القديس اغريغوريوس
صانع العجائب
القمص اثناسيوس فهمي جورج
القمص اثناسيوس فهمي جورج
هل أخطأ القديس متّى في نسب نبوة الثلاثين من الفضة إلى أرميا النبي؟ أرميا أم زكريا النبي؟ (متى 27: 9)
الإعتراض:
يقرأ الشخص النص الوارد في بشارة القديس متى 27: 9
Mat 27:9حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي: «وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل
Mat 27:10وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب».
ثم يذهب إلى سفر أرميا النبي فيبحث عن هذه النبوة، فلا يجدها، فيعود فيقول لنا أن القديس متى قد أخطأ أو أن الكتاب المقدس محرف، لأن هذه النبوة ليست في سفر أرميا النبي، بل في سفر زكريا النبي، فإما أن يكون القديس متى نفسه أخطأ، متمثلاً في أنه الموحى إليه، أو أن الوحي قد أصاب ولكن الكتاب المقدس محرف!
للأسف، مثل هذه الاستنتاجات الساذجة والمتهورة وغير المبنية على بحث نقدي دقيق، غالباً ما تؤدي بصاحبها إلى نتيجة خاطئة!، وها نحن هنا في هذا الرد السريع نرد على هذه الشبهة البسيطة.
في البداية علينا أن نسأل أنفسنا:
هل القديس متى قد نسب الكلام “وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب” فقط إلى أرميا النبي، أو هل هو ينسب ما قد رواه قبل هذا النص لأرميا النبي ثم عندما إنتهى من سرده، ذكر ان هذا مذكور في أرميا النبي؟
الحقيقة أن القديس متى لا يتكلم عن النص رقم 9 و10 فقط!، بل أنه يتكلم عن الأحداث التي ذكرها قبل النص 9 أيضاً، حتى أنه عندما ذكرها لنا، ذكر لنا أيضاً، أن هذا هو ما أخبر به أرميا النبي، فهو لا يتكلم عن كلام محدد ذكره أرميا في النص 9 و10، بل عن أحداث كثيرة ذكرها أرميا النبي، وذكرها لنا القديس متى من النص 3، فعلينا أن نرى أين هذه الإقتباسات بداية من النص 3، لذا فعلينا أولاً، تصحيح سؤال المعترض، عن طريق إيراد ما أشار إليه القديس متى:
Mat 27:3حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ
Mat 27:4 قائلا: «قد أخطأت إذ سلمت دما بريئا». فقالوا: «ماذا علينا؟ أنت أبصر!»
Mat 27:5 فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ثم مضى وخنق نفسه.
Mat 27:6 فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا: «لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم».
Mat 27:7 فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء.
Mat 27:8 لهذا سمي ذلك الحقل «حقل الدم» إلى هذا اليوم.
Mat 27:9 حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي: «وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل
Mat 27:10 وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب».
من أين أتى القديس متى بهذه الأحداث والأقوال؟
الحقيقة أن القديس متى أتى بها من سفري أرميا وزكريا النبيان، وليس من أرميا وحده أو زكريا وحده!، فالإقتباس هو إقتباس مُرَكَّب وليس إقتباس مباشر بسيط من نص واحد، وهو ليس إقتباس لنصوص فقط، بل إقتباس لنصوص ومواقف في سفر أرميا النبي مع موقف في سفر زكريا النبي، وتحديداً:
إذن، فالإقتباسات الأكثر، بل والفكرة العامة، من سفر أرميا، وهذا ما يتفق فيه عدد كبير من علماء الكتاب المقدس (إن لم يكن غالبيتهم)، فكيف لا يذكر القديس متى أرميا النبي؟
ولكن، ربما يسأل شخص آخر ويقول: حتى إن سلمنا أن الأحداث هنا مأخوذة بوجةٍ عام من أرميا النبي، وبوجةٍ خاص من زكريا النبي، فكيف يَنسِبُ القديس متى النبوة المُرَكَّبة إلى أرميا النبي فقط؟
أولاً: قد يبدو السؤال وجيهاً لأول وهلة، وبالطبع هو سؤال مشروع، والإجابة على هذا السؤال تحتاج أن يكون الشخص عارفاً بأن هذه الطريقة المزدوجة في الإقتباسات ونسبها إلى شخص واحد فقط، هي طريقة معروفة جداً في العصر المسيحي الأول، بل واليهودي أيضاً، ففي العهد القديم، وتحديداً في سفر أخبار الأيام الثاني 36: 21 | لإِكْمَالِ كَلاَمِ الرَّبِّ بِفَمِ إِرْمِيَا حَتَّى اسْتَوْفَتِ الأَرْضُ سُبُوتَهَا لأَنَّهَا سَبَتَتْ فِي كُلِّ أَيَّامِ خَرَابِهَا لإِكْمَالِ سَبْعِينَ سَنَةً) فهنا سنرى أن النبوة نُسِبت إلى أرميا النبي، بينما هذه النبوة مأخوذة من ثلاثة إقتباسات في سفرين وإثنين منهم فقط هما من سفر أرميا النبي، وهم (لاويين 24: 36) و(أرميا 25: 12) و(أرميا 29: 10)، وفي العصر المسيحي، في (مرقس 1: 2-3 | بدأت كما كتب النبـي إشعيا: ((ها أنا أرسل رسولي قدامك ليهيّئ طريقك،صوت صارخ في البرية:هيئوا طريق الرب،واجعلو سبله مستقيمة) (ترجمة الأخبار السارة، راجع بحثنا: التَفسِير و النَقد النَصّي يُؤكِدان عِصمَة و وَحي و ثَبات الكِتاب المُقدَس، هنا: ++) فمع أن الإقتباس الذي أورده مارمرقس هو من سفري أشعياء 40: 3 وملاخي 3: 1 (والبعض يضيف: سفر الخروج 23: 20)، والجزء الأول من إقتباس مارمرقس كان من ملاخي النبي، إلا أنه نسب هذا الإقتباس المركب كله إلى أشعياء النبي! والسبب في هذا لشهرة النبي أشعياء وأرميا في الأوساط اليهودية والمسيحية وأيضاً لكِبر حجم سفريهما، لذا فمن هذين المثالين نعرف أن ما فعله القديس متى هو ليس بالأمر الغريب في الأوساط اليهودية، وهو كيهودي يعرف ويستعمل هذا الأسلوب بلا إشكال، فأين الخطأ هنا؟
ثانياً: لم يذكر إسم سفر زكريا في العهد الجديد ولا مرة واحدة على الرغم من أن العهد الجديد قد إقتبس منه، وأحياناً كان الإقتباس من سفر زكريا فقط، ومع ذلك لا ينسب له الإقتباس عن طريق الإسم مثل: (متى 21: 4، 5 | 4 فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل 5 قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك وديعا راكبا على اتان وجحش ابن اتان) مِن (زكريا 9: 9)، و (متى 26: 31 | 31 حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكّون فيّ في هذه الليلة لانه مكتوب اني اضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية) مِن (زكريا 13: 7)، بالإضافة إلى النص محل البحث (زكريا 11: 13)، وفي كل منها لم يذكر إسم زكريا على الإطلاق، ومن هذه الثلاثة، مرتان للقديس متى، مما يدل أنه لم يخطيء، وإنما فعل هذا متعمِّداً.
بعض القراءات:
من النادر أن يستطيع أحد أن يكتشف سرّ الحياة الداخلية للمسيحي الحقيقي ويعرف قوة التقوى التي تملأ حياته، ويُستثنى بالطبع الذين لهم موهبة الكتابة، لأنهم استطاعوا أن يُعبِّروا بأقلامهم عن ما يملأ قلوبهم من إيمان حي، وعلاقتهم الداخلية الحميمة مع الله الآب في المسيح يسوع بروح الشركة، الروح القدس الرب المُحيي، أي علاقة بنوتهم في المسيح يسوع لله الآب بشهادة الروح القدس الذي يشهد في قلوبهم أنهم ابناء الله ووارثون مع المسيح، أي لهم الحياة الأبدية ميراث، أي حياة الله التي تسري فيهم مثل الدم في العروق، وهي بذرة الخلود المزروعة فيهم وهم في هذا العالم، لتثمر في الحياة الآتية وعند ظهور الرب بمجد عظيم وكمال مجيد
[ أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون، ولكن نعلم إنه إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو ] (1يوحنا 3: 2)
لذلك يا إخوتي، لكي نغوص ونتعرف على القديسين الحقيقيين، فأننا لا نسمع لكلمات مديح الناس فيهم، ولا نعترف بمن نميل نحوهم عاطفياً، أو لمن يأثرون فينا بكلماتهم المنمقة والفكرية الحلوة التي تجذبنا وتُدغدغ أفكارنا، ولا بمن يصنعون المعجزات والعجائب، لأن صنع المعجزات ليست دلالة على القداسة ولا قوة الحياة المسيحية في الحق، لأن في إنجيل متى وقول الرب نفسه، نجد ما يفضح صانعي المعجزات وهم خارج حياة التقوى ومملوئين إثماً ولم يعرفهم الله لأنهم غرباء عنه
نعم، غرباء عنه، لأن الله ليس هو إله الشو الإعلامي، أي إله العروض لكي تصفق الناس وتُهلل لإله المعجزات، أو يفتخر البعض أن إلهه صانع المعجزات والآخرين ليس عندهم ما يملكه، مع أنه لا يتأثر أو تتغير حياته ليكون له شركه مع هذا الإله الذي يفتخر به، أو بالحق الذي يقول أنه يستند عليه، لأن كل عمله هو أن يقف أمام الآخرين ويعرض عليهم معرفة الحق وهو نفسه ليس فيه أي حق، وذلك لأنه لا يحيا بالحق وفي الحق، أي الرب يسوع الذي هو الحق ذاته، أي الحق المُشخَص
لأن الحق هو شخص، شخص المسيح، الله اللوغوس وحيد الآب، الذي فيه ندخل في سرّ التبني ونحيا أبناء وأحباء، وليس عبيد…
لكي نتعرف يا إخوتي على القديسين لابدَّ من أن يكون لنا نفس ذات الحياة المقدسة عينها أو على الأقل لنا شوق عظيم لهذه الحياة ونُريد أن نحياها فعلاً، لكي نستطيع أن نكتشف بسهولة قوة حياة المسيحي الحقيقي، ونتقدم بتوبة حقيقية لله الحي لنستطيع أن نلتحم مع كل مسيحي حقيقي وكل قديس عرفناه، في شركة المحبة لأننا أعضاء بعضنا لبعض، في الجسد الواحد عينه، اي الكنيسة، أي جسد يسوع المسيح ربنا القدوس: [ هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضا لبعض كل واحد للآخر ] (رومية 12: 5)
فمعرفة القديسين ليست معرفة قصة حياتهم ونقف عندها ونصفق، أو نفتخر أننا نعرف القديسين، أو حتى لكي نطلب صلواتهم ونقف وننتظر استجابتها، وكأننا نقول أنهم في مكان ونحن في مكان آخر وفي بُعد تام عنهم، ولن نستطيع أن نلتصق بهم لأننا غرباء عنهم، لأن كثيرون يظنون أنهم قريبين من القديسين بكونهم يطلبون صلواتهم ويحفظون قصص حياتهم، أو يكتبونها أو يذكرون المعجزات التي تجرى باسم الرب وقوته على أيديهم، مع أن كل هذا لا يصح أن يكون مرتكز حياة المسيحي الحقيقي
لأن هذا لغير المؤمنين والغير تائبين، هؤلاء الذين لم يدخلوا في شركة الحياة بعد، وذلك لكي يتأثروا فيتوبوا، لأن لو قرأوا حياة القديسين ولم يتحركوا، فما هي فائدة القراءة التي لم تتحول سوى إلى مجرد فكر ومعلومة وفي النهاية دينونة، لأنهم لم يتركوا القراءة ويتحركوا بقلبهم طالبين مجد الله الواحد أن يحل فيهم، أما المسيحي الحقيقي فيختلف تمام الاختلاف….
فيا إخوتي أن كنا نحب القديسين فعلاً، ونصدق قصة حياتهم، ونكتب عنهم، ونفتخر أنهم سند لنا، وأنهم مرشدين لنا، فلابد من أن نتمثل بإيمانهم [ اذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله، أنظروا إلى نهاية سيرتهمفتمثلوا بإيمانهم ] (عبرانيين 13: 7)
فأن لم نتمثل بالقديسين، ونستلم منهم خبرة الحياة مع الله لنسلك في نفس ذات الطريق الواحد عينه، فلن تنفعنا قصص حياتهم ولا كلماتهم، ولن نستطيع أن نكتب عنهم قط، لأننا سنكذب أو سنلفق أشياء لا علاقة لهم بها، كما نرى بعض القصص التي تُكتب فيها بعض الكلمات التأملية التي تشوه سيرتهم المقدسة، أو بعض المعجزات التي تناقلت على أفواه ناس بالغت فيها، أو أضافت أشياء لا يستطيع اكتشاف تزويرها إلا من شارك القديسين في التمثل بإيمانهم الحي، وكل ذلك التزوير أو التلفيق – بالطبع – نتاج أن الكاتب لم يعرفهم قط، ولم يدخل في شركة معهم بروح القداسة وفي سرّ التقوى…
وبهذا الشكل عموماً ستظل حياة القديسين، بالنسبة لنا مجرد معرفة وفرح وهمي مُزيف نتشدق به ونفتخر أننا منهم ولنا عقيدتهم، ولكن كل هذا لن يجعلنا مُبررين بل مُدانين أمام الله الحي الذي يُدين المسكونة بالعدل، لأننا نعرف هذه السير المقدسة والمكرسة لله الحي، ونحفظ بعضها، بل وننقل بعضها ونكتبها ونفرح بها، ونحن في تمام البعد عن واقعها الاختباري في حياتنا اليومية المُعاشة، فلا مناص من أن نسأل أنفسنا، أين نحن من تلك السيرة ومن هذا الإيمان الحي النابض بحياة الله في المحبة، حتى أننا نرى هذا القديس أو هذا الرسول أو هذا الخادم… الخ
قدم نفسه لله بحياة مقدسة ومكرسة حقيقية حتى أنه بذل ذاته وباع كل ما له من كرامة ومجد وكل شيء حتى أنه صار كلياً للمسيح الرب [ من وجد حياته يضيعها ومن أضاع حياته من أجلي يجدها ] (متى 10: 39)…
أنظروا واصغوا بقلوبكم لما كتبه القديس أغناطيوس الشهيد، أسقف أنطاكية (+ 107م) عند استشهاده: [ إني حنطة الله ! فَلأُضرس بأسنان الوحوش، حتى أصير خبزاً طاهراً للمسيح. الأهواء فيّ الآن قد صُلِبَت؛ ما عاد فيَّ لهب جسداني يؤذيني: ولكن هُناك ينبوع ماءٍ حي يهدر فيَّ قائلاً: تعالَ إلى الآب ]
[ الآن سأبدأ أن أكون تلميذاً. ليته لا تحرمني خليقة ما منظورة أو غير منظورة من مُلك يسوع المسيح. مرحباً بالنار والصليب والوحوش الضارية، والتمزيق والتقطيع، وخلع العظام، وسحق الجسد كله. فلتقع عليَّ أشرّ الضربات المبتكرة من إبليس؛ إذا كانت كل هذه من شأنها أن تُعدَّني لأن ألتقي بيسوع المسيح.
لا شيء يستهويني من مفاتن الدُنيا ولا من سائر ممالك هذا الدهر، ولكن ما هو عذبٌ عندي الآن، هو أن أموت لكي ما أحظى بيسوع المسيح، وهذا أفضل لي من أن أملك أقاصي الأرض.
هذا هو الذي أسعى إليه، ذاك الذي مات عنا؛ هذا هو مَنْ أُريده؛ ذاك الي قام لأجلنا. إني أحس الآن بآلام المخاض.
ترفقوا بي يا إخوتي، لا تحرموني من الحياة الحقيقية؛ لا تسعوا في تعطيل موتي (لأن شعبه حاول أن يمنعه من الاستشهاد باي طريقة)؛ لا تسلموا بأنفسكم للدنيا وللإغراءات ولأباطيلها الخادعة، من يُريد أن يكون ملكاً لله؟؛ أتركوني ألحق بالنور الحقيقي؛ عندما أبلغ إلى هُناك سأكون جيدراً بأن أُدعى حقاً مسيحياً. دعوني أقتدي بآلام إلهي. ومَن يقتني الله داخله فليفطنْ إلى ما أُريد؛ ومن يراف بحالي، لأنه يعرف مدى ما يعتصرني من ألم مُبرح (بسبب خوفه من أن يحاول أن يحرمه شعبه الاستشهاد) ] (عن رسائل القديس أغناطيوس الرسولي – من الاباء الرسوليون)
أنظروا يا إخوتي لهذا الشهيد والأسقف المحب للمسيح الرب، الذي صار مثالاً لنا، لكي لا نخاف الذين يقتلون الجسد، ولا نخاف على الكنيسة من الحكام حتى لو كانوا قساة القلوب وغير محبين للمسيحين ولا لأي ما يمت بصلة للكنيسة، تعلموا وتمثلوا بهذا الإيمان الحي الذي ابتعدنا عنه تمام الابتعاد واصبحت السياسة هي التي تهمنا، لأننا نخاف على الكنيسة وكأنها تنتظر منا حماية، مع أن دماء الشهداء بذار الكنيسة الحية، التي تكمن فيها سرّ حياة الله الأبدية وغنى مجد ميراثه في القديسين، كونوا في ملء المحبة والإيمان الحي النابض بحياة الله ومجد ميراثه آمين
وبالرغم من ذلك كله – ومهما ما حدث لنا – فأن الله ينقذنا ويقدم لنا طوق النجاة، وهو الإيمان به كمُخَلِّص، وإمكانياته لا تتغير قط، لأنه هو الله القدير فعلاً وهو هو أمس واليوم وإلى الأبد، إذ أنه قادر بفعل نعمته أن يخلق من أشر المجرمين وأعظم العتاة وأفجر الخطاة قديسين وبلا لوم أمامه في المحبة، على المستوى العملي وخبرتنا الشخصية، لأن الله ألاب ارسل ابنه إلى العالم، واسمه يسوع لأنه يُخَلِّص شعبه من خطاياهم (متى 1: 21)…
فلنا أن نعرف أننا لا نختلف عن القديسين الذين نعتبرهم أعمده في الكنيسة، لا أقصد من جهة القامة أو المواهب، إنما من جهة إنسانيتنا الواحدة، والتي تتعرض للتجارب والسقوط وحرب عدو الخير من جهة معرفته بمداخل الشر عندنا من جهة خبرتنا التي قضيناها في زمان الشر الذي مارسناه بالخطية، فهو يدخل لنا من خلال محبتنا للذة معينة أو بسبب كبرياء القلب أو غيرها من الأسباب المتعددة والتي توجد في عمق كل شخص فينا قد نعرفها أو لا نعرفها، وفي هذا لا فرق بين صغير وكبير وقديس متقدم في الطريق ومبتدأ في الحياة الروحية !!!
فيا ترى ما هو الفرق الحقيقي بيننا وبين القديسين الذين نجدهم وصلوا للحرية الحقيقية والتطبع بالطبع الإلهي وحراسة القلب والفكر بقوة الله فتحرروا من الهوى في داخل القلب الذي هو المحرك الأساسي للخطية فينا !!!
عموماً الفرق الحقيقي بيننا وبينهم ينصب في أمرين :
[1] الأمر الأول : هو معرفتهم – الإيمانية – بإمكانية النعمة الإلهية المخلصة القوية القادرة أن تعمل بقوة الله في داخل النفس فتغيرها بالتمام، وقد وضعوا كل ثقتهم في الله المُغير مع تقديم توبة مستمرة عن كل خطأ، طالبين ليلاً ونهاراً المعونة الإلهية لتسندهم ليقينهم أنهم بدون نعمة الله لا يقدروا أن يصنعوا شيئاً قط، غير قادرين على أن يسيروا في طريق القداسة لأنهم لا يثقون في قوتهم الشخصية أو جهادهم الخاص، بل في قوة الله وحده !!! لذلك اعتمادهم على الله قوي، بل ثابت كجبل من الصخر لا يتزحزح مهما أتت من رياح أو عواصف شديدة أو حتى تكسر بعض أجزاؤه !!!
فالقديس هو إنسان مثلي ومثلك، له ضعفاتي وضعفاتك، لأنه عاش بنفس ذات الجسد بكل غرائزه وإمكانياته، إنما أدرك القوة الإلهية وتلامس معها بالإيمان والتوبة، وتلاقى مع الحب الإلهي في قوة الصليب والفداء، وعرف أنه هو مثل ما هو، ليس له شيء في ذاته يُنجيه أو يُخلصه حتى توبته نفسها، بل نعمة الله العاملة فيه، لهذا لا عجب في أن القديس بولس الرسول لا يكف عن أن يطلب من أجل شعب المسيح لكي تستنير عيونهم وقلوبهم فيدركوا تلك القوة الفائقة العظيمة التي تعمل في قلوب المؤمنين التائبين.
[2] والأمر الثاني الذي ميز القديسين: أن معرفتهم لم تقف عند حدود المعرفة العقلية الجافة كمعلومة أو فكرة للوعظ أو المعرفة، أو الإيمان النظري الذهني، أو تقديم أفكاراً للناس منمقه حلوة وعميقة، لكنهم آمنوا إيماناً حياً عاملاً بالمحبة. فالمعرفة الحقيقية تتطلب منا حياة مُعاشة، بالجهد والاغتصاب [ ملكوت الله يُغتصب والغاصبون يختطفونه ]، فينبغي أن نعمل ونجتهد جداً، وكما يقول القديس بولس الرسول: [ لكن بنعمة الله أنا ما أنا ونعمته المُعطاة لي لم تكن باطلة بل تعبت … ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي ] (1كو15: 1) .
___من الأهمية ___
يا أحبائي أن لا تفزعوا أو تخوروا في أنفسكم وتفشلوا حينما تجدوا أنفسكم وقعتم في أشد الخطايا فظاعة وعنفاً، أو أحد القامات العليا وقعوا في خطايا لا يقع فيها المبتدئين، لأن جميعنا نضعف ونخور ونسقط لأسباب كثيرة ومتنوعة، وهي تختلف من واحد لآخر ومن قامة لقامة، إنما أفزعوا من عدم التوبة والعودة بقوة أعظم لحياة القداسة والتقوى والشركة المقدسة مع الله، لأن نعمة الله مخلصة ويد الرب لا تُقصر على أن تُخلص، فهو قادر أن يغير الفجار لقديسين عظام جداً، فلا تفشلوا أو تحزنوا حزن بلا رجاء حي بيسوع المسيح الذي مات لأجل خطايا العالم كله، لأن الخطية خاطئة جداً تجرح وتُميت، وخطورتها تكمن في أنها تعطي روح الفشل واليأس أن استمرت فترات طويلة بلا توبة صادقة، فلنا أن نبتعد عنها فوراً مهما تورطنا فيها أو سقطناوكان سقوطنا عظيماً، ولا نهتم أبداً بروح الفشل والحزن الذي بلا رجاء الذي تولده فينا، لأن أي فشل وحزن واكتآب هو ثمرتها الطبيعية، ونعمة الله المخلصة هي أقوى بما لا يُقاس، إذ أنها (النعمة) قادرة أن تبددها فعلاً وبل وتلاشيها تماماً وتفقدها سلطانها، لأن الخطية لها سلطان الموت، والنعمة المخلصة لها سلطان الحياة في المسيح يسوع، لأن من آمن يرى مجد الله ويقوم من الموت، لأن ربنا يسوع هو القيامة والحياة، الذي إن آمنا به يكون لنا حياة أبدية ولا نأتي لدينونه، إذ بالمسيح الرب يحق أن ندخل للأقداس لأنه هو برنا وسلامنا الحقيقي …
فاليوم لنا أن نتوب ونعود لذلك الحضن الحلو، مهما ما كنا متورطين في الخطية لحد النتانة، لأن لعازر الميت اقامه الرب بعد أن أنتن، فلا ينبغي أن نفقد رجاءنا لأن اتكالنا على الرب القيامة والحياة وحده، وهو الذي قام وأقامنا معه وصعد بجسم بشريتنا وجلس عن يمين الآب بمجد عظيم في الأعالي يشفع فينا وينجينا من فخ الصياد ومن الوباء الخطر، ويدخلنا لعرش مملكه مجده لنتذوق حبه ونحيا له مبررين بدمه، لأننا إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطيانا، إذ يسمع لنا وبدمه يطهرنا من أي خطية وكل إثم….
فيا إخوتي لا أحد منكم يشتكي وتقولوا أننا لن ننفع ان نعيش مع الله، لأني انا صاحب خطايا فظيعة لا تعرفها، كيف يقبلني الله، اشتكوا انفسكم عند قدمي المُخلص عند الصليب ليأخذكم للقبر الفارغ فتجدوه منتظركم بقوة الحياة التي فيه لأنه يُقيم الساقط ويُحيي الميت، تعلقوا بالرب بكل قلبكم لأنه مكتوب: [ لأنه تعلق بي أُنجيه، أرفعه لأنه عرف إسمي. يدعوني فاستجيب له، معه أنا في الضيق، أُنقذه وأُمجده، من طول الأيام أُشبعه وأُريه خلاصي ] (أنظر مزمور 91)
الصليب هوعزاء الخطاة ورجاء الفجار، والدم المسفوك عليه، دم حمل الله الحي، بحر غسيل الدنسين، والصليب هو صلاة التائبين، والتوبة ليست في الامتناع عن الشر؛لأن هذه هي توبة الأُمم، وإنما توبةالمسيحيين هي في قبول الصليب بالإيمان لبلوغ قوة قيامة يسوع من بين الأموات.
وإذا تركنا الشرور كلها بدون الصليب لن نقترب خطوة واحدة من المسيح الرب حمل الله رافع خطية العالم،بل نتغرب عنه ونبتعد بعيداً جداً، في نسك وصوم وصلوات ودراسات فكريه وعقلية، وأبحاث ومناظرات ومناقشات، ثمرها في النهاية كبرياء القلب وتُزيد العجرفة، لأننا لانرى أثناء هذه المُمارسات الأُممية خطايانا،بل ” برنا الذاتي ” الذي يجعلنا لا نرى خفايا القلب، بل تحت ستار التقوى الكاذبة من صوم وصلاة وكلام عن الله وخدمة كثيرة وتعب، نصبح أمواتاً دون أن ندري أننا ” أموات بالذنوب والخطايا “، ولا تزال تعمل في قلبنا وتفقدنا اتزاننا الروحي وتفقدنا قوة السمع لصوت الله، بل وكل حس روحي، فنحيا في خديعة اننا مع الله نحيا ولكننا في بُعد تام عنه.
أما التوبة التي أساسها الصليب، تُدخل الإنسان في يوم القضاء والدينونة في صليب ربنا يسوع، ليتم فحص نوايا القلب بنار الآلام الشافية، ليتم الحكم علي الخطية وفرزها من القلب أمام نور الله المُشرق المُبدد لكل قوى الظلام، فتظهر كم هي خاطئة جداً، فيبغضها الإنسان صارخاً أرحمني أيها المصلوب الحي، واعطيني أن أعرفك وقوة قيامتك وشركة آلامك لأتشبه بموتك فأموت عن الخطية وأحيا للبرّ، أصلبني معك لأموت أنا بإنسانيتي العتيقة وتحيا أنت في داخلي بالإنسان الجديد المخلوق على صورتك، حتى أستطيع كل شيء فيكوأغلب الخطية والشر والفساد والعالم، وبك أحيا وحدك وأتحرك وأوجد,,,
ويا إخوتي أن امتحان نوايا النفس الداخلية ونقاوة القلب التي يقوم فيها الروح القدس بكشف وإعلان هذه النوايا من أجل تنقية القلب بقوة كلمة الله المطهرة، هي التي تقودنا إلى الصلاة النقية، وتقوي فينا روح قيامة يسوع فنُعتق من الخطية ونحيا للبرّ، ونتلقف قوة النعمة المُخلِّصة فنزداد قوة وننمو وفق الغذاء الحي الذي نأخذه من يد الله الحي، وتصبح لنا الوصية سهلة محبوبة نتممها بسهولة بالقوة الممنوحة لنا من الله في المسيح يسوع.
وامتحان النوايا الذي يقوم به الروح القدس يتميز بما يلي:
أولاً : الرجاء الراسخ في رحمة المسيح الرب وغفرانه الحاضر لنا كل حين.
ثانياً : السلام الذي يجعل القلب منشغلاً ليس بالصراع الداخلي – رغم وجوده– بل بالثقة في أن الذيكشفلناعن خفايا القلب من الداخل، سوف يشفي ويجدد حياتنا القديمة بقوة الحياة الجديدة في المسيح يسوع
القس شنودة جبرة اقلاديوس
PDF