أنت مدعو إلى فوق رغم التجارب – العظة 16 للقديس مقاريوس الكبير

أنت مدعو إلى فوق رغم التجارب – العظة 16 للقديس مقاريوس الكبير

أنت مدعو إلى فوق رغم التجارب – العظة 16 للقديس مقاريوس الكبير

العظة السادسة عشر للقديس مقاريوس الكبير – أنت مدعو إلى فوق رغم التجارب – د. نصحى عبد الشهيد

“الأشخاص الروحانيون يتعرضون لتجارب وشدائد مصدرها الخطيئة الأولى”

خُلقنا في حالة البراءة- الشر نتج من حريّة الإرادة:

كل الجواهر الروحانيّة، أي الملائكة والنفوس البشريّة والشياطين، كل هؤلاء قد خلقهم الخالق في حالة البراءة والبساطة التامة. أما كون البعض منهم قد تحولوا إلى الشر فهذا ناتج من حريّة إرادتهم. فباختيارهم حادوا عن طريق التفكير السليم. فإذا قلنا أن الله خلقهم هكذا أشرارًا، فإننا بذلك نجعل الله قاضيًا ظالمًا بإرسال الشيطان إلى النار. إن بعض الهراطقة قد قالوا أن المادة أزلية أي ليس لها بداية، وأن المادة هي أصل كل الأشياء. وأن هذا الأصل هو القوة، وهي قوة كافية بذاتها. وهذا الكلام نجيب عليه قائلين: “أية قوة إذن هي القوة الغالبة؟. هي بالتأكيد قوة الله، إذن فالمغلوب ليس معادلاً للغالب لا في القوة ولا في الزمن”.

وأولئك الذين يقولون أن الشر هو جوهر حقيقي، لا يعرفون شيئًا. فبالنسبة إلى الله ليس هناك شر جوهري وذلك لأن الله حسب طبيعته الإلهيّة غير قابل للشهوات والأهواء، أما نحن فإن الشر يعمل فينا بقوة كاملة ويجعل نفسه محسوسًا ويوحي بكل الشهوات الرديئة ولكن الشر ليس مختلطًا بنا، كاختلاط الخمر بالماء كما يقول البعض، ولكنه مثل الزوان مع القمح فالقمح وحده والزوان وحده، رغم أنهما موجودان في نفس الحقل، كما أنه في بيت واحد قد يوجد اللص في جزء منه، ورب البيت في جزء آخر.

اختلاط الخطية بالنفس:

إن ينبوع الماء ينبع ماءًا صافيًا رغم أنه يوجد طين أسفل الينبوع تحت الماء. فلو أن أحدًا حرك الطين، فإن الينبوع كله يتعكر. وهكذا النفس حينما تثار فإنها تتنجس وتختلط بالشر، ويصير الشيطان واحدًا مع النفس، كروحين متفقين، في فعل الزنا أو في القتل. لهذا السبب “فالذي يلتصق بزانية هو جسد واحد” (1 كو 6: 16) ولكن في لحظة أخرى تكون النفس قائمة بذاتها، تائبة عما فعلته من خطية، وتبكي وتصلي وتتذكر الله، لأنه لو كانت النفس غارقة دائمًا في الشر فكيف يمكنها أن تفعل ذلك؟ إذ أن الشيطان لا يريد أبدًا أن يقبل الناس إلى التوبة. لأنه خال من كل رحمة أو شفقة.

شركة الروح القدس مع النفس:

والزوجة باتفاقها مع زوجها تصير واحدًا معه، ولكنهما في لحظة أخرى يفترقان، لأنه قد يحدث أن أحدهما يموت والآخر يعيش. وعلى مثال هذه الشركة تكون شركة الروح القدس مع النفس. فيصيران روحًا واحدًا “لأن من التصق بالرب فهو روح واحد” (1 كو 6: 17) وهذا الأمر يحدث عندما يمتليء الإنسان بالنعمة فتحيطه من كل ناحية.

ولكن يوجد البعض من الذين حصلوا على تذوق الله، ولكنهم لا يزالون خاضعين لتأثير العدو، وهم يستغربون بسبب نقص خبرتهم، أنه بعد افتقاد الله لهم بالنعمة فإنهم لا يزالون معرضين للتشكيك في أسرار الإيمان المسيحي. وأما أولئك الذين نضجوا فلا يستغربون هذا الأمر. وكما أن الفلاحين المهرة بسبب طول الخبرة، فإنهم في زمن الرخاء لا يزال عندهم حذر وحرص، وينظرون إلى أوقات القحط والغلاء، ومن الجهة الأخرى فحينما تأتي أوقات الغلاء والقحط فإنهم لا يتضجرون وييأسون لأنهم يتوقعون تغير الحال إلى الأفضل في المستقبل، وهكذا هو الحال في الأمور الروحيَّة حينما “تقع النفس في تجارب متنوعة” (يع 1: 2).

فحينما تقع النفس في تجارب متنوعة، فهي لا تعتبره أمرًا غريبًا من ناحية، ومن الناحية الأخرى لا تيأس لأنها تعلم أن التجارب تأتي بسماح لأجل امتحانها وتهذيبها بالشر الذي يقابلها. ومن الناحية الأخرى فحينما تكون في غنى كثير واطمئنان فإنها لا تتخلى عن اليقظة والحذر، بل تضع في اعتبارها احتمالات تغير الحال في المستقبل.

إن الشمس التي هي جسم مخلوق، تضيء في الأماكن ذات الرائحة الرديئة، حيث يوجد الوحل والقاذورات، دون أن تصاب الشمس بأي أذى أو نجاسة، فكم بالحري جدًا يحتفظ الروح القدس النقي بشركته مع النفس، حينما تكون تحت تأثير من الشرير، دون أن يصبه (أي الروح القدس) أي شيء من هذا الشر. “والنور يضيء في الظلمة والظلمة لا تدركه” (يو 1: 5).

الرجاء الثابت وعدم اليأس:

لذلك فحينما يكون الإنسان في عمق (الروح)، وهو غني بالنعمة، لا يزال فيه بقية من الشر موجودة معه. ولكن يوجد له معين قريب منه ليسعفه ويعينه. لذلك فحينما يكون الإنسان في الشدائد وتثور عليه موجات عظيمة من الأهواء فلا ينبغي أن ييأس، لأن اليأس يجعل الخطية تزدهر وتجد فرصة أكثر للتملك على الإنسان. ولكن حينما يكون للإنسان رجاء مستمر ثابت في الله، فإن الخطية تتناقص وتذوي وتجف.

إن الشلل والتشوهات، والحمى أو الأمراض، هذه كلها ناتجة عن الخطية. لأن الخطية هي أصل كل الشرور، وكل الشهوات الناتجة عن أهواء النفس أو من أفكار الشر، إنما ترجع كلها إلى الخطية. فإن كان هناك نبع ماء جاري- وتحيط به مستنقعات وأراض رطبة موحلة، ومع ذلك فحينما يأتي عليه الحر، فإن النبع وما يحيط به من أراض- يجف تمامًا، هكذا الحال مع عبيد الله الذين تفيض فيهم النعمة وتزداد، فإن هذه النعمة تجفف الشهوة سواء كانت من العدو الشرير، أو من الطبيعة (طبيعتهم البشريّة)، فإن رجال الله الآن، أعظم من آدم الأول.

الله في كل مكان:

إن الله غير محدود وغير مدرك وهو يُظهر نفسه في كل مكان، في الجبال، وفي البحر، وفي الأعماق، ولكن بدون أن ينتقل من مكان إلى آخر ملك الملائكة الذين ينزلون من السماء إلى الأرض. فهو في السماء، وهو هنا على الأرض. ولكنك ستقول لي “كيف يمكن أن يكون الله في الجحيم؟ أو كيف يمكن أن يكون في الظلمة، أو في الشيطان، أو في الأماكن الفاسدة؟ “فأجيبك أن الله غير قابل للتأثر بالشر ويحوي كل الأشياء، لأنه غير محدود، وأما الشيطان الذي هو خليقة الله، فهو مقيد.

أما طبيعة الصلاح (الله) فلا تؤثر فيها النجاسة أو تلوثها كما أن الظلمة لا تستطيع أن تجعله مظلمًا. فإذا قلت إنه لا يحوي كل الأشياء بما فيها الجحيم والشيطان، فإنك بذلك تجعله محدودًا من جهة المكان الذي يوجد فيه العدو الشرير، وعلى هذا الأساس يقتضي البحث عن إله آخر أعلى منه. فالله إذن يلزم أن يكون في كل مكان. ولكن اللاهوت له طبيعة سامية ونقيّة جدًا حتى أن الظلمة، لا تستطيع أن تدركه أو تفهمه، ولا يستطيع الشرير أن يشترك في نقاوته رغم أنه موجود فيه. وبالنسبة لله لا يوجد شر جوهري حيث إن الشر لا يستطيع أن يصيبه بأي أذى.

لنحول أفكارنا إلى المسيح:

أما بالنسبة لنا، فالشر حقيقي، لأنه يسكن في القلب ويعمل فيه إذ أنه يوحي بالأفكار الشريرة والمنجسة، ولا يدعنا نصلي بنقاوة، بل يجذب عقولنا إلى العبودية لهذا العالم، وقد جعل النفوس ملبسًا له وتغلغل حتى إلى عظامنا ولمسها مع أعضائنا.

فكما أن الشيطان موجود في الهواء، وكما أن الله موجود هناك، فإن الله لا يصاب بأي أذى نتيجة وجوده مع الشيطان في الهواء. وهكذا فإن الخطية موجودة في النفس ونعمة الله موجودة فيها كذلك دون أن تصاب نعمة الله بأي أذى وكما أن الخادم الذي يكون بجوار سيده هو في خوف مستمر بسبب قربه من سيده، وهو لا يفعل شيئًا بدون سيده. هكذا يجب علينا أن نحول أفكارنا إلى سيدنا المسيح ونكشفها له، وهو الذي يعرف القلب، وليكن في داخلنا رجاء وثقة أنه هو “مجدي، وهو أبي، وهو غناي”.

ينبغي أن يكون لك في قلبك حرص ومخافة. فحتى إذا لم يكن الإنسان حاصلاً على نعمة الله مغروسة وثابتة فيه بشدة حتى أنها تقوده وتوقظه وتحثه على الأشياء الصالحة ليلاً ونهارًا وبلا انقطاع وتكون مرتبطة بنفسه كما برابطة طبيعية، فعلى الأقل، ينبغي أن يكون له الحرص، والخوف والاجتهاد، وانسحاق القلب، ثابتة فيه باستمرار كأنها حقيقة طبيعية غير متغيرة.

النعمة تنشيء المحبة الإلهيّة وتغير القلوب:

ومثل نحلة تصنع قرصًا من العسل داخل الخلية، هكذا النعمة تنشيء المحبة الإلهيّة سرًا في القلوب وتغيرها من المرارة إلى الحلاوة ومن الخشونة إلى الرقة واللطف، وكما أن الصائغ والنقاش حينما يحفرون أو ينقشون لوحة، فإنه يغطي أجزاء من الصور التي ينقشها على اللوحة، ولكنه حينما ينهي عمله، فإنه يظهرها لامعة بالنور، هكذا الرب الصائغ والفنان الحقيقي يحفر على قلوبنا وينقشها، ويجددها في صمت وسكون إلى أن يأتي يوم خروجها من الجسد، وحينئذٍ يظهر جمال النفس بوضوح.

وأولئك الذين يريدون أن يصنعوا أواني، ويصوروا فيها صور حيوانات فإنهم يصنعون تصميمهم أولاً على الشمع (قالب)، ثم يصبون المعدن على القالب، وهكذا يكتمل العمل على حسب التصميم الموضوع أصلاً. هكذا الخطية، رغم أنها ليس لها جسد، ولكن لها صورة وهي تتخذ أشكالاً كثيرة، وبنفس الطريقة فإن الإنسان الباطن هو مثل واحد من هذه الحيوانات (التي ترسم) فإن له صورة وله شكل لأن الإنسان الباطن هو على مثال الإنسان الخارجي.

وما أعظم هذا الإناء وما أثمنه إذ أنه هو الإناء الوحيد الذي سُرّ الرب به من بين جميع المخلوقات. وأفكار النفس الصالحة هي كحجارة ثمينة ودرر، وأما الأفكار النجسة فهي مملوءة “عظام أموات وكل نجاسة” ورائحة رديئة (مت 23: 27).

من هم المسيحيون بالحق؟

فالمسيحيون إذن هم من عالم آخر وهم أولاد آدم السماوي، جنس جديد، أولاد الروح القدس وإخوة المسيح المضيئين، مثل أبيهم آدم السماوي المضيء. وهم من تلك المدينة، ومن ذلك النسب، ومن تلك القوة (السماويَّة)، إنهم ليسوا من هذا العالم، بل من عالم آخر، والرب نفسه يقول “أنتم لستم من هذا العالم كما أني لست من هذا العالم” (يو 17: 16).

ولكن كما أن التاجر الذي كان في رحلة طويلة لأجل تنمية تجارته ويكون قد سبق قبل عودته وأرسل لأصدقائه ليهيئوا له منازل وحدائق وملابس بحسب ما يلزمه وحينما يعود إلى بلدته فإنه يحضر معه أموالاً كثيرة ويلاقيه أصحابه وأقرباؤه بفرح عظيم، كذلك في الأمور الروحانيّة فالذين يجعلون الغنى السماوي هو موضوع عملهم وانشغالهم فإن أصدقاءهم وأهل بلدتهم، أي أرواح الصديقين القديسين والملائكة يعرفون عملهم واهتمامهم، ويقولون بفرح وإعجاب: “إن إخوتنا الذين على الأرض قد أتوا بغنى عظيم”.

فهؤلاء عند رحيلهم من العالم يكون الرب معهم ويسببون فرحًا عظيمًا لأولئك الذين هم خاصة الرب في السماء، يستقبلونهم مجهزين لهم بيوتًا وبساتين وملابس كلها لامعة وثمينة جدًا.

الحاجة للاعتدال والإفراز:

إننا نحتاج إلى الاعتدال والتبصر في كل الأمور، حتى لا تتحول الأشياء الصالحة التي تبدو أننا قد امتلكناها، إلى ضرر لنا.

فإن الذين هم رحومين بطبيعتهم، إذا لم يحفظوا أنفسهم فقد ينزلقون تدريجيًا إلى الضلال عن طريق نفس شفقتهم ورحمتهم، وأولئك الذين عندهم حكمة يمكن أن تخدعهم حكمتهم. فيجب على الإنسان أن يكون معتدلاً ومتزنًا معًا في جميع الاتجاهات: بأن يجمع الشفقة مع الشدة، والحكمة مع حريّة التصرف، والقول مع العمل، وفي كل شيء يضع ثقته في الرب لا في نفسه.

لأن الفضيلة تُتَبل بتوابل متنوعة كثيرة، كما أن طعامنا الضروري يُتبل بأنواع من البهارات- ليس بالعسل فقط، بل بالفلفل أحيانًا- وهكذا يصير صالحًا ومناسبًا للأكل.

وأولئك الذين يقولون أن الخطية غير موجودة في الإنسان هم مثل أناس مغمورين تحت مياه كثيرة فائضة، ومع ذلك لا يقرون بأن المياه تغمرهم، بل يقولون، “إننا سمعنا صوت المياه سماعًا” ورغم أنهم يكونون مغمورين في عمق أمواج الشر، فمع ذلك يقولون أن الخطية غير موجودة في عقلهم أو أفكارهم.

الفرق بين الفكر النطري وبين الدخول للكنوز السماويَّة:

يوجد فرق عظيم بين أولئك الذين لهم فكر نظري وقدرة على الكلام، ولكنهم غير مُملّحين بالملح السمائي- الذين يتحدثون عن المائدة الملكية دون أن يكونوا قد ذاقوا منها شيئًا أو تمتعوا بها وبين إنسان يرى الملك نفسه، وقد كشفت له الكنوز السماويَّة وقد دخل إليها، وصار وارثًا لها، وهو يأكل ويشرب من المأكولات السماويَّة الثمينة.

الحرص وانسحاق القلب وعناية النعمة:

وإن كان لأم ابن وحيد، وسيم جدًا، وعاقل وحكيم، ومزيّن بكل الصفات الصالحة، وقد وضعت كل آمالها فيه فإذا مات هذا الابن ودفنته فإنها تصاب بأحزان لا نهاية لها وبكاء ونحيب حتى أنها لا تستطيع أن تتعزى. هكذا أيضًا ينبغي على العقل أن يحزن ويبكي حينما تموت النفس عن الله ويكون له كآبة كثيرة وقلب منسحق، ويكون في خوف وحرص، وفي نفس الوقت يكون له جوع وعطش باستمرار إلى كل ما هو صالح، فمثل هذا الإنسان تأخذه يدي نعمة الله والرجاء الإلهي لتعتني به النعمة فلا يعود يحزن أيضًا، بل يبتهج ويفرح كمن وجد كنزًا عظيمًا، ولكنه يرتعد خوفًا أيضًا لئلا يفقد الكنز.

لأن اللصوص يحضرون كثيرًا للهجوم عليه. ومثل إنسان تعرض لخسائر كثيرة من اللصوص واستطاع أن ينجو منهم بصعوبة شديدة وبعد هذا حصل على غنى وفير وخيرات كثيرة، فإنه لا يعود يخشى تأثير الخسارة عليه بسبب ثرائه الوفير، هكذا الرجال الروحانيون فإنهم يتعرضون أولاً لتجارب وضيقات مخيفة، ولكنهم حين يمتلئون بالنعمة ويفيضون بالصالحات، فإنهم لا يعودون يخافون من أولئك الذين يريدون أن يسرقوهم، بسبب أن غناهم صار عظيمًا، ولكنم يخافون- ليس خوف المبتديء من أرواح الشر، بل لهم خوف وحرص كيف يستثمرون المواهب الروحيَّة التي ائتمنوا عليها.

النعمة تغرس التواضع في النفس:

والواحد من هؤلاء الروحانيين، يعتبر نفسه أحقر من جميع الخطاة، ويتأصل فيه هذا الفكر حتى يصير كجزء من طبيعته وكلما تقدم في معرفة الله، بقدر ذلك يحسب نفسه جاهلاً تمامًا، وكلما تعلم فإنه يحسب نفسه أنه يعرف أقل. إن النعمة هي التي تقوم بهذا التأثير في النفس وتجعله كجزء من الطبيعة في النفس.

ومثل الطفل الذي يحمله شاب قوي، والذي يحمله يأخذه إلى حيث يشاء، هكذا النعمة التي تعمل في أعماق النفس فإنها تحملها وترفعها إلى السموات، إلى العالم الكامل، والراحة الأبديّة.

الراحة وعدم الراحة:

ولكن النعمة فيها درجات ورتب. إذ أن رئيس العسكر الذي يحق له الدخول إلى الملك يختلف عن الضباط. وكما أن البيت الذي يمتليء بالدخان يفرغ الدخان أيضًا إلى الفضاء الخارجي هكذا الخطية المخزونة في النفس تخرج إلى الخارج وتنتج ثمارها.

وكما أن أولئك الذين كلفوا بحكم إحدى الولايات أو كلفوا بإدارة الخزانة الملكية هم دائمًا في قلق وحذر لئلا يسيئوا إلى الملك، هكذا أولئك الذين استؤمنوا على العمل الروحاني هم دائمًا في حذر وحرص رغم أنهم يكونون في راحة إلاَّ أنهم لفترة من الوقت يكونون كأنهم لم يحصلوا على الراحة بعد. لأن مملكة الظلمة التي دخلت إلى مدينة النفس والقوات الغريبة التي سيطرت على مراعيها هي في طريقها أن تطرد خارج النفس.

والمسيح الملك يرسل لينتقم للمدينة ويقيد الظالمين بالسلاسل، وتعسكر الجنود السماويَّة وجيش الأرواح المقدسة هناك كأنهم في السموات، وحينئذٍ فإن الشمس تضيء في القلب وتخترق أشعتها وتدخل إلى كل الأعضاء، وهكذا يملك سلام عميق ويصير هو القوة المسيطرة هناك.

استمرار الصراخ إلى الله:

ولكن عزيمة الإنسان في الحرب والجهاد وقيمته الحقيقيّة وإرادته الصالحة من نحو الله، كل هذه تظهر حينما تتأخر النعمة ولكنه يظل شجاعًا ويستمر يصرخ إلى الله. إنك حينما تسمع أن هناك أنهار بها تنانين، وأفواه أسود وقوات مظلمة تحت السماء ونار تحرق الأعضاء فإنك لا تفكر فيها، غير عالم أنك إن لم تنل عربون “الروح القدس” (2 كو 1: 22)، فإن هذه كلها تمسك بنفسك عند خروجها من الجسد ولا تدعوك تصعد إلى السماء.

أتى هو بشخصه ليدعوك إلى فوق:

وبنفس الطريقة، حينما تسمع عن كرامة النفس وكيف أن جوهرها العاقل ثمين جدًا، فإنك لا تفهم أن الله لم يقل عن الملائكة، بل عن الطبيعة البشريّة “لنصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تك 1: 26). وأن السماء والأرض تزولان ولكنك أنت قد دعيت إلى الخلود، والتبني، والأخوة للملك، ولتكون عروسًا له. في هذا العالم الذي حولنا كل ما هو للعريس يصير للعروس، وهكذا كل ما هو للرب، مهما كان فإنه يودعه إياك.

لقد أتى هو بشخصه إلى معونتك، ليدعوك إلى فوق، وأنت لا تقدر ولا تفهم مقدار كرامتك. لذلك فالمرنم الملهم يبكي على سقطتك قائلاً: “إنسان في كرامة ولا يفهم، فهو مثل البهائم بلا عقل، وهو يُشبّه بها” (مز 49: 20). فليكن المجد للآب والابن، وللروح القدس. إلى الأبد آمين.

أنت مدعو إلى فوق رغم التجارب – العظة 16 للقديس مقاريوس الكبير

القداسة والنقاوة – العظة الخامسة عشر للقديس مقاريوس الكبير

القداسة والنقاوة – العظة الخامسة عشر للقديس مقاريوس الكبير

القداسة والنقاوة – العظة الخامسة عشر للقديس مقاريوس الكبير

العظة الخامسة عشر للقديس مقاريوس الكبير – القداسة والنقاوة – د. نصحى عبد الشهيد

 

“هذه العظة تعلّم بالتفصيل، كيف ينبغي على النفس أن تسعى بالقداسة والطهارة

والنقاوة نحو عريسها يسوع المسيح مخلِّص العالم. وتحتوي أيضًا على بعض

مناقشات مملوءة بفوائد عظيمة مثل: هل تقوم جميع الأعضاء في القيامة كاملة؟

وعن الشر، وعن الإرادة الحرّة وعن كرامة الطبيعة البشريّة”

خطبة المسيح للنفس:

إذا كان إنسان غنيًا جدًا وهو ملك عظيم، ويضع قلبه على امرأة فقيرة لا تملك شيئًا سوى نفسها. ويصير محبًا لها ويرغب أن يأخذها لتعيش معه عروسًا له فحينئذٍ، إن هي أظهرت كل سخاء وخير ومحبة زوجها، مخصصةً أيضًا حبها له، فإن تلك المرأة الفقيرة المسكينة التي لم تكن تملك شيئًا تصير سيدة مالكة لكل ما يخص زوجها.

ومن الناحية الأخرى، فإنها إذا تصرفت ضد ما هو واجب وضد الالتزام والمسئولية، وسلكت بما لا يليق في بيت زوجها، فإنها حينئذٍ تُطرد خارجًا في خزي ومهانة وعار، واضعة يديها على رأسها كما يقول العهد القديم بالرمز عن الزوجة التي لا تسلك بلياقة في الغنى العظيم الذي سقطت منه وأي مجد قد ضاع منها، وكيف تجردت من كرامتها بسبب حماقتها.

واجب النفس التي يخطبها المسيح العريس السماوي:

وبنفس الطريقة فإن النفس التي يخطبها المسيح العريس السماوي لنفسه لأجل شركته السرية الإلهيّة، والتي قد تذوقت الغنى السماوي، يجب عليها بكل اجتهاد وإخلاص، أن ترضي المسيح حبيبها وتتمم كل ما هو واجب ولائق، خدمة الروح التي اُستؤمنت عليها، وأن تُرضي الله في كل شيء، ولا تحزن الروح في أي شيء وتحفظ التواضع والمحبة بحسب ما هو واجب نحوه هو الذي فيه يكمن الكمال، وتسلك حسنًا في بيت الملك السماوي بكل سخاء وخير وشكر قلب لأجل النعمة التي أُعطيت لها.

فمثل هذه النفس تصير سيدة ومتوليّة على كل خيرات الرب وحتى جسد مجد لاهوته يصير لها. ولكن إن سقطت، وسلكت ضد الواجب في خدمتها له ولم تفعل الأشياء التي ترضيه، ولم تتبع إرادته ولا تعاونت مع نعمة الروح الحاضر معها، فإنها حينئذٍ تحرم من كرامتها وتصير في خزى ومهانة، وتنفى من الحياة، كأنها غير نافعة وغير مناسبة لشركة الملك السماوي. حينئذٍ يكون غم وبكاء ورثاء على هذه النفس من كل الأرواح القديسة غير المنظورة: فالملائكة والقوات، والرسل والأنبياء والشهداء يبكون عليها.

فإنه كما قال الرب “يكون فرح في السماء” (لو 15: 7)، كذلك يكون أسف وبكاء في السماء على نفس واحدة تسقط من الحياة الأبديّة. وكما أنه حينما يموت إنسان غني، على الأرض، فإنه يُشيَّع بالموسيقى، والألحان الحزينة والولولة (العويل) من إخوته وأقاربه وأصدقائه ومعارفه، هكذا فإن جميع القديسين ينتحبون بألحان حزينة ومراثي على تلك النفس.

وهذا هو نفس ما يقوله الكتاب المقدس في موضع آخر بلغة رمزية “ولول يا سرو لأن الأزر سقط” (زكريا 11: 2).

فكما أن إسرائيل، حينما كان يظن فيه أن يرضي الرب- مع أنه لم يرضِ الرب أبدًا كما ينبغي- كان لهم عمود سحاب يظللهم، وعمود نار يضيء عليهم، وقد رأوا البحر ينقسم أمامهم، والماء الصافي يخرج من الصخرة، ولكن حينما تحوَّل قلبهم وقصدهم عن الله، أهلكتهم الحيَّات وسُلَّموا لأيدي أعدائهم فاقتيدوا إلى أسر مؤلم وعذبوا بعبودية مرّة.

وهذا ما يعلنه الروح سرّيًا بحزقيال النبي أيضًا، قائلاً عن مثل هذه النفس كأنها أورشليم “وجدتك عريانة في البرية فغسلتك من ماء في نجاستك، وألبستك ثوبًا، ووضعت عليكِ أساور في يدكِ وطوقًا في عنقك وأقراطًا في أذنيكِ. فخرج لكِ اسم بين جميع الأمم وأكلت السميذ والعسل والزيت، وبعد كل هذا نسيتِ خيراتي، وذ هبتِ وراء عاشقيكِ وزنيتِ بخزي وعار” (انظر حزقيال 16: 7-17).

لنتمم خلاصنا بخوف ورعدة:

هكذا بالمثل فإن الروح يحذر النفس التي تعرف الله من خلال النعمة، بعد أن تتطهر من خطاياها السالفة وتتزين بزينة الروح القدس، وتصير شريكة في الطعام الإلهي السماوي، ولا تسلك كما يجب بتمييز وتحفظ، ولا تحافظ كما يجب على التوقير والحب للمسيح العريس السماوي، وهكذا تُرفض وتُطرد من الحياة التي كانت شريكة فيها قبلاً.

فإن الشيطان يمكن أن يقوم وينتهز فرصة حتى ضد أولئك الذين وصلوا إلى قامات مثل هذه، وحتى ضد أولئك الذين قد عرفوا الله في نعمة وقوة، فإن الخطية لا تزال ترفع رأسها وتسعى أن تسقطهم. لذلك ينبغى أن نجتهد، ونسهر على نفوسنا بتبصر وحكمة، وأن “نتمم خلاصنا بخوف ورعدة” كما هو مكتوب (في 2: 12)، فمهما كنتم أنتم الذين صرتم شركاء في روح المسيح، فانظروا أن لا تسلكوا بازدراء أو عدم اهتمام في أي شيء، صغيرًا كان أم كان كبيرًا ولا تزدروا بنعمة الروح، حتى لا تُبعدوا من الحياة التي قد صرتم شركاء فيها.

وسأكرر هذا بمثل آخر. فإذا جاء خادم إلى قصر الملك ليستخدم الأواني الموجودة هناك، فهو يأخذ من الخيرات الخاصة بالملك- فهو لم يحضر معه شيئًا- ويخدم الملك بأواني الملك الخاصة. هذا الخادم يحتاج هنا إلى حكمة كثيرة وبصيرة وتمييز، حتى لا يرتكب خطأ في الخدمة، كأن يحضر إلى المائدة الملوكيّة نوع من الأطباق غير الذي كان يجب أن يحضره، بل ينبغي أن يرتب الأواني على المائدة بنظام من الأول إلى الآخر بالترتيب السليم فإذا كان بسبب الجهل وعدم التمييز، لا يخدم الملك بالنظام السليم وبترتيب، فإنه يفقد مكانه ومعيشته في القصر.

وبنفس الطريقة فإن النفس التي تخدم الله بالنعمة والروح يلزمها تبصر كثير ومعرفة لكي لا ترتكب خطأ في أواني الله، أي في خدمة الروح- بعدم حفظ إرادتها الخاصة في توافق مع النعمة. فإنه من الممكن في مجال خدمة الروح التي تتم سرًا بواسطة الإنسان الباطن، أن تقوم النفس بخدمة الرب في أوان من عندها، أي بروحها هي، ولكن الله لا يمكن أن يُخدم بغير أواني الله أي بغير النعمة حتى ترضيه وتعمل مشيئته في كل شيء.

الحاجة إلى الحكمة والتمييز:

وحينما ينال الإنسان النعمة، فإنه يكون حينئذٍ في حاجة شديدة إلى الفهم والحكمة والتمييز- وهذه العطايا هي نفسها تُعطى من الله للنفس التي تطلبها منه- لكي يُعبد الله عبادة مقبولة بالروح الذي ناله الإنسان، ولا تهاجمه الخطية بغتة فيخطيء، ولا يُغوى بالجهالة والطياشة والإهمال ويسلك ضد ما تطلبه مشيئة الرب، لأن نتيجة هذه الأشياء العقاب والموت، والبكاء لمثل هذه النفس.

فالرسول القديس يقول “لئلا بعدما كرزت للآخرين أصير أنا نفسي مرفوضًا” (1 كو 9: 27) وها أنتم تنظرون أي حذر وخوف كان عنده، مع أنه كان رسول الله، لذلك فلنتوسل إلى الله، نحن الذين حصلنا على نعمة الله، لكي نعبد عبادة الروح حسب مشيئته بأكثر مما هو معتاد، ولا يكون لنا شركة مع أفكار الاحتقار والعصيان، حتى إذا ما عشنا بطريقة مرضية للرب وعبدناه عبادة روحيَّة حسب مشيئته فإننا إذ نحيا هكذا نرث الحياة الأبديّة.

أعضاء الجسم وأعضاء النفس:

هناك البعض عندهم عاهات في أجسامهم، فقد يحدث أن إنسانًا تكون بعض أعضائه صحيحة، كعيناه مثلاً، أو غيرها من الأعضاء، ولكن بقية أعضائه عاجزة، هكذا أيضًا في العالم الروحي فقد يكون إنسان سليمًا وصحيحًا في ثلاثة أعضاء من روحه ولكن لا يكون كاملاً. فأنتم ترون كم للروح من مراحل ودرجات، وكيف أن الخطية يتم تصفيتها والتنقيّة منها على مراحل متتالية وليس دفعة واحدة، وأن عناية الله كلها وتدبيره للخليقة، وإشراق الشمس، وكل ما خلقه هذه جميعها إنما هي لأجل الملكوت الذي سيرثه المختارون لأجل تكوين ملكوت السلام والوئام.

نقاوة القلب وعدم إدانة الغير:

لذلك يجب على المسيحيين أن يجتهدوا على الدوام، ولا يدينوا أحدا بالمرة- ولا يدينوا حتى الزانية في الشارع ولا الأثمة المشهورين بخطاياهم والمتمردين- بل وأن ينظروا إلى كل البشر ببساطة النية ونقاوة العين، حين يصير الأمر هكذا كقانون ثابت في الطبيعة أن لا يحتقر أحدًا، ولا يدين أحدًا، ولا يمقت أحدًا حتى ولا يجعل تمييزًا بين أشخاص الناس. فإن رأيت إنسانًا بعين واحدة، فلا تنقسم في داخل قلبك، بل انظر إليه وراعيه كما لو كان صحيحًا تمامًا. والإنسان الأقطع (ذو يد واحدة) انظر إليه كما لو كان بيدين، والأعرج تنظر إليه كالذي يسير معتدلاً، والمشلول كالصحيح.

هذه هي نقاوة القلب، أنك حينما ترى خطاة أو مرضى، أن تشفق عليهم وترثى لحالهم، وتكون حنونًا ومحبًا من نحوهم[1] ويحدث أحيانًا أن قديسي الرب يجلسون في المراصد، وينظرون ضلال العالم وخداعه. فبحسب الإنسان الباطن هم يتخاطبون مع الله، ويصلون من أجل العالم ولكن بحسب الإنسان الخارجي فإنهم يظهرون للناس كأنهم يتأملون ما يحدث في العالم.

إن أهل العالم هم تحت تأثير روح الشر الواحد، وهو يجعلهم يهتمون بالأمور الأرضيّة، أما المسيحيون فلا هدف آخر، وفكر واهتمام آخر، فهم من عالم آخر ومدينة أخرى. إن روح الله له شركة مع نفوسهم، وهم يدوسون العدو تحت أقدامهم. فإنه مكتوب “آخر عدو يبطل هو الموت” (1 كو 15: 26). فالأتقياء هم سادة لكل الأشياء، أما أولئك المتراخون في الإيمان والخطاة فهم عبيد لكل الأشياء، والنار تحرقهم، والحجر والسيف يقتلانهم وأخيرًا تتسلط عليهم الشياطين.

قيامة الأجساد:

سؤال: هل تقوم كل أعضاء (الجسم)، في القيامة؟

جواب: إن كل شيء سهل على الله، وهو قد وعد بالقيامة، رغم أن هذا يبدو مستحيلاً بالنسبة إلى الضعف البشري والفكر البشري، لأنه كما أن الله أخذ من التراب ومن الأرض وكوَّن الجسد بطبيعة أخرى مختلفة وغير مشابهة بالمرة للأرض، وجعل فيه أنواع أعضاء وعناصر كثيرة، مثل الشعر، والجلد، والعظام، والأوتار، أو كما أن الإبرة إذا طُرحت في النار، يتغير لونها وتصير نارًا، رغم أن طبيعة الحديد (المصنوعة منه الإبرة) لا تنتزع بل تظل قائمة، كذلك أيضًا في القيامة، فإن جميع الأعضاء تقوم، وحتى شعرة واحدة لا تهلك، كما هو مكتوب (لو 21: 18).

وكل الأعضاء تصير مثل النور، وكلها تكون مغمورة في النور والنار، وتتغير تغييرًا حقيقيًا، ولكنها لا تتحلل وتصير نارًا خالصة كما يقول البعض، فلا يتبقى من قوامها الطبيعي شيء بالمرة على حسب ذلك الرأي، لا بل إن بطرس يظل هو بطرس، وبولس يظل هو بولس، وفيلبس هو فيلبس. وكل واحد يظل في طبيعته الخاصة وشخصيته ولكنه يكون مملوءً بالروح.

وأما إن قلت إن الطبيعة تتحلل وتفنى، فعندئذ لا يكون هناك وجود لبطرس أو بولس، أو أي شخص، ولا الذين ذهبوا إلى جهنم يحسون بعذابهم، ولا الذين دخلوا إلى الملكوت يشعرون بالغبطة والسعادة.

فإن قلنا إن هناك بستان زُرع فيه كل أنوع أشجار الفواكه، وكان فيه الكمثرى والتفاح والعنب، أشجارًا بثمارها وأوراقها، وهذا البستان تغيَّر وكل الأشجار وأوراقها تحولت إلى طبيعة أخرى وصارت مثل النور، هكذا أيضًا فإن البشر يتغيرون في القيامة، وتتقدس أعضاؤهم وتصير مثل النور (نورانية).

الصبر واحتمال الاضطهاد:

فيجب إذن على رجال الله أن يُعدّوا أنفسهم للحرب والقتال فكما أن الشاب الشجاع يحتمل الضربات التي تأتي عليه في مباراة المصارعة ويردها ثانية، كذلك يجب على المسيحيين أن يتحملوا الشدائد التي من الخارج، والحروب التي من الداخل، لكيما ينتصروا بواسطة الصبر رغم أنهم يُضربون، فهذا هو المسيحي. لأنه حيثما يكون الروح القدس، فهناك يتبعه الاضطهاد والحرب كظل له.

فأنت ترى الأنبياء، كيف اضطهدهم أقرباؤهم من الأول إلى الآخر، بينما كان الروح القدس يعمل فيهم. وانظر كيف أن الرب، الذي هو الطريق والحق، كان مُضطهدًا ليس من أمة أخرى، بل من خاصته. وخاصته- أي شعب إسرائيل- هم الذين اضطهدوه وصلبوه. كذلك كان الأمر مع الرسل. ومنذ أن جاء الصليب نُزع الروح المعزي من محلة إسرائيل، وانتقل إلى المسيحيين وحلّ عليهم. ولم يُضطهد اليهود بعد ذلك، وصار المسيحيون وحدهم هم الشهداء.

لهذا السبب فلا ينبغي أن يستغرب المسيحيون ذلك. فلابد للحق أن يُضطّهد.

الخطية وقلب الإنسان:

سؤال: يقول البعض إن الشر يدخل من الخارج وإن الإنسان يستطيع أن يمنعه من الدخول إذا أراد ويطرده عنه.

جواب: كما أن الحيَّة تحدثت إلى حواء وبسبب إذعانها دخلت إلى داخلها، هكذا أيضًا إلى هذا اليوم فإن الخطية التي هي خارج الإنسان تدخل إلى داخله برضى وإذعان منه. فالخطية لها السلطان والحريّة أن تدخل إلى القلب. لأن أفكارنا ليست خارجيّة بالنسبة لنا بل هي تأتي وتنبع من القلب في الداخل. فالرسول يقول: “فأريد أن يصلي الرجال في كل مكان رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا مجادلات[2] رديئة”. لأن هناك “أفكار تخرج من القلب” كما يقول الإنجيل (مت 15: 19).

فادخل للصلاة وافحص قلبك وعقلك، وقرر في نفسك أن ترفع صلاتك نقيّة لله، وانظر جيدًا ألاَّ يكون هناك شيء يعوق صلاتك، وأن تكون صلاتك طاهرة، وانظر هل عقلك منشغل تمامًا بالرب، كما ينشغل الزارع بزراعته، والعريس بعروسه، والتاجر بتجارته، أم أنك بينما تحني ركبتيك للصلاة يقوم آخرون بتشتيت أفكارك وسحبها بعيدًا.

إمكانية الخطية بعد المعمودية:

ولكنك قد تقول أن الرب قد جاء ودان الخطية بالصليب (رو 8: 3) وأن الخطية لم تعد بعد ذلك موجودة في الداخل. ولكن إذا فرضنا أن أحد الجنود وضع عربته في داخل بيت أحد الناس، أفلا يكون له الحريّة أن يدخل ذلك البيت ويخرج منه كما يريد. هكذا فإن الخطية لها حريّة أن تجادل في داخل القلب. إنه مكتوب أن الشيطان “دخل إلى قلب يهوذا” (يو 13: 27) وأما إذا قلت أن الخطية قد أدينت بمجيء المسيح، وأن الشر ليس له الحريّة- بعد المعمودية- أن ينازع في داخل القلب، أفلا تعرف أنه منذ مجيء الرب إلى هذا اليوم، وكل الذين قد اعتمدوا، تحاربهم أفكار شريرة في بعض الأوقات؟.

وألم يتحول البعض منهم إلى المجد الباطل، وإلى الزنى، أو إلى الشراهة؟. وهل كل الناس الذين هم في داخل حدود الكنيسة، لهم قلوب نقيّة وبلا عيب. وألا نجد أن هناك خطايا كثيرة ترتكب بعد المعمودية، وأن كثيرين يعيشون في الخطية، إذن فحتى بعد المعمودية، فإن السارق “الشيطان” له حريّة أن يدخل ويفعل ما يشاء.

محبة الله من كل القلب:

أنه مكتوب “تحب الرب إلهك من كل قلبك” (تث 16: 5) وأنت تقول “إني أحب الله، وعندي الروح القدس فهل عندك تذكّر مستمر للرب، ومحبة مشتعلة، وشوق حار إلى الرب؟. وهل أنت ملتصق ومرتبط بالرب بهذه الطريقة نهارًا وليلاً؟. فإن كان عندك محبة مثل هذه، فإنك تكون نقيًا، ولكن إن لم تكن لك، فحينئذٍ ينبغي أن تفحص باستمرار: إذا أتت في طريقك الأشغال الأرضيّة أو الأفكار الدنيئة الشريرة، هل يكون لديك ميل إليها، وهل تنجذب نفسك إلى المحبة والاشتياق لله باستمرار. إن أفكار العالم تُحدر العقل إلى الأمور الأرضيّة الفاسدة ولا تدعه يحب الله أو يتذكر الرب.

وقد يحدث من الناحية الأخرى أن إنسانًا أميًا يذهب إلى الصلاة، ويحني ركبتيه ويدخل عقله إلى الراحة وعلى قدر ما يحفر ويتعمق، فإن سور الخطية ينهدم أمامه ويدخل إلى الرؤيا والاستعلان والحكمة، حيث لا يقدر العظماء والحكماء والفصحاء أن يدخلوا إلى هناك ليفهموا ويعرفوا حالة عقله السامية، إذ أنه يكون مستغرقًا ومشغولاً بالأسرار الإلهيّة، والذي ليس له خبرة في تمييز القلوب لا يعرف كيف يقيّمها ويقدِّرها، بسبب نقص الخبرة. والمسيحيون ينفرون من الأمجاد الأرضيّة ويحسبونها نفاية (في 3: 8) بالمقارنة بعظمة وسمو تلك الأشياء، تلك العظمة التي تعمل بتأثيرها وفاعليتها فيهم.

النعمة والسقوط:

سؤال: هل من الممكن أن يسقط الإنسان الذي له موهبة النعمة؟.

جواب: إن أهمل، فإنه يسقط، فالأعداء لا يتراخون أبدًا ولا يتوقفون عن الحرب، فكم بالأكثر جدًا ينبغي عليك أنت ألاَّ تكف عن طلب الله. لأن الخسارة التي تحصل لك نتيجة الإهمال هي خسارة عظيمة جدًا، حتى لو ظننت في نفسك، أنك متدرب ولك خبرة في سر النعمة ذاته.

سؤال: هل تبقى النعمة في الإنسان بعد سقوطه؟.

جواب: إن مشيئة الله هي أن يرد الإنسان ثانية إلى الحياة ويحركه ليعود إلى البكاء والتوبة. فإن كانت النعمة تظل باقية، فإنما غرضها من ذلك أن تجعلك عاملاً جادًا بعزم شديد في توبتك عن تلك الأشياء التي سبق أن أخطأت فيها.

الكاملون ومحاربات الشيطان:

سؤال: هل الكاملون مُعرَّضون لأن تحل بهم صعوبات أو حروب، أم أنهم أحرار تمامًا من كل هم وقلق؟.

جواب: إن العدو لا يكف أبدًا عن المحاربة. إن الشيطان عديم الرحمة في كراهيته للبشر، لذلك فهو لا يتوقف أبدًا عن المحاربة ضد كل إنسان.. ولكن الظاهر أنه لا يهاجم الجميع بنفس الدرجة، فإن حكام الولايات والنبلاء في البلاط الملكي يدفعون الجزية للإمبراطور، والإنسان الذي في هذا المركز له ثقة في ثروته من الذهب والفضة، حتى أنه يدفع الضريبة من فائض دخله، ولا يشعر بأي خسارة.

والإنسان الذي يعطي صدقة لا يشعر بأنه يخسر. وكذلك فإن الشيطان يعتبر هذا الأمر (أي عدم مهاجمته للبعض) أنه فضلة وزيادة وأنه ليس بالأمر الخطير[3].

ولكن قد يكون هناك إنسان فقير، معدم حتى من القوت اليومي. وهو يُضرب ويُعذب لأنه لا يستطيع أن يدفع الضريبة، وقد يصرف وقته في احتمال الجلدات والانتهاكات المتكررة ويسوقونه أمامهم بالقوة، ولكنه لا يموت، بينما هناك إنسان آخر يصدر الأمر بقطع رأسه ويهلك في لحظة واحدة- وهكذا الأمر بين المسيحيين فالبعض منهم يحاربون بشدة ويُضيّق عليهم بالخطية، ومع ذلك يصيرون أكثر ثباتًا وحكمة وتمرنًا على الحروب.

ويحتقرون قوة العدو، ولا يكونون في خطر من هذه الناحية، لأنهم يكونون محفوظين من السقوط ومتيقنين من خلاصهم، لأنهم قد تمرنوا كثيرًا في الحرب ضد الخطية والشر واكتسبوا خبرة عظيمة، ولأنهم حاصلون على حضور الله معهم، فإنه يقودهم ويكونون في راحة.

إلاَّ أن البعض الآخر، الذين لم يتمرنوا بعد، فهؤلاء إن سقطوا في شدة واحدة وثارت عليهم الحرب، فإنهم يقعون في الخراب والهلاك.

انشغال القلب بالمسيح وحده:

ومثل المسافرون الذين يدخلون إلى مدينة ما، قاصدين أن يروا أحباءهم ومعارفهم، فحينما يقابلون أناسًا كثيرين في أسواق المدينة فإنهم لا يتوقفون بسببهم، وذلك لأن غايتهم هي أن يجدوا أصدقاءهم. وحينما يقرعون على باب أحبائهم من الخارج وينادون عليهم فإن أصدقاءهم الأعزاء يفتحون لهم بفرح، ولكنهم إن تلكأوا في الأسواق، وانخدعوا أو تعوَّقوا بسبب أولئك الذين يقابلونهم فإن الباب يغلق ولا يفتح لهم أحد، وهكذا أولئك الذين يسعون إلى الأمام ليصلوا إلى ربنا المسيح المحبوب الحقيقي، فينبغي أن يغضوا النظر عن كل من هم سواه ولا ينشغلوا بهم.

فإن النبلاء والحكام، الذين يدخلون القصر إلى الملك، يكونون في خوف شديد من جهة ما يجاوبون به وكيف يتكلمون لئلا بسبب خطأ في إجابتهم عن أنفسهم ينتهي الأمر بهم إلى محاكمتهم وعقابهم، وأما عامة الشعب البسطاء، الذين لم تقع عيونهم قط على أمير، فإنهم يصرفون أيامهم بلا قلق أو همّ. وهذا هو الحال مع هذا العالم الأرضي الذي تحت السماء- من الملك إلى أفقر الناس- فإذ لا يعرفون شيئًا عن مجد المسيح- فهم يهتمون فقط بأمور هذه الحياة الأرضيّة ولا يوجد بينهم حتى ولا واحد يتفكر في يوم الدينونة. أما أولئك الذين يأتون بأفكارهم أمام كرسي دينونة المسيح، حيث يكون عرشه، ويصرفون حياتهم في حضرته فإنهم يكونون في خوف ورعدة باستمرار، لكي لا يصنعوا أي خطأ من جهة وصاياه المقدسة.

تملك النعمة على القلب:

وكما أن أغنياء الأرض حينما يحضرون ثمارًا كثيرة إلى مخازنهم، فإنهم يعملون أكثر فأكثر كل يوم ليحضروا ثمارًا أكثر، ليكون عندهم وفرة عظيمة، ولا يكون عندهم تناقص.

فلو أنهم اعتمدوا على الغنى المخزون في المخازن ولم يهتموا أن يضيفوا إليه وبدأوا يستعملون ما سبق أن خزنوا، فإنهم بعد فترة يقعون في الفقر والحاجة ولذلك فإنه يلزمهم أن يسعوا وأن يعملوا ويزيدوا دخلهم كثيرًا، لكي لا يتخلفوا. وهكذا الأمر في المسيحيَّة، حينما نتذوق نعمة الله كما يقول “ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب” (مز 34: 8).

فهذا التذوق هو قوة فعَّالة من الروح في ملء الثقة، بحسب خدمة الروح في داخل القلب. لأن كل الذين هم أبناء النور، ومن خدمة العهد الجديد في الروح القدس فهؤلاء لا يتعلمون شيئًا من الناس، بل هم يتعلمون من الله (يو 6: 45، 1 تس 4: 9) فالنعمة نفسها تكتب على قلوبهم قوانين الروح.

لذلك فلا ينبغي أن يتكلموا فقط على الكتب المكتوبة بالحبر، فإن نعمة الله تكتب قوانين الروح وأسرار السماء على “ألواح القلب” أيضًا (2 كو 3: 3). لأن القلب يحكم ويملك على كل حركات الجسد، وحينما تملك النعمة على مراعي القلب، فإنها بذلك تملك على كل الأعضاء والأفكار لأنه هناك- أي في القلب- يوجد العقل، وكل ملكات النفس وكل آمالها، لذلك فإن النعمة تنفذ أيضًا إلى كل أعضاء الجسد (عن طريق القلب).

تملك الخطية على القلب:

ومن الجهة الأخرى، فإن كل أبناء الظلمة، تملك الخطية على قلوبهم، وتنفذ إلى كل أعضائهم “لأن من القلب تخرج الأفكار الشريرة” (مت 15: 19) وهكذا إذ تنتشر الأفكار الشريرة تجعل الإنسان في ظلمة. وأولئك الذين يقولون أن الشر لا يتولد في الإنسان وينمو في داخله، ربما لا يهتمون من جهة الغد، وقد لا تحاربهم شهوة، لأن الشر يكف فترة من الوقت عن إزعاجهم بتحريك نوع من الشهوة في داخلهم، حتى أن الإنسان يتجاسر على أن يقسم “إن هذه الشهوة لم تعد تهاجمني”.

ولكن بعد فترة وجيزة يشتعل بالشهوة، حتى أنه يوجد حانثًا في القسم الذي أقسمه. وكما أن الماء يجري في الأنابيب، هكذا تسري الخطية في القلب والأفكار، وكل الذين ينكرون هذا فإن الخطية نفسها تدحضهم وتهزأ بهم، حتى ولو كانت الخطية لا تفكر في الانتصار عليهم، لأن الشر يحاول أن يكون مستترًا ومتخفيًا في داخل عقل الإنسان.

المحبة لله وكرامة الإنسان:

إن كان أحد يحب الله، فإن الله أيضًا يخلط محبته بهذا الإنسان وإذا أؤتمن الإنسان مرة على محبة الله، فإن الله يزيد عليه من الإيمان السماوي ويصير الإنسان كائنًا متكاملاً. فكل جزء من نفسك تقدمه لله، فإنه يخلط بنفسك شيء مثله من نفسه، حتى أن كل ما تفعله يُعمل بنقاوة، ويصير حبك نقيًا وصلاتك نقيّة.

عظيمة هي كرامة الإنسان، فانظر عظمة السموات والأرض، والشمس والقمر، ولكن الرب لم يسر أن يستريح في هذه المخلوقات بل في الإنسان فقط. لذلك فالإنسان له قيمة أعظم من كل المخلوقات ولعلي أتجاسر وأقول ليس فقط المخلوقات المنظورة بل وأيضًا أعظم من المخلوقات غير المنظورة، وأعظم حتى من “الأرواح الخادمة” (عب 1: 4). فلم يقل الكتاب عن ميخائيل وجبرائيل رؤساء الملائكة “لنخلقهم على صورتنا كشبهنا” (تك 1: 26) بل قال هذا على الجوهر الروحي للإنسان، وأنا أعني نفسه غير المائتة. لأنه مكتوب “إن ملائكة الرب تعسكر حول خائفيه” (مز 34: 6).

الاختلاف بين الإنسان والمخلوقات الماديّة:

إن المخلوقات الماديّة مرتبطة بطبيعتها التي خُلقت عليها.

فالسماء خُلقت لأجل الخير وكذلك الشمس والقمر والأرض- ولم تكن مسرة الرب فيها، رغم أنها لا تستطيع أن تتغير عن ما خُلقت عليه، كما أنها ليست لها أي إرادة. وأما أنت أيها الإنسان، أنت مخلوق على صورة الله ومثاله، لأنه كما أن الله له السيادة في نفسه ويفعل ما يشاء- فإذا أراد فله السلطان أن يرسل الأبرار إلى جهنم والأشرار إلى الملكوت ولكنه لا يُسرّ بأن يفعل هذا، ولا يقبل مجرد هذا الفكر، لأن الرب عادل وبار- وهكذا أنت أيضًا فإنك سيد نفسك، فإذا أردت أن تهلك فيمكنك أن تفعل ذلك.

وإذا اخترت أن تجدف أو أن تخلط سمومًا لكي تقتل إنسانًا ما فلن يمنعك أو يعوقك أحد. فإذا أراد الإنسان يمكنه أن يخضع لله ويسير في طريق البر ويضبط شهواته. فإن عقلنا هذا هو قوة متوازنة وقد أُعطِيت له القدرة أن يُخضع حركات وشهوات الخطية المخجلة.

ينبغي محاربة الشر الساكن فينا:

وكما أنه في بيت عظيم، حيث توجد أوان من الذهب والفضة وأنواع ملابس مختلفة وأموال كثيرة، فإن الشبان والشابات الذين يعملون هناك يقمعون عقولهم رغم أن طبيعتهم- بسبب الخطية الساكنة فيهم- تشتهي كل هذه الأشياء. ولكن بسبب الخوف البشري من سادتهم فإنهم يلجمون رغباتهم، فكم بالحري جدًا حيث يوجد خوف الله، فينبغي على الإنسان أن يحارب ويقاوم الشر الساكن فيه.

فإن الله وضع عليك كل ما يمكن أن تفعله. إن طبيعة الحيوانات غير العاقلة هي طبيعة مقيدة. فطبيعة الحيَّة طبيعة مُرّة وسامة وهكذا تكون كل الحيات. والذئب طبيعته مفترسة، وكل الذئاب لها نفس الطبيعة. ووداعة الحمل تجعل منه فريسة وكل الحملان لها نفس الطبيعة، والحمامة ليس فيها غدر وإيذاء، وهكذا طبيعة كل الحمام. وأما الإنسان فليس مثل هذا. فهناك إنسان ما مثل ذئب مفترس، وآخر مثل حمل، ولذلك يكون فريسة، وكلاهما يصدران من أصل الطبيعة البشريّة.

الطبيعة الإنسانية المتغيرة:

فهناك إنسان لا يكتفي بزوجته ويسلك في الزنا بينما هناك إنسان آخر لا يحتمل حتى مجرد تحرّك الشهوة في قلبه. هناك إنسان ينهب ما لقريبه، وإنسان آخر يعطي كل ما عنده حبًا لله. فها أنت ترى كم أن الطبيعة الإنسانية متغيرة. فإنك تجدها تميل إلى الشر، وتجدها تميل أيضًا إلى الخير. وفي الحالتين تكون في وضع بحيث توافق وترضى بهذا العمل أو ذاك حسبما تشاء.

فالطبيعة الإنسانية إذن قابلة للخير والشر، قابلة إما للنعمة الإلهيّة أو للقوة المعادية، ولكنها ليست تحت اضطرار أن تقبل هذه أو تلك. إن آدم نفسه لما كان في حالة النقاوة كانت له السيادة على عقله، وجابه جبالاً من المصاعب لا يمكن احتمالها، ولكن منذ أن تعدى وصية الله اختلطت أفكار الشر بعقله فصارت كأنها أفكاره، مع أنه ولا واحدة من هذه الأفكار هي أفكاره أصلاً، لأن هذه الأفكار هي تحت سيادة الشرير.

الأفكار النقيّة هي الأفكار الطبيعيّة:

فينبغي إذن أن تطلب وتسعى للحصول على مصباح منير لكي تستطيع أن تجد الأفكار النقيّة. فتلك الأفكار هي الأفكار الطبيعيّة التي صنعها الله. فالناس الذين ينشأون على شاطيء البحر يتعلمون السباحة، وحينما تثور العواصف وتتلاطم الأمواج، فإنهم لا يندهشون منها، وأما أولئك الذين لم يعتادوا هذه الأشياء، فإن أتت عليهم زوبعة ولو ضئيلة فإنهم يرتعبون ويغرقون في البحر. وهكذا الأمر أيضًا مع المسيحيين.

فكما أن عقل الطفل في سن الثالثة لا يستطيع أن يتابع أو يفهم عقل الرجل البالغ المفكر، بسبب وجود فرق كبير في السن بينهما، هكذا المسيحيون فإنه ينظرون إلى العالم مثل الأطفال، وعيونهم مرفوعة ومثبتة على قوة النعمة المعطاة لهم. إنهم غرباء بالنسبة لهذا العالم، ومدينتهم ومكان راحتهم ليست في هذا العالم، فالمسيحيون لهم عزاء وروح ودموع وحزن وتنهد، وحتى الدموع هي راحة وتمتع لنفوسهم. ويوجد عندهم خوف أيضًا، في وسط الفرح والتهليل، ولذلك فهم مثل أناس يحملون دمهم في أيديهم، ولا يضعون ثقتهم في أنفسهم ولا يعتبرون أنفسهم أنهم شيء، بل هم محتقرون ومرذولون أكثر من كل الناس.

أي شيء لك لم تأخذه؟

فإذا افترضنا أن ملكًا أودع كنزه عند إنسان فقير. فالإنسان الذي أخذ مسئولية حفظ الكنز لا يتمسك به كأنه ملكه بل يعترف دائمًا بفقره ولا يتجاسر أن يبذِّر ويصرف من كنز غيره. ويضع دائمًا في عقله، ليس فقط أن الكنز ليس ملكه، بل أيضًا “أن الذي أودع الكنز عندي هو ملك مقتدر قوي، وحينما يشاء فإنه يأخذه مني” كذلك ينبغي على أولئك الذين ينالون نعمة الله أن يعتبروا أنفسهم هكذا، وأن يكونوا ذوي عقل متضع، ويعترفوا بفقرهم.

وكما أن الإنسان الفقير الذي، أودع الملك الكنز عنده، إذا اعتمد على الكنز الذي لغيره وتفاخر به كأنه كنزه وبدأ عقله يتشامخ، فإن الملك يأخذ منه الكنز، ويصير الإنسان الذي كان عنده الكنز فقيرًا كما كان سابقًا، هكذا الذين يحصلون على النعمة إذا استكبروا وانتفخوا، فإن الرب يأخذ نعمته منهم، ويرجعون إلى ما كانوا عليه قبل نوال النعمة من الرب.

خداع الخطية وثمرة الجهاد ضدها:

وهناك كثيرون، بالرغم من أن النعمة حاضرة معهم، فإنهم ينخدعون بالخطية بدون أن يلاحظوا. فإذا افترضنا أنه كان في أحد البيوت فتاة عذراء، وكان هناك شاب أيضًا، فيحتال الشاب عليها ويتملقها حتى ترضى وتوافقه على شهواته، فتسقط وتفقد عفتها. كذلك الحيَّة المرعبة، حيَّة الخطية فهي تحضر دائمًا مع النفس، تداعبها وتغريها، فإذا وافقت النفس ورضيت، فإن النفس غير الجسدانيّة تدخل في ارتباط مع الشر غير الجسداني الذي لذلك الروح (الشرير)، فالروح تدخل في ارتباط مع روح.

والذي يرضى بإغواء الشرير، فإنه يزني في قلبه، إذ يكون قد قَبِلَ ورضى بإيحاءات (الروح) الخبيث. فهذه هي إذن درجة جهادك، أن لا ترتكب هذه الخطية في أفكارك، بل تقاومها بعقلك، وتحارب وتجاهد في الداخل، ولا تذعن لفكر الشر، ولا تعطي مكانًا في أفكارك للتلدذ بما هو خاطيء، فإذا وَجَدَ الرب فيك هذا الميل والاستعداد فهو بلا شك، يأخذك إليه في ملكوته في اليوم الأخير.

الرب يسمح بالتجارب لامتحان الإيمان:

إن هناك أشياء يأمر بها الرب لكي لا يترك نفسه بلا شهادة من نعمته الإلهيّة ودعوته، وهناك أشياء أخرى يأذن بها الرب على سبيل السماح، لأجل امتحان الإنسان وتدريبه، لكي تظهر وتتضح حريّة إرادته وتقريره وعزمه. فأولئك الذين هم في الشدائد والتجارب، إذا احتملوا وصبروا لا يسقطون من ملكوت السموات، لذلك فإن المسيحيين لا يقلقون ولا يكتئبون في ظروف الضيق.

وإذا امتحنوا بالفقر أو الآلام، فلا ينبغي أن يستغربوا ذلك، بل بالحري أن يفرحوا بالفقر ويحسبوه كالغنى، وبالصوم ويحسبوه كالوليمة، وبالهوان وعدم الشهرة ويحسبونه مجدًا. ومن الجهة الأخرى، إذا وقعوا في ظروف وأحوال مبهجة ومجيدة في هذه الحياة، قد تميل بهم إلى الراحة العالمية، أو الغنى أو المجد، أو الترف أو التنعم، فلا ينبغي أن يفرحوا بهذه الأشياء. بل أن يتجنبوها كما يتجنبون النار.

محبة الله- كرامة الإنسان- تدبير الخلاص:

وفي العالم الذي حولنا، إذا أثارت أمّة صغيرة الحرب ضد الإمبراطور، فهو لا يهتم أن يدخل المعركة بنفسه، ولكنه يرسل جنودًا مع ضباطهم وهم يقومون بالقتال. ولكن إن كانت الأمّة التي تثير الحرب ضده هي أمّة عظيمة جدًا، وقوية لدرجة أنها تستطيع أن تخرب مملكته فإن الإمبراطور يضطر أن يخوض المعركة بنفسه ومعه رؤساء قصره وأبطال جنوده محركًا إياهم بنفسه في المعركة. فانظر إذًا مقدار كرامتك (أيها الإنسان).

فإن الله بنفسه قد تحرك بصحبة قواته- وإنما أعني الملائكة والأرواح المقدسة- وجاء من أجلك بنفسه، ليحميك وينقذك من الموت. لذلك اهتم بنفسك جيدًا، وتأمل في نفسك ما أعظم التدبير الذي صنعه الرب لأجلك، ونستعمل توضيحًا من هذه الحياة في العالم إذ أننا لا نزال نحيا في وسطها، فإذا افترضنا أن هناك ملكًا عظيمًا، يبحث ويفتش ليجد إنسانًا في فقر ومعاناة، وهو لا يخجل منه، بل يعالج جروحه بأدوية شافية، ويحضره إلى قصره، ويلبسه الأرجوان والتاج الملكي ويجعله شريكًا في مائدته الملكية، فهكذا أيضًا المسيح الملك السمائي جاء إلى الإنسان المجروح وشفاه وجعله شريكًا في المائدة الملوكيّة، وذلك بدون أن يغتصب إرادته، بل بواسطة الحث والإقناع يجعله في مثل هذه الكرامة العظيمة.

الرب أعد لنا الملكوت ويدعونا لنرثه:

إنه مكتوب في الإنجيل أن الرب أرسل عبيده، ليدعوا أولئك الذين يرغبون ويعلن لهم أن الغذاء قد أُعد، ولكن الذين دعوا بدأوا يستعفون فقال أحدهم “قد اشتريت خمسة أزواج بقر” وقال آخر “إني تزوجت بامرأة” (لو 14: 16-20). فها أنت ترى أن الداعي كان مستعدًا، ولكن المدعوين رفضوا دعوته فهم وحدهم المسئولون عن رفض الدعوة.

إن كرامة المسيحيين هي عظيمة جدًا فتأمل كيف أن الرب قد أعد لهم الملكوت، ودعاهم ليدخلوا فيه، وهم لا يريدون. ومن جهة الهبة التي سيرثونها، فيمكننا أن نقول إنه لو جاهد كل واحد من الناس منذ خليقة آدم إلى نهاية العالم، لو جاهد الجميع ضد الشيطان واحتملوا الشدائد فإنهم لا يفعلون شيئًا بالمقارنة بالمجد الذي سيرثه كل واحد منهم، لأنه سيملك مع المسيح إلى دهور لا نهاية لها، فالمجد لذلك الذي أحب النفس هكذا. المجد له لأنه أعطى نفسه وأعطى نعمته لها واستودعهما لهذا الشخص!.. فالمجد لعظمته!.

الاختلاف بين الإنسان الباطن والظاهر:

بحسب كل المظاهر الخارجيّة، فنحن الإخوة جميعًا الذين نجلس هنا الآن لنا صورة واحدة ووجه واحد وهي التي لآدم. حسنا، ولكن هل لنا في الخفاء أيضًا، في الأمور الداخلية، قصد واحد بيننا جميعًا، وقلب واحد؟ هل نحن جميعًا واحد، في الصلاح والتقوى؟ أم أن البعض منا لهم شركة مع المسيح وملائكته والبعض الآخر لهم شركة مع الشيطان والأرواح الشريرة؟ ومع ذلك نحن جميعًا ونحن نجلس معًا ظاهرين مثل إنسان واحد، وكل واحد منا يحمل نفس وجه آدم.

فها أنت ترى الفرق الكبير بين الجوهر غير المنظور، أي الإنسان الباطن وبين الإنسان الخارجي لأننا جميعًا نشبه إنسانًا واحدًا، ومع ذلك فالبعض هم مع المسيح، وملائكته والبعض مع الشيطان والأرواح النجسة. فالقلب له عمق لا قرار له. ففيه توجد غرف استقبال، وغرف للنوم، وأبواب وأروقة ومكاتب كثيرة، وممرات، وفيه يوجد معمل البر، أو معمل الشر. فيه الموت، وفيه الحياة، فيه توجد التجارة الصالحة وما هو ضدها أيضًا.

المسيح يقيم ملكوته في القلب:

فإذا افترضنا أن هناك قصر عظيم جدًا، وهذا القصر أصبح مهجورًا، وامتلأ بكل رائحة رديئة وبجثث ميتة كثيرة. هكذا فإن القلب هو قصر المسيح، وهو مملوء بكل نجاسة وبجموع كثيرة من الأرواح الشريرة، فينبغي إذن إعادة تأسيسه وإعادة بنائه، وإعادة تنظيم مخازنه وغرف النوم التي فيه، لأن الملك نفسه أي المسيح يأتي إلى هناك هو والملائكة والأرواح المقدسة. ليستريح وليسكن وليتمشى هناك ويقيم فيه ملكوته. وإني أخبرك أن القلب هو مثل سفينة مزودة بكمية وافرة من حبال الأشرعة والبكرات، وفيها قبطان يدبر الكل، ويحدِّد لكل واحد مهمته، ويصلح خطأ البعض منهم، ويبين لغيرهم ما هو الطريق، فالقلب أيضًا له قبطان في العقل، وهو الضمير الذي يقوم دائمًا بمحاكمتنا، “والأفكار فيما بينها مشتكية أو محتجة” (رو 2: 15).

الضمير وملكات القلب:

فأنت ترى أن الضمير لن يهمل أو يترك الأفكار التي تستجيب للخطية، بل يحكم عليها في الحال. وهو لا يكذب، بل يشهد بما ينبغي أن يقوله أمام الله في يوم الدينونة، كأنه يقوم بمحاكمتنا بصفة مستمرة. فإذا افترضنا أن هناك مركبة ولجم، فإذا الخيل وكل جهاز العربة إنما هي تحت سيطرة سائق واحد فحينما يشاء فإنه يجعل المركبة تحمله بسرعة عظيمة، ومتى شاء فإنه يستطيع أن يوقفها.

وأي طريق يريد أن يميل إليها فإن المركبة تسير معه حسب ما يوجهها فالمركبة هي تحت سلطان السائق. وبنفس الطريقة فإن القلب له ملكات طبيعية كثيرة مرتبطة به، فالعقل والضمير هما اللذان يوبخان القلب ويقودانه، ويوقظان الملكات الطبيعيّة التي تنبع في القلب. إن النفس لها أعضاء كثيرة، رغم أنها هي واحدة.

ومن الوقت الذي فيه تعدى آدم الوصية، دخلت الحيَّة إلى الداخل وجعلت نفسها سيدة البيت وصارت كأنها نفس ثانية إلى جانب النفس. لأن الرب يقول “من لا ينكر نفسه، ومن لا يبغض نفسه، فلا يكون لي تلميذًا” (لو 14: 26، 9: 23) وأيضًا “من يحب نفسه فسيهلكها” (مت 10: 39).

النقاوة والقداسة:

فالخطية لما دخلت إلى النفس صارت مثل عضو للنفس، واتحدت بالإنسان الجسداني، ولذلك فإن أفكارًا نجسة كثيرة تنشأ في القلب. فذلك الذي يعمل رغبات نفسه، فإنه يعمل رغبات الشر لأن الشر مختلط وممتزج بالنفس. والذي يجذب نفسه إلى الخضوع والطاعة، ويغضب مع نفسه وضد الرغبات التي تتحرك فيه، فهو مثل الذي يخضع مدينة العدو ويحكمها. وهذا الإنسان يحسب أهلاً للوصول إلى درجات الروح الصالحة ويكافأ بواسطة قوة الله بأن يصير إنسانًا نقيًا، ويجعله الله أعظم من نفسه (أعظم مما كان)، لأن مثل هذا الإنسان يؤله، ويصير ابنًا لله، إذ يحصل على الختم السماوي على نفسه، لأن مختاري الله يمسحون بدهن القداسة ويصيرون أناسًا ذوي مراتب بل وملوكًا.

وهكذا هي طبيعة البشر. فمن عمق الخبث وعبودية الخطية قد يتحول الإنسان إلى الصلاح وقد يكون هناك إنسان مرتبط بالروح القدس وسكرانًا بالأمور السماويَّة ومع ذلك ففي استطاعته إذا أراد أن يتحول إلى الشر. ومثل امرأة تلبس الثياب الرثة، وتعاني الجوع وهي كلها قذرة، قد تصل بجهد كثير إلى المرتبة الملوكيّة، وتلبس الأرجوان والتاج، وتصير عروسًا للملك.

فهي تتذكر أحيانًا حالتها السابقة القذرة وتخاف أن ترجع إلى حالتها القديمة، ولكنها لا تختار بإرادتها أن ترجع إلى عارها السابق، لأن ذلك يكون حماقة عظيمة، وهكذا أولئك الذين قد ذاقوا نعمة الله وصاروا شركاء الروح القدس إذا لم يحترسوا لأنفسهم (يأخذوا حذرهم) فإنهم ينطفئون ويصيرون أردأ مما كانوا عليه قبلاً حينما كانوا في العالم. وليس معنى هذا أن الله متغير أو غير قادر أن يحفظهم، أو أن الروح نفسه هو الذي “ينطفيء” (1 تس 5: 19)، بل أن الأشخاص أنفسهم هم الذين لا يوافقون النعمة ولا يتجاوبون معها، ولهذا السبب فإنهم يخفقون ويسقطون في شرور كثيرة.

لأن أولئك الذين قد ذاقوا تلك النعمة، يكون حاضرًا معهم كل من الفرح أو العزاء والخوف أو الرعدة، أي البهجة والحزن معًا. إنهم ينوحون لأجل نفوسهم ولأجل كل جنس آدم (إذ أن الجنس البشري كله هو واحد) وأن دموع مثل هؤلاء الأشخاص هي خبزهم وبكاءهم وحزنهم هو حلاوة وإنعاش لهم.

خطورة الكبرياء الانتفاخ:

فإذا رأيت إنسانًا متكبرًا ومنتفخًا بسبب ما ناله من نعمة فهذا الإنسان حتى لو صنع العجائب وأقام الموتى، ولكنه لم يعتبر نفسه أنه غير مستحق بل مزدرى، ويستمر مسكينًا بالروح ويبغض نفسه فإن الخطية تخدعه دون أن يدري وحتى إن كان يصنع العجائب فلا يمكنك أن تصدقه، لأن علامة المسيحيَّة هي هذه، أن يكون الشخص ممدوحًا من الله بينما هو يسعى باجتهاد لتجنب ملاحظة الناس له وحتى إذا كان عنده جميع كنوز الملك فإنه يخفيها، ويقول باستمرار “إن هذه الكنوز ليست ملكي بل إن شخصًا غيري قد وضعها بين يدي.

وأما أنا فإنسان فقير، وحينما يشاء صاحبها فإنه يأخذها مني، فإذا قال أحد “أنا غني وعندي الكثير وقد ربحت كثيرًا ولا أحتاج إلى شيء أكثر” فهذا الإنسان ليس مسيحيًا، بل هو إناء للضلالة والشيطان. إن التمتع بالله إناء لا يشبع منه، فبقدر ما يذوق الإنسان منه ويأكل، فإنه يجوع أكثر. ومثل هؤلاء الأشخاص لهم حرارة ومحبة لله لا يمكن حصرها، وكلما سعوا للتقدم والنمو، كلما اعتبروا أنفسهم فقراء، كأولئك الذين هم في غاية الحاجة ولا يملكون شيئًا.

وهذا ما يقولونه. “أنا لست أهلاً لإشراق هذه الشمس عليَّ” وهذه هي علامة المسيحيَّة- هذا التواضع، وأما إن قال أحد “أنا قد شبعت وامتلأت” فهو خادع وكاذب.

التجلى وتمجيد الأجساد:

وكما أن جسد الرب كان قد تمجد حينما صعد إلى الجبل وتجلى بالمجد الإلهي وبالنور غير المحدود، فهكذا ستتمجد أجساد القديسين وتضيء مثل البرق. فالمجد الذي كان في داخل المسيح فاض على جسده وأضاء، وبنفس هذه الطريقة ما يحدث في القديسين، فإن قوة المسيح التي في داخله ستنسكب في ذلك اليوم على أجسادهم من الخارج. فإنهم منذ الآن يشتركون في جوهره وطبيعته في عقولهم، لأنه مكتوب “الذي يقدس والذين يتقدسون جميعهم من واحد” (عب 2: 11). وأيضًا “وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني” (يو 17: 22).

وكما أن مصابيحًا كثيرة توقد من نار واحدة هكذا أجساد القديسين إذ هي أعضاء المسيح فإنها بالضرورة تصير مثل المسيح نفسه وليس شيئًا آخر.

الموت والحياة وحريّة الاختيار:

سؤال: ما هي أفضلية المسيحيين على آدم الأول؟ فإنه كان غير مائت وغير فاسد في الجسد وفي النفس معًا، بينما المسيحيون يموتون ويأتون إلى الفساد.

جواب: الموت الحقيقي هو في الداخل، في القلب، وهو مختفي، والإنسان الباطن هو الذي يهلك، ولذلك فإذا انتقل أحد “من الموت إلى الحياة” (يو 5: 24) في ذلك المكان الخفي، فإنه يحيا حقيقة إلى الأبد ولا يموت أبدًا. ورغم أن أجساد مثل هؤلاء الناس لتحلل إلى فترة من الزمن، إلا أنهم يقومون ثانيةً في مجد، لأنهم مقدسون.

لهذا السبب نحن نسمي موت المسيحيين رقادًا وراحةً. فلو أن الإنسان كان غير قابل للموت، وجسده محفوظ من التحلّل، فإن العالم كله حينئذٍ حينما يرون هذه الحقيقة الغريبة أن أجساد المسيحيين غير قابلة للفساد، فإنهم يأتون إلى فعل الخير بنوع من الإجبار وليس بحريّة الاختيار.

فلكي تظهر حريّة الإرادة وتظل ثابتة، تلك الحريّة التي منحها الله للإنسان منذ البدء، لهذا السبب فإن العناية نظمت هذه الأمور، وجعلت تحلل الأجساد (أي الفساد) أمرًا واقعًا حتى يكون الأمر متروكًا لاختيار الإنسان وتمييزه أن يتحول إلى الخير أو إلى الشر. لأنه حتى الإنسان المتأصل في الشر والمتعمق في الخطية، والذي يجعل نفسه أداة للشيطان ليتسلط عليه تمامًا، فحتى هذا الإنسان ليس مربوطًا بأي اضطرار، بل إن له الحريّة أن يصير “إناء مختار” (أع 9: 15)، إناء للحياة.

وبنفس الطريقة، فمن الناحية الأخرى أولئك الذين يتشربون باللاهوت، ولو كانوا مملوئين بالروح القدس وهم تحت سيادته، فإنه ليسوا مُقيدين بأي اضطرار، بل لهم حريّة الاختيار أن يتحولوا ويفعلوا ما يشاءون في العالم الحاضر.

النمو في النعمة بالتدريج:

سؤال: هل الشر يتناقص ويُستأصل بالتدريج، وهل يتقدم الإنسان في النعمة بالتدريج، أم أن الشر يُستأصل مرة واحدة حينما ينال الإنسان افتقادًا من النعمة؟.

جواب: كما أن الجنين في رحم أمه لا يتشكل إلى إنسان كامل مرة واحدة، بل تتكون فيه الصورة بالتدريج إلى أن يولد وحتى عند ولادته لا يكون رجلاً كامل النمو، بل يحتاج إلى سنوات لينمو، ويصير رجلاً، وأيضًا كما أن حبوب القمح أو الشعير لا تتأصل في الأرض بمجرد أن تلقى البذار فيها، بل تعبر عليها العواصف والرياح، وبعد ذلك تنبت السنابل في أوانها، والإنسان الذي يزرع شجرة كمثرى لا يأخذ من ثمارها في الحال، هكذا أيضًا في الأمور الروحانيّة فإن فيها حكمة ودقة عظيمة، والإنسان ينمو رويدًا رويدًا إلى أن يصل “إلى إنسان كامل، إلى القامة التامة” (أف 4: 13) وليس كما يقول البعض، يخلعون معطفًا ويلبسون آخر بدله.

والذي يريد أن يصير إنسانًا متعلمًا فإنه يبدأ أولاً بتعلم الحروف وحينما يتقنها فإنه يلتحق بالمدرسة الابتدائية في أول صفوفها وحينما يصل إلى آخر صف فيها، فإنه ينتقل إلى المدرسة المتقدمة كمبتديء فيها وبعد ذلك حينما يصير “طالبًا باحثًا” فإنه يصير مبتدئًا بين المترافعين أمام القضاء وآخر واحد فيهم، وبعد ذلك حينما يرتفع إلى القمة بينهم فإنه يصير حاكمًا أو قاضيًا، وحينما يصل إلى درجة رئيس قضاة فيحق له أن يتخذ معاونًا يساعده.

فإذا كان في عالم الفكر توجد مثل هذه الدرجات من الارتقاء، فكم بالأولى يكون للأسرار السماويَّة درجاتها وارتقاءاتها، ويزداد عدد الدرجات، ثم بعد التمرن الكثير والامتحان فإن الإنسان الذي يجوز التجارب ويحتملها يصل إلى الكمال. فالمسيحيون الذين ذاقوا النعمة حقًا، وحملوا علامة الصليب في عقلهم وقلبهم. فهؤلاء- من الملك حتى الشحاذ- يعتبرون كل الأشياء التي في هذا العالم كنفاية ورائحة كريهة. وهؤلاء يستطيعون أن يعرفوا أن العالم الأرضي كله، وكنوز الملك، وكل غناه ومجده، وكل علوم الحكمة ليست إلاَّ مظهرًا باطلاً ليس له أساس ثابت، بل هو يعبر سريعًا، ويزدرون بسهولة بكل ما هو تحت السماء فإنهم يزدرون به بسهولة.

كرامة الإنسان العظيمة:

والسبب في ذلك هو أن الأشياء التي فوق السموات هي غريبة جدًا وعجيبة ولا يوجد منها في كنوز الملوك، ولا في حكمة الكلام، ولا في المجد العالمي والكرامات والغنى- إنما الغنى الحقيقي يملكه هؤلاء الذين يمتلكون الرب خالق كل الأشياء في عمق إنسانهم الباطن، وهو النصيب الذي لا يضمحل أو ينزع أو يعبر، بل يثبت ويبقى إلى الأبد. إن المسيحيين يعرفون جيدًا أن النفس هي أثمن من جميع الأشياء المخلوقة، فإن الإنسان وحده هو الذي صنع على صورة الله ومثاله. انظر إلى السماء، ما أوسعها وانظر إلى الأرض وما فيها من مخلوقات ثمينة وأجسادها العظيمة، إلاَّ أن الإنسان هو أعظم قدرًا من كل هذه الأجساد فهو وحده الذي سُرّ به الرب، حتى وإن كانت حيتان البحر، والجبال، والوحوش أعظم من الإنسان في مظهرها الخارجي (إلا أن الإنسان أعظم من جميع المخلوقات) فتأمل في كرامتك وقدرك العظيم، حتى أن الله جعلك فوق الملائكة، لأنه لأجل معونتك وخلاصك جاء هو بنفسه شخصيًا إلى الأرض.

إن الله وملائكته قد جاءوا[4] لأجل خلاصك. فالملك، ابن الملك تشاور مع أبيه، ولهذا أرسل الكلمة، ولبس لباس الجسد وحجب لاهوته الخاص لكي يخلِّص المثيل بالمثيل (أي يخلص الإنسان بالإنسان) وبذل حياته على الصليب. فما أعظم محبة الله للإنسان. فإن غير المائت اختار أن يصلب لأجلك فانظر إذن إلى أي درجة “أحب الله العالم” لأنه “بذل ابنه الوحيد لأجلهم” (يو 3: 16) “فكيف لا يهبنا معه كل شيء” (رو 8: 32) وفي موضع آخر يقول “الحق أقول لكم، إنه يقيمه على جميع أمواله” (مت 24: 47).

وفي مكان آخر يبين بوضوح أن الملائكة هم خدام للقديسين، فحينما كان أليشع في الجبل وأتى عليه الغرباء، قال له خادمه أن كثيرين قد أتوا علينا ونحن وحدنا- حينئذٍ أجابه أليشع ألا تبصر المعسكرات وجماهير الملائكة التي تحيط بنا وتحمينا (انظر 2 مل 6: 15-18) وهكذا فإن الرب نفسه مع جموع الملائكة يحضرون مع عبيده، فما أعظم النفس، وما أكرمها عند الله، لأن الله نفسه وملائكته يطلبونها لأجل الشركة معهم ولأجل الملكوت!. وأما الشيطان وقواته فإنهم يسعون وراءها لكي يجذبونها إلى ناحيتهم.

وكما أنه في العالم الطبيعي لا يقوم بخدمة الملوك أشخاص غير مهذبين أجلاف إنما يقوم بخدمتهم أناس حسنو المنظر مهذبون، هكذا في القصر السماوي فإن الذين يخدمون الملك السماوي هم أولئك الذين بلا عيب، وبلا لوم والأنقياء القلب. وكما أنه بالقصر الأرضي يقوم بخدمة الملوك عذارى جميلات، ليس فيهن عيب بل هن أكثر النساء وسامة، هكذا أيضًا في الأمور الروحانيّة فالنفوس التي تتزين بكل سيرة صالحة وقداسة هي التي تكون في صحبة الملك السمائي.

وفي العالم المنظور حينما يذهب ملك ليقيم في مكان ما، فإذا حدث أن ذلك المكان كان فيه شيء غير نظيف، فإنه حالاً يُنظف ويُنظم بنظافة ونظام كامل وتسكب فيه الروائح العطرة الكثيرة، فكم بالأكثر جدًا يحتاج بيت النفس، الذي يستريح فيه الرب إلى تطهير وتنقيّة، ليستطيع الرب أن يدخل فيه ويستريح هناك فإنه هو بلا عيب ولا دنس. وفي مثل هذا القلب المُطهر يستريح الله وكل الكنيسة السماويَّة.

الله يعطينا أمجاده الخاصة:

وفي عالم البشر، إن كان أب له أملاك كثيرة وعنده تيجان وأحجار كريمة فإنه يخفيها في مخازن البيت محتفظًا بها لابنه الحبيب، ولهذا الابن يعطي كل كنوزه. هكذا فإن الله قد ائتمن النفس على ما عنده، وعلى كل أمجاده الخاصة الثمينة. وفي العالم، إذا ثارت حرب، وجاء الملك بجيشه للقتال ووجد أنه أضعف في العدد أو في القوة من الجانب الآخر، فإنه يرسل في الحال رسولاً ليطلب شروط الصلح (لو 14: 32).

وأما إذا قامت أمة عظيمة جدًا في الحرب مقابل أمة عظيمة معادلة لها وملك عظيم في مقابل ملك مثله- مثل ملك الفرس مثلاً ضد ملك الرومان- فحينئذٍ يضطر الملكان أن يتحركا بكل قواتهما في هذه الحرب. فانظر إذن عظمة كرامتك أن الله قد تحرك مع كل قواته أي الملائكة والأرواح- لمحاربة العدو لكي ما يخلصك من الموت. فالله إذن إنما جاء من أجلك.

ما فعله الله لأجل خلاصنا:

وإذا افترضنا أن ملكًا وجد إنسانًا فقيرًا مملوءًا بالبرص في كل جسده، ولم يخجل منه بل وضع أدوية على جروحه وشفي قروحه، ثم أخذه إلى المائدة الملوكيّة وألبسه الأرجوان وجعله ملكًا، فهذا هو ما فعله الله مع جنس البشر. إنه غسل جروحهم وشفاهم، وأتى بهم إلى حجاله السماويَّة. فما أعظم كرامة المسيحيين حتى أنها لا يمكن مقارنتها بشيء آخر.

ولكن إذا تكبّر المسيحي وسمح للخطية أن تسرقه فإنه يكون مثل مدينة لا سور لها فيدخل اللصوص إليها من أي ناحية يريدون، دون أن يعوقهم شيء، فيخربونها ويحرقونها. لذلك، إذا كنت تأخذ الأمور باستهانة ولا تحترس لنفسك فإن أرواح الشر تأتي عليك وتظلم عقلك وتخرِّبه وتشتت أفكارك في أمور هذا العالم الحاضر.

إن كثير من الناس هم مثقفون جدًا من جهة الأشياء الخارجيّة ولهم معرفة وعلم ويعتنون بنظام معيشتهم وآداب الحياة، ويعتبرون أن ذلك هو الكمال، دون أن ينظروا نظرة عميقة في داخل قلوبهم، ودون أن يروا الشرور التي تحبس النفس. وبحسب المعنى الداخلي للشر فهو جذر مختفي في داخل القلب وفي الأعضاء.

والسارق موجود في داخل البيت وأعني به القوة المعادية وهي قوة متحدية غير منظورة، فإذا لم يضع الإنسان في نفسه أن يحارب الخطية، فإن الشر المختفي في الداخل ينتشر تدريجيًا، ويزداد ويتكاثر حتى يجعل الإنسان يرتكب الخطايا ظاهرًا وعلانية. إن عنصر الشر يفور إلى أعلى مثل عين الينبوع. فاهتم إذن أن توقف مجاري الخطية، وإلا فإنك ستسقط في آلاف من الأشياء الخاطئة وتصير مثل إنسان في حالة غيبوبة.

فإذا افترضنا أن هناك أحد النبلاء يعيش في رخاء ووفرة ئم قام جنود الوالي وخدامه بالقبض عليه وحملوه إلى الحاكم قائلين “إنك متهم اتهامات خطيرة وإنك في خطر قطع رأسك. فبسبب هذه الأخبار المخيفة، يفقد توازن عقله ويصير مثل إنسان في حالة غيبوبة.

سبب الحيرة والاضطراب في حياة الناس:

فافهم إذن، أن هذا هو ما تفعله أرواح الشر ضد الإنسان. إن العالم الذي تراه حولك، ابتداءً من الملك حتى الشحاذ، جميعهم في حيرة واضطراب وفتنة وليس أحد منهم يعرف السبب في ذلك، مع أن السبب هو ظهور الشر الذي دخل داخل الإنسان عن طريق معصية آدم، وأعني به “شوكة الموت” (1 كو 15: 56).

لأن الخطية التي زحفت إلى الداخل، إذ هي نوع من القوة غير المنظورة من الشيطان، وهي قوة حقيقيّة، قد زرعت في الإنسان كل أنواع الشر. وهي تعمل سرًا في الإنسان الباطن دون أن يلاحظها أحد، وتعمل في العقل، وتحارب ضد الأفكار؛ ولكن الناس لا يدركون أنهم يفعلون الشرور بتأثير قوة غريبة تعمل فيهم، وهم يظنون أن ما يفعلونه هو أشياء طبيعية، وأنهم إنما يفعلون هذه الأشياء باختيارهم. وأما أولئك الذين حصلوا على سلام المسيح في عقولهم وحصلوا على نوره في داخلهم، فإنهم يعرفون جيدًا منبع كل هذه الحركات الشريرة.

إن العالم مستعبد لشهوة الخطية، وهو لا يدري، وهناك نار نجسة تشعل القلب وتنتشر إلى كل الأعضاء، وتحث الناس على فعل الشهوات، وعلى آلاف خطايا أخرى. فأولئك الذين يدعون أنفسهم أو يسمحون لأنفسهم أن تداعبها الخطية فيبتهجون بها، إنما يرتكبون الخطية داخليًا في القلب. وهكذا يجد الشر مكانًا له فيهم، إلى أن يسقطوا في النجاسة المكشوفة- ولاحظ أن نفس هذا الأمر هو حقيقي. كذلك فيما يخص محبة المال، والمجد الباطل والكبرياء والحسد والغضب.

وإذا دُعي إنسان إلى وليمة ووضعت أمامه أنواع أطعمة كثيرة، فإن الخطية تقترح عليه أنه ينبغي أن يأكل منها جميعًا، وهكذا فإن نفسه تُسر بهذا الإيحاء وتثقل بأثقال فوق طاقتها. فإن الشهوات هي كجبال ثقيلة لا تحتمل وتوجد في وسطها أنهار من التنانين والوحوش السامة والثعابين. وكما يبتلع الحوت إنسانًا في بطنه، هكذا تبتلع الخطية النفوس. إنها لهب نار حارقة وسهام ملتهبة من الشرير. فالرسول يقول “لكي تقدروا أن تطفئوا سهام الشرير الملتهبة” (أف 6: 16) لأن الخطية وجدت لها مكانًا في النفس. ووضعت أساساتها حول النفس.

حالة الحكماء بالروح:

وأما الذين صاروا حكماء بالروح، فإذا تحركت الشهوات فيهم، فإنهم لاي ستسلمون لها البتة بل يغضبون على الرغبات الشريرة ويصيرون أعداء لأنفسهم ويبغضونها. لأن الشيطان يشتهي كثيرًا أن يستريح في النفس ويوسع دائرته في داخلها وهو ينزعج ويتضايق حينما ترفض النفس الإذعان له.

إن بعض الأشخاص هم تحت سيادة القوة الإلهيّة، هؤلاء الذين إذا رأوا فتى مع امرأة فربما يفكرون قليلاً، ولكن عقلهم لا يتنجس البتة، ولا يخطئون في داخل قلوبهم، ومع ذلك فليس من الممكن أن يطمئن الإنسان ويثق في جسده في هذه الحالة. ويوجد آخرون يكون أصل الشر فيهم منطفئًا ويابسًا أي قد انتهي منهم، ولكن هذه هي درجات العظماء بالنعمة حقًا.

وكما أن الناس في مجال تجارة اللآليء يغوصون عراة في أعماق البحر في أعماق المياه، ليجدوا هناك اللآليء التي تصلح لزينة التيجان الملوكيّة والأرجوان الملوكي، هكذا أولئك الذين يعتنقون طريق الحياة التوحدية، يخرجون عراة من العالم، وينزلون إلى أعماق بحر الشر وإلى هاوية الظلمة، ومن تلك الأعماق يخرجون حجارة كريمة مناسبة لتاج المسيح وللكنيسة السماويَّة، وللعالم الجديد، ولمدينة النور، ولمحفل الملائكة.

وكما أن الشبكة تجمع أنواعًا كثيرة من السمك فتطرح الأصناف الرديئة في البحر ثانية، هكذا فإن شبكة النعمة تنتشر على الكل وتطلب القبول والرضا، ولكن كثيرًا من الناس لا يوافقونها، ولذلك فإنهم يطرحون ثانية إلى هوة الظلمة العميقة.

وكما أن الذهب يوجد بعد أن يُنقى من وسط رمل كثير، على شكل ذرات صغيرة، هكذا فإنه من وسط كثيرين يوجد قليلون يثبتون مع التمحص. فأولئك الذين لهم عمل الملكوت هم ظاهرون وكذلك أولئك الذين يلبسون فقط كلمة الملكوت هم ظاهرون أيضًا. والمُمَلحون بالملح السماوي يصيرون ظاهرين وكذلك الذين يمتلئون من كنوز الروح.

وكذلك فالأواني التي يُسر الله بها هي ظاهرة أيضًا، وهو يعطيهم نعمته الخاصة، وآخرون، بالصبر الكثير ينالون قوة التقديس بأنواع مختلفة كما يشاء الرب. فذلك الذي يتكلم، إذا لم يكن منقادًا ومُرشدًا بالنور والحكمة السماويَّة، فإنه لا يستطيع أن يرضي ويشبع عقول الجميع، إذ أنه توجد أغراض كثيرة مختلفة، والبعض يكون في حالة حرب والبعض في راحة.

تطهير القلب والبناء الجديد:

وإذا كانت هناك مدينة خربة وأراد أحد الناس أن يعيد بناءها من جديد فإن أول شيء يفعله، هو أن يهدم تمامًا كل الأشياء المتهدمة الساقطة وهكذا يبدأ في الحفر ويضع الأساسات وهكذا يرتفع البناء رغم أنه لا يكون قد تم بناء بيت واحد بعد.

وذلك الذي يريد أن يقيم حديقة جميلة في مكان قفر كريه الرائحة فإنه يبدأ أولاً في تنظيف المكان وعمل سياج حوله وإعداد قنوات المياه، ثم بعد ذلك يغرس البستان، فتنمو الأشجار وهكذا بعد وقت طويل يأتى البستان بالثمر، وهكذا قلوب البشر منذ السقوط، قد جفت وصارت خربة ومملوءة بالأشواك. لقد قال الله للإنسان “شوكًا وحسكًا تنبت لك الأرض” (تك 3: 18).

لذلك فالأمر يحتاج تعبًا كثيرًا وجهدًا لكي يطلب الإنسان الأساسات ويضعها، إلى أن تأتي النار إلى قلوب الناس، وتبتديء في اقتلاع الأشواك وتنقيّة القلوب، وهكذا يبتدئون أن يتقدسوا فيمجدون الآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين.

 

[1]  قارن بالعظة الثامنة فقرة 6.

[2]  الكلمة المترجمة “مجادلات” في الأصل اليوناني في (1 تي 2: 8) هي نفس الكلمة المترجمة “أفكار” في إنجيل متى 15: 19.

[3]  القديس مقاريوس يقصد أن الشيطان يمكنه أن يحتمل أن يترك البعض بدون حرب، وهذه تكون بالنسبة للشيطان مئل الضريبة بالنسبة للغني، أو الصدقة بالنسبة للمحسن فهي لا تشمكل أي خسارة بالنسبة له.

[4]  المقصود بمجيء الملائكة لخلاص الإنسان هو خدمتهم للعتيدين أن يرثوا الخلاص لأنهم “أرواح خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب 1: 14) (المعرب).

القداسة والنقاوة – العظة الخامسة عشر للقديس مقاريوس الكبير

حلول المسيح في الإنسان أرض اللاهوت – العظة الرابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير

حلول المسيح في الإنسان أرض اللاهوت – العظة الرابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير

حلول المسيح في الإنسان أرض اللاهوت – العظة الرابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير

العظة الرابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير – حلول المسيح في الإنسان أرض اللاهوت – د. نصحى عبد الشهيد

 

“أولئك الذين يسلمون أفكارهم وعقلهم لله، يفعلون ذلك على رجاء أن تستنير

عيون قلوبهم، وأن يعطيهم الله أسراره في أعظم قداسة ونقاوة. ويمنحهم من

نعمته. ما يجب أن نفعله نحن الذين نرغب في الحصول على الخيرات السماويَّة.

مقارنة الرسل والأنبياء بأشعة الشمس التي تدخل من النافذة. تعلِّم العظة أيضًا

عن ما هي “أرض الشيطان” وما هي “أرض الملائكة”. وأن كلتيهما لا تُلمسان ولا

تُنظران إلاَّ لعيون القلب الروحانيين”.

التعب والزرع على رجاء:

كل الأعمال المنظورة التي تُعمل في العالم، إنما تُعمل على رجاء الاشتراك والانتفاع بنتائج هذه الأعمال، ولولا الثقة والتيقن من التمتع بثمار التعب فلا تكون هناك فائدة تكسب. فالزارع يبذر البذار على رجاء الثمار، وهذا الرجاء يسنده ويشدده في احتمال مشقات كثيرة. كما يقول الرسول “إن الحراث يحرث على رجاء” (1 كو 9: 10) والذي يأخذ زوجة، إنما يفعل ذلك على رجاء أن يكون له ورثة، والتاجر يسلم نفسه للبحر ولخطر الموت بهدف الربح.

هكذا أيضًا فيما يخص ملكوت السموات، فإن الإنسان يسلم نفسه للرب برجاء أن تستنير عيون قلبه (أف 1: 18) منصرفًا عن أمور هذه الحياة، ويحفظ نفسه حرًا، ليكون انشغاله بالصلوات والتضرعات ناظرًا إلى الرب ومنتظرًا إياه حين يأتي ويكشف نفسه له، وأيضًا حين يطهره من الخطية الساكنة فيه.

رجاء حلول الرب بملء اختبار الروح:

وهو مع ذلك لا يضع ثقته في أتعابه، وطريقة حياته، إلى أن يحصل على الأشياء التي يترجاها، أي إلى أن يأتي الرب ويحل فيه بملء اختبار الروح وفاعليته. وحينما يتذوق صلاح الرب ويبتهج بثمار الروح، وحينما يُرفع عنه ستار الظلمة، ويضيء عليه نور المسيح ويعمل فيه بفرح لا يُنطق به، فحينئذٍ يشبع ويرضى تمامًا إذ يكون حاصلاً على الرب معه في محبة عظيمة، كما يفرح التاجر- كما ذكرنا في المثل- حينما يحصل على الربح ولكن لا يزال عنده خوف من اللصوص- أرواح الشر- لئلا يتكاسل ويضيع تعبه، قبل أن يدخل ملكوت السموات في أورشليم العليا.

لذلك فلنتوسل إلى الله أن ينزع منا الإنسان العتيق ويجرِّدنا منه، ويلبسنا المسيح السماوي، هنا ومن هذه اللحظة الحاضرة، حتى إذ نكون في فرح وبهجة، وإذ نكون منقادين بروحه، فإننا سنكون في هدوء وسلام عظيم. وإن الرب الذي يريد أن يملأنا ويشبعنا بتذوق الملكوت، يقول “بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا” (يو15: 5).

الرسل أنوار للعالم:

وقد عرف الرب كيف ينير كثيرين بواسطة الرسل. فالرسل كانوا هم أنفسهم خلائق مثل غيرهم، ولكنهم ربّوا وغذوا العبيد رفقائهم. وبسيرتهم الصالحة وتعاليمهم أحيوا وأقاموا عقول الناس التي كانت مائتة وفاسدة. فمن الممكن أن يقوم أحد المخلوقات بتغذية وإحياء مخلوق آخر. فالسحب، والمطر والشمس، بحسب أمر الله، تُحيي بذار القمح والشعير، رغم أنها مجرد خلائق فقط، ومثل النور الذي يأتي من خلال النافذة، في حين أن الشمس ترسل أشعتها على العالم كله، هكذا كان الأنبياء هم أنوار بيتهم الخاص- أي على إسرائيل- وليس أكثر، وأما الرسل فهم شموس يسطعون بأشعتهم في كل أركان وأرجاء العالم.

“أرض الشياطين” و”أرض اللاهوت”:

هناك “أرض” تسكنها الوحوش، وهناك “أرض” أخرى في الهواء تتحرك فيها الطيور وتعيش. فإذا أرادت الطيور أن تقف أو تسير على الأرض فإن الصيادين يصطادونها. والأسماك أيضًا لها “أرض” وهي مياه البحر. والمكان الذي يولد فيه أي كائن، سواء على الأرض أو في الهواء، ففيه يعيش، وفيه يقتات ويجد لذته وراحته. وبنفس الطريقة فهناك “أرض” وبيت للشياطين، حيث تعيش قوات الظلمة وأرواح الشر، وهناك تتحرك وتجد راحتها، كما توجد “أرض” نورانية هي أرض اللاهوت، حيث معسكرات الملائكة والأرواح المقدسة تصعد وتهبط وتجد راحتها.

فتلك الأرض المظلمة لا يمكن أن تُرى بعيون هذا الجسد ولا أن تُلمس، وكذلك الأرض النورانية أرض اللاهوت، لا تُلمس ولا تُرى بالعيون الجسديّة. أما بالنسبة للروحانيين فإن “الأرض” الشيطانية، و”أرض” اللاهوت كلاهما تنكشفان لعيون قلوبهم.

فإن كانت أسطورة أولئك الذين من خارج، تقول: إنه توجد جبال نارية، لأن النار متقدة فيها، وإنه توجد فيها حيوانات مثل الأغنام. وأن الذين يصطادونها يصنعون لهم عجلات حديدية، ويطرحون خطاطيفهم ويلقونها في النار، لأن تلك الحيوانات تقتات على النار، والنار هي شرابها وهي لذتها وبها تنمو وتحيا.

فالنار بالنسبة لها هي كل شيء. فإن أتيت بها إلى هواء آخر فإنها تموت. وحينما يتسخ صوفها فإنها لا تُغسل في الماء، بل في النار، فتُنظف وتُبيّض أكثر. هكذا المسيحيون عندهم النار السماويَّة كطعام لهم. وهي لذتهم تنعمهم. وهي تنظف قلوبهم وتغسلها وتقدسها. وهي تُنميهم. وهي هواؤهم وحياتهم.

فإن خرجوا يهلكهم الروح الشرير، كما أن الحيوانات في الأسطورة- تموت حينما تترك النار، وكما يموت السمك حينما يخرج من الماء، وكما أن الوحوش- ذوات الأربع- تغرق إذا طُرحت في البحر، وكما أن الطيور إذا سقطت على الأرض يصطادها الصيادون، كذلك النفس التي لا تقيم في تلك “الأرض”، فإنها تختنق وتهلك، وإذا لم تكن تلك النار الإلهيّة هي طعامها وشرابها ولباسها، وهي تطهير لقلبها، وهي تقديس للنفس، فإن الأرواح الشريرة تأخذها وتدمرها. أما بالنسبة لنا، فلنفحص بغيرة وإخلاص، هل نحن قد تم زرعنا في تلك “الأرض” غير المنظورة وطُعمنا في الكرمة السماويَّة أم لا؟

والمجد لمراحمه. آمين.

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

حلول المسيح في الإنسان أرض اللاهوت – العظة الرابعة عشر للقديس مقاريوس الكبير

أولاد الله – العظة الثالثة عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

أولاد الله – العظة الثالثة عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

العظة الثالثة عشر للقديس مقاريوس الكبير – أولاد الله – د. نصحى عبد الشهيد

أولاد الله – العظة الثالثة عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

“الثمرة التي ينتظرها الله من المسيحيين”

ثمر العهد الجديد:

كل الأشياء المنظورة قد خلقها الله، وأعطاها للبشر لأجل فرحهم وتنعمهم، وقد أعطاهم أيضًا ناموسًا للبر. ولكن منذ أن جاء المسيح إلى العالم، فإن الله يطلب ثمرة أخرى. وبرًا آخر، ونقاوة قلب وضميرًا صالحًا، وكلمات محبة وشفقة، وأفكارًا مقدسة صالحة، وكل تدبير سيرة القديسين. فالرب يقول “إن لم يزد برَّكم عن الكتبة والفريسيين فلن تدخلوا ملكوت السموات” (مت 5: 20) “مكتوب في الناموس، لا تزنِ، أما أنا فأقول لكم: لا تشتهِ، ولا تغضب” فمن يريد أن يكون صديقًا لله، وأخًا وابنًا للمسيح ينبغي أن يفعل شيئًا يفوق بقية الناس، أي أن يكرس قلبه وعقله (لله)، ويرفع إليه أفكاره.

وبهذه الطريقة فإن الله يعطي لقلبه- في الخفاء- حياة وعونًا، بل أن الله يستودع ذاته عينها لهذا الإنسان. فحينما يقدم الإنسان أموره الخفيّة لله، أي عقله وأفكاره، بحيث لا يشغل نفسه في أي اتجاه آخر، ولا يتحول بعيدًا عنه، بل يغصب نفسه لينحصر في الرب، فإن الرب حينئذٍ يحسبه أهلاً للأسرار السماويَّة بأعظم قداسة ونقاوة، ويعطيه الطعام السماوي والشراب الروحاني.

الخدم والأولاد:

وكما يحدث أن إنسانًا عنده خيرات عظيمة، وله أولاد كما أن عنده خدم، فهو يعطي للخدم نوعًا من الطعام يختلف عن الطعام الذي يعطيه لأولاده المولودين منه، لأن الأولاد هم ورثة أبيهم، ويأكلون معه، لأنهم يشبهون آباءهم. هكذا المسيح أيضًا، رب البيت الحقيقي، الذي خلق كل الأشياء بنفسه، فإنه ينعم على الأشرار وغير الشاكرين. وأما الأولاد، الذين ولدهم منه، والذين منحهم نعمته، والذين يتصور هو فيهم، هؤلاء يزودهم- أفضل من الآخرين- بتنعم وغذاء مخصوص طعامًا وشرابًا.

وإذ يذهبون مع يسوع والدهم في كل مكان، فإنه يعطيهم ذاته، كما يقول الرب “من يأكل جسدي، ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه” وأيضًا “لا يرى الموت” (يو 6: 56، 8: 51). فأولئك الذين يمتلكون الميراث الحقيقي، قد ولدوا كبنين للآب السماوي، ويقيمون في بيت أبيهم، كما يقول الرب: “العبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أما الابن فيبقى إلى الأبد” (يو 8: 35).

فإذا أردنا إذًا أن نُولد من الآب السماوي، فينبغي أن نفعل شيئًا يفوق ما يفعله سائر البشر، بالاجتهاد والجد والغيرة والمحبة، والسيرة الصالحة، وأن نكون في الإيمان ومخافة الرب، كأناس يشتهون الحصول على خيرات عظيمة بهذا المقدار، وأن نرث الله نفسه. كما يقول الكتاب “الرب هو نصيب ميراثي وكأسي” (مز 16: 5).

وهكذا إذ ينظر الرب قصدنا الصالح وصبرنا وثباتنا، فإنه يسكب رحمته علينا ويطهرنا من دنس الخطية، ومن تلك النار الأبديّة التي في داخلنا ويجعلنا مناسبين وملائمين للملكوت. والمجد لحنانه الرقيق، وللمسرة الصالحة التي ظهرت من الآب والابن والروح القدس. آمين.

أولاد الله – العظة الثالثة عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

“عن حالة آدم قبل تعديه وصية الله، وحالته بعد أن فقد صورته السماويَّة.. وتحتوي هذه العظة أيضًا على بعض أسئلة نافعة جدًا”.

 

إن آدم بتعديه الوصية، حدثت له كارثة مزدوجة.. فهو فقد نقاوة طبيعته التي كان حاصلاً عليها، والتي كانت جميلة على صورة الله ومثاله، ومن الجهة الأخرى فقد أيضًا تلك الصورة عينها التي كان سيرث بها كل الميراث السماوي بحسب الوعد..

فإذا افترضنا أن عملة ذهبية، عليها صورة الملك، قد خُتمت بختم مزيف، فإن العملة الذهبية تُعَد زائفة، والصورة التي كانت عليها تصبح بلا قيمة. هكذا كانت الكارثة التي حلَّت بآدم.. وإذا تصورنا ضيعة كبيرة تدر خيرات كثيرة: في أحد أركانها كرم مزدهر، وفي مكان آخر منها حقول مثمرة، وفي غيره مواشي وقطعان غنم، وفي موضع آخر ذهب وفضة، هكذا كانت ضيعة آدم. ثمينة جدًا قبل العصيان، وأقصد بالضيعة، إناء آدم الخاص.. ولكنه حينما قبل مقاصد وأفكار الشر ورحب بها، هلك من أمام الله..

ولكننا مع ذلك لا نقول إن كل شيء قد ضاع وتلاشى ومات.. بل أنه مات عن الله، ولكنه ظل حيًا بالنسبة إلى طبيعته.. فها عالم البشر كله كما نراه، يسعى في الأرض، يشتغل ويعمل.. ولكن الله ينظر إلى أفكارهم وتصوراته فيصرف النظر عنهم وليس له شركة معهم، لأنهم لا يفكرون فيما يرضي الله، وكما أن الأتقياء إذا مروا أمام البيوت ذات السمعة القبيحة، والأماكن التي ترتكب فيها الفحشاء والفسق، فإنهم ينفرون منها ويرفضون مجرد النظر ناحيتها.

لأن هذه الأمور هي موت في نظرهم. هكذا فإن الله يغض النظر عن أولئك الذين تمردوا على كلمته وعصوا وصيته فتعبر عينيه عليهم ولكنه لا يكوق في شركة معهم.. ولا يستطيع الرب أن يجد راحة في داخل أفكارهم..

النعمة والمسكنة بالروح:

سؤال: كيف يستطيع الإنسان أن يكون مسكينًا بالروح وخاصة حينما يشعر في نفسه أن حياته قد تغيَّرت وحصل له نمو روحي، وحصل على معرفة وفهم لم يكن يملكها قبل ذلك؟.

الجواب: قبل أن يحصل الإنسان على هذه البركات وينمو في النعمة لا يكون مسكينًا بالروح.. ولكنه يظن أنه شيء، ولكن حينما يأتي إلى الفهم الروحي وينمو ويتقدم فإن النعمة نفسها تعلمه أن يكون مسكينًا بالروح، وهذا معناه أن هذا الإنسان رغم كونه بارًا ومختارًا من الله، فهو لا يحسب نفسه شيئًا، بل يحفظ نفسه في اتضاع وإنكار لذاته، كأنه لم يعرف شيئًا ولا يملك شيئًا رغم أنه يعرف ويملك.. وهذا قانون طبيعي ثابت في عقل البشر.. ألا ترى كيف أن أبانا إبراهيم، المختار من الله وصف نفسه بأنه “تراب ورماد” (تك 18: 27)، وداود بعدما مسح ملكًا، وكان الله معه ماذا قال؟ لقد قال: “أما أنا كدودة لا إنسان. عار عند البشر ومحتقر الشعب” (مز 22: 6)..

روح واحد وطريق واحد:

لذلك أولئك الذين يريدون أن يكونوا وارثين مع هؤلاء ومواطنين معهم في المدينة السماويَّة، وأن يكونوا ممجدين معهم، ينبغي أن يكون لهم تواضع العقل هذا، ولا يظنوا أنفسهم شيئًا بل يحتفظوا بقلبٍ منسحق.. ورغم أن النعمة تعمل بطريقة خاصة في كل مسيحي على حدة، وتعمل أعمالاً متنوعة في الأعضاء، إلاَّ أن جميع الأعضاء هم من مدينة واحدة، ولهم فكر واحد وقلب واحد، ولسان واحد، ويعرفون بعضهم بعضًا..

وكما أن الجسد له أعضاء كثيرة، ولكن نفسًا واحدة تعمل في جميع الأعضاء وتحركها، كذلك أيضًا فإن الروح الواحد يعمل أعمالاً متنوعة في جميع الأعضاء ويحركها، ولكنهم جميعًا من مدينة واحدة، وطريق واحد.. فكل الأبرار سلكوا الطريق الضيق الكرب، واضطُهدوا وعُذِّبوا وشُتِموا، “وطافوا في جلود غنم وجلود ماعز تائهين في مغاير وشقوق الأرض (عب 11: 37-38).. والرسل أيضًا قالوا “إلى هذه الساعة نجوع ونعطش ونُعرى ونُلكَم وليس لنا إقامة” (1 كو 4: 11)، والبعض منهم قُطعت رؤوسهم وبعضهم صُلبوا وآخرون عُذبوا بطرقٍ مختلفة.. بل أن الرب نفسه.

رب الأنبياء والرسل. كيف كانت سيرته في هذا العالم.. لقد سلك وكأنه قد نسى مجده الإلهي.. وصار مثالاً لنا، وألبسوه إكليل الشوك باستهزاء وعار، واحتمل البصق واللطم والصلب..

فإن كان الله قد سلك هكذا على الأرض فينبغي عليك أنت أن تتمثل به.. والرسل والأنبياء هكذا سلكوا أيضًا، ونحن إذا أردنا أن نكون مبنيين على أساس الرب ورسله، فينبغي أن نتمثل به، فقد قال الرسول بالروح القدس: “تمثلو بي، كما أنا أيضًا بالمسيح” (1 كو 11: 1)..

ولكن إن كنت تحب كرامات البشر، وتود أن يسجد لك الناس وتطلب الراحة، فإنك تتحول تمامًا عن الطريق.. إنه يليق بك أن تُصلب مع المصلوب، وتتألم مع ذلك الذي تألم لكي تتمجد أيضًا معه.. لأنه لابد للعروس أن تتألم مع العريس، وهكذا تصير شريكة ووارثة مع المسيح.. بدون الآلام وبغير الضيقة الكربة، لا يكون دخول إلى مدينة القديسين حيث الوجود في الراحة والمُلك مع المَلك ذاته إلى أبد الدهور..

الروح القدس وخلقة الإنسان:

سؤال: لقد قلت إن آدم فقد صورته الخاصة والصورة السماويَّة أيضًا.. فهل كان فيه الروح القدس حينئذٍ لأنه كان مشتركًا في الصورة السماويَّة؟..

الجواب: طالما أن كلمة الله كان معه وكانت له الوصية، فقد كان له كل شيء.. والكلمة نفسه كان ميراثًا له، وكان لباسًا له، وكان هو (الكلمة) مجده الذي يغطيه ويستره (إش 4: 5).. وكان هو معلمه.. فقد ألهمه أن يعطي أسماء لكل الأشياء “تدعو هذه السماء، وهذه الشمس، وهذا القمر، وهذه الأرض، وهذا طير، وذلك وحش، وهذه شجرة” وكما كان آدم يتعلَّم من الكلمة هكذا سمَّى الأشياء جميعها..

سؤال: ولكن هل كان لآدم اختبار الروح وشركته؟.

الجواب: الكلمة نفسه بحضوره مع آدم، كان كل شيء بالنسبة له، سواء كان معرفة أو اختبارًا، أو ميراثًا أو تعليمًا وإرشادًا.. إذ ماذا يقول يوحنا عن الكلمة؟ “في للبدء كان الكلمة” فأنت ترى أن الكلمة هو كل شيء وكائن قبل كل شيء.. فإن كان لآدم (قبل السقوط) مجد خارجي حاضر معه فلا نستغرب أو نعثر من ذلك عندما يقول الكتاب: أنهما كانا عريانين وهما لا يخجلان فلما تعديا الوصية انفتحت أعينهما ورأيا أنهما عريانان فخجلا واختبئا من الله (تك 2: 25-3: 7، 10)..

سؤال: فهل كانا قبل السقوط لابسين مجد الله عوضًا عن ثوب؟

الجواب: كما كان الروح يجري عمله في الأنبياء ويعلِّمهم وكان في داخلهم ويظهر لهم من الخارج، هكذا أيضًا كان الحال مع آدم.. فالروح، حسبما يشاء، كان يحضر معه ويعلِّمه، ويشير عليه “تكلم هكذا” وهكذا كان يسير ويتكلم.. لأن الكلمة كان له كل شيء، وطالما كان ثابتًا في الوصية فقد كان صديقا لله.. ولكن لماذا نستغرب أنه بالرغم من كل هذه الأحوال التي كان فيها آدم، فقد تعدَّى الوصية؟ فإن أولئك الذين يمتلئون الآن بالروح القدس، لا تزال تأتيهم أفكار من طبيعتهم، ولهم الإرادة أن يطيعوها، فكذلك آدم رغم أنه كان حاضرًا مع الله في الفردوس فقد تعدَّى الوصية بإرادته وأطاع الجانب الشرير.. ولكن بعد عصيانه لا تزال عنده معرفة..

المعرفة بعد السقوط:

سؤال: أي نوع من المعرفة هذه؟

الجواب: حينما يحضر المجرم إلى ساحة القضاء وتبدأ المحاكمة ويسأله القاضي قائلاً “حينما ارتكبت هذه الشرور ألم تكن تعلم أنك ستكون معرضًا لأن تجازى عنها ويُحكم عليك بالموت؟”.. فإنه لا يكون له وجه أن يقول لا.. فإنه كان يعرف، وحينما تبدأ العقوبة يتذكر كل شيء ويقر به جهرًا، والزاني أيضًا ألا يعرف أنه يفعل شرًا؟ والسارق ألا يعلم أن ما يفعله خطيئة؟ إذن فحتى من خارج الكتب المقدسة يعرف الناس بالضمير الطبيعي الذي فيهم أن الله موجود..

إنهم لا يستطيعون أن يقولوا في ذلك اليوم (يوم الدينونة) “نحن لم نكن نعرف أنك أنت الإله” فهو يقول لهم: “ألم تعرفوا البروق والرعود التي من السماء، وإنه يوجد إله فوق كل الخليقة؟” وإلاَّ فلماذا إذن تصرخ الشياطين “أنت هو ابن الله لماذا أتيت قبل الوقت لتعذبنا؟” (مت 3: 11-8: 29) وحتى الآن فإن الشياطين يصرخون عند قبور الشهداء قائلين “أنتم تحرقوننا، أنتم تحرقوننا” فآدم وحواء قبل السقوط لم يكونا قد عرفا شجرة معرفة الخير والشر، ولكن معصية آدم جعلت له هذه المعرفة..

أن كل واحد يبدأ أن يسأل ويستقصي عن حالة آدم التي كان فيها قبل سقوطه، وماذا حدث له؟

إن آدم نفسه نال معرفة الخير والشر.. فنحن نعرف من الكتاب المقدس، إنه كان في حالة كرامة ونقاوة، ولكنه بتعدِّي الوصية طُرد من الفردوس وحل عليه غضب الله.. وهكذا بدأ يتعلم ما هي الأشياء الصالحة له وما هي الأشياء الشريرة لكي يحترس منها، حتى لا يعود يخطيء أكثر ويسقط في دينونة الموت.. والآن نحن نعرف أن كل الخليقة هي تحت حكم الله.. فهو الذي خلق السماء والأرض والحيوانات والزحافات والوحوش.. ونحن نرى كل هذه المخلوقات، ولكننا لا نعرف عددها.. وأي إنسان يستطيع أن يعرف عددها؟ إن الله وحده الذي هو في كل شيء هو يعرف حتى أجنة الحيوانات التي لم تولد بعد، أفلا يعرف بالأحرى الأشياء التي تحت الأرض والتي فوق السموات؟..

عجز العقل عن إدراك أعماق الله:

فلنترك إذًا هذه الأمور، ونطلب بالحري- مثل التجار- كيف نحصل على الميراث السماوي ونمتلكه، ونحصل على النصيب والميراث الذي لا يضيع أو ينزع منا، بل يدوم معنا.. فإن كنت وأنت مجرد إنسان تفتش في أفكار الله لتفحصه وتقول “لقد اكتشفت شيئًا وأدركته” فبذلك تجعل عقلك البشري فائقًا على أفكار الله.. ولكنك في هذا الأمر تخطيء خطأً عظيمًا، وبقدر ما تشتهي أن تبحث وتفتش لتدخل إلى أعماق المعرفة، بقدر ذلك تخرج من العمق وتفشل في أن تفهم شيئًا..

إن هذه التساؤلات التي تتحرك في عقلك من نحو العمل، الذي يعمله الله يومًا فيومًا وكيف يعمله، إنما هي أمور تفوق كل تعبير وكل إدراك، وأنك لا تستطيع أن تفعل شيئًا سوى أن تقبل عطاياه بقلب شاكر وبإيمان.. هل استطعت أن تعرف شيئًا عن روحك منذ وقت ولادتك حتى الآن؟.. إن كان كذلك فأعلن لي الأفكار التي تنبع في داخلك من أول الصباح إلى المساء.. أخبرني بأفكارك كلها خلال ثلاثة أيام متتالية.. إنك لا تستطيع هذا.. فإن كنت لا تستطيع أن تدرك أفكار نفسك الخاصة، فكيف تستطيع أن تفحص وتدرك أفكار الله وعقله..

أتريد أن تأكل خبزا كثيرًا بقدر ما تجد فاذهب إذن وكُلْ واترك الأرض الواسعة لحال سبيلها، اذهب إلى شاطيء النهر واشرب قدر ما تحتاج، وامضي في طريقك، ولا تطلب أن تعرف من أين يأتي النهر أو كيف يتدفق ويفيض؟.. اِسع بكل جهدك لتشفي قدمك أو مرض عينك، لكي تستطيع أن ترى نور الشمس ولا تفحص عن مقدار النور الذي تحتويه الشمس ولا إلى أي علو في السماء ترتفع..

واتخذ من الحيوانات ما هو نافع ومفيد لحاجتك، ولا تتجول في الجبال لتبحث عن الحمير الوحشية أو غيرها من الوحوش الساكنة هناك.. ألا ترى الطفل وهو يقترب من ثدي أمه فيرضع اللبن ويشبع ولكنه لا يفتش عن مصدر اللبن ولا من أين ينبع.. فإنه يرضع اللبن ويفرغ الثدي، وبعد مرور فترة من الوقت يمتليء الثدي ثانية، فالطفل لا يعرف شيئًا عن كيفية حدوث هذا الأمر ولا حتى الأم، مع أن اللبن يؤخذ من دمها وجميع أعضائها.

 

الله في كل مكان وفي داخلنا:

فإن كنت تطلب الرب في العمق فهناك تجده.. وإن طلبته في المياه فهناك تجده “صانعًا عجائب” (خر 15: 11) وإن فتشت عنه في الجب فهناك تجده حارسًا لدانيال البار وسط الأسود، وإن فتشت عنه في النار فهناك تجده حافظًا عبيده الفتية الثلاثة.. وإن سألت عنه على الجبل فهناك تجده مع إيليا وموسى.. فهو في كل مكان تحت الأرض وفوق السموات بل وفي داخلنا أيضًا.. نعم إنه في كل مكان.. كما أن نفسك أيضًا هي قريبة منك، في داخلك وفي خارجك، لأنك إلى حيث تشاء أن تذهب إلى بلاد بعيدة فهناك يكون عقلك، سواء ناحية الغرب أو ناحية الشرق أو نحو السماء فهناك يذهب عقلك.

 

النصيب الذي تختاره الآن يظهر يوم الدينونة:

فلنسع ولنهتم فوق كل شيء أن يكون لنا سمة وختم الرب مطبوعًا على قلوبنا في الداخل، لأنه في يوم الدينونة حينما يستعلن غضب الله وتجتمع كل قبائل الأرض، أي أن كل جنس البشر يجتمعون معًا، فحينئذٍ يدعو الراعي الصالح رعيَّته الخاصة، وكل الذين لهم السمة والختم في داخلهم سيعرفون راعيهم، والراعي يعرف أولئك الذين فيهم ختمه، ويجمعهم معًا من كافة الأمم.. فهؤلاء الذين هم له، أي خاصته، يسمعون صوته ويتبعونه.. إن العالم ينقسم إلى قسمين، قطيع مظلم يمضي إلى النار الأبديّة، وقطيع ممتليء نورًا ويذهب إلى الراحة السماويَّة.. فما نختاره ونمتلكه ويكون نصيبنا من الآن في داخل نفوسنا هو بنفسه الذي سيضيء ويظهر ويستعلن ويكسو أجسادنا بالمجد في اليوم الأخير..

وكما أنه في موسم شهر نيسان (أبريل أي فصل الربيع) تُخرج الجذور المدفونة في الأرض ثمارها، وتظهر أزهارها بجمال عظيم، وتظهر الجذور الجيدة التي تحمل الثمار والزهور، كما تظهر تلك الجذور التي تخرج شوكًا، هكذا أيضًا في ذلك اليوم، يظهر على جسد كل إنسان واضحًا ما كان يعيش فيه ويفعله وهو في الجسد.. الأشياء الصالحة والشريرة كلاهما يظهران في ذلك اليوم.. وعلى هذا الأساس تكون الدينونة والمجازاة..

الطعام السماوي:

يوجد طعام آخر غير هذا الطعام المنظور.. فحينما صعد موسى على الجبل صام أربعين يومًا وهو لم يكن أكثر من إنسان، ولكنه نزل من الجبل ممتلئًا بالله.. وها نحن نرى في أنفسنا أننا إذا لم نسند الجسد بالأطعمة فإنه يضعف خلال فترة وجيزة، ومع ذلك حينما صام موسى أربعين يومًا نزل من على الجبل وهو مملوء قوة أكثر من جميع الشعب.. وذلك لأنه كان يتغذى من الله وكان جسده يقتات بطعام آخر- طعام سماوي..

إن كلمة الله صار طعامًا له ونال منه مجدًا أضاء في وجه موسى.. وهذا الذي حدث لموسى كان مثالاً ورمزًا.. فهذا المجد الإلهي يضيء الآن في داخل قلوب المسيحيين، ثم في القيامة ستتغطى أجسادهم بكساء مجد إلهي، وتقتات بطعام سماوي..

معنى تغطية الرأس في الصلاة:

سؤال: ما معنى أن المرأة لا تصلي إلاَّ ورأسها مغطى؟

الجواب: في عصر الرسل كانت عادة النساء (عند الأمم) أن يتركن شعور رؤوسهن محلولة كبرقع أو كغطاء، ولهذا لما جاء الرب ورسله إلى الناس علموهم الوقار والتعقل بأن تغطي المرأة رأسها وقت الصلاة.. كما أن المرأة يقصد بها هنا أن تكون رمزًا للكنيسة.. فبينما كانت النساء في تلك الأيام يرخين شعورهن بدلاً من البرقع فإن الكنيسة تكسو أولادها بملابس وأغطية إلهيّة مجيدة.

وفي العهد القديم (في كنيسة إسرائيل) كانت الجماعة واحدة وكان الروح يغطي الخيمة بمجد رغم أنهم هم أنفسهم لم يكونوا حسب الروح، أما الآن فإن كلمة “كنيسة” تستعمل عن النفس بمفردها كما تستعمل عن الجماعة، لأن النفس تجمع كل أفكارها وملكاتها وتصير كنيسة لله. فالنفس جُعلت وكونت لتليق لعِشرة العريس السماوي وتكون لها شركة مع الإله السماوي، وهذا ينبغي أن يفهم عن النفس بمفردها كما على الكنيسة بجملتها. ولذلك يقول النبي عن أورشليم: “وجدتك مطروحة وعارية وألبستك مطرَّزة” (حز 16: 7-10) وهكذا يتكلم كأنه يخاطب شخصًا واحدًا..

مريم ومرثا والنصيب الصالح:

سؤال: ما معنى قول مرثا للرب عن مريم “إني مجتهدة في خدمة كثيرة بينما هي جالسة عند قدميك” (لو 10: 39-40)؟

الجواب: إن ما كان يجب أن تجيب به مريم مرثا، سبق الرب وأجابها به وقال إنها قد تركت كل شيء وجلست عند قدمي الرب، وصرفت النهار كله في تسبيح الله، وهكذا فإن جلوسها كان بسبب المحبة. ولكن لكي تتضح كلمة الله أكثر، انصتوا لما أقول. إن أي إنسان يحب يسوع، ويلازمه بغيرة وبحب وليس بطريقة عابرة، بل يلتصق به ويثبت فيه بمحبة شديدة، فإن الله يسبق ويرتب لمثل هذه النفس، لتنال جزاءً لمحبتها، رغم أن الإنسان لا يكون قد عرف حينئذٍ ما الذي سيناله من الله، أو ما هو النصيب الذي سيهبه الله للنفس.

فحينما أحبته مريم جلست عند قدميه فإن العطية التي وُهبت لها لم تكن موهبة مؤقتة، بل قد أفاض في داخلها نعمة خفية من ذات طبيعته، والكلمات التي تكلم بها، في سلام، إلى مريم كانت كلها روحًا، وقوة، ولما دخلت هذه الكلمات في قلبها، صارت نفسًا في نفسها وروحًا في روحها، وملأت القوة الإلهيّة قلبها، وحيثما تحل هذه القوة فهي تبقى هناك على الدوام، كميراث ونصيب لا يمكن أن يُنزع، لهذا السبب، فإن الرب الذي يعرف عطيته لها قال:

“إن مريم اختارت النصيب الصالح الذي لا يُنزع منها” (لو 10: 42) ولكن بعد ذلك بفترة، فإن ما فعلته مرثا بغيرة واجتهاد في طريق الخدمة، أدخلها كذلك إلى نفس تلك النعمة. فنالت هي أيضًا تلك القوة الإلهيّة في نفسها.

الحق يُظهر ذاته للنفوس المؤمنة:

ولماذا نتعجب من أولئك الذين أتوا إلى الرب واتصلوا به شخصيًا فنالوا قوته، إذ أن الرسل حينما كانوا يبشرون بالكلمة، كان الروح القدس يحلّ على أولئك الذين يؤمنون، وكرنيليوس نال القوة من الكلمة التي سمعها، فكم بالحري جدًا حينما يتكلم الرب إلى مريم، أو إلى زكا، أو إلى المرأة الخاطئة، التي حلت شعرها ومسحت قدمي الرب، أو إلى المرأة السامرية أو اللص، أفلا تخرج القوة من الرب ويعمل الروح القدس في نفوسهم.

وحتى الآن فأولئك الذين يحبون الله ويتركون كل الأشياء لأجله، ويواظبون على الصلاة، فإن الروح يعلمهم سرًا الأمور التي لم يكونوا يعرفونها. والحق نفسه يظهر لهم، بحسب اشتياقهم ورغبتهم فيه، ويعلمهم قائلاً: “أنا هو الحق” (يو 14: 6).

إن الرسل أنفسهم قبل الصليب، بملازمتهم للرب، رأوا آيات عظيمة- كيف كان البُرَّص يتطهرون، والموتى يقومون، ولكنهم لم يكونوا يعرفون حينئذٍ، كيف تدخل القوة الإلهيّة وتخرج وتعمل عملها في القلب، وكيف يولدون ثانية بالروح، ويشتركوا مع الروح السماوي ويصيروا خليقة جديدة. ولكنهم أحبوا الرب بسبب ما لمسوه من تأثير وآيات. والرب قال لهم: “لماذا تتعجبون من الآيات، إني أعطيكم ميراثًا عظيمًا لا يملك العالم كله مثله”.

إن كلماته كانت تبدو غريبة بالنسبة لهم، إلى أن قام من بين الأموات وصعد بالجسد إلى أعلا السموات من أجلنا، وبعد ذلك انسكب الروح المعزي ودخل في نفوسهم، واختلط بهم، والحق نفسه يظهر ذاته في النفوس المؤمنة، والإنسان السماوي- أي الرب- يأتي ليكون مع الإنسان الذي هو أنت. ويصير في شركة معك.

فجميع الذين يعطون أنفسهم ليخدموا، وبغيرة يفعلون كل شيء باجتهاد وإيمان ومحبة لله، فإن نفس هذه الخدمة تدخلهم، بعد فترة من الوقت، إلى معرفة الحق ذاته. لأن الرب ينكشف لنفوسهم، ويعلمهم طرق الروح القدس.. فالمجد والسجود للآب والابن والروح القدس، إلى الأبد. آمين.

نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الثانية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الحادية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الحادية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الحادية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

العظة الحادية عشر للقديس مقاريوس الكبير – نار الروح وفداء المسيح للنفس – د. نصحى عبد الشهيد

“إن قوة الروح القدس في قلب الإنسان المسيحي هي كالنار، وما هي

الأشياء التي نحتاجها لكي نميِّز الأفكار التي تنشأ داخل القلب. وعن الحيَّة

الميّتة التي رفعها موسى وثبتها على الساري في البريَّة، والتي كانت رمزًا

للمسيح. وتحتوي هذه العظة أيضًا على تصور لمحاورتين: واحدة بين

المسيح والشيطان، والأخرى بين الخطاة والشيطان”.

النار الإلهيّة وتجديد النفس:

أن تلك النار السماويَّة، نار اللاهوت، التي ينالها المسيحيون في قلوبهم الآن وهم في هذا العالم الحاضر، هذه النار نفسها التي تعمل في قلوبهم من الداخل، سوف تصير ظاهرة من الخارج حينما ينحل ويتحلَّل الجسد، ثم تجمع الأعضاء ثانية وتسبب (هذه النار) قيامة الأعضاء التي كانت قد انحلَّت واضمحلَّت.. فكما أن النار التي كانت تتقد على المذبح في أورشليم، ظلَّت مدفونة في حفرة أثناء فترة السبي.

وعندما حلَّ السلام ورجع المسبيون إلى أورشليم، تجدَّدت هذه النار نفسها واشتعلت كما كانت سابقًا قبل السبي (انظر 2 مكابيين 1: 19-22)، هكذا الآن أيضًا فإن النار السماويَّة تعمل في هذا الجسد الذي ألفناه- هذا الجسد الذي في انحلاله (بالموت) يتحول إلى نتانة وقذارة- فتجدِّد هذا الجسد وتقيمه بعد أن يكون قد اضمحل وفسد.. أن النار الداخلية التي تسكن الآن في القلب سوف تستعلن حينئذٍ من الخارج، وتتم قيامة الجسد.

ونار الأتون التي أوقدها نبوخذ نصَّر لم تكن نارًا إلهيّة، بل مخلوقة، ولكن الثلاثة فتية الذين بسبب برّهم طُرحوا في الأتون، هؤلاء بينما كانوا في وسط النار المنظورة، فقد كانوا حاصلين في قلوبهم على النار الإلهيّة السماويَّة عاملة في داخل أفكارهم وفاعلة بقوتها فيهم.. وهذه النار السماويَّة كشفت نفسها من الخارج أيضًا.. فحجزت بينه وبين النار المنظورة في الأتون وأوقفتها حتى لا تحرق الأبرار، ولا تؤذيهم بأي نوع من الأذى..

وكذلك حينما مال عقل شعب إسرائيل وأفكارهم بعيدًا عن الله الحيّ وتحولوا إلى عبادة الأوثان، فقد ألزموا هارون بأن يجمع أوانيهم وحليّهم الذهبية وقال هارون لموسى أنه لمَّا طرح الحلي الذهب في النار تحولت إلى صنم كما لو أن النار قد صوَّرت ما في نيتهم وكان هذا كأمر غريب.. فإنهم في نيتهم وأفكارهم تحولوا وزاغوا إلى عبادة الصنم، وبحسب رغبتهم وقصدهم شكَّلت النار من حليّهم عجلاً مسبوكًا من صناعتهم وعبدوه وسجدوا له جهرًا (خر 32: 2-24، 9)..

وكما أن الثلاثة فتية كان لهم أفكار البر، فقبلوا نار الله في داخلهم وعبدوا الرب بالحق كذلك الآن فإن النفوس المؤمنة تنال النار الإلهيّة السماويَّة في إنسانها الداخلي، وهي في هذا العالم، وتلك النار نفسها تطبع صورة سماوية في طبيعتهم البشريّة.

وكما أن النار صوَّرت الأواني الذهبية فصارت صنمًا، فكذلك الرب يحقق ويتمم مقاصد النفوس المؤمنة الصالحة، ويطبع ويصوِّر في النفوس منذ الآن الصورة السماويَّة الجديدة بحسب رغبتهم وشهوتهم، وهذه الصورة هي التي ستظهر في القيامة من الخارج، وتمجّد أجسادهم من الداخل ومن الخارج.. وكما أن الأجساد في هذا الزمان تضمحل وتموت وتتحلل، هكذا تفسد الأفكار بعمل الشيطان، وتموت عن الحياة الحقيقيّة وتدفن في الطين والتراب لأن نفوسهم تهلك..

وكما أن الإسرائيليين طرحوا الأواني الذهبية في النار فصارت صنمًا، كذلك الإنسان الآن قد سلَّم أفكاره النقيّة الصالحة للشر، فاندفنت في وحل الخطية وصارت صنمًا.. وما الذي يفعله الإنسان حتى يكتشفها ويعرفها ويميِّزها ويطرحها بعيدًا عن ناره الخاصة؟.. هنا تحتاج النفوس إلى المصباح الإلهي، وهو الروح القدس، الذي ينير ويجدد البيت المظلم.. إن النفوس تحتاج إلى شمس البرّ الساطعة، التي تضيء وتشرق على القلب وهي السلاح الذي تكسب به المعركة.

وفي حالة تلك المرأة التي أضاعت الدرهم، فإنها أوقدت المصباح أولاً، وبعد ذلك كنست البيت، وهكذا إذ كنست البيت والمصباح مشتعل، فقد وجدت الدرهم المفقود، مدفونًا في التراب والوسخ..

هكذا النفس أيضًا، لا تستطيع من ذاتها أن تجد أفكارها وتميِّزها، وتحرِّرها، ولكن حينما يوقد المصباح الإلهي فإنه ينير البيت المظلم، وحينئذٍ تنظر النفس أفكارها، وكيف كانت مدفونة في وحل ووسخ الخطية. وتشرق الشمس وترتفع فترى النفس حينئذٍ هلاكها وتبدأ في استرداد أفكارها التي كانت مشتتة ومختلطة بالوسخ وعدم الطهارة، لأن النفس في الحقيقة كانت قد طُمست صورتها حين خالفت الوصية.

الخليقة استعبدت مع الإنسان:

وإذا حدث أن ملكًا له خيرات وخدم تحت سلطانه يخدمونه، قد أخذه أعداؤه أسيرًا، فإنه حينما يُؤسر ويبعد عن مملكته، فإن خدامه وعبيده يتبعونه في أسره.. وهذا ما حدث لآدم، فإن الله خلقه نقيًا لخدمته وعبادته، وكل هذه المخلوقات أُعطيت له لخدمة احتياجاته، وجعله الله سيدًا وملكًا على جميع المخلوقات.. ولكن حينما جاءته الكلمة الشريرة (كلمة إبليس) وتحدث معها، قابلها أولاً بالسمع الخارجي، ثم نفذت إلى داخل قلبه وملكت على كل كيانه.. وحينما أُسر وأُمسك هكذا، فإن الخليقة التي كانت تخدمه وتلازمه أُمسكت وأُسرت معه.. وعن طريق آدم ملك الموت على كل نفس، وطُمست الصورة الإنسانية الكاملة نتيجة العصيان، حتى أن جنس البشر تحولوا وصاروا يعبدون الشياطين..

ويا للأسف فإن ثمار الأرض التي خلقها الله حسنة صارت تقدم للشياطين. فإنهم يضعون على مذابحهم خبزًا وخمرًا وزيتًا، بل ويقدمون ذبائح الحيوانات أيضًا وليس ذلك فقط، بل صاروا يقدمون بنيهم وبناتهم ذبائح للشياطين (مز 106: 37).

المسيح يجدد النفس ويعيد الخلقة:

ولذلك فقد جاء الذي خلق النفس والجسد، أي المسيح، جاء بشخصه وأبطل كل عمل الشرير، وكل أفعاله التي عملها في أفكار البشر، وجدَّد وأعاد خلقة الصورة السماويَّة، لكي يصنع تجديدًا للنفس، لكي يعود آدم مرة أخرى ملكًا وسيدًا على الموت.. وفي ظلال الناموس سمى موسى مخلِّصًا لإسرائيل لأنه أخرجهم من مصر وكذلك الآن فإن المسيح المخلِّص والمحرِّر الحقيقي، يدخل إلى مكامن النفس الخفيّة ويخرجها من ظلمة مصر، ومن النير الثقيل والعبودية القاسية المُرَّة.. ولذلك فهو يأمرنا، أن نخرج من العالم ونصير فقراء في الأمور الماديّة المنظورة ولا نهتم بالاهتمامات الأرضيّة، بل نقف ليلاً ونهارًا على الباب وننتظر الوقت الذي يفتح فيه الرب القلوب المغلقة ويسكب علينا موهبة الروح القدس.

ولذلك فقد أخبرنا أن نترك الذهب والفضة والأقرباء، ونبيع كل مالنا ونوزع على الفقراء وبذلك يكون لنا كنز في السماء “لأنه حيث يكون كنزك فهناك يكون قلبك أيضًا” (مت 6: 21) فالرب يعلم أن الشيطان يسود على الأفكار من هذه الناحية، ليهبط بها إلى الاهتمام والقلق على الأمور الماديّة والأرضيّة.. لهذا السبب فإن الله لأجل عنايته واهتمامه بنفسك، قد أخبرك أن تتخلى عن الكل حتى تستطيع أن تطلب الخيرات والكنوز السماويَّة، وتحفظ قلبك منقادًا ومشتاقًا لله، لأنك حتى لو ملت ورغبت أن ترجع إلى الأشياء الماديّة فإنك لا تجد شيئًا تملكه، وبذلك فإنك تضطر، شئت أو لم تشأ، أن تلجأ بعقلك نحو السماء حيث كنزت كنزك ووضعته، لأنه حيث يكون كنزك فهناك يكون قلبك أيضًا.

الحيَّة النحاسية والمسيح المصلوب:

لقد أمر الله موسى- في الشريعة- أن يصنع حيَّة من نحاس ويرفعها ويثبتها على رأس ساري فكان كل من لدغته الحيات ينال الشفاء بمجرد تثبيت نظره على الحيَّة النحاسية ولقد صنع موسى هذا بتدبير وقصد إلهي، حتى أن أولئك المعاقين بالاهتمامات الأرضيّة، وعبادة الأصنام، ولذات الشيطان، وكل أنواع الشر، (هذه الأشياء هي سم الحيات)- فإنهم بهذه الوسيلة يتطلعون إلى أعلى، إلى ما هو فوق إلى الأمور السمائيَّة وإذ يبتعدون بنظرهم عن الأشياء السفلية فترة من الوقت فإنهم يعطون اهتمامهم لما هو أعلى وأسمى، وهكذا يتقدمون رويدًا رويدًا إلى ما هو أعلى وأكثر سموًا لكي يعرفوا ويتعلموا ذلك الذي هو الأعلى جدًا والأسمى جدًا والفائق على كل الخليقة..

وهكذا فقد أمرك بالمثل أن تصير فقيرًا، وتبيع كل شيء وتعطي للفقراء، حتى أنك فيما بعد إذا أردت أن تنزل بأفكارك إلى أسفل إلى الأرضيات، فإن الأمر يكون غير مستطاع لديك. لذلك فإنك تبتديء تفحص قلبك وتحاور أفكارك وتقول “حيث إنه ليس لنا شيء على الأرض فلنتجه بقلوبنا نحو السماء، حيث يوجد كنزنا، وحيث يوجد شغلنا وربحنا” وهكذا يبتديء قلبك أن يرفع نظره إلى فوق، لطلب السماويَّات- يطلب ما هو فوق- وإذ تفعل هكذا فإنك تنمو في الروح.

ولكن ما المقصود بالحيَّة الميتة؟ الحيَّة المثبتة على رأس الساري كانت تشفي أولئك الذين لدغتهم الحيات. فالحيَّة النحاسيَّة التي بلا حياة قد أبطلت فعل سم الحيات التي فيها حياة. وهذا رمز إلى جسد الرب. فالجسد الذي أخذه من العذراء مريم الدائمة البتولية، قد قدمه على الصليب، وعقله هناك مثبتًا على الخشبة، وهذا الجسد المائت على الصليب غلب وقتل الحيَّة التي تعيش وتزحف داخل القلب.

هو أعجوبة عظيمة كيف أن حيَّة مائتة ذبحت الحيّ، ولكن كما أن موسى صنع أمرًا جديدًا لما عمل حيَّة من نحاس، هكذا الرب أيضًا قد صنع شيئًا جديدًا من العذراء مريم، ولبس هذا الجسد بدلاً من أن يحضر معه جسدًا من السماء فالروح السماوي دخل في الطبيعة الإنسانية وعمل فيها، وجعلها تدخل في شركة مع اللاهوت إذ لبس الجسد البشري الذي صوره وشكله في بطن العذراء. وكما أن الرب لم يأمر بصنع حيَّة من نحاس في العالم إلاَّ في عهد موسى، هكذا أيضًا لم يظهر في العالم جسد بلا خطية إلاَّ جسد الرب يسوع. لأنه حينما تعدى آدم الأول الوصية، ملك الموت وتسلط على جميع أبنائه بدون استثناء ولذلك جاء الرب وغلب بجسده المصلوب الحيَّة العائشة.

وهذا الأمر العجيب “هو لليهود عثرة ولليونانيين جهالة” (1 كو 1: 23) ولكن ماذا يقول الرسول؟.

يقول: “ولكننا نكرز بيسوع المسيح وإياه مصلوبًا، وهو لليهود عثرة ولليونانيين جهالة وأما عندنا نحن المخلَّصين فنكرز بالمسيح قوة الله وحكمة الله” (1 كو 1: 23-24)، (1 كو 2: 2) لأن الحياة هي في الجسد المائت على الصليب. هنا الفداء، هنا النور.

تصور محاورة بين المسيح وسلطان الموت:

هنا يأتي الرب إلى الموت ويحاوره ويأمر سلطان الموت أن يُخرج النفوس من الجحيم والموت، ويردها إليه. وكأن الموت قد انزعج من أمر الرب، وكأنه يذهب إلى خدامه ويجمعهم معًا مع كل قواته ويأتي رئيس الشر بوثيقة الدين وكأنه يقول: “انظر فإنهم قد أطاعوا كلماتي، انظر كيف صار بني البشر عبيدًا لنا”. ولكن الرب لكونه ديَّان عادل يظهر عدله هنا أيضًا.

وكأنه يقول للشيطان: “إن آدم قد أطاعك وأنت قد امتلكت قلوب كل البشر، وكل البشريّة أطاعتك ولكن ما الذي يفعله جسدي هنا، إن جسدي هو بلا خطيئة وإن كان جسد آدم الأول قد صار تحت سلطانك ولك الحق أن تستعبده بسبب الخطيئة، ولكن من جهتي أنا فالجميع يشهدون أني لم أخطيء قط، ولذلك ليس لك فيَّ شيء بالمرَّة، بل الكل يشهدون أني ابن الله، وقد جاء الصوت من أعلى السموات وشهد لي على الأرض قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا” (مت 3: 17)، (مت 17: 5). لقد شهد يوحنا أيضًا قائلاً: “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو 1: 29).

ويقول الكتاب أيضًا: “الذي لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه غش” (إش 53: 9)، (1 بط 2: 22) وأيضًا: “رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء” (يو 14: 30). وكأن الرب يقول للشيطان وأنت نفسك شهدت لي قائلاً: “أنا أعرفك من أنت، قدوس الله” (مر 1: 24)، “أنك أنت ابن الله” (مر 3: 11) وأيضًا قلت “ما لنا ولك يا يسوع الناصري، هل أتيت قبل الوقت لتهلكنا” (مت 8: 29، لو 4: 34). إن هناك ثلاثة شهود يشهدون لي- الأول هو الآب الذي أرسل الصوت من السماء، والثاني هم الذين شهدوا لي على الأرض والثالث هو أنت بعينك. وكأن الرب يقول للشيطان “ولذلك فأنا أفتدى الجسد الذي باعه لك آدم الأول، وأبطل صكوكك بصليبي.

لقد دفعت ديون آدم حينما صُلبت ونزلت إلى الجحيم، والآن أنا آمرك أيها الجحيم والظلمة والموت أن تطلق نفوس أبناء آدم المأسورين” وهكذا فالقوات الشريرة تصاب برعب شديد وتضرب بالفزع وتعيد نفوس آدم وبنيه التي كانت محبوسة.

المسيح يدخل إلى عمق قلبك ليقيمك:

ولكن حينما تسمع أن الرب خلَّص النفوس من الجحيم والظلمة، في ذلك الوقت ونزل إلى الجحيم وعمل عملاً مجيدًا، فلا تتصور أن هذه الأمور هي بعيدة جدًا عن نفسك أنت خاصة. فالإنسان عنده القابلية لدخول وقبول الشرير في حياته. والموت يمسك بنفوس أولاد آدم، فتنحبس أفكار النفس في الظلمة. وحينما تسمع عن القبور، لا تفكر فقط في القبور المنظورة، فإن قلبك ذاته هو قبر ومدفن وحينما يختبيء رئيس الشر وجنوده كامنين هناك (في القلب)، ويصنعون فيه طرقًا ومسالكًا، تسير فيها قوات الشيطان وتدخل إلى عقلك وأفكارك، ألا تكون أنت في هذه الحالة جحيمًا ومدفنًا وقبرًا، إنسانًا ميتًا من جهة الله؟ وهناك يصنع الشيطان فضة زائفة مرفوضة.

وفي هذه النفس يزرع بذور المرارة. ويخمِّرها بالخميرة العتيقة، فينبع فيها ينبوع الوحل والقذارة. ولذلك فإن الرب يأتي إلى النفوس التي تطلبه ويدخل إلى عمق جحيم القلب، وهناك يصدر أمره للموت قائلاً: أخرج النفوس المحبوسة التي تطلبني، التي تحتجزها أنت بالقوة وهكذا يكسر الرب الحجارة الثقيلة الموضوعة على النفس، ويفتح القبور ويقيم الإنسان الذي كان مائتًا بالحقيقة ويطلق النفس المحبوسة من السجن المظلم.

ومثل إنسان مقيَّد اليدين والرجلين بالسلاسل، ثم يأتيه شخصٍ ما يفك قيوده ويجعله ينطلق حرًا، هكذا الرب يحلّ النفس المقيَّدة بأغلال الموت من قيودها ويطلقها، ويطلق العقل حرًا ليحلق براحه وبدون عائق في الجو الإلهي. ولو افترضنا أن إنسانًا غرق في وسط نهر في شدة فيضانه وتغمره المياه فيصير بلا حياة وتحيط به الحيوانات المائية المخيفة.

فإذا أراد إنسان آخر أن ينقذه وهو لا يعرف السباحة فهو أيضًا يهلك ويغرق معه، وإنه لأمر واضح أنه يلزم وجود سبَّاح ماهر، وخبير لينزل إلى عمق المياه ويغطس حتى يرفع الإنسان الغارق وينقذه من وسط الحيوانات، فالماء نفسه حينما ينزل إليه إنسان ماهر في السباحة فإنه يساعد مثل هذا الإنسان ويحمله إلى السطح.

وبنفس الطريقة فإن النفس التي غطست وغرقت في هاوية الظلمة وعمق الموت، تنفصل عن الله في صحبة الحيوانات المخيفة، (هذه النفس) من الذي يستطيع أن ينزل إلى الأماكن المخيفة وإلى أعماق الجحيم والموت لينقذها إلاَّ ذلك الخبير والصانع العظيم الذي خلق النفس والجسد. وهو بشخصه يدخل إلى الناحيتين، إلى عمق الجحيم وإلى عمق القلب حيث يكون الموت ممسكًا بالنفس وأفكارها ويخرج آدم المائت من الهاوية المظلمة. إذن فحتى الموت نفسه- عن طريق التمرن والخبرة- يصير مساعدًا للإنسان، كما يفعل الماء مع السباح.

وأي صعوبة على الله أن يدخل إلى الموت، أو أن يدخل إلى عمق هاوية القلب ويدعو الإنسان المائت من هناك؟ ففي العالم الطبيعي، توجد بيوت ومساكن حيث يسكن البشر، وتوجد أماكن تسكن فيها الوحوش والأسود والتنانين وغيرها من الوحوش السامة.

فإن كانت الشمس- التي هي مخلوقة حينما تشرق تدخل في كل اتجاه، من النوافذ والأبواب وحتى إلى مغائر الأسود وجحور الثعابين ثم تخرج ثانية من كل هذه المواضع دون أن تصاب- أي الشمس- بأي ضرر، فكم بالحري جدًا عندما يدخل الله رب الكل إلى الأماكن المظلمة الضيقة والمساكن التي نصب فيها الموت خيمته. ويدخل إلى النفوس التي تعيش فيها ويوقظ الإنسان من الظلمة والموت دون أن يصاب الله بأي ضرر من الموت. والمطر أيضًا ينزل من السماء ويسري إلى أسافل الأرض وهناك يرطب ويجدد الجذور الجافة المائتة، وينشأ هناك زرعًا جديدًا.

النعمة تثبِّت وتسند الأخ المجاهد:

ومن الناس من له جهاد ومعاناة وحرب مع الشيطان، ومثل هذا الإنسان يكون منسحق القلب، ويكون في حرص وبكاء ودموع.. فإن كان هذا الإنسان يصبر ويحتمل، فإن الرب يكون معه في الحرب، ويحفظه ويحميه لأنه يطلب ويسعى بغيرة واشتياق، ويقرع على الباب إلى أن يفتح له، فإن رأيت أخًا صالحًا، فإن النعمة هي التي تثبِّته وتسنده، أما الإنسان الذي بلا أساس فلا تكون فيه مخافة الله هكذا.

وقلبه ليس منسحقًا وهو لا يعتني ويحرس قلبه وأعضاؤه بحيث يسلك باستقامة. فنفس مثل هذا الإنسان هي بعيدة عن النعمة وهو لم يدخل بعد في الحرب والجهاد. إذن يوجد فرق بين الإنسان الذي له حرب وجهاد وبين تلك الذي لا يعرف معنى الحرب. وحتى البذور حينما تُلقى في الأرض تعاني من الشتاء والصقيع وبرودة الهواء. ولكن في الوقت المناسب ينبت الزرع ويحيا.

تمسَّك بوعود الرب واطلبه باستمرار:

ويحدث أحيانًا أن الشيطان يتكلم في القلب قائلاً: انظر كم من الشرور فعلت! “انظر ما أكثر الحماقات التي تمتليء بها نفسك، وأنت مثقل بخطايا كثيرة حتى أنه لا يمكنك أن تخلص”. والشيطان يقول لك هذا لجذبك إلى اليأس وليجعلك تظن أن توبتك لا تُقبل فمنذ دخل الشر فينا بالمعصية، فقد صار يتحدث مع النفس كل ساعة كما يخاطب الإنسان صاحبه. وأما أنت فأجبه وقل: “إن عندي شهادات الرب المكتوبة، التي تقول “إني لا أُسر بموت الخاطيء بل أن يتوب ويرجع من شره فيحيا” (حز 13: 11، 18: 21).

ولأجل هذا الغرض قد نزل الرب وتجسد، ليخلِّص الخطاة وليقيم الموتى ويحيي النفوس التي هلكت وليضيء على الذين في الظلمة. إنه في الحقيقة قد جاء، ودعانا لنكون أبناء بالتبني، دعانا إلى المدينة المقدسة التي هي في سلام دائم، دعانا إلى الحياة التي لا موت فيها، وإلى المجد الذي لا يضمحل، فلنثبت إلى النهاية في الدعوة التي دعانا إليها وبدأنا فيها.

فلنظل في فقر وفي تغرُّب وفي احتمال الشدائد، وفي التوسل والصلاة لله قارعين الباب بلجاجة، والرب قريب إلينا أكثر من قرب النفس من الجسد. لذلك فهو يأتي ويفتح أبواب القلب المغلقة ويسكب علينا غناه وخيراته السمائيَّة. فهو صالح ومحب ومشفق على الإنسان، ومواعيده صادقة بلا كذب، إن كنا نستمر في طلبنا إياه إلى المنتهى.. والمجد لرأفات الآب والابن والروح القدس. آمين.

نار الروح وفداء المسيح للنفس – العظة الحادية عشر للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

الشركة والاتحاد بالعريس السماوي – العظة 10 للقديس مقاريوس الكبير

الشركة والاتحاد بالعريس السماوي – العظة 10 للقديس مقاريوس الكبير

الشركة والاتحاد بالعريس السماوي – العظة 10 للقديس مقاريوس الكبير

الشركة والاتحاد بالعريس السماوي – العظة 10 للقديس مقاريوس الكبير

“مواهب النعمة الإلهيّة تحفظ وتزاد باتضاع القلب والاهتمام الجاد، ولكنها تضيع بالكبرياء والكسل”.

المحبة الحارة للمسيح:

إن النفوس التي تحب الحق وتحب الله، وتشتهي برجاء كثير وإيمان أن تلبس المسيح كلية، لا تحتاج كثيرًا إلى تذكرة من الآخرين، بل أنها لا تحتمل ولا إلى لحظة، أن تكون محرومة من حبها المشتعل للرب واشتياقها السمائي له بل بالحري إذ يكونون مسمرين تمامًا وكلية في صليب المسيح، فإنهم يشعرون بإحساس النمو والتقدم الروحي نحو العريس الروحاني، وإذ يكونون مجروحين بالشوق السماوي، وجائعين إلى بر الفضائل، فلأنه يكون لهم رغبة عظيمة لا تنطفيء في إشراق وإنارة الروح..

العطش والشوق المتزايد:

وحتى إذا نالوا بواسطة إيمانهم، امتياز معرفة الأسرار الإلهيّة وحتى إذا جُعلوا شركاء في بهجة النعمة السماويَّة، فإنهم مع ذلك لا يضعون ثقتهم في أنفسهم، ولا يظنون أنهم شيء، بل بقدر ما يحسبون أهلاً لنوال المواهب الروحيَّة، بقدر ما يزدادون عطشًا للشهوة السماويَّة، ويزدادون في طلبها باجتهاد وسهر.

وبقدر ما يشعرون في أنفسهم بالتقدم الروحاني، فإنه يزدادون جوعًا وعطشًا إلى شركة النعمة وازديادها.. وبقدر ما يزدادون في الغنى الروحاني، فإنهم بقدر ذلك يعتبرون أنفسهم فقراء، إذ أنهم لا يشبعون من الشوق الروحاني الحار إلى العريس السماوي، كما يقول الكتاب “الذين يأكلون يعودون إليَّ جائعين، والذين يشربونني يعطشون” (ابن سيراخ 24: 21)..

التحرر من الشهوات وشركة الروح السرّية:

فمثل هذه النفوس، التي تحب الرب حبًا حارًا لا ينطفيء، تكون أهلاً للحياة الأبديّة، ولهذا السبب تُمنح لهم نعمة التحرر من الشهوات وينالون إشراق الروح القدس بالتمام، وحضوره الذي يفوق الوصف والشركة السرية معه في ملء النعمة.. ولكن بعض النفوس تتراخى ولا يكون لها همَّة وجراءة، فلا تطلب وهي هنا على الأرض في الجسد، أن تنال- بصبر وطول أناة- تقديس القلب، ليس جزئيًا بل تقديسًا تامًا، إذ هي لم تتوقع أبدًا أو تترجى أن يكون لها شركة كاملة في الروح المعزي بكل ثقة ويقين، وبكل إحساس واعٍ، ولم تتوقع أبدًا أن تتحرر من شهوات الشر بقوة الروح، أو ربما تكون، بعد أن نالت نعمة الله مرة، قد انخدعت بالخطية وأسلمت ذاتها للإهمال والتكاسل..

فهؤلأء إذ قد نالوا نعمة الروح، وحصلوا على بعض عزاء النعمة، في الراحة والشوق والحلاوة الروحانيّة، فإنهم يتكلون على هذا، ويتشامخون، ثم يصيرون مهملين، ولا يكون لهم انسحاق قلب، ولا عقل متضع، فلا هم يصلون إلى الدرجة الكاملة- درجة الحريّة من الشهوات- ولا هم ينتظرون ويطلبون الامتلاء التام بالنعمة بكل اجتهاد وسهر وإيمان، بل إنهم يشعرون بالاكتفاء، ويخلدون إلى الراحة قانعين بالعزاء القليل الذي نالوه من النعمة.. فالنمو القليل الذي حصلت عليه هذه النفوس كانت نتيجته الكبرياء بدلاً من التواضع ولذلك فإنهم على المدى الطويل يتجردون من كل نعمة أعطيت لهم، بسبب احتقارهم وإهمالهم، وبسبب خداعهم لأنفسهم بالعجرفة الباطلة.

الشركة السرّية مع العريس السماوي:

والنفس التي تحب الله والمسيح حقيقة، حتى إذا عملت عشرة آلاف من أعمال البر، فهي تعتبر ذاتها أنها لم تعمل شيئًا، بسبب حبها المشتعل الذي لا يخمد من نحو الله.. وبالرغم من أنها تجهد الجسد بأصوام، وبأسهار إلاَّ أنها في نظرتها إلى الفضائل تعتبر نفسها كأنها لم تبدأ بعد بأي عمل جَدِّي لأجلها..

وبالرغم من مواهب الروح المتنوعة، والاستعلانات والأسرار السماويَّة التي ينعم بها عليها، فهي تشعر في ذاتها أنها لم تحصل على شيء بالمرة، وذلك بسبب حبها غير المحدود، والذي لا ينطفيء من نحو الرب..

إنها تشتاق طوال النهار وتجوع وتعطش بالإيمان والمحبة وبمداومة الصلاة، وهي تستمر في شوق بلا شبع لأسرار النعمة، ولتتميم كل فضيلة. وهي تكون مجروحة بحب حار مشتكل حب الروح السماوي، ويتحرك في داخل نفسها باستمرار بالنعمة إلهام وشوق حار للعريس السماوي، راغبة أن تدخل دخولاً كاملاً إلى الشركة السرّية الفائقة الوصف معه، بتقديس الروح.

رؤية العريس السماوي في نور الروح:

وإذ يرتفع الحجاب عن وجه النفس، فإنها تحدّق في العريس السماوي وجهًا لوجه في نور الروح الذي لا يُعبَّر عنه، وتختلط به بملء الثقة، وتتشبه بموته، وترقب دائمًا بشوق عظيم أن تموت لأجل المسيح، وهي تثق بيقين شديد أنها ستنال بقوة الروح انعتاقًا كاملاً من الخطية ومن ظلمة الشهوات، حتى إذا ما اغسلت وتطهرت بالروح، وتقدَّست نفسًا وجسدًا يسمح لها حينئذٍ أن تكون إناءً طاهرًا معدًا لاستقبال المسحة السماويَّة، وحلول المسيح الملك الحقيقي وحينئذٍ تؤهل للحياة الأبديّة إذ تكون قد صارت منذ تلك الساعة مسكنًا طاهرًا للروح القدس.

الأتعاب والتجارب في طريق الملكوت:

5. ولكن النفس لا تصل إلى كل هذه الدرجات مرة واحدة أو بدون امتحان.. فبأتعاب كثيرة ومجاهدات، ووقت طويل واهتمام جاد، وبامتحانات وتجارب متنوعة، تنال النمو والتقدم الروحاني إلى أن تصل إلى درجة الحريّة الكاملة من الأهواء والشهوات، حتى إذا احتملت كل تجربة يجرِّبها بها الشرير، بصبر وشجاعة، فإنها حينئذٍ تتمتع بامتياز الحصول على الكرامات العظيمة، والمواهب الروحيَّة وكنوز الغنى السماوي، وهكذا تصير وارثة للملكوت السماوي بالمسيح يسوع ربنا الذي له المجد والقدرة إلى الأبد آمين.

الشركة والاتحاد بالعريس السماوي – العظة 10 للقديس مقاريوس الكبير

النعمة والتجارب والالتصاق بالرب وحده – العظة التاسعة للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

النعمة والتجارب والالتصاق بالرب وحده – العظة التاسعة للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

النعمة والتجارب والالتصاق بالرب وحده – العظة التاسعة للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

العظة التاسعة للقديس مقاريوس الكبير – النعمة والتجارب والالتصاق بالرب وحده – د. نصحى عبد الشهيد

“إن مواعيد ونبوات الله تتحقق بواسطة محن وتجارب متنوعة، وأن الذين يلتصقون بالله وحده، ينقذون من تجربة الشرير”.

قانون عمل النعمة:

إن الفاعليّة الروحانيّة التي لنعمة الله في داخل النفس، تعمل عملها بصبر عظيم، وحكمة وتدبير سرِّي للعقل، وفي أثناء ذلك يناضل الإنسان لأوقات وفترات طويلة باحتمال كثير، ثم ينكشف له أن عمل النعمة فيه، هو عمل كامل، وذلك عندما تمتحن إرادته بتجارب كثيرة ويتبرهن أنها (إرادته) مرضيَّة للروح، ويكون قد أظهر ثباتًا وصبرًا لفترة غير قصيرة. وسنبيِّن أن هذا هو قانون عمل النعمة بأمثلة واضحة في الكتاب المقدس.

أمثلة من الكتاب المقدس:

إن ما أقصده يظهر بوضوح في حالة يوسف، فقد اقتضى الأمر فترات طويلة من الزمن لكي تتحقق مشيئة الله وقصده السابق من جهة يوسف، وتتم الرؤيا التي رآها. وقد امتحن بآلام وشدائد وأحزان وقد احتملها جميعًا، وقد وُجد في جميعها خادمًا كاملاً آمينا لله، وبعد ذلك صار ملكًا على مصر وهو الذي عال أسرته وتحققت المناظر النبوية التي كان قد رآها قبل حدوثها بفترة طويلة ووصلت مشيئة الله إلى غايتها المحتومة من نحوه بعد زمن طويل وتدابير كثيرة.

كذلك الحال مع داود، فقد مسحه الله ملكًا بواسطة صموئيل النبي، وبعد أن مُسح، هرب من شاول الذي كان يطارده لكي يقتله، فما معنى مسح الله له إذًا؟ وأين الوعد الذي وُعد به أن يصير ملكًا بعدما مُسح؟ فإنه بعد أن مُسح حلَّت به شدائد كثيرة وكان يتجول في الصحاري، محرومًا حتى من الخبز ولجأ إلى الوثنيين بسبب مؤامرات شاول ضده.

كل هذه المصائب الشديدة أحاطت بذلك الإنسان الذي مسحه الله ملكًا، وبعد أن تجرَّب طويلاً وامتُحن، وبعد آلام وصبر، إذ قد وضع كل ثقته وإيمانه مرة واحدة في الله، وكأنه يقول لنفسه أن ما فعله الله بي بواسطة مسحة صموئيل النبي وما أمر الله به، لابد أن يحدث لي ولابد وأن يتحقق بدون أدنى شك، حتى وإن استلزم الأمر صبرًا كثيرًا، وبعد فترة من الوقت تمت مشيئة الله وتملَّك داود بعد كل تجاربه. وحينئذٍ أشهرت كلمة الله، وتبرهن أن المسحة التي مَسَحه بها على يدي صموئيل النبي، إنما هي أكيدة وحقيقيّة.

وهكذا الحال مع موسى فقد سبق الله فعرفه، وسبق فعيَّنه ليكون حاكمًا ومنقذًا للشعب، وجعله يصير ابنًا لابنة فرعون، وتربَّى في غنى وبهاء ومجد الملوك، وتعلَّم “بكل حكمة المصريين” (أع 7: 12) ولما بلغ سن الرجولة وصار عظيمًا، رفض كل تلك الأشياء مُفضلاً بالأحرى شدائد المسيح وعاره، كما يقول الرسول “على أن يكون لي تمتع وقتي بالخطية” (عب 11: 25).

وهرب من مصر وصرف وقتًا طويلاً يعمل كراعٍ للغنم، وهو الذي تربى كابن ملك وعاش في لذات القصر ونعيمه، وأخيرًا إذ وُجد مقبولاً لدى الله وآمينا من خلال الصبر الكثير- إذ أنه احتمل تجارب عديدة- أصبح بعد ذلك منقذًا وقائدًا وملكًا لإسرائيل، وقال الله له قد جعلتك “إلهًا لفرعون” (خر 7: 1) وبواسطته ضرب الله مصر بضربات كثيرة وأظهر بواسطته عجائب عظيمة على فرعون، وأخيرًا أغرق المصريين في البحر، فانظر بعد كم من الوقت ظهرت وأعلنت مشيئة الله وقصده، وبعد كم من التجارب والشدائد تحققت هذه المشيئة.

وهكذا أيضًا مع إبراهيم فإن الله كان قد وعده منذ زمن طويل أن يعطيه ابنًا، ولكنه لم يعطه له في الحال، بل خلال سنوات طويلة حلَّت به تجارب وضيقات! ولكن إبراهيم احتمل بصبر كل ما يأتي عليه وتقوى تمامًا بالإيمان موقنًا أن الذي وعد هو صادق ولا يمكن أن يكذب، بل سيتمم كلمته، وهكذا إذ آمن نال الموعد.

ونوح أيضًا، لما أمره الله وله من العمر خمسمائة سنة، أن يبني الفلك، وأخبره أنه سيجلب طوفانًا على العالم، ولم يأتِ الطوفان إلاَّ عندما كان نوح ابن ستمائة سنة، فظل منتظرًا بصبر مائة سنة ولم يشك في قول الله له بل تقوى بالإيمان موقنًا بأن ما تكلم الله به لابد أن يحدث، وإذ وُجد مقبولاً بسبب نية قلبه وايمانه وصبره، خلُص هو وأهل بيته فقط، لأنه حفظ الوصية بنقاوة.

امتحان الإرادة وطاعة الوصايا:

لقد استخرجنا هذه البراهين من الكتب المقدسة لكي نبيِّن أن نعمة الله في الإنسان، وموهبة الروح القدس المعطاة للنفس المؤمنة، تعمل مع جهاد كثير، وصبر عظيم وطول أناة، وتجارب وامتحانات، إذ تمتحن إرادة الإنسان الحرّة بكل أنواع الشدائد.

فإذا لم تحزن الروح في أي شيء، بل وجدت موافقة للنعمة بطاعتها لجميع الوصايا، فإنها تحسب حينئذٍ أهلاً للحصول على الحريّة من الشهوات وتنال ملء التبني بالروح- المتكلم عنه في سر- وتنال الغنى الروحي، والمعرفة والحكمة التي ليست من هذا العالم، هذه النعم التي قد أُعطي للمسيحيين الحقيقيين أن يصيروا شركاء فيها. ولأجل هذا فإنهم أعلى من كل ذوى الفطنة والمعرفة والحكمة من أهل العالم الذين لهم روح العالم.

فإن الشخص الروحي “يحكم في كل شيء” (1 كو 2: 15) كما هو مكتوب. إنه يعرف كل إنسان، ومن أين يأتي بأفكاره وكلامه وما هو موقفه والدرجات والمقاييس التي هو فيها، ولكن ليس أحد من أولئك الذين لهم روح العالم يستطيع أن يعرف الشخص الروحي أو يحكم فيه، إنما يستطيع أن يعرفه ذلك الذي له الروح السماوي- روح اللاهوت- مثله، وبذلك فإنه يكون له نفس معرفته كما يقول الرسول

“قارنين الروحيات بالروحيات، ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل الأشياء الخاصة بروح الله لأنها في نظره جهالة، أما الروحي فيحكم في كل شيء، وهو نفسه لا يحكم فيه من أحد” (1 كو 2: 13-15) فمثل هذا الإنسان ينظر إلى كل الأشياء التي يفخر بها العالم، ينظر إلى كل غنى العالم ولذاته وتمتعاته- بل وحتى معرفته ذاتها- وإلى كل الأشياء المختصة بهذا الدهر كأشياء مرفوضة وكريهة عنده.

نار حب المسيح:

وكما أن الإنسان الذي تتملكه الحمى الشديدة، يكره ويرفض أحلى الأطعمة والأشربة التي تقدم له بسبب اشتعال الحمى فيه، وشدة تأثيرها عليه، وهكذا الذين يشتعلون بالشهوة المقدسة، شهوة الروح، واشتياقه، وتجرح نفوسهم بالمحبة، محبة الله، وتشتعل فيهم نار المحبة السماويَّة بشدة تلك النار التي “جاء الرب ليلقيها على الأرض وهو لا يريد إلاَّ اضطرامها” (لو 12: 49) ويلتهبون بالشهوة السماويَّة للمسيح، هؤلاء كما قلنا سابقًا، يعتبرون كل الأشياء المجيدة والثمينة الخاصة بهذا العالم كأنها أشياء حقيرة وكريهة بسبب نار حب المسيح التي تحصرهم وتشعلهم وتضرمهم ليميلوا بكل قلوبهم إلى الله وإلى الخيرات السماويَّة- خيرات الحب الإلهي.

ذلك الحب الذي لا تستطيع كل الأشياء سواء في السماء أو على الأرض أو تحت الأرض- أن تفصلهم عنه، كما يشهد الرسول قائلاً: “من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف الخ.. لا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا” (رو 35-39).

الانشغال بالهدف الواحد:

ولكن من غير الممكن لأي إنسان أن يقتني نفسه (لو 21: 19) وأن يقتني المحبة السماويَّة- محبة الروح، بدون أن يجعل نفسه غريبًا عن كل الأشياء المختصة بهذا العالم، ويبذل نفسه في طلب حب المسيح، ويتجرد عقله من كل الاهتمامات الماديّة والارتباكات الأرضيّة لكي يكون مشغولاً انشغالاً كليًا بالهدف الواحد، ويتصرف في كل هذه الأشياء بواسطة الوصايا كلها، حتى أن كل اهتمامه وسعيه وكل انهماك وانشغال نفسه، يكون منحصرًا في اكتشاف الجوهر العقلي غير المادي، وفي كيفية تزيين النفس بالوصايا والفضائل، وبالزينة السماويَّة- زينة الروح.

وبالشركة في نقاوة المسيح وقداسته- حتى إذا تخلى عن كل شيء، وتحرّر من كل العوائق الأرضيّة والماديّة، وانطلق حرًا من المحبة الجسديّة، سواء كانت تعلقًا بالوالدين أو الأقرباء، فإنه لا يدع عقله أيضًا ينشغل أو يرتبك بأي أمر آخر مثل السلطان، أو المجد العالمي، أو الكرامات، وصداقات العالم الجسديّة، أو أي أفكار أرضية أخرى بل يصير كل اهتمام عقله وانشغاله وتلهفه منحصرًا في طلب جوهر النفس العقلي، وبكل قلبه ينتظر بتوقع ورجاء مجيء الروح عليه، كما يقول الرب: “بصبركم اقتنوا أنفسكم” (لو 21: 19) “وأيضًا اطلبوا ملكوت الله وهذه كلها تزاد لكم” (مت 6: 33).

فالإنسان الذي يسعى هكذا ويجتهد، ويكون محترسًا دائمًا، سواء بالصلاة أو بالطاعة، أو بكل نوع من الأعمال الإلهيّة، هذا الإنسان يستطيع أن ينجو من ظلمة الشياطين الأشرار.

الالتصاق بالرب وحده:

فالعقل الذي لا يهمل تفتيش ذاته ولا يهمل طلب الرب، يستطيع أن يقتني نفسه- النفس التي كانت في هلاك الشهوات- يقتنيها بتقديم نفسه كأسير لمحبة الرب بكل غيرة وقوة، وبالالتصاق به وحده، كما هو مكتوب: “مستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح” (2 كو 10: 5)، لكي بواسطة مثل هذا السعي والاشتياق والطلب يمكن أن يصير العقل “روحًا واحدًا مع الرب” (1 كو 6: 17) وهذه هي عطية المسيح ونعمته التي تحل في إناء النفس المستعدة لكل عمل صالح، و”التي لا تزدري بروح الرب” (عب 10: 29) باختيارها وإرادتها الذاتية أو بانحرافات هذا العالم، وأمجاده، ورئاساته، ولذاته الجسديّة، وألفة الأشرار ومعاشراتهم.

فحينما تخصص النفس ذاتها كلها للرب، وتلتصق به وحده وتسير حسب وصاياه، وتعطي روح المسيح حقه من الإكرام- الروح الذي قد أتى عليها وظللها- فإنها تحسب حينئذٍ أهلاً لأن تصير روحًا واحدًا وكيانًا واحدًا معه، كما يقول الرسول:

“وأما من التصق بالرب فهو روح واحد” (1 كو 6: 17) أما إذا سلَّم الإنسان نفسه للهموم أو لطلب المجد أو العظمة أو الكرامات البشريّة، وسعى وراء هذه الأشياء واختلطت نفسه وامتزجت بالأفكار الأرضيّة، أو ارتبطت وتقيدت بأي شيء من أمور هذا العالم، فإن مثل هذه النفس إذا اشتاقت أن تنطلق وتنجو وتهرب من ظلمة الشهوات التي قيَّدتها بها قوات الشر، فلأنها لا تستطيع أن تهرب، وذلك بسبب محبتها لأعمال الظلمة، ولأنها لا تبغض أعمال الشر بغضًا كاملاً.

لذلك فلنعد أنفسنا للمجيء إلى الرب بكل عزم القلب وبإرادة غير منقسمة، ونصير تابعين للمسيح، لنتمِّم كل ما يريده، و”لنذكر وصاياه لنعملها” (مز 103: 18).

ولنفصل أنفسنا تمامًا عن محبة العالم، ونربط نفوسنا بالرب وحده، ويكون هو وحده شاغل عقولنا ويكون هو همّنا وهو مطلبنا وحده. وإذا كان يلزمنا أن ننشكل بعض الشيء أيضًا بالجسد، وبالأشغال الموضوعة علينا، ومن أجل الطاعة لله، فحتى في هذه الحالات، لا ندع عقلنا يبتعد عن محبة الرب وطلبه والشوق إليه، وهكذا إذ نسعى ونجتهد بقلبٍ يقظ، سائرين في طريق البر بقصد مستقيم، ونحترس دائمًا لأنفسنا، فلأننا ننال موعد روحه، ونخلص بالنعمة من هلاك ظلمة الشهوات التي تحارب النفس، فنصير حينئذٍ أهلأ للملكوت الأبدي ويوهب لنا أن نتنعم كل الأبديّة مع المسيح، ممجدين الآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين.

العظة التاسعة للقديس مقاريوس الكبير – النعمة والتجارب والالتصاق بالرب وحده – د. نصحى عبد الشهيد

حالات الصلاة ودرجة الكمال – العظة الثامنة للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

حالات الصلاة ودرجة الكمال – العظة الثامنة للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

حالات الصلاة ودرجة الكمال – العظة الثامنة للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

حالات الصلاة ودرجة الكمال – العظة الثامنة للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

“في الأشياء التي تحدث للمسيحيين وقت الصلاة، وعن درجات الكمال- وهل من الممكن للمسيحيين أن يصلوا إلى حالة الكمال”.

قد يدخل الإنسان (إلى المخدع) ويركع، ويمتليء قلبه بالحرارة الإلهيّة، وتفرح نفسه مع الرب كما تفرح العروس مع عريسها حسب كلمة إشعياء النبي الذي يقول وكفرح العريس مع العروس يفرح بك إلهك” (إش 62: 5) وقد يحدث أن هذا الشخص الذي يكون مشغولاً النهار كله يعطي نفسه للصلاة لمدة ساعة، ويخطف الإنسان الباطن في الصلاة إلى العمق الذي ليس له قرار، عمق ذلك العالم الآخر، وهو في حالة عظيمة حتى أن عقله كله يتغرّب، إذ يرفع وينقل وينفصل مبتعدًا عن الأشياء الأرضيّة.

وفي أثناء هذه الفترة تحصل له حالة نسيان للاهتمامات والتفكير الأرضي. لأن أفكاره تكون مملوءة ومأسورة بالأمور الإلهيّة السماويَّة، والأشياء التي لا نهاية لها والتي تفوق الإدراك، الأشياء العجيبة الأكيدة التي لا يستطيع لسان بشري أن يُعبِّر عنها، حتى أنه يصلي ويقول في تلك الساعة “يا ليت نفسي تخرج مع صلاتي!”.

النعمة بين الاشتعال والتراجع:

سؤال: هل يستطيع كل واحد أن يدخل إلى هذه الأشياء في كل وقت؟

الجواب: إن النعمة حاضرة بلا انقطاع- وهي متأصلة فينا وممتزجة بنا مثل الخميرة منذ أول عمرنا إلى أن تصير ثابتة في الإنسان كطاقة طبيعية فيه وكأنها قد صارت جوهرًا واحدًا معه. ولكنها ترشد الإنسان بطرق متنوعة لأجل خيره وخلاصه بحسب تدبير النعمة. فأحيانًا تشتعل النار وتضطرم بشدة زائدة، وفي أحيان أخرى تكون خفيفة ولطيفة في اشتعالها، وكذلك النور الذي تعطيه يشتعل أحيانًا بلهيب وبريق زائد، وفي أوقات أخرى تخف شدة البريق وتضعف.

فالمصباح (أي قنديل النعمة) هو مشتعل ومضيء دائمًا، ولكن حينما يتألق ويتوهج، فإنه يشتعل كأنه سكران بمحبة الله، ثم يخفت أيضًا بتدبير الله، ورغم أن النور يكون موجودًا حتى عندما يخفت، إلاَّ أنه بالمقارنة بأوقات التوهج فإنه يُعتبر مظلمًا بعض الشيء.

والبعض (أثناء الصلاة) ظهرت لهم علامة الصليب مضيئة بنور والتصقت بالإنسان الباطن. وفي مرة أخرى حصل لإنسان ذهول في وسط الصلاة، فوجد نفسه واقفًا عند المذبح في الكنيسة، وقد قُدمت له ثلاثة أرغفة مخمَّرة بزيت، وكان كلما أكل منها، ازدادت وكثرت. وفي مرة أخرى أُحضر له مثل ثوب لامع مضيء، لا مثيل له على الأرض في هذا العالم، ولا تستطيع أيدي بشريَّة أن تصنع مثله، فكما حدث حينما صعد الرب إلى الجبل مع بطرس ويوحنا، تغيَّرت هيئة لباسه، وصار يلمع بالنور، هكذا الحال أيضًا مع هذا الثوب، وكان الإنسان الذي يلبسه، متعجبًا ومنذهلاً منه.

وفي مرة أخرى، فإن النور المضيء في القلب كشف عن النور الداخلي العميق المختفي، حتى أنه لما ابتلع من حلاوة التأمل، لم يعد يضبط نفسه، بل كان كأحمق أو جاهل بالنسبة لهذا العالم، وذلك بسبب المحبة والحلاوة الفائقة الحد، وبسبب الأسرار المخفية، حتى أن الإنسان في هذا الوقت، يصير في حريّة ويصل إلى درجة من درجات الكمال، ويكون نقيًا وحرًا من الخطية، ولكن بعد هذا كله تتراجع النعمة في تدفقها، ويقابله حجاب القوة المعادية، ولكن بالرغم من ذلك تظهر النعمة ذاتها جزئيًا، ويقف هو على الدرجة الأولى والسفلى من درجات الكمال.

ويمكن أن نقول، إنه توجد اثنتي عشرة درجة، يعبر بها الإنسان قبل أن يصل إلى الكمال: وقد يصل الإنسان إلى هذا المقياس ويدخل في حالة الكمال ويكون فيها لفترة ما، وبعد ذلك ترتخي النعمة عنه فينزل درجة واحدة إلى أسفل ويقف على الدرجة الحادية عشر.. وأما الإنسان الغني في النعمة فيظل دائمًا، ليلاً ونهارًا في حالة الكمال، في حريّة ونقاوة، مأسورًا دائمًا ومأخوذًا إلى فوق في السمو.

فالآن إن هذا الإنسان الذي تُكشف له تلك الأشياء العجيبة ويختبرها اختبارًا حقيقيًا، لو أنها كانت حاضرة معه كل حين بلا انقطاع فإنه لن يستطيع أن يقوم بتدبير الكلام ولا أن يحمل مسئولية أي عمل، ولا يستطيع أن يسمع أو أن يهتم بأي شيء عادي يختص بنفسه، أو بالغير، بل إنما يجلس في زاوية في حالة علو وسكر روحاني ولهذا السبب لم تُعطَ درجة الكمال بصورة مستمرة للإنسان، حتى يستطيع الإنسان أن يهتم بإخوته، ويهتم بخدمة الكلمة، ومع ذلك فإن حائط السياج المتوسط قد نقض” (أف 2: 14) والموت قد انغلب.

وتشبه هذه الحالة سحابة معتمة حول مصباح، تحجبه بخفة كالهواء الكثيف، رغم أن المصباح مشتعل ومضيء طول الوقت، مع وجود الحجاب المحيط بنور المصباح. هكذا هذا الإنسان، فإنه يعترف ويقول أنه ليس كاملاً وليس حرًا تمامًا من الخطية. وهو يقول إن حائط السياج المتوسط قد نقض وهدم، ومع ذلك يقول إن بعض أجزاء منه لم تهدم تمامًا أو لم تهدم في كل الأوقات. ففي بعض اللحظات تشتعل النعمة وتعزي وتريح وتنعش بدرجة عالية، وفي لحظات أخرى ترتخي ويخفت نورها ويصير معتمًا (بعض الشيء). وذلك بحسب تدبير النعمة نفسها، لما فيه منفعة الإنسان.

ولكن من هو الإنسان الذي وصل إلى الدرجة الكاملة في أزمنة النعمة الخاصة، وقد تذوق ذلك العالم (العلوي) واختبره اختبارًا مباشرًا؟ إني لم أبصر حتى الآن إنسانًا مسيحيًا كاملاً، إنسانًا يحيا في حريّة كاملة تمامًا. طبعًا يوجد هنا وهناك (مسيحيون) يقيمون براحة في النعمة، ويدخلون إلى الأسرار والإعلانات وإلى الحلاوة العظيمة التي للنعمة، ولا تزال الخطية حاضرة في الداخل.

والناس يعتبرون أنفسهم أحرارًا وكاملين بسبب النعمة الكثيرة والنور الذي فيهم، ولكنهم ينخدعون بسبب قلِّة الخبرة. هم تحت تأثير النعمة، ولكني لم أرَ واحدًا قط، حرًا تمامًا. وأنا نفسي وصلت جزئيًا إلى هذه الدرجة في بعض الأحيان، وقد تعلَّمت وعرفت أن ما وصلت إليه ليس هو حالة الكمال.

عمل النعمة في الإنسان:

سؤال: أخبرنا- إن شئت- ما هي الدرجات التي أنت فيها؟

جواب: بعد (رشم) علامة الصليب. تفعل النعمة هكذا: إنها تهديء كل الأعضاء وتهديء القلب، حتى أن النفس من كثرة الفرح، تظهر كأنها طفل بريء، ولا يعود الإنسان يدين الوثني ولا اليهودي، ولا الخاطيء ولا الإنسان العالمي. بل أن الإنسان الباطن ينظر كل الناس بعين نقيّة، ويفرح الإنسان بالعالم كله، ويودّ أن الجميع يصيرون محبين ويعبدون الله معًا يهود وأمم.

وفي لحظة أخرى يكون مثل ابن ملك، إذ يثق بابن الله كأب له، وتفتح له الأبواب فيدخل إلى منازل كثيرة (يو 14: 2) في الداخل، وبقدر ما يتعمق إلى الداخل، تفتح له أبواب أكثر فأكثر- مئات منازل تقود إلى مئات منازل بعدها، ويصير غنيًا، وعلى قدر ما يزداد غنى، تكشف له عجائب كثيرة أخرى، ويؤتمن كابن ووارث على أشياء لا يستطيع لسان أو فم بشري أن يعبِّر عنها أو ينطق بها.

المجد لله. آمين.

حالات الصلاة ودرجة الكمال – العظة الثامنة للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

محبة المسيح للإنسان – العظة السابعة للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

محبة المسيح للإنسان – العظة السابعة للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

محبة المسيح للإنسان – العظة السابعة للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

محبة المسيح للإنسان – العظة السابعة للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

“في محبة المسيح وإحسانه نحو الإنسان. وتحتوي العظة بعض أسئلة وأجوبة”

محبة المسيح المذهلة:

إذا تصورنا إنسانًا يدخل قصرًا ملوكيًا ليرى الصور وأعمال الفن الموجودة فيه، وما فيه من كنوز وأثاث، موضوعة في مكان من القصر، وأشياء أخرى ثمينة موضوعة في مكان آخر منه، وتصوَّر ذلك الإنسان وقد جلس مع الملك على المائدة، وقد وضعت أمامه المأكولات والمشروبات اللذيذة، ويمتليء انشراحًا من كل ناحية، بتأمله في كل الأشياء الجميلة هناك، ثم بعد كل ذلك يُطرد ذلك الإنسان من هناك ويُلقى في أماكن قذرة.

أو تصوروا عذراء جميلة تفوق بنات جنسها في جمالها وحكمتها وغناها، إلا أنها تتزوج برجل فقير دنيء قبيح الشكل، يلبس الخرق، فتنزع عنه ثيابه الرثة وتلبسه ثيابًا ملوكيًا وتضع تاجًا على رأسه وتتزوجه متحدة به، فيأخذ ذلك المسكين في التعجب والانذهال قائلاً: “هل لي أنا البائس المسكين الوضيع الدنيء أن أحوز مثل هذه الزوجة؟” وهذا هو ما صنعه الله مع الإنسان المسكين الشقي.

فقد أعطى الإنسان أن يذوق عالمًا آخر ويذوق طعامًا لذيذًا، إذ قد أظهر له الأمجاد والجمال الملوكي الفائق الوصف أي الجمال السماوي، وعندما يقارن الإنسان هذه الأمجاد الروحانيّة بأمور هذا العالم فإنه يترك هذه الأخيرة. وسواء كان ما يقع نظره عليه في هذا العالم، هو ملك أو أمير أو حكيم فإنه يحوِّل نظره ويثبته في الكنز السماوي. ولأن الله محبة، فقد أعطى للإنسان أن ينال نار المسيح الإلهيّة، التي بها يصير في راحة، ويفرح متهللاً، ويثبت هناك دائمًا.

سؤال: هل الشيطان حاضر مع الله سواء في الهواء أو بين الناس؟

الجواب: إن الشمس المنظورة هي إحدى المخلوقات، ومع ذلك، فهي تشرق على الأماكن القذرة دون أن تصاب بأي ضرر، فكم بالأحرى يستطيع الله الحيّ أن يكون حاضرًا في نفس المكان الذي فيه الشيطان دون أن يتدنس أو يتلوث. ولكن الشرير مصاب بالظلمة والعمى ولا يستطيع أن يرى نقاوة وجمال الله. وإما إن قال أحد أن الشيطان له مكانه الخاص والله له مكان آخر فإنه بذلك يجعل الله محدودًا خارج المكان الذي يسكن فيه الشرير.

فكيف نستطيع عندئذٍ أن نقول أن الصلاح والخير غير محصور، ويفوق الإدراك، وأن كل الأشياء موجودة فيه، ومع ذلك فإن الصلاح لا يتلوث بالشر، فماذا إذًا؟ هل لأن السماء والشمس والجبال هي في الله وهي قائمة به، فهل معنى ذلك أنها هي الله حاشا. بل إن الأشياء المخلوقة لها قوامها بحسب نظام خلقتها الخاص، ولكن الخالق وحده- الحاضر مع خلائقه- هو الله.

سؤال: حيث إن الخطية يمكن أن تتخذ شكل ملاك نور لتبدو في صورة النعمة، فكيف يميِّز الإنسان ويكشف خداعات الشرير وكيف يميِّز أعمال النعمة ليرحب بها. ويقبلها؟

الجواب: إن أمور النعمة يصاحبها فرح وسلام ومحبة وحق. والحق ذاته يحث الإنسان على طلب الحق، أما أشكال الخطية فيصاحبها اضطراب وليس محبة أو فرح نحو الله. كما أن نبات الهندباء يشبه الخس، ولكن أحدهما وهو الخس حلو وإنما الآخر- رغم كل مشابهته للخس إلاَّ أنه مر- هكذا الحال في مجال النعمة نفسها، فإنه يوجد ما هو شبيه بالحق، كما أن هناك جوهر الحق نفسه. فشعاع الشمس هو شيء وقرص الشمس نفسه هو شيء آخر.

ودرجة الإضاءة التي يعطيها الشعاع تختلف عن درجة إضاءة النور داخل قرص الشمس. فالمصباح الذي يضاء في المنزل يسطع شعاعه في كل البيت ولكن النور داخل المصباح نفسه أشد لمعانًا وبريقًا. وبنفس الطريقة في أمور النعمة، فحينما يلمح الإنسان النعمة من على بعد، فإنه يفرح بالنظر إليها، ولكنه يتغير ويصير شيئًا آخر تمامًا، حين تدخل فيه قوة الله وتملأ قلبه وكل أعضائه وتستأسر عقله لمحبة الله.

فحينما أمسكوا بطرس ووضعوه في السجن جاء ملاك الرب وكسر السلاسل وأخرجه، وهو مثل شخص في حالة ذهول، ظن أنه ينظر رؤيا.

سؤال: كيف يحدث أن يسقط الناس الذين تفعل فيهم نعمة الله؟

الجواب: حتى الكائنات العقلية تمامًا في طبيعتها هي معرَّضة للزلل والسقوط. فالإنسان الذي يبتديء أن يتشامخ، ويرتفع، يوبخ غيره قائلاً له: “أنت خاطيء”، بينما يعتبر نفسه بارًا. ألا تعلم ما يقوله القديس بولس: “ولئلا أرتفع بفرط الإعلانات أُعطيت شوكة في الجسد ملاك الشيطان ليلطمني لئلا أرتفع” (2 كو 12: 7) لأنه حتى الطبيعة النقيّة معرّضة للميل إلى التشامخ والارتفاع.

سؤال: هل يستطيع الإنسان أن يرى نفسه بواسطة النور؟

فإن بعض الناس يرفضون الإعلان الإلهي ويؤكدون أن الرؤى إنما تأتي بواسطة المعرفة والحواس؟

الجواب: إن العقل يختلف عن الرؤية، والرؤية غير الاستنارة والإنسان الذي عنده استنارة هو أعظم من الذي له عقل ومعرفة. لأن الإنسان المستنير قد نال عقله استنارة أكثر من الإنسان الذي له معرفة فقط. كما يظهر من رؤيته لرؤى داخل نفسه، لا يمكن أن تكون موضع شك. ولكن الإعلان هو شيء أعلى من الرؤى. فإن أمور الله العظيمة وأسراره إنما تعلن للنفس بواسطة الإعلان والوحي.

سؤال: هل يرى الإنسان النفس بواسطة الوحي (الإعلان) والنور الإلهي؟

الجواب: كما تنظر عيوننا الشمس، كذلك ينظر المستنيرون صورة النفس ولكن قليل من المسيحيين يبلغون إلى هذه الاستنارة.

سؤال: هل النفس لها شكل ما؟

الجواب: إن النفس لها صورة وشكل كما أن الملاك له صورة وشكل، وكما أن الملائكة لهم صورة وشكل، وأيضًا كما أن الإنسان الخارجي له صورته الخاصة هكذا الإنسان الداخلي له صورة مثل الملاك، وله شكل يقابل الشكل الخارجي.

سؤال: هل العقل شيء والنفس شيء آخر؟

الجواب: كما أن أعضاء الجسد وهي كثيرة تدعى إنسانًا واحدًا هكذا النفس لها أعضاء كثيرة وهي: العقل، والضمير، والإرادة، والأفكار “المشتكية والمحتجة” (رو 2: 15) وكل هذه مرتبطة معًا في نفس واحدة، إذ توجد أعضاء كثيرة أما النفس فهي واحدة، أي الإنسان الباطن.

ولكن كما أن العيون الخارجيّة تكشف قدامها، من على بعد، الأشواك والمهاوي والحفر، وتعطي إنذارًا مقدمًا، هكذا العقل حينما يكون في يقظة وانتباه، فإنه يكشف حيل وخداعات القوة المعادية ويسبق فيحصِّن النفس مقدمًا، إنه بالحقيقة هو عين النفس. فلنعطِ المجد للآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين.

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

محبة المسيح للإنسان – العظة السابعة للقديس مقاريوس الكبير – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version