المسيح فصحنا الجديد ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

المسيح فصحنا الجديد ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

المسيح فصحنا الجديد ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

 

المسيح هو نور العالم:

          ولَمَا كان النور الإلهي لم يكن قد أشرق بعد؛ لأن الأرض كانت ما تزال غارقةٌ في ظلام الجهل، وقد لوَّث رؤساء هذا الظلام قلوب الجميع. لذلك عندما أتى المخلِّص قال: ” أنا هو نور العالم” (يو8: 12، 9: 5)، وبما أن القديسون يُعتَبرون بمثابة مصابيح العالم التي تشع بكلمة الحياة، لذا كانوا جديرين أن يسمعوا قول المخلِّص: “ أنتم نور العالم” (مت5: 14)، حتى يمكنهم أن ينيروا الذين في الظلمة.

ولسوف تندهش أيضًا عندما يتبين لك أن هذه الأقوال إنما تُشير إلى عملٍ سريٍ آخر. لأنه في اليوم الرابع عشر من الشهر يُذبَحُ الخروف، هذا اليوم يكون فيه القمر مُكتَملُ البهاء، وينير كل المسكونة بنورٍ خافت يأخذ في الأُفول تدريجيًا، إذ أن هناك تلاشيًا اضطراريًا لكل مجد أرضى. يمكننا أن نفهم هذه الأمور رمزيًا من كون الشيطان ـ باعتباره رئيس الليل (المساء)، والمُمجَّد في كل المسكونة (بالمجد العالمي) ـ على مثال القمر (لأن القمر خُلِقَ ليسود على الظلام) (تك1: 16)، وهكذا يضع الشيطان حكمته الزائفة كمثل نورٍ كاذبٍ في قلوب المُضَلَّلين، موهمًا إياهم أن لمعان ذاته كامل، أما المسيح الذى مات لأجلنا ولأجل خلاصنا، فهو الحَمَل الحقيقي الذي رفع خطايا العالم (يو1: 29)، وأبطل مجد الشيطان الزائف. هذا المجد (الشيطانى) لابد وأن يتلاشى رويدًا رويدًا عندما تسير جموع الأمم صاعدةً نحو محبة الله وسلامه بإيمانهم بهذا العمل (السري) الخلاصى.

وقد تغنَّى سفر المزامير بهذا الأمر عندما قال عن المسيح:         “ يُشرق في أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر” (مز72: 7). فبتجسد المسيح أشرق البر ـ حقًا ـ بواسطة الإيمان والسلام الوافر بالرجوع إلى الله. ثم أُبطِلَ رئيس الليل، أي الشيطان. لكن عليك أن تلاحظ أنه لم يقُل ـ ببساطةٍ ـ إن القمر سيضمحل من ذاته، لكنه سيضمحل بواسطة آخر؛ لأن الواضح أن الشيطان كان قد فعل نفس الأمر قديمًا وحاول إخفاء بهاء مجد الإنسان.

 

المسيح واحد ولا يقبل الانقسام:

مكتوبٌ أيضًا: ” يأخذون لهم كل واحدٍ شاةً بحسب بيوت الآباء” (خر12: 3)؛ لأن المسيح هو كامل، حسب إيمان كل واحد منا، عندما تكون له شركة الروح القدس، والمسيح لا يُقسَّم كما يقول الرسول بولس (راجع 1كو12: 4). وإن كان هناك بيتٌ عدد أفراده قليلون، ولا يستطيعون أن يأكلوا خروفًا، فليأخذ كل واحدٍ معه جاره الموجود بالقرب منه. أي أن أولئك الذين لا يمكنهم بمفردهم إدراك سر المسيح تمامًا، أو لا يستطيعون استيعاب سر المسيح لضعف عقولهم، عليهم أن يأخذوا جيرانهم كمعاونين ومساعدين لهم في الإيمان. لأن ما يتجاوز قدراتنا الذهنية، يمكننا أحيانًا أن نفهمه بواسطة إرشاد الآخرين. وذلك مثلما فعل الخصي الحكيم الذي سأل فيلبس ليرشده عن النبوة التي كانت تشير إلى المسيح ” مثل شاة سيق إلى الذبح” فقال: ” أطلب إليك عن من يقول النبي هذا. عن نفسه أم عن واحد آخر” (أع32:8ـ34). أرأيت كيف أنه أخذ رأي جاره ـ لأن كل واحد منا هو جارٌ للآخر، إذ أن كلمة الإيمان مشتركة، ونحن جميعًا نؤمن بالواحد ـ وعندما بحث الخصى عن الحقيقة بعمق، صار مشاركًا فى الإيمان “بالحَمَل“، إذ طلب أن يعتمد مباشرةً وقد اعتمد فعلاً.

ويقول الكتاب عن “الشاةِ” أنها: ” تكون صحيحة” أى كاملة. حيث إن المسيح هو كامل إذ هو الله. كما أعلن المُشرِّع أن تكون الشاةُ ذكرًا؛ لأنه هو الزارع الذي يزرع بذور معرفة الله داخلنا وكأنها أرضُ يفلِّحُها، مثل كلام الأنبياء الذي أعدَّ البشريةَ لقبول المخلص الذى بشر به الإنجيليون.

وبالإضافة لكل هذه التعليمات، لابد وأن يكون عمر الخروف عامًا لا أقل، حتى لا يكون ناقصًا، ومن جهة أخرى فإنهم سوف يتممون الاحتفال بالفصح اللائق بالله بعدما يمر عامًا كاملاً على احتفالهم السابق، عندئذٍ يجنون ثمار خيرات الآلام محتفلين بالفصح.

 

المسيح هو الذبيحة التى بلا عيب:

مكتوبٌ أيضًا يأخذون الشاة من الخراف أو الماعز. والخروف بسبب أنه طاهرٌ وبرئٌ يعتبر ذبيحةً بحسب الناموس، بينما يُقدَّم الماعز على المذبح لأجل خطايانا. وهذا هو ما سوف تجده بالتأكيد في المسيح، فهو نفسه كان ذبيحةً بلا عيب إذ قدَّم ذاته لله أبيه كرائحةٍ ذكيةٍ، وكشاةٍ، ذُبِحَ بسبب خطايانا.

 

فاعلية دم المسيح:

كما أمر المُشرِّع أن يدهنوا القائمتين والعتبة العليا للمنازل بدم الحمل، قاصدًا بذلك الإشارة إلى أنه بدم المسيح المقدس والكريم نؤمِّن مسكننا الأرضي، أي الجسد، طاردين منه الموت الذي هو نتيجة العصيان، بالحياة التي نشترك فيها. وفي نفس الوقت نُسبب الاضطراب للشيطان المهلك، إذ بمسحة الدم نطرد بعيدًا الشيطان الذي يريد بنا شرًا طارحين بعيدًا الشهوات والأهواء الجسدية.

أمَّا “أبواب” بيوتنا، فهي حواسنا التي من خلالها نراقب نوعية الأمور التي تدخل قلوبنا، إذ يتسلل داخلنا ـ من خلالها ـ عدد لا يحصى من الرغبات. فلقد دعا النبي يوئيل الحواسَ أبوابًا قائلاً: “يتراكضون في المدينة، يجرون على السور، يصعدون إلى البيوت، يدخلون من الكُوى كاللص” (يؤ2: 9)؛ فى نبوة عن تلك الأبواب التى لم تُدهن بدم المسيح.

 

التناول من جسد المسيح ودمه والتبشير بموت المسيح وقيامته:

كما أمر الكتاب أن تؤكل الذبائح في ذات الليلة، أي هنا في الحياة الحاضرة.لأن بولس قد وصف هذه الحياة هكذا قائلاً: “ قد تناهى الليل وتقارب النهار، فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور” (رو13: 12)، داعيًا بوضوح لهذه الحياة التي ينيرها المسيح نفسه. هكذا يوصي أن نأكل الذبائح أثناء فترة حياتنا في هذا الدهر؛ لأنه بقدر ما نصير مشاركين المسيح بطريقةٍ روحيةٍ ومحسوسةٍ ـ أثناء وجودنا في هذا العالم ـ بتناول الجسد المقدَّس والدم الثمين، بقدر ما نصل إلى يوم قوته كما هو مكتوب (مز110: 3)، وبقدر ما نصعد إلى بهاء القديسين، نتقدس أيضًا بطريقةٍ يعرفها معطي الخيرات العتيدة ومانحها.

ومن ناحيةٍ أخرى، فإن التناول من جسده المقدَّس، ومن دمه الكريم، يعني الاعتراف بالآم المسيح وموته الذي صار لأجلنا بالتدبير. لأنه هو نفسه قال لعارفيه حين حدَّد نظام السر: “ فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز، وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء” (1كو11: 26).

وباشتراكنا في الأمور التي أشرت إليها توًا ـ أثناء هذه الحياة الحاضرة ـ فإننا بالفعل نكرز بموت الرب، لكن عندما يأتي بمجد الآب، عندئذٍ لا نقدم له اعترافنا بموته، بل سوف نعرف الله بكل وضوح ” وجهًا لوجه” كما يقول الرسول بولس (راجع 1كو13: 12). إذ يقول: “ عالمين أن المسيح بعدما أُقيم من الأموات لا يموت أيضًا. لا يسود عليه الموت بعد” (رو6: 9)، كما يقول أيضًا: ” إذًا نحن من الآن لا نعرف أحدًا حسب الجسد. وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرفه بعد” (2كو5: 16). لأننا عندئذٍ سوف نعرفه بأكثر وضوح، ليس من جهة أنه أخلى ذاته عندما صار إنسانًا، لكن إذ هو إلهٍ حقيقيٍ أتمّ تدبير الله الخلاصي. عند ذلك ستكون الأقوال بالأكثر هى عن المعرفة الأسمى، إذ يشرق علينا بمعرفة الخلاص الإلهية من جانبه، تلك التي يعبِّر عنها بواسطة مجده الفائق.

 

ضرورة أن نكون حارين بالروح سالكين بنقاوة القلب:

نقرأ أيضًا أن الخروف يؤكل مشويًا بالنار؛ لأن أولئك الذين يشرعون في فهم سر المسيح، يجب أن يكونوا حارين روحيًا، ولذلك ينصحنا الرسول أن نكون هكذا (راجع رو12: 11).

كما يأمرهم أيضًا أن يأكلوا فطيرًا (خبز بلا خمير) على أعشابٍ مُرةٍ معلنًا بطريقةٍ رمزيةٍ أن الذين صاروا مشاركين للمسيح، عليهم أن يتغذوا على اشتياقات نقية لا خمير فيها، وأن يعتادوا على السلوك بنقاوة القلب الخالي من الشر، غير هاربين من التجارب المؤلمة وفق المكتوب: “ يا بنيَّ، إن أقبلت لخدمة الرب فاعدد نفسك للتجربة. أرشد قلبك وأصبر ولا تكن قلقًا في وقت الشدة” (حكمة يشوع بن سيراخ2: 1ـ2).

 

الإيمان المستقيم بالمسيح:

ويقول أيضًا: ” لا تأكلوا منه نيئًا” (خر12: 9). ماذا يعني بقوله هذا؟ الأكل النيئ لا يمضغ ولا يهضم، وهو يشير إلى الذين لا يفحصون الكلمة بتدقيق ليجدوا المسيح. أمَّا أولئك الذين يبحثون بتدقيق، فإنهم “يطهون” الكلمة ويتذوقونها وفق ما قاله داوود النبي:    “ عند لهجي بكلامك اشتعلت النار” (مز39: 3).

كذلك منعهم من أن يأكلوا اللحم مطبوخًا في الماء، معلنا بذلك أن الفكر الكاذب والمنحل عن المسيح لا يعتبر غذاءً مناسبًا لعقول المؤمنين. وما هو الاعتقاد الكاذب عن المسيح، إلاَّ عدم الإيمان بأنه هو الله بطبيعته، أو أن يحسبوا المسيح ضمن المخلوقات، وهو الأمر الذي لم يتردد البعض في القول به نتيجة جهلهم. وبينما يجمعون ويحرّفون تفسير الشواهد التي قيلت ـ بحسب التدبير ـ عن تأنُّسه، يجعلونها غذاءً لكفرهم الذي يسكن في داخلهم.

ومعنى قوله: ” لا تأكلوا منه نيئًا أو طبيخًا مطبوخًا بالماء، بل مشويًا بالنار” (خر12: 9)، هو أن الكلام عن إلوهيته كلامٌ حارٌ، وليس فيه شئ بارد أو كاذب وفق قول المزمور: “ كلمتك ممُحصة جدًا وعبدك أحبها” (مز 119: 14).

 

الاستنارة بمعرفة المسيح الكاملة:

كما أمر أيضًا أنْ يؤكَل رأسه مع أكارعه وجوفه، مريدًا لهم أن يحتووا داخلهم المعرفة الكاملة لسره.

 لأنه ينبغي ـ قبل كل شئ ـ أن يعرفوا أن الكلمة كان فى الآب ومع الآب منذ البدء إذ أنه هو الله بالفعل، أي كان هو بداية كل سر كالرأس. وثانيًا، وبما أنه الله، فإنه سوف يأتي ثانيةً كديّان لكي يضع نهاية لخطة خلاصه (أى ليتمم خلاصنا)، وهذا هو ما تشير إليه الأرجل التي هي فى نهاية الجسد. أمَّا الجوف، فيشير إلى الكلمة المتأنِّس المختفي فينا (داخلنا). إذن هذه الأقوال تُصِّور الإيمان كله، وبهذه المعرفة يتصوَّر المسيح فينا كاملاً، عندئذٍ يمكنني أن أؤمن بما يقوله يوحنا: “ الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء” (رؤ1: 8).

 

الحث على عدم التباطؤ عن الاستنارة بالروح القدس:

ومن ثمَّ، يأمر المُشرِّع قائلاً: “ ولا تبقوا منه حتى الصباح” (خر12: 10)، مبطلاً بهذا كما يبدو ـ بطريقة رمزيةٍ ـ محاولات التأجيل غير الصالحة التي تُسهم في عدم فهم السر كما يجب من جانب البعض. لأنه يقول لا تؤجِّل المعرفة الحقيقية والتامة عن المسيح، ولا يجب أن يتباطأ البعض في المشاركة التامة في فرح نهاية الأزمنة، فطالما آمنوا فليكملوا شركتهم. وهذا هو ما كان يفعله البعض من أولئك الذين كانوا قد قبلوا كلمة الوعظ وتعليم المسيح، لكنهم كانوا يتكاسلون من جهة نوال الروح القدس ونعمة المعمودية مؤجلين ذلك حتى يكبروا في السن. غير عارفين أن هذا التأجيل يمكن أن يجلب عليهم ضررًا كبيرًا غير متوقع، خاصةً لو نجح المرء منهم في تحقيق هذه الرغبة (أي تأجيل المعمودية حتى الأيام الأخيرة لحياته)، فإن رجاءه سيكون غير آمن. إذن، فمن يأكل حتى النهاية يتقدَّس بالتأكيد، وينال أيضًا غفرانًا لخطاياه، ويقدِّم لسيده الوزنة التي أُعطيت له دون أى لوم.

 

عقائد ثابتة مثل عظام لم تُكسر:

       ويقول: “ والباقي منه إلى الصباح تحرقونه بالنار. ولا يُكسرُ له عظم” (خر12: 10س)؛ لأن العظم لا يؤكل بأسناننا، وشيءٌ مثل هذا يذكِّر أذهان البشر بالكلمة الأزلى. إنه الابن، وهو الابنُ بالطبيعة، وقد وُلِدَ من الله الآب، ونحن نؤمن به، دون أن نفتش أو نتشكك فيه وذلك وفقًا لكلام النبي القديس؛ ” لأن من يعرف طريقة ولادته؟ من يصف مولده؟” هكذا صرخ النبي (إش53: 8 س).

إذن، عدم كسر العِظام، يُشير إلى ثبات العقائد التي تفوق العقل. فهذه العقائد (العِظام) يحرِّم المُشرِّع سحقها، لكن الهراطقة، أولئك الذين يحرِّفون الحق قد سحقوها تمامًا في ذواتهم؛ لأنهم ـ إذ يعانون من طيش التفكير وعدم البصيرة ـ مصممون على الانشغال بطريقة الولادة الإلهية غير الموصوفة، ولا يقبلون عقليًا ما كُتِبَ: “من الذي يحصي رمل البحر وقطرات المطر وأيام الأبد؟” (حكمة سيراخ1: 2). هذا ما نتجنبه نحن ـ بحكمة ـ رافضين كسر عِظام الخروف، بل نقبل بالإيمان، تلك التعاليم التي هي أسمى وأعظم من قدراتنا. ومن الأهمية بمكان أن نتذكَّر أن هذا المكتوب قد طُبِّق حرفيًا على مخلصنا، حيث إن جنود بيلاطس لم يكسروا عظامه وفق ما كتبه يوحنا (راجع يو19: 33ـ36).

 

استنارة الدهر الآتى:

          ويقول: ” والباقي منه إلى الصباح تحرقونه بالنار“، فالصباح يشير إلى استنارة الدهر الآتي، وقتذاك سنرى وجهًا لوجه ملكنا وإلهنا، ليس مثلما هو الآن في “الحياة الحاضرة” من خلال الرمز والظلال والمرآة كما يقول بولس (راجع 1كو13: 12). إذن، فحرق ما تبقى من الخروف إلى الصباح، يشير إلى تواري وانزواء الطريقة الرمزية والتصويرية بسبب سطوع المعرفة الأكثر لمعانًا.

كذلك أمرهم قائلاً لتكن: ” أحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم في أرجلكم، وعُصيكم في أيديكم. وتأكلونه بعجلةٍ. هو فصحٌ للرب” (خر12: 11)، وكونهم يلبسون حزامًا على وسطهم، يرمز إلى سرعة التصرف والحيوية، وذلك مثل ما قاله الله لأيوب البار: ” أشدّد الآن حقويك كرجلٍ” (أيوب 38: 3)، وكما قال لنبي آخر: ” ويكون البر حزام حقويه والأمانة حزام خصره” (إش11: 5 س)، أي ليكون سريعًا وشجاعًا تجاه البر.

 

الاستعداد والصبر والرجاء:

ويرمز الحذاء إلى استعداد الإرادة للسير بدون إبطاء تجاه ما يريده الله. لأن بولس بنفس الروح قال: ” وحاذين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام” (أف6: 15). كذلك يقول الله: ” فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلاَّ أن تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك” (تث10: 12).

والعُصي في الأيدي ترمز إلى الرجاء الذي يعضدنا، وتعطينا الصبر طبقًا لما نجده عند الأنبياء: ” فليتكل على اسم الرب ويستند إلى إلهه” (إش5: 10).

ويأمر المُشرِّع أيضًا أن يؤكل اللحم بعجلة، وهذه إشارة واضحة إلى أن الذى يتبع المسيح لا يجب أن يكون كسولاً، أو عنده لا مبالاة من جهة الأعمال الصالحة، لكن عليه أن يكون قويًا وحارًا من جهة استعداده للأعمال المفيدة والصالحة. تأمَّل ـ من فضلك ـ ما يقوله بولس الطوباوي: ” ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون، ولكن واحدًا يأخذ الجعالة. هكذا اركضوا لكي تنالوا. وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء. أمَّا أولئك فلكي يأخذوا إكليلاً يفنى وأمَّا نحن فإكليلاً لا يفنى” (1كو6: 24-25). وإنى انتهز هذه الفرصة لأقول إن الإنسان الذي تقدَّس بواسطة المسيح، يجب أن يكون نشيطًا لا خاملاً أو غير مبالٍ، بل عليه أن يلبس ملابس الرحالة، وبذلك يشير إلى أمرين: الأول، هو أن هذه الملابس تشير إلى أن الذى يتبع المسيح عليه أن يُسرع تجاه الحق. والثاني، هو الإشارة إلى أنه يجب عليه أن يُسرع إلى عمل الخير والصلاح وممارسة الفضيلة تاركًا ملذات العالم الشريرة.

 

الفصح هو عبور من الحياة الحاضرة إلى حياة الدهر الآتى:

          ويسمي المُشرِّع كل ما قاله بشأن ذبيحة الحمل: ” إنه فصحٌ للرب” (خر12: 11)، أي العبور من الحياة الحاضرة إلى المدينة التي يُسرُّ بها الله. ويُظهِر لهم الفائدة العظيمة التي سوف ينالونها عند إتمام هذه الذبيحة وهى الوعد بأن يحميهم من الهلاك، بينما يُهلك كل بكر من المصريين. وفي الوقت الذي يأكلون فيه الحمل، يكون دمه علامةً يحتمون فيه من الضربات التي ستحل فى أرض مصر. لأن الله يعاقب العنيد والعاصي وكل من لا يشتاق لحياة القداسة التي يمنحها المسيح، بينما يجعل الممسوحين بدم الحمل الحقيقي مستحقين للعناية الصالحة من جانبه، لذا هو لا يدع المؤمنين المقدسين أن يهلكوا مع غير المؤمنين، بل يمنحهم نعمةً فائقةً.

 

حياة النقاوة:

أخيرًا يأمر أولئك الذين أكلوا الحمل المقدس، أن يغتذوا لمدة سبعة أيام بفطير، (أي خبزًا غير مختمِرٍ)، مشيرًا بذلك ـ كما يبدو ـ إلى أن الذين تقدَّسوا بواسطة المسيح سوف يتغذون على رغبات طاهرة ويبتعدون عن أي شرٍ. ويقول: ” ويكون لكم في اليوم الأول محفل مقدس وفي اليوم السابع محفل مقدس” (خر 12: 21)، لأن زمن الخلق في البداية (قبل السقوط) كان مقدَّسًا؛ لأن آدم الأب الأول لم يكن قد ابتعد بعد عن الفردوس بسبب عصيانه، لكنه كان يعيش الفردوس في داخله، وقد طبَّق الوصية التي أُعطيت له. وزمن الأيام الأخيرة هو أيضًا زمن التقديس؛ لأن المسيح يُبرّرـ في ذلك الزمن ـ أولئك الذين يأتون إليه بالإيمان، ويحضرهم مرةً ثانيةً هناك إلى ما كنا عليه في بداية الخليقة أى فى ذلك الزمن المقدس.

إذن لقد أشارت كل هذه الأقوال مسبقًا لسر مخلصنا يسوع المسيح. لذلك قال المسيح نفسه لليهود: “ لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني” (يو5: 46).

 

المسيح فصحنا الجديد ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

المسيح فصحنا الجديد ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

المسيح فصحنا الجديد ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

المسيح فصحنا الجديد ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

 

مقدمة

 

          ولد القديس كيرلس[1] حوالي سنة 375م بالأسكندرية، وهو ابن أخت البابا ثاوفيلس بطريرك الأسكندرية الـ23، وقد تعلم كيرلس في الأسكندرية برعاية البطريرك ثاوفيلس. ثم قضي كيرلس حوالي خمس سنوات في برية شيهيت (394ـ399)، إذ هناك قرأ العهدين القديم والجديد على يدي الأب سرابيون الشيخ خليفة القديس مقاريوس الكبير.

          كان كيرلس يحفظ النص الكتابى بمجرد قراءته مرة واحدة، وحضر دروس المدرسة اللاهوتية بالأسكندرية على يدي ديديموس الضرير .

          ثم استدعاه خاله البطريرك ثاوفيلس ليكون شماسًا معه في الأسكندرية ورسمه قارئًا وطلب منه أن يشرح الكتب المقدسة للشعب.

          وفي سنة 404م رُسم كيرلس قسًا بكنيسة الأسكندرية وانطلق يعظ ويعلم الشعب ويفسر الكتب المقدسة. لقد  درس القديس كيرلس مؤلفات آباء الأسكندرية مثل أوريجينوس، وأثناسيوس، وديديموس الضرير. كما أطلع أيضًا على مؤلفات القديسين باسيليوس القيصري وغريغوريوس النزينزى. كما درس القديس كيرلس اللغات القديمة الشائعة في أيامه وهي العبرية والسريانية ولكنه كتب باليونانية وربما القليل بالقبطية.

          عندما تنيح الأنبا ثاوفيلس في 15 أكتوبر سنة 412م اتجهت أنظار الجميع إلى القديس كيرلس، فتم انتخابه وقام الأساقفة برسامته أسقفًا للأسكندرية وبطريركًا للكرازة المرقسية رقم 24 في نفس السنة وله من العمر حوالي 38 سنة.

          واصل البطريرك كيرلس جهاده في تعليم المؤمنين بالوعظ وتفسير الكتب المقدسة، وابتداءً من 428م بدأ القديس كيرلس يظهر كعلامة بارزة ومحطة هامة في تاريخ العقيدة الأرثوذكسية وتاريخ العلاقات الكنسية، وذلك بظهور هرطقة نسطوريوس بطريرك القسطنطينية، إذ قام كيرلس بدور المدافع الأول عن الأرثوذكسية ضد البدعة النسطورية.

          رقد القديس كيرلس في الرب في يوم 3 أبيب سنة 160 ش الموافق 10 يوليو 444م، وذلك بعد كفاح طويل وصمود شامخ فى الدفاع عن الإيمان ضد أخطر بدعتين هما الآريوسية والنسطورية.

 

القديس كيرلس مفسرًا للعهد القديم  :

          إن تفاسير القديس كيرلس للعهد القديم تعتبر من أقدم كتاباته، فقد كتب  ” العبادة بالروح والحق” فى صورة حوار بينه وبين بلاديوس، وهو شرح روحى “رمزى”، ” نماذجى”، ويشمل الكتاب 17 جزءً، وهى موجودة باليونانية فى مجلد 68 من باترولوجيا مينى.

          وكتب أيضًا فى هذه الفترة “الجلافيرا” (Ta Glafύrα): “تعليقات لامعة” من ثلاث عشر جزءً، وهو يُكمل ما سبق أن كتبه فى ” العبادة بالروح والحق”، ولكنه لم يكن فى صورة حوار: ما يخص سفر التكوين سبعة أجزاء، وثلاثة أجزاء لسفر الخروج، وثلاثة لأسفار اللاويين والعدد والتثنية.

          وكتب أيضًا فى هذه الفترة تفسيره لسفر إشعياء والذى شغل مجلدًا كاملاً (رقم70) فى سلسلة Migne، وكتب أيضًا شرحه  للأنبياء الصغار.

          أما شروحات القديس كيرلس لأسفار الملوك، نشيد الإنشاد، والأنبياء حزقيال، إرميا، باروخ، دانيال فلم يبق منها سوى مقاطع صغيرة.

هذه العظة:

          والعظة التى يتضمنها هذا الكُتيب تحت عنوان “المسيح فصحنا الجديد” هى مأخوذة من كتابه الجلافيرا: “تعليقات لامعة”، المقالة الثانية على سفر الخروج، فى حديثه عن “ذبيحة الحمل” من مجموعة ΕΠΕ آباء الكنيسة مجلد 5: 58ـ99 باللغة اليونانية للقديس كيرلس الأسكندرى، إصدار   “ΤΟ ΒΥΖΑΝΤΙΟΝ” تسالونيكى 2000.

 

بعض المبادئ الأساسية لفهم التفسير الروحى للقديس كيرلس:

          إن الإيمان الصحيح بسر التجسد هو ضرورة أساسية للتفسير، إذ أن الأساس الخريستولوجى[2] أى التعليم عن المسيح هو أساس كل شروحاته، وأيضًا أساس صياغاته للعقيدة.

          يؤكد القديس كيرلس أن الكتاب المقدس يتكلم عن الله بشريًا لأن الله لا يستطيع أن يتكلم أو يُعلن عن نفسه إلاّ بطريقة بشرية يسهل على الإنسان فهمها. وهذه الطريقة لا تُقلِّل من الكرامة والرفعة الإلهيتين، ولكن على العكس فإن عجز العقل البشرى واللغة البشرية هما السبب الذى جعل الكتاب يتكلم بطريقة بشرية عن الله. وهدف تفسير الكتاب هو معرفة التدبير الإلهى للخلاص. لذلك لا يمكن أن نظل فى الحرف لأن الغرض من الكلمة المكتوبة هو أن نرتفع دائمًا من المحسوس إلى الروحى، أى مما هو أدنى إلى ما هو أسمى. فالكلمة المكتوبة لها مفهومان: مفهوم تاريخى ومفهوم روحى، والذى يقودنا إلى التفسير الصحيح هو الإيمان، لأن الإيمان  يسبق المعرفة. فالعهد القديم هو نص نبوى له صفة الظل والمثال فهو يتنبأ عن سر المسيح.

          هكذا فى هذه العظة يستكشف القديس كيرلس سر المسيح لشعبه فى كيفية تتميم ناموس الفصح كما ورد فى سفر الخروج. وفى هذه العظة يعطى القديس كيرلس لمراحل ذبح وأكل خروف الفصح أبعادًا خريستولوجية، فيرى أن الفصح هو رمز لسر المسيح. وأن تحديد موعد الفصح فى بداية العام هو إشارة إلى المسيح الذى هو بداية كل شئ. وأن حفظ الخروف لمدة خمسة أيام إشارة إلى خمسة ازمنة فى تاريخ خلاص البشرية، ويربط بين هذه الأيام الخمسة ومثل صاحب الكرم (مت1:20ـ7) وأن الساعة الحادية عشر تمثل الفترة الخامسة التى فيها دعا المسيح المتجسد الأمم إلى الخلاص. وهكذا يختم القديس كيرلس شرحه بإعطاء بُعدًا خريستولوجيًا لوصية عدم كسر عظام الخروف عند أكله. ويرى أنها ترمز للعقائد الثابتة التى لا يجب أن تتغير من جهة الإيمان بالمسيح المتجسد، الأمر الذى فعله الهراطقة فأدانتهم الكنيسة.

          ليبارك المسيح إلهنا فصحنا الجديد حياتنا، بصلوات القديسة العذراء والآباء الرسل وجميع القديسين، والقديس كيرلس عمود الدين، وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث، شركائه فى الخدمة الرسولية الآباء المطارنة والأساقفة، ولإلهنا كل تسبيح وسجود الآن وإلى الأبد.

29 أبريل 2005م

21 برمودة 1721ش الجمعة العظيمة   

المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية

ذبيحة الحمل

 

ليس بأحد غيره الخلاص[3]:

          يستطيع المرء أنْ يعرف ـ بطرقٍ كثيرةٍ ـ أننا ننجو من قوة الموت بواسطة المسيح وحده، وهذا ما يؤكده لنا التلميذ الحكيم بقوله:    “ ليس بأحدٍ غيره الخلاص. لأن ليس اسمٌ آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلُص” (أع4: 12). كما أن هناك آلاف من الصور المتألقة ـ في الكتاب المقدس ـ تقدم لنا هذا السر بكل وضوح.

 

اطلق شعبى:

          إذن فلنمضِ لنجمع هذه الشواهد التي تخدم هدفنا، حتى نُظهر هذا السر شارحين إياها فى حديثنا هذا.

          يقول الكتاب: ” دخل موسى وهارون وقالا لفرعون هكذا يقول الرب إله إسرائيل اطلق شعبي ليعيِّدوا لي في البرية. فقال فرعون مَنْ هو الرب حتى أسمع لقوله فأُطلق إسرائيل. لا أعرف الرب وإسرائيل لا أُطلقه. فقالا: إله العبرانيين قد التقانا. فنذهب سفر ثلاثة أيام في البرية ونذبح للرب إلهنا لئلا يصيبنا بالوباء أو بالسيف. فقال لهما ملك مصر لماذا يا موسى وهرون تبطِّلان الشعب من أعماله. اذهبا إلى أثقالكما” (خر5: 1ـ4).

 

إله العبرانيين يؤيد شعبه بالمعجزات:

          يقول فرعون المغتاظ، وهو مليء بالغباء الشيطاني إنه لا يعرف مَنْ هو إله العبرانيين. لكن عندما بدأت الضربات على مصر بجروحٍ مستمرةٍ ومخيفةٍ، وأصابها التدمير تدريجيًا، مرةً بتحول المياه إلى دم، ومرةً أخرى بغمر الأرض بالجراد والبَرَد، وبظهور البعوض والضفادع، وأيضًا بحلول ظلام لثلاثة أيامٍ؛ كانت النتيجة أن فرعون أعطى وعدًا مباشرًا ـ ضد إرادته ـ بترك العبرانيين أحرارًا، وبرغم ذلك فإن قلب فرعون قد تقسى وأصبح أكثر صلادةً وتجبُّرًا ورهبةً بل ورفض تحرير الإسرائيليين من العبودية الطويلة.

ثم بعد ذلك أراد الله أن يرسل الملاك المُهلِك إلى أبكار المصريين. ولكن لأنه لا ينبغي أن يهلك المختارون مع الغرباء الدنسين، فإن الله قد وضع شريعة الفصح ـ محبةً للآباء ـ وأمر أن يُحتفَل بالفصح الذى يشير إلى سر المسيح قبل إعلان غضبه على أبكار المصريين. ومن هذا الأمر نستطيع أن نفهم أنه كان من المستحيل أن يُبطَل الموت بواسطة موسى والناموس. بل أن دم المسيح الكريم وحده هو الذى يُبعد المهلك ويحرر المُقدَّسين من هلاك الموت. لأن المسيح هو الحياة من الحياة، وهو إله الكل، إذ أنه إلهٌ من إلهٍ.

 

خروف الفصح:

          حسنًا يقول الكتاب المقدس:

وكلَّم الرب موسى وهرون في أرض مصر قائلاً. هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور. هو لكم أول شهور السنة. كَلِّما كل جماعة إسرائيل قائلين في العاشر من هذا الشهر يأخذون لهم كل واحدٍ شاةً بحسب بيوت الآباء. شاةً للبيت. وإن كان البيت صغيرًا عن أن يكون كفوًا لشاةٍ، يأخذ هو وجاره القريب من بيته بحسب عدد النفوس. كل واحد على حسب أكله تحسبون للشاة” (خر12: 1ـ4).

          وبعدما أمرهم أن يأخذوا شاةً، يضيف ـ محددًا ـ نوع الذبيح، ومتى وأين يذبحونه؟ إذ يقول: ” ويكون عندكم تحت الحفظ إلى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر. ثم يذبحه كل جمهور جماعة إسرائيل في العشية. ويأخذون من الدم ويجعلونه على القائمتين والعتبة العليا في البيوت التي يأكلونه فيها. ويأكلون اللحم تلك الليلة مشويًا بالنار مع فطير. على أعشابٍ مرةٍ يأكلونه. لا تأكلوا منه نيئًا أو طبيخًا مطبوخًا بالماء بل مشويًا بالنار مع أكارعه وجوفه. ولا تُبقوا منه إلى الصباح. والباقي منه إلى الصباح تحرقونه بالنار” (خر12: 6ـ10).

          كما يضيف المُشرِّع مخبرًا إياهم عما ينبغي أن يكون عليه ملبسهم، وما هي الطريقة التي يأكلون بها الفصح في تلك العشية المقدسة؛ لأنه يقول لهم: “ تأكلونه وأحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم في أرجلكم، وعُصيكم في أيديكم. وتأكلونه بعَجَلةٍ. هو فصحٌ للرب” (خر12: 11). الفائدة المحققة نتيجة ذبح الخروف هى أكيدة، والمُشرِّع يعلنها قائلاً: ” فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين. أنا الرب. ويكون لكم الدم علامةً على البيوت التي أنتم فيها. فأرى الدم وأعبر عنكم. فلا يكون عليكم ضربةً للهلاك حين أضرب أرض مصر” (خر12:12ـ13). وبعد ذلك يقول: ” سبعةُ أيامٍ تأكلون فطيرًا. اليوم الأول تعزلون الخمير من بيوتكم” (خر12: 15).

كما أنه يشدِّد على الاشتراك فى هذه الاحتفالية والتفرغ لها، إذ يقول: ” ويكون لكم في اليوم الأول محفل مقدس، وفي اليوم السابع محفل مقدس. لا يُعمل فيها عمل ما إلاَّ ما تأكله كل نفس، فذلك وحده يُعمَل” (خر 12: 16).

 

التفسير الروحى لذبيحة الفصح:

هذا إذن ما يقوله الكتاب المقدس، ونحن إذ نفحص هذه الأقوال، نضيف إليها شرحًا وافيًا يوضح ـ بأكثر من طريقة ـ أهمية كل قول على حدة، فى الإشارة لسر المسيح.

 

المسيح قدّس الكل من البداية:

لقد تحدد وقت عمل التقديس في أثناء الشهر الأول من بداية العام؛ لأن بداية الكل هو المسيح (راجع كو1: 18)؛ لأن المسيحَ الكلمة والابن المتجسد لم يكن حديث العهد، بل هو نفسه المولود قبل كل الدهور من الآب، وقد قدَّس كل الأزمنة التي صارت من البداية وحتى النهاية. أيضًا يقول إن الاحتفال حُدِّد في بداية العام الجديد، وهذا يشير أنه ” بالمسيح الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكلُ قد صار جديدًا” وفقًا لكلام بولس الطوباوي (2كو5: 17، إش43: 19)، لقد أزهرت بالفعل طبيعة الإنسان ـ ثانيةً ـ بالمسيح والكل صار جديدًا.

 

المسيح هو المُحرِّر:

لقد أمر الله بكل هذا، في حين كان الإسرائيليون مازالوا عبيدًا يرزحون تحت سلطة المصريين، معبِّرًا بذلك ـ بطريقةٍ رمزيةٍ ـ عن أن نفس الإنسان لا يمكنها أن تنطلق تجاه التحرر من الخطية، أو الهرب من شهوة إبليس، والانفصال عن العالم، وصولاً إلى المدينة السماوية، إلاَّ بمحبة المسيح فقط للبشر.

وهذا هو ما قاله المسيح نفسه لليهود الحمقى: “ الحقَّ الحقَّ أقول لكم إن كل مَنْ يعمل الخطية هو عبدٌ للخطية. والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد. أمَّا الابن فيبقى إلى الأبد. فإن حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا” (يو8: 34ـ36)، كما قال أيضًا: ” الحقَّ الحقَّ أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم” (يو6: 53)، ولا شك أن الصورة الرمزية لهذا الأمر يمكن أن نجدها في أرض الميعاد، تلك التي كان الإسرائيليون يسيرون إليها.

 

المسيح أتى فى الأزمنة الأخيرة:

ونلاحظ أنَّ الخروف كان يوضع تحت الحفظ من اليوم العاشر للشهر حتى اليوم الرابع عشر منه لكي يُذبَح في المساء. وإذا تساءلنا عن سبب ذلك، وجدنا أن هناك دلالةً هامة لتلك الأمور. وربما يسأل المرء ما المشكلة لو أُخِذَ الخروف في اليوم الأول من الشهر؟ وما هو الهدف الذي شَرَّع الله لأجله أن يُحفظ الخروف لمدة خمسة أيام، ومن ثم يُذبَحُ في المساء؟ ولماذا بدأنا العدُّ من اليوم العاشر حتى الرابع عشر، حتى يكون مدة حفظ الحمل هى خمسة أيام؟

أما من جهة أنَّه لا يجب أن يُؤخذ الخروف للحفظ من اليوم الأول للشهر، فهذا يدُل ـ رمزيًا ـ على أنَّ زمننا هذا، قد أتى بعد أن كانت قد مرَّت قبلنا أزمنةٌ كثيرة وأجيالٌ طويلة، لم تكن خالية أبدًا من وجود الله. لأن فترة الخمسة أيام التي سبق أن أُشير إليها قُسِّمت بعد ذلك إلى خمس فترات زمنية. وهذا هو الأمر الذي اتضح من المثل الذي قاله المخلِّص: ” فإن ملكوت الله يشبه رجلاً ربَ بيتٍ خرج مع الصبح ليستأجر فعلةً لكرمه. فاتفق مع الفعلة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه. ثم خرج نحو الساعة الثالثة ورأى آخرين قيامًا في السوق بطالين. فقال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم. فمضوا. وخرج أيضًا نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل كذلك. ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج ووجد آخرين قيامًا بطالين. فقال لهم لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطالين. قالوا له لأنه لم يستأجرنا أحدٌ. قال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم” (مت20: 1ـ7).

هل اتضح لك من هذه الأقوال أن زمننا هذا قد قُسِّم إلى خمس فترات؟ الفترة الأولى هي التي عاش فيها آدم، الأب الأول في الفردوس. والفترة الثانية كمثل “الساعة الثالثة”، ويقصد بها الزمن الذي عاش فيه نوح والذين كانوا معه. والفترة الثالثة هي مثل “الساعة السادسة” في المثَل وهي تُشير إلى الفترة الزمنية التي تبدأ بدعوة إبراهيم لكي يعرف الإله الحقيقي. والفترة الرابعة هي أيضًا مثل “الساعة التاسعة”، ويُقصد بها الفترة التي عاش فيها موسى والأنبياء. أمَّا الفترة الخامسة أي “نحو الساعة الحادية عشر”، أي التي فيها ينتهي اليوم، ويصل الزمن الحاضر إلى نهايته، في هذه الفترة استأجر السيد المسيح الأمم الذين لم يكونوا قد دُعوا بعد من أي أحد آخر أثناء الفترات السابقة. لذلك أجاب هؤلاء الآخرون قائلين: “ لم يستأجرنا أحد“.

هكذا يؤخذ الخروف للحفظ في اليوم الأول من تلك الخمسة أيام، أي اليوم العاشر الذي يشير إلى بداية الزمن، ويُحفظ لآخِر الوقت، أي اليوم الرابع عشر ويُذبح في المساء، وهذا يجعلك تدرك أيضًا أن سر المسيح ليس أمرًا مستحدثًا، لكنه كان محفوظًا فى علم الآب السابق من قبل خلق العالم (راجع أف3: 9)، غير أنه مات لأجلنا في الأزمنة الأخيرة.

[1] انظر: دكتور نصحى عبد الشهيد، القديس كيرلس الأسكندرى حياته وكتاباته، أعمال المؤتمر السنوى السادس للدراسات الآبائية، سبتمبر 1998، إصدار مركز دراسات الآباء، ص9ـ18.

[2]  راجع د. جوزيف موريس فلتس، أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1)، دورية دراسات آبائية ولاهوتية، السنة الثامنة، العدد الخامس عشر، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، يناير 2005، ص44ـ53.

[3] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

 

المسيح فصحنا الجديد ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

عيد الفصح اليهودي – ماذا تعرف عن عيد الفصح פסח اليهودي؟ Pesach

عيد الفصح اليهودي – ماذا تعرف عن عيد الفصح פסח اليهودي؟ Pesach

عيد الفصح اليهودي – ماذا تعرف عن عيد الفصح פסח اليهودي؟ Pesach

الفصح פסח

إن أكبر الأعياد وأهمها، في الكتاب المقدّس، هو عيد الفصح פסח. يحتل هذا العيد مكانة مرموقة، سواء في العهد القديم أو العهد الجديد. ليس من المستبعد أن يكون بنو إسرائيل احتفلوا، قبل خروجهم من مصر بمدة طويلة، بعيد زراعي في الربيع، يتم فيه ذبح حمل. ربما تمت إضافة ذكرى ذبيحة إسحق، فيما بعد، إلى هذا العيد.

يرجع أصل العيد، بدون شّك، إلى الخروج من مصر، وهو أشهر أحداث تاريخ بني إسرائيل. هرب يعقوب وأولاده، في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، من المجاعة إلى مصر. سهل دخولهم مصر وجود يوسف، أحد أبناء يعقوب فيها، وتبوء منصباً هاماً، إذ كان ذراع فرعون اليمنى. عاش يعقوب وأولاده في بحبوحة وأمان في أرض جوشن، وهي منطقة خصيبة في الدلتا.

مرت السنون، واعتلى عرش مصر فراعنة نسوا أفضال يوسف على البلد، وإنقاذه لها من المجاعة في الماضي. وأهتم هؤلاء فقط بالحاضر. ازدهرت أحوال بني إسرائيل الاقتصادية، وزاد عددهم، وعزفوا عن الاختلاط بأهل البلد، فكونوا شيئاً فشيئاً، دولة داخل الدولة. لم يشكلّ هذا الأمر تهديداً مباشراً للدولة، إلاّ أنه أثار مخاوف السلطة. وفي تلك الآونة بدأ فرعون في إقامة مخازن غلال ضخمة، فرأى أن يضرب عصفورين بحجر واحد: تسخير هذا الشعب لبناء المخازن وبذلك تتوافر لديه اليد العاملة، وفي نفس الوقت يستطيع السيطرة على بني إسرائيل. هكذا بدأت فترة عبودية وسخرة بني إسرائيل في مصر.

عندما ظهر موسى، وهو أحد أبناء الشعب المضطهد، وأراد أن يخلص شعبه قاومه فرعون بكل السبل المُتاحة. وهنا تدخل إله إسرائيل، الذي أكثر من الآيات ليخلص من وضعوا ثقتهم وإيمانهم فيه. هلك في ليلة الخلاص، أبكار المصريين، بينما لم يصب أبكار بني إسرائيل بأي أذى، لأن هؤلاء نفذوا ما طلبه منهم موسى، وهو وضع علامة بدم الحمل على أبواب بيوتهم. هكذا نجا بنو إسرائيل من هذه الكارثة.

يصف هذا كتاب الخروج ويستعمل كلمة بسِخ: “فقولوا هي ذبيحة فصح نقدمها للرب الذي عبر عن بيوت بني إسرائيل في مصر” (خروج 27:12). الفصح פסח إذاً هو عبور. ويعبّر حادث عبور الحاجز المائي عن نفس الفكرة والمفهوم: فبدلاً من أن يغرق بنو إسرائيل في المياه، نجوا وخلصوا وبلغوا البر الثاني بأمان.

يحتفل بنو إسرائيل بذكرى هذا الحدث في عيد الفصح פסח في 14 نيسان، وهو الشهر الأوّل في السنة العبرانية. تعبر مكونات المأدبة عن أحداث الخلاص. تسمى هذه الوجبة سدِر، وبها يحيي بنو إسرائيل، سنوياُ، ذكرى هذا الخلاص من العبودية: إن العبودية الحقيقية ليست هي عبودية فرعون، إنمّا هي عبودية الخطيئة وهي التي تقود إلى الموت والفناء. لذلك فالاحتفال بالعبور ليس هو مجرد تذكر حدثٍ تم في الماضي، ولكنه احتفال بالهبات والعطايا الإلهية، التي انبثقت عن الخروج من مصر. وهناك ثلاث لحظات هامّة في الوجبة الطقسيّة.

  • ذكر حالة العبودية (عبودية فرعون والخطيئة): ويتم ذلك بأكل أعشاب مرّة مغموسة في الماء والخل. قبل أن يشكر الإنسان الله ويحمده على الخلاص، عليه أن يتذكر حالته قبل الخلاص. تسمح مرارة الخطيئة بتقدير حلاوة الرحمة الإلهيّة.
  • بركة الفطير وأكله: يذكر الفطير بالخبز الذي أكلوه في مصر، وبالمن الذي غذى الشعب في الصحراء.
  • بركة وشرب بعض كؤوس الخمر: هناك أربع كؤوس، وذلك لأن نص الفصح פסח العبريّ يستعمل أربعة أفعال ليصف خلاص الرب.

يظل هذا الخلاص مفتوحاً: الخلاص من عبودية مصر هو مجرد إعلان مسبق عن الخلاص النهائي. لذلك كان كل بيت، ليلة الفصح פסח ، يملأ كأساً إضافية إكراماً لإيليا النبي، الذي يجسّم آمال بني إسرائيل المسيحانية.

تؤكد بعض التقاليد أن المسيح وحده، عند مجيئه، هو الذي يستطيع أن يأخذ هذه الكأس ويشربها، وبذلك يتمم خلاص البشرية.

إن رغبة يسوع المُلحة في أن يحتفل بالفصح مع تلاميذه يمكن فهمها فهماً جيداً على ضوء هذا التقليد. إنه أعلن بذلك أنه على وشك إتمام خلاص البشرية النهائي بإعطائه جسده ودمه مأكلاً ومشرباً. إن الإفخارستيّا، التي أسسها يسوع المسيح ليلة خميس العهد، هي استمرار واكتمال الفصح פסח الذي بدأ في مصر.

يصف القديس لوقا في إنجيله العشاء الإفخارستي بدقة شديدة: “وكذلك الكأس أيضاً بعد العشاء، فقال: هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يسفك من أجلكم” (لوقا 20:22).

في وصف طقس الفصح פסח، تظل كأس إيليا ملأى ولم تُشرب. يبدو أن لوقا يريد أن يقول بذلك إن يسوع هو الذي أخذ هذه الكأس وتقاسمها مع تلاميذه، لكي يعلن بذلك أن الخلاص قد تمّ. يعلن يسوع بكل وضوح، بهذه الطريقة، أنه المخلص المسيح. وفي اليوم التالي، الجمعة، يُسْفك دم يسوع فوق الجلجثة على أبواب أورشليم، كما سفك دم الحمل على أبواب بني إسرائيل في مصر. ومرّة أخرى ينجو بيت إسرائيل من الموت، بفضل دم يسوع الحمل المذبوح. يمثل أورشليم أو أورشليم السماوية، في كتاب الرؤيا، الكنيسة، أي جماعة الذين وضعوا إيمانهم وثقتهم في الله، وانتظروا أن يخلصهم من القوى المعادية.

إن عيد الفصح פסח الذي يجمع الخروج من مصر وعبور مياه الموت وقيامة يسوع المسيح، هو، بالنسبة للكتاب المقدّس، الحدث الرئيسيّ والمركزيّ في تاريخ البشرية وتاريخ الخلاص. الحب هو أقوى من الموت وسيظل دائماً كذلك. هذا هو الخبر السار (الإنجيل) الذي يجب أن يصل إلى أقاصى الأرض.

عيد الفصح اليهودي – ماذا تعرف عن عيد الفصح פסח اليهودي؟ Pesach

مدرسة الاسكندرية اللاهوتية – د. ميشيل بديع عبد الملك (1)

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

 

Exit mobile version