” وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا، ووضع هناك آدم الذي جبله ” ( تك 2: 8 ).
ليتنا نفكر الآن يا أصدقائي في طبيعة الفردوس، الذي يعتبر منحة من الله، هذا الفردوس الذي يعكس أسلوب وإرادة الخالق العظيم، فقد كتب: ” وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة ” ( تك 2: 9 ).
لقد أراد الله أن يكون الإنسان هو وحده متفوقا على كل شكل من أشكال الحياة الأخرى، والمكان الذي هيأه الله للإنسان، والذي خلق فيه كل شيء آخر من أجله، أراد الله أن يجعله بارع الجمال، أرضاً مرتفعة لا يمكن أن يُحجب نورها، فكان ذا جمال رائع في آمان تام، وكان بهاؤه يتألق ببريق يفوق كل شيء وينتشر شعاع ضوئه مثل نجم ساطع، فالمكان الذي غرس الله الفردوس فيه لا توجد فيه رياح عنيفة أو طقس موسمي.
كما حافظ فيه على اتزان الحرارة، فلا تكون هناك زوابع ملتهبة أو ريح ثلجية أو عواصف رعدية عنيفة، فلا صيف حار، ولا خريف جاف، بل تناسب تام بين كل الفصول، يتعاقب كل فصل وراء الآخر بهدوء، وكل فصل له عطاياه المفرحة، وكانت الأرض مخصبة غنية تفيض لبنا وعسلاً، وتنتج أثماراً يانعة مختلفة، ومحاطة بمياه عذبة شفافة جميلة، تعطى سروراً للعيون، وتمنح الحياة بالحقيقة ” كان نهر يخرج من عدن ليسقى الجنة ” ( تك 2: 10 ).
قصد الله من خلقة الإنسان:
” وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حية، وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاً، ووضع هناك آدم الذي جبله ” ( تك 2: 7، 8 ).
لقد خلق الله آدم، ثم في نفس اللحظة خلق الفردوس، وأدخل آدم إليه، حتى لا يخلق البشرية في عوز وفقر، لقد خلق الكمال منذ البداية، ثم أدخل الإنسان فيه، حتى يعرف الإنسان الفرق بين الحياة في الخارج والحياة التي تحدث في داخل الفردوس، فيدرك تفوق جمال الفردوس، وعاقبة السقوط والطرد منه.
” وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن، ليعملها ويحفظوها ” ( تك 2: 15 )، لابد أن نفكر في كلمات هذه الآية، وتقارنها بكلمات الرب يسوع المسيح له المجد لتلاميذه القديسين: ” أنا الكرمة وأنتم الأغصان ” ( يو 15: 5 ) وتعنى هذه الآية أنهم زُرعوا بيد الله، فينبغي أن نبدأ في النمو في بيت الرب ونمتلئ بالثمار في بيت إلهنا ” مغروسين في بيت الرب، في ديار إلهنا يزهرون “
(مز92: 13)، قال أيضا داود النبي ” طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار….. فيكون كشجرة مغروسة عند مجارى المياه، التي تعطى ثمرها في أوانه، وورقها لا يذبل ” ( مز 1:1-3).
لقد كوّن الله المكان الذي يلائم استقبال البشرية، وغرس فيه كل نوع من الأشجار الجميلة، لتفرح قلب الإنسان. كيف أضع أمام عينيك جمال مسكنك الذي طردت منه، فتشعر ليس بالحزن فقط، بل بالحنين إلى كل شيء فقدته، فتتذكر الجمال والسعادة التي كانت هناك، التي لم تختلط بالألم والتعب.
أما الآن في أرض الشقاء التي طُردنا إليها، فإن الزهور تخفى داخلها أشوكاً، فتشعر بالسعادة مع الألم، وذلك يرينا أن السعادة في هذا العالم دائماً ممزوجة بالألم، فلا توجد سعادة كاملة على الأرض، لأنها سرعان ما تشتبك مع الأحزان، الزواج مع الترمل، جلب الأطفال مع المتاعب، الولادة مع الموت، الشرف العظيم مع العار العظيم، الصحة مع المرض.
عندما أنظر إلى الظهور أحزن، لأن كل وقت أرى فيه زهرة أتذكر خطيتنا التي سببت فساد الأرض حتى أنبتت شوكاً وحسكاً بل إن الزهرة ينتهي جمالها في وقت قصير جداً، فتتركنا ونحن مازلنا نشتاق إليها، ومن اللحظة التي نقطفها فيها تبدأ تموت بين أيدينا. ولكن في الفردوس كانت الزهور يانعة طوال السنة، ورائحتها الزكية لا تتلاشى، وجمالها البراق لا يزول، فهي تبقى جميلة إلى الأبد.
فجمال الزروع كلها يعكس عمل وإبداع الخالق العظيم، فالأغصان الكبيرة والصغيرة تحمل الثمار، سواء ذات الفرع الواحد أو ذوات الأفرع الكثيرة، وأوراقها خضراء جميلة، وتظل خضراء يانعة طوال السنة، حتى التي لا تحمل أثماراً فهي تعطى بهجة وسروراً، ولو قارناها بأي شيء في هذا العالم فمقارنتنا لن تكون كافية لتوصلنا إلى الصورة الحقيقية، فكل شيء هناك هو كامل ومتكامل،
” ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسنا جداً ” ( تك 1: 31 ).
ففي الفردوس كانت هناك جميع الطيور الجميلة، بريشها البديع بكل أشكاله وألوانه، وتغريدها العذب، فتنعش كل الحواس، ومع الطيور كانت كل أنواع الحيوانات تعيش في سلام وانسجام مع بعضها البعض، فلم يكن الثعبان موضع رعب، ولكنه كان أليفا لا يؤذى، ولم يكن يزحف على الأرض على بطنه، بل كان قائماً يتحرك على أرجله، وجميع الحيوانات التي نعتبرها الآن متوحشة وعدوة للإنسان كانت في هذا الوقت أليفة ورقيقة.
في هذه البيئة وضع الله الإنسان الذي خلقه، ” وأخذ الرب الإله آدم، ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها ” ( تك 2: 15 ). فقد خلق الله آدم في مكان ثم أدخل إلى الفردوس، وبنفس الطريقة خلق أولاً النور ثم ثبته في السماء، خلق الإنسان من الطين، ثم وضعه في الفردوس.
في الحقيقة قد أبهجتك بوصفي سعادة الفردوس، ولكن شرحت لك في نفس الوقت الحياة الممزوجة بالألم هنا في هذه الأرض، وبالتأكيد سوف يدرك عقلك مقدار المقارنة، ويشتاق إلى مسكنه الحقيقي ويحاول أن يحصل على هذه السعادة التي وعدنا بها الوحي قائلاً: ” ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه ” ( 1كو 2: 9 ).
ولكن من يستطيع أن يعرف ما لم تره عينه أولاً، وما لم تسمعه أذنه أولاً؟، لأن كل شيء ندركه بالحواس لابد أن يُطبع في الذاكرة، ولكننا عندما نشرح ونصف الفردوس بالطريقة الجسدية التي أشرنا إليها سابقاً، فأننا نستطيع أن نحس روحياً بواسطة الرموز مقدار جمال هذا المكان، لأنه كُتِبَ ” وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا ” ( تك 2: 8 ).
فنجد أنه لم يخبرنا بكل شيء عن هذا المكان، ولكننا نستطيع أن نقول أن “عدن” هي السعادة أو “المتعة”، من أجل هذا لعلك تستطيع أن تعطى صورة للفردوس في عقلك حيث النور الإلهي، والسعادة الروحية، فإنك لو تخيلت مكاناً على الأرض يعيش فيه القديسون، متألقين بنور فضائلهم، ويتمتعون بنعمة الله، ويعيشون في حياة هادئة بالحق والعدل والسعادة، فهذا المكان لن يكون بعيداً عن الصورة المنطقية للفردوس.
السعادة الحقيقية:
ولكن ما هي هذه السعادة التي نقصدها؟ أهي الأطعمة التي تدخل الفم وتصل إلى المعدة وتخرج وتنتهي؟ أهذه العطية وهبت لجنس البشر بإحسانات الله، لكى تكون هناك معدة ممتلئة وجسم ممتلئ صحة، وشهوات وقتية؟ أهذا هو ما لا نستطيع أن نعبر عنه بالكلمات؟ هل السعادة الحقيقية هي أن نتكبر بقسوة ونطلب أن نسّمن أجسادنا، ونغرق نفوسنا في ارتكاب الخطايا والشهوات؟ لابد أن نعرف أن هذه كلها، هي بعيدة تماما عن السعادة، وبعيدة عن المعنى الذي من أجلها خلقها الله.
إذن ما هو نوع هذه السعادة التي تتفق مع الفضيلة والقداسة، ومع قصد الخالق العظيم ؟ .
في الفردوس تجد هناك الجموع الكثيرة من الملائكة الأطهار القديسين، وهناك الأساس المتين لكل الفضائل الروحية، هناك التسبيح الدائم وثماره النقاوة والطهارة، وهناك نهر ماء الحياة، نهر الله، الذي من عرشه تنبع المياه التي تبهج مدينة الله، التي صنعت وشيدت بالله ” نهرا صافياً من ماء حياة، لامعا كبلور، خارجاً من عرش الله والخروف ” ( رؤ 22: 1 ).
هذا النهر هو الذي ينبع من عدن ( السعادة الحقيقية ) ويروى الفردوس ” وكان نهر يخرج من عدن ليسقى الجنة ” ( تك 2: 10 )، هذا هو نهر التمتع الدائم برؤيا الله، والشبع الكامل بالتأمل في مجد المسيح وجماله، وفى سلامنا الدائم من أجل تواجدنا في حضرته.
هذه كلها أرشدت القديسين، ولابد لكل المؤمنين أن يقوموا بتداريب روحية صارمة، حتى يصلوا إلى حياة الكمال، هذه التي أرادها الله لكل سكان الفردوس.
عندما تفكر في هذا، ستشكر الله صانعها الذي خلق كل هذا لأجل سرورك، وبذل كل جهد حتى يجعلك مستحقا لها. وعندما تتجه إليه، حينئذ سيستنير عقلك وستفهم أساس خلقتنا، ومصير آخرتنا، له المجد إلى الأبد أمين.
لكتابات الآباء في تفسير الكتاب المقدس أهمية خاصة ولاسيما في توضيح العقيدة الكتابيّة السليمة، وطريقة تعاملهم مع الفصل الكتابيّ باعتباره وحدة واحدة لا تتجزأ، فلا يمكن فهم آية أو فصل كتابيّ منفصلاً عن باقي الكتاب المقدس كعادة الهراطقة، فالتفسير الصحيح للكتاب المقدس مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة السليمة.
كذلك نجد ارتباطاً بين الكتاب المقدس وحياة الآباء، الذين عاشوا الإنجيل في صلواتهم وتسابيحهم وليتورجايتهم كحياة، وليس كطقس جاف، حسب قول معلمنا بولس الرسول: “فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيِل الْمَسِيحِ” (في 27:1)..
كما أنهم لم يتعاملوا مع الإنجيل ككتاب فلسفة أو كتاب أدبيّ لكنهم عاشوه روحاً وحياة، لقد حفظوا الوصية “إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فِاحْفَظُوا وَصَايَايَ” (يو 15:14)، لكن الحفظ لم يكن فقط عن ظهر قلب ولكنهم حفظوها وعملوا بها، وهذا ما لم يستطعُ الشاب الغنيّ صنعه، فما أن قال السيد المسيح “يَعُوزُكَ أَيْضاً شَيْءٌ. بعْ كُلَّ مَا لَكَ وَوَزِّعْ عَلَى الْفُقَرَاء فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي الْسَمَّاءِ وَتَعَاْلَ اتْبَعْنِي” (لو 22:28) إلاّ وقد مضى حزيناً لأنه حفط الوصية نظرياً وليس عملياً.
مكانة الكتاب المقدس عند الآباء:
†الكتاب المقدس هو صوت الله:
الكتاب المقدس كَتَبه أُناس الله القديسين بوحي من الروح القدس الذي دفعهم وحثهم على الكتابة، ألهمهم بالموضوع وعَصمَهم من الخطأ، فيقول معلمنا بولس الرسول: “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحي بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعلِيمِ والتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ” (2تي 16:3)، فيقول بابياس ” إن الكلمة المكتوبة حَلّتْ محل صوت الآباء” كما يقول القديس إيريناؤس “إن الكتب المقدسة كاملة، إذ هي صادرة من الله وروحه، حتى وإن عجزنا عن إدراك أسرارها”.
كذلك يقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: “في كلمات الكتاب الرب هناك”، كما يعطي الطريقة الصحيحة لفهم أقوال الله وهي الأعمال الصالحة وتهيئة الذهن وتنقيته، لذلك يقول “إن دراسة الكتب المقدسة ومعرفتها معرفة حقيقية تتطلبان حياة صالحة ونَفْساً طاهرة وحياة الفضيلة التي بالمسيح، ذلك لكي يستطيع الذهن باسترشاده بها أن يصل إلى ما يتمناه، وأن يدرك بقدر استطاعة الطبيعة البشرية ما يختص بالله الكلمة”[1].
يقول العلاَّمة أوريجانوس: “بالنعمة الإلهيّة ينصح الله سامعيه، سواء عن طريق الكتاب المقدس كله أو عن طريق المعلمين”[2].
يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم” “في الكتب المقدسة لن نتردد مثقال ذرة أو نقطة، إنما يلزمنا أن نبحث كل شيء، فأن الروح القدس الذي نطق بالكل، وليس شيء من المكتوب جاء بغير فائدة”[3].
ويقول القديس أثناسيوس الرسوليّ: “أن تعليم الحق يكون أدق ما يمكن حينما نستمده من الكتاب المقدس وليس من مصادر أخرى”[4].
يقول القديس أمبروسيوس: “بأننا نكلّم الله حينما نصلي، وهو يكلمنا عندما نقرأ الكتاب المقدس، نكلمه في صلاتنا، ونستمع إليه عندما نطالع أقوال الله”[5].
†ضرورة قراءة الكتب المقدسة:
حياة الآباء وكتاباتهم كانت إنجيلاً معاشاً، فكل – أب لكونه عضواً في جسد المسيح – عاش الإنجيل واهتم به، حيث كان يسبق قداس المؤمنين قراءات من الأنبياء والرسل والمسيح “الأناجيل”، ثم الإفخارستيا وذلك ماوصفه يوستين الشهيد في القرن الثاني الميلاديّ[6].
يقول القديس بوليكاربوس أسقف أزمير في رسالته إلى فيليبي: “إنني واثق بأنكم درستم جيداً الكتب المقدسة ولذلك لا يُخفَى عليكم شيء” (فيلبي12). يَتضح لنا من خلال أقواله، أن الشعب على درايةِ تامةِ بالأسفارِ المقدسةِ، وأن الكتابَ المقدسَ هو مَنبعُ المعرفةِ الحقيقيةِ حيث يفترض الآباء عند عظاتهم حفظ الشعب لقطع كبيرة من الكتاب المقدس..
كذلك نجد القديس أيرونيموس يطالب الأطفال بحفظ المزامير وحفظ قطع من الكتاب المقدس[7]، كما نجد القديس يوحنا ذهبيّ الفم يوبخ شعبه على عدم اكتراثهم بالكتاب المقدس قائلاً: “أخبروني، إن سألتُ أحد الحاضرين أن يتلو مزموراً واحداً أو جزءاً من الكتب المقدسة عن ظهر قلب، هل أجد مَن يقدر؟ لا أجد..”[8].
جاء في حديث يوستينوس الشهيد مع تريفو الثاني على لسان تريفو: “إنني واعٍ إلى تعاليمك الأخلاقيّة فيما يُسمَّى بالإنجيل، فهي رائعة وعظيمة جداً، إنني أظن أنه لا أحد يستطيع اتباعها، ولكنني قرأتُها بعناية”[9].
القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ يتحدث عن قراءة الإنجيل يومياً قبل الوجبة الرئيسية، كما طالب الزوجين أن يدرساه معاً كل يوم.
يقول العلاّمة أوريجانوس في ختام عظته الثانية على سفر إرميا: “فلنجمع على قدر ما نستطيع كلمات الكتاب المقدس ولنضعها بأمانة في قلوبنا، ولنحاول أن نطبقها في حياتنا حتى نكون أطهار قبل موعد رحيلنا، فإذا ما أعددنا أعمالنا بما يتناسب مع هذا الرحيل، فسوف نكون مستحقين أن نُحسب مع الأبرار[10]
ونستحق الخلاص بالمسيح يسوع الذي له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين آمين”[11]، وفي العظة الرابعة على نفس السفر يقول: “إن التوبة الحقيقية إذاً هي أن نقرأ الكتب القديمة (أي كتب العهد القديم)، ونعرف مَنْ هم الأبرار ونتمثل بهم، ونعرف مَن هم الخُطاة ونتحاشى السقوط في أخطائهم، أن نقرأ كتب العهد الجديد وكلام الرسل وبعد القراءة نكتب ما قرأناه في قلوبنا ونطبقه في حياتنا حتى لا يُعطَى لنا نحن أيضاً كتاب طلاق، ولكن حتى نستطيع أن نبلغ إلى الميراث السماويّ”[12]
أي أن الكتاب المقدس هو جوهر ونبراس حياتنا وقائدنا في استحقاقات الخلاص.
يقول القديس أثناسيوس الرسوليّ في رسالته لصديقه مرسلينوس: “عرفت من حامل الرسالة أنك تصرف وقتك في قراءة الكتاب المقدس كله ولا سيما سفر المزامير. وإني أمتدحتك لإني أنا أيضاً مثلك أجد لذَّتي العُظمى في قراءة المزامير بل والكتاب كله أيضاً”[13].
يقول القديس باسيليوس الكبير في رسالة إلى صديقه إيويتاثيوس في سباستيا: “أول كل شيء فعلتهُ لأُصلح مساري القديم في الحَيَاة هو: إنني أختلط بالفقراء، وأمكث أقرأ في الكتاب المقدس”[14].
كذلك ينصح القديس جيروم المؤمنين: “بعودتهم المتواترة إلى قراءة الكتب المقدسة، لأنه يجهل المسيح مَنْ يجهل هذه الكتب”[15].
ويتكلم القديس مقاريوس المصريّ في (العظة46) عن الذين يسمعون ولا يعملون فيقول: “إن الإنسان العالميّ الذي تملكته الرغبات الجسدية إذا حدث أن سمع كلمة فأنه يختنق ويصير كمَن لا عقل له، وذلك لأنه اعتاد على خداعات الخطية”، ويقول أيضاً في (العظة39) عن الذين يسمعون ولا يعملون بالكلمة “كما أن الملك يكتب رسائل لأولئك الذين يشاء أن ينعم عليهم بعطايا ومواهب خصوصية، ويقول لهم بادروا بالمجيء إليّ سريعاً لتنالوا مني الهبات الملوكية..
فإذا لم يذهبوا ويأخذوها فإن مجرد قراءة الرسائل لا تفيدهم شيئاً، بل بالعكس يكونون مُعَرّضين للموت لأنهم رفضوا أن يأتوا لينالوا الكرامات من يد الملك، هكذا الله الملك الحقيقيّ قد أرسل الكتب المقدسة منه للبشر، وهو يُعلن عن طريقها للناس أنهم ينبغي أن يأتوا إلى الله ويدعوه بإيمان ويسألوا ويأخذوا الموهبة السماوية من اللاهوت نفسه، ولكن أن لم يأتِ الإنسان ويسأل وينل، فإنه لا يستفيد شيئاً من قراءة الكتاب، بل بالأحرى يكون في خطر الموت، لأنه لم يرِدْ أن يأخذ عطية الملك السماويّ، التي بدونها لا يمكن الحصول على الحَيَاة الأبدية”..
وهذا ما عبر عنه القديس إيلاري قائلاً: “أن الكتاب المقدس ليس بقراءته بل بفهمه”[16]، كرَّر هذا القول أيضاً القديس جيروم[17]، كما يقول القديس أغسطينوس أيضاً عن الوعاظ الذين لا يعملون بكلمة الله: “واعظاً باطلاً في الخارج لكلمة الله مُن لا يُصغي لها في الداخل”[18].
من الأمور الهامة التي أهلّتْ البابا بطرس خاتم الشهداء (قبل أن يجلس على كرسيّ مارِمرقس) لرئاسة مدرسة الإسكندرية، أنه عرف كيف ينسحب من حين لآَخر عن العمل الكهنوتيّ للدراسة في الكتاب المقدس، حتى تأهل أن يكون مديراً لمدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة[19]، كما استحق لقب “المعلّم البارع في المسيحية”[20].
يقول يوحنا الدمشقيّ:
“يحسن ويفيد جداً البحث في الكتب الإلهيّة، فمثل الشجرة المغروسة على مجاري المياه، النفس المرتوية من الكتاب الإلهيّ، فتتغذى وتأتي بثمر ناضج، أعني الإيمان المستقيم، وتزهو بأوراقها الدائمة الاخضرار، أعني بها أعمالها المرضية لله، ونحن إذا سرنا على نور الكتاب المقدس نخطو في طريق السيرة الفاضلة والاستنارة الصافية، فنجد فيها مدعاةً لكل فضيلة ونفورا من كل رذيلة … فلنقرع باب الكتب المقدسة، الفردوس الأبهى الذكيّ الرائحة، الفائق العذوبة الجزيل الجمال، والمُطرب آذاننا بمختلف أنغام طيوره العقلية اللابسة الله، النافذ إلى قلبنا فيعزيه في حزنه ويريحه في غضبه ويملأه فرحاً لا يزول”[21].
ينصح القديس كيرلس عمود الدين بقراءة كتب تفسيرية مُعينة فيقول: “أعتقد أن الذين يدرسون الأسفار المقدسة، يمكنهم الإستعانة بكل الكتابات الأمينة والصالحة الخالية من الأخطاء، وهكذا يجمعون أفكار الكثيرين في وحدة واحدة لخدمة الرؤيا وإدراك الحق، هؤلاء يرتفعون إلى مستوى جيد من المعرفة ويتشبهون بالنحلة أو المرأة الحكيمة النشيطة التي تجمع شهد العسل الذي للروح القدس”[22]، كذلك يُوصي بأن تستمر الكنيسة في تفسير الكتب المقدسة، فيقول “على المرء أن يفسر الكتب المقدسة حتى ولو سبقه آخَرونَ”[23].
اقتبس الآباء كثيراً من الكتاب المقدس ولا سيِمّا العهد الجديد، أمثال القديس أكْلِمَنْضُس الرومانيّ والقديس بوليكاربوس أسقف أزمير والقديس أغناطيوس الأنطاكيّ وهرماس صاحب كتاب الراعي، لدرجة أن قال ج. هارولد جرينلي: “إن هذه الاقتباسات واسعة جداً لدرجة أن العهد الجديد يمكن إعادة تكوينه منها دون استخدام مخطوطاته”[24]، فلو فرض أن ضاع أحد أسفار الكتاب المقدس لأمكننا أن نعيد كتابته من الاقتباسات الكثيرة الواردة في كتابات الآباء الأولين.
† فاعلية كلمة الله في حياتنا:
كلمة الله لها فاعلية في حياتنا فيقول الله: “هَكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجِعُ إِلَيَّ فَارِغَةً بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ” (إش 11:55)، فهي تقدس النفس وتُنقيها “أَنْتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ” (يو 3:15)، فمن الفروق الهامة بين الفلسفة الأخلاقيّة وتعاليم ووصايا المسيحيّة، أن الفلسفة الأخلاقيّة تقف عند حد النصيحة مع توضيح إيجابيات الفضيلة، وسلبيات الرزيلة، بينما وصايا الإنجيل مُعَضّدة بقوة إلهية، فيقول معلمنا القديس بولس الرسول: “لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالِةٌ وَأَمْضَى مِنْ كلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَق النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ” (عب 12:4)، كذلك نصلي في ليتورجية المعمودية قائلين: “أيها السيد يسوع المسيح، الذي طأطأ السموات ونزل إلى الأرض، الذي يُحطم كلامه الصخور أكثر من السيوف..”[25].
كما نجد أن القديس أكْلِمَنْضُس السكندريّ يتناول دور الكتاب المقدس وفاعليته كمصدر تعليم وتدريب في حياتنا قائلاً: “مُقدَسةٌ هي هذه الكتب التي تُقَدِس …ليس إنسان هكذا يتأثر بنصائح أيّ قديس من القديسين كما يتأثر بكلمات الرب نفسه محب البشر، لأن هذا هو عمله الوحيد خلاص الإنسان، لهذا يحثهم على الخلاص ويفرح …الإيمان يقودك فيه، والتقليد يعلمك، والكتاب المقدس يُدرِبك”[26].
كذلك من خلال عظات القديس يوحنا ذهبيّ الفم يوضح أن الإنجيل كالنسيج الذي يتخلل كل تفاصيل الحَيَاة، ففي إحدى عظاته عن الكتاب المقدس يقول: “لقد سمعتم الصوت الرسوليّ أن بوق السماء هو قيثارة الروح، نعم إن قراءة الكتاب المقدس هي روضة.. هي فردوس لا يقدم زهوراً عطرة فقط بل وثماراً تقدر أن تقوت النفس، نحن نشبه أناساً يصهرون ذهباً مستخرجاً من المناجم لا بإلقائه في فرن، بل إيداعه في أذهانهم، لا بإشعال نار أرضية بل بالتهاب الروح”[27]
ويقول أيضاً: “طوبى للرجل الذي في ناموس الرب مسرته، وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً، لأن مَن يجلس قرب ينبوع الكتاب المقدس مرتوياً من مياهه على الدوام يتقبل في نفسه ندى الروح القدس”، كما يُشبّه الكتاب المقدس بالأنهار التي لا نعرف أعماقها، فيقول: “يكفينا أن نميل ونشرب منها ونرتوي ونبحر فيها عوض أن نُفسد أذهاننا في قياس أعماقها بينما نحن نموت ظمأً”[28].
كذلك يقول أيضاً “كلمة واحدة من الكُتب الإلهيّة هي أكثر فاعلية من النار! إنها تُلَيّن النفس وتُهيئها لكل عمل صالح”[29]، كما يقول أيضاً “معرفة الكتب المقدسة تُقوي الروح، وتنقي الضمير وتنزع الشهوات الطاغية، وتعمق الفضيلة، وتتسامى بالعقل، وتُعطي قدرة لمواجهة المفاجآت غير المنتظرة، وتحمي من ضربات الشيطان، وتنقلنا إلى السماء عَيْنِها، وتحرر الإنسان من الجسد، وتهبه أجنحة للطيران”[30].
القديس باسيليوس الكبير يصف الكتاب المقدس بالمرشد الحقيقيّ، فيقول: “إن أفضل مرشد إلى الطريق الصحيح تستطيع أن تجده، هو دراسة الكتاب المقدس بجدية، وفيه نجد الأساس الذي يبني حياتنا، ففيه حياة الشخصيات العظيمة التي عاشت مع الله، وهي تشجعنا للاقتداء بها”[31].
يقول القديس أُغسطينوس: “ومن أجل ذلك يجب أن نخضع، وأن نقبل سلطان الكتب المقدسة التي لا يمكن أن تخدع أو تُخدّع، يُخبرنا بوسيدوس – تلميذ القديس أُغسطينوس الذي دوّن سيرته – أن القديس أُغسطينوس كَتَبَ مزامير التوبة وثبتها أمامه على الجدار وكان يقرأها والدموع تنحدر بغزارة من عينيه”[32].
يقول القديس ثيئوفيلس (القرن الثاني): “وصوت الإنجيل مازال يٌعلّم بإلحاح فيما يتعلق بالطهارة قائلاً: ” وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةِ لِيَشْتهِيَهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ”[33].
لأهمية الكتاب المقدس، قام الآباء بترجمات الكتاب المقدس للاتينية وللسريانية وللقبطية التي قام بها بنتيوس في منتصف القرن الثاني، كما تزيد عدد النسخ المخطوطة للعهد الجديد عن أربعة آلاف نسخة وهي أكثر من أيّ كتاب في العالم.
ظهرتْ كتبٌ الأناجيل والرسائل لبابيوس، أكْلِمنْضُس السكندريّ، أوريجانوس، القديس ديديموس الضرير، القديس باسيليوس الكبير، القديس كيرلس عمود الدين والقديس يوحنا ذهبيّ الفم.
[1] – تجسد الكلمة – ترجمة د. جوزيف موريس – 2003 – الفصل 57 – ص 167.
القديس باسيليوس الكبير: حياته – مؤلَّفاته – لاهوته
إعداد الأب باسيليوس الدبس
حياته
ولد القديس باسيليوس في قيصرية كبادوكية[1] سنة 330م. من عائلة وجيهة أرستقراطية .جدّه لأبيه كان يدعى باسيليوس ، ترك كلّ أملاكه الواسعة وأمواله للحفاظ على إيمانه في عهد الإمبراطور ديوكليتيانوس. أبوه كان أستاذ الخطابة في قيصرية وجدّته لأبيه هي مكرينا التي كانت تلميذة غريغوريوس صانع العجائب.
أمّه أماليا كانت أيضاً من عائلة أرستقراطية . إحتمل أبوها العذاب والإضطهاد وأخوها كان أسقفاً قي قيصرية كبادوكية(حالياً قيصرية تركيا) . كان لأب باسيليوس تسعُ أولادٍ[2]، خمسُ بناتٍ وأربعةُ ذكور. كرّس معظمهم حياته لخدمة الكنيسة . نعرف من بين الذكور : باسيليوس ، غريغوريوس ، بطرس ، نافكراتيوس[3]، ومن البنات نعرف القديسة مكرينا أخته.
قضى جزءاً من طفولته في ممتلكات أبيه في البنط قرب نهر إيريس [4]، كان أبوه الأستاذ الأوّل ولكن بعد وفاته سنة 345م نزل باسيليوس إلى قيصرية كبادوكية لمتابعة دراسته هناك ، حيث تعرّف إلى صديقه القديس غريغوريوس اللاهوتي، ثم أنتقل إلى القسطنطينية ثم إلى أثينا[5] التي كانت مركزاً في العلم والثقافة حيث كان صديقه غريغوريوس قد سبقه إليها.
أمضى باسيليوس ما يقرب الخمس سنوات في أثينا وهناك توطدت بينه وبين غريغوريوس أواصر الحب والأهداف الروحية حتى أن غريغوريوس نفسه يقول أنهما كانا روحاً واحداً في جسدَين وفي مكان آخر يقول غريغوريوس :”عرفنا شارعَين في المدينة ، الأوَّل يؤدّي إلى الكنائس والمذبح والثاني إلى الجامعة ومعلمي العلوم. أما الشوارع التي تؤدي إلى المسارح والملاعب والأماكن غير المقدسة فتركناها لغيرنا”.وفي أثينا تحلّق حولهما عدد من الطلاب فألّفوا أوّل رابطة طلابية مسيحية في العالم.
في عام 355 وصل إلى أثينا تلميذاً آخر وهو يوليان (صار فيما بعد إمبراطوراً ) لمتابعة دروسه ، كان الأمير الشاب على علاقة وثيقة بباسيليوس واعتاد أن يدرس معه ولكنه تأثر بالوثنية حتى صار يعرف بإسم “الجاحد” .
ظهرت عبقرية باسيليوس في دراسته حتى أن غريغوريوس يقول أنه كان بارعاً في كل فرع من فروع العلم كما لو كان متخصصاً فيه وحده. بعد إنتهاء دراسته عاد سنة 356 إلى وطنه أما غريغوريوس فبقي في أثينا لوقت قصير يعلِّم الخطابة والبلاغة. وفي كبادوكية حرَّك مسلك أخته وأمّه دعوته الروحية فهما قد حوّلتا منزل الأسرة ليكون منسكاً وسط الطبيعة الهادئة فجذب هذا المنسك عدداً من النساء .
أخذ باسيليوس يدرس الكتاب المقدس فوجد فيه نوراً يختلف عن نور المؤلفات الوثنية فإعتمد، وقرر أن يبحث عن النساك المشهورين ليقتدِ بهم، فزار مصر وسوريا وأنطاكية وبلاد ما بين النهرين وعندما عاد إلى قيصرية كبادوكية رُسم شماساً وشارك في مجمع القسطنطينية سنة360م.
لكنه لم يبقَ في قيصرية بسبب إنزعاجه من اسقفها الآريوسي ، ثم باع كل ما يملكه ووزعه على الفقراء والمحتاجين ونسك أولاً في ممتلك لغريغوريوس صديقه ولكنه عاد واختار منطقة في بلاد البنط لما تمتاز به من جمال طبيعي خلاّب وربما فعل هذا لإستمالة صديقه غريغوريوس فكتب اليه واصفاً المكان قائلاً:
“أرشدني الله إلى منطقة تتفق تماما واسلوبي في الحياة أنها حقاً ما كنّا نتوق إليه في أحلام يقظتنا ، فما كان يظهره الخيال لي بعيداً أصبحت أراه أمامي ، جبلٌ عالٍ تكسوه غابة كثيفة ترويها في الشمال جداول دائمة الجريان وعند سفح الجبل يمتد سهل فسيح كثير الفاكهة بسبب الرطوبة ، أما الغابة المحيطة التي تتنوّع فيها الشجار وتزدحم فهي تعزلني في قلعةٍ حصينة”.
حتى أنه يرى حكمة الله وراء هذا الجمال فيقول :” إذا كنت في حدود الليل تتأمل النجوم وجمالها الأخّاذ فأنك ترى الفنان الذي صمَّمَها وترى الذي زيّن السماء بهذه الورود ، وإذا كنت في الصباح المبكر فأنك تتعلم الكثير عن عجائب النهار . فمما هو منظور تصل إلى اللامنظور”.
أما عن طعامه فأنه ما كان يتناول إلاّ ما هو ضروري لسدّ رمقه.ولم يكن ذلك الطعام سوى الخبز والماء يقول غريغوريوس أخوه أنه كان يقمع جسده فيعامله كما يعامل سيدٌ غضوبٌ عبداً هارباً.
أليس هو الذي قال ؟:” هذا ما يليق بالراهب : التمسكن،عقل منخفض، نظر مطرق إلى الأرض، وجه مقطّب ، لباس مهمل، ثوب وسخ حتى يكون حالنا كحال النائحين الباكين، ثوب بقدر الجسد لأن الغرض منه شيء واحد هو ستر الجسد من الحر والبرد… كذلك الطعام خبزة واحدة تسدّ الجوع ، والماء ليروي ظمأ العطشان” [6]. مع أنه كان يشدد كثيراً في قوله :” إن الصوم الحقيقي هو سجن الرذائل ، أعني ضبط اللسان، وإمساك الغضب وقهر الشهوات الدّنسة”[7].
زاره صديقه غريغوريوس فبقي بقربه سنة ونصف وهناك أنصرفا إلى دراسة الكتب اللاهوتية دراسة عميقة ونسّقا كتاب الفيلوكاليا وعملا معاً على تنظيم الحياة الرهبانية وتحلّق حول باسيليوس عدد كبير من مريدي الرهبنة فوضع لهم القانون الكبير والصغير ولذلك اشتهر باسيليوس بأنه منظِّم الحياة الرهبانية في الشرق وفي ذلك الوقت سمع أن اسقف قيصرية قَبِل قانون الإيمان الآريوسي فترك وحدته لإقناعه بالإيمان النيقاوي فعاد الأسقف عن الدستور الآريوسي وهو على فراش الموت .
ثم أقنعه صديقه غريغوريوس بالذهاب إلى قيصرية للعمل مع الأسقف افسافيوس ففعل ولكن سرعان ما نشب الخلاف بينهما لأن باسيليوس اكتسب شهرة واسعة فثار حسد الأسقف وأنتهى الأمر إلى القطيعة فعاد باسيليوس إلى منسكه لوقت قصير.
وفي هذا الوقت كتب ضد الإمبراطور يوليان الذي تمسك بالوثنية ولما التقى في الشرق الإمبراطور فالنس كثر الخطر على الأرثوذكسية فطالب الشعب بعودة باسيليوس وبعد عدة محاولات تم التوفيق بينه وبين الأسقف فاستخدم باسيليوس كل علمه وفصاحته لإحباط الآريوسيين ولكن الاحتياجات اللاهوتية لم تمنعه من تكريس عمل اجتماعي مهم فمن المحتمل أن المؤسسة العظيمة”الباسيلية” التي أقامها في ضواحي قيصرية لعلاج المرضى وإراحة المسافرين وإعالة الفقراء وضع تصميمها في أواخر سنوات كهنوته .
ومن ابرز حوادث تلك الفترة هي المجاعة التي اجتاحت كل الإقليم سنة 368 فلم يكتفي بحثِّ الأغنياء والتجار على الرحمة بل باعَ ممتلكاته التي آلت إليه بعد وفاة أمّه ووزعها على المحتاجين . وفي منتصف سنة 370 توفى افسافيوس فطالب به معظم المؤمنين اسقفاً لكن معارضيه كانوا من الأساقفة الآريوسيين وبعض المؤمنين الآريوسيين وكان لأسقف نزينـز دور مهم في انتخاب باسيليوس اسقفاً لأنه حضر وهو على فراش المرض إلى الدورة الإنتخابية.
وهكذا رسم اسقفاً عام 370 م [8]فبدأ عمله الصعب في مجالات متعددة فكان هناك فريق من الأساقفة الذين رفضوا الاشتراك في تنصيبه يعاملونه بكل استخفاف وصمّمت حكومة الإمبراطور على تقسيم منطقة قيصرية إلى قسمين والهدف إضعاف باسيليوس فاختيرت مدينة تيانا لتكون العاصمة الجديدة .
وهكذا طالب اسقف تيانا بتقسيم كنسي يتبع التقسيم الإداري وأن تتمتع متروبوليته بامتيازات مساوية لامتيازات قيصرية فقرر باسيليوس مقاومة هذا التقسيم وحتى يعزز موقفه رسَم صديقه غريغوريوس على سازيا وسام أخاه غريغوريوس اسقفاً على نيصّا لكن صديقه غريغوريوس هرب من المدينة بعد أن لاقى صعوبات كبيرة فذهب باسيليوس في صراع مع الإمبراطور الذي كان يعبر آسيا الصغرى مصمما على ملاشاة الإيمان الأرثوذكسي فكان مصير كبادوكية متوقفا على باسيليوس .
هدده الإمبراطور أما بالعزل أو الاشتراك مع الآريوسيين واستدعاه مودستوس الحاكم وطالبه بالخضوع وهدده بمصادرة أملاكه وبتجويعه وتعذيبه ونفيه فردَّ باسيليوس أن لا شيء من هذه التهديدات ترهبه فليس له شيء يصادر سوى قليل من الخرق وبعض الكتب أما النفي فلا يضعه وراء أراضي الله لأن الأرض كلها دار غربة أما التعذيب فلا يخيف جسماً قد مات فعلاً . فأعلن مودستوس الحاكم قائلاً له أنه لم يكلمني أحد بهذه الجرأة حتى الآن فأجابه القديس ذلك لأنك ربما لم يؤتى لك أن تواجه اسقفاً حقيقياً .
بعد التهديد لجأ الحاكم إلى الوعد لكن الوعد فشل أيضاً . وفي عيد الظهور الإلهي دخل الإمبراطور إلى الكنيسة محاطاً بالحاشية الكبيرة فرأى باسيليوس واقفاً على المذبح فلم يتحرك باسيليوس وظل جامداً كالتمثال وكان شيئاً لم يحدث .كان الوفاق ظاهرياً بين الإمبراطور وبين باسيليوس لكن القديس لم يسمح للآريوسيين بأن يشتركوا معه في الخدمة، ولذلك أقنع الآريوسيون الإمبراطور بنفي باسيليوس فأمر بنفيه .
اعدّ القديس عدَّته للرحيل لكن إبن الإمبراطور مرض مرضاً مفاجئاً وعزت أمه الأمر إلى نفي باسيليوس فأرسل الإمبراطور إثنين يتوسلان إلى القديس أن يصلي من أجل الطفل غير المعمَّد فطلب باسيليوس قبل ذهابه أن يُعمَّد الطفل على يد كاهن أرثوذكسي لكن الإمبراطور حنث بوعده وعمَّد الطفل على يد كاهن آريوسي فساءت حالة الطفل ومات في تلك الليلة .أما الإمبراطور فلم يوقع قرار النفي .
لكن الآريوسيين ظلوا يستهدفون باسيليوس فعقدوا مجمعاً في أنقره أدانوا فيه مبدأ ألـ ” OMOOUSIOS ” ” Omoousios “،” التماهي”. ولكن بسبب نشاط باسيليوس المتواصل لم يعد جسمه قادراً على تحمل الأعباء ففي سن الأربعين دعا نفسه عجوزاً وفي شتاء سنة 378 اقترب من الموت أما في سنة 379 فرقد رقدة الموت بعمر 49 سنة ودفن في قيصرية .
تعيّد له كنيستنا في 1 كانون الثاني و30 كانون الثاني من كل سنة، والكنيسة الغربية في 14 حزيران[9].
جمجمته إلى اليوم ، موجودة في دير اللافرا الكبير في جبل آثوس.[10]
مؤلفاته
جمع باسيليوس الفكر العملي إلى الدقة اللاهوتية والعقل المحلل وفي مؤلفاته يتبع طريقاً منهجياً ويستعمل لغةً نقيةً ورفيعةً جداً.يمكننا تقسيم مؤلفاته إلى :
1. دفاعية.
2. تفسيرية .
3. عقدية.
4. خطابية.
5. نسكية وليتورجية ورسائل .
الدفاعية: كتاب إلى الشباب وهو عبارة عن محاضرتين وجّههما إلى شباب كبادوكية لما منع الإمبراطور يوليان من إعطاء دروس في المدارس العامة في الفيلولوجيا( أي علم اللغة أو الكلام) والخطابة والفلسفة . رأى باسيليوس أن يتبع الطلاب المسيحيون الدروس عند الوثنيين لكن يجب عليهم أن يكونوا متيقظين. وفي كتابه هذا يجد باسيليوس أن دراسة الفيلولوجيا الكلاسيكية نافعة ولكن إلى حدّ.
فللحياة بعُدان بُعدٌ للحياة الحاضرة وبُعدٌ للحياة المستقبلة، فاللاهوت المسيحي يعلّم أيضاً عن الحياة المستقبلة لكن الشباب قد لا يفهمون هذا التعليم لذلك يجب أن ينصرفوا إلى دراسة الفيلولوجيا الكلاسيكية ويأخذوا منها ما هو حسن كما يفعل النحل بالزهر فيختارون نصوصاً تهدف إلى تدريبهم الخلقي.
تفسير ستة أيام الخلق :كتاب من 9 خطب يشرح فيها سفر التكوين من1_26 فيه يدحض النظرية الفلسفية الكونية عن أزلية الكون ووجوده الذاتي الأمر الذي يؤدي إلى الفرضية الثنائية.فيدرس الخلائق تفصيلياً ويتكلم على حدوثها (خلقها). وفي الخطبة الأخيرة يعد أنه سيتحدث عن خلق الإنسان لكنه لم يفعل ذلك .يبدأ عظته بقوله:” الله هو الذي خلق السماء والأرض.فكّر البعض أن السماء وُجدت بفعل الصدفة، وبقوة ذاتية متحركة. لكن نحن أبناء الإيمان ، فلا مجال للشك عندنا بأن سبب وجود هذا العالم هو الله وحده.
وفي الحقيقة كثرت آراء العلماء ، وتضاربت تعاليم الفلاسفة ، ولم يجمعوا في وقت من الأوقات على رأي واحد، إذ كان كل رأي ينقضه رأي آخر ويخالفه تماماً. وهكذا سقطت كل الآراء بتفاعل ذاتي وتضارب غريب”[11].
المؤلفات التفسيرية:لا شك أن كتابة (ستة أيام الخلق )يمكن أن يدرج هنا لكنه من الكتب الدفاعية .هناك خِطب أخرى تفسيرية تشرح المزامير وضعها عندما كان كاهناً .يتحدث باسيليوس في خطبته الأولى عن أهمية شعر المزامير أما في تفسيره للمزامير فيهتم في المسائل الفيلولوجية ويتوسع في المواضيع الخلقية .
هناك تفسير لسفر إشعياء 1_6 لكن يصعب علينا أن نُبدي الرأي في أصالته لأن منهجه يقترب من منهج اوريجنس الإستعاري .
المؤلفات العقائدية :
بعد أن أُبسل افنوميوس في مجمع القسطنطينية سنة 360 الذي حضره باسيليوس عندما كان شماساً وضع افنوميوس دفاعاً ينطلق من المفاهيم الأرسطية الخاصة بجوهر الكائنات ووصل إلى النتيجة التي تقول أن الجوهر الإلهي يتمثل (يصبح مماثلاً)لعدم الولادة وأن جوهر الابن المولود مخالف لجوهر الآب.
كتب باسيليوس عام 364 داحضا استنتاجات افنوميوس وفرضياته الخاصة بقدرة الإنسان في الولوج إلى جوهر الله غير المدرك.بعد أربع سنوات كتب افنوميوس دفاعاً ضد دفاع باسيليوس لكن باسيليوس كان في آخر أيامه فتولى أخوه غريغوريوس الردّ عليها .
كتاب في الروح القدس [12]أنه أهمّ أعمال باسيليوس الآبائية استخدم باسيليوس المجدلة التي تقول :
“zoxa to theo meta tou iyou sin to agio pnevmati”
“Doxa tw Qew meta tou yiou sin tw Agiw Pnevmati”
“المجد لله مع الابن والروح القدس “
بخلاف المجدلة الشائعة في عصره التي تقول:”المجد لله في الإبن بالروح القدس:
“zoxa… zia… en…” “ Doxa … dia … en …”
فأثار هذا الاستعمال ردّات فعل عند أخصامه فطلب منه صديقه امفيلوكيوس أن يكتب عن الموضوع فدوَّن باسيليوس هذا الكتاب سنة 375 برهن فيه أن الروح واحد في الكرامة مع الآب “omotimia” “ Omotimia” والتي هي مترادفة مع ” Omoousia ” ” Omoousia ” وأكّد أن الصيغة التي يستخدمها تستند إلى الكتاب والتقليد وعقيدة مجمع نيقية وأكّد على عمل الروح في النفس البشرية أي أن أُقنوم الروح حاضر في النفس يكمِّل عمل الإبن المتجسد(الروح القدس يبقى مع الإنسان إلى يوم الدين حيث يفارقه )
المؤلفات الخطابية :
هناك نحو 25 خطبة أصلية معظمها ذات محتوى خلقي أهمها خطبة(احترس لنفسك)ملخصها أنه عندما ننتبه لأنفسنا ننتبه لله :” …إهتمّ لذاتك، لا أعني أن تهتم بما لك أو لما هو حواليك بل أن تهتم لنفسك لا غير ، فنحن شيء، وما هو لنا شيء آخر، وما حوالينا شيء آخر .إنما نحن بالنفس والروح لأننا كوِّنا على صورة الخالق. وأما ما هو لنا فهو الجسد وحواسه .
وما حوالينا فهو المال والأشغال وسائر مقتضيات العيش… إهتم لذاتك ، ولا تتعلّق بالزائلات كأنها خالدة ولا تستخف بالخالدات كأنها زائلة”[13].” الحكيم لا يتقي غير المخوف، ولا يرجو غير المدرك، ولذلك لا يخاف الآلام ولا يرجو دوام اللذات العالمية ، لأنها سريعة الزوال، فإذ لا يخاف هذه الآلام يحتملها ، وإذ لا يرجو هذه اللذات فلا يطلبها”[14].
وخطبة أخرى بعنوان “الله ليس سبباً للشرّ” يؤكد فيها أن الشرّ ليس موجوداً من الناحية الكيانية . وهناك خطب مهمة بالنسبة لعصره ضد صابيليوس وآريوس والرافضين للتشابه.
المؤلفات الليتورجية:
يؤكّد غريغوريوس اللاهوتي أن باسيليوس وضع نظماً للصلاة ولذلك فسٌر بعضهم هذا المقطع بأنه تنظيم على القداس الإلهي ينسب المجمع الخامس_السادس البنديكتي تروللو إليه ليتورجيا سرية .
المؤلفات النسكية :
أهم المؤلفات هي القوانين النسكية الموضوعة تحت شكل سؤال وجواب . القوانين المطوٌلة في 55 فصل تبحث في مسلٌمات الحياة النسكية وفي ممارساتها من محبة وطاعة وإمساك . أما القوانين الموجزة فهي مؤلفه من 313 فصل تسعى إلى تطبيق الخطوط الرئيسة المعطاة في القوانين المطولة وإلى الإجابة عن كل مسألة صغيرة وخاصة .
الرسائل:
مجموعة رسائله لها أهمية موازية لأهمية أهمّ أعماله وابتدأ الجمع لهذه الرسائل منذ أيام غريغوريوس اللاهوتي الذي جمع قسماً منها لذلك نرى مجموعة مهمة من المختارات من القرن الخامس.المجموعة الحالية تضم 366رسالة وهي من الوثائق المهمة الفريدة من نوعها في الكنيسة الشرقية لأن باسيليوس وجهها إلى شخصيات مختلفة وكتب لهم مواضيع شتى وهي تتنوع من رسائل توصية إلى مقالات لاهوتية وتنظيمية .
لاهوته
إن عطاء باسيليوس اللاهوتي الفياض دليل عشق الحكمة الإلهية ، ودرس شريعة الرب وتأمل أحكامه، وعيش مع الخالق وعدم إرتواء من محبته، إنه كإبن حقيقي لله ، اكتسب موهبة ترجمة الحقائق الإلهية ، واقتنى موهبة إيضاح عمل الكلمة وفعل الروح القدس، فغدا مستودع الروح وآنية النعمة وأباً من الآباء لا يغفل عن ذكر الله، فاض لسانه وقلبه وقلمه بالحب الإلهي وبالكلام الإلهي مشتركاً في القوى الإلهية غير المخلوقة ومعايناً الله.[15]
دعته الكنيسة بـ ” كاشف السماء” و”ركن العقيدة ” و” نور التقى” و”منارة الكنيسة”[16] أنه اخضع العلم الذي تلقاه في أثينا إلى الخبرة المسيحية بعيداً عن كل جدلية فارغة .كافح في سبيل الإيمان الصحيح لأنه آمن أنه مثلما ادخل الشيطان تجربة المعرفة من الخارج قبل السقوط هكذا يحاول أن يُدخل من جديد الرفض اليهودي وتعدد الآلهة الهليني.
وفي مكان آخر يقول :”عندما تؤذي الأبالسة العقل يلجأ إلى عبادة الوثن أو أي نوع من أنواع المروق والكفر” وكان يحسب اعتداد الهراطقة بعقلهم جهلاً حتى قال :”أنني أنفر كرهاً من جهل الهراطقة “وعندما خاطب اتباع صابيليوس وآريوس والقائلين بعدم مساواة الابن للآب قال :”ابحث في كل شيء جعلت كل شيء خاضع لمنطق التقسيم،هلا فحصت كل شيء ،أحويت الكل في عقلك هلا عرفت كل ما تحت الثرى وهلا عرفت ما في الأعماق؟” ويقول:”دع عقلك يركض إلى ما شاء ودعه يرتفع إلى ما فوق فستجده قد ضلَّ كثيراً وعاد إلى ذاته لأنه في كل مرة يدوس في أماكن فارغة “.
لذلك اعتاد الرجوع إلى الإيمان الذي سُلم في المعمودية واعتاد استخدام البراهين الليتورجية .لم يقبل أخصامه إلا بسلطان الكتاب المقدس ولذلك سعى إلى برهان شرعية الاحتكام إلى التقليد يقول:”أن العقائد والتعاليم التي حُفظت في الكنيسة حصلنا على بعض منها من التعليم المكتوب وعلى البعض الآخر في سر سُلم إلينا من تقليد الرسل ولهما نفس الفعالية بالنسبة إلى التقوى”.العقائد (مجموعة الأعراف غير المدونة ) التعليم(التعليم الرسمي للكنيسة).
وهكذا أن العقائد تسلمناها في سرّ أي عن طريق الأسرار .لفظة الأسرار تشير عنده إلى سرَّي المعمودية والشكر .اللذين يرجعان في رأيه إلى اصل رسولي ويستشهد ببولس الرسول عندما يذكر التقاليد التي تسلمها المؤمنون مشافهة أو كتابة اليهم .يقول باسيليوس:”شرع الرسل منذ البدء في الإهتمام بكل ما يختص بالكنائس فحفظوا في السرّ هيبة الأسرار”.ويستشهد بمقاطع لها طبيعة ليتورجية وطقسية مثل رسم إشارة الصليب عند قبول الموعوظين،الإتجاه إلى الشرق الوقوف المستمر نهار الأحد أثناء سر الشكر ،استدعاء الروح القدس،تبريك الماء والزيت،رفض الشيطان، التغطيس في الماء ثلاثاً.
وهذه الأمور وسائل للشهادة الإيمانية وهي تأتي من التقليد السرّي: “من التقليد السرّي والصوفي ومن التعليم الذي لا يُعلن ولا يُقال”. لكن لم يكن هذا التقليد السرّي عقيدة باطنية مخصصة للنخبة لأن النخبة هي الكنيسة.
يلجأ باسيليوس إلى ما يُسمى نظام الكتمان (علـى غير المؤمنين ) وهذا النظام له صلة برتبة الموعوظين وهدفه تعليمي وتثقيفي.أن دستور الإيمان والصلاة الربانية كانا جزئَين من نظام الكتمان،فلم يكن جائزاً أن يُعرضا لمن هم خارج الإيمان. فدستور الإيمان كان مدّخراً لآخر مرحلة من مراحل تعليم الموعوظين. فالأسقف كان ينقل دستور الإيمان لهم مشافهة.
وكانوا هم يتلونه غيباً في خدمة “نقل أو ترداد دستور الإيمان”. ولذلك أكد باسيليوس أهمية الاعتراف بالإيمان في المعمودية وهذا الإعتراف كان تقليداً يُسلّم في سرّ إلى الذين تنصروا حديثاً. الفرق بين العقيدة والتعليم كان في طريقة النقل .العقيدة تُحفظ بصمت أما التعاليم فتُنشر وتُعلن. وأكد أيضاً أهمية قانون الإيمان.فردَّ على الآريوسيين:”بأننا لا نقدر أن نفهـم قصد الكتاب بعيداً عن قانون الإيمان غير المدون “.
الكتاب المقدس هو من الروح القدس لكن يجب أن يكون تفسيره روحياً ونبوياً. فموهبة التمييز مهمة لفهمه:”لأن ناقد الكلمات يجب أن ينطلق من الإستعداد الذي ينطلق من المؤلف .أرى أنه من المستحيل على كل إنسان أن يأخذ على نفسه التدقيق في كلام الرب ما لم يملك الروح الذي يهب قوة التمييز.”لذلك كان تقليد الإيمان المرشد الضروري والدليل إلى دراسة الكتاب المقدس.
[1] أحد الآباء الكبادوكيين الثلاثة المشهورين :1_ باسيليوس الكبير 2_ غريغوريوس النيصصي 3_ غريغوريوس اللاهوتي، ثلاثتهم عاشوا في عصر واحد وكانوا من إقليم واحد هو كبادوكية في آسيا الصغرى كانت عاصمته قيصرية، وكان لهم أكبر الأثر في تاريخ المسيحية وبتثبيت الإيمان الأرثوذكسي انتشرت المسيحية في كبادوكية بتأثير من غريغوريوس أسقف قيصرية الجديدة. وفي هذه المنطقة إحتلّ عدد من الرجال شأناً عظيماً في الأدب والحياة الكنسية والإجتماعية.أما الآباء الثلاثة فتربطهم علاقات حميمة.
باسيليوس هو الأخ الأكبر لغريغوريوس النيصصي، وهو صديق حميم جدّاً لغريغوريوس اللاهوتي.مساهمة الكبادوكيين مهمة جدّاً لأن بها انتصرت الكنيسة على البدع وطوّرت صياغتها اللاهوتية ولا ننسى مساهمتهم في إنشاء حياة رهبانية مهمة في كبادوكية. فكانوا نماذج في كل شيء وعلى الأخصّ في القيادة الكنسية وفي الخط اللاهوتي الصحيح .راجع : حياة الصلاة الأرثوذكسية ص658
[2] السنكسار الأرثوذكسي :عشرة أولاد :5ذكور 5 إناث: راجع سير القديسين ،الجزء الثاني ،دير القديس سلوان الآثوسي،1997