما حصل في تدبير مجيء ربنا في الجسد. الكل تمَّ بالروح في المقام الأول صار الروح المسحة وصار حاضرًا بلا افتراق في جسد الرب، كما هو مكتوب ” الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه فهذا هو ابني الحبيب” (يو33:1، مت17:3) و” يسوع الناصري الذي مسحه الله بالروح القدس” (أع38:10).

ومن ثم كان الرب يتمم كل أعماله بالروح. وكان معه حتى عندما جربه الشيطان، فقد كتب ” أُصعد يسوع بالروح إلى البرية ليُجرب” (مت1:4) وكان معه بلا افتراق عندما صنع الأعمال العجيبة (مت22:7)، لأنه مكتوب: ” إذا كنت أنا بروح الله أُخرج شياطين” (مت28:12)، ولم يفترق عنه عندما قام من بين الأموات. لأنه لما أراد أن يجدد الإنسان ويرد إليه النعمة التي كان قد حصل عليها من نفخة الله والتي فقدها الإنسان الأول قال: ” اقبلوا الروح القدس، من غفرتم…” (يو22:20)].

هكذا كل أفعال المسيح صارت دائمًا بتعضيد الروح. لقد كان الروح معه وعندما جُرب يسوع من الشيطان ـ كما يقول الكتاب ـ انقاد بواسطة الروح إلى البرية لكي يُجرب (مت1:4). وعندما فعل معجزات، كان غير منفصل عنه، طالما هو نفسه يقول: ” إن كنت بروح الله أخرج الشياطين” (مت28:12).

الرب وَعَدَّ تلاميذه بأنه بعد رحيله سوف يرسل لهم الروح لكي يعطيهم قوة ويقودهم ويُعلمهم ويجعلهم شهودًا له، ويدين العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة (يو37:7-39). وعن سؤال لماذا لم يُعطَ الروح قبل صلب المسيح؟ يرد القديس يوحنا ذهبي الفم قائلاً: [لأن البشرية كانت تعيش في الخطية وفي العثرات، وفي البغضة والضلال، إذ أن الحمل الذي حمل خطايا العالم، لم يكن قد قُدم ذبيحة بعد. المسيح لم يكن قد صُلب، لذلك لم تكن هناك مصالحة، وبما أنه لم تكن هناك مصالحة، كان من المناسب عدم إرسال الروح القدس.

وبالتالي، بما أنه أرسل الروح القدس فهذا يعني أن المصالحة قد تمت. ولهذا قال السيد المسيح ” إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي” (يو17:16). يقول إن لم أنطلق ـ لا تتم المصالحة مع الآب، ولذلك لن أرسل لكم المعزي].

 

المسيح بعد القيامة أعطى الروح القدس إلى تلاميذه (يو21:20ـ22):

يشرح لنا القديس كيرلس هذه الحقيقة قائلاً: [لقد أعلن المسيح أنه سيرسل لنا من السماء المُعزي عندما يصعد إلى الله الآب وبكل يقين فعل هذا، لأنه بعد صعوده سكب الروح بغزارة على كل الذين كانوا يرغبون قبوله. لأن كل إنسان يستطيع قبول الروح القدس بالإيمان والمعمودية المقدسة كما قال النبي ” سأسكب من روحي على كل جسد” (يوئيل28:2)].

 

ويستمر القديس كيرلس في حديثه موضحًا سر نفخة المسيح لتلاميذه قائلاً: ” كان من الضروري بالنسبة لنا أن نرى الابن يمنح لنا مع الآب الروح القدس… لأن الله الآب في البدء بكلمته أخذ من تراب الأرض ـ كما هو مكتوب ـ وخلق الإنسان كائنًا حيًا له نفس عاقلة حسب إرادته وأناره بنصيب من روحه [“ونفخ في أنفه نسمة الحياة” (تك7:2). ولكن عندما سقط الإنسان بعصيانه واستُعبد لقوة الموت وفقد كرامته القديمة أعاده الله الآب وجدده إلى الحياة الجديدة بالابن كما كان في البدء].

 

ويتساءل القديس كيرلس قائلاً: كيف جدده الابن؟ فيجيب هو نفسه: [بالجسد ذبح الموت وأعاد الجنس البشري إلى عدم الفساد عندما قام من الموت لأجلنا]. ويأتي القديس كيرلس إلى كشف سر النفخة شارحًا بكلام واضح وصريح، إذ يقول: [ولكي نعلم أنه هو الذي في البدء خلقنا وختمنا بالروح القدس لذلك يمنح مخلّصنا الروح القدس من خلال العلامة المنظورة أي “نفخته” للرسل القديسين لأنهم باكورة الطبيعة البشرية المجددة.

وكما كتب موسى عن الخلق الأول أن الله نفخ في أنف الإنسان نسمة الحياة، يحدث نفس الشئ الذي حدث في البدء عندما جدَّد الله الإنسان وهو ما يسجله يوحنا هنا. وكما خلق الإنسان في البدء على صورة خالقه. كذلك الآن بالاشتراك في الروح القدس يتغير إلى صورة خالقه ويصبح على مثاله. ولا يوجد لدينا أدنى شك في أن الروح القدس هو الذي يختم صورة المخلّص على قلوب الذين يقبلون المخلص.

 

خاتمة: حضور الروح القدس

إننا نرى عمل الروح القدس فينا بطرق مختلفة، منها:

  • سُكنى الروح القدس في أعضاء الكنيسة يجعل هذه الأعضاء قادرة على أن تعترف معًا في كل الأرض وفي كل الأزمنة بألوهية المسيح. هذا الاعتراف المشترك يدل على حضور الروح القدس الذي يبنى وحدة الكنيسة الجامعة والشاملة.
  • الصلاة لأجل بعضنا البعض ولكل العالم يمثل الظهور الدائم لحضور الروح القدس في الكنيسة.
  • شركة القديسين عبر الأزمنة هو بمثابة اعتراف للخبرة الحياتية لحضور الروح القدس الفعّال داخل البشرية المتحدة في المسيح.
  • قوة الروح القدس تُعاش بالمحبة الشديدة تجاه الله والقريب.

الروح القدس بين العهدين القديم والجديد د. جورج عوض إبراهيم

Exit mobile version