عظتان عن الإيمان للقديس باسيليوس الكبير – د. سامح فاروق حنين
عظتان عن الإيمان للقديس باسيليوس الكبير – د. سامح فاروق حنين
لتحميل المزيد من الكتب المسيحية اضغط هنا
لتحميل المزيد من الكتب المسيحية اضغط هنا
فكر الرب في عقولنا وقلوبنا
يقول داود النبي: “الرسول: أفكارك يا الله عندي، ما أكثر جملتها ” ( مز139: 17 ). ويقول معلمنا بولس الرسول : ” لأنه من عرف فكر الرب فيعلمّه، وأما نحن فلنا فكـر المسيح ” (1كو 2 : 16 ).
إنه حقاً شيء جيد إن نحتفظ بفكر الله العلىّ في عقولنا، وأي إنسان مسيحي حقيقي لا يتوقف عن أن يفعل هذا. ولكن لكى نعبّر عن هذا الفكر في كلمات، فهذه مخاطرة صعبة جداً، لأن ذكاؤنا غير كاف ليتعامل مع هذا الموضوع، واللغة التي نستطيع أن نعبر بها هي قاصرة وفقيرة عن وصف ذلك. لكن الرغبة في تمجيد الله هي طبيعة موجودة في كل مخلوق عقلاني، إلا أن القدرة للتعبير عن هذا الموضوع بكفاءة ليست متساوية. لا يوجد إنسان إلا ويرى في نفسه أنه قاصر وعاجز تماماً عن إدراك هذا، وكلما تعمق في الفهم في هذا الاتجاه فإنه يشعر أكثر بالجهل.
فبالرغم من أن الاثنان إبراهيم وموسى وصلا إلى أعلى قامة ممكن أن يصل إليها فهم البشر، إلا أنهما شعرا بضآلتهما أمام وجه الله، فقال إبراهيم ” أنى فقط تراب “، وموسى فكّر في أن صوته ضعيف ولسانه متلعثم، لأنه وجده غير قادر على التعبير عن كنه القوة العقلية. ولكن لأن جمهور المستمعين لي قد جاءوا ليسمعوا ما أتكلم به عن الله، ولأن الكنيسة دائما مستعدة أن تسمع، كما هو مكتوب ” لا توجد نهاية للسمع ” ( جا 1: 8 )، أنا أشعر إنني مرغم أن أتكلم بأكبر قدر من قدراتي، وسوف لا أتكلم عن الله كما هو، بل سأتكلم عن الله كما نفهم نحن فقط.
ولذلك فإذا أردنا أن نتحدث، يعتبر هذا فوق طاقة قدرتنا، لأنه حتى لو كان لدينا لسان الملائكة في كل طبيعتهم الذكية، فلا نستطيع أيضا أن نقدم إلا جزيئات صغيرة في هذا الموضوع لو أردت أن تتكلم عن الله أو تستمع إلى الله فلابد أن تسمو بجسدك وحواسك، وتعلو بعيدا فوق الأرض والبحر، وتترك الغلاف الجوى السفلى ورائك وتسافر فيما وراء الزمن والإيقاع الطبيعي للأرض ونظامها،
وتحلّق في الجو فوق الكواكب مع أشكالهم وأحجامهم المذهلة، وكل شيء يجعلها تسير في انسجام، وضوءها والوضع والحركة في التجاذب والتنافر مع بعضهم البعض، وعندما تذهب فيما وراء هذا ارتفع فوق في السماء وزد ارتفاعا وانظر حولك، وعقلك يفكر في هذا الجمال الذي هناك. الجموالله:ائية وجموع المرنمين من الملائكة ورؤساء الملائكة، ومجد هذه المنطقة، صفوف العروش، القوة، السلطة، الكرامة، وبعد أن مررت بكل هذا تأمل كل واحد منهم بعقلك.
في النهاية ستصل إلى الطبيعة الإلهية التي مازالت ثابتة، وهادئة، لا تتغير، بسيطة، نقية، واحدة لا تتجزأ، قوة تفوق الوصف، ومقدار غير محدود من المجد الذي لا يعبّر عنه، جمال لا يمكن أن تتصوره، الذي هو أداة جذابة حقيقية لأرواحنا المجروحة، ولكن لا تعبر عنها بالكلمات.
الآن ما هو أعظم من الجمال الإلهي؟ ما هو أبهج من التفكير في روعة الله؟ ما هو أقوى من اشتياقات النفس التي تحل عليها نعمة من الله؟ تلك التي تنقيها من الشرور، وهى صارخة بالحب الحقيقي ” أنا مجروح بالحب “! بريق الجمال الإلهي يفوق كل عبارات ووصف، فالكلمات لا تستطيع أن تعبر عنه، وقوىّ السمع لا يستطيع أن يستقبلها، فلا تستطيع أن تقارنه بإشعاعات كوكب الصبح أو القمر المضيء أو ضوء الشمس في نصف النهار، كل هذه المقارنات بالتأكيد تفشل في أن تعبر عن الطبيعة الحقيقية لهذه الإضاءة السمائية. كمثل مقارنة ظلام الليلة الغير قمرية الدامس مع شمس ساطعة في منتصف النهار.
الجمال الحقيقي لا يرى بالعين البشرية، ولكن يلتقط فقط بالروح والعقل، عندما يحدث ويشع في واحد من القديسين، ويترك وراءه اشتعالا من الحنين الذي لا يحتمل، والقديسون الذين يدركون حقيقة هذه الحياة الحاضرة يصرخون دائما ” وحسرتاه لقد طالت حياتي هنا “، أو ” متى أجيء وأتراءى أمام حضرة الله ؟ “، أو ” لأنطلق وأكون مع المسيح هذا أفضل جداً ” أو ” عطشت روحي لله القـوى الحي “، أو ” الآن يا سيدي تطلق عبدك بسلام “.
لأن هذه الحياة تظهر وكأنها سجن لأرواحهم، التي تلامست بالإشتياقات الإلهية، فأصبحوا نادراً ما يستطيعون أن يتحكموا في رغبتهم الملحّة للانطلاق، ورغبتهم ليروا جمال السماء الذي لا يشبعوا منه، ويتضرعون أن يستمر تفكيرهم في محبة الله بدون انقطاع في الحياة الأبدية. طبيعتنا البشرية تحب الجمال، والصلاح دائما جميل، ويستحق الحب، الله هو الصلاح وكل الأشياء تحتاج إلى الصلاح وبالتالي كل الأشياء تحتاج لله…
من خلال الابن الوحيد جاءت كل أنواع المعونات للإنسان، وكل واحدة منها أخذت اسما خاصا بها. فعندما يجتذب إليه النفوس الطاهرة، التي لم يشوبها شائبة ولا نجاسة، مثل عذراء عفيفة، فهو عندئذ يدعى ” عذراء النفوس “. وعندما يؤدب ويعالج النفوس التي إنجرحت من ضربات الشيطان الذي أسقطها في الخطية، ففي هذه الحالة يدعى ” طبيب النفوس “. إن كل اهتماماته العظيمة بنا لا تجعلنا نستهين بقوته العظيمة أو بمحبته الكاملة للبشرية، تلك التي جعلت مخلصنا له المجد يعانى معنا أسقامنا، وأن ينزل إلى حالتنا التي في الضعف.
لأنه لا السماء ولا الأرض ولا كل البحار والمحيطات ولا المخلوقات التي تعيش في الماء أو على الأرض، ولا أي من النباتات، ولا النجوم ولا الهواء ولا كل الفصول، ولا كل الموجودات المختلفة التي في الكون، تستطيع أن تظهر جيداً سمو جبروته. لأنه بالحقيقة هو الإله الغير محدود، الذي استطاع بغير استحالة أن يقابل الموت من خلال جسده، وبآلامه الخاصة، منحنا الحرية من المعاناة كما قال معلمنا بولس الرسول ” لكن في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا ” ( رو 8: 37 ).
هذه العبارة لا توحي ببساطة هذه المهمة التي قام بها ربنا له المجد، ولكن على العكس تبين لنا عظم المساعدة التي أعطيت لنا بقوة لاهوته، حتى نحصل على انتصارنا. إن كلمة الله الخالق وحيد الجنس، هو مانح المعونة، وهو موزع مساعداته المتنوعة والكثيرة لكل الخليقة كل حسب احتياجه: فالمحبوسون في ظلام الجهل يعطيهم النور، لذلك هو يدعى ” النور الحقيقي “. عندما يقبل التائبين فهو عندئذ الديان، ولذلك يدعى ” الديان العادل “، لأن ” الآب لا يدين أحداً، بل قد أعطى كل الدينونة للابن ” ( يو 5: 22 ).
عندما يقيم الساقطين من الحياة إلى أسفل الخطية، فهو يدعى ” القيامة “، لأنه هو الذي قام من الموت وبعث الحياة، هو ” الخالق ” لكل الأشياء بلمسة من قوته وإرادته الإلهية، هو ” الراعي “، هو ” المنير”، هو ” المغذى “، هو “المقوي”، هو ” المرشد “، هو ” الشافي “، هو ” المقيم “، هو الذي ” دعي الأشياء التي لم تكن “، وهو الذي ” يثبت الأشياء الكائنة “.
لذلك كل المعونات الجيدة تأتينا من الله خلال ابنه الوحيد الجنس، الذي يعمل في كل حالة بسرعة عظيمة أسرع من أن ينطقها اللسان، فلا البرق، ولا سرعة الضوء في الهواء، ولا لمحة العين، ولا حتى حركة الفكر، تماثل سرعة استجابته، لأن القدرة الإلهية تفوق كل هذا.
الروح القدس لا يستريح في النفس البشرية إلا بعدما تبتعد هذه النفس عن المؤثرات والأهواء التي أتت عليها نتيجة مرافقتها للجسد، والتي أدت بالتالي على انتزاعها من صداقتها لله.
فعندما يتنقى الإنسان من العار الذي أصابه بوقوعه في الرذيلة، ويرجع إلى الجمال الأصلي لطبيعته، التي هي الصورة الملوكية النقية، وترجع النفس إلى شكلها الأصلي، بعد هذا يمكن لها أن تقترب إلى ” الباراكليت “، الذي هو مثل الشمس، يجعل عينيك النقية ترى الصورة الحقيقية، صورة الله الغير مرئي، وتنظر الصورة المباركة لله، وتقترب من صورة الجمال الغير منطوق به ” للباراكليت “.
من خلال ” الباراكليت ” ترتفع القلوب إلى أعلى، والضعيف يقوده من يديه إلى الطريق السليم، والذين يحاولون أن يتقدموا في حياتهم الروحية يصل بهم إلى حالة الكمال. هو يشع على الذين نقّوا أنفسهم من كل دنس، ويجعلهم روحانيين بمرافقته لهم، تماما مثل الأشياء اللامعة والبراقة، التي عندما تسقط عليها أشعة الشمس، تظهر وكأنها أكثر لمعانا وبريقا، كذلك كل النفوس التي تحمل الروح القدس، تصبح مضيئة بالروح القدس، وهم أنفسهم يصبحوا روحانيين، ويشعوا على الآخرين بنعمتهم.
” الباراكليت ” هو القدوس: لاء النبوة وفهم الأسرار، وإدراك الأشياء الخفية، والحصول على العطايا السماوية، ومواطنة السماء، هذا المكان الذي فيه جنود الملائكة، والسعادة التي لا تنتهي، الإتحاد بالله، ونصبح شبه الله، بل والأعلى من كل هذا هو أن نصبح آلهة، هذه فقط بعض من أفكارنا التي تتعلق بالروح القدس، التي تعلمنا أن نتمسك بها، فيما يخص عظمته وعزته وجلاله وأفعاله، التي ننطق بها بنعمة الروح القدس.
من هم الذين لا تنتعش أنفسهم عندما يسمعون كلمة ” الروح القدس ” ؟!، ومن هم الذين لا يرتفع تفكيرهم إلى الكائن الأسمى؟!، لأنه يدعى ” روح الله “، ” روح الحق “، الذي ” ينبثق من الآب “، ” روح الاستقامة “، ” الروح المرشد “. إن كل هذه الصفات المقدسة هي مندمجة ومتحدة ولا تتجزأ، فإن المرأة السامرية التي كانت تعتقد أننا سنسجد لله في مكان معين، فإن مخلصنا الصالح – لهذا الاندماج الغامض – قال لها ” الله روح ” ( يو 4: 24 ).
عندما نسمع عن الروح القدس، فإننا من المستحيل أن نعتبره طبيعة محدودة، ويتعرض للتغيير والتبديل، مثل أي مخلوق، ولكننا لابد أن نعلوا بعقولنا إلى العلو التام، ونؤمن بكل قوة على اعتباره جوهر عاقل لقوة غير محدودة، وعظمة لا نهائية، لا تقاس بالأوقات ولا العصور. إن الروح القدس هو كريم في عطاياه لكل المواهب الحسنة، إن لجأ إليه أحد يطلب منه المعونة التي يحتاجها للقداسة، أو يطلب منه أن يعيش في حياة الطهارة والفضيلة، فإنه يهبهم كلهم بعطاياه وهباته ومساعداته، حتى يصلوا إلى الطبيعة التي يريدونها، والنهاية الحسنة التي يرغبونها.
إن الروح القدس يكمل كل الأشياء، ولكنه هو بنفسه لا ينقص شيئا، لا يحتاج إلى إعادة حياة، وهو الذي يهب الحياة، لا ينمو بالتدريج، ولكنه كامل وثابت، ويوجد في كل مكان، هو منبع القداسة، وضوء العقل، ينير بذاته لكل عقل يطلبه بعد الإيمان به. يتعذر الوصول إليه بالطبيعة الجسدية، وصلاحه يشمل كل الخليقة، يحتوى كل الأشياء بقوته ويحل فقط في الذين هم مستحقين، لا يوزع هباته بمكيال واحد، ولكنه يوزعها بقدرته حسب درجة إيمان كل واحد.
هو روح بسيط، ولكنه يهب هبات مختلفة، كله موجود في كل واحد، وكله موجود في كل مكان. هو يُقسّم بدون أن يشعر بألم، يوزع على الكل بدون أن ينتهي، ولكنه يبقى كاملا إلى الأبد، مثل أشعة الشمس التي تلقى بخيراتها على كل شخص فيتمتع بها، كما لو كانت الشمس قد وُجدت له وحده، وفى نفس الوقت هي تضيء على الأرض والبحار وتخترق الأجواء.
هكذا أيضا يكون الروح القدس لكل الذين يستقبلونه، كأنه قد أعطى لهم وحدهم، وبهذا يسكب قوة كافية ونعمة غير ناقصة على الكل، ويتمتع به كل الذين يشتركون فيه، ليس حسب قدرة الروح القدس، فهو قادر على كل شيء، ولكن بقدرة طبيعة هؤلاء الأشخاص واستعدادهم ونموهم.
بالروح القدس يتم رجوعنا إلى الفردوس وصعودنا إلى الملكوت السمائي، وتعود بنوتنا الحقيقية كأولاد وبنات الله[2]، وتكون حريتنا كاملة لندعوا الله أبانا[3]، وتتم مشاركتنا في نعمة المسيح، ويطلق علينا مرة أخرى أولاد النور، لنشارك في المجد السماوي. وباختصار امتلاؤنا بالنعمة في هذا الدهر، والدهر الآتي، ونحظى بالأشياء الجميلة المعدة لنا بالوعد، والتي ننظر نعمتها كما في مرآة، ونحن بشوق ننتظرها بالإيمان، كما لو كانت موجودة بالفعل. إذا كان هذا هو العربون فما أعظم المكافأة النهائية؟! وإذا كانت هذه هي الثمار الأولى فما أعظم الامتلاء؟!
ما هي أعمال الروح القدس التي لا توصف في عظمتها، ولا تحصى في عددها لكثرة تعددها؟ كيف نستطيع أن نكوّن فكرة على هذا الذي يمتد عبر الأزمان ؟ ما هي مقدار القوة التي سيصنعها عبر الأزمان التي تأتى ؟
هو كائن، وقد كان، وسيكون فيما بعد، مع الآب والابن من قبل كل العصور. لو استطعت أن تكوّن فكرة عما يمتد فيما وراء الزمان ؟! فأنك ستجد الروح القدس فيما وراء هذا !. لو فكّرت في الخليقة فإن القوات السمائية قد أقسمت بالروح القدس، وإقامتهم في الحقيقة يكمن في أنهم لا يستطيعون أن يتركوا الصلاح. لأنه بالروح القدس، هذه القوات ترافق الله على الدوام، وهى هناك لا تستطيع أبداً أن تتجه إلى الشر، بل تثبت في القداسة إلى الأبد.
حينما تجسد ربنا يسوع المسيح، حيث الروح القدس كان هو الفاعل، ومجيئه كان بالجسد، ولكن الروح القدس لم ينفصل عنه. أعمال المعجزات ومواهب الشفاء كانت تصنع بالروح القدس، الشياطين كانت تخرج بروح الله، الشيطان أنحدر إلى الجحيم في حضرة الروح القدس، الخطايا غفرت بنعمة الروح القدس، أنت أيضاً اغتسلت وتقدست وتبررت في اسم الرب يسوع المسيح، وفى الروح الذي لإلهنا، الروح القدس هو الذي يعطى التبعية لله، ” الله أرسل روح ابنه في قلوبكم صارخا يا أبا الآب ” ( غلا 4: 6 )، إقامة الموتى هي عملية الروح القدس ” عندما ترسل روحك تخلق، وتجدد وجه الأرض ” ( مز 104: 30 ).
لو فهمنا عملية الخلق بأنها تعنى أن ترجع الحياة للذين كانوا قد ماتوا، إذاً كم هو عظيم عمل الروح القدس، الذي يمنحنا الحياة في القيامة، ويجعل النفس تعيش في انسجام مع الحياة الروحية ( التي هي عتيدة في القيامة ).
إن نفوسنا ترتفع متعجبة بشدة من أن عملية الخلق هذه تعنى التغيير إلى الأفضل، لهؤلاء الذين سقطوا في الخطية، كما يقول معلمنا بولس الرسول: ” هكذا إذا كان أي أحد في المسيح فهو يكون خليقة جديدة ” ( 2كو 5: 17 )، التغيير في هذه الحالة يعنى التجديد في هذه الحياة، والتحول من الشهوات العالمية إلى الطريق السمائى الذي يحدث بفعل الروح القدس.
بالنظر إلى كل هذه الأشياء، بالحقيقة أخشى إن أكون قد تعديت الحدود في شرح الشرف العظيم الذي للروح القدس، أو أكون قد أنقصت منه، لأن أفكارنا البشرية هي قاصرة عن أن تفهم ذلك الذي هو أعظم الأسماء ( الروح القدس ).
ليتنا نعود للموضوع الأساسي، عندما ننقى العقل من كل الاهتمامات العالمية، ونترك وراءنا كل أشكال الحياة المحسوسة ونرتفع بأنفسنا مثل سمكة من الأعماق إلى السطح، الآن ومن خلال خليقة نقية، نستطيع أن نرى الروح القدس والآب والابن الذي في نفس الطبيعة والجوهر، يظهر نفس الخير والصلاح والقداسة والوجود. فقد قال داود النبي ” روحك صالح ” ( مز 143 : 10)، وقال أيضاً ” روحك مستقيم ” ( مز 51: 10 ) وقال معلمنا بولس الرسول ” المعطى الحياة بفعل الروح ” ( رو 8: 11 ).
كل هذا ليس مستحدثاً أو جاء في الوجود متأخراً، لأن الدفيء لا ينفصل عن النار، ولا التألق عن الضوء، وأيضا قوة التقديس وإعطاء الحياة، مع صفة الخير والصلاح لا يمكن أن تنفصل عن الروح، لأن هنا تسكن الروح في الكيان الإلهي، وبالتالي لا نستطيع أن نحصيها في صيغة الجمع ولكن تظهر فقط في وحدانية الثالوث، وبدون انقسام. فبما أن الآب واحد والابن واحد كذلك الروح القدس أيضا واحد.
الملائكة القديسين الذين يسهرون على خدمة الروح القدس يظهروا لنا بشكل خاص أنهم يفوقوا العدد، ولكننا لا يجب أن ننظر إلى الخليقة بهذه الطريقة، بما يحدث خارجها، ونحكم على القداسة بالذين يُقدّسون، لأن الروح يملأ الملائكة ورؤساء الملائكة وهو يقدس قوتهم ويعطى كل شيء الحياة. فالروح القدس ينتشر من خلال كل الخليقة، ويعطى من جوهره بدون أن ينقص بمضي الزمان، ويوزع نعمته لكل شيء ولكن هو بالذات لا يتشتت، ولكن باستمرار يعيد امتلاء كل الذي يزوره
( المؤمنين به ) بدون أن يفقد أي شيء من نفسه، بالضبط مثل الشمس يشع ضوءها على كل شيء، وتعطى من نفسها،، ولكن لا يمكن أن تنقص بمرور الوقت، فالروح يجود بعطاياه ويبقى كاملاً غير منقسم، هو يضيء طريق الله لكل الذين يطلبونه، يلهم الأنبياء يعطى الحكمة للمشرعين، وروح الإرشاد للكهنة، يعطى القوة للملوك والثقة للنبلاء والحكام، يشفى المرضى ويقيم الموتى، يعتق الذين في القيود، يعول الذين لا عائل لهم .
إذا وجد عشاراً يجعله تلميذاً، وإذا قابل صياد سمكٍ يجعله ناطقا بالألوهيات، وإذا وجد مضطهدا للكنيسة يصيّره رسولاً ينشر الإيمان ويكون أداته المختارة. وهكذا يعمل الروح الضعيف يصير إلى القوة، والفقير يصبح غنيا، والجاهل يتحول إلى حكيم. رغم أن بولس كان ضعيفا، ولكن وجود الروح القدس بداخله أعطاه قوة، حتى ثيابه كانت تشفى الأمراض. وعندما كان بطرس محاطاً بالمرضى، كان ظله إذا وقع على أي مريض شفى في الحال من أسقامه.
بطرس ويوحنا كانا رجلان فقيران لا يملكا ذهبا أو فضة، ولكنهما أعطيا عطية شفاء الأمراض التي تعتبر ذات قيمة أفضل من أكوام من قطع الذهب. فقد كان هناك رجل مقعد، الذي أخذ مالاً من كثيرين، ولكنه استمر يعطى، ولكن بمجرد أن أخذ عطية بطرس قفز مثل الغزال يمجد الله ولم يعد يستعطى مرة أخرى. يوحنا الذي كان يجهل حكمة العالم كان قادرا وشاكرا على قوة الروح حتى أظهر الحكمة التي تفوق حكمة الحكماء.
الروح في السماء ولكنه يملأ الكون، وحاضر في كل مكان، ولا يمكن أن يكون مقيداً، هو كله موجود في كل شيء وكله أيضا موجود مع الله. يوزع العطايا ولكنه يختلف عن أي أحد آخر يعطى، لأنه يعطى بكامل سلطته، كما قال ربنا يسوع له المجد : ” لأن كل من له يعطى فيزداد ” (مت 25: 29). فإنه يجعل توزيعه بإرادته وبرغبته الحرة، ليتنا نصلى أن يكون دوما فينا، ولا يتركنا إلى الأبد، بنعمة إلهنا يسوع المسيح له القوة والمجد إلى الأبد آمين…
أصدقائي الأعزاء رغم أننا صغار وضعفاء، إلا أننا كلنا متساويين أمام نعمة الله، التي لا يمكن أن تتغير بالظروف أو الأحداث، لأنه لا يوجد إيمان في سيلوكيا، وآخر في القسطنطينية، واحد في زيلا، واحد في لامبساكيوس وواحد في روما، والذين في المناطق المحيطة لا يختلفوا عن ذلك، لأن كل الإيمان واحد وغير مختلف، كلنا تعمدنا كوصية الرب يسوع، ولدينا إيمان ثابت لأننا تعمدنا على اسم الثالوث ونعبد الله كما نؤمن به.نحن لا نفصل الروح القدس عن الآب أو الابن، ولا ندّعى أنه أكثر أهمية من الآب أو الابن كبعض الهراطقة، الذين يحاولون أن يدّعو ذلك، من يتجاسر أن يرفض قوانين الله أو يقدر أن يرتب أسماؤه بالأوليات ؟! وأيضا لا ندّعى أن الروح القدس وُجد بعد الآب والابن، ولا أن دوره في الإرشاد بطريقة أو بأخرى أقل أهمية.
أننا نتأكد بالكلمات التي قالها الله ” كل خطية وتجديف يغفر للناس، أما التجديف على الروح القدس فلن يغفر لا في هذا العالم ولا في الآتي ” ( مت 12: 31 ).
احترس من التجديف على الروح القدس. استمر ثابتا على إيمانك وعندما تنظر حول الكنيسة تأكد أن جزءاً فقط منها هو المريض، أما الباقين كلهم استقبلوا الأخبار الجيدة إلى أبعد مدى وقبلوا هذا الإيمان الجيد والصحيح الذي نعلمّه.
نحن نصلى ألا نلقى خارجاً معهم في يوم الدينونة، عندما يوزع إلهنا يسوع المسيح مصيرنا كلّ حسب أعماله.
إذا لحقت العواصف والأمواج العاتية بأية سفينة مسافرة في البحار، فإنها تتحطم وتغرق، إلا إذا كان قبطانها الذي يقبض على دفة السفينة خبيرا بالبحار، كذلك كل من يصادفه الضيق والتجارب والأحزان، يمكن أن تتحطم روحه، وأمله في الخلاص أيضا يتحطم، إلا إذا كان يسترشد بتعاليم إلهنا له المجد.
مهما كانت مشاكلك، يحبنال عليك الفقر، أو فقدت وضعك العالمي، وأجبرت أن تنزل إلى حياة مشينة، أو أصابك مرض أو ضعف، أو فقدت أحد أولادك أو أحبائك، أو ثقل عقلك أو قلبك بالهموم، أو تغطى جسدك بقروح الجذام، أو ابتعد عنك الناس وتجنبوك، لا تسمح لنفسك أن تنكسر بأي من هذه الأحزان الفظيعة، بل إسعى إلى السلام الداخلي في تعاليم الله، وحينئذ ستجد العزاء الكامل، إذا قرأت في تعاليم ووصايا سيدنا له المجد، فستصبح قبطانا جيدا تدير سفينتك إلى ميناء هادئة، وتجد نفسك منقادا إلى الهدوء والسلام الداخلي.
لا تفكر يا صديقي عندما تحل عليك واحدة من هذه المحن أن هذا نتيجة كره الله لك، فأرسل عليك هذه التجارب كعقاب، أو حبه قد تغير نتيجة لأفعالنا، بل إصغي إلى كلام الله من خلال حكمة سليمان قائلا: ” يا أولادي لا تبتعدوا عن التصاقكم بالله عند تأديبه إياكم لأن تأديب الرب هو علامة حبه لكم ” ( أم 3: 11 )، ( عب 12: 5 – 11 )، الوالدان لا يتوانيان في عقاب الابن المذنب الذي يحبونه جدا وكذلك المدرس غالباً يضرب التلميذ حتى يصلح سلوكه.
كذلك الله يؤدب الصدّيق حتى يجعله يعيش حياة أفضل في المستقبل، وأيضا ليؤنبه على أعماله السابقة. أنا سأثبت هذا الكلام من وحى الروح القدس، لكن قبل أن أفعل هذا سأريكم أن الله يسمح للصدّيق بالتجارب، حتى تظهر استحقاقاته بأكثر وضوح، كما قال معلمنا يعقوب في رسالته:
” احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة عالمين أن امتحان إيمانكم ينشئ صبراً وأما الصبر فليكن له عمل تام لكى تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين في شيء ” (يع 1: 2-4)، ثم قال ” طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة لأنه إذا تزكى ينال إكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه ” ( يع 1: 12 ).
ولهذا يا أصدقائي لابد أن نفرح عندما نعانى آلاما متعددة، أو نجّرب بحروب عنيفة من قبل الرب إلهنا العادل. فأننا لا نفرح فقط إذا كان كل شيء يسير على ما يرام، بل نفرح عندما يكون كل شيء ضدنا، ونتذكر كلام بولس الرسول ” نفتخر على رجاء مجد الله وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضاً في الضيقات عالمين أن الضيق ينشئ صبراً والصبر تذكية والتذكية رجاء والرجاء لا يخزى لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا ” ( رو 5: 2 – 6 ).
كثيراً من الفوائد تعطى للصديق من خلال خبراته في التجارب، وبنفس الطريقة الأرض لا تثمر وتصبح غنية ما لم يتعب فيها الفلاحون، ويعملون بجهد كبير في زراعتها، وبدون بذل هذا المجهود ليس فقط أن الأرض تقف عن إعطاء ثمرها لجنس البشر، بل ستتحول إلى النقيض وتنبت الشوك والحسك.
لهذا إذا لم يتحمل الناس المتضعين الآلام القاسية التي تجلبها عليهم المحن التي يتعرضون لها فأنهم سيقعون باستمرار في الخطية وينحرفون عن الطريق الصحيح.
لقد تعلمنا هذا من معلمنا بولس الرسول الذي كان رجلاً فاضلا بحق، وأُخذ إلى السماء الثالثة ودخل الفردوس، سمع كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها، وأكتشف أن التدبير الإلهي قد أرسل ملاك الشيطان ليعذبه حفظاً له من التكبر، فأعلن ذلك إلى أهل كورنثوس قائلاً: ” لئلا أرتفع بفرط الإعلانات أعطيت شوكة في الجسد ملاك الشيطان ليلطمني لئلا أرتفع، من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني، فقال لي تكفيك نعمتي لأن قوتي في العف تكمل، فبكل سرور أفتخر بالحرى في ضعفاتى لكى تحل علىّ قوة المسيح، لذلك أسُر بالضعفات والشتائم والضرورات والإضطهادات والضيقات لأجل المسيح لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوى ” ( 2كو 12: 7-10)
ليتنا نفرح ونتحمل بصبر كل شيء يجربنا به العالم، ونحن واثقين أننا دائما في الله. لا نكون ساذجين بهذه الدرجة، حتى نتوقع أن بعدما نتمتع في هذه الحياة طوال الوقت برفاهية وفيرة، نأخذ أيضاُ في السماء عطايا في الحياة الأخرى. منْ مِن القديسين استطاع أن يتحاشى أو يتحرر من أخطار هذا العالم ؟! فلو فحصت حياتهم بعناية ستجد أنه لا يوجد قديس واحد هرب من ضيقات هذا العالم، أو لم يعانى من تجارب هذا العالم بصبر، لكى يصل إلى حقيقة المجد الغير قابل للفساد.
كان لأب الآباء إبراهيم إيمانا عميقاً وأحب الله واستعد لأن يغمد السكين في جسد ابنه الحبيب إسحق، واختار أن يصير قائلا أفضل من أن يصير غير أمين لوصايا الله، وكأنه سمع مسبقا كلام مخلصنا حينما قال ” من أحب ابنا أو ابنة أكثر منى فلا يستحقني ” ( مت 10: 37 ) فلكي يكون مستحقا لله اتبع الوصايا الإلهية وقدم ابنه الوحيد كضحية، دون أي إحساس بالأسى. لأنه سوف يقتل وريثه الوحيد.
لماذا لم يشعر بالحزن؟ ذلك لأن قلبه كان مفعما بمحبة الله ونار إيمانه حطّم كل الأحزان. هذا هو نوع من الرجال الذين أحبوا الله بالحقيقة، والذي تكلم الله عنه وشهد له قائلا: ” الآن علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عنى ” ( تك 22: 12 ) كان لا يمكن بدون هذه التجربة والضيقات، وتحمله لكل شيء أن يستحق أن يدعى أبا لكل القديسين.
يا أصدقائي لا تيأسوا عندما تصيبكم الأحزان، ولكن كونوا أقوياء شاكرين الله على كل شيء يرسله. عندما يعانى جسدكم جميع أنواع الآلام لا تيأسوا، ولا تسمحوا لأرواحكم بأن تتحطم، أو تصرخوا ضد الله، بل بدلا من ذلك تذكروا مثال أيوب الذي أدهش الجميع بصبره، تذكروا عندما قال ” كما أراد الله سيكون وليكن اسم الرب مباركا ” ( أيوب 1: 21 ).
أنا أعرف أناساً تغطى جسدهم بآثار الجذام، ووصلوا إلى مرحلة من اليأس حتى اعتقدوا أن الله قد تخلى عنهم نهائياً، ولكن يلزم لكل واحد فينا أن يركّز نهارا وليلا ليدرك الأحكام الإلهية، إن الله عادل، وعدله أغلى من الذهب والحجر الكريم وأحلى من العسل، وهو الذي يقوم بالعلاج الحقيقي للأمراض لأن آلام المرض تستمر مدة قصيرة فقط أما الروح المتألمة فتستمر إلى الأبد.
صدقني يا صديقي أن الجسد لا يمكن أن يعود نظيفا بعد اتساخه بنفس الدرجة التي تصير إليها الروح بعد أن تنتقى. ألا يحتاج الطبيب الذي يعالج المريض أن يفتح الجلد بالمشرط، أو في بعض الأحيان يحتاج على الكي ليستأصل الألم الذي يسببه المرض؟ إنك لا تعارض الطبيب الذي يفعل هذا، بل تكافئه بمنحة هدية. الله الطبيب السمائى بمشاعره الأبوية لديه الرغبة الأكيدة لمساعدة الذين خلصهم من الموت.
لهذا السبب يرسل لنا ضيقات وقتية حتى يحرّر أرواحنا من الضيقات التي تؤدى على موتها الأبدي. لهذا يا أصدقائي مهما أرسل الله من محن، لابد أن نتقبلها بالرضي، وبدون تذمر، حتى نستحق أن نكون في مدينة الله، بل إنك ستشعر بالألم والأسى بالحقيقة، إذا حرمت من هذه المدينة، ولذلك تحمّل كل شيء بحكمة وإتضاع نحو الله، حتى تكون نفسك مستعدة وأهلاً لمواطنة هذه المدينة وهذا الفردوس وتكون إلى الأبد في العرس السمائى.
أسألك يا صديقي أن تضع اضطرابك ويأسك جانباً ولا تسمح للألم أن يوصلك إلى اليأس من المستقبل. لا تصدق هؤلاء الناس الأغبياء الذين يعتقدون إنهم سيبعثون مرة أخرى يوم القيامة وأجسادهم ستكون في صورتها الحالية، إن هذه تفاهة وخرافة وليس لها أي أساس. في الحقيقة أنا اسأل من يعتقدون هكذا أن يدلوني في أي صفحة في الإنجيل يوجد هذا، أنا متأكد إنهم لو فحصوا الإنجيل بدقة سوف لن يجدوا هذه الأكذوبة وهذا الخطأ الفاحش. إن الجهل يخلق نفسا متعبة وعقلا فارغا، إن هذا هو دمار رهيب !.
دعونا يا أصدقائي نترك هذه الجهالة، ونعود لنجد الحكمة في كلمات الوحي الإلهي، ولننظر إلى القائل: ” علمني يا رب طريق فرائضك فأحفظها إلى النهاية، فهمني فأفحص ناموسك وأحفظه بكل قلبي، دربني في سبيل وصاياك لأني بها سررت ” ( مز 119: 33 – 35 )، فإنه إن علمك الله الطريق، فلن تتذبذب مع العواصف التي حولك.
تذكر الرجاء الذي كان في أيوب في وسط معاناته الصعبة, والقوة التي أظهرها عندما كان جسده ينهار بالألم. لأنه آمن أن الألم يحضر جسده ليوم البعث فقال: ” أما أنا فقد علمت أن وليي حي، والأخر على الأرض يقوم، وبعد أن يفنى جسدي هذا، وبدون جسدي أرى الله، الذي أراه أنا لنفسي وعيناى تنظران وليس آخر ” ( أيوب 19: 25 – 27 ).
أنتم أيضا يا أصدقائي لابد أن يكون فيكم هذا الرجاء، والثقة في أنكم ستصلون إلى بهاء الخلود في العالم القادم، لأنه بهذا الرجاء تصير كل الآلام الحاضرة سهلة وخفيفة لنتحملها. حقاً إن الألم لن يعتبر عقابا ونبعا للحزن، ولكن سيملأ روحنا بالفرح.
دعنا نتكلم باختصار على انتقال الجسد، منصتين إلى كلمات معلمنا بولس الرسول التي قالها باستفاضة ووضوح تام، للذين كانوا غير متأكدين بل ومتشككين في هذا الموضوع، سألوه كيف يقوم الموتى، وفى أي شكل؟ فأجاب قائلاً: ” يا غبي الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت، والذي تزرعه لست تزرع الجسد الذي سوف يصير، بل حبة مجردة ربما من الحنطة أو أحد البواقي، ولكن الله يعطيها جسما كما أراد ولكل واحد من البذور جسمه ” ( 1كو 15: 36 – 38).
حبة الحنطة التي تدفن في الأرض تبدو كأن ليس لها معالم الحياة، ولكن مجرد أن تثبت جذورها في الأرض تدفع بساقها، وتنتج سنابل متعددة، تلبس كل منها ثوبا نباتيا جميلا، هذا يفسر قوله أن الله يعطيها جسما كما أراد، ولكل واحد من البذور جسمه.
بنفس الطريقة الجسم الفاسد الذي يدفن في أعماق الأرض، لا توجد له حياة في ذاته، فهو كحبة الحنطة التي تظهر بذور الحياة، وذلك عندما يأمر الله في يوم القيامة أن يأتي، سوف لا يقوم فاسداً وفانياً، بل سيقوم عادم الفساد خالداً، لأنه مكتوب أيضاً ” هكذا أيضا قيامة الأموات يزرع في فساد ويقام في عد فساد، يزرع في هوان ويقام في مجد، يزرع في ضعف ويقام في قوة، يزرع جسماً حيوانياً ويقام جسماً روحانياً. يوجد جسم حيواني ويوجد جسم روحاني ” ( 1كو 15: 42 -44 )
هذا يعنى إن الجسد الذي لنا الآن سينتهي مباشرة بعد الموت. ويتعفن ويكون غذاء للدود، بل وحتى قبل الموت يأخذ جسدنا في الانحلال بصفة مستمرة حتى قبل خروج النفس، فجميع أطراف الجسد تبدأ تضعف. وتبدأ في عملية الانحلال.
أننا نعانى من الأذى ومن أسقام غير محصاة، جوع، عطش، تعب، شدّ عصبي، درجات مرارة متفاوتة، لأن في هذه الحياة نحن نتكون من جسد طبيعي وروح. في الوقت الحاضر لنا جسم آدمي، ولكن في المستقبل سيكون جسم روحاني، لأنه يوجد جسم حيواني، وجسم روحاني، ويوجد بهاء آدمي وبهاء سمائي. البهاء الآدمي الذي نعيش به على الأرض مؤقت ومحدود، بينما السمائى لا نهائي وغير محدود، سيظهر عندما يتحول الفساد إلى عدم فساد، والفناء يتحول إلى خلود.
يا صديقي لا يوجد شك أنك ستحصل على الجسم السمائى، ولا تظن أنه لأن جسدك الحالي مغطى بالقرح الجذامية أو أي تشوه آخر انك تحرم من البهاء السمائى لهذا السبب. على النقيض كأمثلة لعازر وأيوب، إننا سنكون أكثر استحقاقا للدخول إلى الملكوت السمائي.
فقط سنمنع من الدخول إلى الملكوت إذا كانت خطايانا تبقى داخلنا، ونحرم من الملكوت إذا فكّرنا أن الله إلهنا القادر على كل شيء لا قوة له. الإنسان الذي يفكر في أن الله لا قوة له هو الإنسان الذي يعتقد أن الله لا يستطيع أن يصلحه ويغيّره. وبالتأكيد أنت لا تعتقد هكذا في الله الذي يمكن له أن يعيد الحياة من جديد وينعش الحياة الجافة ويحيى العظام واللحم. ألا يستطيع أن يحولهم إلى بهاء سمائي؟ أنك لا تستطيع أن توافق أن الله القادر على كل شيء يعجز عن هذا، وتنكر أنه لا قوة له في صنعها.
ربما وصلت مرة من المرات إلى مرحلة اليأس من الحياة، وفكرت في أن كل الناس قد تخلوا عنك، وأنك محاط بالأحزان لأجل الخطايا التي ارتكبتها. ولكن يجب أن تعتبر هذا إعلان عن حب الله لك أكثر من كرهه لك، لأن الرب في هذه الحياة يحب أن يضبطنا لأننا أولاده، لكى تكون أرواحنا في الحياة الأخرى في حالة طهارة ونقاوة.
مكتوب في الكتاب المقدس ” لأن الذي يحبه الرب يؤدبه، ويجلد كل ابن يقبله ” (عب 12: 6 ). فلذلك إذا وجدت إنساناً ارتكب أخطاء عظيمة، ولم يعاقبه الله ولم يتألم جسده بأي نوع من الأمراض أو المحن، فتأكد انه متروك من الله لضخامة هذه الخطايا، وهذا الإنسان لا يعاقب من الله لأنه غير مستحق الخلاص. ولكن أنت توبخ حتى لا تُسلم إلى الموت الأبدي، يقول داود النبي ” تأديبا أدبني الرب وإلى الموت لم يسلمني ” ( مز 117 ).
حتى أورشليم عندما ارتكبت جريمة أمام الله بقتلها الأنب1: الذين أرسلوا إليها لخلاصها، عانت من الدمار والسبي إلى بابل حتى يرجع أولادها إلى المسار الصحيح، فهذا تأديب يؤدى إلى الإصلاح، فبعد انقضاء سبعين سنة رجعت المدينة مرة أخرى إلى مجدها السابق، وأظهر الله تحننه وأرسل لها كلمات التعزية على يد رجال الله الأنبياء القديسين قائلاً: ” قد رجعت على أورشليم بالمراحم…..، والرب يعزى صهيون بعد، ويختار بعد أورشليم ” ( زكريا 1: 16 – 17 ).
لو كنت مسيحيا بالحق فلابد أن تفرح لو قابلتك المصاعب لأنك ستكون أكثر استحقاقا. ولو كنت خاطئا فلابد أن تفرح لو تألمت لأنه بهذه الطريقة ستنظّف من خطاياك، وتجد عزاء في وقت رجوعك. الآلام ذات فائدة في كل حالة، لأن الروح المنسحقة تعتبر ذبيحة لله، والله لا يحتقر القلب النادم والذليل.
إذا أدب الله خاطئا ما، ولكنه رفض أن يغير طريقه القديم، وأنتابه اليأس من الحياة وقال ” لا توجد لدىّ فرصة للغفران، الله تخلى عنى، كل حياتي إلى الهلاك ولا أتوقع سلام بعد الموت “. مثل هذا الشخص يظهر علامات موته، ووقوعه تحت سيف اليأس، وينضم على تلك المجموعة التي يقول عنها النبي ” لم يرضوا مشورتي، رذلوا كل توبيخي ” ( أم 1: 30 ). يا أصدقائي تحاشوا أن تصيروا هكذا بل لابد أن تستعدوا وترحبوا من كل القلب بحكم الله، كما قال داود النبي: ” إن كلماتك حلوة في حلقي أفضل من العسل والشهد في فمي ” ( مز 119: 103 ).
في بعض الأحيان يظهر التأديب أنه قاسى، ولكنه بعد ذلك يخف وينتهي في المستقبل، هذا التأديب يحولك عن الخطية ويوصلك إلى طريق الفضيلة. بسببه ستقهر الموت وتجد الحياة، ستتحاشى العقاب الفظيع في المستقبل، وتكسب الفرح الأبدي، ستتحول بعيداً عن الكبرياء وتتجه إلى السلام والخضوع لله، تذكر دائما القائل ” خير لي أنك أذللتني حتى أتعلم حقوقك ” ( مز 119: 71 ).
لو حفظت كل ما قلته لك ووضعته في قلبك، ودمت صادقا في النعمة والبركة، وكنت دوما تشكر الله، فإنك دائما ستشعر بروح الله في داخلك، لأن كل أحد يضع فكره في الله، فإن الله لن يتركه أبدا، سوف يخفف آلام الجسد، ويقوى قدراتك إلى المنتهى، وحتى لو كان جسدك مُغطى كله بجروح متقيحة، تستطيع أن تبقى في هدوء ذهني ونفسي منضبط ومتزن، بمساعدة إلهنا يسوع المسيح الحي الذي له المجد إلى الأبد أمين.
” وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا، ووضع هناك آدم الذي جبله ” ( تك 2: 8 ).
ليتنا نفكر الآن يا أصدقائي في طبيعة الفردوس، الذي يعتبر منحة من الله، هذا الفردوس الذي يعكس أسلوب وإرادة الخالق العظيم، فقد كتب: ” وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة ” ( تك 2: 9 ).
لقد أراد الله أن يكون الإنسان هو وحده متفوقا على كل شكل من أشكال الحياة الأخرى، والمكان الذي هيأه الله للإنسان، والذي خلق فيه كل شيء آخر من أجله، أراد الله أن يجعله بارع الجمال، أرضاً مرتفعة لا يمكن أن يُحجب نورها، فكان ذا جمال رائع في آمان تام، وكان بهاؤه يتألق ببريق يفوق كل شيء وينتشر شعاع ضوئه مثل نجم ساطع، فالمكان الذي غرس الله الفردوس فيه لا توجد فيه رياح عنيفة أو طقس موسمي.
كما حافظ فيه على اتزان الحرارة، فلا تكون هناك زوابع ملتهبة أو ريح ثلجية أو عواصف رعدية عنيفة، فلا صيف حار، ولا خريف جاف، بل تناسب تام بين كل الفصول، يتعاقب كل فصل وراء الآخر بهدوء، وكل فصل له عطاياه المفرحة، وكانت الأرض مخصبة غنية تفيض لبنا وعسلاً، وتنتج أثماراً يانعة مختلفة، ومحاطة بمياه عذبة شفافة جميلة، تعطى سروراً للعيون، وتمنح الحياة بالحقيقة ” كان نهر يخرج من عدن ليسقى الجنة ” ( تك 2: 10 ).
” وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حية، وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاً، ووضع هناك آدم الذي جبله ” ( تك 2: 7، 8 ).
لقد خلق الله آدم، ثم في نفس اللحظة خلق الفردوس، وأدخل آدم إليه، حتى لا يخلق البشرية في عوز وفقر، لقد خلق الكمال منذ البداية، ثم أدخل الإنسان فيه، حتى يعرف الإنسان الفرق بين الحياة في الخارج والحياة التي تحدث في داخل الفردوس، فيدرك تفوق جمال الفردوس، وعاقبة السقوط والطرد منه.
” وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن، ليعملها ويحفظوها ” ( تك 2: 15 )، لابد أن نفكر في كلمات هذه الآية، وتقارنها بكلمات الرب يسوع المسيح له المجد لتلاميذه القديسين: ” أنا الكرمة وأنتم الأغصان ” ( يو 15: 5 ) وتعنى هذه الآية أنهم زُرعوا بيد الله، فينبغي أن نبدأ في النمو في بيت الرب ونمتلئ بالثمار في بيت إلهنا ” مغروسين في بيت الرب، في ديار إلهنا يزهرون “
(مز92: 13)، قال أيضا داود النبي ” طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار….. فيكون كشجرة مغروسة عند مجارى المياه، التي تعطى ثمرها في أوانه، وورقها لا يذبل ” ( مز 1:1-3).
لقد كوّن الله المكان الذي يلائم استقبال البشرية، وغرس فيه كل نوع من الأشجار الجميلة، لتفرح قلب الإنسان. كيف أضع أمام عينيك جمال مسكنك الذي طردت منه، فتشعر ليس بالحزن فقط، بل بالحنين إلى كل شيء فقدته، فتتذكر الجمال والسعادة التي كانت هناك، التي لم تختلط بالألم والتعب.
أما الآن في أرض الشقاء التي طُردنا إليها، فإن الزهور تخفى داخلها أشوكاً، فتشعر بالسعادة مع الألم، وذلك يرينا أن السعادة في هذا العالم دائماً ممزوجة بالألم، فلا توجد سعادة كاملة على الأرض، لأنها سرعان ما تشتبك مع الأحزان، الزواج مع الترمل، جلب الأطفال مع المتاعب، الولادة مع الموت، الشرف العظيم مع العار العظيم، الصحة مع المرض.
عندما أنظر إلى الظهور أحزن، لأن كل وقت أرى فيه زهرة أتذكر خطيتنا التي سببت فساد الأرض حتى أنبتت شوكاً وحسكاً بل إن الزهرة ينتهي جمالها في وقت قصير جداً، فتتركنا ونحن مازلنا نشتاق إليها، ومن اللحظة التي نقطفها فيها تبدأ تموت بين أيدينا. ولكن في الفردوس كانت الزهور يانعة طوال السنة، ورائحتها الزكية لا تتلاشى، وجمالها البراق لا يزول، فهي تبقى جميلة إلى الأبد.
فجمال الزروع كلها يعكس عمل وإبداع الخالق العظيم، فالأغصان الكبيرة والصغيرة تحمل الثمار، سواء ذات الفرع الواحد أو ذوات الأفرع الكثيرة، وأوراقها خضراء جميلة، وتظل خضراء يانعة طوال السنة، حتى التي لا تحمل أثماراً فهي تعطى بهجة وسروراً، ولو قارناها بأي شيء في هذا العالم فمقارنتنا لن تكون كافية لتوصلنا إلى الصورة الحقيقية، فكل شيء هناك هو كامل ومتكامل،
” ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسنا جداً ” ( تك 1: 31 ).
ففي الفردوس كانت هناك جميع الطيور الجميلة، بريشها البديع بكل أشكاله وألوانه، وتغريدها العذب، فتنعش كل الحواس، ومع الطيور كانت كل أنواع الحيوانات تعيش في سلام وانسجام مع بعضها البعض، فلم يكن الثعبان موضع رعب، ولكنه كان أليفا لا يؤذى، ولم يكن يزحف على الأرض على بطنه، بل كان قائماً يتحرك على أرجله، وجميع الحيوانات التي نعتبرها الآن متوحشة وعدوة للإنسان كانت في هذا الوقت أليفة ورقيقة.
في هذه البيئة وضع الله الإنسان الذي خلقه، ” وأخذ الرب الإله آدم، ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها ” ( تك 2: 15 ). فقد خلق الله آدم في مكان ثم أدخل إلى الفردوس، وبنفس الطريقة خلق أولاً النور ثم ثبته في السماء، خلق الإنسان من الطين، ثم وضعه في الفردوس.
في الحقيقة قد أبهجتك بوصفي سعادة الفردوس، ولكن شرحت لك في نفس الوقت الحياة الممزوجة بالألم هنا في هذه الأرض، وبالتأكيد سوف يدرك عقلك مقدار المقارنة، ويشتاق إلى مسكنه الحقيقي ويحاول أن يحصل على هذه السعادة التي وعدنا بها الوحي قائلاً: ” ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه ” ( 1كو 2: 9 ).
ولكن من يستطيع أن يعرف ما لم تره عينه أولاً، وما لم تسمعه أذنه أولاً؟، لأن كل شيء ندركه بالحواس لابد أن يُطبع في الذاكرة، ولكننا عندما نشرح ونصف الفردوس بالطريقة الجسدية التي أشرنا إليها سابقاً، فأننا نستطيع أن نحس روحياً بواسطة الرموز مقدار جمال هذا المكان، لأنه كُتِبَ ” وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا ” ( تك 2: 8 ).
فنجد أنه لم يخبرنا بكل شيء عن هذا المكان، ولكننا نستطيع أن نقول أن “عدن” هي السعادة أو “المتعة”، من أجل هذا لعلك تستطيع أن تعطى صورة للفردوس في عقلك حيث النور الإلهي، والسعادة الروحية، فإنك لو تخيلت مكاناً على الأرض يعيش فيه القديسون، متألقين بنور فضائلهم، ويتمتعون بنعمة الله، ويعيشون في حياة هادئة بالحق والعدل والسعادة، فهذا المكان لن يكون بعيداً عن الصورة المنطقية للفردوس.
ولكن ما هي هذه السعادة التي نقصدها؟ أهي الأطعمة التي تدخل الفم وتصل إلى المعدة وتخرج وتنتهي؟ أهذه العطية وهبت لجنس البشر بإحسانات الله، لكى تكون هناك معدة ممتلئة وجسم ممتلئ صحة، وشهوات وقتية؟ أهذا هو ما لا نستطيع أن نعبر عنه بالكلمات؟ هل السعادة الحقيقية هي أن نتكبر بقسوة ونطلب أن نسّمن أجسادنا، ونغرق نفوسنا في ارتكاب الخطايا والشهوات؟ لابد أن نعرف أن هذه كلها، هي بعيدة تماما عن السعادة، وبعيدة عن المعنى الذي من أجلها خلقها الله.
إذن ما هو نوع هذه السعادة التي تتفق مع الفضيلة والقداسة، ومع قصد الخالق العظيم ؟ .
في الفردوس تجد هناك الجموع الكثيرة من الملائكة الأطهار القديسين، وهناك الأساس المتين لكل الفضائل الروحية، هناك التسبيح الدائم وثماره النقاوة والطهارة، وهناك نهر ماء الحياة، نهر الله، الذي من عرشه تنبع المياه التي تبهج مدينة الله، التي صنعت وشيدت بالله ” نهرا صافياً من ماء حياة، لامعا كبلور، خارجاً من عرش الله والخروف ” ( رؤ 22: 1 ).
هذا النهر هو الذي ينبع من عدن ( السعادة الحقيقية ) ويروى الفردوس ” وكان نهر يخرج من عدن ليسقى الجنة ” ( تك 2: 10 )، هذا هو نهر التمتع الدائم برؤيا الله، والشبع الكامل بالتأمل في مجد المسيح وجماله، وفى سلامنا الدائم من أجل تواجدنا في حضرته.
هذه كلها أرشدت القديسين، ولابد لكل المؤمنين أن يقوموا بتداريب روحية صارمة، حتى يصلوا إلى حياة الكمال، هذه التي أرادها الله لكل سكان الفردوس.
عندما تفكر في هذا، ستشكر الله صانعها الذي خلق كل هذا لأجل سرورك، وبذل كل جهد حتى يجعلك مستحقا لها. وعندما تتجه إليه، حينئذ سيستنير عقلك وستفهم أساس خلقتنا، ومصير آخرتنا، له المجد إلى الأبد أمين.
ولد القديس باسليوس حوالي سنة 330م في واحدة من العائلات المسيحية المضيئة في كل الأزمان، أبوه باسليوس كان ابن القديسة ماكرينا الكبيرة، وأمه إميليا كانت ابنة لشهيد مسيحي، اثنان من أخوة القديس باسيليوس أصبحوا أساقفة، منهم إغريغوريوس أسقف نيسا، الذي كان واحداً من الأطباء الروحيين العظماء في الكنيسة.
كان القديس باسليوس قد تعلم في مدارس فن البلاغة التي في وطنه قيصرية في كبدوكية، ثم في مدينة القسطنطينية. وأخيرا في أثينا. وهناك قابل وتصادق مع الخطيب العظيم إغريغوريوس أسقف نزيانزين. ورجع إلى قيصرية حوالي سنة 356 م وهناك شرع في عمله بفن البلاغة، ولما مال إلى أن يكرّس حياته بالأكثر إلى الله زار المراكز المهمة للحياة النسكية.
ونتيجة لما رآه هناك قرر القديس باسيليوس أن ينسحب وينعزل، فذهب بعيداً عن قيصرية الجديدة فتبعه بعض من الرجال حديثي السن الذين كانوا يفكرون في الحياة الرهبانية، فكتب القانونين اللذين اشتهر بهما، وأسس بهما حياة الرهبنة في المشرق التي ما زالت باقية إلى وقتنا هذا، والتي كان لها تأثير كبير على الغرب. وفى خلال هذه الفترة أسس القديس باسيليوس عدة أديرة، وفى سنة 364 م سيم كاهناً وفى سنة 370 م سيم أسقفاً للعاصمة قيصرية.
وكان القديس باسيليوس أسقفا نشيطاً جداً، فقد بنى المستشفيات للمرضى وأماكن ضيافة للمسافرين.
اشترك القديس باسليوس بقوة في الخلافات التي حدثت في هذا الوقت والتي كانت تتركز حول أريوس وتعاليمه التي قال فيها ” أن الابن ليس من نفس جوهر الآب من حيث الأبدية بل فقط هو أول خليقته ” واستمرت هذه الهرطقة سائدة لأن الإمبراطور فالنس دعّمها في الشرق، وتعرض القديس باسليوس الكبير لضغط هائل حتى يستسلم للإمبراطور والأريوسية ولكنه قاوم بشدة، وكان لكتاباته الكثيرة المتألقة في هذا الموضوع أثرها الكبير، حتى تم قهر هذه الهرطقة، وإسقاطها نهائيا في مجمع القسطنطينية سنة 381 م.
تنيح القديس باسليوس سنة 378 م، وترك تراثاً قوياً وافراً للكنيسة من لاهوتيات، ونسكيات، وطقوس ( القداس الباسيلى )، وفى هذا الكتاب نورد أجزاء من مقالاته البديعة عن: الفردوس
( مدينة الله )، والآلام والتجارب والأحزان كأدوية شافية لنفوسنا تجعلنا مستحقين لمدينة الله، ثم مقالات عن الإيمان الحقيقي، وهى مقالات مختارة تقرب الإنسان إلى معرفة الثالوث القدوس والشركة معه ليستحق الدخول إلى مدينة الله، ثم بعض مقالات نسكية تساعدنا في حياتنا الوقتية هذه، نافعة لكل المؤمنين. وأخيرا نورد في هذا الكتاب بعضا من مقالاته البديعة، تعبر عن جهاده الدءوب لجمع المسيحيين كلهم في وحدانية إيمانية أرثوذكسية.
نطلب من هذا القديس المجاهد العظيم أن يصلى عنا لكى يكون لنا نصيبا وميراثاً في مدينة الله، ثابتين على الإيمان القويم إلى النفس الأخير بالثالوث القدوس الذي له المجد والسجود إلى الأبد أمين.
لا توجد طريقة أخرى أمام الذين يرغبون في فهم جمال وجوههم المخلوقة من الله بشكل جيد، والتي بها يتطلعون إلى صورتهم، سوى مرآه نقية جدًا، يتلامسون فيها مع صورة وجوههم، ويرون فيها بوضوح شكلاً يعكس أيقونتهم التي تشبههم تمامًا. ونحن إذ ننظر بالتدقيق كما في مرآه إلى الأشعة الإلهية التى للشمس العقلية، ندرك بكل وضوح الملامح العامة والشكل والصورة التي لطبيعتنا ” بحسب الصورة والمثال” لأنه بالحقيقة، على الأقل كما أتصور أنا، أن خلق الإنسان هو شئ مرهوب ويصعب تفسيره ويحمل داخله الكثير من أسرار الله الخفية.
وتمامًا كما أن طبيعة العين تدرك بسهولة تلك الأشياء التي توجد خارجها، إلاّ أنها لا يُمكنها أن تدرك ذاتها، هكذا بالنسبة لعين الذهن الإنسانية، فإن مسألة خلقتنا هو أمر يصعب رؤيته ويصعب إدراكه.
الحقيقة إن الخالق بعدما أتم خلق العالم العاقل للقوات غير المرئية، ثم خلق العالم المادى المرئى قال عندئذٍ ” ونعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا“[2]. لقد خلق الله حينئذٍ كائنًا حيًا، كما من عالم مختلط يتشكل من أمرين، فهو مكوّن من نفس غير جسدانية وغير مائتة وغير فاسدة، ومن جسد مادى ومرئى من أربعة عناصر[3]. وبعد أن تم ذلك، يقول الكتاب أيضًا ” فخلق الله الإنسان على صورته“[4]. وعندما يقول إن الله خلق فهو يقصد الآب والابن والروح والقدس.
لقد عبّر المفسرون فيما يتعلق بهذا الموضوع ـ عن آراء كثيرة ومختلفة ـ قال البعض: إن عبارة “بحسب الصورة والمثال” تُشير إلى قدرة الإنسان على أن يسود وأن يتسلط، وقد اعتبر البعض أن هذا يتعلق بالنفس العاقلة غير المرئية، والبعض الآخر يربطه بالإنسان غير الفاسد وغير الخاطئ عندما خُلق آدم، والبعض اعتبر أن ” بحسب الصورة والمثال ” يمثل نبوءة عن المعمودية.
وآخر الكل كما للسقط، بدا لى أنا أيضًا أنه أمر حسن أن أعبّر عن بعض الأفكار التي تخص هذا الموضوع، وقبل كل شئ رأيت أنه من الأهمية بمكان أن نفحص هذا الأمر بالتساؤل عن: لماذا لم ينسب الله عبارة “بحسب الصورة والمثال” للكائنات العاقلة غير المرئية وللسمائيين، والملائكة الذين هم بالقرب منه؟ لأن هؤلاء هم بالحقيقة أكثر قدرة من الإنسان، ولديهم القوة أن يسودوا ويتسلطوا على الأرض كلها وعلى الإنسان نفسه. وعلى نفس السياق فإن غير الفانى، وغير المرئي، والطاهر أو النقي، وكل ما يمكن أن تمتدحه في آدم، يوجد وبدرجة فائقة بين الصفوف السمائية غير الجسدانية.
إذًا يُشار بعبارة “بحسب الصورة والمثال” إلى شئ عميق. بمعنى أن الإنسان ليس لديه صورة واحدة ومثالاً واحد لله، بل لديه صورة ثانية وثالثة، ومثالاً ثانيًا وثالثًا، كما لو كانت هناك مرآه عاكسة لملامح شكلية، ومن المؤكد أنها ليست صورة طبيعية أو جوهرية لسر الأقانيم الإلهية الثلاثة. وليس هذا فقط بل إنها تعطى مثالاً واضحًا لتأنس الأقنوم الثانى في الثالوث القدوس، الله الكلمة.
ولكن من الأفضل أن نرجع إلى بداية الأمر ونبحث أولاً، ترى لماذا لم يخلق الله أجدادنا الأوائل أقصد آدم وحواء والابن الذي أنجباه بنفس الطريقة التي بها خلق الكائنات العاقلة، أى الملائكة، ليكونوا مساويين الكائنات الروحانية؟ فالله قد أحضر آدم إلى الوجود بدون إنسان، بدون أب وولادة ـ بينما الإنسان الثانى بعده، أى ابنه، أحضره إلى الوجود بالولادة. أيضًا حواء قد أتت إلى الوجود، لا بالولادة، ولا بسبب الإنسان بل أتت بانبثاق غير موصوف، من آدم بدون ولادة.
ترى، هل حدثت هذه البدايات الثلاث للمخلوقات الأولى (آدم ـ حواء ـ الابن)، الكيانات المتساوية في الجوهر، كما يتصور ميثوديوس لكى تعطى صورة شكلية (وليست جوهرية) للثالوث القدوس الواحد في الجوهر؟ فآدم الذي أتى بدون أن تكون هناك علة لوجوده ولا بولادة هو نموذج وصورة لله الآب ضابط الكل الذي لا توجد علة سابقة لوجوده، بل هو علة كل الموجودات. الابن أيضًا الذي ولد من آدم وحواء، يرسم صورة للابن كلمة الله المولود. وحواء التي أتت من الانبثاق، ترمز إلى انبثاق أقنوم الروح القدس. ولهذا لم ينفخ الله فيها نسمة حياة، لأنها هى نموذج لنسمة الحياة التي للروح القدس لأنه بواسطة الروح القدس صار لها أن تستقبل الله في حياتها والذي هو النسمة الحقيقية وحياة الجميع.
هكذا نستطيع أن نرى وأن نندهش أن آدم غير المولود، ليس له شبيه بين البشر، فهو غير مولود، وهكذا الحال بالنسبة لحواء المنبثقة، حتى أنهما يشكلان مثالين حقيقيين للآب غير المولود والروح القدس المنبثق. أما الابن الذي أنجباه فهو شبيه بكل البشر، الذين هم أبناء وأتوا من ولادة فهم أخوة له ومساويين له. وهذا الابن يُشكّل صورة ومثالاً ونموذجًا للمسيح، الابن المولود، الذي صار بكرًا بين اخوة كثيرين[5]، بدون وساطة رجل.
فلو أن الأمر ليس هكذا، وأن عبارة “بحسب الصورة” لم تُفهم وفقًا لهذا الشرح، فلماذا لم يصبح أجدادنا الأوائل اثنين أو أكثر من ثلاثة كيانات، ولماذا هم مختلفون في الصفات الخاصة بكياناتهم وأقصد غير المولود، المولود، والمنبثق، بل هم فقط ثلاث كيانات أو أقانيم؟ وبناء على ذلك فإن تعبير “بحسب الصورة والمثال” يتخذ شكل صورة الثالوث، ثلاثة أقانيم في وحدة. وبالتالى ينبغي أن تفهم الآن أيضًا، معنى الوحدة في ثالوث.
ولكن كيف يمكنك أن تميز هذا بشكل صحيح. اسمع أحد الحكماء الذي ينصحك ويقول لك ” إن أردت أن تفهم الله، ينبغي أولاً أن تفهم ذاتك، من خلال تكوينك، من خلال خلقتك، من خلال عالمك الداخلي. انسحب وادخل إلى داخل نفسك، انظر داخل نفسك كما في مرآه، ميّز خلقتها، وسترى أنك مخلوق على صورة الله ومثاله”. إن جوهر نفسك العاقل وغير المائت هو أمر مجهول الاسم وغير معروف، وهو مخلوق بحسب صورة ومثال الله غير المدرك وغير المائت.
لأنه لا يوجد أى إنسان من الذين ولدوا عبر العصور، قد أدرك الجوهر العاقل لله أو للنفس. النفس تعطى حياة، تؤلف وترعى طبيعة الجسد رباعية التركيب، صورة لله، ذاك الذي يتعهد خليقته المكونة هنا من أربعة عناصر والتي هى سمائية أيضًا. ولهذا فإننا لا نستطيع أن نعرف حتى المكان الذي يسكن فيه الله، لكننا نؤمن فقط أنه موجود في كل مكان. ولا نعرف أيضًا المكان الذي تسكن فيه النفس في الجسد، نعرف فقط أن النفس توجد وتعمل في كل الجسد.
النفس أيضًا تملك شيئًا آخر باعتبارها صورة الله، وأعنى أن جوهرها مختلف عن طبيعة الكون كله. والأكثر غرابة من كل شئ، والتي تحمله خلقتنا على صورة الله، أنه لا جوهر النفس، كما أن ماهيتها والكيفية التي بها تأتى إلى الوجود، تعد أمورًا لا يمكن للذهن الإنسانى أن يفهمها. ولهذا فكل مَن ادّعوا خطئًا أنهم قد فهموا، فهؤلاء قد تعثروا جدًا. لقد قال البعض إن النفوس تأتى إلى الأجساد من السماء، وآخرون يرون أن النفوس تأتى إلى الوجود إذ أن الله يخلقها مع الجسد.
البعض قال أيضًا بأن الإنسان الذي خُلق على صورة الخالق، أصبح سببًا لولادة الجسد والنفس في ذات الوقت. البعض يدّعون أن النفس تولد من خلال التعاون المشترك للطرفين، الرجل والمرأة، كما يحدث عند احتكاك الحديد والحجر، فإن هذا الاحتكاك يوّلد الشعلة. البعض أيضًا يُعلّم بأنه في اللحظة ذاتها التي يُحمل فيها بالجسد تأخذ النفس وجودًا. البعض الآخر يرجح أن اليوم الأربعين من الحمل هو اليوم الذي يؤتى فيه بالنفس كما يتصورون، باعتبار أن ذلك يعتبر قانون لهذا التكوين.
ويتخيل البعض الآخر أن النفس هى واحدة في الجوهر مع الملائكة، وآخرون قالوا إنها أقل من الملائكة، بينما يرى غيرهم أنها تهيم في الهواء، والبعض قال إنها تتحرك في الكون كحقيقة إلهية. ومن أجل هذا، على الرغم من أنها تتحد بالجسد، وهى مخلوقة على صورة الله، وتُحيّي الجسد، إلاّ أنها تبقى خارج تأثير الشهوات الجسدية وأضرار الجسد المختلفة، ولا نستطيع أن نراها، ولا أن نفسرها ولا أن نفهم طبيعتها ونوعها وهيكلها وشكلها ونوعيتها وكمها ووجودها ومما تتألف وجمالها.
ولذلك يقول ميثوديوس في وليمته[6] إن النفس لها جمال فائق لا يوصف، ولهذا السبب يبدو أن الأرواح المضادة تحسدها، لأنها أخذت شكلاً أسمى من الكائنات العاقلة ذاتها. أما عدم الفهم وعدم الوضوح والغموض الخاص بالنفس لا يشار إليه إلاّ لأنها تعتبر بالحقيقة، وعلى سبيل الحصر، صورة فقط لله غير المدرك. ولهذا ولأننا نجهل كل الأمور الخاصة بها، فإننا نتحقق ونتأكد من وجودها من خلال أعمالها فقط داخل الجسد. مثلما نتأكد من وجود الله من خلال أعماله داخل الكون المرئى. لنأتِ إلى النقطة الأساسية لموضوع الخلق “بحسب الصورة والمثال”، لكى نُبيّن، كما وعدنا، فرادة الثالوث الإلهى.
وما هى النقطة الأساسية؟ من الواضح أنها النفس أيضًا، وكلمتها العاقلة، التي دعاها الرسول بولس، روحًا، عندما يعطينا وصية أن نكون مقدسين في النفس والجسد والروح[7]. النفس أيضًا غير مولودة ولا علّة لها، وهى مثال لله الآب غير المولود والذي لا يوجد علّة لوجوده. إلاّ أن كلمة النفس العاقلة ليست بدون ولادة، بل تولد من النفس بطريقة لا يُعبّر عنها وغير منظورة ولا تُفسر، وليست لها علاقة بالألم أو الشهوة.
بينما الفكر له علّة أو سبب وهو ليس بدون ولادة، ولكنه ينبثق، يدرك كل شئ ويفحص كل شئ ويتلامس معه بشكل غير مرئى، على مثال الروح كلّى القداسة، والذي ينبثق أيضًا والذي قيل عنه “ الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله“[8]. النفس حين توجد داخل الجسد فهى لا تعتبر منبثقة، لأنها إذا كانت منبثقة، لكنا قد متنا كل ساعة. وكلمتنا لا توجد بدون ولادة، لأنه إذا حدث عكس ذلك سنكون مثل الحيوانات غير العاقلة. والأكثر دهشة من هذه الأمور التي تثير الدهشة أننا لدينا نفسًا بسيطة، وعقلاً واحد غير مركب، أما كلمتنا فهى مزدوجة في ذاتها ومحفوظة كواحدة غير مُنقسمة.
فالكلمة تولد داخل القلب ولادة غير مدركة، غير متجسدة، وتبقى مجهولة داخلنا. وبعد ذلك تولد ولادة جسدية من خلال الشفاه، وحينئذٍ تصير معروفة للجميع. ولكنها لا تنفصل عن النفس التي ولدتها، حتى أننا نستطيع أن ندرك بكل وضوح الميلادين اللذين لكلمة الله من خلال الميلادين الذي لكلمتنا “بحسب الصورة والمثال”.
حقًا لقد ولد من الآب قبل كل الدهور، بصورة غير مرئية، لا تُشرح وغير مدركة. وكان غير معروف، كما لو كان داخل الآب إلى أن ولد جسديًا من العذراء القديسة بدون فساد، بدون رجل، وظهر في العالم، دون أن ينفصل عن جوهر الآب الذي ولده. وبناء على ذلك ترى أن فرادة جوهر نفوسنا غير المائتة والعاقلة تحمل صورة لها ثلاث خواص أقنومية، عدم ولادة النفس، ولادة الكلمة، وانبثاق الروح، أى الفكر.
وأتشجع وأتجرأ بأن أقول إنه بحسب هذه النظرية الثالوثية غير المرئية للنفس، قال الرسول بولس إن الإنسان خلق بحسب صورة الله غير المرئى. فإن لم يكن هذا حقيقيًا، فلماذا لم تُخلق النفس إذًا من الله ولها قسمان أو أربعة أقسام، بل لها ثلاثة أقسام فقط، والتي لا تختلط فيما بينها وفقًا لصورة الثالوث القدوس المحيي الواحد في الجوهر، حتى أنه لو كان مسموحًا أن أقول إن داخل الإنسان وبالأحرى الإنسان البار يسكن، بصورة شكلية وليس جوهريًا، كل ملء الألوهة التي تحدد بصورة غير مُعلنة الله الثالوث؟
ولهذا فإن حكماء العالم قد حددوا، من منظور آخر، أن النفس تتكون من ثلاثة أقسام، مُعلمين كيف أنها تحمل الرغبة، الفكر، الإحساس، حتى أنه عندما تتحد الرغبة في محبة الله بالفكر يمكن أن تستقبل في داخلها المعرفة والحكمة التي تأتى من الله، وبإحساسها تقاوم الأرواح الشريرة الخبيثة، مُبينين أيضًا من خلال هذه الأمور الثلاث، معنى “بحسب صورة الله”.
لأن الله الثالوث يحكم ويضبط ثلاثة أقسام بثلاثة طرق أى السماويات، والأرضيات، وما تحت الأرض، من خلال قدرته الخالقة، وعنايته، وسلطانه العادل. وكل ما يعمله الله، فإنه يعمله وفقًا لإحدى هذه الطرق الثلاث، إما أنه يخلق، أو أنه يعتنى، أو يُهذب. وصورة الله الخالق هي في الرغبة. لأن الرغبة تقود إلى العمل، أما عنايته فرمزها في القوة الفكرية للنفس. الاحساس أيضًا هو مطابق للتهذيب. وربما الخاصية المميزة للنفس هي في الرغبة. لأن الأطفال حتى قبل أن يتكلموا، باعتبارهم نفوس، نجدهم يشتهون على الفور أن يرضعوا وأن يناموا. أيضًا القدرة الفكرية من الواضح انها خاصية العقل، بينما الاحساس يرافق العقل، وكل من يغضب بالمخالفة للطبيعة يثير فيه اضطرابًا.
إذًا فإن أراد أحد أن يعرف كيف خُلِقَ الإنسان بحسب “صورة الله ومثاله”، فليأتِ إلى هذه الأمور غير المطروقة، والمعانى المشابهة لها، وليبحث في تكوين طبيعة نفسه العاقلة. وليكن هدفه أن يعرف أقسامها بالتدقيق، وأقسام أقسامها، كلماتها، طرقها، وحداتها، تميّزاتها، تفرّدها، وحدتها، ثالوثيتها، كيف أنها واحدة وتعتبر ثلاثة أقسام، وحدة في ثلاثة، بحسب صورة الله ومثاله، ويُعترف بها كثلاثة أقسام في وحدة.
وأنها من المؤكد واحدة في الجوهر، لكن ليست واحدة من جهة أقسامها الثلاثة، وذاك الذي قال “أصلي بالروح وأصلي بالذهن أيضًا. أرتل بالروح وأرتل بالذهن أيضًا قد جعل هذا الأمر واضحًا جليًا “[9]. أيضًا بعض الناس يكلموننا بشكل واضح جدًا عن هذا الثالوث الذي يُستعلن فينا ويُعطى مثالاً لصورة الله، وهؤلاء تكون لهم نفس. ولكنهم يكونون ـ بسبب ما ـ بلا عقل ولا كلمة. أيضًا البعض ممن يحملون نفسًا وكلمة، قد تجدهم فقراء في العقل تمامًا.
أيضًا البعض لديهم عقلاً ونفسًا، ولكنهم محرومين من الكلمة. ولهذا فإن الرضيع، الذي يولد من داخل جو مظلم، ويأتى إلى النور، يُظهر على الفور أنه يحمل نفسًا هى مثال لله الآب والتي لها قوة عاقلة، تحمل أيضًا داخلها الكلمة والعقل. الآن يتقدم هذا الرضيع ، حيث ينمو الجسد ويكتمل، فيظهر الكلام بعد ذلك، والكلام لا يظهر بشكل كامل ومفاجئ، بل أنه يتلعثم أولاً، مُعلنًا عن حضور ذهنى، عندما ينمو الرضيع ويظهر كرجل كامل، وهذا يشير إلى الكلمة حين تجسد.
لكن فيما تساهم هذه الأمور بالنسبة للبحث الذي نُباشره عن خلق الإنسان؟ بالطبع يمكن أن تساهم جدًا، آه أيها الإنسان، إننا بهذه الأمور نعرف طريقة استعلان الله وظهوره في العالم، عندما أخذ جسدًا، هكذا أدركت طبيعتنا سر الثالوث حينما استعلن في الحين المناسب. حقًا لقد حُمل بالإنسان من بذرة الشرير، كما لو كان في بطن الخداع، جالسًا في الظلمات وفي ظلال الموت.
ثم تقدم بعد ذلك في نور المعرفة الإلهية، في البداية كطفل، تعهده الناموس، إذ أنه يحمل نفسًا، مدركًا أن الله الآب يحتوى الكلمة كأقنوم، والروح القدس أيضًا، كما هو الوضع بالنسبة للنفس. ولأن الإنسان بسبب ضعفه الشديد وطفولته المعرفية، لم يكن قادرًا على إظهار الكلمة والفكر، ولكى لا ينزلق إلى عبادة الآلهة المتعددة، فإن طبيعتنا المادية أو العالمية قد اكتسبت بمرور الزمن حكمة، مثلما يحدث مع الطفل الذي يكبر، كما لو كان قد تعلّم من نفس ما أن تكون له معرفة عن الله الآب ولكنها معرفة غير مُعلنة، مثلما يحدث في البداية من تلعثم غير واضح في الكلام، ثم يكتسب خبرة من خلال التعاليم النبوية، ثم إدراك ومعرفة كلمة الآب كأقنوم.
وبعد هذه الأمور المتلعثمة، وأقصد التعبيرات الموسوية والنبوية التي تحمل ألغازًا، وبعدما خرج كلمة الله بصوت مسموع وناطق من الأحشاء البتولية، كما تخرج الكلمة من الشفاه، ستعرف طبيعتنا الإنسانية ككل كمالها الثالوثى بعد أن تكون قد اجتازت هذا التلعثم، من خلال الكلمة، طالما أنها قد قبلت الروح القدس واستنارت ذهنيًا، والذي لم يجعل انتقاله وسكناه في هؤلاء من الخارج، لكنه استعلن فيها، من خلال تلك الأمور التي هى في داخلها، أى النفس والكلمة، مقابل الآب والابن، فتلد النفس كلمتها الأقنومية، ليس كمخلوقة، ولا كشئ مُغاير، ولا كجنس مختلف، بل بشكل أساسى هو وجود شخصي فطرى يحمل طبيعة مشتركة.
مظهرًا الطبائع المشتركة في ارتباطها بروح الذهن، كما لو كانت تشكل جسدًا واحدًا. وبالإضافة إلى هذه العناصر فإن النفس غير الجسدانية تُغرس فيها أعضائها غير الجسدانية[10]، كما لو كانت هذه الأعضاء نماذج توصف وتُصاغ وتتجمع معًا، تلك التي هى فوق كل شكل وهيئة، وهى تحمل روح الذهن كنسمة لجسدها، وكحياة لها، وتملك الكلمة كرفيق لها. فإذا حُرمت النفس من كل هذه الأمور، فلن يكون من الممكن أن توجد ولا أن يُعترف بها كنفس ناطقة وعاقلة، تلك التي خُلقت بحسب صورة الله ومثاله.
ومن خلال هذه العناصر الموجودة داخل النفس ستعلم وتعترف أن الآب، والابن، لم يكونا كائنين قبل الروح القدس. فكما في حالة النفس العاقلة، توجد الكلمة داخلها في نفس الوقت، ويوجد داخلها الروح الذي يُحييها ويُجمعها ويُكملها، هكذا فإن الله الكلمة هو كائن مع الآب، وفي نفس الوقت الروح القدس كائن مع الابن ومع الآب. أما إن فصلت وعزلت الكلمة عن النفس، فإن نفسك ستبقى بدون كلمة. هكذا ستعرف من خلال حقيقة الخلق على صورة الله، أنك لو رفضت الله الكلمة، قائلاً إنه غير كائن مع الله الآب، فإنك تكرز حينئذٍ بأن الله هو غير عاقل وشبيه بالحيوانات غير العاقلة.
ولو أنك فصلت الروح عن الله، فإنك تتحدث عن من هو ميت وليس عن إله حيّ. لذلك لو أنك أردت أن تجد فلسفة لعبارة “بحسب الصورة والمثال” فينبغي أن تفلسفها هكذا، وليس من قبل الأمور التي هى خارجك، بل من تلك التي هى داخلك. أن تعرف الله غير المعروف، من خلال الثالوث الذي في داخلك، اقتنِ معرفة للثالوث من خلال الأشياء الموجودة حقًا. هذه الشهادة هى شهادة مؤكدة وجديرة بثقة أكثر من أى شهادة أخرى للناموس وللكتاب.
حقيقةً أنه لهذا السبب فقط خلق الله مثل هذا الكائن الحيّ (أى الإنسان)، لأنه كان يرغب أن يُعلن للعالم سر الثالوث القدوس غير المُدرك، لكى تحمل داخلك أنت يا من خُلقت بحسب صورة الله ومثاله، الصورة والمثال والنماذج والأمثلة التى توضّح سر الثالوث القدوس، ولكى لا تتذبذب بعد من جهة سر الثالوث، حين تتطلع في صورة نفسك المخلوقة.
لا تُعبّر بالتساؤل الساخر، إن كان الله ثالوث، فكيف يكون واحدًا؟ وإن كان الكلمة هو ابن، فكيف يمكن أن يكون المولود موجودًا منذ البدء مع والده؟ وإن كان الروح يأتى من الآب، فلماذا لم يولد، لكنه ينبثق؟ أو مَن هو الذي أحضره الآب إلى النور أولاً؟ الابن أم الروح القدس؟
فإن كان الاثنان معًا في نفس الوقت، فهل يوجد يا ترى داخل الثالوث إلهان أخوة، وولادة توأم؟ وكيف ستُميّز الفرق بين الولادة والانبثاق في الكائنات غير الجسدانية، والغير متحركة والثابتة؟ وكيف يكون ممكنًا أن يكون للوالد والمولود نفس المجد؟ وهل الآب يا تُرى ولد بإرادته أم لا؟ ومَن يشهد على أن الآب والابن والروح القدس هم جوهر واحد؟ وإن كان الله الآب هو أقنوم كامل.
وإن كان الله الكلمة هو أقنوم كامل، والروح القدس إله كامل، فمن لا يقول إن عقل الله هو أقنوم إلهى آخر لله، وإله آخر هو ذراع الله، وأقنوم آخر هو اصبع الله، وكذلك يمين الله، وكل الأمور الأخرى التي يُقال عنها إنها أعضاء الله في الكتاب المقدس؟
إذًا فلكى لا تتكلم ولا تفكر في هذه الأمور، التي تعثّر فيها الهراطقة، وسقطوا بتفكيرهم، فإن الله خلقك بحسب صورة ومثال وجوده الثالوثى، لتكون نموذجًا يحمل الشكل الثالوثي، والذي يُعرف أنه واحد في الجوهر. وإن كانت لك رؤية مستقيمة، فستجد في هذا الثالوث، وبحق، كل ما يختص بالتعاليم التقوية عن الله، كما في مرآه، وكنموذج أو شكل (للثالوث القدوس).
وأقصد أن الأقانيم ثلاثة، والجوهر واحد غير منقسم، وغير مُدرك، وهو الذي لا هيئة له، الذي لا يُشار إليه، غير المولود، المولود، المنبثق، الخالق، الراعى، الديان، غير المحسوس، غير الجسدى، الأبدي، غير المتجزئ، غير المائت، الذي لا يُعبّر عنه، الفائق الجمال، وبعبارة واحدة ستجد كل ما يقال بتقوى عن النماذج والصور الإلهية كظلال مرسومة داخل نفسك. ولهذا قال الله “لنخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا”.
ومع هذا فإن هذه الأمور لم يفهمها الهراطقة غير المؤمنين في عصرنا ولا فكروا فيها، لأنهم لو فهموا بشكل صحيح عبارة ” بحسب الصورة والمثال ” كملمح للإنسان، ما كانوا ليتذبذبوا في سر الثالوث، ما كانوا ليُخضعوا الفائق للطبيعة لأفكارهم. ما كانوا لينشروا إدعائهم المظلم، بأنه لا يمكن أن يكون الله ثلاثة أقانيم. فلو أن آريوس قد فهم الخلق بحسب “الصورة”، ما كان له أن يُعلّم بأن الابن هو من جوهر مختلف عن الآب.
لو أن مقدونيوس تعرض بتقوى لموضوع الخلق “بحسب الصورة” ما كان له أن يصف الروح القدس بأنه مخلوق. لكنهم أصيبوا بالعمى وعانوا ما عاناه أولئك الذين بينما كانوا يمتلكون الجوهرة في أعماقهم، لم يعرفوها، وبحثوا عنها في الهاوية وهذا بسبب أنهم مخدوعون. لاحظ إذًا أن النفس هى “بحسب صورة الله” من حيث الشكل وليست بمساواة طبيعية. كيف صار هذا؟ سأشرح على الفور ما أقوله بوضوح.
نحن نؤمن أن الله الآب غير محدود، وينطبق نفس الشئ على الابن وعلى الروح القدس، ولهذا فهم كأقانيم غير محدودين، يحملون أسماءً، يُعلن فيها الواحد عن الآخر، كما يوجد بينهم ترابط مشترك بمعنى أنه عندما يُذكر اسم الآب فمن الواضح أنه يُعلن عن وجود ابن له. كيف يكون ممكنًا أن يُدعى أبًا، إن لم يكن له ابن؟ نفس الشئ عندما يقول روح، فهو يعلن عن الله، لأن الله روح كما يقول الكتاب[11].
فلنأتِ بعد ذلك من هذا الثالوث القدوس إلى صورته، أى إلى الثالوث الذي يوجد داخلنا، وسترى الأسماء الثلاثة، حيث يحوى الواحد الآخر وهم متحدين. بمعنى أنك عندما تُشير إلى النفس الناطقة العاقلة، فمن الواضح أنك تُعلن عن الكلمة والعقل. نفس الشئ إذا ذكرت كلمة عقل، فإنك تعلن بكل الطرق عن النفس والكلمة. لأنه بأى شئ يتعلق الذهن، إن لم يكن بالنفس والكلمة؟ وهكذا فإن اسم أحد الأقانيم يستدعى حتمًا الإشارة إلى الأقنوم الآخر، فهناك ترابط قوي يجمع أسماء الأقانيم معًا.
يتضح من ذلك أن الأقانيم تحمل نفس الطاقة والجوهر المشترك غير المنقسم، بمعنى أن طاقة الله الآب والابن والروح القدس هى واحدة ومتساوية، والقوة واحدة، والإرادة واحدة، والرأى واحد. فإن الابن غير منفصل عن الآب في كل ما يعمل وهو عامل معه، وأيضًا في كل ما يفعل الابن أو الروح القدس فإن الآب يعمل معهما في كل الأحوال بشكل غير منفصل. فلا الابن يفعل شيئًا بالانفصال عن الآب، ولا الآب بالانفصال عن الابن والروح القدس، بل ولا الروح القدس أيضًا يفعل شيئًا بدون الابن والآب.
وعندما ننتقل من الأصل إلى الصورة، إلى صورة نفوسنا التي هى مخلوقة “بحسب صورة الله ومثاله” سترى فينا أن الفعل هو واحد ومتساوى. لأن النفس لا تفعل شيئًا بدون الكلمة، ولا الكلمة بدون النفس، ولا أيضًا العقل يفعل شيئًا وحده بدون النفس وبدون الكلمة، بسبب قوتهم وطاقتهم المشتركة المتساوية الأبعاد والفطرية والمترابطة فيما بينها، بحسب خلقتها على صورة الله ومثاله.
ولكن إذا قلت لى إن النفس لا تفعل أى شئ وحدها بدون الجسد، وهذا بالضبط ما سبق وأعلناه، إذ أنها قد خُلقت في هذا الجسد بحسب صورة الله ومثاله. فإنها من خلال المادة المرئية تعلن عن قوتها غير المرئية. إلاّ أنها عندما تنفصل عن الجسد أيضًا فإن الجوهر والنفس النقية بحسب طبيعتها، إذ توجد في استنارة وبساطة وهدوء وبهاء، يمكن أن تُدعى وتكون بحق مخلوقة بحسب “صورة الله ومثاله”.
ولكن إذا تهكم المقاوم، كما هو متوقع، على كل ما قلته، لأننا لم نُدلل على أنه توجد ثلاثة أقانيم في النفس بالمساواة مع أقانيم الثالوث القدوس، فليعلم الأحمق أن النفس خلقت على شكل الصورة وليست بمساواة حقيقية للثالوث القدوس. بل وفي الألوهة أيضًا، إن لم يكن هذا أمرًا مخيفًا أن يقوله المرء، فإن هناك تمايز للآب عن الابن، وتمايز للروح القدس عن الابن.
وفي تشابهك مع صورة الله، أنت لا تتجاوز هذا أيضًا، أى أنه بولادة الكلمة جسديًا من الشفاه تصير الفضيلة والحكمة والاستنارة والقوة والعمق والمعرفة التي لنفسك وذهنك معروفة ومُعلنة للجميع. وهذا المثال يُعلن لك أنك خلقت وتوجد بحسب “صورة الله ومثاله”. لأنه بولادة كلمة الله جسديًا استعلنت للعالم القوة، المعرفة، الحكمة، وجميع أنواع الصلاح الأخرى التي للآب والروح القدس.
لاحظ إذًا كم وتنوع أعمال الكلمة في العالم، من جهة التشبه بكلمة الله، وكيف أنه بواسطة الكلمة، يُخلق كل شئ ويصير له وجود. لقد أخذت الملائكة كيانها بواسطة الكلمة، وبالكلمة يُمجدون الخالق، وبالكلمة خلق كل ما نراه، بالكلمة أُنير سر الكون، بالكلمة صارت الكيانات معروفة. بواسطة الكلمة فقط ظهرت هذه الكيانات، بالكلمة تحققت الإنجازات، بواسطة الكلمة تجلى الكون. لقد بُشّر بمعرفة الله بواسطة الكلمة، وبواسطة الكلمة أخذنا هذه المعرفة.
بواسطة الكلمة توّحدت وانجمعت كل الأشياء معًا. وكما أن الطفل الذي لا يتكلم يعتبر قليل العقل بحسب تقديرات الناس، إلى أن تولد الكلمة من شفتيه، هكذا كلمة الله المولود بحسب الجسد، عبر كل مراحل عدم الكلام الخاصة بطبيعتنا، حين استعلن بكل وضوح في عملية الخلق مع الآب والروح القدس.
ولأن نفوسنا هي مخلوقة من الله، فهى غير مُرسلة لخدمة ما، بعد انفصالها عن الجسد، كما يحدث بالعكس مع الملائكة، لأن الملائكة هى أرواح مُرسلة للخدمة، بينما أنفس القديسين هي بشكل أساسى مخلوقة بهيبة بحسب صورة الله ومثاله، لأنه إن كان الإنسان بعد عصيانه، قد طاله نقص بسيط عن الملائكة[12]، إلاّ أنه بإتحاده بالله الكلمة صار أعظم من الملائكة، لأن ذاك الذي خُلق بحسب “صورة الله ومثاله، اتحد الآن بالله وذاك الذي أخذ أولاً صورة الله، يعكس الآن صورة الله، هذا الذي يليق به المجد إلى أبد الآبدين آمين.
[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.
[2] تك26:1.
[3] نار وماء وأرض وهواء. هذه العناصر كانت تمثل المعطيات العلمية لذلك العصر (القرن الرابع) وقد أشار ق. أمبروسيوس إلى هذه العناصر المكونة للإنسان في كتابه شرح الإيمان المسيحي.
[4] تك27:1.
[5] رو29:8.
[6] ميثوديوس هو أسقف مدينتي أوليمبوس وبترا. وقد انتقل بحسب شهادة القديس جيروم إلى إيبارشية صور في فينيقية (لبنان). استشهد عام 213م في خالكيس. وقد عُرف عنه معارضته للعلاّمة أوريجينوس، برغم تأثره بفكر ومنهج أوريجانوس، كما أشار هو نفسه إلى ذلك. وهو ما يظهر في استخدامه للتفسير الرمزي للكتاب المقدس. “ Methodius – the Banget of the ten virgins “ Ante – Nicene Fathers – vol.6.P. 309-310.
[7] ” لتكون مقدسة جسدًا وروحًا” (1كو34:7).
[8] 1كو10:2.
[9] 1كو15:14.
[10] تعبير “أعضاء النفس” استخدمه القديس يوحنا ذهبي الفم في تفسيره لرسالة رومية، الاصحاح الرابع قائلاً: ” علينا أن نشدد أعضاء النفس ونحفظها بالملمح الروحى”. أيضًا استخدمه القديس مقاريوس في العظة 7 ردًا على تساءل، هل العقل شئ والنفس شئ آخر؟ أجاب كما أن أعضاء الجسد وهى كثيرة تُدعى إنسانًا واحدًا، هكذا النفس لها أعضاء كثيرة وهى (العقل ـ الضمير ـ الارادة) وكل هذه مرتبطة معًا في نفس واحدة.
[11] يو24:4.
[12] عب7:2.
الله هو صانع العجائب بواسطة قديسيه.
من هو ذاك الذي أغلق أبواب السماء؟ هل هو إيليا أم أن الله الذي فيه، هو الذي أمر المطر ألاَّ ينزل؟ إني أؤمن أن ذاك الذي له السلطان على السموات، كان هو نفسه جالسًا في عقل إيليا، وأن كلمة الله أمر المطر أن ينزل على الأرض بواسطة لسان إيليا، فنزل المطر.
وكذلك موسى أيضًا فإنه ألقى بالعصا على الأرض فصارت حيَّة، ثم تكلم مرة أخرى فعادت وصارت عصا. وأخذ موسى رمادًا من الأتون ونثره نحو السماء فصار دمامل أصابت الناس وفي البهائم. وأيضًا مد عصاه فصار البعوض والضفادع على أرض مصر (خر 8: 5، 17). فهل تستطيع الطبيعة البشريّة أن تصنع هذه الأمور؟.. لقد مد موسى أيضًا يده على البحر فشقه، وكذلك رفع عصاه على النهر فتحولت مياهه إلى دم. فالواضح أن قوة سماويّة كانت ساكنة في قلب موسى وعقله وكانت هذه القوة تعمل هذه الآيات بواسطة موسى.
وكيف استطاع داود أن يقاتل الجبّار دون أن يكون متسلحًا؟ فإن يد الله هي التي قادت الحجر بواسطة يد داود حينما رماه على الفلسطيني.. وأن قوة الله هي التي قتلت الجبار وانتصرت عليه، فما كان داود ليستطيع أن يفعل ذلك من ذاته إذ كان ضعيفًا جدًا في الجسد (1 صم 17: 49-51).
وحينما جاء يشوع بن نون إلى أريحا وحاصرها سبعة أيام، لم يستطع أن يفعل شيئًا بطبيعته، ولكن حينما صدر أمر الله فإن الأسوار سقطت من نفسها.. ومن هو الذي أمر الشمس أن تقف لمدة ساعتين بينما كانت المعركة حامية الوطيس؟ هل هي طبيعة يشوع أم القوة الإلهيّة التي كانت معه؟
ولما دخل يشوع في قتال مع عماليق، كان إذا رفع موسى يديه نحو السماء إلى الله، أن إسرائيل يغلب، وإذا خفض يديه أن عماليق يغلب.
ولكن حينما تسمع عن هذه الأمور فلا تدع عقلك يذهب بعيدًا، بل حيث إنها كانت رمزًا وظلاً للحقيقة فطبقها إذن على نفسك. فإنك حينما ترفع يدي عقلك وأفكارك نحو السماء وتضع في قصدك أن تلتصق بالرب وتتحد به فإن الشيطان يسقط تحت أفكارك.
وكما سقطت أسوار أريحا بقوة الله، كذلك الآن بقوة الله تتحطم مدن الشيطان وأسوار الشر التي تحارب عقلك ويسقط أعداؤك أيضًا.
لقد كانت قوة الله في القديم حاضرة مع الأبرار بلا انقطاع، وكانت تعمل عجائب منظورة. وكانت النعمة الإلهيّة تعمل أيضًا في الأنبياء، وكان الروح يعمل في نفوسهم للتنبؤ والتكلّم حينما كانت تدعو الحاجة أن يخبروا العالم بأحداث عظيمة. لأن الأنبياء لم يكونوا يتكلمون في كل وقت، بل حينما يشاء الروح الذي فيهم فقط. إلاَّ أن القوة الإلهيّة كانت معهم دائمًا.
فإن كان الروح القدس قد انسكب بهذا المقدار في ذلك العهد الذي هو ظلّ لعهد النعمة، كم بالحري ينسكب في العهد الجديد، عهد الصليب ومجيء المسيح، الذي فيه حدث انسكاب الروح والامتلاء به. كما هو مكتوب “إني أسكب من روحي على كل بشر” (أع 2: 17). وهذا هو المعنى الذي قصده الرب نفسه حينما قال “وها أنا معكم إلى انقضاء الدهر” (مت 28: 20). “لأن كل من يطلب يجد” (مت 7: 8). وأيضًا “إن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تُعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري الآب السماوي يعطي الروح القدس للذين يسألونه” (لو 11: 13). “بقوة وبيقين شديد” كما يقول الرسول (1 تس 1: 5).
إن هذه الأشياء نحصل عليها بالتدريج، وتحتاج منا إلى وقت، وتعب وصبر ومحبة كثيرة وشوق كبير نحو الرب. وهكذا فإن “حواس النفس”، “تتدرب” كما يقول الكتاب (عب 5: 14). بواسطة الخير والشر، أي من خلال حيل العدو ومؤامراته وخداعاته من ناحية، ومن الناحية الأخرى بواسطة المواهب والمعونات المتنوعة التي تُعطى بعمل الروح القدس وقوته. وإن الذي يواجه خداع الخطية، الذي يلوث الإنسان الباطن بواسطة الشهوات، ولا يتعرف في داخل نفسه على معونة الروح القدس “روح الحق”، الذي يقوّيه ويعين ضعفه، ويجدّد نفسه بفرح القلب، مثل هذا الإنسان يسير في طريقه بدون تمييز، إذ لم يكتشف بعد تدبيرات النعمة المتنوعة، وسلام الله العميق.
ومن الناحية الأخرى فإن الذي ينال معونة الرب، ويحصل على الفرح الروحاني ومواهب النعمة السماويّة، مثل هذا الإنسان إن كان يتصور أنه لم يعد معرضًا بالمرة لأذى الخطية، فإنه ينخدع دون أن يدري، إذ أنه لا يميز خبث الخطية ولا يدركه، ولا يعرف أن النمو إنما يتم بالتدريج من الطفولة حتى النضوج والكمال في المسيح. لأن الإيمان يزداد وينمو بواسطة عمل الروح القدس الإلهي، وتبعًا لذلك تتحطم تدريجيًا حصون الأفكار الشريرة إلى أن تنهدم كلّية (2 كو 10: 4).
لذلك ينبغي على كل واحد منا أن يفتش ويعرف، هل هو قد وجد “الكنز في هذا الإناء الخزفي” (2 كو 4: 7)، وهل قد اكتسى بأرجوان الروح، وهل قد رأي الملك ووجد راحته في الداخل بالقرب منه، أم أنه لا يزال يعيش في الدار الخارجيّة؟
إن النفس لها أجزاء كثيرة، ولها عمق عظيم، فعندما دخلت الخطية إلى الداخل امتكلت كل أجزاء النفس وكل مراعي القلب.
ولذلك حينما يسعى الإنسان ويطلب، فإن النعمة تأتي إليه، وتبدأ في أن تملك عليه، ولكنها قد تملك ربما على جزء أو اثنين من أجزاء النفس. وبعد أن تبدأ النعمة عملها فإن الإنسان غير المختبر حينما يحصل على تعزية بالنعمة، يتخيل أن النعمة قد امتلكت كل أجزاء نفسه وأن الخطية قد استؤصلت منه تمامًا. مع أن القسم الأكبر من النفس لا يزال تحت سلطان الخطية وليس سوى جزء واحد فقط تحت سلطان النعمة، وهكذا فإنه ينخدع دون أن يدري.
ولكننا أن نتحدث كثيرًا إليكم بخصوص هذه الأمور بحسب استعدادكم وإخلاصكم، ولكننا أعطيناكم نقطة بداية، تستطيعون كأناس ذوي حكمة وفهم أن تتأملوا في هذه الكلمات وتفحصوا قوتها وتصيروا أكثر فهمًا وحكمة في الرب. وتزدادوا في بساطة القلب، في النعمة وفي قوة الحق، وهكذا إذ تتمسكون بخلاصكم بكل يقين، وتتحررون من كل محاربات الشرير وخداعات العدو، فإنكم تُحسبون أهلاً لأن توجدوا بلا عثرة، ولا دينونة في يوم ربنا يسوع، الذي له المجد إلى الأبد آمين.
لا يكفي أن تتجنب لذات هذا العالم بل يلزم الحصول على غبطة الدهر الآتي.
حينما يترك إنسان أهله، ويترك هذا العالم، ويتغرّب عن لذّاته ويترك الممتلكات، والأب والأم، لأجل الرب، ويصلب نفسه ويصير غريبًا وفقيرًا ومحتاجًا، ولكنه لا يجد العزاء الإلهي في داخل نفسه بدلاً من راحة العالم وعزائه، ولا يشعر بلذة الروح في داخله بدلاً من اللّذة الزمنية العابرة، ولا يكون لابسًا لثياب نور الله في الإنسان الباطن، بدلاً من تلك الثياب التي تفنى، ولا يعرف شركة العريس السماوي في نفسه، بدلاً من فرح هذا العالم الظاهر ولا يحصل على عزاء النعمة السماوي، والشبع الإلهي في النفس- بظهور مجد الرب- كما هو مكتوب[1]، وبالاختصار بدلاً من التمتع الزمني العابر، لا يحصل من الآن في داخل نفسه على التمتع غير الفاسد الذي لا يضمحل والذي تشتهيه النفس شهوة عظيمة، فإن هذا الإنسان قد صار ملحًا بلا ملوحة، بل هو أكثر بؤسًا من جميع الناس لأنه حُرم من الأشياء التي هنا، ولم يحصل على التمتع بالعطايا الإلهيّة التي تتم بعمل الروح القدس في الإنسان الباطن.
فإن الغاية التي من أجلها يصير الإنسان غريبًا عن هذا العالم إنما هي أن تعبر نفسه إلى عالم آخر ودهر آخر كما يقول الرسول “إن سيرتنا هي في السموات” (في 3: 20) وأيضًا يقول “وإذ نسير على الأرض لكننا لسنا حسب الجسد نحارب” (2 كو10: 2). لذلك فإن من يرفض هذا العالم يجب أن يؤمن بكل يقين، أنه ينبغي أن يعبر بفكره منذ الآن بالروح إلى عالم آخر، وهناك تكون سيرتنا ولذتنا وتمتعنا بالخيرات الروحيَّة، وأنه ينبغي أن يُولد من الروح في الإنسان الباطن كما قال الرب “من يؤمن بي فقد انتقل من الموت إلى الحياة” (يو 5: 24).
لأنه يوجد موت آخر غير الموت الطبيعي المنظور، وحياة أخرى غير هذه الحياة، فإن الكتاب يقول: “وأما المتنعمة فقد ماتت وهي حيّة” (1 تي 5: 6)، وأيضًا يقول الكتاب: “دع الموتى يدفنون موتاهم” (لو 9: 60). لأن “ليس الأموات يسبحونك يا رب، بل نحن الأحياء نباركك” (مز 115: 17-18).
لأنه كما أن الشمس عند إشراقها على الأرض تضيء عليها بكلّيتها، ولكن عندما تصير إلى الغروب تنحسر أشعتها عنها، كذلك فإن النفس التي لا تُولد من فوق من الروح، تكون على الأرض بكليتها. وأفكارها مشتّتة في الأرض كلها. ولكن حينما تُحسب أهلاً للحصول على الولادة السماويّة وشركة الروح، فإنها تجمع كل أفكارها معًا فتأخذهم معها وتدخل إلى الرب، إلى المسكن السماوي غير المصنوع بأيدي وتصير كل أفكارها سماويّة طاهرة ومقدسة وتصعد إلى الجو السماوي الإلهي.
وإذ تتحرر من سجن ظلمة رئيس هذا العالم الشرير، الذي هو روح العالم، فإن النفس تجد أفكارًا طاهرة إلهيّة، لأن الله قد سُرّ بأن يجعل الإنسان شريكًا في الطبيعة الإلهيّة (2 بط 1: 4).
لذلك فإذا كنت تعتزل كل الأمور المختصة بهذا العالم وتواظب على الصلاة، فإنك ستجد راحة كبيرة في هذا العمل. بل ستجد فرحًا عظيمًا في الشدة القليلة والألم وستنتعش انتعاشًا عظيمًا. فإنه إن كنت تنفق نفسك وجسدك ساعة بساعة طوال حياتك لأجل هذه الخيرات العظيمة فماذا تكون النتيجة؟.. آه، يا لعِظَم تحنّن الله الذي يفوق الوصف، فإنه يعطي نفسه مجانًا لأولئك الذين يؤمنون به حتى أنهم في وقت قليل يرثون الله، ويسكن الله في الإنسان ويتخذ من الإنسان منزلاً حسنًا له! وكما أن الله خلق السماء والأرض ليسكن الإنسان فيهما، كذلك فإنه خلق جسد الإنسان ونفسه ليكونا منزلاً له، لكي يسكن ويستريح في جسد الإنسان كما في منزله الخاص، ويتخذ من النفس الحبيبة عروسًا جميلة له مخلوقة على صورته. لأن الرسول يقول: “خطبتكم لرجل واحد، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح” (2 كو 11: 2). وأيضًا “وبيته نحن” (عب 3: 6).
فكما أن رب البيت يخزّن باجتهاد كل أنواع الخيرات في بيته، هكذا الرب أيضًا في بيته الذي هو نفسك وجسدك، فإنه يضع كنوز الروح السماويّة ويخزنها في هذا البيت.
إن الحكماء بحكمتهم، والفطناء بفطنتهم لم يستطيعوا أن يدركوا لطافة النفس، أو أن يتكلموا عنها كما هي، وإنما يدرك لطافتها فقط أولئك الذين يُعطى لهم هذا الإدراك بالروح القدس. ولهم تُعطى المعرفة الصحيحة عن النفس إذ أن الروح يعلنها لهم.
فانظر هنا نظرة جادة لكي تفهم وتتعلّم. انصت الآن:
فإنه هو إله، أما النفس فليست إلهًا.
إنه هو رب، وهي عبدة.
هو خالق، وهي مخلوقة.
هو صانع، وهي صنعة يديه.
وليس هناك شيء مشترك بين طبيعة الله وطبيعة النفس. ولكن بواسطة محبته ورأفته التي لا تحد والتي تفوق الوصف والإدراك، سُرّ الله أن يسكن في هذا المخلوق العاقل، في صنعة يديه، الثمينة والعجيبة، كما يقول الكتاب “لكي نكون باكورة من خلائقه” (يع 1: 18). لنكون نحن حكمته وشركته، ومسكنه الخاص، وعروسه الطاهرة.
فحينما تُوضع أمامنا هذه الأشياء الصالحة، وهذه المواعيد التي وعدنا بها الرب، وتتضح مسرة صلاحه من نحونا، فلا نهمل يا أبنائي ولا نتأخر أو نتباطأ في السعي للحياة الأبديّة، بل نعطي أنفسنا تمامًا لإرضاء الرب، مخصصين ذواتنا له كلّية.
فلنتوسل، إذن للرب أن ينقذنا بقوة لاهوته من سجن ظلمة شهوات الخزي، وأن يجعل صورته وصنعة يديه تضيء ببهاء، وأن يجعل النفس صحيحة ونقيّة، وهكذا نُحسب أهلاً لشركة الروح، ممجدين الآب والابن والروح القدس إلى الأبد.
[1] هنا يشير القديس مقاريوس إلى مز 17: 15 في الترجمة السبعينية حيث نص الآية هكذا “سأمتليء حتى الشبع بظهور مجدك”.
المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح
المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس
القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس
لما أراد الرب، في الإنجيل، أن يقود تلاميذه إلى الإيمان الكامل قال لهم: “الأمين في القليل أمين في الكثير، والظالم في القليل ظالم أيضًا في الكثير” (لو 16: 10) فما هو القليل وما هو الكثير؟
القليل هو خيرات هذا العالم، التي وعد أن يعطيها لأولئك الذين يؤمنون به: مثل الطعام واللباس وكل الأشياء الأخرى اللازمة للجسد والصحة وما أشبه ذلك. وهو يدعونا أن لا نهتم أو نقلق بخصوص هذه الأشياء، بل نثق فيه بيقين تام أنه كفء لحاجات أولئك الذين يلتجئون إليه في كل شيء.
أما الكثير فهو هبات العالم الأبدي الذي لا يفنى ولا يضمحل، التي وعد أن يعطيها لأولئك الذين يؤمنون به ويهتمون بطلبها بلا انقطاع ويسألونه لأجلها لأنه هو الذي أوصى بذلك قائلاً: “اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تُزاد لكم” (مت 6: 33)، لكي بواسطة هذه الأشياء القليلة الزمنية يمكن أن يُختبر كل إنسان إن كان يؤمن بالله، لأنه وعد أن يعطي هذه الأشياء بدون أن نهتم ونقلق من جهتها، بل نهتم فقط من جهة الأمور الأبديّة الآتية.
لذلك فإن كان له إيمانًا قويًا من جهة الأشياء الزمنية فإن هذا يكشف عن إيمانه بخصوص الأمور التي لا تفنى، وكيف أنه يسعى حقًا طالبًا الخيرات الأبديّة، لذلك ينبغي على كل واحد من أولئك الذين يطيعون كلمة الحق، أن يختبر نفسه ويمتحنها، أو يدع الرجال الروحانيين يعينونه على ذلك لكي يعرف إلى أي درجة قد آمن بالله وأعطى نفسه له، وهل إيمانه هذا حقيقي بحسب كلمة الله، أم أنه يعتمد على رأيه الخاص في تبرير وإيمان كاذبين، متخيلاً أن له إيمان داخل نفسه. فإن هذا هو السؤال الذي يمتحن به الإنسان نفسه:
وكيف يتم هذا الامتحان؟ هذا ما سأوضحه لكم الآن: هل تقول إنك تؤمن أنه قد أُعطي لك ملكوت السموات، وأنك قد وُلدت من فوق وصرت ابنًا لله، ووارثًا مع المسيح، لتملك معه إلى الأبد وتتنعم في النور الذي لا يُوصف طوال الدهور الأبديّة مع الله؟
لا شك أنك ستقول “نعم فإنه لهذا السبب قد تركت العالم وسلّمت نفسي إلى الرب”.
لذلك، افحص نفسك الآن، هل لا تزال الاهتمامات الأرضيّة لها تأثير عليك، وتفكر كثيرًا بخصوص الطعام واللباس وغيرها من الاهتمامات المشابهة، كأنك تحصل على هذه الأشياء بقوتك الخاصة وكأنه يلزمك أن تقوم بتزويد نفسك بكل احتياجاتك بدلاً من الوصية التي أعطاها لك الرب ألاَّ تهتم ولا تقلق أبدًا من جهة هذه الأشياء الأرضيّة الفانية، التي يعطيها الله حتى للأشرار، وللوحوش والطيور، لقد أعطاك الله وصية ألاَّ تهتم بهذه الأمور ولا تقلق، إذ قال: “لا تهتموا بما تأكلون أو بما تشربون أو بما تلبسون، فإن هذه كلها تطلبها الأمم” (مت 6: 25-32).
أما إن كان لا يزال عندك همّ وانشغال بهذه الأمور، ولم تثق كلّيةً بكلمته، فاعلم أنك لم تؤمن بعد بأنك ستنال الخيرات الأبديّة التي هي ملكوت السموات بالرغم من أنك تظن أنك تؤمن، بينما أنت توجد غير أمين في الأشياء القليلة التي تفنى. وأيضًا كما أن الجسد هو أفضل من اللباس، كذلك فإن النفس هي أفضل من الجسد (مت 6: 25). فهل تؤمن، إذن أن نفسك تحصل من المسيح على الشفاء من الجروح الأبدية التي لا يستطيع البشر شفاءها، أي جروح شهوات الخطية، التي لأجل شفائها جاء الرب إلينا ههنا، لكي يشفي نفوس المؤمنين ويطهرهم من دنس الخطية ونتانتها وبرصها- لأنه هو الشافي والطبيب الحقيقي الوحيد؟
إنك ستقول “إنني أؤمن بكل تأكيد- وهذه هي ثقتي، وهذا هو رجائي، فالآن افحص وانظر إن كانت الأمراض الجسديّة تجعلك تجري إلى الأطباء الأرضيين أم لا، كما لو أن المسيح الذي تؤمن به لم يستطِع أن يشفيك- فانظر كيف تخدع نفسك، لأنك تظن أنك تؤمن وأنت في الحقيقة لا تؤمن كما ينبغي. فلو إنك آمنت أن جروح النفس التي لا تُشفي وأهواء الخطية، يشفيها المسيح، لآمنت أيضًا أنه يستطيع أن يشفي أمراض الجسد المؤقتة ولكنت لجأت إليه وحده وتركت جانبًا وسائل الأطباء وأدويتهم[1].
فإن الذي خلق النفس خلق الجسد أيضًا. والذي يشفي النفس غير المائتة، يستطيع أيضًا أن يشفي الجسد من أمراضه وعلله العابرة المؤقتة.
ولكنك بلا شك ستقول إن الله قد أعطانا نباتات الأرض والعقاقير لأجل شفاء الجسد وقد أعد وسائل الأطباء ومعالجتهم لأجل أمراض الجسد وآلامه ورتب أن الجسد الذي من التراب يكون شفاؤه بوسائل متنوعة من نفس الأرض، وإني أوافقك على صحة هذا الكلام. ولكن انظر وانتبه، وأنت ستعرف لمن أعطى الله هذه الأشياء ولأجل من رتبها حسب رحمته العظيمة ومحبته غير المحدودة للبشر.
فحينما سقط الإنسان بتعدي الوصية التي أُعطيت له، صار تحت العبودية والعار وكأنه ذهب ليعمل ويكد في أحد المناجم، مطرودًا من أفراح الفردوس إلى هذا العالم، وصار تحت قوة سلطان الظلمة وانحدر إلى حالة عدم الإيمان بواسطة الخطايا والشهوات، وحينئذٍ سقط تحت وطأة أمراض الجسد واضطراباته بدلاً من حالته الأولى الخالية من الاضطراب والمرض. وبالتأكيد فإن كل الذين وُلدوا من الإنسان الأول سقطوا تحت الأمراض والاضطرابات.
لذلك فإن الله قد رتب هذه الأدوية والعلاجات للضعفاء وللذين لا يؤمنون، لأنه لا يريد في كثرة تحننه ومحبته أن يلاشي جنس البشر الخاطيء كلّية، بل أعطى الطب والأدوية لأهل العالم، ولكل الذين هم من خارج لأجل شفائهم وصحتهم وعلاج أجسادهم، وسمح أن تُستعمل هذه الوسائل بواسطة أولئك الذين لم يستطيعوا بعد أن يؤمنوا بالله ويثقوا به كلية مستودعين حياتهم تمامًا له بالإيمان.
وأما أنت أيها الراهب، يا من أتيت إلى المسيح، وتريد أن تكون ابنًا لله ومولودًا من الروح من فوق، وتنتظر المواعيد التي هي أعلى وأعظم مما أُعطي للإنسان الأول، لأن كل ما كان للإنسان الأول من حالة الحريّة من الاضطرابات والشهوات، قد سُرّ الله أن يعطيك أكثر منه بحضوره معك، أنت يا من صرت غريبًا عن العالم. لهذا ينبغي أن يكون لك إيمان وفهم وأسلوب جديد تمامًا للحياة، يتميز كلية عن أهل العالم ويتفوق عليهم.
والمجد للآب والابن والروح القدس إلى الأبد.
[1] يُلاحظ أن القديس هنا يخاطب الرهبان ويعتبر اللجوء لأطباء مستوى روحي ضعيف لا يليق بهم انظر فقرة 6.
تفسير رمزي للأشياء التي كانت تُصنع تحت الناموس.
إن المجد الذي ظهر على وجه موسى كان رمزًا للمجد الحقيقي وكما أن اليهود لم يستطيعوا “أن ينظروا إلى وجه موسى” (انظر 2 كو 3: 7)، هكذا فإن المسيحيين يحصلون على مجد النور في داخل نفوسهم، أما الظلمة- إذ لا تحتمل لمعان النور- تضمحل وتهرب.
وأولئك القدماء كانوا يُعرفون أنهم شعب الله بواسطة علامة الختان الظاهر. وأما هنا الآن فإن شعب الله ينالون علامة الختان في قلوبهم من الداخل. لأن السكين السماويّة تقطع الجزء الزائد من العقل، أي غلفة الخطية النجسة. وفي القديم كانت لهم معمودية لتطهير الجسد. أما عندنا نحن فتوجد معمودية الروح القدس والنار. فهذا هو ما كرز به يوحنا “هو سيعمدكم بالروح القدس ونار” (مت 3: 11).
وفي القديم كان هناك مسكن خارجي وآخر داخلي. “وكان الكهنة يدخلون إلى المسكن الأول كل حين صانعين الخدمة. وأما إلى الثاني فرئيس الكهنة فقط مرة واحدة في السنة، بالدم، معلنًا الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يكن قد أُظهر بعد” (عب 9: 6-8). وأما هنا من الجهة الأخرى، فإن الذين يُحسبون أهلاً لذلك هم الذين يدخلون إلى “المسكن غير المصنوع بيد، حيث دخل المسيح كسابق لأجلنا” (عب 6: 20).
إنه مكتوب في الناموس أن الكاهن يأخذ عصفورين ويذبح أحدهما ويرش العصفور الحي بدم المذبوح، ويطلق الحي ليطير حرًا (انظر 14: 4-7). ولكن هذا الذي كان يُصنع قديمًا إنما هو رمز “وظل” للحق، لأن المسيح قد ذُبح، وبدمه المرشوش علينا جعل لنا أجنحة، فإنه أعطانا أجنحة روحه القدوس، لكيما نطير في الجو الإلهي بلا عائق.
وفي العهد القديم أُعطي لهم الناموس مكتوبًا على ألواح من حجر، وأما لنا نحن فالقوانين الروحانيّة “مكتوبة على ألواح قلب لحمية” (2 كو 3: 3)، لأنه مكتوب: “أجعل نواميسي في قلوبهم، وأكتبها في أذهانهم” (عب 10: 16). وتلك الأشياء كلها كانت إلى وقت معين وقد تلاشت، وأما الآن (في العهد الجديد) فكل شيء يتم بالحق في الإنسان الباطن. فالعهد موجود في الداخل والمعركة أيضًا في الداخل، وبالإجمال “فإن كل الأشياء التي حدثت لهم، إنما كانت مثالاً، وكُتبت لإنذارنا” (1 كو 10: 11).
لقد أنبأ الله إبراهيم بما سيحدث قائلاً: “اعلم يقينًا أن نسلك سيكون غريبًا في أرض ليست لهم ويُستعبدون لهم فيذلونهم أربع مئة سنة” (تك 15: 13)، وقد تحققت هذه النبوءة تمامًا. لأن الشعب تغرّب واستُعبد للمصريين الذين “مرروا حياتهم في الطين واللبن” (خر 1: 14). وقد جعل فرعون عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم ويسوقوهم قسرًا. وحينما تنهد بنو إسرائيل إلى الله من العبودية (خر 2: 23) فإن الله نظر إليهم وافتقدهم بواسطة موسى (خر 2: 25). وبعد أن ضرب المصريين ضربات كثيرة، أخرج بني إسرائيل من مصر في شهر الزهور عند بزوغ فصل البهجة أي فصل الربيع وبعد انتهاء ظلمة الشتاء.
وقد أمر الرب موسى أن يأخذ حملاً بلا عيب، ويذبحه ويرش دمه على القائمتين والعتبة العُليا “لئلا يمسهم الذي أهلك أبكار المصريين” (عب 11: 28)، وعندما رأي الملاك الذي أُرسل، علامة الدم من بعيد عَبَرَ (عن تلك البيوت)، ولكنه دخل إلى البيوت التي ليست عليها علامة الدم وأهلك الأبكار.
وأمرهم الله أيضًا أن ينزعوا الخمير من كل بيت، ويأكلوا خروف الفصح المذبوح، مع فطير، على أعشاب مُرّة، ويأكلوه وأحقاؤهم مشدودة وأحذيتهم في أرجلهم وعصيهم في أيديهم. وهكذا أمرهم أن يأكلوا فصح الرب بكل عجلة في المساء، وأن لا يكسروا عظمًا منه.
“وأخرجهم بفضة وذهب” (مز 105: 37)، إذ أمرهم أن يستعير كل منهم من جاره المصري أواني ذهب وفضة، وخرجوا من مصر بينما كان المصريون يدفنون أبكارهم، وخرجوا فرحين بتحررهم من العبودية القاسية، أما الحزن والبكاء فكان من نصيب المصريين بسبب هلاك أبكارهم. ولذلك قال موسى: “هذه الليلة هي للرب” (خر 12: 42) التي وعد أن يفتدينا فيها.
فكل هذه الأشياء إنما هي سرّ النفس التي افتُديت بمجيء المسيح، لأن كلمة “إسرائيل” تُفسر بمعنى: العقل الذي يعاين الله- لذلك فالعقل يتحرر من عبودية الظلمة، أي من المصريين روحيًا.
فإنه منذ أن مات الإنسان بالمعصية ذلك الموت الخطير، ونال لعنة فوق لعنة: “شوكًا وحسكًا تنبت لك الأرض” (تك 3: 18) وأيضًا: “متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها” (تك 4: 12)- فمنذ ذلك الوقت نبتَ الشوك والحسك وظهر في أرض القلب. وجرده أعداؤه من مجده بالخديعة وألبسوه العار والخزي.. نزعوا عنه نوره وألبسوه لباس الظلمة، وقتلوا نفسه وشتتوا أفكاره وقسموها، وأحدروا عقله من الأعالي حتى صار الإنسان- إسرائيل- عبدًا لفرعون الحقيقي، فجعل عليه مسخّرين ليعمل أعماله الشريرة وليكمل بناء الطين واللبن.
وهذه الأرواح الشريرة أبعدته عن حالة حكمته السماويّة، وهبطت به إلى الأعمال الماديّة الأرضيّة في الطين أي أعمال الشر وإلى الكلمات والرغبات والتصورات الباطلة الشريرة. لأن الإنسان لما سقط من علوه، وجد نفسه في مملكة مُعادية تكره الإنسان، وفي هذه المملكة يغصبه حكامها على أن يبني لهم مدنًا شريرة للخطية.
ولكن إذا صرخ الإنسان وتنهد إلى الله، فإنه يرسل إليه موسى الروحاني الذي يخلّصه من عبودية المصريين. ولكن ينبغي على النفس أن تصرخ أولاً وبعد ذلك تبتديء أن تحصل على الفداء والتحرر، وهي أيضًا تتحرر في شهر الزهور الجديدة، في الربيع حينما تستطيع أرض النفس أن تنبت أغصان البرّ الجميلة المزهرة، وحين تكون عواصف شتاء جهالة الظلمة قد انتهت وقد تلاشى العمى الخطير الناشيء عن الخطايا والأعمال الشرير. وحينئذٍ يأمر الرب أيضًا بنزع كل خميرة “عتيقة” (1 كو 5: 7)، من كل بيت أي بطرد كل أعمال وأفكار “الإنسان العتيق الفاسد” (أف 4: 22) وكل أفكاره الشريرة ورغباته الدنيئة.
ثم أن الخروف كان ينبغي ذبحه وتضحيته وأن تُرش الأبواب بدمه: لأن المسيح الحمل الصالح الذي بلا عيب قد ذُبح من أجلنا، وبدمه رُشت أبواب القلب، حتى أن دم المسيح المسفوك على الصليب يصير حياة وفداء للنفس وأما للشياطين فإنه يصير حزنًا وموتًا. لأن دم الحمل الذي بلا عيب هو حقيقة حزن لهم، أما للنفس فهو فرح وبهجة.
وبعد رش الدم يأمر الرب بأكل الحمل مساءً مع فطير وأعشاب مُرّة وبأحقاء مشدودة والأحذية في الأرجل والعصا في الأيدي- لأنه إن لم تستعد النفس من كل ناحية أن تمارس الأعمال الصالحة بأقصى ما تستطيع من قوة، فإنه لا يُعطى لها أن تأكل من الحمل. ورغم أن الحمل لذيذ وحلو والفطير حسن المذاق إلاَّ أن الأعشاب مُرّة وخشنة فإنه بتعبٍِ كثير ومرارة تأكل النفس من الفطير الصالح، لأن الخطية التي تسكن فيها تسبب لها ضيقًا ومرارة.
ويقول الكتاب أيضًا إن الرب أمرهم أن يأكلوا خروف الفصح في المساء وهي الفترة المتوسطة بين النور والظلمة. هكذا النفس أيضًا حينما تقترب من الفداء والتحرر فإنها توجد بين النور والظلمة، وفي هذه الأثناء تقف قوة الله بجوارها وتسندها، ولا تسمح للظلمة أن تدخل إلى النفس وتبتلعها.
وكما أن موسى قال: هذه هي ليلة موعد الله، هكذا المسيح أيضًا حين دُفع إليه الكتاب في المجمع- كما هو مكتوب في الإنجيل- دعا تلك السنة “سنة الرب المقبولة” ويوم الفداء، فهناك في (العهد القديم) كانت الليلة، ليلة عقاب، وأما هنا فاليوم هو نهار فداء. وهكذا هو الأمر بالحقيقة لأن كل تلك الأشياء كانت رمزًا وظلاً للحق، وكانت ترسم- بطريقة سرية- صورة الخلاص الحقيقي للنفس التي كانت مغلقًا عليها في الظلام. مقيدة في “الجب الأسفل” (مز 88: 6) ومحبوسة وراء “مصاريع نحاس” (مز 107: 16). ولم يكن لها القدرة على أن تنطلق حرّة بدون فداء المسيح.
فإنه يُخرج النفس من مصر- من العبودية التي فيها- ويقتل أبكار مصر عند الخروج. فإن جزءً من قوة فرعون الحقيقي قد سقط واستولى الحزن على المصريين- لأنهم كانوا يئنون حزنًا على انفلات الأسرى من بين أيديهم. وقد أمر الرب الشعب أن يستعيروا أواني ذهب وفضة من المصريين، وأن يأخذوها معهم عند خروجهم. لأن النفس عند خروجها من الظلمة فإنها تسترد أواني الفضة والذهب، وأعني بها أفكارها الصالحة “مُطهرة سبع مرات في النهار” (مز 12: 6).
وهذه هي الأفكار التي تُقدم بها العبادة لله وفيها يجد مسرته. لأن الشياطين الذين كانوا قبلاً جيرانًا للنفس، قد شتّتوا أفكارها واستولوا عليها وخربوها. فطوبى للنفس التي تُفتدى من الظلمة، وويل للنفس التي لا تصرخ وتئن إلى الله الذي يستطيع وحده أن يخلصها من أولئك الولاة القساة الظالمين.
لقد بدأ بنو إسرائيل يتحركون بعد أن صنعوا الفصح. وهكذا فإن النفس تتحرك إلى الأمام حينما تنال حياة الروح القدس، فتأكل من الحمل، وتكون قد مُسحت بدمه، وأكلت الفصح الحقيقي، الكلمة الحي.
وكما أن عمود النار وعمود السحاب كانا يسيران أمام بني إسرائيل ليحفظانهم، هكذا فإن الروح القدس يشدّد المؤمنين الآن ويقويهم، ويشعلهم، ويرشد النفس بطريقة ملموسة.
وحينما علم فرعون والمصريون أن شعب الله قد هرب فإنهم تجاسروا أن يقتفوا أثرهم حتى بعد قتل أبكار المصريين. فإن فرعون جهز مركباته بسرعة وسعى مع كل شعبه وراء شعب الله لكي يهلكه. ولما كاد أن يلحقهم، انتقل عمود السحاب من أمام بني إسرائيل ووقف خلفهم، بينهم وبين فرعون. فأعاق فرعون، وكان عمود السحاب ظلامًا بالنسبة للمصريين ولكنه كان نورًا ومرشدًا وحاميًا لبني إسرائيل. ولكي لا أطيل الحديث عليكم بسرد القصة كلها دعونا نطبق كل التفاصيل على الأمور الروحيَّة.
فإنه حينما تبدأ النفس أولاً بالهروب من الشيطان، فإن قوة الله تقترب منها لتعينها وتقودها إلى الحق. ولكن حينما يعرف فرعون الروحاني- أي ملك ظلمة الخطية- أن النفس قد تمردت عليه وبدأت تهرب من مملكته فإنه يلاحق الأفكار التي كانت ملكه قبلاً- فإن الأفكار كانت هي ممتلكاته، ويحاول بخبثه ويأمل أن ترجع إليه النفس مرة أخرى. ولكن حينما يدرك أن النفس قد هربت من طغيانه هروبًا بلا رجعة- وهذا بالنسبة إليه ضربة أقوى من قتل الأبكار وسرقة المقتنيات- فإنه يجري وراءها لأنه يخاف لئلا بعد هروب النفس منه تمامًا، لا يبقى له من يتمم إرادته ويعمل أعماله.
لذلك فهو يسعى وراءها بالشدائد والتجارب والحروب غير المنظورة. وبهذه الشدائد والحروب تُمتحن النفس وتُجرّب، وبواسطتها تُظهر محبتها نحو من أخرجها من مصر (العبودية). لأنها تُسلّم (للتجارب) لكي تُوضع موضع الاختبار وتُمتحن بطرق متنوعة.
وترى النفوس قوة العدو وهو يسعى أن يقتلها ولكنه لا يستطيع، لأن الرب يقف بينها وبين أرواح الشر. وترى أمامها بحرًا من المرارة والشدائد واليأس. وهي من ناحية لا تستطيع أن تعود إلى الوراء لأنها ترى العدو مستعدًا لقتلها، ومن ناحية أخرى لا تستطيع أن تتقدم إلى الأمام لأن خوف الموت، والشدائد المؤلمة المحيطة بها، يجعلها ترى الموت أمام عينيها.
لذلك فإن النفس تيأس من ذاتها، “إذ يكون لها حكم الموت في نفسها” (2 كو 1: 9) بسبب كثرة أرواح الشر المحيطة بها. وحينما يرى الله النفس وهي محصورة بخوف الموت، والعدو مستعد أن يبتلعها، فإنه حينئذٍ يأتي لمعونتها ويترفق بها، وهو يتأنى عليها لكي يختبرها، ويرى هل تثبت في الإيمان، وهل عندها حب صادق له. لأن الله هكذا قد رسم “الطريق المؤدي إلى الحياة” (مت 7: 14) أن يكون كربًا ضيقًا وفيه امتحانات وتجارب مُرة لكي تصل النفس بواسطة هذا الطريق فيما بعد إلى الأرض الحقيقيّة- أرض أولاد الله.
لذلك فحينما يكف الإنسان عن الاعتداد بنفسه ويجحد ذاته بسبب الشدة العظيمة والموت الذي يراه أمام عينيه، ففي تلك اللحظة يمزق الله- بيد شديدة وذراع رفيعة- قوة الظلمة بواسطة إنارة الروح القدس، وتعبر النفس خلال الأماكن المخيفة، تعبر بحر الظلمة، وتخلُص من النار المحرقة.
هذه هي أسرار النفس التي تحدث حقًا في الإنسان الذي يسعى باجتهاد أن يأتي إلى موعد الحياة ويُفتدى من مملكة الموت، وينال العربون من الله، وتكون له شركة في الروح القدس. وهكذا فإن النفس إذ تتخلّص من أعدائها، بجورها البحر المُر، بقوة الله، وإذ ترى أعداءها الذين كانت مستعبدة لهم، وقد هلكوا أمام عينيها، فإنها تفرح فرحًا لا يُنطق به ومملوء مجدًا (1 بط 1: 8) وتتعزى بالله وتستريح في الرب.
وحينئذٍ فإن الروح الذي نالته يسبح فيها تسبيحًا جديدًا لله بالدُف الذي هو الجسد، وبأوتار القيثارة الروحيَّة التي هي النفس، وبأفكار النفس السامية وبمفتاح النعمة الإلهيّة الذي يضرب على الأوتار، فترتفع التسابيح للمسيح الحي ومعطي الحياة. لأنه كما أن نفخة الفم هي التي تنطق وتتكلم حينما تسري فيها آلات النفخ، هكذا فإن الروح القدس هو الذي يسري في القديسين الذين يحملون الروح، وهو يسبح فيهم تسابيح ومزامير فيصلون لله بقلب نقي.
فالمجد لذلك الذي أنقذ النفس من عبودية فرعون وجعلها عرشًا له، جعلها بيتًا وهيكلاً وعروسًا نقية له، وأحضرها إلى ملكوت الحياة الأبديّة، وهي لا تزال في هذا العالم. وبحسب الناموس كانت الحيوانات غير العاقلة تُقدم كذبائح. ولكن التقدمات لا يمكن أن تكون مقبولة ما لم تُذبح. وهكذا الآن إن لم تُذبح الخطية فإن تقدمتنا لا هي مقبولة أمام الله، ولا هي تقدمة حقيقيّة.
وعندما جاء الشعب في القديم إلى مارة (خر 15: 22) كانت هناك عين ماء تنبع ماءً مرًا، لا يصلح للشرب. فلما تحير موسى وصرخ إلى الرب، أمره الرب بأن يلقي شجرة أراه إياها، في الماء المرّ، فحينما أُلقيت الشجرة هكذا في الماء، صار الماء عذبًا، إذ تحول عن مرارته وصار مناسبًا وصالحًا ليشرب منه شعب الله. وبنفس الطريقة، فإن النفس صارت مُرّة من شرب سم الحيَّة، وصارت مشابهة لطبيعة الحيَّة المُرّة وأصبحت خاطئة.
لذلك فإن الله يلقي شجرة الحياة في داخل ينبوع القلب المُرّ فيتحول القلب من مرارته، ويصير حلوًا باتحاده بروح المسيح. وهكذا يصير نافعًا جدًا ويذهب في خدمة سيده لأنه يصير لابسًا للروح. فالمجد لذلك الذي يحوّل مرارتنا إلى حلاوة الروح وصلاحه. والويل لمن لا تُلقى فيه شجرة الحياة، فإنه لا يستطيع أن يتغيّر إلى الصلاح أبدًا.
إن عصا موسى كان لها وجهان: فإنها كانت بالنسبة للأعداء حيّة تلدغ وتُهلك، وأما بالنسبة لبني إسرائيل فقد كانت عكازًا يستندون عليها. هكذا أيضًا، فالخشبة الحقيقيّة، خشبة صليب المسيح، فإن صليب المسيح إنما هو موت لأرواح الشر، وأما لنفوسنا فهو سند وملجأ أمين فيه نطمئن ونستريح.
إن الرموز والظلال في العهد القديم كانت تشير إلى الحقائق الحاضرة لأن خدمة العبادة القديمة كانت ظلاً وصورة للعبادة الحاضرة. فالختان، والخيمة، والتابوت، والمن، وقسط المن، والكهنوت والبخور، والغَسْلات، وباختصار كل ما كان يُصنع في إسرائيل وفي ناموس موسى وفي الأنبياء، إنما كان إشارة إلى هذه النفس المخلوقة على صورة الله، والتي سقطت تحت نير العبودية وسلطان ظلمة المرارة.
فإن الله أراد أن يقيم شركة مع النفس البشريّة. ويخطبها لنفسه كعروس للملك، ويغسلها ويطهّرها من كل دنس. ويجعلها بهية مضيئة بدلاً من سوادها وعارها، ويحيّيها من الموت، ويشفيها من انكسارها ويعطيها السلام ويصالحها لنفسه من بعد العداوة.
ورغم أن النفس مخلوقة، إلاَّ أن الله يخطبها عروسًا لابن الملك ويضمها إليه بقدرته الخاصة، ويغيّرها شيئًا فشيئًا وينميها ويزيدها بفيض نعمته. فهو يوسع النفس ويقودها إلى نمو وازدياد بلا حدود ولا قياس، إلى أن تصير عروسًا بلا عيب وبلا لوم تليق به.
فإنه يلد النفس فيه أولاً، ثم بنفسه ينميها بفعل نعمته، إلى أن تصل إلى قامة محبته الكاملة، فلأنه هو عريس كامل، لذلك فهو يأخذها كعروس كاملة له إلى شركة العرس المقدسة، الشركة السرّية الطاهرة، وحينئذٍ فإنها تملك معه إلى أبد الدهور آمين.
المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح
المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس
القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس