المسيح فصحنا الجديد ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

المسيح فصحنا الجديد ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

المسيح فصحنا الجديد ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

 

المسيح هو نور العالم:

          ولَمَا كان النور الإلهي لم يكن قد أشرق بعد؛ لأن الأرض كانت ما تزال غارقةٌ في ظلام الجهل، وقد لوَّث رؤساء هذا الظلام قلوب الجميع. لذلك عندما أتى المخلِّص قال: ” أنا هو نور العالم” (يو8: 12، 9: 5)، وبما أن القديسون يُعتَبرون بمثابة مصابيح العالم التي تشع بكلمة الحياة، لذا كانوا جديرين أن يسمعوا قول المخلِّص: “ أنتم نور العالم” (مت5: 14)، حتى يمكنهم أن ينيروا الذين في الظلمة.

ولسوف تندهش أيضًا عندما يتبين لك أن هذه الأقوال إنما تُشير إلى عملٍ سريٍ آخر. لأنه في اليوم الرابع عشر من الشهر يُذبَحُ الخروف، هذا اليوم يكون فيه القمر مُكتَملُ البهاء، وينير كل المسكونة بنورٍ خافت يأخذ في الأُفول تدريجيًا، إذ أن هناك تلاشيًا اضطراريًا لكل مجد أرضى. يمكننا أن نفهم هذه الأمور رمزيًا من كون الشيطان ـ باعتباره رئيس الليل (المساء)، والمُمجَّد في كل المسكونة (بالمجد العالمي) ـ على مثال القمر (لأن القمر خُلِقَ ليسود على الظلام) (تك1: 16)، وهكذا يضع الشيطان حكمته الزائفة كمثل نورٍ كاذبٍ في قلوب المُضَلَّلين، موهمًا إياهم أن لمعان ذاته كامل، أما المسيح الذى مات لأجلنا ولأجل خلاصنا، فهو الحَمَل الحقيقي الذي رفع خطايا العالم (يو1: 29)، وأبطل مجد الشيطان الزائف. هذا المجد (الشيطانى) لابد وأن يتلاشى رويدًا رويدًا عندما تسير جموع الأمم صاعدةً نحو محبة الله وسلامه بإيمانهم بهذا العمل (السري) الخلاصى.

وقد تغنَّى سفر المزامير بهذا الأمر عندما قال عن المسيح:         “ يُشرق في أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر” (مز72: 7). فبتجسد المسيح أشرق البر ـ حقًا ـ بواسطة الإيمان والسلام الوافر بالرجوع إلى الله. ثم أُبطِلَ رئيس الليل، أي الشيطان. لكن عليك أن تلاحظ أنه لم يقُل ـ ببساطةٍ ـ إن القمر سيضمحل من ذاته، لكنه سيضمحل بواسطة آخر؛ لأن الواضح أن الشيطان كان قد فعل نفس الأمر قديمًا وحاول إخفاء بهاء مجد الإنسان.

 

المسيح واحد ولا يقبل الانقسام:

مكتوبٌ أيضًا: ” يأخذون لهم كل واحدٍ شاةً بحسب بيوت الآباء” (خر12: 3)؛ لأن المسيح هو كامل، حسب إيمان كل واحد منا، عندما تكون له شركة الروح القدس، والمسيح لا يُقسَّم كما يقول الرسول بولس (راجع 1كو12: 4). وإن كان هناك بيتٌ عدد أفراده قليلون، ولا يستطيعون أن يأكلوا خروفًا، فليأخذ كل واحدٍ معه جاره الموجود بالقرب منه. أي أن أولئك الذين لا يمكنهم بمفردهم إدراك سر المسيح تمامًا، أو لا يستطيعون استيعاب سر المسيح لضعف عقولهم، عليهم أن يأخذوا جيرانهم كمعاونين ومساعدين لهم في الإيمان. لأن ما يتجاوز قدراتنا الذهنية، يمكننا أحيانًا أن نفهمه بواسطة إرشاد الآخرين. وذلك مثلما فعل الخصي الحكيم الذي سأل فيلبس ليرشده عن النبوة التي كانت تشير إلى المسيح ” مثل شاة سيق إلى الذبح” فقال: ” أطلب إليك عن من يقول النبي هذا. عن نفسه أم عن واحد آخر” (أع32:8ـ34). أرأيت كيف أنه أخذ رأي جاره ـ لأن كل واحد منا هو جارٌ للآخر، إذ أن كلمة الإيمان مشتركة، ونحن جميعًا نؤمن بالواحد ـ وعندما بحث الخصى عن الحقيقة بعمق، صار مشاركًا فى الإيمان “بالحَمَل“، إذ طلب أن يعتمد مباشرةً وقد اعتمد فعلاً.

ويقول الكتاب عن “الشاةِ” أنها: ” تكون صحيحة” أى كاملة. حيث إن المسيح هو كامل إذ هو الله. كما أعلن المُشرِّع أن تكون الشاةُ ذكرًا؛ لأنه هو الزارع الذي يزرع بذور معرفة الله داخلنا وكأنها أرضُ يفلِّحُها، مثل كلام الأنبياء الذي أعدَّ البشريةَ لقبول المخلص الذى بشر به الإنجيليون.

وبالإضافة لكل هذه التعليمات، لابد وأن يكون عمر الخروف عامًا لا أقل، حتى لا يكون ناقصًا، ومن جهة أخرى فإنهم سوف يتممون الاحتفال بالفصح اللائق بالله بعدما يمر عامًا كاملاً على احتفالهم السابق، عندئذٍ يجنون ثمار خيرات الآلام محتفلين بالفصح.

 

المسيح هو الذبيحة التى بلا عيب:

مكتوبٌ أيضًا يأخذون الشاة من الخراف أو الماعز. والخروف بسبب أنه طاهرٌ وبرئٌ يعتبر ذبيحةً بحسب الناموس، بينما يُقدَّم الماعز على المذبح لأجل خطايانا. وهذا هو ما سوف تجده بالتأكيد في المسيح، فهو نفسه كان ذبيحةً بلا عيب إذ قدَّم ذاته لله أبيه كرائحةٍ ذكيةٍ، وكشاةٍ، ذُبِحَ بسبب خطايانا.

 

فاعلية دم المسيح:

كما أمر المُشرِّع أن يدهنوا القائمتين والعتبة العليا للمنازل بدم الحمل، قاصدًا بذلك الإشارة إلى أنه بدم المسيح المقدس والكريم نؤمِّن مسكننا الأرضي، أي الجسد، طاردين منه الموت الذي هو نتيجة العصيان، بالحياة التي نشترك فيها. وفي نفس الوقت نُسبب الاضطراب للشيطان المهلك، إذ بمسحة الدم نطرد بعيدًا الشيطان الذي يريد بنا شرًا طارحين بعيدًا الشهوات والأهواء الجسدية.

أمَّا “أبواب” بيوتنا، فهي حواسنا التي من خلالها نراقب نوعية الأمور التي تدخل قلوبنا، إذ يتسلل داخلنا ـ من خلالها ـ عدد لا يحصى من الرغبات. فلقد دعا النبي يوئيل الحواسَ أبوابًا قائلاً: “يتراكضون في المدينة، يجرون على السور، يصعدون إلى البيوت، يدخلون من الكُوى كاللص” (يؤ2: 9)؛ فى نبوة عن تلك الأبواب التى لم تُدهن بدم المسيح.

 

التناول من جسد المسيح ودمه والتبشير بموت المسيح وقيامته:

كما أمر الكتاب أن تؤكل الذبائح في ذات الليلة، أي هنا في الحياة الحاضرة.لأن بولس قد وصف هذه الحياة هكذا قائلاً: “ قد تناهى الليل وتقارب النهار، فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور” (رو13: 12)، داعيًا بوضوح لهذه الحياة التي ينيرها المسيح نفسه. هكذا يوصي أن نأكل الذبائح أثناء فترة حياتنا في هذا الدهر؛ لأنه بقدر ما نصير مشاركين المسيح بطريقةٍ روحيةٍ ومحسوسةٍ ـ أثناء وجودنا في هذا العالم ـ بتناول الجسد المقدَّس والدم الثمين، بقدر ما نصل إلى يوم قوته كما هو مكتوب (مز110: 3)، وبقدر ما نصعد إلى بهاء القديسين، نتقدس أيضًا بطريقةٍ يعرفها معطي الخيرات العتيدة ومانحها.

ومن ناحيةٍ أخرى، فإن التناول من جسده المقدَّس، ومن دمه الكريم، يعني الاعتراف بالآم المسيح وموته الذي صار لأجلنا بالتدبير. لأنه هو نفسه قال لعارفيه حين حدَّد نظام السر: “ فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز، وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء” (1كو11: 26).

وباشتراكنا في الأمور التي أشرت إليها توًا ـ أثناء هذه الحياة الحاضرة ـ فإننا بالفعل نكرز بموت الرب، لكن عندما يأتي بمجد الآب، عندئذٍ لا نقدم له اعترافنا بموته، بل سوف نعرف الله بكل وضوح ” وجهًا لوجه” كما يقول الرسول بولس (راجع 1كو13: 12). إذ يقول: “ عالمين أن المسيح بعدما أُقيم من الأموات لا يموت أيضًا. لا يسود عليه الموت بعد” (رو6: 9)، كما يقول أيضًا: ” إذًا نحن من الآن لا نعرف أحدًا حسب الجسد. وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرفه بعد” (2كو5: 16). لأننا عندئذٍ سوف نعرفه بأكثر وضوح، ليس من جهة أنه أخلى ذاته عندما صار إنسانًا، لكن إذ هو إلهٍ حقيقيٍ أتمّ تدبير الله الخلاصي. عند ذلك ستكون الأقوال بالأكثر هى عن المعرفة الأسمى، إذ يشرق علينا بمعرفة الخلاص الإلهية من جانبه، تلك التي يعبِّر عنها بواسطة مجده الفائق.

 

ضرورة أن نكون حارين بالروح سالكين بنقاوة القلب:

نقرأ أيضًا أن الخروف يؤكل مشويًا بالنار؛ لأن أولئك الذين يشرعون في فهم سر المسيح، يجب أن يكونوا حارين روحيًا، ولذلك ينصحنا الرسول أن نكون هكذا (راجع رو12: 11).

كما يأمرهم أيضًا أن يأكلوا فطيرًا (خبز بلا خمير) على أعشابٍ مُرةٍ معلنًا بطريقةٍ رمزيةٍ أن الذين صاروا مشاركين للمسيح، عليهم أن يتغذوا على اشتياقات نقية لا خمير فيها، وأن يعتادوا على السلوك بنقاوة القلب الخالي من الشر، غير هاربين من التجارب المؤلمة وفق المكتوب: “ يا بنيَّ، إن أقبلت لخدمة الرب فاعدد نفسك للتجربة. أرشد قلبك وأصبر ولا تكن قلقًا في وقت الشدة” (حكمة يشوع بن سيراخ2: 1ـ2).

 

الإيمان المستقيم بالمسيح:

ويقول أيضًا: ” لا تأكلوا منه نيئًا” (خر12: 9). ماذا يعني بقوله هذا؟ الأكل النيئ لا يمضغ ولا يهضم، وهو يشير إلى الذين لا يفحصون الكلمة بتدقيق ليجدوا المسيح. أمَّا أولئك الذين يبحثون بتدقيق، فإنهم “يطهون” الكلمة ويتذوقونها وفق ما قاله داوود النبي:    “ عند لهجي بكلامك اشتعلت النار” (مز39: 3).

كذلك منعهم من أن يأكلوا اللحم مطبوخًا في الماء، معلنا بذلك أن الفكر الكاذب والمنحل عن المسيح لا يعتبر غذاءً مناسبًا لعقول المؤمنين. وما هو الاعتقاد الكاذب عن المسيح، إلاَّ عدم الإيمان بأنه هو الله بطبيعته، أو أن يحسبوا المسيح ضمن المخلوقات، وهو الأمر الذي لم يتردد البعض في القول به نتيجة جهلهم. وبينما يجمعون ويحرّفون تفسير الشواهد التي قيلت ـ بحسب التدبير ـ عن تأنُّسه، يجعلونها غذاءً لكفرهم الذي يسكن في داخلهم.

ومعنى قوله: ” لا تأكلوا منه نيئًا أو طبيخًا مطبوخًا بالماء، بل مشويًا بالنار” (خر12: 9)، هو أن الكلام عن إلوهيته كلامٌ حارٌ، وليس فيه شئ بارد أو كاذب وفق قول المزمور: “ كلمتك ممُحصة جدًا وعبدك أحبها” (مز 119: 14).

 

الاستنارة بمعرفة المسيح الكاملة:

كما أمر أيضًا أنْ يؤكَل رأسه مع أكارعه وجوفه، مريدًا لهم أن يحتووا داخلهم المعرفة الكاملة لسره.

 لأنه ينبغي ـ قبل كل شئ ـ أن يعرفوا أن الكلمة كان فى الآب ومع الآب منذ البدء إذ أنه هو الله بالفعل، أي كان هو بداية كل سر كالرأس. وثانيًا، وبما أنه الله، فإنه سوف يأتي ثانيةً كديّان لكي يضع نهاية لخطة خلاصه (أى ليتمم خلاصنا)، وهذا هو ما تشير إليه الأرجل التي هي فى نهاية الجسد. أمَّا الجوف، فيشير إلى الكلمة المتأنِّس المختفي فينا (داخلنا). إذن هذه الأقوال تُصِّور الإيمان كله، وبهذه المعرفة يتصوَّر المسيح فينا كاملاً، عندئذٍ يمكنني أن أؤمن بما يقوله يوحنا: “ الكائن والذي كان والذي يأتي القادر على كل شيء” (رؤ1: 8).

 

الحث على عدم التباطؤ عن الاستنارة بالروح القدس:

ومن ثمَّ، يأمر المُشرِّع قائلاً: “ ولا تبقوا منه حتى الصباح” (خر12: 10)، مبطلاً بهذا كما يبدو ـ بطريقة رمزيةٍ ـ محاولات التأجيل غير الصالحة التي تُسهم في عدم فهم السر كما يجب من جانب البعض. لأنه يقول لا تؤجِّل المعرفة الحقيقية والتامة عن المسيح، ولا يجب أن يتباطأ البعض في المشاركة التامة في فرح نهاية الأزمنة، فطالما آمنوا فليكملوا شركتهم. وهذا هو ما كان يفعله البعض من أولئك الذين كانوا قد قبلوا كلمة الوعظ وتعليم المسيح، لكنهم كانوا يتكاسلون من جهة نوال الروح القدس ونعمة المعمودية مؤجلين ذلك حتى يكبروا في السن. غير عارفين أن هذا التأجيل يمكن أن يجلب عليهم ضررًا كبيرًا غير متوقع، خاصةً لو نجح المرء منهم في تحقيق هذه الرغبة (أي تأجيل المعمودية حتى الأيام الأخيرة لحياته)، فإن رجاءه سيكون غير آمن. إذن، فمن يأكل حتى النهاية يتقدَّس بالتأكيد، وينال أيضًا غفرانًا لخطاياه، ويقدِّم لسيده الوزنة التي أُعطيت له دون أى لوم.

 

عقائد ثابتة مثل عظام لم تُكسر:

       ويقول: “ والباقي منه إلى الصباح تحرقونه بالنار. ولا يُكسرُ له عظم” (خر12: 10س)؛ لأن العظم لا يؤكل بأسناننا، وشيءٌ مثل هذا يذكِّر أذهان البشر بالكلمة الأزلى. إنه الابن، وهو الابنُ بالطبيعة، وقد وُلِدَ من الله الآب، ونحن نؤمن به، دون أن نفتش أو نتشكك فيه وذلك وفقًا لكلام النبي القديس؛ ” لأن من يعرف طريقة ولادته؟ من يصف مولده؟” هكذا صرخ النبي (إش53: 8 س).

إذن، عدم كسر العِظام، يُشير إلى ثبات العقائد التي تفوق العقل. فهذه العقائد (العِظام) يحرِّم المُشرِّع سحقها، لكن الهراطقة، أولئك الذين يحرِّفون الحق قد سحقوها تمامًا في ذواتهم؛ لأنهم ـ إذ يعانون من طيش التفكير وعدم البصيرة ـ مصممون على الانشغال بطريقة الولادة الإلهية غير الموصوفة، ولا يقبلون عقليًا ما كُتِبَ: “من الذي يحصي رمل البحر وقطرات المطر وأيام الأبد؟” (حكمة سيراخ1: 2). هذا ما نتجنبه نحن ـ بحكمة ـ رافضين كسر عِظام الخروف، بل نقبل بالإيمان، تلك التعاليم التي هي أسمى وأعظم من قدراتنا. ومن الأهمية بمكان أن نتذكَّر أن هذا المكتوب قد طُبِّق حرفيًا على مخلصنا، حيث إن جنود بيلاطس لم يكسروا عظامه وفق ما كتبه يوحنا (راجع يو19: 33ـ36).

 

استنارة الدهر الآتى:

          ويقول: ” والباقي منه إلى الصباح تحرقونه بالنار“، فالصباح يشير إلى استنارة الدهر الآتي، وقتذاك سنرى وجهًا لوجه ملكنا وإلهنا، ليس مثلما هو الآن في “الحياة الحاضرة” من خلال الرمز والظلال والمرآة كما يقول بولس (راجع 1كو13: 12). إذن، فحرق ما تبقى من الخروف إلى الصباح، يشير إلى تواري وانزواء الطريقة الرمزية والتصويرية بسبب سطوع المعرفة الأكثر لمعانًا.

كذلك أمرهم قائلاً لتكن: ” أحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم في أرجلكم، وعُصيكم في أيديكم. وتأكلونه بعجلةٍ. هو فصحٌ للرب” (خر12: 11)، وكونهم يلبسون حزامًا على وسطهم، يرمز إلى سرعة التصرف والحيوية، وذلك مثل ما قاله الله لأيوب البار: ” أشدّد الآن حقويك كرجلٍ” (أيوب 38: 3)، وكما قال لنبي آخر: ” ويكون البر حزام حقويه والأمانة حزام خصره” (إش11: 5 س)، أي ليكون سريعًا وشجاعًا تجاه البر.

 

الاستعداد والصبر والرجاء:

ويرمز الحذاء إلى استعداد الإرادة للسير بدون إبطاء تجاه ما يريده الله. لأن بولس بنفس الروح قال: ” وحاذين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام” (أف6: 15). كذلك يقول الله: ” فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلاَّ أن تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك” (تث10: 12).

والعُصي في الأيدي ترمز إلى الرجاء الذي يعضدنا، وتعطينا الصبر طبقًا لما نجده عند الأنبياء: ” فليتكل على اسم الرب ويستند إلى إلهه” (إش5: 10).

ويأمر المُشرِّع أيضًا أن يؤكل اللحم بعجلة، وهذه إشارة واضحة إلى أن الذى يتبع المسيح لا يجب أن يكون كسولاً، أو عنده لا مبالاة من جهة الأعمال الصالحة، لكن عليه أن يكون قويًا وحارًا من جهة استعداده للأعمال المفيدة والصالحة. تأمَّل ـ من فضلك ـ ما يقوله بولس الطوباوي: ” ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون، ولكن واحدًا يأخذ الجعالة. هكذا اركضوا لكي تنالوا. وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء. أمَّا أولئك فلكي يأخذوا إكليلاً يفنى وأمَّا نحن فإكليلاً لا يفنى” (1كو6: 24-25). وإنى انتهز هذه الفرصة لأقول إن الإنسان الذي تقدَّس بواسطة المسيح، يجب أن يكون نشيطًا لا خاملاً أو غير مبالٍ، بل عليه أن يلبس ملابس الرحالة، وبذلك يشير إلى أمرين: الأول، هو أن هذه الملابس تشير إلى أن الذى يتبع المسيح عليه أن يُسرع تجاه الحق. والثاني، هو الإشارة إلى أنه يجب عليه أن يُسرع إلى عمل الخير والصلاح وممارسة الفضيلة تاركًا ملذات العالم الشريرة.

 

الفصح هو عبور من الحياة الحاضرة إلى حياة الدهر الآتى:

          ويسمي المُشرِّع كل ما قاله بشأن ذبيحة الحمل: ” إنه فصحٌ للرب” (خر12: 11)، أي العبور من الحياة الحاضرة إلى المدينة التي يُسرُّ بها الله. ويُظهِر لهم الفائدة العظيمة التي سوف ينالونها عند إتمام هذه الذبيحة وهى الوعد بأن يحميهم من الهلاك، بينما يُهلك كل بكر من المصريين. وفي الوقت الذي يأكلون فيه الحمل، يكون دمه علامةً يحتمون فيه من الضربات التي ستحل فى أرض مصر. لأن الله يعاقب العنيد والعاصي وكل من لا يشتاق لحياة القداسة التي يمنحها المسيح، بينما يجعل الممسوحين بدم الحمل الحقيقي مستحقين للعناية الصالحة من جانبه، لذا هو لا يدع المؤمنين المقدسين أن يهلكوا مع غير المؤمنين، بل يمنحهم نعمةً فائقةً.

 

حياة النقاوة:

أخيرًا يأمر أولئك الذين أكلوا الحمل المقدس، أن يغتذوا لمدة سبعة أيام بفطير، (أي خبزًا غير مختمِرٍ)، مشيرًا بذلك ـ كما يبدو ـ إلى أن الذين تقدَّسوا بواسطة المسيح سوف يتغذون على رغبات طاهرة ويبتعدون عن أي شرٍ. ويقول: ” ويكون لكم في اليوم الأول محفل مقدس وفي اليوم السابع محفل مقدس” (خر 12: 21)، لأن زمن الخلق في البداية (قبل السقوط) كان مقدَّسًا؛ لأن آدم الأب الأول لم يكن قد ابتعد بعد عن الفردوس بسبب عصيانه، لكنه كان يعيش الفردوس في داخله، وقد طبَّق الوصية التي أُعطيت له. وزمن الأيام الأخيرة هو أيضًا زمن التقديس؛ لأن المسيح يُبرّرـ في ذلك الزمن ـ أولئك الذين يأتون إليه بالإيمان، ويحضرهم مرةً ثانيةً هناك إلى ما كنا عليه في بداية الخليقة أى فى ذلك الزمن المقدس.

إذن لقد أشارت كل هذه الأقوال مسبقًا لسر مخلصنا يسوع المسيح. لذلك قال المسيح نفسه لليهود: “ لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني” (يو5: 46).

 

المسيح فصحنا الجديد ج2 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

المسيح فصحنا الجديد ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

المسيح فصحنا الجديد ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

المسيح فصحنا الجديد ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

 

مقدمة

 

          ولد القديس كيرلس[1] حوالي سنة 375م بالأسكندرية، وهو ابن أخت البابا ثاوفيلس بطريرك الأسكندرية الـ23، وقد تعلم كيرلس في الأسكندرية برعاية البطريرك ثاوفيلس. ثم قضي كيرلس حوالي خمس سنوات في برية شيهيت (394ـ399)، إذ هناك قرأ العهدين القديم والجديد على يدي الأب سرابيون الشيخ خليفة القديس مقاريوس الكبير.

          كان كيرلس يحفظ النص الكتابى بمجرد قراءته مرة واحدة، وحضر دروس المدرسة اللاهوتية بالأسكندرية على يدي ديديموس الضرير .

          ثم استدعاه خاله البطريرك ثاوفيلس ليكون شماسًا معه في الأسكندرية ورسمه قارئًا وطلب منه أن يشرح الكتب المقدسة للشعب.

          وفي سنة 404م رُسم كيرلس قسًا بكنيسة الأسكندرية وانطلق يعظ ويعلم الشعب ويفسر الكتب المقدسة. لقد  درس القديس كيرلس مؤلفات آباء الأسكندرية مثل أوريجينوس، وأثناسيوس، وديديموس الضرير. كما أطلع أيضًا على مؤلفات القديسين باسيليوس القيصري وغريغوريوس النزينزى. كما درس القديس كيرلس اللغات القديمة الشائعة في أيامه وهي العبرية والسريانية ولكنه كتب باليونانية وربما القليل بالقبطية.

          عندما تنيح الأنبا ثاوفيلس في 15 أكتوبر سنة 412م اتجهت أنظار الجميع إلى القديس كيرلس، فتم انتخابه وقام الأساقفة برسامته أسقفًا للأسكندرية وبطريركًا للكرازة المرقسية رقم 24 في نفس السنة وله من العمر حوالي 38 سنة.

          واصل البطريرك كيرلس جهاده في تعليم المؤمنين بالوعظ وتفسير الكتب المقدسة، وابتداءً من 428م بدأ القديس كيرلس يظهر كعلامة بارزة ومحطة هامة في تاريخ العقيدة الأرثوذكسية وتاريخ العلاقات الكنسية، وذلك بظهور هرطقة نسطوريوس بطريرك القسطنطينية، إذ قام كيرلس بدور المدافع الأول عن الأرثوذكسية ضد البدعة النسطورية.

          رقد القديس كيرلس في الرب في يوم 3 أبيب سنة 160 ش الموافق 10 يوليو 444م، وذلك بعد كفاح طويل وصمود شامخ فى الدفاع عن الإيمان ضد أخطر بدعتين هما الآريوسية والنسطورية.

 

القديس كيرلس مفسرًا للعهد القديم  :

          إن تفاسير القديس كيرلس للعهد القديم تعتبر من أقدم كتاباته، فقد كتب  ” العبادة بالروح والحق” فى صورة حوار بينه وبين بلاديوس، وهو شرح روحى “رمزى”، ” نماذجى”، ويشمل الكتاب 17 جزءً، وهى موجودة باليونانية فى مجلد 68 من باترولوجيا مينى.

          وكتب أيضًا فى هذه الفترة “الجلافيرا” (Ta Glafύrα): “تعليقات لامعة” من ثلاث عشر جزءً، وهو يُكمل ما سبق أن كتبه فى ” العبادة بالروح والحق”، ولكنه لم يكن فى صورة حوار: ما يخص سفر التكوين سبعة أجزاء، وثلاثة أجزاء لسفر الخروج، وثلاثة لأسفار اللاويين والعدد والتثنية.

          وكتب أيضًا فى هذه الفترة تفسيره لسفر إشعياء والذى شغل مجلدًا كاملاً (رقم70) فى سلسلة Migne، وكتب أيضًا شرحه  للأنبياء الصغار.

          أما شروحات القديس كيرلس لأسفار الملوك، نشيد الإنشاد، والأنبياء حزقيال، إرميا، باروخ، دانيال فلم يبق منها سوى مقاطع صغيرة.

هذه العظة:

          والعظة التى يتضمنها هذا الكُتيب تحت عنوان “المسيح فصحنا الجديد” هى مأخوذة من كتابه الجلافيرا: “تعليقات لامعة”، المقالة الثانية على سفر الخروج، فى حديثه عن “ذبيحة الحمل” من مجموعة ΕΠΕ آباء الكنيسة مجلد 5: 58ـ99 باللغة اليونانية للقديس كيرلس الأسكندرى، إصدار   “ΤΟ ΒΥΖΑΝΤΙΟΝ” تسالونيكى 2000.

 

بعض المبادئ الأساسية لفهم التفسير الروحى للقديس كيرلس:

          إن الإيمان الصحيح بسر التجسد هو ضرورة أساسية للتفسير، إذ أن الأساس الخريستولوجى[2] أى التعليم عن المسيح هو أساس كل شروحاته، وأيضًا أساس صياغاته للعقيدة.

          يؤكد القديس كيرلس أن الكتاب المقدس يتكلم عن الله بشريًا لأن الله لا يستطيع أن يتكلم أو يُعلن عن نفسه إلاّ بطريقة بشرية يسهل على الإنسان فهمها. وهذه الطريقة لا تُقلِّل من الكرامة والرفعة الإلهيتين، ولكن على العكس فإن عجز العقل البشرى واللغة البشرية هما السبب الذى جعل الكتاب يتكلم بطريقة بشرية عن الله. وهدف تفسير الكتاب هو معرفة التدبير الإلهى للخلاص. لذلك لا يمكن أن نظل فى الحرف لأن الغرض من الكلمة المكتوبة هو أن نرتفع دائمًا من المحسوس إلى الروحى، أى مما هو أدنى إلى ما هو أسمى. فالكلمة المكتوبة لها مفهومان: مفهوم تاريخى ومفهوم روحى، والذى يقودنا إلى التفسير الصحيح هو الإيمان، لأن الإيمان  يسبق المعرفة. فالعهد القديم هو نص نبوى له صفة الظل والمثال فهو يتنبأ عن سر المسيح.

          هكذا فى هذه العظة يستكشف القديس كيرلس سر المسيح لشعبه فى كيفية تتميم ناموس الفصح كما ورد فى سفر الخروج. وفى هذه العظة يعطى القديس كيرلس لمراحل ذبح وأكل خروف الفصح أبعادًا خريستولوجية، فيرى أن الفصح هو رمز لسر المسيح. وأن تحديد موعد الفصح فى بداية العام هو إشارة إلى المسيح الذى هو بداية كل شئ. وأن حفظ الخروف لمدة خمسة أيام إشارة إلى خمسة ازمنة فى تاريخ خلاص البشرية، ويربط بين هذه الأيام الخمسة ومثل صاحب الكرم (مت1:20ـ7) وأن الساعة الحادية عشر تمثل الفترة الخامسة التى فيها دعا المسيح المتجسد الأمم إلى الخلاص. وهكذا يختم القديس كيرلس شرحه بإعطاء بُعدًا خريستولوجيًا لوصية عدم كسر عظام الخروف عند أكله. ويرى أنها ترمز للعقائد الثابتة التى لا يجب أن تتغير من جهة الإيمان بالمسيح المتجسد، الأمر الذى فعله الهراطقة فأدانتهم الكنيسة.

          ليبارك المسيح إلهنا فصحنا الجديد حياتنا، بصلوات القديسة العذراء والآباء الرسل وجميع القديسين، والقديس كيرلس عمود الدين، وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث، شركائه فى الخدمة الرسولية الآباء المطارنة والأساقفة، ولإلهنا كل تسبيح وسجود الآن وإلى الأبد.

29 أبريل 2005م

21 برمودة 1721ش الجمعة العظيمة   

المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية

ذبيحة الحمل

 

ليس بأحد غيره الخلاص[3]:

          يستطيع المرء أنْ يعرف ـ بطرقٍ كثيرةٍ ـ أننا ننجو من قوة الموت بواسطة المسيح وحده، وهذا ما يؤكده لنا التلميذ الحكيم بقوله:    “ ليس بأحدٍ غيره الخلاص. لأن ليس اسمٌ آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلُص” (أع4: 12). كما أن هناك آلاف من الصور المتألقة ـ في الكتاب المقدس ـ تقدم لنا هذا السر بكل وضوح.

 

اطلق شعبى:

          إذن فلنمضِ لنجمع هذه الشواهد التي تخدم هدفنا، حتى نُظهر هذا السر شارحين إياها فى حديثنا هذا.

          يقول الكتاب: ” دخل موسى وهارون وقالا لفرعون هكذا يقول الرب إله إسرائيل اطلق شعبي ليعيِّدوا لي في البرية. فقال فرعون مَنْ هو الرب حتى أسمع لقوله فأُطلق إسرائيل. لا أعرف الرب وإسرائيل لا أُطلقه. فقالا: إله العبرانيين قد التقانا. فنذهب سفر ثلاثة أيام في البرية ونذبح للرب إلهنا لئلا يصيبنا بالوباء أو بالسيف. فقال لهما ملك مصر لماذا يا موسى وهرون تبطِّلان الشعب من أعماله. اذهبا إلى أثقالكما” (خر5: 1ـ4).

 

إله العبرانيين يؤيد شعبه بالمعجزات:

          يقول فرعون المغتاظ، وهو مليء بالغباء الشيطاني إنه لا يعرف مَنْ هو إله العبرانيين. لكن عندما بدأت الضربات على مصر بجروحٍ مستمرةٍ ومخيفةٍ، وأصابها التدمير تدريجيًا، مرةً بتحول المياه إلى دم، ومرةً أخرى بغمر الأرض بالجراد والبَرَد، وبظهور البعوض والضفادع، وأيضًا بحلول ظلام لثلاثة أيامٍ؛ كانت النتيجة أن فرعون أعطى وعدًا مباشرًا ـ ضد إرادته ـ بترك العبرانيين أحرارًا، وبرغم ذلك فإن قلب فرعون قد تقسى وأصبح أكثر صلادةً وتجبُّرًا ورهبةً بل ورفض تحرير الإسرائيليين من العبودية الطويلة.

ثم بعد ذلك أراد الله أن يرسل الملاك المُهلِك إلى أبكار المصريين. ولكن لأنه لا ينبغي أن يهلك المختارون مع الغرباء الدنسين، فإن الله قد وضع شريعة الفصح ـ محبةً للآباء ـ وأمر أن يُحتفَل بالفصح الذى يشير إلى سر المسيح قبل إعلان غضبه على أبكار المصريين. ومن هذا الأمر نستطيع أن نفهم أنه كان من المستحيل أن يُبطَل الموت بواسطة موسى والناموس. بل أن دم المسيح الكريم وحده هو الذى يُبعد المهلك ويحرر المُقدَّسين من هلاك الموت. لأن المسيح هو الحياة من الحياة، وهو إله الكل، إذ أنه إلهٌ من إلهٍ.

 

خروف الفصح:

          حسنًا يقول الكتاب المقدس:

وكلَّم الرب موسى وهرون في أرض مصر قائلاً. هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور. هو لكم أول شهور السنة. كَلِّما كل جماعة إسرائيل قائلين في العاشر من هذا الشهر يأخذون لهم كل واحدٍ شاةً بحسب بيوت الآباء. شاةً للبيت. وإن كان البيت صغيرًا عن أن يكون كفوًا لشاةٍ، يأخذ هو وجاره القريب من بيته بحسب عدد النفوس. كل واحد على حسب أكله تحسبون للشاة” (خر12: 1ـ4).

          وبعدما أمرهم أن يأخذوا شاةً، يضيف ـ محددًا ـ نوع الذبيح، ومتى وأين يذبحونه؟ إذ يقول: ” ويكون عندكم تحت الحفظ إلى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر. ثم يذبحه كل جمهور جماعة إسرائيل في العشية. ويأخذون من الدم ويجعلونه على القائمتين والعتبة العليا في البيوت التي يأكلونه فيها. ويأكلون اللحم تلك الليلة مشويًا بالنار مع فطير. على أعشابٍ مرةٍ يأكلونه. لا تأكلوا منه نيئًا أو طبيخًا مطبوخًا بالماء بل مشويًا بالنار مع أكارعه وجوفه. ولا تُبقوا منه إلى الصباح. والباقي منه إلى الصباح تحرقونه بالنار” (خر12: 6ـ10).

          كما يضيف المُشرِّع مخبرًا إياهم عما ينبغي أن يكون عليه ملبسهم، وما هي الطريقة التي يأكلون بها الفصح في تلك العشية المقدسة؛ لأنه يقول لهم: “ تأكلونه وأحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم في أرجلكم، وعُصيكم في أيديكم. وتأكلونه بعَجَلةٍ. هو فصحٌ للرب” (خر12: 11). الفائدة المحققة نتيجة ذبح الخروف هى أكيدة، والمُشرِّع يعلنها قائلاً: ” فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين. أنا الرب. ويكون لكم الدم علامةً على البيوت التي أنتم فيها. فأرى الدم وأعبر عنكم. فلا يكون عليكم ضربةً للهلاك حين أضرب أرض مصر” (خر12:12ـ13). وبعد ذلك يقول: ” سبعةُ أيامٍ تأكلون فطيرًا. اليوم الأول تعزلون الخمير من بيوتكم” (خر12: 15).

كما أنه يشدِّد على الاشتراك فى هذه الاحتفالية والتفرغ لها، إذ يقول: ” ويكون لكم في اليوم الأول محفل مقدس، وفي اليوم السابع محفل مقدس. لا يُعمل فيها عمل ما إلاَّ ما تأكله كل نفس، فذلك وحده يُعمَل” (خر 12: 16).

 

التفسير الروحى لذبيحة الفصح:

هذا إذن ما يقوله الكتاب المقدس، ونحن إذ نفحص هذه الأقوال، نضيف إليها شرحًا وافيًا يوضح ـ بأكثر من طريقة ـ أهمية كل قول على حدة، فى الإشارة لسر المسيح.

 

المسيح قدّس الكل من البداية:

لقد تحدد وقت عمل التقديس في أثناء الشهر الأول من بداية العام؛ لأن بداية الكل هو المسيح (راجع كو1: 18)؛ لأن المسيحَ الكلمة والابن المتجسد لم يكن حديث العهد، بل هو نفسه المولود قبل كل الدهور من الآب، وقد قدَّس كل الأزمنة التي صارت من البداية وحتى النهاية. أيضًا يقول إن الاحتفال حُدِّد في بداية العام الجديد، وهذا يشير أنه ” بالمسيح الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكلُ قد صار جديدًا” وفقًا لكلام بولس الطوباوي (2كو5: 17، إش43: 19)، لقد أزهرت بالفعل طبيعة الإنسان ـ ثانيةً ـ بالمسيح والكل صار جديدًا.

 

المسيح هو المُحرِّر:

لقد أمر الله بكل هذا، في حين كان الإسرائيليون مازالوا عبيدًا يرزحون تحت سلطة المصريين، معبِّرًا بذلك ـ بطريقةٍ رمزيةٍ ـ عن أن نفس الإنسان لا يمكنها أن تنطلق تجاه التحرر من الخطية، أو الهرب من شهوة إبليس، والانفصال عن العالم، وصولاً إلى المدينة السماوية، إلاَّ بمحبة المسيح فقط للبشر.

وهذا هو ما قاله المسيح نفسه لليهود الحمقى: “ الحقَّ الحقَّ أقول لكم إن كل مَنْ يعمل الخطية هو عبدٌ للخطية. والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد. أمَّا الابن فيبقى إلى الأبد. فإن حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا” (يو8: 34ـ36)، كما قال أيضًا: ” الحقَّ الحقَّ أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم” (يو6: 53)، ولا شك أن الصورة الرمزية لهذا الأمر يمكن أن نجدها في أرض الميعاد، تلك التي كان الإسرائيليون يسيرون إليها.

 

المسيح أتى فى الأزمنة الأخيرة:

ونلاحظ أنَّ الخروف كان يوضع تحت الحفظ من اليوم العاشر للشهر حتى اليوم الرابع عشر منه لكي يُذبَح في المساء. وإذا تساءلنا عن سبب ذلك، وجدنا أن هناك دلالةً هامة لتلك الأمور. وربما يسأل المرء ما المشكلة لو أُخِذَ الخروف في اليوم الأول من الشهر؟ وما هو الهدف الذي شَرَّع الله لأجله أن يُحفظ الخروف لمدة خمسة أيام، ومن ثم يُذبَحُ في المساء؟ ولماذا بدأنا العدُّ من اليوم العاشر حتى الرابع عشر، حتى يكون مدة حفظ الحمل هى خمسة أيام؟

أما من جهة أنَّه لا يجب أن يُؤخذ الخروف للحفظ من اليوم الأول للشهر، فهذا يدُل ـ رمزيًا ـ على أنَّ زمننا هذا، قد أتى بعد أن كانت قد مرَّت قبلنا أزمنةٌ كثيرة وأجيالٌ طويلة، لم تكن خالية أبدًا من وجود الله. لأن فترة الخمسة أيام التي سبق أن أُشير إليها قُسِّمت بعد ذلك إلى خمس فترات زمنية. وهذا هو الأمر الذي اتضح من المثل الذي قاله المخلِّص: ” فإن ملكوت الله يشبه رجلاً ربَ بيتٍ خرج مع الصبح ليستأجر فعلةً لكرمه. فاتفق مع الفعلة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه. ثم خرج نحو الساعة الثالثة ورأى آخرين قيامًا في السوق بطالين. فقال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم. فمضوا. وخرج أيضًا نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل كذلك. ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج ووجد آخرين قيامًا بطالين. فقال لهم لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطالين. قالوا له لأنه لم يستأجرنا أحدٌ. قال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم” (مت20: 1ـ7).

هل اتضح لك من هذه الأقوال أن زمننا هذا قد قُسِّم إلى خمس فترات؟ الفترة الأولى هي التي عاش فيها آدم، الأب الأول في الفردوس. والفترة الثانية كمثل “الساعة الثالثة”، ويقصد بها الزمن الذي عاش فيه نوح والذين كانوا معه. والفترة الثالثة هي مثل “الساعة السادسة” في المثَل وهي تُشير إلى الفترة الزمنية التي تبدأ بدعوة إبراهيم لكي يعرف الإله الحقيقي. والفترة الرابعة هي أيضًا مثل “الساعة التاسعة”، ويُقصد بها الفترة التي عاش فيها موسى والأنبياء. أمَّا الفترة الخامسة أي “نحو الساعة الحادية عشر”، أي التي فيها ينتهي اليوم، ويصل الزمن الحاضر إلى نهايته، في هذه الفترة استأجر السيد المسيح الأمم الذين لم يكونوا قد دُعوا بعد من أي أحد آخر أثناء الفترات السابقة. لذلك أجاب هؤلاء الآخرون قائلين: “ لم يستأجرنا أحد“.

هكذا يؤخذ الخروف للحفظ في اليوم الأول من تلك الخمسة أيام، أي اليوم العاشر الذي يشير إلى بداية الزمن، ويُحفظ لآخِر الوقت، أي اليوم الرابع عشر ويُذبح في المساء، وهذا يجعلك تدرك أيضًا أن سر المسيح ليس أمرًا مستحدثًا، لكنه كان محفوظًا فى علم الآب السابق من قبل خلق العالم (راجع أف3: 9)، غير أنه مات لأجلنا في الأزمنة الأخيرة.

[1] انظر: دكتور نصحى عبد الشهيد، القديس كيرلس الأسكندرى حياته وكتاباته، أعمال المؤتمر السنوى السادس للدراسات الآبائية، سبتمبر 1998، إصدار مركز دراسات الآباء، ص9ـ18.

[2]  راجع د. جوزيف موريس فلتس، أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1)، دورية دراسات آبائية ولاهوتية، السنة الثامنة، العدد الخامس عشر، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، يناير 2005، ص44ـ53.

[3] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

 

المسيح فصحنا الجديد ج1 – القديس كيرلس الكبير – د. جورج عوض إبراهيم

تأسيس البصخة المقدسة – رؤية عامة

تأسيس البصخة المقدسة – رؤية عامة

تأسيس البصخة المقدسة – رؤية عامة

أولاً: الاسم ومعناه

يسمى هذا الزمن بأسماء كثيرة:

1- أسبوع الآلام، لأنه يسوع مخلصنا تحمل من أجلنا الآلام [1].

2- جمعة البصخة باللغة اليونانية وتعني ” عبور ” [2]

3- أسبوع الفصح المقدس [3]

تأسيس البصخة المقدسة – رؤية عامة

ثانياً: التطورات التاريخية لأسبوع الآلام:

لقد مر أسبوع الآلام، بتطورات مختلفة، منذ عهد الرسل الأطهار إلى يومنا هذا، سواء بالنسبة لميعاد الاحتفال به، أو نظام القراءات. وبخصوص هذه التطورات سوف نحاول عرضها إستناداً إلى بعض الأراء.

1- في القرن الأول:

 كان المسيحيون يعيدون عيد الفصح مع اليهود، كما احتفل به السيد المسيح مع تلاميذه. تحتفل الكنيسة منذ العصر الرسولي ابتداء من ليلة الاثنين إلى السبت نهاية الأسبوع، وقد كانت تحتفل به منفصلاً عن الصوم، حيث جاء في أوامرهم ما نصه، فليكن عندكم صور الأربعين جليلاً وبعد هذا اهتموا أن تكملوا أسبوع الفصح الثاني [4].

2- القرن الثاني:

أرادت الكنيسة القبطية التمييز بين أحد الفصح المسيحي، والفصح اليهودي، وبشأن ذلك يقول الأنبا أثناسيوس، في أواخر القرن الثاني المسيحي جلس على كرسي القديس مرقس الأنبا اغريبينوس العاشر، سنة 166، فقرر أن يكون الأحد التالي للفصح هو عيد القيامة… ولما أرتقى كرسي البطريركية الأنبا ديمتريوس الكرام الثاني عشر، مارس 188م، حدد بأن، يكون أسبوع الآلام تالياً لصوم الأربعين، والفصح المسيحي في يوم الأحد التالي لفصح اليهود.

وكتب بذلك إلى أغابيوس أسقف اورشليم، ومكسيموس بطريرك أنطاكية، وفيكتور أسقف رومه، وهذه الأخير قد أهتم كثيراً بالأمر وعقد مجمعاً في بلاده لتقرير وتعميم السير على هذه القاعدة، أما الشرقيون فإنهم تمسكوا بما كانوا عليه، وقالوا، إن بوليكربوس تلميذ يوحنا الرسول سلمهم أن يفصحوا مع اليهود فدعاهم بالأربعة عشريين، إذ أنهم كانوا يحتفلون بالفصح الجديد يوم 14 نيسان “

3- القرن الثالث:

يُحتفل بالعيد مرة واحدة في السنة، نقرأ يجب عليكم يا أخوتنا الذين أُشتريتم بالدم الكريم الذي للمسيح أن تعلموا يوم الفصح بكل استقصاء واهتمام عظيم من بعد طعام الفطير الذي يكون في زمان الاعتدال الربيعي، الذي هو خمسة وعشرون برمهات. وأن لا يُعمل هذا العيد الذي هو تذكار الواحد دفعتين في السنة بل دفعة واحدة للذي مات عنا دفعة واحدة [5].

4 – من القرن الرابع إلى القرن الثاني عشر:

ظل آباء الكنيسة طوال القرون الثلاثة الأولى، يجاهدون لتوحيد عيد الفصح حتى جاء مجمع نيقية (325 م)، الذي فيه تقرر:

أولاً: أن يعيد الفصح دائماً في يوم الأحد.

ثانياً: أن يكون في الأحد الذي يلي الرابع عشر من نيسان، أي بعد الاعتدال الربيعي [6].

تأسيس البصخة المقدسة – رؤية عامة

ثالثاً: البناء المنظم لأسبوع الآلام:

تبعاً لقوانين الرسل التي أمرت بقراءة العهدين في أسبوع الآلام نقرأ في الدسقولية.. ” وصوموا في أيام الفصح، وابتدئوا من يوم الاثنين إلى يوم الجمعة والسبت وهي ستة أيام.. ويكون صومكم في ثاني الأسبوع وتفطرون وقت صياح الديك، بكرة أول السبوت الذي هو يوم الأحد ساهرين.. وأنتم مجتمعون في الكنيسة تصلون وتتضرعون بسهر وتقرأون من المزامير والأنبياء والناموس إلى وقت صياح الديك [7]

أستمر هذا الحال إلى أن تولى الأنبا غبريال الثاني بن تريك (70 في عدد البطاركة) من سنة 1131 – 1145 م. لما إرتقى هذا الأب الكرسي المرقسي (5 أبريل 1131) رأي صعوبة القيام بالقانون الرسولي على المسيحيين، نظراً لإنشغالهم في أعمالهم ومصالحهم، ولاسيما المباشرين وكتاب الديوان وغيرهم، فجمع عددا كبيراً من آباء وعلماء الكنيسة وبعض رهبان دير الأنبا مقار، وعمل كتاباً وسماه البصخة ورتب فيه صلوات باكر وآخر النهار، بنوءات الأناجيل، وبقية الصلوات الليلية والنهارية أناجيل من غير نبوءات، وصاروا يستعملون ذلك بطول جمعة الآلام.

وسارت الكنيسة على هذا الترتيب إلى زمن الأنبا بطرس أسقف البهنسا الذي لاحظ أن هناك ساعات بها نبوءات وأناجيل كثيرة، وساعات لم يكن فيها غير إنجيل واحد ولم يكن فيها نبوءات، فرتب ما يليق من تلاوته في الساعات مع مساواتها ببعض، ورتب كل يوم عظتين من أقول الآباء كما هو مدون في كتاب البصخة الآن.

تأسيس البصخة المقدسة – رؤية عامة

رابعًا: طقوس أسبوع الآلام

إن لأسبوع الآلام طقوساً خاصة به ومميزة له، ولها معانيها ودلالتها، وقد يبدو من المفيد تجميعها معاً للإلمام بها ومعرفتها بوعي حتى يمكن متابعتها في الكنيسة، لذلك من الأهمية إبراز روعة هذه الطقوس.

1- أحد الشعانين

أ- طقس العشية

ب- رفع بخور باكر

جـ القداس

د- التجنيز العام

هـ- رش الماء

ز- ترتيب ساعات البصخة:

 

2- ليلة الاثنين:

تبدأ صلوات البصخة من ليلة الاثنين، وقبل أن تباشر الكنيسة الصلاة يتم عمل ترتيب معين خاص بزمن البصخة المقدسة:

 

أ- الصلاة خارج الاسكيني:

تُغلق أبواب المحل القبلي وهو الخورس الأول) وتوضع أمام بابه في وسط الخورس الثاني، المنجلية وعليها ستر أسود، والمنارة بجوارها عليها ثلاث شموع.

 

تقام الصلاة خارج الاسكيني للأسباب الآتية:

أولاً: إشارة إلى أن الرب يسوع صلب على جبل الاقرانيون خارج أورشليم، كما نشير على ذلك في الرسالة إلى العبرانيين. (الرسالة إلى العبرانيين 13: 11)

ثانيا: لأن ذبائح العهد القديم التي كان يدخل بدمها عن الخطيئة، وكانت رمزاً لذبيحة الصليب كانت تحرق خارج المحلة.

ثالثاً: لأن حرق تلك الذبائح خارج المحلة كان إيذاناً بأن قصاص الخطيئة قد طُرح عن الشعب، كذلك الكنيسة تعلمنا بأن الخطيئة رُفعت عنا بيسوع المسيح، الذي أبطلها بذبيحة نفسه خارج أورشليم.

 

ب – توشيح الكنيسة باللون الأسود:

نظراً لأن الكنيسة تعمل تذكار آلام وموت الرب، وإشارة إلى حزن التلاميذ حين أنبأهم يسوع بموته “ابتدءوا يحزنون ” (مرقس 14: 19)، وأيضا إلى حزن الكنيسة يوضع الستر الأسود على المنحليا ويتم توشيح الكنيسة بالأغطية السوداء والزرقاء.

 

ج- الشموع الثلاث:

أما إيقاد الشموع الثلاث، فقال بعضهم، أن الأولى تشير إلى النبوءات والثانية إلى الإنجيل، والثالثة إلى رسم تذكار الآلام [8].

 

3- يوم الاثنين:

نهت الكنيسة عن إقامة القداس الإلهي أيام الاثنين والثلاثاء، والأربعاء من أسبوع البصخة للأسباب التالية:

  • أن خروف الفصح كان يبقى تحت الحفظ بغير ذبح في هذه الأيام الثلاثة، ويذبح مساء اليوم الرابع عشر، وكان رمزاً للمسيح، (سفر الخروج 12: 3 – 6)
  • الرب يسوع لم يكن قد رسم سر الشكر، ولم يكن قد قدم نفسه بعد، ولا يخفي أن ذبيحة القداس هي بعينها ذبيحة الصليب والرب لم يقدم ذاته إلى يوم الجمعة.

 

4- يوم الثلاثاء:

– ابتدأ من الساعة الحادية عشرة من سواعي يوم الثلاثاء تضاف عبارة (مخلصي الصالح) على تسبحه ” لك القوة لك المجد…، لأن مخلصنا في إنجيل هذه الساعة عين ميعاد صلبه بقوله لتلاميذه ” تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح وابن البشر يُسلم للصلب ” (متى 26: 2).

– نهت الكنيسة المؤمنين عن تقبيل بعضهم بعضاً ابتداء من ليلة الأربعاء إلى أخر يوم السبت من هذا الأسبوع، حتى لا تكون قبلاتهم غاشه كقبلة يهوذا، لذلك الإنجيل لا يقبل في قداس خميس العهد لنفس السبب [9].

 

5- يوم الأربعاء:

يعرف هذا اليوم في الكنيسة باسم أربعاء أيوب، لأن فيه تتلى سيرة هذا البار الذي كان رمزاً للرب في تجاربه وآلامه الشديد والنهاية السعيدة التي ختمت بها حياته. وقد رتبت الكنيسة قراءة سيرة أيوب في هذه اليوم بالذات الذي تبدأ فيه آلام السيد المسيح بالمؤامرة التي تدبيرها ضده [10]

 

تأسيس البصخة المقدسة – رؤية عامة

 

خامسًا: سواعي البصخة:

تم تقسيم اليوم إلى خمس سواعي نهارية وخمس ليلية

الخمس النهارية تحتوي على (باكر – ثالثة – سادسة- تاسعة – حادية عشر)

الخمس الليلية تحتوي على (أولى – ثالثة – سادسة – تاسعة – حادية عشر)

(أما في يوم الجمعة العظيمة فتصلى الكنيسة صلاة سادسة وهي صلاة الساعة الثانية عشر)

 

وترتيب كل ساعة من سواعي البصخة هو كالاتي:

  • النبوات

وتقرا قبطياً وتفسر عربياً وتقرأ النبوات قبل الإنجيل إشارة إلى إن العهد القديم كان توطئة للجديد وإظهار لنبوات الأنبياء عن السيد المسيح.

 

  • العظة

وهي تكون في السواعي النهارية فقط وتكون لقديسين عظماء في الكنيسة مثل (البابا أثناسيوس الرسولي والأنبا شنودة رئيس المتوحدين……) ويكون لها لحن رائع يسمى لحن مقدمة وختام العظة وهو لحن (اوكاتى كاسيس)

 

  • تسبحة (لك القوة والمجد…. ثوك تا تي جوم…..)

وهي تسبحة تقال 12 مرة في كل ساعة من سواعي البصخة وهي تقال بدل مزامير الساعة وذلك لأن المزامير مملؤة بالنبوات عن حياة يسوع من بدء تجسده إلى صعوده وبما إننا نصنع تذكار آلامه فحسب، فقد اختير منها ما يلائم ذلك، وهذه الصلاة وردت عدة مرات في الكتاب المقدس.. منها ما ورد في سفر الرؤيا عن الأربعة والعشرين شيخا أنهم يضعون أكاليلهم أمام العرش قائلين “أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة” (رؤ 4: 11).

وقد جاء في التقليد أن الرب يسوع عندما كان يصلى ببكاء وعرق في بستان جثيمانى “وظهر له ملاك يقويه” (لو 22: 43). وتختم هذه التسبحة كل مرة بالصلاة الربانية.

 

  • المزمور:

يرتل المزمور باللحن الأدريبى وهي طريقة حزينة مناسبة لحالة الحزن التي تعيشها الكنيسة.

 

  • الإنجيل:

قبطياً ثم يفسر عربياً ويلحن بلحن الحزن.

 

  • الطرح:

وبعد الإنجيل يقرأ الطرح وهو يتضمن معنى الإنجيل الذي قرئ، مع الحث على العمل بما جاء فيه وله لحن مقدمة الطرح وختام الطرح وطريقته تتغير حسب المناسبة وفى أسبوع الآلام يقال بلحن الحزن.

 

  • الطلبة:

ثم تقال الطلبة وفيها تلتمس الكنيسة رحمة الله لشعبه وبركته لجميع مخلوقاته وقبوله لصلواتنا وتكون بغير مطانيات في أثناء السواعي الليلية لأنه وقت فطر.

 

  • لحن ابؤورو وكيرياليسون:

ونهاية الطلبة يرتل الشعب لحن ابؤورو بطريقة الحزن وتستخدم طريقة الأنتيفونا في المرابعة وقبل كل ربع تقال كيرياليسون.

 

  • البركة:

وأخيراً يتلو الكاهن البركة المستعملة في جمعة الآلام ثم يختمها بالصلاة الربانية ويصرف الشعب بسلام.

 

[1] الرسالة للعبرانيين 2: 10

[2] راجع، الصفي بن العسال، كتاب القوانين، القاهرة (1927) الباب التاسع عشر، صـ 169.

[3] راجع، حافظ داود، الدسقولية أو تعاليم الرسل، الطبعة الثانية، القاهرة (1940) الباب الثامن عشر، صـ 130.

[4] يوحنا سلامه (قمص)، اللألئ النفسية في شرح طقوس ومعتقدات الكنيسة، الجز الثاني، القاهرة (1922)، صـ 324

[5] الدسقولية طبعة حافظ داود، الباب الحاي والثلاثون، صـ 164.

[6] راجع، عبد المسيح صليب (أب) بحث في الأسبوع المقدس في الطقس القبطي، روما (1991)، صـ 13

[7] الدسقولية طبعة حافظ داود، الباب الحاي والثلاثون، صـ 165 – 166.

[8] يوحنا سلامة، اللآلي النفسية، الجزء الثاني، صـ 337.

[9] بانوب عبده، كنوز النعمة، الجزء الخامس، صـ 5

[10] مرجع سابق صـ 26 – 27

 

تأسيس البصخة المقدسة – رؤية عامة

رموز الإفخارستيا في العهد القديم – القمص تادرس يعقوب ملطي

رموز الإفخارستيا في العهد القديم – القمص تادرس يعقوب ملطي

رموز الإفخارستيا في العهد القديم – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

١ – الفصح[168]

الفصح كما وضح في العهد القديم يتلخص في أن الله قد افتقد شعبه في أرض العبودية في الليلة التي أُكلت فيها وليمة الفصح، مجتازًا بيوت المؤمنين الذين ضمهم إليه حتى يجتاز بهم إلى أرض الحرية.

في يوم الاحتفال بعيد الفصح ذُبح المسيح أيضًا فصحنا[169]، مقدمًا لنا جسده ودمه المبذولين وليمة فصح حقيقية، فلماذا؟ لأن الفصح الحقيقي هو “اجتياز” المسيح هذا العالم عابرًا إلى السماء خلال موته. ونحن إذ نتناول جسده ودمه نجتاز أيضًا به وفيه إلى الحياة الجديدة، إذ نقبل حياته المقامة.

 

في افتقاده لنا، كما في أرض العبودية، يضمنا إليه لكي يجتاز بنا من سلطان الظلمة إلى ملكوت النور، ويعبر بنا من موت هذا العالم إلى قيامة الحياة العتيدة. هكذا نعبر بالمسيح المقام من الجسد إلى الروح، وعوض الناموس الذي يديننا ننعم بالأحرى بنعمة الحياة غير المتناه[170].

 

هذه هي ليتورچيا الإفخارستيا، هي رحلة الكنيسة إلى السماء، بيت أبينا.

 

يا لها من رحلة مفرحة، فيها نشارك السيد المسيح عبوره، متهيئين يومًا فيومًا أن نحيا حياة المسيح المقامة المجيدة. بمعنى آخر، إن سرّ فصحنا يقوم أساسًا على سرّ فصح المسيح، إذ نسلك معه وبه طريقه عينه. بهذا يصبح عبورنا النهائي إلى السماء هو تكميل فصح المسيح المقام، إذ نحن جسده السماوي.

 

٢ – المن

“الخروج” الذي تحقق في العهد القديم لم يكن رسمًا للخروج الجديد، إذ لا يمكن تتميم عمل دون إقامة رسم له.

 

في الخروج الجديد نترك مباهج العالم متطلعين إلى أورشليم السمائية، فنخرج تحت قيادة السيد المسيح الحامل لعصاه التي هي صليبه. أما السحابة التي تظللنا فهي الروح القدس. وأما المن العجيب الذي يمد الله به أولاده فهو “الإفخارستيا”، هذا الذي نتناوله بعد عبورنا البحر الأحمر، أي اجتيازنا جرن المعمودية[171].

 

نزول المن في الصباح مع الندى (خروج 16: 14-21)

 

ونحن لم نعرف المن رمزًا للإفخارستيا خلال التقليد فحسب، بل هو من صميم تعليم السيد المسيح القائل: “آباؤكم أكلوا المن في البرية وماتوا… ” هكذا أظهر أن المن لم يحمل عملًا غير طبيعي إذ قال: “آباؤكم أكلوا المن وماتوا”، أما من يتناول المن الحقيقي الذي هو جسد السيد المسيح ودمه، فإنه ينال الحياة الأبدية مكافأة له[172].

 

هم نالوا المن من أجل الجوع لكنه لم يرافقهم في أرض الموعد، بل أعانهم في البرية فقط وإلى زمان، أما المن الجديد فهو الطعام السماوي الذي يعيننا ضد الموت والخطية، ويمدنا بالإتحاد مع المسيح إلى الأبد.

 

يقول القديس أمبروسيوس[173]: “كما أن النور أعظم من الظل، والحق أسمى من الرمز، هكذا يكون جسد الخالق بالنسبة للمن السماوي”.

 

٣ – تقدمة ملكي صادق

هي تقدمة فريدة من نوعها، ظروفها غامضة، وطابعها مغاير لكل ذبيحة[174]. وقد كشف الرسول بولس إشارتها لذبيحة الإفخارستيا.

 

* قدم ملكي صادق خبزًا وخمرًا، الطعام المقدس، الذي يرمز للإفخارستيا[175].

 

القديس إكليمنضس السكندري

* “أنت الكاهن على طقس ملكي صادق”

 

من هو بالأكثر كاهن الله العلي مثل ربنا يسوع المسيح، الذي قدم للآب تقدمة ملكي صادق عينها، أي الخبز والخمر، مقدمًا جسده ودمه[176].

 

الشهيد كبريانوس

 

٤ – خبز المائدة

* أمر الله بوضع الخبز على المائدة خاصة يوم السبت، أي أمر بوضعه في الكنيسة، لأنه يشير إلى الكل “الكنيسة” خلال الجزء “المائدة المقدسة”. ولكن أي شيء أقدس من مائدة المسيح المقدسة؟![177]

 

القديس كيرلس السكندري

 

5 – وليمة الحكمة

* كشف لنا الروح، خلال سليمان، رمزًا لذبيحة الرب، إذ ذكر الذبيحة التي من الخبز والخمر، المقدمة على المذبح.

يقول: “الحكمة بنت بيتها، سندته بسبعة أعمدة، ذبحت ذبحها، مزجت خمرها في كأس، أيضًا رتبت مائدتها” (أم 9: 1).

بعد هذا أرسلت جواريها ينادين ضيوفها بصوتٍ عالٍ لكي يأتوا ويشربوا كأسها. “هلموا كلوا من خبزي واشربوا من الخمر التي مزجتها”.

هكذا يعلن سليمان عن الخمر الممزوج، وكأنه يتحدث بطريقة نبوية عن كأس الرب الممزوجة خمرًا وماءًا[178].

الشهيد كبريانوس

 

* في بيت الوليمة هذا يجد الآتين من المشارق والمغارب لهم موضعًا في حضن إبراهيم وإسحق ويعقوب، في ملكوت السموات…[179]

 

العلامة أوريجينوس

 

٦ – وليمة المسيا

يدعونا إشعياء النبي إلى وليمة الإفخارستيا، قائلًا[180]:

 

“أيها العطاش جميعًا هلموا إلى المياه، والذي ليس له فضة، تعالوا!

 

اشتروا حنطة وكلوا، وبلا ثمن خمرًا ولبنًا.

 

لماذا تنفقون فضة لغير خبز، وتعبكم لغير شبع؟!

 

استمعوا إلى استماعًا، تعالوا إليّ، استمعوا فتحيا نفوسكم.

 

معكم أقطع عهدًا أبديًا حسب المراحم التي وُعد بها داود”.

 

* يعني بالماء والروح القدس المعمودية، أما الخمر والخبز فيشيران في الماضي إلى تقدمة اليهود، والآن يشيران إلى شركة الخلود التي يهبها جسد الرب ودمه.

 

القديس ديديموس الضرير

 

يدعو النبي كل الشعوب التي أختتنت بالقلب لا حسب الجسد لكي تنعم بالوليمة، إذ يقول “على الجبل يقيم رب الجنود وليمة لكل الشعوب، وليمة دسمة، وليمة خمر… وعلى هذا الجبل يبيد الحجاب الذي يحجب كل الشعب”.

 

٧ – المزمور الثاني والعشرون (٢٣): مزمور الراعي أو مزمور الباراقليط

وجد آباء الكنيسة الأولى عذوبة خاصة في هذا المزمور إذ لمسوا فيه عناية الراعي الصالح بقطيعه…

 

رأوا فيه ظلال أعماله القدسية السرائرية، لهذا جعلوه جزءًا من صلب ليتورچيا العماد، ففي ليلة عيد القيامة كان المعمدون حديثًا غالبًا ما يترنمون به بعد نوالهم سرّي العماد والميرون، وقد لبسوا الثياب البيضاء وحملوا المشاعل، مسرعين تجاه مذبح الرب بالفرح يشتركون في المائدة السماوية.

 

ولا زالت كنيستنا القبطية تترنم بهذا المزمور أثناء تسبحة الساعة الثالثة تذكارًا لحلول الروح القدس على التلاميذ في تلك الساعة، هذا الروح هو بعينه الذي لا يزال عاملًا في الكنيسة خاصة في الأسرار الإلهية.

 

 

 

تفسير سرائري مبسط[181]:

“الرب راعي فلا يعوزني شيء…”.

 

إذ قبل الموعوظ الرب راعيًا له، وصار هو من قطيعه، يشترك في جسده ودمه المبذولين، فماذا يحتاج بعد؟!

 

هذه هي أحاسيس القديس أمبروسيوس[182] وهو يرى الكنيسة -ليلة عيد القيامة- وقد صارت سماءً، وجموع المعمدين حديثًا قد نالوا روح التبني، يسرعون مع صفوف المؤمنين بالتسبيح والترنيم نحو المائدة الإلهية ينعمون ما تشتهي الملائكة أن تتطلع إليه.

 

ماذا قدم لنا الراعي؟

 

‌أ. “في مراعٍ خضر يربضني”

 

قادنا إلى مرعى تعاليمه الصادقة التي يرعى فيها الموعوظين لكي يتأهلوا للمعمودية، وإذ ينالوا روح التبني تبقى نفوسهم تغتذي يوميًا من مرعى كلمة الله الذي لا يجف. هذا المرعى هو إنجيل خلاصنا الذي يردنا إلى الفردوس الحق.

 

* المراعي الخضراء هي الفردوس الذي سقطنا منه، فقادنا إليه السيد المسيح وأقامنا إليه السيد المسيح وأقامنا فيه بمياه الراحة أي المعمودية.

 

القديس كيرلس السكندري

 

‌ب. “وعلى مياه الراحة يوردني”

 

المعمودية المقدسة هي بلا شك مياه الراحة، التي ترفع عنا ثقل أحمال الخطية[183]. يقول القديس أغسطينوس “يوردنا على مياه المعمودية حيث يقيمنا ويدربنا ويرعانا، هذه التي تهب صحة وقوة لمن سبق له أن فقدهما”. ويقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص أننا في هذه المياه نجد راحتنا[184] بدفعنا مع المسيح في موته، لكننا لا ندخل إلى الموت بل ظلاله كقول المرتل.

 

‌ج. “إن سلكت في وادي ظلال الموت، فلا أخاف شرًا، لأنك معي”

 

فنحن ندخل مع المسيح في موته بغير خوف إذ هو معنا… ونبقى دومًا نختبر الموت مع المسيح بفرح إن مارسنا سرّ التوبة والاعتراف بمفهومه الحق، أي بتسليم النفس بين يدي الروح القدس الذي يبكتنا ويتوبنا ويردنا إلى سبل البرّ لأجل اسمه. “يرد نفسي، يهديني إلى سبل البرّ، من أجل اسمه”.

 

‌د. “عصاك وعكازك هما يعزيانني (باراكليسيس)”

 

يتطلع القديس أمبروسيوس[185] إلى الراعي الصالح الذي يقودنا بعصاه، ويسندنا بعكازه، هذين اللذين هما ختم صليبه الذي قبلناه في سرّ الميرون، منعمًا علينا بمسحة الباراقليط (المعزي) التي ترهب الشياطين…

 

‌ه. “هيأت قدامي مائدة تجاه مضايقي”

 

* عندما يتطلع الإنسان لله “رتبت قدامي مائدة” فإلى إي شيء يشير سوى إلى هذه المائدة السرائرية الروحية التي رتبها الله لنا؟! رتبها قبالة الأرواح النجسة!

 

حقًا لأن تلك (مائدة الشياطين) هي اختلاط بالشياطين، أما هذه (مائدة الرب) فهي شركة مع الله![186]

 

القديس كيرلس الأورشليمي

 

المائدة السرائرية هي جسد الرب الذي يعضدنا قبالة شهواتنا وضد الشيطان.

 

حقًا يرتعد الشيطان من الذين يشتركون في هذه الأسرار بوقار.

 

القديس كيرلس الإسكندري

 

‌و. “مسحت بالزيت رأسي”

 

* مسح بالزيت رأسك على الجبهة، لأن الختم الذي أخذته هو من الله، حفر الختم قداسة الله.

 

القديس كيرلس الأورشليمي

 

‌ز. “كأس سكرك، ما أمجدها”

 

* تسكرنا كأس الرب، إذ تنسينا فكرنا (في الزمنيات)، وتقود النفس إلى الحكمة الروحية… إنها تحرر النفس، وتنزع عنها الغم!… إنها تهب راحة للنفس إذ تقدم لها فرح الصلاح الإلهي عوض كآبة القلب القاتم بسبب ثقل أحمال الخطية[187].

 

القديس كبريانوس

 

‌ح. أخيرًا فإننا ننعم بهذه البركات الإلهية والأسرار المقدسة في بيت الرب حيث يترنم المرتل قائلًا: “مسكني في بيت الرب مدى الأيام”.

 

٨ – نشيد الأناشيد[188]

إن كان سفر “نشيد الأناشيد” هو سفر الإتحاد الروحي بين السيد المسيح والكنيسة، أو بينه وبين النفس البشرية، فإنه في مجمله يحمل إلينا نبوة صادقة عن عمل الله السرائري القدسي في كنيسته. لهذا ففي ظل التقليد القديم كان هذا السفر يُقرأ أثناء الاحتفال السنوي بعيد الفصح.

 

في هذا السفر رأى آباؤنا الأولون:

‌أ. سرّ المعمودية، حيث يدعو العريس، الملك السماوي، عروسه إلى حجاله، لتنعم معه بالإتحاد الأبدي.

‌ب. سرّ الميرون، حيث يطبع العريس ختمه على قلب عروسه وساعدها، لكي تتهيأ بروحه القدوس ليوم العرس الاسخاتولوچي (الأخروي).

‌ج. سرّ الإفخارستيا حيث يقدم العريس وليمة عرسه لكي تأكل عروسه وتشبع وتدعو الغير لهذه الوليمة السماوية، وكما يقول الآباء:

 

* الذين يتذوقون المفاهيم الخفية للكتاب المقدس لا يجدون فارقًا بين ما قيل في النشيد “كلوا أيها الأصحاب”، اشربوا واسكروا يا أحبائي” وبين السرّ المقدس الذي مارسه الرسل.

 

ففي كلي الموضعين يقول النص “كلوا واشربوا”… لكننا لا نجد في النص الإنجيلي مجالًا للسكر، ذلك لأن “السكر” هو السيد المسيح نفسه الذي يقيمنا عن الأمور السفلية ويرتفع بنا إلى العلويات.

 

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

 

* إذ ترى الكنيسة النعمة العظيمة هكذا، أي تقديس وليمة العرس التي للسيد المسيح، تدعو أولادها وجيرانها ليسرعوا تجاه الأسرار، قائلة “كلوا أيها الأصحاب، اشربوا واسكروا يا أحبائي”.

 

القديس أمبروسيوس

 

٩ – رموز وإشارات أخرى

‌أ. يرى القديس إفرام السرياني[189] في الجمرة الملتهبة التي لمست إشعياء النبي وقدست شفتيه جسد الرب الذي يقدس المؤمنين.

 

‌ب. ذكر ملاخي[190] طعامًا جديدًا نقيًا يقدم باسم الله في كل موضع، الذي هو الإفخارستيا.

 

_____

[168] See p 85 – 96.

Schmemann: Sacraments & Orthodoxy

Cavin: Some aspects of contemporary Greek

Orthodox Thought

Braso: Liturgy & Spirituality

Hamman: The Paschal Mystery

Bouyer: The Liturgy revived.

[169] 1Cor 5 : 7.

[170] Bouyer p 22 – 23.

[171] See Danielou: The Bible & the Liturgy

[172] St. Clement of Alex.: Com. on St. Jn 6.

St. Chrysostom: Hom 46 on Jn.

[173] De Myst. 46, Botte 123.

[174] Gen 14 : 18, 19.

[175] Strom. 4 : 25.

[176] See his Epis. to brother Cecils, epistle 63 : 4.

[177] Com. on St. Jn 6.

See Chrys: Hom 46 on Jn.

[178] Epist. 635.

[179] Com. on Cant 3.

See Greg. of Nyssa: Cain & Abel 1 : 5.

[180] Is 55 : 1 – 3.

[181] Damielou: The Bible & the Liturgy

[182] St. Ambrose: De Myst 5 : 13.

[183] P. G. 27 : 140 B.

[184] P. G. 96 : 692 B.

[185] De Myst. 5 : 3

[186] De Myst. 4 : 7.

[187] Ep 113 : 11.

[188] Danielou: The Bible & the Liturgy.

[189] Mimre 4 on the Passion.

[190] Mal 1 : 10.

رموز الإفخارستيا في العهد القديم – القمص تادرس يعقوب ملطي

كيف يُحسب موعد عيد الفصح في التّقويمَين الشّرقيّ والغربيّ؟

كيف يُحسب موعد عيد الفصح في التّقويمَين الشّرقيّ والغربيّ؟

كيف يُحسب موعد عيد الفصح في التّقويمَين الشّرقيّ والغربيّ؟

نظرا لاختلاف تاريخ عيد الفصح بين التقويمين الشرقي والغربي، يسأل الكثيرون عن عيد الفصح وتاريخه، لماذا تقدم في التوقيت الغربي ولماذا تأخر زمنياً في الحساب الشرقي. ولماذا يأتي الفرق بين التوقيتين عادة لمدة أسبوع واحد فقط، وفي بعض الأحيان خمسة أسابيع، وفي أحيان أخرى يحل العيد بتوقيتيه معاً؟

في الأصل، أخذ المسيحيّون في الأيام الأولى يذكرون حوادث آلام السيد المسيح وقيامته. والقيامة التي تعني “الفصح” تعني العبور أو الانتقال من العبودية إلى التحرّر ومن الموت إلى الحياة.

وبما أن تحديد عيد الفصح متوقف على التوقيت القمري والشمسي في الوقت نفسه، اختلفت الطرق والحسابات. ولهذا نظر مجمع “نيقية” في قضيّة تحديد عيد الفصح عام 325 م. ووضع القاعدة التالية: يقع عيد الفصح يوم الأحد الواقع بعد تمام البدر الواقع بعد 21/3 أي بعد بدء الربيع.

يتبع العالم اليوم التقويم الغريغوري الذي يطلق عليه أحياناً اسم ” التقويم الغربي”. وتتبعه جميع الكنائس في العالم. وقد تبنت هذا التقويم منذ عام 1924 الكنائس الأورثوذكسية في القسطنطينية واليونان وقبرص. وتتبع بعض الكنائس الأورثوذكسية حتى اليوم التقويم اليولي.

التقويم الغريغوري أو الغربي هو التقويم اليولي المصحّح. ويجب أن نلاحظ أن التقويم ” الغربي” بدأ في مدينة روما عام 1582 على يد البابا غريغوريوس، وكذلك التقويم اليولي أو “الشرقي” فقد بدأ هو أيضاً في مدينة روما على يد يوليوس قيصر عام 47 ق م. فالتقويم الغربي غربي والتقويم الشرقي أيضا هو غربي.

ففي عام 304 ق.م كانت السنة الرومانية تقسم إلى عشرة أشهر أولها مارس أو آذار، وآخرها ديسمبر، الشهر العاشر حرفياً. ثم أضافوا شهرين قبل آذار وهما كانون الثاني وشباط. وبهذا، فان الشهر الأخير أي كانون الأول (العاشر) أصبح الشهر “الثاني عشر” وكذلك تشرين الثاني (التاسع) أصبح “الحادي عشر” وتشرين الأول (الثامن) أصبح “العاشر”. وفي عام 46 ق .م. صحّح يوليوس قيصر التقويم معتبراً السنة 365 يوماً وست ساعات. وبقي بعد هذا الاصلاح خطأ ، لأن السنة تتكون من 365 يوماً وخمس ساعات و48 دقيقة و51 ثانية. وهذه الفرقية الطفيفة أي 11 دقيقة و51 ثانية تشكل يوماً كاملاً كل 129 سنة . هذا هو التقويم اليولي والمعروف باسم التقويم “الشرقي”.

جاء الإصلاح الغريغوري عام 1582، وسمي نسبة الى البابا غريغوريوس الذي أمر بالعمل به. عام 1582 كان الفرق بين التقويم اليولي وحقيقة دورة الشمس السنوية عشرة أيام. فكان اعتدال الربيع يقع في 11 أذار بدلاً من 21 آذار. ولهذا تقرّر حذف عشرة أيام واعتبروا أن ثاني يوم بعد 4/10 يكون 15 تشرين الأول. ثم زادت الفرقية بين الحسابين الغريغوري واليولي بمقدار يوم واحد كل 129 سنة. ولهذا فالفرق اليوم بين التقويمين هو 13 يوماً. ولهذا بما أن الكنيسة الأورثوذكسية في الأردن وفلسطين تتبع التقويم اليولي غير المصحح، فإنا نجد فرق 13 يوماً في جميع الأعياد الكبيرة والصغيرة. فعيد الميلاد مثلاً يقع في 25/ 12 في الكنيستين، الا أن 25-12 في الحساب اليولي يقابل في 7-1 التقويم الغريغوري.

وهناك فرق آخر بين التقويمين فيما يختص بالسنة القمريّة أيضا: فالشهر القمري في التقويم اليولي متأخر أربعة أيام عن التقويم الغريغوري. فإذا كان عمر القمر مثلاً 14 يوماً في التقويم الغريغوري يكون عمره في التقويم اليولي عشرة أيام. فالخلاف إذن خلاف حسابي ولا صلة له بأمور الدين مطلقاً. والقاعدة واحدة للجميع وهي قاعدة مجمع نيقية منذ عام 325. الا أن تطبيق القاعدة الواحدة يؤدي الى نتائج مختلفة لسبب تخالف التقويمين المتبعين المصحح وغير المصحح. وقد يكون الفرق بين العيدين أسبوعا واحداً أو أكثر.

في الخلاصة:

التقويم الشرقي: أو اليولياني نسبة إلى يوليوس قيصر الذي وضع هذا التقويم عام 46 – 47 قبل الميلاد. حيث اعتبر أن السنة تتألف من 365 يوماً وربع، وتم جمع الأرباع كل 4 سنوات لتشكل يوماً يضاف لشهر شباط ( وتسمى تلك السنة التي يكون فيها شباط 29 يوماً بالكبيسة). وقد مشى كل العالم في ذلك الوقت على هذا التقويم.

التقويم الغربي: أو الغريغوري نسبة إلى البابا غريغوريوس الثالث عشر، الذي وضع هذا التقويم عام 1582م. حيث أنه لاحظ وجود فرقاً في موعد الاعتدال الربيعي (تساوي الليل والنهار) وأنه لم يعد يأتي في 21 آذار فجمع علماء الفلك وطلب منهم إعادة الحسابات. فوجدوا أن السنة الشمسية هي 365 يوم و5 ساعات و 48 دقيقة و46 ثانية. أي أن هناك فرقاً حوالي 11 دقيقة و14 ثانية عن التقويم اليولياني الذي كانوا يتبعونه. فأمر بجمع هذه الفروقات منذ مجمع نيقية عام 325م وحتى ذلك الوقت فكانت 10 أيام (الفرق الآن بين التقويمين أصبح 13 يوماً) وتمت إضافة هذه الأيام العشرة على التقويم فنام الناس ليلة 5 تشرين الأول ليستيقظوا في صباح اليوم التالي والتاريخ أصبح 15 تشرين الأول. وهذا التقويم هو المتبع اليوم عالمياً.

في ذلك الوقت كانت الإمبراطورية الرومانية منقسمة، فاتبع الغرب الذي كان تحت سيطرة روما هذا التقويم الجديد. بينما رفض العالم الشرقي الذي كان تحت سيطرة القسطنطينية إتّباع هذا التقويم وبقي على التقويم القديم.

الآن كيف يتم حساب موعد عيد الفصح؟

يعيد كل المسيحيين عيد الفصح في الأحد الأول الذي يلي بدر الربيع…

أي بعد 21 آذار يبدأ فصل الربيع، وعندما يكتمل القمر بعد هذا التاريخ فإن العيد يكون يوم الأحد الذي يلي اكتمال القمر مباشرة. المشكلة أنه هناك فرق الآن 13 يوماً بين التقويمين الغربي والشرقي، فعندما نكون في 21 آذار (حسب التقويم الغربي) فهذا يعني 8 آذار حسب التقويم الشرقي. وهكذا إذا جاء البدر في 28 آذار مثلاً يكون هذا التاريخ 15 آذار حسب التقويم الشرقي وبالنسبة لهم لم يبدأ فصل الربيع بعد وعليهم ان ينتظروا البدر التالي (بعد28 يوماً)… أما إذا جاء البدر في 5 نيسان مثلاً فإن هذا التاريخ يكون 23 آذار حسب التقويم الشرقي (أي ضمن فصل الربيع) وهكذا يكون العيد موحداً.

وهكذا بالنسبة لتوقيتنا الحالي يكون العيد دائماً بين 22 آذار و25 نيسان عند الطوائف الغربية. وبين 4 نيسان و8 أيار عند الطوائف الشرقية.

 

كيف يُحسب موعد عيد الفصح في التّقويمَين الشّرقيّ والغربيّ؟

هل كان العشاء الاخير للرب يسوع عشاءاً فصحياً أم عادياً؟ – د. عدنان طرابلسي

هل كان العشاء الاخير للرب يسوع عشاءاً فصحياً أم عادياً؟ – د. عدنان طرابلسي

هل كان العشاء الاخير للرب يسوع عشاءاً فصحياً أم عادياً؟ – د. عدنان طرابلسي

راجع أيضًا: هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه؟ والرد على الخلاف الظاهري بين البشائر الإزائية وبشارة القديس يوحنا

سنجيب على هذا السؤال من ثلاثة جوانب: 1-موقع العشاء الاخير الزمني بالنسبة لفصح اليهود. 2-خصائص العشاء الاخير الفصحية. 3-كيف فهم مسيحيو العهد الجديد هذا العشاء كعشاء فصحي[1].

أولاً/ موقع العشاء الاخير الزمني بالنسبة لفصح اليهود: عند الشفق الذي يُنهي غروب 14 نيسان ويبدأ معه 15 نيسان يُذبح الحمل الفصحي اليهودي ويُرش دمه على عتبات المنازل. وعندما صارت الحملان تُذبح في الهيكل (بدأ هذا قبل أيام المسيح)، كان الذبح يبدأ بعدة ساعات قبل غروب 14 نيسان. بعد غروب 14 نيسان يبدأ يوم 15 نيسان في التقويم اليهودي، فيُحمّص الحمل المذبوح ويؤكل مع خبز فطير وأعشاب مرّة.

مع بداية 15 نيسان يبدأ أسبوع من عيد الفطير. وقبل أيام يسوع ب600 سنة تمّ دمج هذين العيدين معاً بصورة صارت الإشارات الإنجيلية إلى عيد الفصح أو عيد الفطير غير واضحة تماماً لتحديد تاريخ أي منهما. تتفق الأناجيل الأربعة في أن العشاء الاخير حدث يوم الخميس، وأن الصلب حدث يوم الجمعة. إنما يوجد عدم تطابق في تاريخ عيد الفصح اليهودي في أسبوع الآلام بين الأناجيل الإزائية وبين إنجيل يوحنا. إختصاراً لهذه النقطة سنستعرض هذين التاريخين في الجدول التالي:

اليوم              الخميس (العشاء الاخير)       الجمعة (الصلب)        السبت       
الإزائية           14 نيسان (الفصح اليهودي)    15 نيسان (الفطير)    16 نيسان
إنجيل يوحنا     13 نيسان                          14 نيسان(الفصح)     15 نيسان(الفطير)

كتابياً، لا يوجد تناقض حقيقي بين هذين التاريخين. يمكن مراجعة مناقشة هذه النقطة كتابياً في المرجع السابق المذكور. تاريخ يوحنا هو الأصح. وليتورجيا الكنيسة الأرثوذكسية تتبنّى تاريخ يوحنا.

ثانياً/ خصائص العشاء الاخير الفصحية: توجد خصائص فصحية واضحة في العشاء الاخير[2]. من هذه الخصائص بإختصار:

  • حدث العشاء الاخير في أورشليم (مر14: 13 وموازياته؛ يو18: 1). كان يسوع يمضي ليلته في الأسبوع الاخير في بيت عنيا (مر11: 11 وموازياته)، بينما تناول العشاء الاخير في أورشليم (المزدحمة بموسم الحج أثناء الفصح. قُدّر عدد الناس أكثر من 100000 نسمة)، كي يحافظ على قاعدة الفصح القائلة يجب تناول الفصح في أورشليم.
  • حدث ليلاً (1 كور11: 23؛ يو13: 30؛ مر14: 17؛ مت26: 20). الفصح وحده يؤكل ليلاً.
  • حدث مع الاثني عشر (مر14: 17؛ مت26: 20) حتى يتفق مع قاعدة الفصح في أنه على الأقل عشرة أشخاص يجب أن يشاركوا فيه.
  • اتكأوا إلى المائدة (مر14: 18 وموازياته؛ يو13: 21 و23). يتكأ الآكلون في مناسبات معينة (حفلة، عيد، زفاف). وفي العشاء الفصحي يتكئ المشاركون دلالة على التحرر من العبودية (إحتفالاً).
  • كسر الخبز (مر14: 22؛ مت26: 26). مر14: 22 يذكر وجبة فيها كُسر الخبز بعد تقديم صحنٍ. عادة الفصح هو الوجبة الوحيدة في السنة التي يُقدّم فيها صحنٌ يسبق كسر الخبز.
  • شرب الخمر (مر14: 23 وموازياته). شرب الخمر يحدث فقط في المناسبات (ختان، خطبة، زفاف،، أحزان)، وفي الأعياد (الفصح، العنصرة، عيد المظال).
  • توكيل يهوذا بالتبرّع للفقراء (يو13: 29). إفترض التلاميذ أن يسوع قد فوّض يهوذا (يو13: 26) بإعطاء شيء للفقراء، “وكان ليلاً” (يو13: 30). من الصعب الإفتراض أن يسوع قد إعتاد على التصدّق للفقراء ليلاً إلا إذا كان العشاء الاخير عشاءاً فصحياً حيث كان من المعتاد القيام بهذا.
  • إختتام العشاء الاخير بالتسبيح (مر14: 26؛ مت26: 30). التسبيح يخصّ العشاء الفصحي وهو مختلف عن الشكر في نهاية كل وجبة.
  • عدم العودة إلى بيت عنيا بعد العشاء: عاد يسوع إلى جبل الزيتون (مر14: 26 وموازياته)، إلى بستان شرقي وادي قدرون (يو18: 1)، لأنه يجب تمضية ليلة الفصح في أورشليم التي كانت تضم أيام يسوع بيت فاجي وبيت عنيا ووادي قدرون وبستان جثسيماني.
  • تفسير الخبز والخمر: فسّر يسوع معنى الخبز والخمر في العشاء الاخير. وتفسير عناصر الوجبة جزء راسخ من الطقس الفصحي. إذ يفسّر ربّ العائلة عناصر الوجبة الفصحية (الحمل، الفطير، الأعشاب المرّة). هنا أعطى يسوع تفسيراً جديداً، تفسيره هو، لعناصر العشاء الاخير بطريقة جديدة تشير إلى ذبيحته وإلى كونه الحمل الفصحي.

ثالثاً/ كيف فهم مسيحيو العهد الجديد هذا العشاء كعشاء فصحي: ذكر بولس تقليداً مسلّماً إليه (يعود ربما إلى الثلاثينات) لعشاء اخير حدث قبل موت يسوع (1 كور11: 23-25). وطلب من قرّائه أن ينقّوا الخميرة العتيقة بمقدار ما هم فطيرٌ، “لأن فصحنا ايضاً، المسيح، قد ذُبح لأجلنا” (1 كور5: 7). فالمسيح قام من الأموات وصار “باكورة الراقدين” (15: 20). إذاً، موت يسوع وقيامته في ذهن بولس مرتبطان برمزية الأيام الإفتتاحية لموسم الفصح/ الفطير.

لهذا فالعشاء الاخير ليسوع قد فهمه المسيحيون لاهوتياً كعشاء فصحي، وربطوا موت يسوع بتضحية الحمل الفصحي، فصار يسوع هو الحمل الفصحي (1 بطر1: 19). ورؤيا يوحنا (5: 6-14) تصوّر المسيح، في إطار ليتورجي من الصلوات والبخور، كحملٍ مذبوحٍ، دمه أشترى الناس من كل قبيلة لله. (مرقس14: 12-16) يقدّم العشاء الاخير كعشاء فصحي. و(لوقا22: 15) يفسّر مرقس عندما بدأ يسوع العشاء بالقول إنه إشتهى أن يأكل هذا الفصح مع تلاميذه قبل آلامه.

ومن الواضح أنه في هذا العشاء الفصحي إن الكلمات الملفوظة بالإشارة إلى الخبز والخمر تعطي جسد يسوع ودمه المكان المركزي الرئيسي المخصّص عادة للحمل المضحّى به في الهيكل. هذا الحمل لم يُذكر قد لدى العشاء الاخير في الأناجيل، لأن يسوع هو الحمل الفصحي هنا. أما يوحنا فقد قدّم رؤية ليسوع على أنه الحمل الفصحي. فيسوع هو “حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو1: 29 و36)، و”دم يسوع المسيح إبنه يطهرنا من كل خطية” (1 يو1: 7)، و”هو كفارة خطايانا” (1 يو2: 2).

والجنود لا يكسرون عظماً ليسوع  (يو19: 33)، مكملّين وصفاً كتابياً للحمل الفصحي (خر12: 10، 46؛ العدد9: 12). وتُستعمل الزوفى لرفع إسفنجة مملوءة خلاً إلى شفتي يسوع (يو19: 29) كما أُستعملت الزوفى لرش دم الحمل الفصحي على عتبات بيوت الإسرائيليين (خر12: 22). هكذا كان العشاء الاخير عشاءاً فصحياً، كان يسوع فيه هو الحمل الفصحي، إذ قدّم جسده ودمه للمؤمنين به لينالوا الخلاص.

والأناجيل الإزائية فهمت هذا العشاء كعشاء فصحي إنما لم تراعٍ التاريخ الزمني بالنسبة لفصح اليهود، مشيرة إلى أن يسوع قد أقام فصحه الخاص به، فصحاً جديداً، لكي يلغي الفصح اليهودي. بينما كان العشاء الاخير عشاءاً فصحياً لدى يوحنا، حيث كان فيه يسوع هو الحمل الفصحي الذي ذُبح على الصليب عندما كانت حملان اليهود الفصحية تُذبح في الهيكل. هكذا تتفق الأناجيل الأربعة في اللاهوت الفصحي الواحد نفسه[3].

 

[1] راجع الدراسة المفصلة في الدراسات الكتابية في الجزء الثالث من شرح الذهبي الفم لإنجيل متى.

[2] Joachim  Jeremias: the Eucharistic word of Jesus. The MacMillan Company, New York, 1955. P.14.

[3] نوّهت في الحاشية 112 ص128-129 من كتابي “يا يسوعاه!” بالخلاف في الغرب حول العشاء السري. الإختلاف بين الأناجيل حول تاريخ الفصح سطحي. فهم جميعاً متفقون على وقوع العشاء يوم الخميس والصلب يوم الجمعة والقيامة يوم الاحد. والبعض كالنص هنا وملحق معجم الكتاب الفرنسي يقولون إن يسوع لم يأكل الفصح اليهودي. B.J. الرصينة تقول إن يسوع قدّم موعد أكله الفصح يوماً واحداً وأكل الخروف الفصحي فأنهى فصح اليهود.

ثم أسّس سر الشكر (الحاشية على لوقا22: 17). شرح إنجيل مرقس الذي ترجمه من اليونانية الأب أفرام كرياكوس يوافق ذلك. حديثاً الكسندر Men الروسي اليهودي الأصل قال بتقديم الموعد وأكل الخروف. ويذهب إلى أن الذهبي الفم قال بتقديم الموعد. لم يقل ذلك صراحة ولكنه أعتبر عشاء الخميس فصحاً ومساء الجمعة فصحاً. (اسبيرو جبور).

هل كان العشاء الاخير للرب يسوع عشاءاً فصحياً أم عادياً؟ – د. عدنان طرابلسي

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

إقرأ أيضًا:

ما معنى 666 عدد سمة الوحش في سفر الرؤيا؟

هل كان المسيح يجهل يوم وساعة نهاية العالم؟

علامات يوم القيامة – ما هو التعليم الكتابي حول اليوم الأخير (يوم القيامة)؟

يسوع لم يحدّد متى تكون نهاية العالم عندما طرح عليه تلاميذه السؤال على الشكل التالي: “متى يكون هذا وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر” (مت 24: 3). “متى يكون هذا” أي متى يكون خراب هيكل أورشليم. بالنسبة لنهاية العالم أورد علامات. بالنسبة لهذه العلامات هناك ظواهر عامة لا تسمح بتحديد وقت معيّن.

مثلاً “في تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوّات السموات تتزعزع”. “حينئذ تظهر علامة ابن الإنسان”. على أنّ هناك ما يُسمَّى في العهد الجديد: “علامات الأزمنة” (مت 16: 3). هل تتضمّن هذه علامات نهاية العالم؟ لا نعرف تماماً.

ولكنْ كلام يسوع يدل على إمكان معرفة علامات الأزمنة هذه. إلاّ أنّ السيّد، في ردّه على سؤال التلاميذ له في شأن متى يردّ الملك إلى إسرائيل، قال لهم: “ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه” (أع 1: 7). كما قال لهم أن يسهروا لأنّهم لا يعلمون في أية ساعة يأتي ربّهم (مت 24: 42).

وفي إنجيل مرقس، في معرض الكلام على زوال آواخر الدهور هذا القول: “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلاّ الآب” (مر 13: 32)

إذا عبثاً نحاول أن نستطلع تاريخ نهاية الدهور، أو متى تكون نهاية العالم. الاهتمام ينبغي أن ينصبّ لا على معرفة متى يحدث ذلك بل على الاستعداد، في كل حين، لمجيء السيّد. “طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيّدهم يجدهم ساهرين” (لو 12: 37). (الأب توما بيطار)

“قال شيخٌ: صوت واحد يجب أن يطنّ على الدوام في أذني الإنسان: اليوم قد تم استدعائي”

“ها هو ذا الختن يأتي في نصف الليل، فطوبى للعبد الذي يجده مستيقظاً، أما الذي يجده غافلاً فهو غير مستحق” (صلاة الختن، الأسبوع العظيم)

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه ؟ حل الخلاف الظاهري

هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه ؟ والرد على الخلاف الظاهري بين البشائر الإزائية وبشارة القديس يوحنا

هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه ؟

هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه ؟ والرد على الخلاف الظاهري بين البشائر الإزائية وبشارة القديس يوحنا

1- وليمة عشاء الرب مساء الخميس هل كانت هي وليمة الفصح؟

التقليد الأرثوذكسي الذي تسير عليه الكنيسة القبطية منذ أيام الرسل، وكما تسلَّمته من السيد المسيح، هو أن تقديس سر الإفخارستيا يكون بالخبز المختمر. وهذا على أساس أن السيد المسيح أسس سر الإفخارستيا في اليوم السابق للفصح، أي قبل أن يحل ميعاد أكل الفطير.

ولكي يفهم القارىء موضوع الفصح اليهودي والفطير وعلاقتهما بسر الإفخارستيا ينبغي أن يعرف الآتي:

حينما أراد الله أن يخلِّص شعب إسرائيل من العبودية في مصر، أمرهم – بفم موسى النبي – أن تَذبح كل عائلة خروفاً حَوْليًّا (أي ابن سنة)، ليكون دمه علامة الخلاص (فداء) لكل بكر في كل بيت. على أن يُمسح بدمه باب البيت: القائمتين والعتبة العليا حتى إذا نظر الملاك المُهْلكُ علامةَ الدم يعبر عن البيت، لأن الأمر كان قد صدر من الرب أن يضرب الملاك المهلك كل بكر في أرض مصر، كعقاب لمصر بسبب تشديد العبودية على شعبه إسرائيل.

أمَّا الخروف فيُذبح في الغروب، عشية اليوم الرابع عشر (اكتمال البدر) من الشهر الأول نيسان (ميعاد خروج شعب إسرائيل من مصر)، ثم يؤكل لحمه مشوياً بالنار فقط، ولا يُكسر منه عَظْمُه، ولا يبيتُ منه شيءٌ للصباح، ويؤكل على أعشاب مرَّة (تذكيراً بالمرارة التي عاناها شعب إسرائيل في العبودية).

وفي هذا اليوم – أي الرابع عشر من نيسان – يُرفع الخمير من كل بيت (يُعزل من البيوت). حتى إذا جاء المساء – ميعاد ذبح الخروف – لا يكون خمير في إسرائيل كلها (تعبيراً عن بدء حياة جديدة مع خلاص جديد، والتخلُّص من حياة قديمة).

ويُخْبزُ الفطير في ذلك اليوم ليؤكل على خروف الفصح. أمَّا معنى الفطير فهو كما يقول الكتاب: » لا تأكل عليه خميراً. سبعة أيام تأكل عليه فطيراً، خبز المشقة، لأنك بعجلة خرجت من
أرض مصر،
لكي تذكر يوم خروجك من أرض مصر كل أيام حياتك. «(تث 3:16)

وتُحسب أيام الفطير أنها عيد قائم بذاته يبدأ من 15 نيسان حتى 21 منه مساءً. وعيد الفطير مقدَّس،يبدأ اليوم الأول منه بمحفل مقدَّس، وينتهي بمحفل مقدَّس، لا يُعمل فيهما عمل ما.

أمَّا خروف الفصح فيؤكل بعجلة، والأشخاص وقوفٌ، يؤكل رأسه مع أكارعه وجوفه، والباقي إلى الصباح يُحرق بالنار، يأكلونه وقوفاً وأحقاؤهم مشدودة وأحذيتهم في أرجلهم وعصيُّهم في أيديهم، يأكلونه بعجلة، فهو فصح للرب.

الآن يظهر بوضوح أنه لو كان عشاء الرب الذي أسس فيه سر الإفخارستيا كان هو نفسه يوم الفصح الذي يُذبح فيه الخروف مساءً، لأصبح من المحتم أن يكون الخبز المستعمل في تقديس الأسرار فطيراً، لأنه يستحيل أكل الفصح على خبز مختمر.

الكنائس الأرثوذكسية (لا خلقيدونية وخلقيدونية) عموماً تقول إنها بموجب التقليد المسلَّم لها من الرسل، تقدِّس على خبز مختمر منذ القرن الأول مع إيمانها إيماناً راسخاً أن الرب أسس سر الإفخارستيا في اليوم السابق للفصح، وكانت وليمته تسمَّى «وليمة قدَّاس الفصح»([1])، لأن الكنيسة تؤمن عن يقين تقليدي وكتابي أن الرب صُلب يوم الفصح في ميعاد ذبح الخروف فصار بذلك هو الفصح المسيحي الجديد: » هذا هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم. «(يو 29:1)

أمَّا الكنيسة الغربية – أي الرومانية الكاثوليكية – فقد ظلت تحافظ على هذا التقليد حتى القرن الحادي عشر([2])، ولكنها بعد ذلك رأت أن تغيِّر تقليدها مستخدمة الفطير بدل الخبز المختمر، مستندةً في ذلك على قراءة الأناجيل الثلاثة مرقس ومتى ولوقا التي تشير قراءاتها بحسب الظاهر إلى أن عشاء الخمسين كان وقت الفصح 14/15 نيسان. وبذلك بدأ انشقاق في التقليد السرائري بين الشرق الأرثوذكسي والغرب الكاثوليكي، وبدأ موضوع القراءات الإنجيلية يدخل في صراع في مواجهة التقليد.

وقبل أن نخوض في الموضوع ونكشف أصالة التقليد الأرثوذكسي، ينبغي أولاً وقبل كل شيء أن
ننبِّه ذهن القارىء أن سر الإفخارستيا بدأت الكنيسة تمارسه بالخبز المختمر منذ حلول الروح القدس يوم الخميس. أمَّا الأناجيل والرسائل فحينما بُدِىء في كتابتها، كان ذلك بعد ممارسة الإفخارستيا بحوالي عشر سنوات!! أي أن الأناجيل إنما بدأت تسجِّل عن الإفخارستيا من واقع ما هو جارٍ أمام أصحاب هذه الأناجيل والرسائل. فلو كان هناك أي مفارقة بين إفخارستية الرب في عشاء الخميس، كأن تكون مثلاً على فطير، وبين التقديس على الخبز المختمر الجاري على أيدي الرسل مرقس وبولس ومتى ولوقا ويوحنا، لكانت قد أصبحت موضوع شرح وتعليق بلا نزاع!

2 – القراءات الإنجيلية وكيف تثبت جميعها أن الرب صُلب في ميعاد الفصح. وأن الإفخارستيا كانت قبل الفصح بيومٍ كامل …؟

قبل أن نعرض للقراءات يهمنا أن يفرِّق القارىء بين قراءة لا تثبتها الحوادث الملابسة لها، وبين قراءة تثبتها الحوادث المرادفة لها وتشير إليها تكراراً، فالقراءة الأُولى تثير الانتباه من جهة احتمال عدم وضوح في الترجمة، أمَّا القراءة التي تشير إليها الحوادث من كل جهة فهي قراءة ذات ترجمة محصَّنة.

هذا ما سنواجهه من جهة القراءات في الأناجيل الأربعة، فإنجيل يوحنا أورد زمن إقامة سر عشاء الرب أنه قبل الفصح مساءً (أي 13/14 نيسان)، بوضوح شديد، وحدَّده تحديداً واضحاً. ثم عاد في عدة مواضع أخرى وأشار بوضوح شديد أيضاً إلى أن ميعاد صلب المسيح كان في وقت الفصح تماماً (أي 14/15 نيسان)، بحيث لم يَدَعْ القديس يوحنا أية فرصة للشك في ميعاد العشاء الذي أقامه الرب قبل الفصح بيوم كامل، ولا في ميعاد الصلب الذي تمَّ في وقت ذبح خروف الفصح.

أمَّا في الأناجيل الثلاثة الأخرى: مرقس ومتى ولوقا، فلا نجد الأمر كذلك، بل نجد أن رواية العشاء كلها ترد كخبر، مجرد خبر يتعلَّق كله بمنطوق كلمة واحدة هي كلمة » أول «=  prîtV» بروتي «(وفي اليوم » الأول «من الفطير). ثم لا نجد بعد ذلك في أيٍّ من هذه الأناجيل الثلاثة أية محاولة إيجابية من الكاتب يُظهر أو يُعلِّق فيها على زمن العشاء أو على زمن الصليب بالنسبة للفصح اليهودي.

ولأنه معروف أن كلاًّ من متى الرسول ولوقا الإنجيلي أخذ روايته من جهة عشاء الرب من إنجيل مرقس، ومعروف أيضاً أن مرقس الرسول كان يرجع في رواية بعض الحوادث التي لم يشترك فيها إلى مصدر يترجم له من العبرانية والأرامية إلى اليونانية، لذلك اتجهت أنظار علماء الكتاب المقدَّس إلى إنجيل مرقس وبالأخص إلى كلمة » اليوم الأول من الفطير «التي تحدد زمن عشاء الرب كأنه واقع في الفصح. وفعلاً وجدوا أن لا الأصل العبري يفيد هذا المعنى ولا حتى الترجمة اليونانية. وهذا سنأتي إلى شرحه في حينه.

3 – البراهين الكتابية التي تؤيد أن عشاء الرب كان قبل الفصح بيوم، وأن صلب المسيح هو الذي تمَّ في ميعاد ذبح خروف الفصح.

أولاً: قراءة إنجيل يوحنا:

أ – » أمَّا يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى، فحين كان العشاء … «(يو 13: 1و2)

هنا يورد يوحنا الرسول الخبر مدعَّماً بالزمن عن قصد، لأنه يشاء أن يعرِّفنا بميعاد العشاء بالنسبة للفصح.

ب – » ثم قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا … فصنعوا له هناك عشاءً … وفي الغد(أي قبل الفصح بخمسة أيام) سمع الجمع الكثير الذي جاء إلى العيد أن يسوع آتٍ إلى أورشليم، فأخذوا سعوف النخل وخرجوا للقائه (أحد الخوص). «(يو 12: 1و2و12و13)

إذاً، من هذه الرواية يُفهم ضمناً أن يسوع كان في بيت عنيا يوم السبت، وكان قد تبقَّى على الفصح ستة أيام، وبذلك أيضاً يكون عشاء الرب يوم الخميس قبل الفصح بيومٍ كامل بالضرورة!!

ج – » ثم جاءوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية وكان صبح. ولم يدخلوا هم إلى دار الولاية لكي لا يتنجَّسوا فيأكلون الفصح. «(يو 28:18)

إذاً، من هذه الرواية يُفهم أن المسيح حُوكم وصُلب في اليوم الذي سيُذبح فيه الفصح مساءً أي يوم الجمعة.

وبذلك يكون عشاء الرب قبل الفصح بيوم كامل – أي يوم الخميس.

د – » ثم إذ    كان استعداد، فلكي لا تبقى الأجساد على الصليب (بعد غروب الشمس، أي عند بدء يوم آخر) في السبت، لأن يوم ذلك السبت كان عظيماً، سأل اليهود بيلاطس أن
تُكسر سيقانهم ويُرفعوا. «(يو 31:19)

من هذه الآية يتبيَّن لنا من قول يوحنا الرسول أن » ذلك السبت كان عظيماً « أن يوم السبت (الذي يبدأ بعد غروب الشمس) كان هو عيد الفصح. فالسبت الوحيد الذي يُدعى عظيماً هو السبت الذي يقع فيه عيد الفصح.

إذاً، فالسيد المسيح صُلب قبل غروب الشمس، أي قبل بدء يوم السبت، أي يوم الجمعة.

وبذلك يكون عشاء الرب يوم الخميس قبل الفصح بيومٍ كامل.

هـ – » فلما سمع بيلاطس هذا القول أخرج يسوع وجلس على كرسي الولاية … وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة. «(يو 19: 13و14)

ومن هذا القول يتبيَّن بوضوح أن يوم الجمعة الذي هو يوم الاستعداد أصلاً بالنسبة للسبت، صار أيضاً استعداداً للفصح الذي يُذبح فيه خروف الفصح.

معنى هذا أن السيد المسيح صُلب يوم الجمعة، وهو يوم ذبح الفصح. وعليه يكون عشاء الرب قبل الفصح بيومٍ كامل.

ثانياً: قراءة أناجيل البشيرين الثلاثة: مرقس ومتى ولوقا:

أ – إنجيل القديس مرقس:

+ » وفي اليوم الأول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح قال له تلاميذه: أين تريد أن نمضي ونعدَّ لتأكل الفصح … فأعدَّا الفصح. ولمَّا كان المساء جاء مع الاثني عشر. وفيما هم متَّكئون يأكلون … «(مر 14: 12-18)

ب – إنجيل القديس متى:

+ » وفي أول أيام الفطير تقدَّم التلاميذ إلى يسوع … «(مت 17:26)

ج  إنجيل القديس لوقا:

+ » وجاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يُذبح فيه الفصح، فأرسل بطرس ويوحنا قائلاً: اذهبا وأعدَّا لنا الفصح لنأكل … «(لو 22: 7و8)

قد يفهم القارىء من هذه القراءات أن المسيح أكل الفصح مع تلاميذه، وكان هذا هو عشاء الرب الذي أسس فيه سر الإفخارستيا، هذا بحسب المنطوق اللفظي أو الحرفي لرواية الأناجيل الثلاثة.

ولكن لو دققنا في الأناجيل الثلاثة، فإننا لا نجد أية إشارة أخرى في مضمون الحوادث تسند هذا المفهوم المتأتي من كلمة «في اليوم الأول من الفطير» حسب إنجيل مرقس، أو في «أول أيام الفطير»حسب إنجيل متى، أو «ولمَّا جاء يوم الفطير» حسب إنجيل لوقا (الذي أخذ بالمفهوم الظاهري من الترجمة اليونانية، والتي لا تفيد هنا أكثر من » لمَّا اقترب يوم الفطير «.

أصل الكلمة في المفهوم العبري واليوناني أيضاً:

لو دققنا في مفهوم هذه الآية بحسب ترجمتها الحالية، نجد فيها التباساً واضحاً يخلُّ بالمعنى العام: » وفي اليوم الأول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح. «(مر 12:14)

الواقع أن » في اليوم الأول من الفطير «لا يمكن أن «يُذبح فيه الفصح»، لأن هذا اليوم يكون حسب الطقس اليهودي هو عيد الفصح نفسه، وهو ثاني يوم بعد ذبح خروف الفصح، لأن الخروف يُذبح قبل الغروب والفصح يؤكل بعد الغروب، وغروب الشمس هو الحد الفاصل بين يوم ويوم آخر حسب الطقس اليهودي. لأن أول أيام الفطير هو 15/16 نيسان، وذبح خروف الفصح يكون في 14/ 15 نيسان.

+ » وفي الشهر الأول، في اليوم الرابع عشر من الشهر فصحٌ للرب (ذبح الخروف). وفي اليوم“الخامس عشر” (أكل الفصح وأول أيام الفطير السبعة) من هذا الشهر عيدٌ، سبعة أيام يؤكل فطير. في اليوم الأول محفلٌ مقدَّس، عملاً ما من الشغل لا تعملوا. «(عد 28: 16- 18)

إذاً يتحتم على قارىء الآية أن يُعيد النظر في الترجمة الأصلية من العبرية وفي الترجمة من اليونانية أيضاً.

وهذا ما قام به مؤخراً العالِم الألماني » كولسن Chwolson «وهو أول مَنْ انتبه إلى عدم دقة الترجمة، وأفاض في شرحه في كتابه المعروف بالألمانية بـ » وليمة الفصح «“Passamahl” صفحة 180 وما بعدها. وقد أثبت أن الترجمة اليونانية لم توضِّح القصد العبري تماماً. فالتعبير » اليوم الأول من الفطير «هو في الأصل العبري byum kmy dpsh وقراءتها بالعبرية تكون » بيوم قمي دبصح «ومعناها الحرفي: » وقبل يوم الفصح «أو «يوم قبل الفصح».

وقد جاء العالِم اليهودي المتنصِّر “يواكيم إرميا” (سنة 1964)، ووافق على هذا التصحيح في كتابه عن الإفخارستيا (صفحة 18)، ولكنه صحَّح لكولسون كلمة dpsh (فصح) بـ dptyry أي الفطير. فأصبحت الترجمة الجديدة التي ينبغي أن تكون عليه الآية في الطبعة الجديدة للكتاب المقدَّس هي: » وقبل يوم الفطير حين كانوا يذبحون الفصح «

والمعنى هنا هو: «وقبل يوم (خبز) الفطير الذي هو يوم ذبح الفصح»، فإذا كان خبز الفطير يوم الجمعة يكون ذبح خروف الفصح يوم الجمعة أيضاً، ويكون بالتالي اليوم الذي قبل الفطير هو يوم الخميس.

والحقيقة أن الكلمة اليونانية » prîtV بروتي «(مر 12:14)، تُفيد هذا المعنى أيضاً أي » قبل «[3]) وهذا مما جعل القديس لوقا يكتبها في إنجيله: » ولمَّا جاء «أي » اقترب! «[4]) 

وبذلك تكون قراءة الأناجيل الثلاثة متفقة مع قراءة إنجيل يوحنا، إذ يكون المعنى «وقبل يوم الفطير»الذي يُذبح فيه الفصح، هو اليوم الذي قبل الفصح وقبل خبيز الفطير، حيث الجملة الموصِّلة هنا: «الذي يُذبح فيه الفصح» لا تعود إلى أول يوم من عيد الفطير بل إلى اليوم الذي يُنزع فيه الخمير ويُخبز الفطير.

وبذلك يكون الكلام واضحاً جداً: أن الرسول يشير إلى اليوم الذي قبل الفصح فعلاً: أي قبل يوم الجمعة 14/15 نيسان، وهو يوم الخميس 13/14 نيسان، بحسب إنجيل يوحنا.

4 – الرد على القول بـ «فأعدَّا الفصح» (مر 16:14) والقول بـ «شهوةً اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم.» (لو 15:22)

حينما يقول الكتاب: » أين تريد أن نمضي ونعدَّ لتأكل الفصح … فأعدَّا الفصح « هنا الإعداد للفصح بمعنى الاستعداد ليوم الفصح، لأن أموراً كثيرة ينبغي أن تُرتَّب قبل ذلك اليوم. لأن الإعداد للفصح عملية معقَّدة عند اليهود، ويستحيل أن تتم في نصف نهار.

أو كيف يسافر بطرس ويوحنا من بيت عنيا إلى أورشليم ويبحثا عن بيت مرقس، ثم في نفس الصباح يقومان بشراء الخروف الذي يتحتَّم أن يُذبح في الهيكل، ثم يقومان بعملية تنظيفه وشيِّه في فرن خاص بشروط خاصة، لأن الطقس يحتِّم أن يُشوَى الخروف صحيحاً بأكمله حتى جوفه وأكارعه، وذلك بأن تخترق عصا رمان من الفم حتى المخرج ويصير شَيُّهُ دون أن يلامس تراب الفرن، مع مطالب العيد الأخرى من أعشاب مرَّة وأطباق مأكولات يحتِّمها الطقس؟

إن كلمة (» وأعدَّا «الفصح) هي في الواقع طقسية، وتُفيد الانتهاء من الترتيبات الخاصة بيوم«الاستعداد للفصح»، حيث تتم في كل ساعة من ساعاته عملية معينة. لذلك فإن كلمة «أعدَّا»الفصح لا تعني أنهما ذبحا الخروف وهيَّآه للأكل في ساعة من الزمان، فهذا غير معقول، وإنما يعني أنهما أكملا الترتيبات اللازمة للفصح، لأن مساء الخميس هو في الواقع بداية » يوم الاستعداد الكبير «للفصح الذي هو يوم الجمعة، وقد جعل منه السيد المسيح استعداداً آخر جديداً إذ أعدَّ فيه نفسه لذبيحة الصليب.

فكان مساء الخميس يوم استعلان للفصح الأبدي، وكان عشاء الخميس هو هو يوم ما قبل الصليب، حيث الصليب هو هو الفصح الحقيقي المزمع تقديمه على الصليب يوم الجمعة.

وعلى أساس ما أضمر المسيح أن يكمله في عشاء الخميس من استعلان الذبيحة وتقديم نفسه لتلاميذه وللكنيسة حملاً مذبوحاً لأجل حياة العالم ولمغفرة خطايا كثيرين، وعلى أساس ما كان يعلَمه المسيح من حوادث الجمعة العنيفة الدامية، وجسده أمام عينيه ممزَّق ودمه مسكوب على الأرض بأيدي الكهنة ورؤساء الكهنة قال: » شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم «(لو 15:22).

ومعلوم يقيناً أن المسيح لا يشتهي أكلاً ولا يشتهي عيداً، ولكنه كان يشتهي، منذ البدء وقبل أن يتجسَّد، أن يؤسس فصحاً جديداً. «هذا الفصح» يكون الأكل والشرب منه
أكلاً وشرباً حقيقياً (¢lhqîj أليثوس): » جسدي مأكلٌ حقٌّ ودمي مشربٌ حقٌّ «(يو 55:6)، حيث كلمة » حقيقي «هنا ¢lhqîj تُفيد أكلاً وشرباً إلهياً من خلال أكل وشرب مادي.

وهذا هو مضمون » السر «في عشاء الرب الذي أصبح به » هذا العشاء «» فصحاً حقيقياً « جديراً بأن يُشتهى بالحقيقة!! حيث صار الخبز والخمر لحمَ ودمَ حملِ الله، فصحِ الدهور والأبدية، الذي يرفع خطية العالم.

ومرة أخرى نقول: إنه يقيناً لم يكن المسيح يشتهي أن يأكل لحم خراف ولا كان يود أن يستمتع بذكريات مصر وسيناء مع تلاميذه، بل اشتهى أن يكشف لهم سر الفصح الكبير، فصح العالم كله، » مُشتهى الأمم « الفصح السماوي الجديد حيث كان حمل الله يُجرَى الاستعدادُ لذبحه في السماء كما على الأرض. فالمسيح اشتهى شهوةً أن يطعمهم لحمه السماوي بيديه قبل أن يذبحه اليهود بأيديهم.

وهل توجد شهوة عنده أو حب له أعظم من هذا أن يذبح نفسه من أجل أحبائه، ألم يقل هو نفسه هذا (يو 13:15)؟ والآن لقد اشتهى أن يكسر بينهم الخبز السري النازل من السماء، الذي طالما حدَّثهم عنه، حتى عند أكل الخبز تنفتح عيونهم ويعرفوه، قبل أن يتألم!!

اشتهى شهوةً أن يَسْفُك دمه ويسقيهم منه قوة الحياة التي للعهد الجديد، ليبقى حيًّا فيهم بقوة قيامته فيكون لهم حياة أبدية في أنفسهم، حتى يقوموا ويلحقوا به في السماء ليكمل معهم الفصح الأبدي في ملكوت الآب، ويجلسوا معه على مائدته!

هذه كانت شهوة المسيح التي اشتهاها لنا!!! … » شهوةً اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم، لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يُكمَل في ملكوت الله «(لو 22: 15و16)، حتى يكمل الخروج الأخير من العالم لشعبه ويدخلوا الملكوت معه!

ويرى العالِم L. von Sybel في مقال له بعنوان: Das Letzte Mahl Jesu [في مجموعة الدراسات اللاهوتية والنقدية – ليبزج، رقم 95 (1923- 1929)، ص 119] إن ما سجَّله القديس لوقا في إنجيله الوارد في أصحاح 22: 15و16، والمذكور أعلاه، هو في الحقيقة تقليد كنسي كان قائماً في الكنيسة وقت تسجيل القديس لوقا لإنجيله. ويقوم هذا التقليد([5]) على أساس أن الرب قال هذا على أكل الخبز (الفصحي)، وليس على أكل خروف الفصح.

وجاء العالِم Bultmann وأثبت هذا الرأي أيضاً في كتابه:

The History of the Synoptic Tradition, Oxford, 1963, p. 266.

وجاء أيضاً العالِم الفرنسي A. Loisy وتحيَّز بثقة إلى هذا الرأي.

وهكذا وجدنا أن التقليد القائم في الكنيسة الأرثوذكسية اليوم، تنحاز له الأبحاث اللاهوتية العميقة، وأنه كفيلٌ بأن يُستظهر على كل نقد، لأنه في الحقيقة منبع قائم بذاته سابق على تسجيل الأناجيل وعلى كل الرسائل، وخصوصاً من جهة سر الإفخارستيا … فالرسل أقاموا سر الإفخارستيا بعد حلول الروح القدس مباشرةً، بحسب ما تسلَّموه من الرب، وقبل أن تُسجَّل كلمة واحدة في كافة الأناجيل أو الرسائل!

ومن جهة القراءات أيضاً، فإنه توجد بعض إشارات عابرة في كتب الأبوكريفا التي يرجع تاريخها إلى القرون الأولى، تحدِّد بوضوح ميعاد الصلب بالنسبة لعيد الفطير، وقد جاءت عفواً. ففي كتاب الأبوكريفا المدعو » إنجيل بطرس «5:2 يقول: [إن محاكمة الرب وصلبه تمَّت قبل أول يوم من عيد الفطير]([6]).

وهذا القول – وإن كنَّا لا نعتمد عليه – إلاَّ أنه يشير إلى التقليد السائد في ذلك الزمان عن ميعاد الصليب بالنسبة للفصح اليهودي، فهذا القول يوضِّح أن الكنيسة كانت على دراية أكيدة من أن المسيح صُلب في ميعاد الفصح تماماً، وأن عشاء الرب كان قبل الفصح، وبالتالي فإن التقديس يكون على الخبز وليس على الفطير.

وكانت هذه الوليمة السابقة على يوم الفصح تسمَّى: » قدَّاس الفصح. «[7])

5 – البراهين الأخرى

عدا القراءات التي جاءت في إنجيل يوحنا بوضوح، نقدِّم الآن البراهين الأخرى المترتبة على القراءات والتي تشير كلها إلى أن عشاء الرب لم يكن فصحاً يهودياً، وأن المسيح صُلب في ميعاد ذبح الخروف:

أولاً: ينبغي أن نهتم بالفارق بين مفهوم الفطير ومفهوم الخبز في الإفخارستيا، فلا ينبغي أن يُؤخذ بخفة، لأن المعنى الذي يحمله كبيرٌ، فالفطير له علاقة معنوية ينبغي أن تبقى في حدود الفصح اليهودي فقط.

لأن الفطير في الفصح – بحسب الكتاب – يمثِّل «خبز الشقاء»، وبالعبرية: Lehem Oni »لِحِمْ عُنِي «ومعناه » خبز عناء « وترجمته اليونانية ¥rtoj kakèsewj (تث 3:16)، لأنه رُفع من المعجنة قبل أن يختمر أو قبل أن توضع فيه خميرة بسبب السرعة والعجلة للخلاص من العبودية والشقاء: » لا تأكل عليه خميراً.

سبعة أيام تأكل عليه فطيراً، خبز المشقة، لأنك بعجلة خرجت من أرض مصر،لكي تذكر يوم خروجك من أرض مصر كل أيام حياتك. «(تث 3:16)

ولكن الآن ونحن في الإفخارستيا، التي هي الفصح الحقيقي، الجديد، نحن لا نأكل » لِحِمُ عُنِي «أي » خبز الشقاء «بل خبز البركة، الخبز الحي النازل من السماء، وليس ذاك الآتي من مصر.

فجسد المسيح لا يمكن أكله على هيئة فطير، أي خبز عناء، لأنه ليس أرضياً بل هو سماويٌّ ومؤدٍّ إلى السماء، فهو خبز الراحة الحقيقية واسمه » خبز البركة والشكر «و » ترياق الخلود « أي دواء عدم الموت، بل وعدم الشقاء، بل وعدم الحزن أو الكآبة أو التنهد أو حتى المرض. فالذي يأكله لا يجوع ولا يموت، فهو إذاً خبز الفرح والسرور والشفاء، وليس خبز المذلة والضيق والشقاء.

لذلك فإن موقف الطقس الأرثوذكسي من وليمة الفصح اليهودي موقف سليم، إذ لم يجعلها منطلقاً ولا أساساً للإفخارستيا، لأنه كيف يُعلَن الجسد المقدَّس في خبز عناء وشقاء؟

ثانياً: مرقس الرسول يقول في إنجيله: » أخذ يسوع خبزاً ¥rton وبارك وكسر «(مر 22:14)،
ولم يقل » أخذ فطيراً ¥zumon. «[8]) 

والتقليد المسلَّم للكنيسة القبطية على يدي مرقس الرسول نفسه وهو إنجيلي، حدَّد أن يكون خبز الإفخارستيا خبزاً لا فطيراً، فتواتر الطقس الأرثوذكسي منذ منتصف القرن الأول، وهو يقوم عملياً على أساس تقديم خبز لا فطير في الإفخارستيا، جعل قراءة إنجيل مرقس الرسول وبقية الأناجيل فيما يختص بكلمة الخبز الواردة بوضوح ¥rtoj وليس فطيراً ¥zumoj تشير إلى أن الإفخارستيا أقامها المسيح فعلاً بخبز مختمر وليس فطير.

فالتقليد يشدِّد ويحدِّد من قصد الكلمة الواردة في الأناجيل. لأن الاعتراضات التي يقدِّمها بعض العلماء على كلمة ¥rtoj الواردة في الأناجيل أنها قد تفيد أيضاً خبز الفطير – قياساً على ما جاء في الأسفار قديماً من احتمال ذكر كلمة » خبز «بدل » فطير «للاختصار، نقول إن هذه الاعتراضات قائمة على أساس مجرد قراءة الكلمة. ولكن بعد وقوف التقليد الأرثوذكسي من هذه الكلمة باستخدامه الخبز المختمر عملياً منذ القرن الأول المسيحي، أصبحت احتمالات القراءة الأخرى مستبعدة.

ثالثاً: الإفخارستيا، كما ظهرت في أول صورة لها في الكنيسة الأُولى في سفر الأعمال، ظهرت باستخدام الخبز لا الفطير، دون أي إشارة إلى طقس الفصح. فلم نقرأ مرة واحدة عن إقامة إفخارستيا بطقس الفصح أو بالفطير في كل الأخبار الواردة في الإفخارستيا المعبَّر عنها بكسر الخبز.

وهذه هي صورة أول إفخارستيا بعد يوم الخمسين مباشرةً:

+ » وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات. «(أع 42:2)

وهذه الآية كلها تصوير لخدمة قدَّاس كامل. فالتعليم أولاً، ثم الاجتماع معاً حول المائدة (الشركة هنا كلمة طقسية: koinwn…a كينونيا)، وكسر الخبز (تعبير سفر أعمال الرسل عن سر الإفخارستيا)، والصلوات (أي تلك التي تُتلى بعد التناول).

فلو كانت الإفخارستيا قد أسسها الرب من خلال طقس الفصح أو انطباقاً عليه، لكانت إقامتها تستلزم دائماً خبز الفطير، كما وكان يتحتم أن يأخذ صورة سنوية، أو لكان زمن إقامتها السنوي يُعتبر أساساً.

ولكن الواقع أن تكرار إقامة الإفخارستيا في الكنيسة الأُولى منذ أول يوم كان على الخبز، وبدون
أي قيد زمني، وفي أي وقت من النهار (وهذا مهم للغاية)، هذا كله يشير إلى أن تأسيسها كان حرًّا من أي طقس سابق، وأنها كانت من خلال وليمة شركة ومحبة حرَّة غير مرتبطة بطقس الفصح اليهودي.

رابعاً: في رواية العشاء السري في الأناجيل الثلاثة مرقس ومتى ولوقا، ثم الرواية الواردة عن الإفخارستيا في رسالة القديس بولس الرسول الأُولى إلى كورنثوس، لا نجد أية إشارة إلى طقس فصحي على الإطلاق، فلا ذكر لخروف الفصح ولا لأعشاب مرَّة ولا لأكل بعجلة ولا لحديث الفصح التقليدي Heggadah.

بل على العكس، فإن الإنجيليين الأربعة يوضِّحون أنه اتكأ والإثنا عشر وابتدأوا يأكلون، فالاتكاء هنا يشير إلى أنها كانت ليست وليمة فصح حيث يأكل فيها الجميع، وهم وقوف، متمنطقين، وعلى عجلةٍ، وإنما كانت وليمة عشاء حدَّد المسيح طقسها وروحها كبداية وأصل.

أمَّا اعتراضات بعض العلماء (وهم من أعاظم العلماء في الإفخارستيا) بخصوص الإفخارستيا التي كانت تقيمها الكنيسة الأُولى، أنها كانت تكراراً للولائم العادية التي كان يقيمها المسيح مع تلاميذه وأنها لم تكن تكراراً للعشاء الأخير([9])، فهو قول مرفوض، لأن الكنيسة تؤمن بإفخارستيا واحدة، أُقيمت مرَّة، وهي هي التي تُقام كل مرة، لأن الذي يقيمها هو المسيح وبحضور تلاميذه وملائكته وقديسيه مع شعب كل كنيسة. فحضور الرب في كل إفخارستيا، وكون كل إفخارستيا هي نفس جسد المسيح ودمه، يُنهي على كل ثنائية في شكل الإفخارستيا وجوهرها.

ثم إنه في قول المسيح – في تقليد بولس الرسول الذي سجَّله عن الرب نفسه: » فإنكم كلما أكلتمهذا الخبز وشربتم هذه الكأس تُخبرون بموت الرب إلى أن يجيء «(1كو 26:11)، تفيد كلمة (» هذا «الخبز) وكلمة (» هذه «الكأس)، أنه خبز واحد وأنها كأس واحدة لطقس واحد قد تعيَّن إلى الأبد، فكل إفخارستيا قامت وستقوم هي «هذا» الخبز نفسه و «هذه» الكأس عينها لهذا الطقس ذاته الذي أقامه المسيح مساء الخميس!

خامساً: إن كل أوصاف » عشاء الرب «كما جاءت في الأناجيل وفي رسالة كورنثوس الأُولى، تتنافى مع أوصاف طقس الفصح اليهودي كما جاء في العهد القديم وفي كل كتب اليهود الطقسية سواء كانت » المِشْناه «أو غيرها.

( أ ) ففي وليمة الفصح لا يُكسر (الفطير) إلاَّ بعد العشاء الرسمي؛ في حين أن الخبز في عشاء الرب ذُكر أن الرب قسَّمه قبل العشاء([10]).

(ب) في وليمة الفصح وحينما يأتي ميعاد (الفطير)، وهو يكون في نهاية العشاء، لا تُقال عليه البركة قبل الكسر، بل بحسب الطقس اليهودي يُكسر أولاً ثم تُقرأ عليه البركة؛ في حين أن الذي ذُكر في إنجيل القديس مرقس هو أنه بارك أولاً ثم كسر، وكذلك بقية الأناجيل([11]).

(ج) في وليمة الفصح لا يوجد كأس تتوزع على جميع الحاضرين، بل كل واحد يكون له كأسه وتكون له صحفته؛ بعكس ما جاء في الأناجيل أن المسيح بارك كأساً واحدة وأعطاها للتلاميذ ليشربوا منها كلهم([12]).

( د ) وكذلك يُفهم أيضاً أنه كان يوجد صحفة واحدة يغمس فيها الجميع (مر 20:14).

(هـ) في وليمة الفصح يتحتَّم توزيع أربع كؤوس أثناء الوليمة، لم يُذكر منها في الأناجيل إلاَّ كأس واحدة؛ أمَّا في إنجيل لوقا فقد كُشف عن وجود كأس آخرى في بداية العشاء قبل كسر الخبز، وهذا غريب عن طقس الفصح جملةً – وقد رفض المسيح أن يشرب منها باعتبار أنها مجرَّد كأس للشرب من نتاج الكرمة وحسب، أي لا يدخل في مضمون تأسيسه للسر المقدَّس القائم على كأس واحدة تحوي دم العهد الجديد. وهذا معروف – حسب الطقس القبطي – أنه ذاق منها ثم أعطاها للتلاميذ بعد البركة.

سادساً: ومما يزيد وضوح حقيقة أن عشاء الرب لم يكن ليلة الفصح، ما جاء في إنجيل القديس مرقس بخصوص تصميم رؤساء الكهنة أن لا يُقبض على المسيح في يوم العيد: » وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يمسكونه بمكر ويقتلونه، ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب.«(مر 14: 1و2)

وهذا يوضِّح أن المسألة تختص بقرار صدر من السنهدرين أن لا يُقبض عليه في العيد، ليس فقط لاعتبارات الخوف من ثورة يقوم بها الشعب ضد السلطة الدينية ولكن أيضاً بسبب اعتبارات طقسية هامة. إذ لا يجوز عمل ذلك في العيد بحسب الشريعة.

لذلك كيف يُحتمل بعد ذلك أن يُقال أن المسيح قُبض عليه مساء العيد وحوكم يوم العيد نفسه وتمَّ الصلب أيضاً يوم العيد؟ ([13])

إذاً، يكون الطقس الأرثوذكسي في الجانب الأقوى، من حيث ظروف الحوادث الإنجيلية ومن جهة الشريعة اليهودية أيضاً. فالمسيح أسَّس الإفخارستيا قبل الفصح، وقُبض عليه قبل عيد الفصح، وحوكم قبل عيد الفصح، وتمَّ صلبه مع ذبح الخروف!

إن هذا يتمشَّى ليس مع الشريعة فحسب، بل ومع كافة النبوات أن المسيح هو الفصح الجديد » الواحد الذي يموت عن الشعب حتى لا تهلك الأمة كلها «(راجع يو 50:11) بحسب نبوَّة رئيس الكهنة العفوية.

سابعاً: جاء في إنجيل القديس يوحنا: » لكم عادة أن أُطلق لكم واحداً في الفصح، أفتريدون أن أُطلق لكم ملك اليهود؟ فصرخوا أيضاً جميعهم قائلين: ليس هذا بل باراباس. وكان باراباس لصًّا. «(يو 18: 39و40)

وأصل هذه العادة هو اهتمام الطقس اليهودي بفك قيد مسجون واحد في العيد تعبيراً عن أن الفصح هو بمثابة فك قيود شعب إسرائيل من مصر!! فكان السنهدرين يتكفَّل بذبح خروف خاص كفصح رمزي عام إكراماً لهذا المسجون.

إذاً، فواضح أن إطلاق سراح باراباس اللص، ليأكل الفصح مع اليهود، هو برهان أن المسيح حوكم وصُلب يوم ذبح الفصح، وبذلك يكون عشاء الرب قد سبق الفصح بيوم كامل.

ثامناً: لقد أورد بولس الرسول في رسالته الأُولى لكورنثوس إشارة واضحة جداً، إنما على المستوى الميستيكي أي الروحي التأملي: أن المسيح صُلب في ميعاد ذبح الخروف وصار هو فصحنا الجديد: » لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا. «(1كو 7:5)

وبما أن الخروف لا يُدعى فصحاً إلاَّ إذا ذُبح في ميعاد الفصح، لذلك فإن ذبيحة المسيح لا يمكن تسميتها فصحاً إلاَّ إذا كانت قد قُدِّمت في ميعاد الفصح تماماً، أي من الساعة السادسة من النهار
(أي الثانية عشرة ظهراً) حتى الساعة التاسعة من النهار (الثالثة بعد الظهر)([14]).

وهذا ما تمَّ بالفعل. بل وإن الإفخارستيا، أي سر عشاء الرب، قُدِّم على أساس أن المسيح سيكون هو خروف الفصح، بعكس ما يحاوله بعض العلماء أن يركِّزوا على عشاء الرب أنه هو الفصح. هذا لا يجوز من وجهة المنطق الروحي الدقيق، فالإفخارستيا لا يمكن أن تكون فصحاً إلاَّ إذا كان المسيح فصحاً!!، فلأن المسيح علم يقيناً أن ساعته قد جاءت وعلم يقيناً أنه سيُسلَّم ويُصلب في الفصح، قدَّم جسده مُسْبَقاً مكسوراً بالنية والإرادة الأزلية ومشورة الآب، باعتباره أنه هو لحم الفصح السماوي، وقدَّم دمه بروح أزلي متجاوزاً الزمن، باعتباره أنه هو دم الفصح المنجِّي من الهلاك والموت الأبدي.

إذاً، لولا يقين المسيح بأنه سيُقدَّم في الفصح ذبيحة إلهية لأجل خلاص العالم ما كان جعل عشاء الخميس ذبيحة سرية على مستوى الفصح، أي » جسد ودم «!

تاسعاً: كذلك أورد بولس الرسول إشارة في غاية العمق الروحي من جهة المضمون الطقسي لا يدركها إلاَّ الدارسون للطقس القديم. فهو يقول في رسالته الأُولى إلى كورنثوس: » ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين «(1كو 20:15). هنا كلمة «باكورة» “Bikkurim” كلمة طقسية تتبع في فهمها وشرحها الطقس الذي انحدرت منه إلينا. فما هو طقس » الباكورة « وما هو ميعادها؟

معروف في طقس الباكورة أنها أوائل حصيد القمح (الحبة التي كانت قد وقعت في الأرض وماتت)، تُقدَّم كحزمة فريك وذلك في غد السبت الذي يتبع الفصح – أي 16 نيسان – كما جاء في سفر اللاويين:

+ » في الشهر الأول (نيسان) في الرابع عشر من الشهر، بين العشاءين (الغروب والمساء) فصحٌ للرب. وفي اليوم الخامس عشر من هذا الشهر عيد الفطير للرب سبعة أيام … تأتون بحزمة أول حصيدكم إلى الكاهن، فيردِّد الحزمة أمام الرب للرضا عنكم في غد السبت يردِّدها الكاهن، … ثم تحسبون لكم من غد السبت السابع من يوم إتيانكم بحزمة الترديد سبعة أسابيع تكون كاملة إلى غد السبت تحسبون خمسين يوماً، ثم تقرِّبون تقدمة جديدة للرب. «
(لا 23: 5-6 و9-16)

إذاً، فالقديس بولس الرسول بعد أن ألمح إلى 14 نيسان أن المسيح هو فصحنا الذي ذُبح لأجلنا، عاد وألمح في صورة مبدعة إلى 16 نيسان بقوله أن المسيح صار أيضاً باكورة الراقدين، أي أن المسيح قام من الأموات في يوم تقدمة الباكورة. وبما أن الباكورة تُقدَّم في غد السبت (أي يوم الأحد) بعد الفصح، إذاً، فبولس الرسول بقوله أن المسيح كان باكورة الراقدين، فهو يعني تماماً قيامة المسيح يوم الأحد، وبالتالي يشير ويؤكِّد الإشارة إلى أنه مات يوم الجمعة 14 نيسان في ميعاد ذبح الفصح!!

ففي الإشارة الأُولى التي يقول فيها إن المسيح فصحنا، يشير إلى المسيح باعتباره حمل الفصح المذبوح في 14 نيسان، وفي الإشارة الثانية التي يقول فيها إنه باكورة الراقدين يشير إلى المسيح باعتباره حبة الحنطة التي كانت قد وقعت وماتت ثم قامت، وتم ترديدها أمام الله في غد السبت (الأحد) 16 نيسان!!

عاشراً: قول بولس الرسول عن ميعاد الإفخارستيا: » في الليلة التي أُسلم فيها أخذ خبزاً … «(1كو 23:11)، يشير إشارة ضمنية ولكن ذات اعتبار خاص، أنها لم تكن ليلة الفصح، وإلاَّ كان ذكر أن ذلك تم في ليلة الفصح. فإغفال بولس الرسول للفصح نهائياً يشير إلى أنها لم تكن ليلة الفصح.

حادي عشر: تقول الشريعة بكل وضوح وتأكيد إن من بدء أكل الفصح في العشاء، أي بعد غروب شمس اليوم الثالث عشر من نيسان بما يساوي دقيقتين (بتوقيتنا الزمني الحالي) ومنذ بدء أكل الفطير في نفس وقت الفصح، يُحسب سبعة أيام لا يكون فيها عمل من الأعمال: » عملاً ما من الشغل لا تعملوا « وعلى وجه الخصوص اليوم الأول الذي يبدأ بعد غروب 13 نيسان مباشرةً، وكذلك يوم 21 اليوم الأخير، فإنهما محسوبان محفلاً مقدَّساً للرب، وعليهما تشديد وعقوبة في الناموس:

+ » لا يُعمل فيهما عمل ما إلاَّ ما تأكله كل نفس، فذلك وحده يُعمل منكم. «(خر 16:12)

فكيف يُجيز القائلون بأن الإفخارستيا – أي عشاء الرب – كانت هي وليمة الفصح وكانت هي أول أيام الفطير؟ ويكون قد حدث فيها الآتي:

1- » وخرج (يسوع) مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون، حيث كان بستان دخله هو وتلاميذه «(يو 1:18). فهل يمكن أن تكون هذه ليلة الفصح؟

2- » فأخذ يهوذا الجند وخدَّاماً من عند رؤساء الكهنة والفريسيين، جاءوا إلى هناك بمشاعل، ومصابيح، وسلاح! «(يو 3:18)، ويقول إنجيل لوقا إنه كان معهم «رؤساء الكهنة
والشيوخ»
(لو 52:22)، وحتى التلاميذ حملوا معهم سيفين!! » فقالوا يا رب هوذا هنا سيفان!! «(لو 38:22). بل وضرب بطرس عبد رئيس الكهنة بالسيف: » وضرب واحدٌ منهم عبد رئيس الكهنة فقطع أُذنه اليمنى «(لو 50:22). فهل يمكن أن تكون هذه ليلة الفصح؟

3- وهل يمكن أن ينعقد السنهدرين ليلة الفصح، وينشغل في المحاكمة حتى الصباح! حتى صياح الديك الثالث!! وقانون السنهدرين واضح وصريح أنه لا يجلس أحد للحكم يوم العيد([15])؟؟

4- وهل يمكن أن يستمر صباح يوم عيد الفصح في المحاكمة؟ » ولمَّا كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب: رؤساء الكهنة والكتبة وأصعدوه إلى مجمعهم!! «(لو 66:22)

5- وهل يمكن في عيد الفصح المحسوب محفلاً مقدَّساً أن يمزق رئيس الكهنة – أثناء المحاكمة – ثيابه: » فمزَّق رئيس الكهنة ثيابه؟ «(مر 63:14)

6- وهل يمكن أن يشترك اليهود شعباً وشيوخاً وكتبةً وفريسيين مع الرومان في المحاكمة يوم عيد الفصح؟

7- وكيف يمكن أن يأتي سمعان القيرواني من حقله البعيد عن المدينة (من الشغل) يوم عيد الفصح ظهراً؟ وكل المسموح به للمشي لا يزيد عن 880 متراً فقط والتي لا تكفيه أن يخرج من باب أورشليم؟

8- وهل يجوز الحكم بصلب إنسان يهودي يوم عيد الفصح بحسب شريعة اليهود؟

9- وكيف يجوز ليوسف الرامي، وهو مشير بين اليهود، أن يشتري يوم الفصح كتاناً من السوق ليكفِّن يسوع، وأي سوق هذا الذي يفتح أبوابه يوم فصح اليهود؟

10- وكيف يتم إنزال جسد ميت من على صليب (علامة اللعنة) ثم حمله ثم دفنه ثم دحرجة الحجر على القبر يوم عيد الفصح؟

إذاً، هذا كله تمًّ يوم ذبح خروف الفصح وليس يوم عيد الفصح!

 

عشاء الخميس قبل الفصح في أقوال آباء الكنيسة

1 القديس يوستينوس الشهيد (100-165م)([16]):

[لقد أخذتموه (يوستين يوجِّه الكلام إلى تريفو اليهودي) وأسلمتموه في يوم الفصح].

™n ¹mšrv toà p£sca sunel£bete aÙtÒn.

ويعلِّق على هذه العبارة العالِم أويسترلي Oesterley في كتابه » الخلفية اليهودية لليتورجيا المسيحية «بقوله: [إن بهذه العبارة يتضح أن يوستين يعتقد أن العشاء الأخير يتحتَّم أن يكون قد حدث في يوم الخميس فيما قبل الساعة السادسة]، أن الوليمة التي في أثنائها أو بعدها قد تمَّت الإفخارستيا من غير الممكن اعتبارها وليمة الفصح.

2 أبوليناري أسقف هيرابوليس (سنة 165م)([17]):

وقد دار في أيامه نقاش حاد عن ميعاد أكل العشاء الأخير، أي تأسيس الإفخارستيا. فأوضح ببراهين كثيرة أن المسيح لم يأكل الفصح في ميعاد الفصح، وأثبت صحة تقليد إنجيل يوحنا، واعتبر الذين يقولون إن المسيح أكل الفصح في 14 نيسان وصُلب في 15 نيسان » جهلة «و» محبي العراك. «[18])

3 العلاَّمة هيبوليتس أسقف روما (170-236م):

[في الوقت حيث كان يتألم المسيح (أسبوع الآلام) لم يأكل فصح الناموس، لأنه هو كان الفصح الذي أُعلن عنه منذ القديم والذي أُكمل في ذلك اليوم المحدد.]([19])

4 القديس أناتوليوس أسقف لاودكية (تنيَّح سنة 282م)([20]):

[اليوم الرابع عشر من الشهر القمري الأول، تقدَّس بتسليم الرب، وهذا متوافق في كل شيء مع الإيمان الجامع.]([21])

5 القديس بطرس خاتم الشهداء بابا الإسكندرية الـ 17 (300-311م):

[إلاَّ أنه بعد خدمته الجهارية لم يأكل الخروف، لأنه هو نفسه تألم كحمل في عيد الفصح، كما يعلِّمنا يوحنا البشير واللاهوتي في إنجيله، حيث يقول هكذا: » حينئذ اقتادوا يسوع من عند قيافا إلى قاعة الحكم. وكان الوقت باكراً، ولم يدخلوا قاعة الحكم خشية أن يتنجَّسوا، فيمتنعوا عن أكل الفصح «(يو 28:18 – الترجمة حسب النص). وبعد ذلك بقليل يقول إنجيل يوحنا: » فلما سمع بيلاطس هذا الكلام أخرج يسوع وجلس على منصة القضاء في الموضع المدعو البلاط وبالعبرانية جباثا. وكان استعداد الفصح، وكان نحو الساعة السادسة «(يو 19: 13و14 – الترجمة حسب النص)، كما أوضحت الكتب الصحيحة، ونفس النسخة التي كُتبت بيدي البشير نفسه، وقد حُفظت بنعمة إلهية في الكنيسة المقدَّسة بأفسس، وهي الآن هناك يُجلُّها المؤمنون. ونفس البشير يقول: » ثم إذ كان يوم الاستعداد، فلئلا تبقى الأجساد على الصليب في السبت لأن ذلك السبت كان عظيماً، سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويمضي بهم. «(يو 31:19 – الترجمة حسب النص)

في هذا اليوم، إذاً، الذي كان اليهود فيه على وشك أن يأكلوا الفصح في المساء، صُلب ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح، ليكون ذبيحة للذين يُشاركون بالإيمان في السر المختص به، حسبما كتب المغبوط بولس: » لأن المسيح فصحنا قد ذُبح لأجلنا «(1كو 7:5). وليس كما انساق البعض عن جهل يؤكِّدون بتصميم أنه أُسلم بعد أن أكل الفصح، الأمر الذي لم نتعلَّمه لا من البشيرين القديسين، كما أنه لم يسلِّمنا هذا أي رسول من الرسل هذا.

لذلك، ففي الوقت الذي كان فيه ربنا وإلهنا يسوع المسيح يتألم من أجلنا بالجسد، لم يأكل من الفصح الطقسي. ولكن كما قلت كان هو الحَمَل الحقيقي، الذي قُدِّم ذبيحة لأجلنا في عيد الفصح الرمزي، في يوم الاستعداد، أعني اليوم الرابع عشر من الشهر الأول.

الفصح الرمزي، إذاً، لم يعد قائماً. لأن الفصح الحقيقي قد صار حاضراً: » لأن المسيح فصحنا قد ذُبح لأجلنا «كما ذكرنا من قبل. وكما علَّم بذلك بولس الرسول الإناء المختار.]([22])

6 القديس أثناسيوس الرسولي بابا الإسكندرية الـ 20 (295-373):

[لا نذبح بعد (يوم الفصح) خروفاً مادياً وإنما ربنا يسوع المسيح الحمل الحقيقي الذي ذُبِح]

 (الرسالة الفصحية الأُولى)

واضح هنا أن ذبح المسيح (الصليب) كان في نفس الميعاد للفصح القديم. وهكذا ألغى الفصح الحقيقي الفصح القديم وكل ما يتعلَّق به.

7 العلاَّمة كلِمندس الإسكندري (150-215م):

أورد هذا الموضوع بتطويل وتوضيح كامل مثبتاً أن المسيح صُلب في الرابع عشر من نيسان في ميعاد ذبح خروف الفصح القديم، وأن الإفخارستيا كانت قبل الفصح([23]).

وبالاختصار نجد أكثر العلماء تضلُّعاً في التقليد العبري وجميع الآباء الأقباط والباباوات بصفة عامة يتكلَّمون عن المسيح الفصح الحقيقي الذي ذُبح لأجلنا، وأنه حل محل الفصح الرمزي القديم إحلالاً دقيقاً شمل كل الصفات حتى الظاهرية، وبالتالي التاريخية، على أساس أن المسيح ذُبح في ميعاد الفصح اليهودي تماماً.

وبهذا يكون العشاء السري قد تأسس قبل الفصح، وتكون الوليمة بالتالي وليمة يوم ما قبل الفصح.

كما تسوق إلينا أحدث أبحاث العلماء الفلكيين ما يثبت هذه الحقيقة التاريخية المختصة بزمن وتاريخ صلب المسيح، ومنها يتبين أنه كان في يوم الفصح، كما أن الإفخارستيا لم تكن وليمة فصح:

[نقلت وكالة الأنباء المسيحية RNS في نيويورك خبراً مفاده أن عالمين بريطانيين توصَّلا بعد أبحاث طويلة إلى تحديد يوم صلب المسيح، وهو يوم الجمعة 3 أبريل.

وهذان العالمان متخصصان في الأبحاث الفلكية في جامعة أكسفورد، الأول اسمه البروفيسور كولين ج. همفري Colin J. Humphreys، والثاني اسمه و. جرايم وادينجتون W. Graeme Waddington وقد نشرا بحثهما في مجلة المؤسسة العلمية الأمريكية Journal of the Amer. Scient. Affil. في عدد مارس 1985، وبنيا هذا البحث على حسابات فلكية دقيقة وتفاسير متعددة للكتاب المقدس.

وقد اقتبسا في بحثهما من كتابات القديس البابا كيرلس الإسكندري (بابا الإسكندرية الـ 24 في عداد بابوات وبطاركة الكنيسة القبطية)، ومن وثائق كتبها بيلاطس البنطي الوالي الروماني، والذي في عهده صُلب المسيح، ذُكر فيها أن القمر تحوَّل لونه إلى الأحمر الدموي أثناء عملية الصلب. ويقول العلماء أن مثل هذا التغيُّر في اللون يمكن أن يحدث في حالة واحدة فقط وهي خسوف القمر نتيجة لكسوف الشمس.

وقال هذان العالمان أنه بمراجعة الحسابات الفلكية فإن المرة الوحيدة التي رُئي فيها خسوف للقمر في منطقة أورشليم وفي الفترة ما بين عامي 26-36م (وهي المدة التي من المؤكَّد أن يكون المسيح قد صُلب خلالها) كانت في يوم الجمعة 3 أبريل عام 33م. ويذكر الإنجيل أن المسيح بدأ خدمته وهو في عمر 30 سنة وأن خدمته حتى الصليب استمرت 3 سنوات ونصف.

ويقول البروفيسوران همفري ووادينجتون أن لهذا التاريخ أهمية ليست بقليلة. وهما يعتقدان في صحة هذا التاريخ نسبة إلى عمر المسيح (المتفق عليه) وقت الصلب، وكذلك بالنسبة لتاريخ وطبيعة العشاء الأخير الذي أكله المسيح مع تلاميذه قبل الصلب.

فقد أعلنا بأن عملية الصَلْب تمَّت في يوم عيد الفصح عند اليهود أو اليوم السابق لهذا اليوم الذي كان ينبغي فيه على اليهود بحسب طقوسهم أن يذبحوا خروف الفصح. وهذا يتفق مع إيمان الكنيسة بأن المسيح كان هو الفصح الحقيقي الذي سيكفِّر حقاً عن خطايا البشرية.

وفي الوقت نفسه أعلن هذان العالمان أن العشاء الأخير للمسيح مع تلاميذه كان وليمة من ولائم الفصح في الليلة التي تسبق عادةً الليلة التي يأكل فيها اليهود خروف الفصح.]([24])

([1]) W.H. Frere, The Anaphora or Great Eucharistic Prayer. p. 7.

([2]) انظر كتاب: «أسرار الكنيسة السبعة» للمتنيح الأرشيدياكون حبيب جرجس، صفحة 113.

([3])Liddell and Scott, Greek-English Lexicon, Oxford, 1972, p. 702.

([4]) انظر المراجع الأجنبية التي أوردها المتنيح الأرشيدياكون حبيب جرجس في كتابه: «أسرار الكنيسة السبعة» – صفحة 122.

([5]) هذا التقليد كان منذ أيام القديس لوقا الإنجيلي. وهو أن الكنيسة في ليلة عيد الفصح المسيحي من كل سنة (عيد القيامة) تظل تصلِّي صائمةً حتى بعد منتصف الليل، في انتظار عودة المسيح، حسب الاعتقاد السائد أن المسيح سيحضر في عيد القيامة في منتصف الليل ليكمل الفصح في ملكوت الله الذي سيُستعلن حسب وعده بمجيئه. فإذا لم يحضر حتى أول صياح الديك (الساعة الثالثة صباحاً)، يُقيمون الإفخارستيا باعتبار أنه سيشترك معهم كالعادة، في انتظار سنة أخرى.

([6]) M. R. James, The Apocryphal New Test., Oxford, 1924, p. 91.

 ([7])W. H. Frere, The Anaphora, p. 7.

(6) تُقرأ بالأرامية Pattira باطيرة (فطيرة)، وتقرأ بالعبرية Massah ماصَّاح.

([9])Joachim Jeremias, The Eucharistic Words of Jesus, pp. 66, 67, citing E. Schwartz, Willhausen, Lietzmann, Schlatter.

([10]) M. Goguel, L’Eucharistie, des origines Justin; J. Lightfoot, Exercitations of Matt. 26.26.

([11])M. Haller; F. Spitta; K. G. Goetz, cited by J. Jeremias, op. cit., p. 68.

([12])Bultmann, Tradition, p. 264; Finegan, ـberlieferung. p. 66; Billerbeck, I. 989.

([13]) Wellhausen, Evang. Marci, p. 108; Schwartz; C. G. Montefiore; M. Dibelius, From Tradition to Gospel, p. 191; T. Preiss, Life in Christ, p. 82.

([14]) بحسب توقيت يوسيفوس المؤرخ “من 3-5 بعد الظهر”، أمَّا بحسب توقيت فيلو الفيلسوف اليهودي “فمن الظهر حتى الغروب”.

([15]) Sanh, 4. I; b. Sanh. 35a.

([16]( Justin Martyr, Dialogue with Trypho, 111, ANF I, 254.

والقديس يوستينوس الشهيد من المدافعين المسيحيين الأوائل، وُلد في نابْلُس بفلسطين من أبوين وثنيين، وبعد بحث عن الحق دام طويلاً اعتنق المسيحية عام 130م، وعلَّم الإيمان المسيحي في أفسس حيث التقى برجل يهودي «تريفو» عام 135م. ثم رحل إلى روما وكتب هناك رده على محاجاة تريفو اليهودي، كما كتب دفاعاً عن الإيمان أمام الإمبراطور ماركوس أوريليوس ثم استشهد عام 165م.

([17]) وهو أبوليناريوس كلوديوس المدافع عن الإيمان أمام ماركوس أوريليوس (حوالي عام 172م)، وكتب مقالات عن الإيمان وعن الحق وعن القيامة، وتعيِّد له الكنيسة في 8 يونيه. وطبعاً هو غير أبوليناريوس المبتدع (310- 390م) أسقف لاوديكية الذي حُرم.

([18])Apollinarius of Hierapolis, De Pascha, PG V, 1297= PG XCII, 80, cited by Oesterley, op.cit., p. 162.

([19])ANF, vol. V, p. 240, I.

([20]) هو أصلاً مواطن مصري من الإسكندرية، أسَّس فيها مدرسة فلسفية مشهورة وكان عضواً في مجلس السناتو الروماني لعلو ثقافته. أُقيم أسقفاً مساعداً لأسقف قيصرية فلسطين، ثم أسقفاً لمدينة لاودكية عام 268م.

([21]) ANF, vol. VI, p. 151.

([22])Ibid., p. 282.

([23]) Clement of Alexandria, Fragment, PG IX, 757 = PG XCII, 81.

([24]) عن مجلة: Orthodoxy Canada, vol. 12, No. 4, July-August 1985, p. 18 

هل أكل المسيح الفصح اليهودي مع تلاميذه ؟ والرد على الخلاف الظاهري بين البشائر الإزائية وبشارة القديس يوحنا

الفرق بين خروف الفصح والمسيح بين الرمز والحقيقة

خروف الفصح – الفرق بين خروف الفصح والمسيح بين الرمز والحقيقة

خروف الفصح – الفرق بين خروف الفصح والمسيح بين الرمز والحقيقة

الفرق بين خروف الفصح والمسيح بين الرمز والحقيقة

صفحة: المسيح في التراث اليهودي

أمر الله قديما بذبح الفصح واكله للحماية من ملاك الموت، ولكن هذا الخروف لا يحمل أي قوة في داخله، وهو لم يكن إلا رمزا للمسيح. فما هو الفارق بينهما؟ انظر ماذا يقول الكتاب كنتيجة لذبح خروف الفصح وكنتيجة لذبح المسيح الفصح.

▓ فصح 14 نيسان (الذي فعله اليهود لأول مرة داخل مصر):

في يوم الخمسين المرتبط بهذا الفصح (يوم عيد الحصاد او عيد الأسابيع -وحدث أول مرة في سيناء) مات 3000 شخص نتيجة لعصيانهم (خر 32: 28).
فبالرغم من أن جميعهم إشتركوا في الفصح لكن منهم من مات، ولماذا؟ – لأن الفصح ليس فيه القوة ولا الحل الذي يحتاجه الإنسان للتغير وإنما هو مجرد رمز للمسيح الفصح الحقيقي.

▓ فصح 14 نيسان (الذي فيه موت المسيح الكفاري):

في يوم الخمسين المرتبط بهذا الفصح (يوم عيد الحصاد او عيد الأسابيع -وكان التلاميذ في أورشليم -أع 2 :1)، تم إحياء 3000 شخص -من الموت الروحي- نتيجة لايمانهم (اعمال 2: 41).

وهذا هو التغير والفارق بين الرمز والمرموز اليه، بين الصورة والحقيقة، بين ذبائح القديم وذبيحة المسيح، فالأخير فقط هو المُصالِح هو المُغير هو المحيي من الموت.

بعبارات أخرى نقول:
صحيح ان الذبائح القديمة كانت تغفر الخطايا، ولكن ليس لقوة فيها، ولكن لكونها فقط رمزا للآتي.
صحيح ان الفصح كان الحامي من ملاك الموت، ولكن ليس ذلك بسبب قوة الخروف المذبوح فيها، ولكن لكونه فقط رمزا للآتي.

هو ليس بغيره خلاصا.

خروف الفصح – الفرق بين خروف الفصح والمسيح بين الرمز والحقيقة

ما بين الفصح الأول والأخير

ما بين الفصح الأول والأخير 

ما بين الفصح الأول والأخير
 
 
“يوم الأحد 10 نيسان”

أمر الله اليهود أن يجلبوا خروفاً يكون ذكراً صحيحاً إبن سنة واحدة ويُدخلوا هذا الخروف الى داخل بيتهم لتبدأ عمليه الفحص عن أي عيوب فيه . إن وُجِد الخروف سليماً فهو يبقى في البيت الى يوم الذبح ، ولو وُجِد فيه عيبا كان يجب أن يُخرجوه من البيت ويستبدلوه بآخر يكون بلا عيب.
عند دخول الخروف البيت ،إنقسم البيت اليهودي الى قسمين .

+القسم الأول وهم صغار البيت وهم حين رأوا الخروف داخلاً الى البيت كانوا يقفزون فرحاً ويجروا ناحية الخروف ليحضنوه ويُقبلوه فرحة منهم بهذا الكائن الجميل المُسالم الذي سيجلس معهم في البيت وربما يُبيتوه على سريرهم بجانبهم.

+القسم الثاني وهم كبار البيت الذين بمجرد دخول الخروف الى البيت كانوا يبدأون في عملية الفحص للبحث عن العيوب التي فيه ، هم لم يفرحوا بالخروف ولكن بالأحرى رأوا فيه البرئ الذي يجب أن يُقتل لكي ما يحتموا بدمه من الشر النازل على مصر. وفور تأكدهم من خلو الخروف من العيوب في خلال الأربع أيام إبتداءاً من يوم دخوله الى البيت يبدأوا في تجهيز مراسم الذبح.

هذا الحدث الذي حدث لأول مرة أثناء وجود اليهود في مصر وأمر الله بتكراره كل عام تذكاراً للخروج ، وما هي إلا صورة للعتيد أن يأتي

في نفس اليوم 10 نيسان من عام 30 ميلادياً
المسيح يسوع حمل الله كما أعلن المعمداني (يو 1: 29) دخل الى البيت الكبير لليهود (أورشليم) مدينة السلام . دخل المسيح البار الذي لم يعرف خطية ولم يعيبه شيئاً قط وعند دخوله إنقسم البيت الى قسمين

+القسم الأول وهم صغار البيت وبكلمة صغار لا أقصد الا اليهود البسطاء الذين لما رأوا يسوع داخلاً الى اورشليم جروا اليه ورموا السعف تحته وهم يصرخون “مبارك الآتي باسم الرب” (متى 21: 9).

+القسم الثاني وهم كبار البيت وبكلمة كبار لا أقصد الا معلمي الشعب ومدبريه من فريسيين وكتبة وصدوقين ، فبمجرد دخول المسيح الى البيت أخذوا يفحصوه متمنيين أن يجدوا فيه عيباً ويصطادوه بكلمة ، ولكن المسيح كان هو الخروف المثالي الذي اختاره الله بذاته (تك 22: 8) كما أعلن ابراهيم بروح النبوة . لم يكن فيه خطية وبينما هم يفحصونه ظهرت عيوبهم هم وخطاياهم. وأعلن قيافا رئيس كهنة اليهود نفسه ضمنياً بعدم وجود العيوب فيه (يو 11: 47-48).

وقال قيافا أنه لابد أن يموت حتى لا تهلك الأُمة كلها من شر الرومان (يو 11: 50)، كان يفكر بانه بهذا يحمي أُمة اسرائيل من خطر العصيان والهلاك من الرومان ولم يعلم ان ما فعله تسبب في ما هو أعظم بكثير. عندما لم يجد فيه كبار اليهود علة بدأوا يرسموا الخطط للإيقاع بالمسيح ليميتوه.

قال اشعياء النبي بروح النبوة حوالي 700 قبل الميلاد
اش 53: 7 “كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ.”

 
 
“يوم الجمعة 14 نيسان”

وهو اليوم الذي بحسب أمر الرب ، كان يجب ان يُخرِج فيه اليهود الخروف من الغرفة التي وضعوها له الى خارج البيت لكي يُذبح ، وبدم الخروف يُدهن ثلاث قوائم البيت. والنتيجة لهذا العمل كان الحماية . فعندما يعبر ملاك الموت ويرى الدم لا يُهلِك من في البيت. وحينما مرّ الوقت وحل الظلام بدأ الصراخ يتعالى . فمن ذبح الخروف من اسرائيل نجى ومن لم يُصدق ولم يفعل هلك ، وكانت المناحة عظيمة في أرض مصر حيث مات أغلبية أبكار المصريين لانهم لم يُصدِقوا ولم ينجوا منهم إلا من اتضع وصدّق أن في دم الخروف نجاة من موت قادم.

هذا الحدث الذي حدث لأول مرة أثناء وجود اليهود في مصر وأمر الله بتكراره كل عام تذكاراً للخروج ،ما هي إلا صورة للعتيد أن يأتي فما حدث وما أمر الله بحدوثه لم يكن إلا صورة للعتيد أن يأتي

 

في نفس اليوم 14 نيسان من عام 30 ميلادياً
أخرج اليهود المسيح الخروف الحقيقي خارج بيتهم أي أورشليم ليصلبوه ويميتوه ، ومات المسيح على الصليب خارج أورشليم ، وسال دمه الطاهر من على هذا الجبل ونزولا في إتجاه أبواب اورشليم . هذا الدم الطاهر الذي به الحماية لا من مجرد هلاك الجسد وإنما من هلاك الروح.

ونحن الآن في هذا الزمن ما بعد دم المسيح وسيأتي وقت يحل فيه ظلام العلام اذ سينتهي هذا اليوم الذي نعيش فيه وتبدأ الدينونة العظيمة وحينها سيكون البكاء وصرير الانسان نصيب كل من لم يصدق ولم يؤمن بدم المسيح الكفاري ، فمن لم يغتسل في دم المسيح سيهلك.

قال الرابي بولس الرسولي
1كو 5: 7 “لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا.”

قال يوحنا التلميذ
يوحنا 3: 16 “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.”

 

ما بين الفصح الأول والأخير

 
Exit mobile version